«أَخْبَرَنِي مَنْ مَرَّ مَعَ نَبِيِّكُمْ ﷺ عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ، فَأَمَّنَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٣٢٢

الحديث رقم ١٣٢٢ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب سنة الصلاة على الجنازة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٣٢٢ في صحيح البخاري

«أَخْبَرَنِي مَنْ مَرَّ مَعَ نَبِيِّكُمْ عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ، فَأَمَّنَا فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ. فَقُلْنَا: يَا أَبَا عَمْرٍو، مَنْ حَدَّثَكَ؟» قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ .

بَابُ فَضْلِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ إِذَا صَلَّيْتَ فَقَدْ قَضَيْتَ الَّذِي عَلَيْكَ وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ مَا عَلِمْنَا عَلَى الجَنَازَةِ إِذْنًا وَلَكِنْ مَنْ صَلَّى ثُمَّ رَجَعَ فَلَهُ قِيرَاطٌ

إسناد حديث رقم ١٣٢٢ من صحيح البخاري

١٣٢٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٣٢٢: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمُسَيَّبِ: يُكَبِّرُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالسَّفَرِ وَالْحَضَرِ أَرْبَعًا. وَقَالَ أَنَسٌ : التَّكْبِيرَةُ الْوَاحِدَةُ اسْتِفْتَاحُ الصَّلَاةِ، وَقَالَ: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ وَفِيهِ صُفُوفٌ وَإِمَامٌ.

١٣٢٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ مَرَّ مَعَ نَبِيِّكُمْ عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ، فَأَمَّنَا، فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ، فَقُلْنَا: يَا أَبَا عَمْرٍو، مَنْ حَدَّثَكَ؟ قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ .

قَوْلُهُ: (بَابُ سُنَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: الْمُرَادُ بِالسُّنَّةِ مَا شَرَعَهُ النَّبِيُّ فِيهَا، يَعْنِي فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ، وَمُرَادُهُ بِمَا ذَكَرَهُ هُنَا مِنَ الْآثَارِ وَالْأَحَادِيثِ أَنَّ لَهَا حُكْمَ غَيْرِهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ وَالشَّرَائِطِ وَالْأَرْكَانِ، وَلَيْسَتْ مُجَرَّدَ دُعَاءٍ، فَلَا تُجْزِئُ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ مَثَلًا، وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ النَّبِيُّ : مَنْ صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ سَيَأْتِي مَوْصُولًا بَعْدَ بَابٍ، وَهَذَا اللَّفْظُ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ لِسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ سَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي أَوَائِلِ الْحَوَالَةِ، أَوَّلُهُ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ إِذْ أُتِيَ بِجِنَازَةٍ، فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا، فَقَالَ: هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ: صَلُّوا عَلَى النَّجَاشِيِّ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ قَرِيبًا.

قَوْلُهُ: (سَمَّاهَا صَلَاةً) أَيْ يُشْتَرَطُ فِيهَا مَا يُشْتَرَطُ فِي الصَّلَاةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ، فَإِنَّهُ لَا يُتَكَلَّمُ فِيهَا، وَيُكَبَّرُ فِيهَا وَيُسَلَّمُ مِنْهَا بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنِ اخْتُلِفَ فِي عَدَدِ التَّكْبِيرِ وَالتَّسْلِيمِ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يُصَلِّي إِلَّا طَاهِرًا) وَصَلَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: لَا يُصَلِّي الرَّجُلُ عَلَى الْجِنَازَةِ إِلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ.

قَوْلُهُ: (وَلَا يُصَلِّي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبِهَا) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا سُئِلَ عَنِ الْجِنَازَةِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ يَقُولُ: مَا صُلِّيَتَا لِوَقْتِهِمَا.

(تَنْبِيهٌ): مَا فِي قَوْلِهِ: (مَا صُلِّيَتَا) ظَرْفِيَّةٌ، يَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ إِذَا صُلِّيَتَا لِوَقْتِهِمَا. وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُمَا إِذَا أُخِّرَتَا إِلَى وَقْتِ الْكَرَاهَةِ عِنْدَهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهَا حِينَئِذٍ، وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ أَيْضًا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ - وَقَدْ أُتِيَ بِجِنَازَةٍ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ بِغَلَسٍ -: إِمَّا أَنْ تُصَلُّوا عَلَيْهَا، وَإِمَّا أَنْ تَتْرُكُوهَا حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ. فَكَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ يَرَى اخْتِصَاصَ الْكَرَاهَةِ بِمَا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا لَا مُطْلَقَ مَا بَيْنَ الصَّلَاةِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ غُرُوبِهَا. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ الصَّلَاةَ عَلَى الْجِنَازَةِ إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَحِينَ تَغْرُبُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عَنْهُ وَاضِحًا فِي بَابِ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ وَإِلَى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ ذَهَبَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.

قَوْلُهُ: (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) وَصَلَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ وَالْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: إِنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ عَلَى الْجِنَازَةِ. وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (١).

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ إِلَخْ) لَمْ أَرَهُ مَوْصُولًا، وَقَوْلُهُ: مَنْ رَضُوهُ فِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي: مَنْ رَضُوهُمْ بِصِيغَةِ

الْجَمْعِ. وَفَائِدَةُ أَثَرِ الْحَسَنِ هَذَا بَيَانُ أَنَّهُ نُقِلَ عَنِ الَّذِينَ أَدْرَكَهُمْ، وَهُوَ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُلْحِقُونَ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ بِالصَّلَوَاتِ الَّتِي يُجْمَعُ فِيهَا، وَقَدْ جَاءَ عَنِ الْحَسَنِ: أَنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ الْأَبُ، ثُمَّ الِابْنُ. أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ اخْتِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ جَمَاعَةٍ - مِنْهُمْ سَالِمٌ، وَالْقَاسِمُ، وَطَاوُسٌ - أَنَّ إِمَامَ الْحَيِّ أَحَقُّ. وَقَالَ عَلْقَمَةُ، وَالْأَسْوَدُ وَآخَرُونَ: الْوَالِي أَحَقُّ مِنَ الْوَلِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَالشَّافِعِيُّ: الْوَلِيُّ أَحَقُّ مِنَ الْوَالِي.

قَوْلُهُ: (وَإِذَا أَحْدَثَ يَوْمَ الْعِيدِ أَوْ عِنْدَ الْجِنَازَةِ يَطْلُبُ الْمَاءَ وَلَا يَتَيَمَّمُ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَلَامُ مَعْطُوفًا عَلَى أَصْلِ التَّرْجَمَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَقِيَّةَ كَلَامِ الْحَسَنِ، وَقَدْ وَجَدْتُ عَنِ الْحَسَنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافًا، فَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ شِنْظِيرٍ قَالَ: سُئِلَ الْحَسَنُ عَنِ الرَّجُلِ يَكُونُ فِي الْجِنَازَةِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، فَإِنْ ذَهَبَ يَتَوَضَّأَ تَفُوتُهُ، قَالَ: يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي. وَعَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ مِثْلَهُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لَا يَتَيَمَّمُ وَلَا يُصَلِّي إِلَّا عَلَى طُهْرٍ. وَقَدْ ذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى أَنَّهُ يُجْزِي لَهَا التَّيَمُّمُ لِمَنْ خَافَ فَوَاتَهَا لَوْ تَشَاغَلَ بِالْوُضُوءِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ عَطَاءٍ، وَسَالِمٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَرَبِيعَةَ، وَاللَّيْثِ وَالْكُوفِيِّينَ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَفِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ (١).

قَوْلُهُ: (وَإِذَا انْتَهَى إِلَى الْجِنَازَةِ يَدْخُلُ مَعَهُمْ بِتَكْبِيرَةٍ) وَجَدْتُ هَذَا الْأَثَرَ عَنِ الْحَسَنِ وَهُوَ يُقَوِّي الِاحْتِمَالَ الثَّانِي، قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ الْحَسَنِ فِي الرَّجُلِ يَنْتَهِي إِلَى الْجِنَازَةِ وَهُمْ يُصَلُّونَ عَلَيْهَا، قَالَ: يَدْخُلُ مَعَهُمْ بِتَكْبِيرَةٍ. وَالْمُخَالِفُ فِي هَذَا بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ. وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَفِي دُخُولِ الْمَسْبُوقِ بَيْنَ التَّكْبِيرَتَيْنِ أَوِ انْتِظَارِ التَّكْبِيرِ قَوْلَانِ. انْتَهَى.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ إِلَخْ) لَمْ أَرَهُ مَوْصُولًا عَنْهُ، وَوَجَدْتُ مَعْنَاهُ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الصَّحَابِيِّ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ مَوْقُوفًا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَنَسٌ: التَّكْبِيرَةُ الْوَاحِدَةُ اسْتِفْتَاحُ الصَّلَاةِ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: قَالَ رُزَيْقُ بْنُ كَرِيمٍ، لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: رَجُلٌ صَلَّى فَكَبَّرَ ثَلَاثًا؟ قَالَ أَنَسٌ: أَوَلَيْسَ التَّكْبِيرُ ثَلَاثًا؟ قَالَ: يَا أَبَا حَمْزَةَ التَّكْبِيرُ أَرْبَعٌ. قَالَ: أَجَلْ، غَيْرَ أَنَّ وَاحِدَةً هِيَ اسْتِفْتَاحُ الصَّلَاةِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ) أَيْ: اللَّهُ : ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ وَهَذَا مَعْطُوفٌ عَلَى أَصْلِ التَّرْجَمَةِ.

وَقَوْلُهُ: (وَفِيهِ صُفُوفٌ وَإِمَامٌ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَفِيهَا تَكْبِيرٌ وَتَسْلِيمٌ. قَرَأْتُ بِخَطِّ مُغَلْطَايْ: كَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ الرَّدَّ عَلَى مَالِكٍ، فَإِنَّ ابْنَ الْعَرَبِيِّ نَقَلَ عَنْهُ أَنَّهُ اسْتَحَبَّ أَنْ يَكُونَ الْمُصَلُّونَ عَلَى الْجِنَازَةِ سَطْرًا وَاحِدًا، قَالَ: وَلَا أَعْلَمُ لِذَلِكَ وَجْهًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ مَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ فِي اسْتِحْبَابِ الصُّفُوفِ. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ قَرِيبًا، وَمَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ قَوْلُهُ: فَأَمَّنَا فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ. قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ نَقْلًا عَنِ ابْنِ الْمُرَابِطِ وَغَيْرِهِ مَا مُحَصِّلُهُ: مُرَادُ هَذَا الْبَابِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْجِنَازَةِ إِنَّمَا هِيَ دُعَاءٌ لَهَا وَاسْتِغْفَارٌ، فَتَجُوزُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، فَأَوَّلُ الْمُصَنِّفُ الرَّدَّ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ التَّسْمِيَةِ الَّتِي سَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَاةً، وَلَوْ كَانَ الْغَرَضُ الدُّعَاءُ وَحْدَهُ لَمَا أَخْرَجَهُمْ إِلَى الْبَقِيعِ، وَلَدَعَا فِي الْمَسْجِدِ، وَأَمَرَهُمْ بِالدُّعَاءِ مَعَهُ أَوِ التَّأْمِينُ عَلَى دُعَائِهِ، وَلَمَا صَفَّهُمْ خَلْفَهُ كَمَا يَصْنَعُ فِي الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَالْمَسْنُونَةِ، وَكَذَا وُقُوفُهُ فِي الصَّلَاةِ وَتَكْبِيرُهُ فِي افْتِتَاحِهَا وَتَسْلِيمُهُ فِي التَّحَلُّلِ مِنْهَا كُلُّ ذَلِكَ دَالٌّ عَلَى أَنَّهَا عَلَى الْأَبْدَانِ، لَا عَلَى اللِّسَانِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤]) فسمَّاها صلاةً، وسقط قوله: «﴿مَّاتَ أَبَدًا﴾» عند أبي ذرٍّ وابن عساكر (وَفِيهِ) أي: في المذكور من صلاة الجنازة (صُفُوفٌ وَإِمَامٌ) وهو يدلُّ على الإطلاق أيضًا، والحاصل: أنَّ كلَّ ما ذكره يشهد لصحَّة الإطلاق المذكور، لكن اعترضه ابن رشيدٍ بأنَّه إن تمسَّك بالعرف الشَّرعيِّ عارضه عدم الرُّكوع والسُّجود، وإن تمسَّك بالحقيقة اللُّغويَّة (١) عارضته الشَّرائط المذكورة، ولم يستوِ التَّبادر في الإطلاق، فيدَّعي الاشتراك لتوقُّف الإطلاق على القيد عند إرادة الجنازة، بخلاف ذات الرُّكوع والسُّجود فتعيَّن الحمل على المجاز. انتهى. وأجيب بأنِّ المؤلِّف لم يستدلَّ على مطلوبه بمجرَّد تسميتها صلاةً، بل بذلك وبما انضمَّ إليه من وجود جميع الشَّرائط إلَّا الرُّكوع والسُّجود، وقد سبق ذكر حكمة حذفهما منها، فبقي ما عداهما على الأصل.

١٣٢٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ البصريُّ قاضي مكَّة (قال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) سليمان الكوفي (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَنْ مَرَّ مَعَ نَبِيِّكُمْ ) من أصحابه ممَّن لم يُسَمَّ (عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ)

بالذَّال المعجمة، وتنوين «قبرٍ»، و «منبوذٍ» صفةٌ له، أي: قبرٍ منفردٍ (١) عن القبور، ولأبي ذَرٍّ: «قبرِ منبوذٍ» بإضافة «قبرِ» لتاليه (٢)، أي: دُفِنَ فيه لقيطٌ: (فَأَمَّنَا فَصَفَفْنَا) بفاءين (خَلْفَهُ) وهذا موضع التَّرجمة؛ لأنَّ الإمامة وتسوية الصُّفوف من سنَّة صلاة الجنازة، قال الشَّيبانيُّ: (فَقُلْنَا) للشَّعبيِّ: (يَا أَبَا عَمْرٍو) بفتح العين (مَنْ) ولأبي ذَرٍّ: «ومَن» (حَدَّثَكَ) بهذا؟ (قَالَ): حدَّثني (ابْنُ عَبَّاسٍ ) فيه ردٌّ على من جوَّز صلاة الجنازة بغير طهارةٍ معلِّلًا بأنَّها إنَّما هي دعاءٌ للميِّت واستغفارٌ؛ لأنَّه لو كان المراد الدُّعاء وحده؛ لما أخرجهم النَّبيُّ إلى البقيع، ولدعا في المسجد، وأمرهم بالدُّعاء معه أو التَّأمين على دعائه (٣)، ولَمَا صفَّهم خلفه كما يصنع في الصَّلاة المفروضة والمسنونة، وكذا وقوفه في الصَّلاة، وتكبيره في افتتاحها، وتسليمه في التَّحلُّل منها، كلُّ ذلك دالٌّ على أنَّها على الأبدان لا على اللِّسان وحده، قاله ابن رُشَيدٍ نقلًا عن ابن المرابط كما أفاده في «فتح الباري».

(٥٧) (باب فَضْلِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ) أي: مع الصَّلاة عليها؛ لأنَّ الاتِّباع وسيلةٌ للصَّلاة (٤) كالدَّفن، فإذا تجرَّدت الوسيلة عن المقصد؛ لم يحصل المرتَّب على المقصود. نعم يرجى لفاعل ذلك حصول فضل ما بحسب نيَّته (وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاريُّ، كاتب الوحي، المتوفَّى سنة خمسٍ وأربعين بالمدينة () ممَّا وصله سعيد بن منصورٍ وابن أبي شيبة: (إِذَا صَلَّيْتَ) على الجنازة (فَقَدْ قَضَيْتَ الَّذِي عَلَيْكَ) من حقِّ الميِّت من الاتِّباع، فإن زدت الاتِّباع إلى الدَّفن زيد لك في الأجر، ومِن لازمِ الصَّلاة اتِّباع الجنازة (٥) غالبًا، فحصلت المطابقة.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمُسَيَّبِ: يُكَبِّرُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالسَّفَرِ وَالْحَضَرِ أَرْبَعًا. وَقَالَ أَنَسٌ : التَّكْبِيرَةُ الْوَاحِدَةُ اسْتِفْتَاحُ الصَّلَاةِ، وَقَالَ: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ وَفِيهِ صُفُوفٌ وَإِمَامٌ.

١٣٢٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ مَرَّ مَعَ نَبِيِّكُمْ عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ، فَأَمَّنَا، فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ، فَقُلْنَا: يَا أَبَا عَمْرٍو، مَنْ حَدَّثَكَ؟ قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ .

قَوْلُهُ: (بَابُ سُنَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: الْمُرَادُ بِالسُّنَّةِ مَا شَرَعَهُ النَّبِيُّ فِيهَا، يَعْنِي فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ، وَمُرَادُهُ بِمَا ذَكَرَهُ هُنَا مِنَ الْآثَارِ وَالْأَحَادِيثِ أَنَّ لَهَا حُكْمَ غَيْرِهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ وَالشَّرَائِطِ وَالْأَرْكَانِ، وَلَيْسَتْ مُجَرَّدَ دُعَاءٍ، فَلَا تُجْزِئُ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ مَثَلًا، وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ النَّبِيُّ : مَنْ صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ سَيَأْتِي مَوْصُولًا بَعْدَ بَابٍ، وَهَذَا اللَّفْظُ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ لِسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ سَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي أَوَائِلِ الْحَوَالَةِ، أَوَّلُهُ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ إِذْ أُتِيَ بِجِنَازَةٍ، فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا، فَقَالَ: هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ: صَلُّوا عَلَى النَّجَاشِيِّ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ قَرِيبًا.

قَوْلُهُ: (سَمَّاهَا صَلَاةً) أَيْ يُشْتَرَطُ فِيهَا مَا يُشْتَرَطُ فِي الصَّلَاةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ، فَإِنَّهُ لَا يُتَكَلَّمُ فِيهَا، وَيُكَبَّرُ فِيهَا وَيُسَلَّمُ مِنْهَا بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنِ اخْتُلِفَ فِي عَدَدِ التَّكْبِيرِ وَالتَّسْلِيمِ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يُصَلِّي إِلَّا طَاهِرًا) وَصَلَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: لَا يُصَلِّي الرَّجُلُ عَلَى الْجِنَازَةِ إِلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ.

قَوْلُهُ: (وَلَا يُصَلِّي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبِهَا) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا سُئِلَ عَنِ الْجِنَازَةِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ يَقُولُ: مَا صُلِّيَتَا لِوَقْتِهِمَا.

(تَنْبِيهٌ): مَا فِي قَوْلِهِ: (مَا صُلِّيَتَا) ظَرْفِيَّةٌ، يَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ إِذَا صُلِّيَتَا لِوَقْتِهِمَا. وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُمَا إِذَا أُخِّرَتَا إِلَى وَقْتِ الْكَرَاهَةِ عِنْدَهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهَا حِينَئِذٍ، وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ أَيْضًا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ - وَقَدْ أُتِيَ بِجِنَازَةٍ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ بِغَلَسٍ -: إِمَّا أَنْ تُصَلُّوا عَلَيْهَا، وَإِمَّا أَنْ تَتْرُكُوهَا حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ. فَكَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ يَرَى اخْتِصَاصَ الْكَرَاهَةِ بِمَا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا لَا مُطْلَقَ مَا بَيْنَ الصَّلَاةِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ غُرُوبِهَا. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ الصَّلَاةَ عَلَى الْجِنَازَةِ إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَحِينَ تَغْرُبُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عَنْهُ وَاضِحًا فِي بَابِ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ وَإِلَى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ ذَهَبَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.

قَوْلُهُ: (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) وَصَلَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ وَالْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: إِنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ عَلَى الْجِنَازَةِ. وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (١).

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ إِلَخْ) لَمْ أَرَهُ مَوْصُولًا، وَقَوْلُهُ: مَنْ رَضُوهُ فِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي: مَنْ رَضُوهُمْ بِصِيغَةِ

الْجَمْعِ. وَفَائِدَةُ أَثَرِ الْحَسَنِ هَذَا بَيَانُ أَنَّهُ نُقِلَ عَنِ الَّذِينَ أَدْرَكَهُمْ، وَهُوَ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُلْحِقُونَ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ بِالصَّلَوَاتِ الَّتِي يُجْمَعُ فِيهَا، وَقَدْ جَاءَ عَنِ الْحَسَنِ: أَنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ الْأَبُ، ثُمَّ الِابْنُ. أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ اخْتِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ جَمَاعَةٍ - مِنْهُمْ سَالِمٌ، وَالْقَاسِمُ، وَطَاوُسٌ - أَنَّ إِمَامَ الْحَيِّ أَحَقُّ. وَقَالَ عَلْقَمَةُ، وَالْأَسْوَدُ وَآخَرُونَ: الْوَالِي أَحَقُّ مِنَ الْوَلِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَالشَّافِعِيُّ: الْوَلِيُّ أَحَقُّ مِنَ الْوَالِي.

قَوْلُهُ: (وَإِذَا أَحْدَثَ يَوْمَ الْعِيدِ أَوْ عِنْدَ الْجِنَازَةِ يَطْلُبُ الْمَاءَ وَلَا يَتَيَمَّمُ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَلَامُ مَعْطُوفًا عَلَى أَصْلِ التَّرْجَمَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَقِيَّةَ كَلَامِ الْحَسَنِ، وَقَدْ وَجَدْتُ عَنِ الْحَسَنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافًا، فَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ شِنْظِيرٍ قَالَ: سُئِلَ الْحَسَنُ عَنِ الرَّجُلِ يَكُونُ فِي الْجِنَازَةِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، فَإِنْ ذَهَبَ يَتَوَضَّأَ تَفُوتُهُ، قَالَ: يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي. وَعَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ مِثْلَهُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لَا يَتَيَمَّمُ وَلَا يُصَلِّي إِلَّا عَلَى طُهْرٍ. وَقَدْ ذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى أَنَّهُ يُجْزِي لَهَا التَّيَمُّمُ لِمَنْ خَافَ فَوَاتَهَا لَوْ تَشَاغَلَ بِالْوُضُوءِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ عَطَاءٍ، وَسَالِمٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَرَبِيعَةَ، وَاللَّيْثِ وَالْكُوفِيِّينَ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَفِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ (١).

قَوْلُهُ: (وَإِذَا انْتَهَى إِلَى الْجِنَازَةِ يَدْخُلُ مَعَهُمْ بِتَكْبِيرَةٍ) وَجَدْتُ هَذَا الْأَثَرَ عَنِ الْحَسَنِ وَهُوَ يُقَوِّي الِاحْتِمَالَ الثَّانِي، قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ الْحَسَنِ فِي الرَّجُلِ يَنْتَهِي إِلَى الْجِنَازَةِ وَهُمْ يُصَلُّونَ عَلَيْهَا، قَالَ: يَدْخُلُ مَعَهُمْ بِتَكْبِيرَةٍ. وَالْمُخَالِفُ فِي هَذَا بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ. وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَفِي دُخُولِ الْمَسْبُوقِ بَيْنَ التَّكْبِيرَتَيْنِ أَوِ انْتِظَارِ التَّكْبِيرِ قَوْلَانِ. انْتَهَى.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ إِلَخْ) لَمْ أَرَهُ مَوْصُولًا عَنْهُ، وَوَجَدْتُ مَعْنَاهُ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الصَّحَابِيِّ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ مَوْقُوفًا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَنَسٌ: التَّكْبِيرَةُ الْوَاحِدَةُ اسْتِفْتَاحُ الصَّلَاةِ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: قَالَ رُزَيْقُ بْنُ كَرِيمٍ، لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: رَجُلٌ صَلَّى فَكَبَّرَ ثَلَاثًا؟ قَالَ أَنَسٌ: أَوَلَيْسَ التَّكْبِيرُ ثَلَاثًا؟ قَالَ: يَا أَبَا حَمْزَةَ التَّكْبِيرُ أَرْبَعٌ. قَالَ: أَجَلْ، غَيْرَ أَنَّ وَاحِدَةً هِيَ اسْتِفْتَاحُ الصَّلَاةِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ) أَيْ: اللَّهُ : ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ وَهَذَا مَعْطُوفٌ عَلَى أَصْلِ التَّرْجَمَةِ.

وَقَوْلُهُ: (وَفِيهِ صُفُوفٌ وَإِمَامٌ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَفِيهَا تَكْبِيرٌ وَتَسْلِيمٌ. قَرَأْتُ بِخَطِّ مُغَلْطَايْ: كَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ الرَّدَّ عَلَى مَالِكٍ، فَإِنَّ ابْنَ الْعَرَبِيِّ نَقَلَ عَنْهُ أَنَّهُ اسْتَحَبَّ أَنْ يَكُونَ الْمُصَلُّونَ عَلَى الْجِنَازَةِ سَطْرًا وَاحِدًا، قَالَ: وَلَا أَعْلَمُ لِذَلِكَ وَجْهًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ مَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ فِي اسْتِحْبَابِ الصُّفُوفِ. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ قَرِيبًا، وَمَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ قَوْلُهُ: فَأَمَّنَا فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ. قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ نَقْلًا عَنِ ابْنِ الْمُرَابِطِ وَغَيْرِهِ مَا مُحَصِّلُهُ: مُرَادُ هَذَا الْبَابِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْجِنَازَةِ إِنَّمَا هِيَ دُعَاءٌ لَهَا وَاسْتِغْفَارٌ، فَتَجُوزُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، فَأَوَّلُ الْمُصَنِّفُ الرَّدَّ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ التَّسْمِيَةِ الَّتِي سَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَاةً، وَلَوْ كَانَ الْغَرَضُ الدُّعَاءُ وَحْدَهُ لَمَا أَخْرَجَهُمْ إِلَى الْبَقِيعِ، وَلَدَعَا فِي الْمَسْجِدِ، وَأَمَرَهُمْ بِالدُّعَاءِ مَعَهُ أَوِ التَّأْمِينُ عَلَى دُعَائِهِ، وَلَمَا صَفَّهُمْ خَلْفَهُ كَمَا يَصْنَعُ فِي الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَالْمَسْنُونَةِ، وَكَذَا وُقُوفُهُ فِي الصَّلَاةِ وَتَكْبِيرُهُ فِي افْتِتَاحِهَا وَتَسْلِيمُهُ فِي التَّحَلُّلِ مِنْهَا كُلُّ ذَلِكَ دَالٌّ عَلَى أَنَّهَا عَلَى الْأَبْدَانِ، لَا عَلَى اللِّسَانِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤]) فسمَّاها صلاةً، وسقط قوله: «﴿مَّاتَ أَبَدًا﴾» عند أبي ذرٍّ وابن عساكر (وَفِيهِ) أي: في المذكور من صلاة الجنازة (صُفُوفٌ وَإِمَامٌ) وهو يدلُّ على الإطلاق أيضًا، والحاصل: أنَّ كلَّ ما ذكره يشهد لصحَّة الإطلاق المذكور، لكن اعترضه ابن رشيدٍ بأنَّه إن تمسَّك بالعرف الشَّرعيِّ عارضه عدم الرُّكوع والسُّجود، وإن تمسَّك بالحقيقة اللُّغويَّة (١) عارضته الشَّرائط المذكورة، ولم يستوِ التَّبادر في الإطلاق، فيدَّعي الاشتراك لتوقُّف الإطلاق على القيد عند إرادة الجنازة، بخلاف ذات الرُّكوع والسُّجود فتعيَّن الحمل على المجاز. انتهى. وأجيب بأنِّ المؤلِّف لم يستدلَّ على مطلوبه بمجرَّد تسميتها صلاةً، بل بذلك وبما انضمَّ إليه من وجود جميع الشَّرائط إلَّا الرُّكوع والسُّجود، وقد سبق ذكر حكمة حذفهما منها، فبقي ما عداهما على الأصل.

١٣٢٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ البصريُّ قاضي مكَّة (قال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) سليمان الكوفي (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَنْ مَرَّ مَعَ نَبِيِّكُمْ ) من أصحابه ممَّن لم يُسَمَّ (عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ)

بالذَّال المعجمة، وتنوين «قبرٍ»، و «منبوذٍ» صفةٌ له، أي: قبرٍ منفردٍ (١) عن القبور، ولأبي ذَرٍّ: «قبرِ منبوذٍ» بإضافة «قبرِ» لتاليه (٢)، أي: دُفِنَ فيه لقيطٌ: (فَأَمَّنَا فَصَفَفْنَا) بفاءين (خَلْفَهُ) وهذا موضع التَّرجمة؛ لأنَّ الإمامة وتسوية الصُّفوف من سنَّة صلاة الجنازة، قال الشَّيبانيُّ: (فَقُلْنَا) للشَّعبيِّ: (يَا أَبَا عَمْرٍو) بفتح العين (مَنْ) ولأبي ذَرٍّ: «ومَن» (حَدَّثَكَ) بهذا؟ (قَالَ): حدَّثني (ابْنُ عَبَّاسٍ ) فيه ردٌّ على من جوَّز صلاة الجنازة بغير طهارةٍ معلِّلًا بأنَّها إنَّما هي دعاءٌ للميِّت واستغفارٌ؛ لأنَّه لو كان المراد الدُّعاء وحده؛ لما أخرجهم النَّبيُّ إلى البقيع، ولدعا في المسجد، وأمرهم بالدُّعاء معه أو التَّأمين على دعائه (٣)، ولَمَا صفَّهم خلفه كما يصنع في الصَّلاة المفروضة والمسنونة، وكذا وقوفه في الصَّلاة، وتكبيره في افتتاحها، وتسليمه في التَّحلُّل منها، كلُّ ذلك دالٌّ على أنَّها على الأبدان لا على اللِّسان وحده، قاله ابن رُشَيدٍ نقلًا عن ابن المرابط كما أفاده في «فتح الباري».

(٥٧) (باب فَضْلِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ) أي: مع الصَّلاة عليها؛ لأنَّ الاتِّباع وسيلةٌ للصَّلاة (٤) كالدَّفن، فإذا تجرَّدت الوسيلة عن المقصد؛ لم يحصل المرتَّب على المقصود. نعم يرجى لفاعل ذلك حصول فضل ما بحسب نيَّته (وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاريُّ، كاتب الوحي، المتوفَّى سنة خمسٍ وأربعين بالمدينة () ممَّا وصله سعيد بن منصورٍ وابن أبي شيبة: (إِذَا صَلَّيْتَ) على الجنازة (فَقَدْ قَضَيْتَ الَّذِي عَلَيْكَ) من حقِّ الميِّت من الاتِّباع، فإن زدت الاتِّباع إلى الدَّفن زيد لك في الأجر، ومِن لازمِ الصَّلاة اتِّباع الجنازة (٥) غالبًا، فحصلت المطابقة.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله