«حُدِّثَ ابْنُ عُمَرَ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵃ يَقُولُ: مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٣٢٣

الحديث رقم ١٣٢٣ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب فضل اتباع الجنائز.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٣٢٣ في صحيح البخاري

«حُدِّثَ ابْنُ عُمَرَ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ فَقَالَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَيْنَا.

١٣٢٤ - فَصَدَّقَتْ، يَعْنِي عَائِشَةَ، أَبَا هُرَيْرَةَ، وَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُهُ: فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ» فَرَّطْتُ ضَيَّعْتُ مِنْ أَمْرِ اللهِ.

بَابُ مَنِ انْتَظَرَ حَتَّى تُدْفَنَ

إسناد حديث رقم ١٣٢٣ من صحيح البخاري

١٣٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يَقُولُ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٣٢٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَحْدَهُ، وَكَذَا امْتِنَاعُ الْكَلَامِ فِيهَا، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ؛ لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ بَعْضُ الْجَهَلَةِ أَنَّهَا عِبَادَةٌ لِلْمَيِّتِ فَيَضِلَّ بِذَلِكَ. انْتَهَى.

وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الِاتِّفَاقَ عَلَى اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ لَهَا إِلَّا عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: وَوَافَقَهُ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ عُلَيَّةَ، وَهُوَ مِمَّنْ يُرْغَبُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ قَوْلِهِ. وَنَقَلَ غَيْرُهُ أَنَّ ابْنَ جَرِيرٍ الطَّبَرِيَّ وَافَقَهُمَا عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبٌ شَاذٌّ، قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: وَفِي اسْتِدْلَالِ الْبُخَارِيِّ - بِالْأَحَادِيثِ الَّتِي صَدَّرَ بِهَا الْبَابَ مِنْ تَسْمِيَتِهَا صَلَاةً - لِمَطْلُوبِهِ مِنْ إِثباتِ شَرْطِ الطَّهَارَةِ إِشْكَالٌ، لِأَنَّهُ إِنْ تَمَسَّكَ بِالْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ عَارَضَهُ عَدَمُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَإِنْ تَمَسَّكَ بِالْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ عَارَضَتْهُ الشَّرَائِطُ الْمَذْكُورَةُ، وَلَمْ يَسْتَوِ التَّبَادُرُ فِي الْإِطْلَاقِ فَيَدَّعِي الِاشْتِرَاكَ؛ لِتَوَقُّفِ الْإِطْلَاقِ عَلَى الْقَيْدِ عِنْدَ إِرَادَةِ الْجِنَازَةِ بِخِلَافِ ذَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَتَعَيَّنَ الْحَمْلُ عَلَى الْمَجَازِ. انْتَهَى. وَلَمْ يَسْتَدِلَّ الْبُخَارِيُّ عَلَى مَطْلُوبِهِ بِمُجَرَّدِ تَسْمِيَتِهَا صَلَاةً، بَلْ بِذَلِكَ وَبِمَا انْضمَّ إِلَيْهِ مِنْ وُجُودِ جَمِيعِ الشَّرَائِطِ إِلَّا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْحِكْمَةِ فِي حَذْفِهِمَا مِنْهَا، فَبَقِيَ مَا عَدَاهُمَا عَلَى الْأَصْلِ.

وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: غَرَضُ الْبُخَارِيِّ بَيَانُ جَوَازِ إِطْلَاقِ الصَّلَاةِ عَلَى صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَكَوْنِهَا مَشْرُوعَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا رُكُوعٌ وَسُجُودٌ، فَاسْتَدَلَّ تَارَةً بِإِطْلَاقِ اسْمِ الصَّلَاةِ وَالْأَمْرِ بِهَا، وَتَارَةً بِإِثْبَاتِ مَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الصَّلَاةِ نَحْوَ عَدَمِ التَّكَلُّمِ فِيهَا، وَكَوْنِهَا مُفْتَتَحَةً بِالتَّكْبِيرِ مُخْتَتَمَةً بِالتَّسْلِيمِ، وَعَدَمِ صِحَّتِهَا بِدُونِ الطَّهَارَةِ، وَعَدَمِ أَدَائِهَا عِنْدَ الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ، وَبِرَفْعِ الْيَدِ وَإِثْبَاتِ الْأَحَقِّيَّةِ بِالْإِمَامَةِ، وَبِوُجُوبِ طَلَبِ الْمَاءِ لَهَا، وَبِكَوْنِهَا ذَاتَ صُفُوفٍ وإِمَامٍ. قَالَ: وَحَاصِلُهُ أَنَّ الصَّلَاةَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ ذَاتِ الْأَرْكَانِ الْمَخْصُوصَةِ وَبَيْنَ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ فِيهِمَا، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَقَدْ قَالَ بِذَلِكَ غَيْرُهُ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ بَحْثَ ابْنِ رَشِيدٍ أَقْوَى، وَمَطْلُوبُ الْمُصَنِّفِ حَاصِلٌ كَمَا قَدَّمْتُهُ بِدُونِ الدَّعْوَى الْمَذْكُورَةِ، بَلْ بِإِثْبَاتِ مَا مَرَّ مِنْ خَصَائِصِهَا كَمَا تَقَدَّمَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٥٧ - بَاب فَضْلِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ

وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : إِذَا صَلَّيْتَ فَقَدْ قَضَيْتَ الَّذِي عَلَيْكَ. وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ: مَا عَلِمْنَا عَلَى الْجَنَازَةِ إِذْنًا، وَلَكِنْ مَنْ صَلَّى ثُمَّ رَجَعَ، فَلَهُ قِيرَاطٌ

١٣٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يَقُولُ: حُدِّثَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ، فَقَالَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَيْنَا.

١٣٢٤ - فَصَدَّقَتْ يَعْنِي عَائِشَةَ، أَبَا هُرَيْرَةَ وَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُهُ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ. ﴿فَرَّطْتُ﴾: ضَيَّعْتُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ) قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ مَا مُحَصِّلُهُ مَقْصُودُ الْبَابِ: بَيَانُ الْقَدْرِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ مُسَمَّى الِاتِّبَاعِ الَّذِي يَجُوزُ بِهِ الْقِيرَاطُ. إِذْ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدَهُ إِجْمَالٌ، وَلِذَلِكَ صَدَّرَهُ بِقَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَآثَرَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَلَى الَّذِي بَعْدَهُ - وَإِنْ كَانَ أَوْضَحَ مِنْهُ فِي مَقْصُودِهِ - كَعَادَتِهِ الْمَأْلُوفَةِ فِي التَّرْجَمَةِ عَلَى اللَّفْظِ الْمُشْكِلِ لِيُبَيِّنَ مُجْمَلَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ طَرَفٌ مِنْ بَيَانِ مَا يَحْصُلُ بِهِ مُسَمَّى الِاتِّبَاعِ فِي بَابِ السُّرْعَةِ بِالْجِنَازَةِ، وَلَهُ تَعَلُّقٌ بِهَذَا الْبَابِ، وَكَأَنَّهُ قَصَدَ هُنَاكَ كَيْفِيَّةَ الْمَشْيِ وَأَمْكِنَتَهُ، وَقَصَدَ هُنَا مَا الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الِاتِّبَاعُ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ هُنَا

مَا الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصِدُ، إِذِ الِاتِّبَاعُ إِنَّمَا هُوَ وَسِيلَةٌ إِلَى تَحْصِيلِ الصَّلَاةِ مُنْفَرِدَةً أَوِ الدَّفْنِ مُنْفَرِدًا، أَوِ الْمَجْمُوعِ. قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى بَرَاعَةِ الْمُصَنِّفِ وَدِقَّةِ فَهْمِهِ وَسِعَةِ عِلْمِهِ.

وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ مَا مُحَصِّلُهُ: مُرَادُ التَّرْجَمَةِ إِثباتُ الْأَجْرِ وَالتَّرْغِيبِ فِيهِ، لَا تَعْيِينَ الْحُكْمِ، لِأَنَّ الِاتِّبَاعَ مِنَ الْوَاجِبَاتِ عَلَى الْكِفَايَةِ، فَالْمُرَادُ بِالْفَضْلِ مَا ذَكَرْنَاهُ لَا قَسِيمَ الْوَاجِبِ، وَأَجْمَلَ لَفْظَ الِاتِّبَاعِ تَبَعًا لِلَفْظِ الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدَهُ، لِأَنَّ الْقِيرَاطَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا لِمَنِ اتَّبَعَ وَصَلَّى، أَوِ اتَّبَعَ وَشَيَّعَ وَحَضَرَ الدَّفْنَ، لَا لِمَنِ اتَّبَعَ مَثَلًا وَشَيَّعَ ثُمَّ انْصَرَفَ بِغَيْرِ صَلَاةٍ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ الْحُجَّةِ لِذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاتِّبَاعَ إِنَّمَا هُوَ وَسِيلَةٌ لِأَحَدِ مَقْصُودَيْنِ: إِمَّا الصَّلَاةَ وَإِمَّا الدَّفْنَ، فَإِذَا تَجَرَّدَتِ الْوَسِيلَةُ عَنِ الْمَقْصِدِ لَمْ يَحْصُلِ الْمُرَتَّبُ عَلَى الْمَقْصُودِ، وَإِنْ كَانَ يُرْجَى أَنْ يَحْصُلَ لِفَاعِلِ ذَلِكَ فَضْلُ مَا بِحَسَبِ نِيَّتِهِ. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، قَالَ: اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ أَفْضَلُ النَّوَافِلِ. وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْهُ: اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: إِذَا صَلَّيْتَ فَقَدْ قَضَيْتَ الَّذِي عَلَيْكَ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ بِلَفْظِ: إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى الْجِنَازَةِ فَقَدْ قَضَيْتُمْ مَا عَلَي كُمْ، فَخَلُّوا بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَهْلِهَا. وَكَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، لَكِنْ بِلَفْظِ: إِذَا صَلَّيْتَ عَلَى جِنَازَةٍ فَقَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ. وَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ الْإِفْرَادِ، وَمَعْنَاهُ فَقَدْ قَضَيْتَ حَقَّ الْمَيِّتِ، فَإِنْ أَرَدْتَ الِاتِّبَاعَ فَلَكَ زِيَادَةُ أَجْرٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ: مَا عَلِمْنَا عَلَى الْجِنَازَةِ إِذْنًا وَلَكِنْ مَنْ صَلَّى ثُمَّ رَجَعَ، فَلَهُ قِيرَاطٌ) لَمْ أَرَهُ مَوْصُولًا عَنْهُ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: مُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ اسْتِعَارَةٌ بِأَنَّ الِاتِّبَاعَ إِنَّمَا هُوَ لِمَحْضِ ابْتِغَاءِ الْفَضْلِ، وَأَنَّهُ لَا يَجْرِي مَجْرَى قَضَاءِ حَقِّ أَوْلِيَاءِ الْمَيِّتِ، فَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِيهِ حَقٌّ لِيَتَوَقَّفَ الِانْصِرَافُ قَبْلَهُ عَلَى الْإِذْنِ مِنْهُمْ.

قُلْتُ: وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ الرَّدَّ عَلَى مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَمِيرَانِ وَلَيْسَا بِأَمِيرَيْنِ: الرَّجُلُ يَكُونُ مَعَ الْجِنَازَةِ يُصَلِّي عَلَيْهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ وَلِيَّهَا، الْحَدِيثَ. وَهَذَا مُنْقَطِعٌ مَوْقُوفٌ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِثْلَهُ مِنْ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ مِنْ فِعْلِهِ أَيْضًا، وَقَدْ وَرَدَ مِثْلُهُ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ فِيهِ مَقَالٌ، وَأَخْرَجَهُ الْعُقَيْلِيُّ فِي الضُّعَفَاءِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً فَحَمَلَ مِنْ عُلْوِهَا، وَحَثَا فِي قَبْرِهَا، وَقَعَدَ حَتَّى يُؤْذَنَ لَهُ رَجَعَ بِقِيرَاطَيْنِ. وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. وَالَّذِي عَلَيْهِ مُعْظَمُ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى قَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ.

قَوْلُهُ: (حُدِّثَ ابْنُ عُمَرَ) كَذَا فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ: حُدِّثَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ عَنْ نَافِعٍ عَلَى تَسْمِيَةِ مَنْ حَدَّثَ ابْنَ عُمَرَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِذَلِكَ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ أَصْحَابُ الْأَطْرَافِ وَالْحُمَيْدِيُّ فِي جَمْعِهِ فِي تَرْجَمَةِ نَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ (١) وَفِي نُسْخَةٍ سَمِعَهُ مِنْهُ. وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُحْتَمِلًا، وَوَقَفْتُ عَلَى تَسْمِيَةِ مَنْ حَدَّثَ ابْنَ عُمَرَ بِذَلِكَ صَرِيحًا فِي مَوْضِعَيْنِ:

أَحَدِهِمَا: فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَهُوَ خَبَّابٌ بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ، الْأُولَى مُشَدَّدَةٌ، وَهُوَ أَبُو السَّائِبِ الْمَدَنِيُّ صَاحِبُ الْمَقْصُورَةِ، قِيلَ: إِنَّ لَهُ صُحْبَةً، وَلَفْظُهُ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ: إِنَّهُ كَانَ قَاعِدًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ إِذْ طَلَعَ خَبَّابٌ صَاحِبُ الْمَقْصُورَةِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ؟، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.

وَالثَّانِي: فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَذَكَرْتُ

ذَلِكَ لِابْنِ عُمَرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَائِشَةَ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: مَنْ تَبِعَ) كَذَا فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ النَّبِيَّ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، لَكِنْ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ مَهْدِيِّ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَعَنْ أَبِي أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ، وَعَنِ التُّسْتَرِيِّ، عَنْ شَيْبَانَ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ مِنَ الْأَجْرِ. فَذَكَرَهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ لِمَنِ السِّيَاقُ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ شَيْبَانَ بْنِ فَرُّوخٍ كَذَلِكَ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ السِّيَاقَ لَهُ.

قَوْلُهُ: (مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ) زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ مِنَ الْأَجْرِ. وَالْقِيرَاطُ بِكَسْرِ الْقَافِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: أَصْلُهُ قِرَّاطٌ بِالتَّشْدِيدِ، لِأَنَّ جَمْعَهُ قَرَارِيطُ، فَأَبْدَلَ مِنْ أَحَدِ حَرْفَيْ تَضْعِيفِهِ يَاءً، قَالَ: وَالْقِيرَاطُ نِصْفُ دَانِقٍ. وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ: الدَّانِقُ سُدُسُ الدِّرْهَمِ. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْقِيرَاطُ جُزْءًا مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ جُزْءًا مِنَ الدِّرْهَمِ. وَأَمَّا صَاحِبُ النِّهَايَةِ فَقَالَ: الْقِيرَاطُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الدِّينَارِ، وَهُوَ نِصْفُ عُشْرِهِ فِي أَكْثَرِ الْبِلَادِ، وَفِي الشَّامِ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا، وَنَقَلَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، عَنِ ابْنِ عُقَيْلٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الْقِيرَاطُ نِصْفُ سُدُسِ دِرْهَمٍ، أَوْ نِصْفُ عُشْرِ دِينَارٍ. وَالْإِشَارَةُ بِهَذَا الْمِقْدَارِ إِلَى الْأَجْرِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْمَيِّتِ فِي تَجْهِيزِهِ وَغُسْلِهِ وَجَمِيعِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، فَلِلْمُصَلِّي عَلَيْهِ قِيرَاطٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلِمَنْ شَهِدَ الدَّفْنَ قِيرَاطٌ. وَذَكَرَ الْقِيرَاطَ تَقْرِيبًا لِلْفَهْمِ لَمَّا كَانَ الْإِنْسَانُ يَعْرِفُ الْقِيرَاطَ وَيَعْمَلُ الْعَمَلَ فِي مُقَابَلَتِهِ، وُعِدَ مِنْ جِنْسِ مَا يَعْرِفُ، وَضَرَبَ لَهُ الْمَثَلَ بِمَا يَعْلَمُ. انْتَهَى. وَلَيْسَ الَّذِي قَالَ بِبَعِيدٍ، وَقَدْ رَوَى البَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرةَ مَرْفُوعًا: مَنْ أَتَى جِنَازَةً فِي أَهْلِهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، فَإِنْ تَبِعَهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، فَإِنْ صَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، فَإِنِ انْتَظَرَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطٌ.

فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الْجِنَازَةِ قِيرَاطًا، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مَقَادِيرُ الْقَرَارِيطِ، وَلَا سِيَّمَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَشَقَّةِ ذَلِكَ الْعَمَلِ وَسُهُولَتِهِ، وَعَلَى هَذَا فَيُقَالُ: إِنَّمَا خَصَّ قِيرَاطَيِ الصَّلَاةِ وَالدَّفْنِ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِمَا الْمَقْصُودَيْنِ، بِخِلَافِ بَاقِي أَحْوَالِ الْمَيِّتِ، فَإِنَّهَا وَسَائِلُ، وَلَكِنَّ هَذَا يُخَالِفُ ظَاهِرَ سِيَاقِ الْحَدِيثِ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ الْمُتَقَدِّمِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ، فَإِنَّ فِيهِ: إِنَّ لِمَنْ تَبِعَهَا حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا، وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا قِيرَاطَيْنِ. فَقَطْ، وَيُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الْقِيرَاطَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لِمَنْ شَهِدَ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عُقَيْلٍ لِمَنْ بَاشَرَ الْأَعْمَالَ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَيْهَا الْمَيِّتُ فَافْتَرَقَا، وَقَدْ وَرَدَ لَفْظُ الْقِيرَاطِ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ: فَمِنْهَا مَا يُحْمَلُ عَلَى الْقِيرَاطِ الْمُتَعَارَفِ، وَمِنْهَا مَا يُحْمَلُ عَلَى الْجُزْءِ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنْ لَمْ تُعْرَفِ النِّسْبَةُ. فَمِنَ الْأَوَّلِ حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ مَرْفُوعًا: إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ بَلَدًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ. وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: كُنْتُ أَرْعَى غَنَمًا لِأَهْلِ مَكَّةَ بِالْقَرَارِيطِ. قَالَ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ: يَعْنِي كُلَّ شَاةٍ بِقِيرَاطٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: قَرَارِيطُ جَبَلٍ بِمَكَّةَ. وَمِنَ الْمُحْتَمَلِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الَّذِينَ أُوتُوا التَّوْرَاةَ: أُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا. وَحَدِيثُ الْبَابِ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ.

وَقَدْ جَاءَ تَعْيِينُ مِقْدَارِ الْقِيرَاطِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ بِأَنَّهُ مِثْلُ أُحُدٍ كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِثْلُ قَرَارِيطِنَا هَذِهِ؟ قَالَ: لَا، بَلْ مِثْلُ أُحُدٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ ذِكْرِ الْقِيرَاطِ فِي الْحَدِيثَيْنِ تَسَاوِيهِمَا، لِأَنَّ عَادَةَ الشَّارِعِ تَعْظِيمُ الْحَسَنَاتِ وَتَخْفِيفُ مُقَابِلِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْقَاضِي: الذَّرَّةُ جُزْءٌ مِنَ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ حَبَّةٍ، وَالْحَبَّةُ ثُلُثُ الْقِيرَاطِ، فَإِذَا كَانَتِ الذَّرَّةُ تُخْرِجُ مِنَ النَّارِ فَكَيْفَ بِالْقِيرَاطِ؟ قَالَ: وَهَذَا قَدْرُ قِيرَاطِ الْحَسَنَاتِ، فَأَمَّا قِيرَاطُ السَّيِّئَاتِ فَلَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْقِيرَاطُ فِي اقْتِنَاءِ الْكَلْبِ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ عَمَلِ الْمُقْتَنَى لَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِيرَاطِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ جُزْءٌ

مِنْ أَجْزَاءٍ مَعْلُومَةٍ عِنْدَ اللَّهِ، وَقَدْ قَرَّبَهَا النَّبِيُّ لِلْفَهْمِ بِتَمْثِيلِهِ الْقِيرَاطَ بِأُحُدٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ مِثْلُ أُحُدٍ تَفْسِيرٌ لِلْمَقْصُودِ مِنَ الْكَلَامِ لَا لِلَفْظِ الْقِيرَاطِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِنَصِيبٍ كَبِيرٍ مِنَ الْأَجْرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ لَفْظَ الْقِيرَاطِ مُبْهَمٌ مِنْ وَجْهَيْنِ، فَبَيَّنَ الْمَوْزُونَ بِقَوْلِهِ: مِنَ الْأَجْرِ. وَبَيَّنَ الْمِقْدَارَ الْمُرَادَ مِنْهُ بِقَوْلِهِ: مِثْلُ أُحُدٍ.

وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: أَرَادَ تَعْظِيمَ الثَّوَابِ فَمَثَّلَهُ لِلْعِيَانِ بِأَعْظَمِ الْجِبَالِ خَلْقًا، وَأَكْثَرِهَا إِلَى النُّفُوسِ الْمُؤْمِنَةِ حُبًّا، لِأَنَّهُ الَّذِي قَالَ فِي حَقِّهِ: إِنَّهُ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ. انْتَهَى. وَلِأَنَّهُ أَيْضًا قَرِيبٌ مِنَ الْمُخَاطَبِينَ يَشْتَرِكُ أَكْثَرُهُمْ فِي مَعْرِفَتِهِ، وَخُصَّ الْقِيرَاطَ بِالذِّكْرِ، لِأَنَّهُ كَانَ أَقَلَّ مَا تَقَعُ بِهِ الْإِجَارَةُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، أَوْ جَرَى ذَلِكَ مَجْرَى الْعَادَةِ مِنْ تَقْلِيلِ الْأَجْرِ بِتَقْلِيلِ الْعَمَلِ. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: مَنْ تَبِعَ عَلَى أَنَّ الْمَشْيَ خَلْفَ الْجِنَازَةِ أَفْضَلُ مِنَ الْمَشْيِ أَمَامَهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ حَقِيقَةُ الِاتِّبَاعِ حِسًّا. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الَّذِينَ رَجَّحُوا الْمَشْيَ أَمَامَهَا حَمَلُوا الِاتِّبَاعَ هُنَا عَلَى الِاتِّبَاعِ الْمَعْنَوِيِّ أَيِ الْمُصَاحَبَةِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَمَامَهَا أَوْ خَلْفَهَا، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَهَذَا مَجَازٌ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ الدَّالُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّقَدُّمِ رَاجِحًا. انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي بَابِ السُّرْعَةِ بِالْجِنَازَةِ وَذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ.

قَوْلُهُ: (أَكْثَرَ عَلَيْنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) قَالَ ابْنُ التِّينِ: لَمْ يَتَّهِمْهُ ابْنُ عُمَرَ، بَلْ خَشِيَ عَلَيْهِ السَّهْوَ، أَوْ قَالَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ لَمْ يُنْقَلْ لَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ رَفَعَهُ، فَظَنَّ أَنَّهُ قَالَ بِرَأْيِهِ فَاسْتَنْكَرَهُ. انْتَهَى. وَالثَّانِي جُمُودٌ عَلَى سِيَاقِ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ رَفَعَهُ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: قَوْلُهُ أَكْثَرَ عَلَيْنَا أَيْ فِي ذِكْرِ الْأَجْرِ، أَوْ فِي كَثْرَةِ الْحَدِيثِ، كَأَنَّهُ خَشِيَ لِكَثْرَةِ رِوَايَاتِهِ أَنْ يَشْتَبِهَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْأَمْرِ. انْتَهَى. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ: فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ فَتَعَاظَمَهُ. وَفِي رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عِنْدَ سَعِيدٍ أَيْضًا وَمُسَدَّدٍ، وَأَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ انْظُرْ مَا تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ .

قَوْلُهُ: (فَصَدَّقَتْ - يَعْنِي عَائِشَةَ - أَبَا هُرَيْرَةَ) لَفْظُ يَعْنِي لِلْبُخَارِيِّ، كَأَنَّهُ شَكَّ فَاسْتَعْمَلَهَا. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي النُّعْمَانِ شَيْخِهِ، فَلَمْ يَقُلْهَا. وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَبَعَثَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى عَائِشَةَ يَسْأَلَهَا، فَصَدَّقَتْ أَبَا هُرَيْرَةَ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِابْنِ عُمَرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَائِشَةَ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ: صَدَقَ وَفِي رِوَايَةِ خَبَّابٍ صَاحِبِ الْمَقْصُورَةِ عِنْدَ مُسْلِمٍ. فَأَرْسَلَ ابْنُ عُمَرَ، خَبَّابًا إِلَى عَائِشَةَ يَسْأَلَهَا عَنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ، ثُمَّ يَرْجِعَ إِلَيْهِ فَيُخْبِرَهُ بِمَا قَالَتْ، حَتَّى رَجَعَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ، فَقَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ صَدَقَ أَبُو هُرَيْرَةَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ: فَقَامَ أَبُو هُرَيْرَةَ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا عَائِشَةَ، فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْشُدُكِ اللَّهَ أَسَمِعْتِ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ. . . فَذَكَرَهُ. فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ نَعَمْ. وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الرَّسُولَ لَمَّا رَجَعَ إِلَى ابْنِ عُمَرَ بِخَبَرِ عَائِشَةَ بَلَغَ ذَلِكَ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَمَشَى إِلَى ابْنِ عُمَرَ، فَأَسْمَعَهُ ذَلِكَ مِنْ عَائِشَةَ مُشَافَهَةً، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ الْوَلِيدِ: فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَمْ يَشْغَلْنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ غَرْسُ الْوَدِيِّ، وَلَا صَفْقٌ بِالْأَسْوَاقِ، وَإِنَّمَا كُنْتُ أَطْلُبُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ أَكْلَةً يُطْعِمنِيهَا أَوْ كَلِمَةً يُعَلِّمْنِيهَا. قَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: كُنْتَ أَلْزَمَنَا لِرَسُولِ اللَّهِ وَأَعْلَمَنَا بِحَدِيثِهِ.

قَوْلُهُ: (لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ) أَيْ مِنْ عَدَمِ الْمُوَاظَبَةِ عَلَى حُضُورِ الدَّفْنِ، بَيَّنَ ذَلِكَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَلَمَّا بَلَغَهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ. . . فَذَكَرَهُ.

وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ دَلَالَةٌ عَلَى تَمَيُّزِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْحِفْظِ، وَأَنَّ إِنْكَارَ الْعُلَمَاءِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ قَدِيمٌ، وَفِيهِ اسْتِغْرَابُ الْعَالِمِ مَا لَمْ يَصِلْ إِلَى عِلْمِهِ، وَعَدَمُ مُبَالَاةِ الْحَافِظِ بِإِنْكَارِ مَنْ لَمْ يَحْفَظْ، وَفِيهِ مَا كَانَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ مِنَ التَّثَبُّتِ فِي الْحَدِيثِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ) بضمِّ الحاء المهملة، البصريُّ التَّابعيُّ ممَّا قال (١) الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه لم يره موصولًا عنه: (مَا عَلِمْنَا عَلَى الجَنَازَةِ إِذْنًا) يُلتمس من أوليائها للانصراف بعد الصَّلاة (وَلَكِنْ مَنْ صَلَّى ثُمَّ رَجَعَ فَلَهُ قِيرَاطٌ) فلا يفتقر إلى الإذن، وهذا مذهب الشَّافعيِّ والجمهور، وقال قومٌ: لا ينصرف إلَّا بإذنٍ، ورُوِيَ عن عمر وابنه وأبي هريرة وابن مسعود والمِسْوَر بن مَخْرمة، والنَّخعيِّ، وحُكِيَ عن مالكٍ.

١٣٢٣ - ١٣٢٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) بفتح الجيم في الأوَّل، وبالحاء المهملة والزَّاي في الثَّاني (قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا) مولى ابن عمر (يَقُولُ: حُدِّثَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب، بضمِّ الحاء المهملة وكسر الدَّال: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ (٢) يَقُولُ) ووقع في «مسلمٍ» تسميةُ من حدَّث ابنَ عمر بذلك عن أبي هريرة، ولفظه من طريق داود بن عامر بن سعدٍ عن أبيه: أنَّه كان قاعدًا عند عبد الله بن عمر إذ طلع خبَّاب صاحب المقصورة، فقال: يا عبد الله بن عمر، ألا تسمع ما يقول أبو هريرة … ؟ فذكره موقوفًا (٣)، لم يذكر النَّبيَّ كما هنا، وهو كذلك في جميع الطُّرق، لكن رواه أبو عَوانة في «صحيحه» فقال: قيل لابن عمر: إنَّ أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله يقول (٤): (مَنْ تَبِعَ (٥) جَنَازَةً) وصلَّى عليها

(فَلَهُ قِيرَاطٌ) من الأجر المتعلِّق بالميِّت من تجهيزه وغسله ودفنه والتَّعزية به وحمل الطَّعام إلى أهله، وجميع ما يتعلَّق به، وليس المراد جنس الأجر لأنَّه يدخل فيه ثواب الإيمان والأعمال كالصَّلاة والحجِّ وغيره، وليس في صلاة الجنازة ما يبلغ ذلك، وحينئذٍ فلم يبقَ إلَّا أن يرجع إلى المعهود، وهو الأجر العائد على الميِّت، قاله أبو الوفاء بن عَقِيلٍ، ويؤيِّده حديث أبي هريرة: «من أتى جنازةً في أهلها فله قيراطٌ، فإن تبعها فله قيراطٌ، فإن صلَّى عليها فله قيراطٌ، فإن انتظرها حتَّى تدفن فله قيراطٌ» رواه البزَّار بسندٍ ضعيفٍ (١)، قال في «الفتح»: فهذا يدلُّ على أنَّ لكلِّ عملٍ من أعمال الجنازة قيراطًا وإن اختلفت مقادير القراريط، ولا سيما بالنِّسبة إلى مشقَّة ذلك العمل وسهولته، ومقدارُ القيراطِ ومبحثه يأتي إن شاء الله تعالى في الباب التَّالي [خ¦١٣٢٥] (فَقَالَ) ابن عمر : (أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَيْنَا) لم يتَّهمه ابن عمر بأنَّه روى ما لم (٢) يسمع، بل جوَّز عليه السَّهو والاشتباه لكثرة رواياته، أو قال ذلك لأنَّه لم يرفعه، فظنَّ ابن عمر أنَّه قاله (٣) برأيه اجتهادًا، فأرسل ابن عمر إلى عائشة يسألها عن ذلك. (فَصَدَّقَتْ -يَعْنِي: عَائِشَةَ- أَبَا هُرَيْرَةَ) وللمُستملي وأبي الوقت: «بقول أبي هريرة» (وَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُهُ) الضَّمير المستتر للنَّبيِّ ، والبارز للحديث، أي: يقول رسولُ الله ذلك (فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ) أي: في عدم المواظبة على حضور الدَّفن، كما وقع مبيَّنًا في حديث (٤) مسلمٍ، ولفظه: كان ابن عمر يصلِّي على الجنازة ثمَّ ينصرف، فلمَّا بلغه حديث أبي هريرة قال: فذكره، قال المؤلِّف مفسِّرًا لقوله: لقد فرَّطنا (فَرَّطْتُ: ضَيَّعْتُ مِنْ أَمْرِ اللهِ).

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَحْدَهُ، وَكَذَا امْتِنَاعُ الْكَلَامِ فِيهَا، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ؛ لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ بَعْضُ الْجَهَلَةِ أَنَّهَا عِبَادَةٌ لِلْمَيِّتِ فَيَضِلَّ بِذَلِكَ. انْتَهَى.

وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الِاتِّفَاقَ عَلَى اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ لَهَا إِلَّا عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: وَوَافَقَهُ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ عُلَيَّةَ، وَهُوَ مِمَّنْ يُرْغَبُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ قَوْلِهِ. وَنَقَلَ غَيْرُهُ أَنَّ ابْنَ جَرِيرٍ الطَّبَرِيَّ وَافَقَهُمَا عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبٌ شَاذٌّ، قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: وَفِي اسْتِدْلَالِ الْبُخَارِيِّ - بِالْأَحَادِيثِ الَّتِي صَدَّرَ بِهَا الْبَابَ مِنْ تَسْمِيَتِهَا صَلَاةً - لِمَطْلُوبِهِ مِنْ إِثباتِ شَرْطِ الطَّهَارَةِ إِشْكَالٌ، لِأَنَّهُ إِنْ تَمَسَّكَ بِالْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ عَارَضَهُ عَدَمُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَإِنْ تَمَسَّكَ بِالْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ عَارَضَتْهُ الشَّرَائِطُ الْمَذْكُورَةُ، وَلَمْ يَسْتَوِ التَّبَادُرُ فِي الْإِطْلَاقِ فَيَدَّعِي الِاشْتِرَاكَ؛ لِتَوَقُّفِ الْإِطْلَاقِ عَلَى الْقَيْدِ عِنْدَ إِرَادَةِ الْجِنَازَةِ بِخِلَافِ ذَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَتَعَيَّنَ الْحَمْلُ عَلَى الْمَجَازِ. انْتَهَى. وَلَمْ يَسْتَدِلَّ الْبُخَارِيُّ عَلَى مَطْلُوبِهِ بِمُجَرَّدِ تَسْمِيَتِهَا صَلَاةً، بَلْ بِذَلِكَ وَبِمَا انْضمَّ إِلَيْهِ مِنْ وُجُودِ جَمِيعِ الشَّرَائِطِ إِلَّا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْحِكْمَةِ فِي حَذْفِهِمَا مِنْهَا، فَبَقِيَ مَا عَدَاهُمَا عَلَى الْأَصْلِ.

وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: غَرَضُ الْبُخَارِيِّ بَيَانُ جَوَازِ إِطْلَاقِ الصَّلَاةِ عَلَى صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَكَوْنِهَا مَشْرُوعَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا رُكُوعٌ وَسُجُودٌ، فَاسْتَدَلَّ تَارَةً بِإِطْلَاقِ اسْمِ الصَّلَاةِ وَالْأَمْرِ بِهَا، وَتَارَةً بِإِثْبَاتِ مَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الصَّلَاةِ نَحْوَ عَدَمِ التَّكَلُّمِ فِيهَا، وَكَوْنِهَا مُفْتَتَحَةً بِالتَّكْبِيرِ مُخْتَتَمَةً بِالتَّسْلِيمِ، وَعَدَمِ صِحَّتِهَا بِدُونِ الطَّهَارَةِ، وَعَدَمِ أَدَائِهَا عِنْدَ الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ، وَبِرَفْعِ الْيَدِ وَإِثْبَاتِ الْأَحَقِّيَّةِ بِالْإِمَامَةِ، وَبِوُجُوبِ طَلَبِ الْمَاءِ لَهَا، وَبِكَوْنِهَا ذَاتَ صُفُوفٍ وإِمَامٍ. قَالَ: وَحَاصِلُهُ أَنَّ الصَّلَاةَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ ذَاتِ الْأَرْكَانِ الْمَخْصُوصَةِ وَبَيْنَ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ فِيهِمَا، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَقَدْ قَالَ بِذَلِكَ غَيْرُهُ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ بَحْثَ ابْنِ رَشِيدٍ أَقْوَى، وَمَطْلُوبُ الْمُصَنِّفِ حَاصِلٌ كَمَا قَدَّمْتُهُ بِدُونِ الدَّعْوَى الْمَذْكُورَةِ، بَلْ بِإِثْبَاتِ مَا مَرَّ مِنْ خَصَائِصِهَا كَمَا تَقَدَّمَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٥٧ - بَاب فَضْلِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ

وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : إِذَا صَلَّيْتَ فَقَدْ قَضَيْتَ الَّذِي عَلَيْكَ. وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ: مَا عَلِمْنَا عَلَى الْجَنَازَةِ إِذْنًا، وَلَكِنْ مَنْ صَلَّى ثُمَّ رَجَعَ، فَلَهُ قِيرَاطٌ

١٣٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يَقُولُ: حُدِّثَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ، فَقَالَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَيْنَا.

١٣٢٤ - فَصَدَّقَتْ يَعْنِي عَائِشَةَ، أَبَا هُرَيْرَةَ وَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُهُ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ. ﴿فَرَّطْتُ﴾: ضَيَّعْتُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ) قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ مَا مُحَصِّلُهُ مَقْصُودُ الْبَابِ: بَيَانُ الْقَدْرِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ مُسَمَّى الِاتِّبَاعِ الَّذِي يَجُوزُ بِهِ الْقِيرَاطُ. إِذْ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدَهُ إِجْمَالٌ، وَلِذَلِكَ صَدَّرَهُ بِقَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَآثَرَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَلَى الَّذِي بَعْدَهُ - وَإِنْ كَانَ أَوْضَحَ مِنْهُ فِي مَقْصُودِهِ - كَعَادَتِهِ الْمَأْلُوفَةِ فِي التَّرْجَمَةِ عَلَى اللَّفْظِ الْمُشْكِلِ لِيُبَيِّنَ مُجْمَلَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ طَرَفٌ مِنْ بَيَانِ مَا يَحْصُلُ بِهِ مُسَمَّى الِاتِّبَاعِ فِي بَابِ السُّرْعَةِ بِالْجِنَازَةِ، وَلَهُ تَعَلُّقٌ بِهَذَا الْبَابِ، وَكَأَنَّهُ قَصَدَ هُنَاكَ كَيْفِيَّةَ الْمَشْيِ وَأَمْكِنَتَهُ، وَقَصَدَ هُنَا مَا الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الِاتِّبَاعُ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ هُنَا

مَا الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصِدُ، إِذِ الِاتِّبَاعُ إِنَّمَا هُوَ وَسِيلَةٌ إِلَى تَحْصِيلِ الصَّلَاةِ مُنْفَرِدَةً أَوِ الدَّفْنِ مُنْفَرِدًا، أَوِ الْمَجْمُوعِ. قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى بَرَاعَةِ الْمُصَنِّفِ وَدِقَّةِ فَهْمِهِ وَسِعَةِ عِلْمِهِ.

وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ مَا مُحَصِّلُهُ: مُرَادُ التَّرْجَمَةِ إِثباتُ الْأَجْرِ وَالتَّرْغِيبِ فِيهِ، لَا تَعْيِينَ الْحُكْمِ، لِأَنَّ الِاتِّبَاعَ مِنَ الْوَاجِبَاتِ عَلَى الْكِفَايَةِ، فَالْمُرَادُ بِالْفَضْلِ مَا ذَكَرْنَاهُ لَا قَسِيمَ الْوَاجِبِ، وَأَجْمَلَ لَفْظَ الِاتِّبَاعِ تَبَعًا لِلَفْظِ الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدَهُ، لِأَنَّ الْقِيرَاطَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا لِمَنِ اتَّبَعَ وَصَلَّى، أَوِ اتَّبَعَ وَشَيَّعَ وَحَضَرَ الدَّفْنَ، لَا لِمَنِ اتَّبَعَ مَثَلًا وَشَيَّعَ ثُمَّ انْصَرَفَ بِغَيْرِ صَلَاةٍ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ الْحُجَّةِ لِذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاتِّبَاعَ إِنَّمَا هُوَ وَسِيلَةٌ لِأَحَدِ مَقْصُودَيْنِ: إِمَّا الصَّلَاةَ وَإِمَّا الدَّفْنَ، فَإِذَا تَجَرَّدَتِ الْوَسِيلَةُ عَنِ الْمَقْصِدِ لَمْ يَحْصُلِ الْمُرَتَّبُ عَلَى الْمَقْصُودِ، وَإِنْ كَانَ يُرْجَى أَنْ يَحْصُلَ لِفَاعِلِ ذَلِكَ فَضْلُ مَا بِحَسَبِ نِيَّتِهِ. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، قَالَ: اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ أَفْضَلُ النَّوَافِلِ. وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْهُ: اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: إِذَا صَلَّيْتَ فَقَدْ قَضَيْتَ الَّذِي عَلَيْكَ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ بِلَفْظِ: إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى الْجِنَازَةِ فَقَدْ قَضَيْتُمْ مَا عَلَي كُمْ، فَخَلُّوا بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَهْلِهَا. وَكَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، لَكِنْ بِلَفْظِ: إِذَا صَلَّيْتَ عَلَى جِنَازَةٍ فَقَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ. وَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ الْإِفْرَادِ، وَمَعْنَاهُ فَقَدْ قَضَيْتَ حَقَّ الْمَيِّتِ، فَإِنْ أَرَدْتَ الِاتِّبَاعَ فَلَكَ زِيَادَةُ أَجْرٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ: مَا عَلِمْنَا عَلَى الْجِنَازَةِ إِذْنًا وَلَكِنْ مَنْ صَلَّى ثُمَّ رَجَعَ، فَلَهُ قِيرَاطٌ) لَمْ أَرَهُ مَوْصُولًا عَنْهُ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: مُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ اسْتِعَارَةٌ بِأَنَّ الِاتِّبَاعَ إِنَّمَا هُوَ لِمَحْضِ ابْتِغَاءِ الْفَضْلِ، وَأَنَّهُ لَا يَجْرِي مَجْرَى قَضَاءِ حَقِّ أَوْلِيَاءِ الْمَيِّتِ، فَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِيهِ حَقٌّ لِيَتَوَقَّفَ الِانْصِرَافُ قَبْلَهُ عَلَى الْإِذْنِ مِنْهُمْ.

قُلْتُ: وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ الرَّدَّ عَلَى مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَمِيرَانِ وَلَيْسَا بِأَمِيرَيْنِ: الرَّجُلُ يَكُونُ مَعَ الْجِنَازَةِ يُصَلِّي عَلَيْهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ وَلِيَّهَا، الْحَدِيثَ. وَهَذَا مُنْقَطِعٌ مَوْقُوفٌ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِثْلَهُ مِنْ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ مِنْ فِعْلِهِ أَيْضًا، وَقَدْ وَرَدَ مِثْلُهُ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ فِيهِ مَقَالٌ، وَأَخْرَجَهُ الْعُقَيْلِيُّ فِي الضُّعَفَاءِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً فَحَمَلَ مِنْ عُلْوِهَا، وَحَثَا فِي قَبْرِهَا، وَقَعَدَ حَتَّى يُؤْذَنَ لَهُ رَجَعَ بِقِيرَاطَيْنِ. وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. وَالَّذِي عَلَيْهِ مُعْظَمُ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى قَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ.

قَوْلُهُ: (حُدِّثَ ابْنُ عُمَرَ) كَذَا فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ: حُدِّثَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ عَنْ نَافِعٍ عَلَى تَسْمِيَةِ مَنْ حَدَّثَ ابْنَ عُمَرَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِذَلِكَ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ أَصْحَابُ الْأَطْرَافِ وَالْحُمَيْدِيُّ فِي جَمْعِهِ فِي تَرْجَمَةِ نَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ (١) وَفِي نُسْخَةٍ سَمِعَهُ مِنْهُ. وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُحْتَمِلًا، وَوَقَفْتُ عَلَى تَسْمِيَةِ مَنْ حَدَّثَ ابْنَ عُمَرَ بِذَلِكَ صَرِيحًا فِي مَوْضِعَيْنِ:

أَحَدِهِمَا: فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَهُوَ خَبَّابٌ بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ، الْأُولَى مُشَدَّدَةٌ، وَهُوَ أَبُو السَّائِبِ الْمَدَنِيُّ صَاحِبُ الْمَقْصُورَةِ، قِيلَ: إِنَّ لَهُ صُحْبَةً، وَلَفْظُهُ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ: إِنَّهُ كَانَ قَاعِدًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ إِذْ طَلَعَ خَبَّابٌ صَاحِبُ الْمَقْصُورَةِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ؟، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.

وَالثَّانِي: فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَذَكَرْتُ

ذَلِكَ لِابْنِ عُمَرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَائِشَةَ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: مَنْ تَبِعَ) كَذَا فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ النَّبِيَّ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، لَكِنْ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ مَهْدِيِّ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَعَنْ أَبِي أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ، وَعَنِ التُّسْتَرِيِّ، عَنْ شَيْبَانَ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ مِنَ الْأَجْرِ. فَذَكَرَهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ لِمَنِ السِّيَاقُ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ شَيْبَانَ بْنِ فَرُّوخٍ كَذَلِكَ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ السِّيَاقَ لَهُ.

قَوْلُهُ: (مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ) زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ مِنَ الْأَجْرِ. وَالْقِيرَاطُ بِكَسْرِ الْقَافِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: أَصْلُهُ قِرَّاطٌ بِالتَّشْدِيدِ، لِأَنَّ جَمْعَهُ قَرَارِيطُ، فَأَبْدَلَ مِنْ أَحَدِ حَرْفَيْ تَضْعِيفِهِ يَاءً، قَالَ: وَالْقِيرَاطُ نِصْفُ دَانِقٍ. وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ: الدَّانِقُ سُدُسُ الدِّرْهَمِ. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْقِيرَاطُ جُزْءًا مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ جُزْءًا مِنَ الدِّرْهَمِ. وَأَمَّا صَاحِبُ النِّهَايَةِ فَقَالَ: الْقِيرَاطُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الدِّينَارِ، وَهُوَ نِصْفُ عُشْرِهِ فِي أَكْثَرِ الْبِلَادِ، وَفِي الشَّامِ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا، وَنَقَلَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، عَنِ ابْنِ عُقَيْلٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الْقِيرَاطُ نِصْفُ سُدُسِ دِرْهَمٍ، أَوْ نِصْفُ عُشْرِ دِينَارٍ. وَالْإِشَارَةُ بِهَذَا الْمِقْدَارِ إِلَى الْأَجْرِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْمَيِّتِ فِي تَجْهِيزِهِ وَغُسْلِهِ وَجَمِيعِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، فَلِلْمُصَلِّي عَلَيْهِ قِيرَاطٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلِمَنْ شَهِدَ الدَّفْنَ قِيرَاطٌ. وَذَكَرَ الْقِيرَاطَ تَقْرِيبًا لِلْفَهْمِ لَمَّا كَانَ الْإِنْسَانُ يَعْرِفُ الْقِيرَاطَ وَيَعْمَلُ الْعَمَلَ فِي مُقَابَلَتِهِ، وُعِدَ مِنْ جِنْسِ مَا يَعْرِفُ، وَضَرَبَ لَهُ الْمَثَلَ بِمَا يَعْلَمُ. انْتَهَى. وَلَيْسَ الَّذِي قَالَ بِبَعِيدٍ، وَقَدْ رَوَى البَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرةَ مَرْفُوعًا: مَنْ أَتَى جِنَازَةً فِي أَهْلِهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، فَإِنْ تَبِعَهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، فَإِنْ صَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، فَإِنِ انْتَظَرَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطٌ.

فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الْجِنَازَةِ قِيرَاطًا، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مَقَادِيرُ الْقَرَارِيطِ، وَلَا سِيَّمَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَشَقَّةِ ذَلِكَ الْعَمَلِ وَسُهُولَتِهِ، وَعَلَى هَذَا فَيُقَالُ: إِنَّمَا خَصَّ قِيرَاطَيِ الصَّلَاةِ وَالدَّفْنِ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِمَا الْمَقْصُودَيْنِ، بِخِلَافِ بَاقِي أَحْوَالِ الْمَيِّتِ، فَإِنَّهَا وَسَائِلُ، وَلَكِنَّ هَذَا يُخَالِفُ ظَاهِرَ سِيَاقِ الْحَدِيثِ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ الْمُتَقَدِّمِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ، فَإِنَّ فِيهِ: إِنَّ لِمَنْ تَبِعَهَا حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا، وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا قِيرَاطَيْنِ. فَقَطْ، وَيُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الْقِيرَاطَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لِمَنْ شَهِدَ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عُقَيْلٍ لِمَنْ بَاشَرَ الْأَعْمَالَ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَيْهَا الْمَيِّتُ فَافْتَرَقَا، وَقَدْ وَرَدَ لَفْظُ الْقِيرَاطِ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ: فَمِنْهَا مَا يُحْمَلُ عَلَى الْقِيرَاطِ الْمُتَعَارَفِ، وَمِنْهَا مَا يُحْمَلُ عَلَى الْجُزْءِ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنْ لَمْ تُعْرَفِ النِّسْبَةُ. فَمِنَ الْأَوَّلِ حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ مَرْفُوعًا: إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ بَلَدًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ. وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: كُنْتُ أَرْعَى غَنَمًا لِأَهْلِ مَكَّةَ بِالْقَرَارِيطِ. قَالَ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ: يَعْنِي كُلَّ شَاةٍ بِقِيرَاطٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: قَرَارِيطُ جَبَلٍ بِمَكَّةَ. وَمِنَ الْمُحْتَمَلِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الَّذِينَ أُوتُوا التَّوْرَاةَ: أُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا. وَحَدِيثُ الْبَابِ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ.

وَقَدْ جَاءَ تَعْيِينُ مِقْدَارِ الْقِيرَاطِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ بِأَنَّهُ مِثْلُ أُحُدٍ كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِثْلُ قَرَارِيطِنَا هَذِهِ؟ قَالَ: لَا، بَلْ مِثْلُ أُحُدٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ ذِكْرِ الْقِيرَاطِ فِي الْحَدِيثَيْنِ تَسَاوِيهِمَا، لِأَنَّ عَادَةَ الشَّارِعِ تَعْظِيمُ الْحَسَنَاتِ وَتَخْفِيفُ مُقَابِلِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْقَاضِي: الذَّرَّةُ جُزْءٌ مِنَ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ حَبَّةٍ، وَالْحَبَّةُ ثُلُثُ الْقِيرَاطِ، فَإِذَا كَانَتِ الذَّرَّةُ تُخْرِجُ مِنَ النَّارِ فَكَيْفَ بِالْقِيرَاطِ؟ قَالَ: وَهَذَا قَدْرُ قِيرَاطِ الْحَسَنَاتِ، فَأَمَّا قِيرَاطُ السَّيِّئَاتِ فَلَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْقِيرَاطُ فِي اقْتِنَاءِ الْكَلْبِ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ عَمَلِ الْمُقْتَنَى لَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِيرَاطِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ جُزْءٌ

مِنْ أَجْزَاءٍ مَعْلُومَةٍ عِنْدَ اللَّهِ، وَقَدْ قَرَّبَهَا النَّبِيُّ لِلْفَهْمِ بِتَمْثِيلِهِ الْقِيرَاطَ بِأُحُدٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ مِثْلُ أُحُدٍ تَفْسِيرٌ لِلْمَقْصُودِ مِنَ الْكَلَامِ لَا لِلَفْظِ الْقِيرَاطِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِنَصِيبٍ كَبِيرٍ مِنَ الْأَجْرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ لَفْظَ الْقِيرَاطِ مُبْهَمٌ مِنْ وَجْهَيْنِ، فَبَيَّنَ الْمَوْزُونَ بِقَوْلِهِ: مِنَ الْأَجْرِ. وَبَيَّنَ الْمِقْدَارَ الْمُرَادَ مِنْهُ بِقَوْلِهِ: مِثْلُ أُحُدٍ.

وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: أَرَادَ تَعْظِيمَ الثَّوَابِ فَمَثَّلَهُ لِلْعِيَانِ بِأَعْظَمِ الْجِبَالِ خَلْقًا، وَأَكْثَرِهَا إِلَى النُّفُوسِ الْمُؤْمِنَةِ حُبًّا، لِأَنَّهُ الَّذِي قَالَ فِي حَقِّهِ: إِنَّهُ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ. انْتَهَى. وَلِأَنَّهُ أَيْضًا قَرِيبٌ مِنَ الْمُخَاطَبِينَ يَشْتَرِكُ أَكْثَرُهُمْ فِي مَعْرِفَتِهِ، وَخُصَّ الْقِيرَاطَ بِالذِّكْرِ، لِأَنَّهُ كَانَ أَقَلَّ مَا تَقَعُ بِهِ الْإِجَارَةُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، أَوْ جَرَى ذَلِكَ مَجْرَى الْعَادَةِ مِنْ تَقْلِيلِ الْأَجْرِ بِتَقْلِيلِ الْعَمَلِ. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: مَنْ تَبِعَ عَلَى أَنَّ الْمَشْيَ خَلْفَ الْجِنَازَةِ أَفْضَلُ مِنَ الْمَشْيِ أَمَامَهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ حَقِيقَةُ الِاتِّبَاعِ حِسًّا. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الَّذِينَ رَجَّحُوا الْمَشْيَ أَمَامَهَا حَمَلُوا الِاتِّبَاعَ هُنَا عَلَى الِاتِّبَاعِ الْمَعْنَوِيِّ أَيِ الْمُصَاحَبَةِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَمَامَهَا أَوْ خَلْفَهَا، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَهَذَا مَجَازٌ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ الدَّالُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّقَدُّمِ رَاجِحًا. انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي بَابِ السُّرْعَةِ بِالْجِنَازَةِ وَذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ.

قَوْلُهُ: (أَكْثَرَ عَلَيْنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) قَالَ ابْنُ التِّينِ: لَمْ يَتَّهِمْهُ ابْنُ عُمَرَ، بَلْ خَشِيَ عَلَيْهِ السَّهْوَ، أَوْ قَالَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ لَمْ يُنْقَلْ لَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ رَفَعَهُ، فَظَنَّ أَنَّهُ قَالَ بِرَأْيِهِ فَاسْتَنْكَرَهُ. انْتَهَى. وَالثَّانِي جُمُودٌ عَلَى سِيَاقِ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ رَفَعَهُ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: قَوْلُهُ أَكْثَرَ عَلَيْنَا أَيْ فِي ذِكْرِ الْأَجْرِ، أَوْ فِي كَثْرَةِ الْحَدِيثِ، كَأَنَّهُ خَشِيَ لِكَثْرَةِ رِوَايَاتِهِ أَنْ يَشْتَبِهَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْأَمْرِ. انْتَهَى. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ: فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ فَتَعَاظَمَهُ. وَفِي رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عِنْدَ سَعِيدٍ أَيْضًا وَمُسَدَّدٍ، وَأَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ انْظُرْ مَا تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ .

قَوْلُهُ: (فَصَدَّقَتْ - يَعْنِي عَائِشَةَ - أَبَا هُرَيْرَةَ) لَفْظُ يَعْنِي لِلْبُخَارِيِّ، كَأَنَّهُ شَكَّ فَاسْتَعْمَلَهَا. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي النُّعْمَانِ شَيْخِهِ، فَلَمْ يَقُلْهَا. وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَبَعَثَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى عَائِشَةَ يَسْأَلَهَا، فَصَدَّقَتْ أَبَا هُرَيْرَةَ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِابْنِ عُمَرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَائِشَةَ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ: صَدَقَ وَفِي رِوَايَةِ خَبَّابٍ صَاحِبِ الْمَقْصُورَةِ عِنْدَ مُسْلِمٍ. فَأَرْسَلَ ابْنُ عُمَرَ، خَبَّابًا إِلَى عَائِشَةَ يَسْأَلَهَا عَنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ، ثُمَّ يَرْجِعَ إِلَيْهِ فَيُخْبِرَهُ بِمَا قَالَتْ، حَتَّى رَجَعَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ، فَقَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ صَدَقَ أَبُو هُرَيْرَةَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ: فَقَامَ أَبُو هُرَيْرَةَ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا عَائِشَةَ، فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْشُدُكِ اللَّهَ أَسَمِعْتِ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ. . . فَذَكَرَهُ. فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ نَعَمْ. وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الرَّسُولَ لَمَّا رَجَعَ إِلَى ابْنِ عُمَرَ بِخَبَرِ عَائِشَةَ بَلَغَ ذَلِكَ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَمَشَى إِلَى ابْنِ عُمَرَ، فَأَسْمَعَهُ ذَلِكَ مِنْ عَائِشَةَ مُشَافَهَةً، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ الْوَلِيدِ: فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَمْ يَشْغَلْنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ غَرْسُ الْوَدِيِّ، وَلَا صَفْقٌ بِالْأَسْوَاقِ، وَإِنَّمَا كُنْتُ أَطْلُبُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ أَكْلَةً يُطْعِمنِيهَا أَوْ كَلِمَةً يُعَلِّمْنِيهَا. قَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: كُنْتَ أَلْزَمَنَا لِرَسُولِ اللَّهِ وَأَعْلَمَنَا بِحَدِيثِهِ.

قَوْلُهُ: (لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ) أَيْ مِنْ عَدَمِ الْمُوَاظَبَةِ عَلَى حُضُورِ الدَّفْنِ، بَيَّنَ ذَلِكَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَلَمَّا بَلَغَهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ. . . فَذَكَرَهُ.

وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ دَلَالَةٌ عَلَى تَمَيُّزِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْحِفْظِ، وَأَنَّ إِنْكَارَ الْعُلَمَاءِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ قَدِيمٌ، وَفِيهِ اسْتِغْرَابُ الْعَالِمِ مَا لَمْ يَصِلْ إِلَى عِلْمِهِ، وَعَدَمُ مُبَالَاةِ الْحَافِظِ بِإِنْكَارِ مَنْ لَمْ يَحْفَظْ، وَفِيهِ مَا كَانَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ مِنَ التَّثَبُّتِ فِي الْحَدِيثِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ) بضمِّ الحاء المهملة، البصريُّ التَّابعيُّ ممَّا قال (١) الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه لم يره موصولًا عنه: (مَا عَلِمْنَا عَلَى الجَنَازَةِ إِذْنًا) يُلتمس من أوليائها للانصراف بعد الصَّلاة (وَلَكِنْ مَنْ صَلَّى ثُمَّ رَجَعَ فَلَهُ قِيرَاطٌ) فلا يفتقر إلى الإذن، وهذا مذهب الشَّافعيِّ والجمهور، وقال قومٌ: لا ينصرف إلَّا بإذنٍ، ورُوِيَ عن عمر وابنه وأبي هريرة وابن مسعود والمِسْوَر بن مَخْرمة، والنَّخعيِّ، وحُكِيَ عن مالكٍ.

١٣٢٣ - ١٣٢٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) بفتح الجيم في الأوَّل، وبالحاء المهملة والزَّاي في الثَّاني (قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا) مولى ابن عمر (يَقُولُ: حُدِّثَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب، بضمِّ الحاء المهملة وكسر الدَّال: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ (٢) يَقُولُ) ووقع في «مسلمٍ» تسميةُ من حدَّث ابنَ عمر بذلك عن أبي هريرة، ولفظه من طريق داود بن عامر بن سعدٍ عن أبيه: أنَّه كان قاعدًا عند عبد الله بن عمر إذ طلع خبَّاب صاحب المقصورة، فقال: يا عبد الله بن عمر، ألا تسمع ما يقول أبو هريرة … ؟ فذكره موقوفًا (٣)، لم يذكر النَّبيَّ كما هنا، وهو كذلك في جميع الطُّرق، لكن رواه أبو عَوانة في «صحيحه» فقال: قيل لابن عمر: إنَّ أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله يقول (٤): (مَنْ تَبِعَ (٥) جَنَازَةً) وصلَّى عليها

(فَلَهُ قِيرَاطٌ) من الأجر المتعلِّق بالميِّت من تجهيزه وغسله ودفنه والتَّعزية به وحمل الطَّعام إلى أهله، وجميع ما يتعلَّق به، وليس المراد جنس الأجر لأنَّه يدخل فيه ثواب الإيمان والأعمال كالصَّلاة والحجِّ وغيره، وليس في صلاة الجنازة ما يبلغ ذلك، وحينئذٍ فلم يبقَ إلَّا أن يرجع إلى المعهود، وهو الأجر العائد على الميِّت، قاله أبو الوفاء بن عَقِيلٍ، ويؤيِّده حديث أبي هريرة: «من أتى جنازةً في أهلها فله قيراطٌ، فإن تبعها فله قيراطٌ، فإن صلَّى عليها فله قيراطٌ، فإن انتظرها حتَّى تدفن فله قيراطٌ» رواه البزَّار بسندٍ ضعيفٍ (١)، قال في «الفتح»: فهذا يدلُّ على أنَّ لكلِّ عملٍ من أعمال الجنازة قيراطًا وإن اختلفت مقادير القراريط، ولا سيما بالنِّسبة إلى مشقَّة ذلك العمل وسهولته، ومقدارُ القيراطِ ومبحثه يأتي إن شاء الله تعالى في الباب التَّالي [خ¦١٣٢٥] (فَقَالَ) ابن عمر : (أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَيْنَا) لم يتَّهمه ابن عمر بأنَّه روى ما لم (٢) يسمع، بل جوَّز عليه السَّهو والاشتباه لكثرة رواياته، أو قال ذلك لأنَّه لم يرفعه، فظنَّ ابن عمر أنَّه قاله (٣) برأيه اجتهادًا، فأرسل ابن عمر إلى عائشة يسألها عن ذلك. (فَصَدَّقَتْ -يَعْنِي: عَائِشَةَ- أَبَا هُرَيْرَةَ) وللمُستملي وأبي الوقت: «بقول أبي هريرة» (وَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُهُ) الضَّمير المستتر للنَّبيِّ ، والبارز للحديث، أي: يقول رسولُ الله ذلك (فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ) أي: في عدم المواظبة على حضور الدَّفن، كما وقع مبيَّنًا في حديث (٤) مسلمٍ، ولفظه: كان ابن عمر يصلِّي على الجنازة ثمَّ ينصرف، فلمَّا بلغه حديث أبي هريرة قال: فذكره، قال المؤلِّف مفسِّرًا لقوله: لقد فرَّطنا (فَرَّطْتُ: ضَيَّعْتُ مِنْ أَمْرِ اللهِ).

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد