«حُدِّثَ ابْنُ عُمَرَ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵃ يَقُولُ: مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٣٢٣

الحديث رقم ١٣٢٣ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب فضل اتباع الجنائز.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «حدث ابن عمر: أن أبا هريرة ﵃ يقول: من تبع…

«حُدِّثَ ابْنُ عُمَرَ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ فَقَالَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَيْنَا.

١٣٢٤ - فَصَدَّقَتْ، يَعْنِي عَائِشَةَ، أَبَا هُرَيْرَةَ، وَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُهُ: فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ» فَرَّطْتُ ضَيَّعْتُ مِنْ أَمْرِ اللهِ.

سند حديث: ١٣٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ…

١٣٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يَقُولُ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «حدث ابن عمر: أن أبا هريرة ﵃ يقول: من تبع…

أُخبر ابن عمر رضي الله عنهما أن أبا هريرة قال: من اتبع جنازة فله قيراط من الأجر، والقيراط اسم لمقدار معلوم في العرف، وهو جزء من أربعة وعشرين جزءًا، وقد يراد به الجزء مطلقًا، ويكون عبارة عن الحظ والنصيب والثواب، أو عن قيراط من مثل عمل المصلَّى عليه، فصدَّقت عائشة أبا هريرة رضي الله عنهما، وقالت إنها سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول مثل قوله، وذلك أن ابن عمر أرسل من يتأكد من هذا الحديث من عائشة، فأتاه بالخبر بأنها أقرت ذلك، فقال ابن عمر: لقد فرطنا في قراريط كثيرة من عدم المواظبة على حضور الدفن.
ومقصود هذا الحديث أن من صلى على جنازة كان له حظ عظيم من الثواب والأجر، وكذلك إن صلى عليها واتبعها كان له حظان عظيمان من ذلك؛ إذ قد عمل عملين، أحدهما: صلاته، والثاني: كونه معه إلى أن يدفن، وشُبِّه القيراط في أحاديث أخرى بجبل أحد أي في عِظَمه.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • بيان ثواب اتباع الجنائز.
  • بيان صدق أبي هريرة ومكانة عائشة رضي الله عنهما في العلم، وهما مع ابن عمر رضي الله عنه من المكثرين من رواية الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
  • بيان حرص ابن عمر رضي الله عنهما على العلم والعمل.
  • بيان اعتناء الصحابة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «حدث ابن عمر: أن أبا هريرة ﵃ يقول: من تبع…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَحْدَهُ، وَكَذَا امْتِنَاعُ الْكَلَامِ فِيهَا، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ؛ لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ بَعْضُ الْجَهَلَةِ أَنَّهَا عِبَادَةٌ لِلْمَيِّتِ فَيَضِلَّ بِذَلِكَ. انْتَهَى.

وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الِاتِّفَاقَ عَلَى اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ لَهَا إِلَّا عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: وَوَافَقَهُ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ عُلَيَّةَ، وَهُوَ مِمَّنْ يُرْغَبُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ قَوْلِهِ. وَنَقَلَ غَيْرُهُ أَنَّ ابْنَ جَرِيرٍ الطَّبَرِيَّ وَافَقَهُمَا عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبٌ شَاذٌّ، قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: وَفِي اسْتِدْلَالِ الْبُخَارِيِّ - بِالْأَحَادِيثِ الَّتِي صَدَّرَ بِهَا الْبَابَ مِنْ تَسْمِيَتِهَا صَلَاةً - لِمَطْلُوبِهِ مِنْ إِثباتِ شَرْطِ الطَّهَارَةِ إِشْكَالٌ، لِأَنَّهُ إِنْ تَمَسَّكَ بِالْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ عَارَضَهُ عَدَمُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَإِنْ تَمَسَّكَ بِالْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ عَارَضَتْهُ الشَّرَائِطُ الْمَذْكُورَةُ، وَلَمْ يَسْتَوِ التَّبَادُرُ فِي الْإِطْلَاقِ فَيَدَّعِي الِاشْتِرَاكَ؛ لِتَوَقُّفِ الْإِطْلَاقِ عَلَى الْقَيْدِ عِنْدَ إِرَادَةِ الْجِنَازَةِ بِخِلَافِ ذَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَتَعَيَّنَ الْحَمْلُ عَلَى الْمَجَازِ. انْتَهَى. وَلَمْ يَسْتَدِلَّ الْبُخَارِيُّ عَلَى مَطْلُوبِهِ بِمُجَرَّدِ تَسْمِيَتِهَا صَلَاةً، بَلْ بِذَلِكَ وَبِمَا انْضمَّ إِلَيْهِ مِنْ وُجُودِ جَمِيعِ الشَّرَائِطِ إِلَّا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْحِكْمَةِ فِي حَذْفِهِمَا مِنْهَا، فَبَقِيَ مَا عَدَاهُمَا عَلَى الْأَصْلِ.

وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: غَرَضُ الْبُخَارِيِّ بَيَانُ جَوَازِ إِطْلَاقِ الصَّلَاةِ عَلَى صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَكَوْنِهَا مَشْرُوعَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا رُكُوعٌ وَسُجُودٌ، فَاسْتَدَلَّ تَارَةً بِإِطْلَاقِ اسْمِ الصَّلَاةِ وَالْأَمْرِ بِهَا، وَتَارَةً بِإِثْبَاتِ مَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الصَّلَاةِ نَحْوَ عَدَمِ التَّكَلُّمِ فِيهَا، وَكَوْنِهَا مُفْتَتَحَةً بِالتَّكْبِيرِ مُخْتَتَمَةً بِالتَّسْلِيمِ، وَعَدَمِ صِحَّتِهَا بِدُونِ الطَّهَارَةِ، وَعَدَمِ أَدَائِهَا عِنْدَ الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ، وَبِرَفْعِ الْيَدِ وَإِثْبَاتِ الْأَحَقِّيَّةِ بِالْإِمَامَةِ، وَبِوُجُوبِ طَلَبِ الْمَاءِ لَهَا، وَبِكَوْنِهَا ذَاتَ صُفُوفٍ وإِمَامٍ. قَالَ: وَحَاصِلُهُ أَنَّ الصَّلَاةَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ ذَاتِ الْأَرْكَانِ الْمَخْصُوصَةِ وَبَيْنَ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ فِيهِمَا، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَقَدْ قَالَ بِذَلِكَ غَيْرُهُ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ بَحْثَ ابْنِ رَشِيدٍ أَقْوَى، وَمَطْلُوبُ الْمُصَنِّفِ حَاصِلٌ كَمَا قَدَّمْتُهُ بِدُونِ الدَّعْوَى الْمَذْكُورَةِ، بَلْ بِإِثْبَاتِ مَا مَرَّ مِنْ خَصَائِصِهَا كَمَا تَقَدَّمَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٥٧ - بَاب فَضْلِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ

وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : إِذَا صَلَّيْتَ فَقَدْ قَضَيْتَ الَّذِي عَلَيْكَ. وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ: مَا عَلِمْنَا عَلَى الْجَنَازَةِ إِذْنًا، وَلَكِنْ مَنْ صَلَّى ثُمَّ رَجَعَ، فَلَهُ قِيرَاطٌ

١٣٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يَقُولُ: حُدِّثَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ، فَقَالَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَيْنَا.

١٣٢٤ - فَصَدَّقَتْ يَعْنِي عَائِشَةَ، أَبَا هُرَيْرَةَ وَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُهُ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ. ﴿فَرَّطْتُ﴾: ضَيَّعْتُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ) قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ مَا مُحَصِّلُهُ مَقْصُودُ الْبَابِ: بَيَانُ الْقَدْرِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ مُسَمَّى الِاتِّبَاعِ الَّذِي يَجُوزُ بِهِ الْقِيرَاطُ. إِذْ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدَهُ إِجْمَالٌ، وَلِذَلِكَ صَدَّرَهُ بِقَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَآثَرَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَلَى الَّذِي بَعْدَهُ - وَإِنْ كَانَ أَوْضَحَ مِنْهُ فِي مَقْصُودِهِ - كَعَادَتِهِ الْمَأْلُوفَةِ فِي التَّرْجَمَةِ عَلَى اللَّفْظِ الْمُشْكِلِ لِيُبَيِّنَ مُجْمَلَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ طَرَفٌ مِنْ بَيَانِ مَا يَحْصُلُ بِهِ مُسَمَّى الِاتِّبَاعِ فِي بَابِ السُّرْعَةِ بِالْجِنَازَةِ، وَلَهُ تَعَلُّقٌ بِهَذَا الْبَابِ، وَكَأَنَّهُ قَصَدَ هُنَاكَ كَيْفِيَّةَ الْمَشْيِ وَأَمْكِنَتَهُ، وَقَصَدَ هُنَا مَا الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الِاتِّبَاعُ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ هُنَا

مَا الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصِدُ، إِذِ الِاتِّبَاعُ إِنَّمَا هُوَ وَسِيلَةٌ إِلَى تَحْصِيلِ الصَّلَاةِ مُنْفَرِدَةً أَوِ الدَّفْنِ مُنْفَرِدًا، أَوِ الْمَجْمُوعِ. قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى بَرَاعَةِ الْمُصَنِّفِ وَدِقَّةِ فَهْمِهِ وَسِعَةِ عِلْمِهِ.

وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ مَا مُحَصِّلُهُ: مُرَادُ التَّرْجَمَةِ إِثباتُ الْأَجْرِ وَالتَّرْغِيبِ فِيهِ، لَا تَعْيِينَ الْحُكْمِ، لِأَنَّ الِاتِّبَاعَ مِنَ الْوَاجِبَاتِ عَلَى الْكِفَايَةِ، فَالْمُرَادُ بِالْفَضْلِ مَا ذَكَرْنَاهُ لَا قَسِيمَ الْوَاجِبِ، وَأَجْمَلَ لَفْظَ الِاتِّبَاعِ تَبَعًا لِلَفْظِ الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدَهُ، لِأَنَّ الْقِيرَاطَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا لِمَنِ اتَّبَعَ وَصَلَّى، أَوِ اتَّبَعَ وَشَيَّعَ وَحَضَرَ الدَّفْنَ، لَا لِمَنِ اتَّبَعَ مَثَلًا وَشَيَّعَ ثُمَّ انْصَرَفَ بِغَيْرِ صَلَاةٍ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ الْحُجَّةِ لِذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاتِّبَاعَ إِنَّمَا هُوَ وَسِيلَةٌ لِأَحَدِ مَقْصُودَيْنِ: إِمَّا الصَّلَاةَ وَإِمَّا الدَّفْنَ، فَإِذَا تَجَرَّدَتِ الْوَسِيلَةُ عَنِ الْمَقْصِدِ لَمْ يَحْصُلِ الْمُرَتَّبُ عَلَى الْمَقْصُودِ، وَإِنْ كَانَ يُرْجَى أَنْ يَحْصُلَ لِفَاعِلِ ذَلِكَ فَضْلُ مَا بِحَسَبِ نِيَّتِهِ. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، قَالَ: اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ أَفْضَلُ النَّوَافِلِ. وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْهُ: اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: إِذَا صَلَّيْتَ فَقَدْ قَضَيْتَ الَّذِي عَلَيْكَ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ بِلَفْظِ: إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى الْجِنَازَةِ فَقَدْ قَضَيْتُمْ مَا عَلَي كُمْ، فَخَلُّوا بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَهْلِهَا. وَكَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، لَكِنْ بِلَفْظِ: إِذَا صَلَّيْتَ عَلَى جِنَازَةٍ فَقَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ. وَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ الْإِفْرَادِ، وَمَعْنَاهُ فَقَدْ قَضَيْتَ حَقَّ الْمَيِّتِ، فَإِنْ أَرَدْتَ الِاتِّبَاعَ فَلَكَ زِيَادَةُ أَجْرٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ: مَا عَلِمْنَا عَلَى الْجِنَازَةِ إِذْنًا وَلَكِنْ مَنْ صَلَّى ثُمَّ رَجَعَ، فَلَهُ قِيرَاطٌ) لَمْ أَرَهُ مَوْصُولًا عَنْهُ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: مُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ اسْتِعَارَةٌ بِأَنَّ الِاتِّبَاعَ إِنَّمَا هُوَ لِمَحْضِ ابْتِغَاءِ الْفَضْلِ، وَأَنَّهُ لَا يَجْرِي مَجْرَى قَضَاءِ حَقِّ أَوْلِيَاءِ الْمَيِّتِ، فَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِيهِ حَقٌّ لِيَتَوَقَّفَ الِانْصِرَافُ قَبْلَهُ عَلَى الْإِذْنِ مِنْهُمْ.

قُلْتُ: وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ الرَّدَّ عَلَى مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَمِيرَانِ وَلَيْسَا بِأَمِيرَيْنِ: الرَّجُلُ يَكُونُ مَعَ الْجِنَازَةِ يُصَلِّي عَلَيْهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ وَلِيَّهَا، الْحَدِيثَ. وَهَذَا مُنْقَطِعٌ مَوْقُوفٌ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِثْلَهُ مِنْ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ مِنْ فِعْلِهِ أَيْضًا، وَقَدْ وَرَدَ مِثْلُهُ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ فِيهِ مَقَالٌ، وَأَخْرَجَهُ الْعُقَيْلِيُّ فِي الضُّعَفَاءِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً فَحَمَلَ مِنْ عُلْوِهَا، وَحَثَا فِي قَبْرِهَا، وَقَعَدَ حَتَّى يُؤْذَنَ لَهُ رَجَعَ بِقِيرَاطَيْنِ. وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. وَالَّذِي عَلَيْهِ مُعْظَمُ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى قَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ.

قَوْلُهُ: (حُدِّثَ ابْنُ عُمَرَ) كَذَا فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ: حُدِّثَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ عَنْ نَافِعٍ عَلَى تَسْمِيَةِ مَنْ حَدَّثَ ابْنَ عُمَرَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِذَلِكَ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ أَصْحَابُ الْأَطْرَافِ وَالْحُمَيْدِيُّ فِي جَمْعِهِ فِي تَرْجَمَةِ نَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ (١) وَفِي نُسْخَةٍ سَمِعَهُ مِنْهُ. وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُحْتَمِلًا، وَوَقَفْتُ عَلَى تَسْمِيَةِ مَنْ حَدَّثَ ابْنَ عُمَرَ بِذَلِكَ صَرِيحًا فِي مَوْضِعَيْنِ:

أَحَدِهِمَا: فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَهُوَ خَبَّابٌ بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ، الْأُولَى مُشَدَّدَةٌ، وَهُوَ أَبُو السَّائِبِ الْمَدَنِيُّ صَاحِبُ الْمَقْصُورَةِ، قِيلَ: إِنَّ لَهُ صُحْبَةً، وَلَفْظُهُ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ: إِنَّهُ كَانَ قَاعِدًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ إِذْ طَلَعَ خَبَّابٌ صَاحِبُ الْمَقْصُورَةِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ؟، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.

وَالثَّانِي: فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَذَكَرْتُ

ذَلِكَ لِابْنِ عُمَرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَائِشَةَ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: مَنْ تَبِعَ) كَذَا فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ النَّبِيَّ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، لَكِنْ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ مَهْدِيِّ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَعَنْ أَبِي أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ، وَعَنِ التُّسْتَرِيِّ، عَنْ شَيْبَانَ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ مِنَ الْأَجْرِ. فَذَكَرَهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ لِمَنِ السِّيَاقُ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ شَيْبَانَ بْنِ فَرُّوخٍ كَذَلِكَ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ السِّيَاقَ لَهُ.

قَوْلُهُ: (مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ) زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ مِنَ الْأَجْرِ. وَالْقِيرَاطُ بِكَسْرِ الْقَافِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: أَصْلُهُ قِرَّاطٌ بِالتَّشْدِيدِ، لِأَنَّ جَمْعَهُ قَرَارِيطُ، فَأَبْدَلَ مِنْ أَحَدِ حَرْفَيْ تَضْعِيفِهِ يَاءً، قَالَ: وَالْقِيرَاطُ نِصْفُ دَانِقٍ. وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ: الدَّانِقُ سُدُسُ الدِّرْهَمِ. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْقِيرَاطُ جُزْءًا مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ جُزْءًا مِنَ الدِّرْهَمِ. وَأَمَّا صَاحِبُ النِّهَايَةِ فَقَالَ: الْقِيرَاطُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الدِّينَارِ، وَهُوَ نِصْفُ عُشْرِهِ فِي أَكْثَرِ الْبِلَادِ، وَفِي الشَّامِ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا، وَنَقَلَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، عَنِ ابْنِ عُقَيْلٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الْقِيرَاطُ نِصْفُ سُدُسِ دِرْهَمٍ، أَوْ نِصْفُ عُشْرِ دِينَارٍ. وَالْإِشَارَةُ بِهَذَا الْمِقْدَارِ إِلَى الْأَجْرِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْمَيِّتِ فِي تَجْهِيزِهِ وَغُسْلِهِ وَجَمِيعِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، فَلِلْمُصَلِّي عَلَيْهِ قِيرَاطٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلِمَنْ شَهِدَ الدَّفْنَ قِيرَاطٌ. وَذَكَرَ الْقِيرَاطَ تَقْرِيبًا لِلْفَهْمِ لَمَّا كَانَ الْإِنْسَانُ يَعْرِفُ الْقِيرَاطَ وَيَعْمَلُ الْعَمَلَ فِي مُقَابَلَتِهِ، وُعِدَ مِنْ جِنْسِ مَا يَعْرِفُ، وَضَرَبَ لَهُ الْمَثَلَ بِمَا يَعْلَمُ. انْتَهَى. وَلَيْسَ الَّذِي قَالَ بِبَعِيدٍ، وَقَدْ رَوَى البَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرةَ مَرْفُوعًا: مَنْ أَتَى جِنَازَةً فِي أَهْلِهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، فَإِنْ تَبِعَهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، فَإِنْ صَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، فَإِنِ انْتَظَرَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطٌ.

فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الْجِنَازَةِ قِيرَاطًا، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مَقَادِيرُ الْقَرَارِيطِ، وَلَا سِيَّمَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَشَقَّةِ ذَلِكَ الْعَمَلِ وَسُهُولَتِهِ، وَعَلَى هَذَا فَيُقَالُ: إِنَّمَا خَصَّ قِيرَاطَيِ الصَّلَاةِ وَالدَّفْنِ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِمَا الْمَقْصُودَيْنِ، بِخِلَافِ بَاقِي أَحْوَالِ الْمَيِّتِ، فَإِنَّهَا وَسَائِلُ، وَلَكِنَّ هَذَا يُخَالِفُ ظَاهِرَ سِيَاقِ الْحَدِيثِ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ الْمُتَقَدِّمِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ، فَإِنَّ فِيهِ: إِنَّ لِمَنْ تَبِعَهَا حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا، وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا قِيرَاطَيْنِ. فَقَطْ، وَيُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الْقِيرَاطَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لِمَنْ شَهِدَ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عُقَيْلٍ لِمَنْ بَاشَرَ الْأَعْمَالَ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَيْهَا الْمَيِّتُ فَافْتَرَقَا، وَقَدْ وَرَدَ لَفْظُ الْقِيرَاطِ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ: فَمِنْهَا مَا يُحْمَلُ عَلَى الْقِيرَاطِ الْمُتَعَارَفِ، وَمِنْهَا مَا يُحْمَلُ عَلَى الْجُزْءِ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنْ لَمْ تُعْرَفِ النِّسْبَةُ. فَمِنَ الْأَوَّلِ حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ مَرْفُوعًا: إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ بَلَدًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ. وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: كُنْتُ أَرْعَى غَنَمًا لِأَهْلِ مَكَّةَ بِالْقَرَارِيطِ. قَالَ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ: يَعْنِي كُلَّ شَاةٍ بِقِيرَاطٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: قَرَارِيطُ جَبَلٍ بِمَكَّةَ. وَمِنَ الْمُحْتَمَلِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الَّذِينَ أُوتُوا التَّوْرَاةَ: أُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا. وَحَدِيثُ الْبَابِ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ.

وَقَدْ جَاءَ تَعْيِينُ مِقْدَارِ الْقِيرَاطِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ بِأَنَّهُ مِثْلُ أُحُدٍ كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِثْلُ قَرَارِيطِنَا هَذِهِ؟ قَالَ: لَا، بَلْ مِثْلُ أُحُدٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ ذِكْرِ الْقِيرَاطِ فِي الْحَدِيثَيْنِ تَسَاوِيهِمَا، لِأَنَّ عَادَةَ الشَّارِعِ تَعْظِيمُ الْحَسَنَاتِ وَتَخْفِيفُ مُقَابِلِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْقَاضِي: الذَّرَّةُ جُزْءٌ مِنَ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ حَبَّةٍ، وَالْحَبَّةُ ثُلُثُ الْقِيرَاطِ، فَإِذَا كَانَتِ الذَّرَّةُ تُخْرِجُ مِنَ النَّارِ فَكَيْفَ بِالْقِيرَاطِ؟ قَالَ: وَهَذَا قَدْرُ قِيرَاطِ الْحَسَنَاتِ، فَأَمَّا قِيرَاطُ السَّيِّئَاتِ فَلَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْقِيرَاطُ فِي اقْتِنَاءِ الْكَلْبِ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ عَمَلِ الْمُقْتَنَى لَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِيرَاطِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ جُزْءٌ

مِنْ أَجْزَاءٍ مَعْلُومَةٍ عِنْدَ اللَّهِ، وَقَدْ قَرَّبَهَا النَّبِيُّ لِلْفَهْمِ بِتَمْثِيلِهِ الْقِيرَاطَ بِأُحُدٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ مِثْلُ أُحُدٍ تَفْسِيرٌ لِلْمَقْصُودِ مِنَ الْكَلَامِ لَا لِلَفْظِ الْقِيرَاطِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِنَصِيبٍ كَبِيرٍ مِنَ الْأَجْرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ لَفْظَ الْقِيرَاطِ مُبْهَمٌ مِنْ وَجْهَيْنِ، فَبَيَّنَ الْمَوْزُونَ بِقَوْلِهِ: مِنَ الْأَجْرِ. وَبَيَّنَ الْمِقْدَارَ الْمُرَادَ مِنْهُ بِقَوْلِهِ: مِثْلُ أُحُدٍ.

وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: أَرَادَ تَعْظِيمَ الثَّوَابِ فَمَثَّلَهُ لِلْعِيَانِ بِأَعْظَمِ الْجِبَالِ خَلْقًا، وَأَكْثَرِهَا إِلَى النُّفُوسِ الْمُؤْمِنَةِ حُبًّا، لِأَنَّهُ الَّذِي قَالَ فِي حَقِّهِ: إِنَّهُ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ. انْتَهَى. وَلِأَنَّهُ أَيْضًا قَرِيبٌ مِنَ الْمُخَاطَبِينَ يَشْتَرِكُ أَكْثَرُهُمْ فِي مَعْرِفَتِهِ، وَخُصَّ الْقِيرَاطَ بِالذِّكْرِ، لِأَنَّهُ كَانَ أَقَلَّ مَا تَقَعُ بِهِ الْإِجَارَةُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، أَوْ جَرَى ذَلِكَ مَجْرَى الْعَادَةِ مِنْ تَقْلِيلِ الْأَجْرِ بِتَقْلِيلِ الْعَمَلِ. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: مَنْ تَبِعَ عَلَى أَنَّ الْمَشْيَ خَلْفَ الْجِنَازَةِ أَفْضَلُ مِنَ الْمَشْيِ أَمَامَهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ حَقِيقَةُ الِاتِّبَاعِ حِسًّا. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الَّذِينَ رَجَّحُوا الْمَشْيَ أَمَامَهَا حَمَلُوا الِاتِّبَاعَ هُنَا عَلَى الِاتِّبَاعِ الْمَعْنَوِيِّ أَيِ الْمُصَاحَبَةِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَمَامَهَا أَوْ خَلْفَهَا، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَهَذَا مَجَازٌ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ الدَّالُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّقَدُّمِ رَاجِحًا. انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي بَابِ السُّرْعَةِ بِالْجِنَازَةِ وَذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ.

قَوْلُهُ: (أَكْثَرَ عَلَيْنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) قَالَ ابْنُ التِّينِ: لَمْ يَتَّهِمْهُ ابْنُ عُمَرَ، بَلْ خَشِيَ عَلَيْهِ السَّهْوَ، أَوْ قَالَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ لَمْ يُنْقَلْ لَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ رَفَعَهُ، فَظَنَّ أَنَّهُ قَالَ بِرَأْيِهِ فَاسْتَنْكَرَهُ. انْتَهَى. وَالثَّانِي جُمُودٌ عَلَى سِيَاقِ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ رَفَعَهُ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: قَوْلُهُ أَكْثَرَ عَلَيْنَا أَيْ فِي ذِكْرِ الْأَجْرِ، أَوْ فِي كَثْرَةِ الْحَدِيثِ، كَأَنَّهُ خَشِيَ لِكَثْرَةِ رِوَايَاتِهِ أَنْ يَشْتَبِهَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْأَمْرِ. انْتَهَى. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ: فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ فَتَعَاظَمَهُ. وَفِي رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عِنْدَ سَعِيدٍ أَيْضًا وَمُسَدَّدٍ، وَأَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ انْظُرْ مَا تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ .

قَوْلُهُ: (فَصَدَّقَتْ - يَعْنِي عَائِشَةَ - أَبَا هُرَيْرَةَ) لَفْظُ يَعْنِي لِلْبُخَارِيِّ، كَأَنَّهُ شَكَّ فَاسْتَعْمَلَهَا. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي النُّعْمَانِ شَيْخِهِ، فَلَمْ يَقُلْهَا. وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَبَعَثَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى عَائِشَةَ يَسْأَلَهَا، فَصَدَّقَتْ أَبَا هُرَيْرَةَ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِابْنِ عُمَرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَائِشَةَ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ: صَدَقَ وَفِي رِوَايَةِ خَبَّابٍ صَاحِبِ الْمَقْصُورَةِ عِنْدَ مُسْلِمٍ. فَأَرْسَلَ ابْنُ عُمَرَ، خَبَّابًا إِلَى عَائِشَةَ يَسْأَلَهَا عَنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ، ثُمَّ يَرْجِعَ إِلَيْهِ فَيُخْبِرَهُ بِمَا قَالَتْ، حَتَّى رَجَعَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ، فَقَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ صَدَقَ أَبُو هُرَيْرَةَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ: فَقَامَ أَبُو هُرَيْرَةَ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا عَائِشَةَ، فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْشُدُكِ اللَّهَ أَسَمِعْتِ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ. . . فَذَكَرَهُ. فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ نَعَمْ. وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الرَّسُولَ لَمَّا رَجَعَ إِلَى ابْنِ عُمَرَ بِخَبَرِ عَائِشَةَ بَلَغَ ذَلِكَ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَمَشَى إِلَى ابْنِ عُمَرَ، فَأَسْمَعَهُ ذَلِكَ مِنْ عَائِشَةَ مُشَافَهَةً، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ الْوَلِيدِ: فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَمْ يَشْغَلْنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ غَرْسُ الْوَدِيِّ، وَلَا صَفْقٌ بِالْأَسْوَاقِ، وَإِنَّمَا كُنْتُ أَطْلُبُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ أَكْلَةً يُطْعِمنِيهَا أَوْ كَلِمَةً يُعَلِّمْنِيهَا. قَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: كُنْتَ أَلْزَمَنَا لِرَسُولِ اللَّهِ وَأَعْلَمَنَا بِحَدِيثِهِ.

قَوْلُهُ: (لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ) أَيْ مِنْ عَدَمِ الْمُوَاظَبَةِ عَلَى حُضُورِ الدَّفْنِ، بَيَّنَ ذَلِكَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَلَمَّا بَلَغَهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ. . . فَذَكَرَهُ.

وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ دَلَالَةٌ عَلَى تَمَيُّزِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْحِفْظِ، وَأَنَّ إِنْكَارَ الْعُلَمَاءِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ قَدِيمٌ، وَفِيهِ اسْتِغْرَابُ الْعَالِمِ مَا لَمْ يَصِلْ إِلَى عِلْمِهِ، وَعَدَمُ مُبَالَاةِ الْحَافِظِ بِإِنْكَارِ مَنْ لَمْ يَحْفَظْ، وَفِيهِ مَا كَانَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ مِنَ التَّثَبُّتِ فِي الْحَدِيثِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ) بضمِّ الحاء المهملة، البصريُّ التَّابعيُّ ممَّا قال (١) الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه لم يره موصولًا عنه: (مَا عَلِمْنَا عَلَى الجَنَازَةِ إِذْنًا) يُلتمس من أوليائها للانصراف بعد الصَّلاة (وَلَكِنْ مَنْ صَلَّى ثُمَّ رَجَعَ فَلَهُ قِيرَاطٌ) فلا يفتقر إلى الإذن، وهذا مذهب الشَّافعيِّ والجمهور، وقال قومٌ: لا ينصرف إلَّا بإذنٍ، ورُوِيَ عن عمر وابنه وأبي هريرة وابن مسعود والمِسْوَر بن مَخْرمة، والنَّخعيِّ، وحُكِيَ عن مالكٍ.

١٣٢٣ - ١٣٢٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) بفتح الجيم في الأوَّل، وبالحاء المهملة والزَّاي في الثَّاني (قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا) مولى ابن عمر (يَقُولُ: حُدِّثَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب، بضمِّ الحاء المهملة وكسر الدَّال: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ (٢) يَقُولُ) ووقع في «مسلمٍ» تسميةُ من حدَّث ابنَ عمر بذلك عن أبي هريرة، ولفظه من طريق داود بن عامر بن سعدٍ عن أبيه: أنَّه كان قاعدًا عند عبد الله بن عمر إذ طلع خبَّاب صاحب المقصورة، فقال: يا عبد الله بن عمر، ألا تسمع ما يقول أبو هريرة … ؟ فذكره موقوفًا (٣)، لم يذكر النَّبيَّ كما هنا، وهو كذلك في جميع الطُّرق، لكن رواه أبو عَوانة في «صحيحه» فقال: قيل لابن عمر: إنَّ أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله يقول (٤): (مَنْ تَبِعَ (٥) جَنَازَةً) وصلَّى عليها

(فَلَهُ قِيرَاطٌ) من الأجر المتعلِّق بالميِّت من تجهيزه وغسله ودفنه والتَّعزية به وحمل الطَّعام إلى أهله، وجميع ما يتعلَّق به، وليس المراد جنس الأجر لأنَّه يدخل فيه ثواب الإيمان والأعمال كالصَّلاة والحجِّ وغيره، وليس في صلاة الجنازة ما يبلغ ذلك، وحينئذٍ فلم يبقَ إلَّا أن يرجع إلى المعهود، وهو الأجر العائد على الميِّت، قاله أبو الوفاء بن عَقِيلٍ، ويؤيِّده حديث أبي هريرة: «من أتى جنازةً في أهلها فله قيراطٌ، فإن تبعها فله قيراطٌ، فإن صلَّى عليها فله قيراطٌ، فإن انتظرها حتَّى تدفن فله قيراطٌ» رواه البزَّار بسندٍ ضعيفٍ (١)، قال في «الفتح»: فهذا يدلُّ على أنَّ لكلِّ عملٍ من أعمال الجنازة قيراطًا وإن اختلفت مقادير القراريط، ولا سيما بالنِّسبة إلى مشقَّة ذلك العمل وسهولته، ومقدارُ القيراطِ ومبحثه يأتي إن شاء الله تعالى في الباب التَّالي [خ¦١٣٢٥] (فَقَالَ) ابن عمر : (أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَيْنَا) لم يتَّهمه ابن عمر بأنَّه روى ما لم (٢) يسمع، بل جوَّز عليه السَّهو والاشتباه لكثرة رواياته، أو قال ذلك لأنَّه لم يرفعه، فظنَّ ابن عمر أنَّه قاله (٣) برأيه اجتهادًا، فأرسل ابن عمر إلى عائشة يسألها عن ذلك. (فَصَدَّقَتْ -يَعْنِي: عَائِشَةَ- أَبَا هُرَيْرَةَ) وللمُستملي وأبي الوقت: «بقول أبي هريرة» (وَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُهُ) الضَّمير المستتر للنَّبيِّ ، والبارز للحديث، أي: يقول رسولُ الله ذلك (فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ) أي: في عدم المواظبة على حضور الدَّفن، كما وقع مبيَّنًا في حديث (٤) مسلمٍ، ولفظه: كان ابن عمر يصلِّي على الجنازة ثمَّ ينصرف، فلمَّا بلغه حديث أبي هريرة قال: فذكره، قال المؤلِّف مفسِّرًا لقوله: لقد فرَّطنا (فَرَّطْتُ: ضَيَّعْتُ مِنْ أَمْرِ اللهِ).

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٧٥ - (بابُ فَضْلِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل اتِّبَاع الْجَنَائِز، وَالْمرَاد من الإتباع أَن يتبع الْجِنَازَة وَيُصلي عَلَيْهَا، وَلَيْسَ المُرَاد أَن يتبع ثمَّ ينْصَرف بِغَيْر صَلَاة. فَإِن قلت: مَا تدل التَّرْجَمَة على الحكم؟ قلت: المُرَاد إِثْبَات الْأجر وَالتَّرْغِيب فِيهِ لَا تعْيين الحكم وَقيل: المُرَاد من الِاتِّبَاع الْقدر الَّذِي يحصل بِهِ مُسَمَّاهُ الَّذِي يحصل بِهِ القيراط من الْأجر.

وقَالَ زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ: إذَا صَلَّيْتَ فَقَدْ قَضَيْتَ الَّذِي عَلَيْكَ

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الصَّلَاة على الْمَيِّت لَا تحصل إِلَّا باتباعه، وَزيد بن ثَابت بن الضَّحَّاك بن زيد الْأنْصَارِيّ النجاري أَبُو خَارِجَة الْمدنِي، قدم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَدِينَة وَهُوَ ابْن إِحْدَى عشرَة سنة، وَكَانَ يكْتب الْوَحْي لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَانَ من فضلاء الصَّحَابَة، وَمن أَصْحَاب الْفَتْوَى، توفّي سنة خمس وَأَرْبَعين بِالْمَدِينَةِ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله سعيد بن مَنْصُور من طَرِيق عُرْوَة عَنهُ، وَوَصله ابْن أبي شيبَة عَن أبي مُعَاوِيَة ووكيع عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن زيد بن ثَابت: (إِذا صليتم على الْجِنَازَة فقد قضيتم مَا عَلَيْكُم فَخلوا بَينهَا وَبَين أَهلهَا) . قَوْله: (إِذا صليت) أَي: على الْمَيِّت (فقد قضيت) حَقه (الَّذِي عَلَيْك) ، من الْوَاجِب الَّذِي هُوَ على الْكِفَايَة، وَإِذا أَرَادَ الِاتِّبَاع بعد ذَلِك إِلَى قَبره فَلهُ زِيَادَة الْأجر.

وَقَالَ حُمَيْدُ بنُ هِلَالٍ: مَا عَلِمْنَا علَى الجَنَازَةِ إذْنا وَلاكِنْ مَنْ صَلَّى ثُمَّ رَجَعَ فَلَهُ قِيرَاطٌ

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من صلى ثمَّ رَجَعَ) لِأَن الصَّلَاة تكون بالاتباع، وَحميد، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة: ابْن هِلَال ابْن هُبَيْرَة أَبُو نصر الْبَصْرِيّ التَّابِعِيّ، مر فِي: بَاب يرد الْمُصَلِّي من يمر بَين يَدَيْهِ. قَوْله: (إِذْنا) ، بِكَسْر الْهمزَة أَي، مَا ثَبت عندنَا أَنه يُؤذن على الْجِنَازَة، وَلَكِن ثَبت من صلى ... إِلَى آخِره، هَذَا أَن الصَّلَاة على الْجِنَازَة حق الْمَيِّت، ولابتغاء الْفضل وَلَيْسَ للأولياء فِيهَا حق حَتَّى يتَوَقَّف الِانْصِرَاف بعد الصَّلَاة على الْأذن. وَفِي هَذَا الْبَاب اخْتِلَاف، فَروِيَ عَن زيد بن ثَابت وَجَابِر بن عبد الله وَعُرْوَة بن الزبير وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وَالْحسن وَقَتَادَة وَابْن سِيرِين وَأبي قلَابَة: أَنهم كَانُوا يَنْصَرِفُونَ بعد الصَّلَاة وَلَا يستأذنون، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَجَمَاعَة من الْعلمَاء، وَقَالَت طَائِفَة: لَا بُد من الْإِذْن فِي ذَلِك، وَرُوِيَ عَن عمر وَابْن مَسْعُود وَابْن عمر وَأبي هُرَيْرَة والمسور بن مخرمَة وَالنَّخَعِيّ: أَنهم كَانُوا لَا يَنْصَرِفُونَ حَتَّى يستأذنون، وروى ابْن عبد الحكم عَن مَالك قَالَ: لَا يجب لمن يشْهد جَنَازَة أَن ينْصَرف عَنْهَا حَتَّى يُؤذن لَهُ، إلَاّ أَن يطول ذَلِك. فَإِن قلت: روى عبد الرَّزَّاق من طَرِيق عَمْرو بن شُعَيْب (عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: أميران وليسا بأميرين: الرجل يكون مَعَ الْجِنَازَة يُصَلِّي عَلَيْهَا فَلَيْسَ لَهُ أَن يرجع حَتَّى يسْتَأْذن وَليهَا) الحَدِيث، وروى الْبَزَّار من حَدِيث جَابر مَرْفُوعا: (أميران وليسا بأميرين: الْمَرْأَة تحج مَعَ الْقَوْم فتحيض، وَالرجل يتبع الْجِنَازَة فَيصَلي عَلَيْهَا لَيْسَ لَهُ أَن يرجع حَتَّى يستأمر أهل الْجِنَازَة) . وروى أَحْمد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة يرفعهُ: (من تبع جَنَازَة فَحمل من علوها، وحثى فِي قبرها، وَقعد حَتَّى يُؤذن لَهُ رَجَعَ بقيراطين) . قلت: أما حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب فَهُوَ مُنْقَطع مَوْقُوف. فَإِن قلت: روى عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا أَيْضا؟ قلت: قَالَ أَبُو جَعْفَر الْعقيلِيّ: لم يُتَابع عَلَيْهِ. وَأما حَدِيث جَابر فَهُوَ ضَعِيف، وَكَذَلِكَ حَدِيث أَحْمد ضَعِيف.

٣٢٣١ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا جَرِيرُ بنُ حازِمٍ قَالَ سَمِعْتُ نافِعا يَقُولُ حُدِّثَ ابنُ عُمَرَ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم يقُولُ مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ فَقَالَ أكْثَرَ أبُو هُرَيْرَةَ عَلَيْنَا. فَصَدَّقَتْ يَعْنِي عائِشَةَ أبَا هُرَيْرَةَ وَقالَتْ سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُهُ فَقَالَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد مضوا غير مرّة، وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي وَجَرِير، بِفَتْح الْجِيم

وبكسر الرَّاء المكررة: ابْن حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي، سبق فِي: بَاب يسْتَقْبل الإِمَام النَّاس إِذا سلم.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد ابْن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَأخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة. وَأخرجه مُسلم أَيْضا كَمَا أخرجه البُخَارِيّ هَهُنَا من رِوَايَة نَافِع عَن أبي هُرَيْرَة، وَرَوَاهُ البُخَارِيّ أَيْضا من رِوَايَة سعيد المَقْبُري عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، وَرَوَاهُ مُسلم أَيْضا من رِوَايَة سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، وَمن رِوَايَة يزِيد بن كيسَان عَن أبي حَازِم عَن أبي هُرَيْرَة. وَرَوَاهُ مُسلم أَيْضا وَأَبُو دَاوُد من رِوَايَة خباب صَاحب الْمَقْصُورَة عَن أبي هُرَيْرَة، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا من رِوَايَة سُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة عَن سمي عَن أبي صَالح عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: حَدثنَا أَبُو كريب حَدثنَا عَبدة بن سُلَيْمَان عَن مُحَمَّد بن عَمْرو حَدثنَا أَبُو سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من صلى على جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط، وَمن تبعها حَتَّى يقْضِي دَفنهَا فَلهُ قيراطان أَحدهمَا أَو أصغرهما مثل أحد، فَذكرت ذَلِك لِابْنِ عمر، فَأرْسل إِلَى عَائِشَة يسْأَلهَا عَن ذَلِك، فَقَالَت: صدق أَبُو هُرَيْرَة، فَقَالَ ابْن عمر: لقد فرطنا فِي قراريط كَثِيرَة) . وَفِي الْبَاب عَن الْبَراء رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من تبع جَنَازَة حَتَّى يصلى عَلَيْهَا كَانَ لَهُ من الْأجر قِيرَاط، وَمن مَشى مَعَ الْجِنَازَة حَتَّى تدفن كَانَ لَهُ من الْأجر قيراطان، والقيراط مثل أحد) ، وَعَن عبد الله بن الْمُغَفَّل روى حَدِيثه النَّسَائِيّ أَيْضا عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من تبع جَنَازَة حَتَّى يفرغ مِنْهَا فَلهُ قيراطان، فَإِن رَجَعَ قبل أَن يفرغ مِنْهَا فَلهُ قِيرَاط. وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، واسْمه: سعد بن مَالك الْأنْصَارِيّ، روى حَدِيثه ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من أَتَى الْجِنَازَة عِنْد أَهلهَا فَمشى مَعهَا حَتَّى يُصَلِّي عَلَيْهَا فَلهُ قِيرَاط، وَمن شَهِدَهَا حَتَّى تدفن فَلهُ قيراطان مثل أحد) . وَعَن أبي بن كَعْب أخرج حَدِيثه ابْن مَاجَه عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من صلى على جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط، وَمن شَهِدَهَا حَتَّى تدفن فَلهُ قِيرَاط، وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ القيراط أعظم من أحد) . وَعَن ابْن عمر: أخرج حَدِيثه ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من صلى على جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط) ، وَعَن ثَوْبَان أخرج حَدِيثه مُسلم وَابْن مَاجَه، عَنهُ: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (من صلى على جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط، فَإِن شهد دَفنهَا فَلهُ قيراطان، القيراط مثل أحد) .

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (حدث) ، بِضَم الْحَاء على صِيغَة الْمَجْهُول من الْمَاضِي وَلم يبين فِي شَيْء من الطّرق من كَانَ حدث ابْن عمر عَن أبي هُرَيْرَة بذلك، وَلَكِن يُمكن أَن يُقَال: إِنَّه بَين فِي موضِعين أَحدهمَا فِي (صَحِيح مُسلم) : حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن يزِيد، قَالَ: حَدثنَا حَيْوَة بن صَخْر عَن يزِيد بن عبد الله بن قسيط أَنه حدث أَن دَاوُد بن عَامر ابْن سعد بن أبي وَقاص حَدثهُ عَن أَبِيه أَنه كَانَ قَاعِدا عِنْد عبد الله بن عمر إِذْ طلع خباب صَاحب الْمَقْصُورَة، فَقَالَ: يَا عبد الله بن عمر ألَا تسمع مَا يَقُول أَبُو هُرَيْرَة؟ إِنَّه سمع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: من خرج مَعَ جَنَازَة من بَيتهَا وَصلى عَلَيْهَا ثمَّ تبعها حَتَّى تدفن كَانَ لَهُ قيراطان من الْأجر مثل أحد، وَمن صلى عَلَيْهَا ثمَّ رَجَعَ كَانَ لَهُ من الْأجر مثل أحد. فَأرْسل ابْن عمر خبابا إِلَى عَائِشَة يسْأَلهَا عَن قَول أبي هُرَيْرَة، ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ يُخبرهُ مَا قَالَت، وَأخذ ابْن عمر قَبْضَة من حَصْبَاء الْمَسْجِد يقلبها فِي يَده حَتَّى رَجَعَ إِلَيْهِ الرَّسُول، فَقَالَ: قَالَت عَائِشَة: صدق أَبُو هُرَيْرَة، فَضرب ابْن عمر بالحصباء الَّذِي كَانَ فِي يَده ثمَّ قَالَ: لقد فرطنا فِي قراريط كَثِيرَة) . والموضع الآخر فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ، وَقد ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (أَن أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: من تبع) كَذَا فِي جَمِيع الطّرق لم يذكر فِيهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَذَا أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق إِبْرَاهِيم بن رَاشد عَن أبي النُّعْمَان شيخ البُخَارِيّ فِيهِ، وَأخرجه أَبُو عوَانَة فِي صَحِيحه عَن مهْدي بن الْحَارِث عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَعَن أبي أُميَّة عَن أبي النُّعْمَان وَعَن التسترِي عَن شَيبَان، ثَلَاثَتهمْ عَن جرير بن حَازِم عَن نَافِع، قَالَ: قيل لِابْنِ عمر: إِن أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: سَمِعت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: (من تبع جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط من الْأجر) ، فَذكره. قَوْله: (من تبع جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط) ، زَاد مُسلم فِي رِوَايَته: (من الْأجر. .) والقيراط، بِكَسْر الْقَاف. قَالَ الْكرْمَانِي:

القيراط لُغَة: نصف دانق، وَالْمَقْصُود مِنْهُ هُنَا النَّصِيب. وَقيل: القيراط جُزْء من أَجزَاء الدِّينَار، وَهُوَ نصف عشره فِي أَكثر الْبِلَاد، وَأهل الشَّام يجعلونه جُزْءا من أَرْبَعَة وَعشْرين، وَأَصله: القراط، يَعْنِي بِالتَّشْدِيدِ بِدَلِيل جمعه بالقراريط، فأبدل إِحْدَى الراءين يَاء. وَعَن ابْن عقيل: القيراط نصف سدس دِرْهَم أَو نصف عشر دِينَار. وَقيل: المُرَاد بالقيراط هَهُنَا جُزْء من أَجزَاء مَعْلُومَة عِنْد الله تَعَالَى، وَقد قربهَا النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، للفهم بتمثيله القيراط بِأحد، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: قَوْله: (مثل أحد) تَفْسِير للمقصود من الْكَلَام لَا للفظ القيراط، وَالْمرَاد مِنْهُ أَن يرجع بِنَصِيب من الْأجر، وَذَلِكَ لِأَن لفظ القيراط مُبْهَم من وَجْهَيْن فَبين الْمَوْزُون بقوله: (من الْأجر) وَبَين الْمِقْدَار المُرَاد مِنْهُ بقوله: (مثل أحد) . فَإِن قلت: لِمَ خص القيراط بِالذكر؟ قلت: لِأَن غَالب مَا تقع بِهِ معاملتهم كَانَ بالقيراط.

وَقد ورد لفظ القيراط فِي عدَّة أَحَادِيث: فَمِنْهَا: مَا يحمل على القيراط الْمُتَعَارف. وَمِنْهَا: مَا يحمل على الْجُزْء وَإِن لم تعرف النِّسْبَة، فَمن الأول: حَدِيث كَعْب بن مَالك: (إِنَّكُم ستفتحون بَلَدا يذكر فِيهَا القيراط) ، وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا (كنت أرى الْغنم لأهل مَكَّة بالقراريط) . قَالَ ابْن مَاجَه عَن بعض شُيُوخه، يَعْنِي: كل شَاة بقيراط، وَقَالَ غَيره: قراريط جبل بِمَكَّة، وَمن الْمُحْتَمل حَدِيث ابْن عمر الَّذين أعْطوا الْكتاب أعْطوا قيراطا قيراطا، وَحَدِيث الْبَاب. وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة: (من اقتنى كَلْبا نقص من عمله كل يَوْم قِيرَاط) . وَقد جَاءَ فِي حَدِيث مُسلم، وَغَيره: (القيراط مثل أحد) ، وَسَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَأْتِي: القيراطان مثل الجبلين العظيمين، وَهَذَا تَمْثِيل واستعارة، وَيجوز أَن يكون حَقِيقَة بِأَن يَجْعَل الله عمله ذَلِك يَوْم الْقِيَامَة فِي صُورَة عين يُوزن كَمَا توزن الْأَجْسَام، وَيكون قدر هَذَا كَقدْر أحد. فَإِن قلت: التَّمْثِيل بِأحد مَا وَجه تَخْصِيصه؟ قلت: لِأَنَّهُ كَانَ قَرِيبا من المخاطبين وَكَانَ أَكْثَرهم يعرفونه كَمَا يَنْبَغِي، وَقيل: لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي حَقه: (إِنَّه جبل يحبنا وَنحن نحبه) . وَقيل: لِأَنَّهُ أعظم الْجبَال خلقا. قلت: فِيهِ نظر لَا يخفى. قَوْله: (فَقَالَ) ، أَي: قَالَ ابْن عمر: أَكثر أَبُو هُرَيْرَة علينا. قَالَ الْكرْمَانِي: أَي: فِي ذكر الْأجر أَو فِي رِوَايَة الحَدِيث، خَافَ لِكَثْرَة رواياته أَنه اشْتبهَ عَلَيْهِ الْأَمر، فِيهِ لَا أَنه نسبه إِلَى رِوَايَة مَا لم يسمع لِأَن مرتبتهما أجل من ذَلِك وَقَالَ ابْن التِّين لم يهتم ابْن عمر بل خشِي عَلَيْهِ السَّهْو أَو قَالَ ذَلِك لكَونه لم ينْقل لَهُ عَن أبي هُرَيْرَة أَنه رَفعه، فَظن أَنه قَالَ بِرَأْيهِ، فاستنكره. وَوَقع فِي رِوَايَة أبي سَلمَة عِنْد سعيد ابْن مَنْصُور، فَبلغ ذَلِك ابْن عمر فتعاظمه، وَفِي رِوَايَة الْوَلِيد بن عبد الرَّحْمَن عِنْد سعيد أَيْضا ومسدد وَأحمد بِإِسْنَاد صَحِيح: فَقَالَ ابْن عمر: يَا أَبَا هُرَيْرَة أنظر مَا تحدث من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَوْله: (فصدقت) يَعْنِي عَائِشَة أَبَا هُرَيْرَة، لفظ: يَعْنِي، من البُخَارِيّ، كَأَنَّهُ شكّ فاستعملها، وَقد رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق أبي النُّعْمَان شيخ البُخَارِيّ فَلم يقلها، وَقد ذكرنَا رِوَايَة مُسلم وفيهَا: فَبعث ابْن عمر إِلَى عَائِشَة فَسَأَلَهَا فصدقت أَبَا هُرَيْرَة، وَقد ذكرنَا أَيْضا عَن التِّرْمِذِيّ: (فَأرْسل إِلَى عَائِشَة يسْأَلهَا عَن ذَلِك فَقَالَت: صدق أَبُو هُرَيْرَة) . فَإِن قلت: روى سعيد بن مَنْصُور من حَدِيث الْوَلِيد بن عبد الرَّحْمَن: (فَقَامَ أَبُو هُرَيْرَة فَأخذ بِيَدِهِ فَانْطَلقَا حَتَّى أَتَيَا عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فَقَالَ لَهَا: يَا أم الْمُؤمنِينَ، أنْشدك الله أسمعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول؟ فَذكره، فَقَالَت: أللهم نعم) . قلت: التَّوْفِيق فِي ذَلِك بِأَن الرَّسُول لما رَجَعَ إِلَى ابْن عمر بِخَبَر عَائِشَة بلغ ذَلِك أَبَا هُرَيْرَة فَمشى إِلَى ابْن عمر فأسمعه ذَلِك من عَائِشَة مشافهة، وَزَاد فِي رِوَايَة الْوَلِيد: (فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: لم يشغلني عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غرس بالوادي وَلَا صفق بالأسواق، وَإِنَّمَا كنت أطلب من رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَكلَة يطعمنيها أَو كلمة يعلمنيها. قَالَ لَهُ ابْن عمر: كنت ألزمنا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَعْلَمنَا بحَديثه) . قَوْله: (لقد فرطنا فِي قراريط كَثِيرَة) أَي: من عدم الْمُوَاظبَة على حُضُور الدّفن.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: تَمْيِيز أبي هُرَيْرَة فِي الْحِفْظ، وَأَن إِنْكَار الْعلمَاء بَعضهم على بعض قديم، وَأَن الْعَالم يستغرب مَا لم يصل إِلَى علمه. وَفِيه: عدم مبالاة الْحَافِظ بإنكار من لم يحفظ. وَفِيه: مَا كَانَت الصَّحَابَة عَلَيْهِ من التثبت فِي الْعلم والْحَدِيث النَّبَوِيّ والتحرير فِيهِ. وَفِيه: دلَالَة على فَضِيلَة ابْن عمر من حرصه على الْعلم وتأسفه على مَا فَاتَهُ من الْعَمَل الصَّالح. وَفِيه: فِي قَوْله: (من تبع جَنَازَة) حجَّة لمن قَالَ: إِن الْمَشْي خلف الْجِنَازَة أفضل من الْمَشْي أمامها، لِأَن ذَلِك حَقِيقَة الِاتِّبَاع حسا. وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: الَّذين رجحوا الْمَشْي أمامها حملُوا الإتباع هُنَا على الإتباع الْمَعْنَوِيّ، أَي: المصاحبة، وَهُوَ أَعم من

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَحْدَهُ، وَكَذَا امْتِنَاعُ الْكَلَامِ فِيهَا، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ؛ لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ بَعْضُ الْجَهَلَةِ أَنَّهَا عِبَادَةٌ لِلْمَيِّتِ فَيَضِلَّ بِذَلِكَ. انْتَهَى.

وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الِاتِّفَاقَ عَلَى اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ لَهَا إِلَّا عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: وَوَافَقَهُ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ عُلَيَّةَ، وَهُوَ مِمَّنْ يُرْغَبُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ قَوْلِهِ. وَنَقَلَ غَيْرُهُ أَنَّ ابْنَ جَرِيرٍ الطَّبَرِيَّ وَافَقَهُمَا عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبٌ شَاذٌّ، قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: وَفِي اسْتِدْلَالِ الْبُخَارِيِّ - بِالْأَحَادِيثِ الَّتِي صَدَّرَ بِهَا الْبَابَ مِنْ تَسْمِيَتِهَا صَلَاةً - لِمَطْلُوبِهِ مِنْ إِثباتِ شَرْطِ الطَّهَارَةِ إِشْكَالٌ، لِأَنَّهُ إِنْ تَمَسَّكَ بِالْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ عَارَضَهُ عَدَمُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَإِنْ تَمَسَّكَ بِالْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ عَارَضَتْهُ الشَّرَائِطُ الْمَذْكُورَةُ، وَلَمْ يَسْتَوِ التَّبَادُرُ فِي الْإِطْلَاقِ فَيَدَّعِي الِاشْتِرَاكَ؛ لِتَوَقُّفِ الْإِطْلَاقِ عَلَى الْقَيْدِ عِنْدَ إِرَادَةِ الْجِنَازَةِ بِخِلَافِ ذَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَتَعَيَّنَ الْحَمْلُ عَلَى الْمَجَازِ. انْتَهَى. وَلَمْ يَسْتَدِلَّ الْبُخَارِيُّ عَلَى مَطْلُوبِهِ بِمُجَرَّدِ تَسْمِيَتِهَا صَلَاةً، بَلْ بِذَلِكَ وَبِمَا انْضمَّ إِلَيْهِ مِنْ وُجُودِ جَمِيعِ الشَّرَائِطِ إِلَّا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْحِكْمَةِ فِي حَذْفِهِمَا مِنْهَا، فَبَقِيَ مَا عَدَاهُمَا عَلَى الْأَصْلِ.

وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: غَرَضُ الْبُخَارِيِّ بَيَانُ جَوَازِ إِطْلَاقِ الصَّلَاةِ عَلَى صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَكَوْنِهَا مَشْرُوعَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا رُكُوعٌ وَسُجُودٌ، فَاسْتَدَلَّ تَارَةً بِإِطْلَاقِ اسْمِ الصَّلَاةِ وَالْأَمْرِ بِهَا، وَتَارَةً بِإِثْبَاتِ مَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الصَّلَاةِ نَحْوَ عَدَمِ التَّكَلُّمِ فِيهَا، وَكَوْنِهَا مُفْتَتَحَةً بِالتَّكْبِيرِ مُخْتَتَمَةً بِالتَّسْلِيمِ، وَعَدَمِ صِحَّتِهَا بِدُونِ الطَّهَارَةِ، وَعَدَمِ أَدَائِهَا عِنْدَ الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ، وَبِرَفْعِ الْيَدِ وَإِثْبَاتِ الْأَحَقِّيَّةِ بِالْإِمَامَةِ، وَبِوُجُوبِ طَلَبِ الْمَاءِ لَهَا، وَبِكَوْنِهَا ذَاتَ صُفُوفٍ وإِمَامٍ. قَالَ: وَحَاصِلُهُ أَنَّ الصَّلَاةَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ ذَاتِ الْأَرْكَانِ الْمَخْصُوصَةِ وَبَيْنَ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ فِيهِمَا، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَقَدْ قَالَ بِذَلِكَ غَيْرُهُ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ بَحْثَ ابْنِ رَشِيدٍ أَقْوَى، وَمَطْلُوبُ الْمُصَنِّفِ حَاصِلٌ كَمَا قَدَّمْتُهُ بِدُونِ الدَّعْوَى الْمَذْكُورَةِ، بَلْ بِإِثْبَاتِ مَا مَرَّ مِنْ خَصَائِصِهَا كَمَا تَقَدَّمَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٥٧ - بَاب فَضْلِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ

وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : إِذَا صَلَّيْتَ فَقَدْ قَضَيْتَ الَّذِي عَلَيْكَ. وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ: مَا عَلِمْنَا عَلَى الْجَنَازَةِ إِذْنًا، وَلَكِنْ مَنْ صَلَّى ثُمَّ رَجَعَ، فَلَهُ قِيرَاطٌ

١٣٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يَقُولُ: حُدِّثَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ، فَقَالَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَيْنَا.

١٣٢٤ - فَصَدَّقَتْ يَعْنِي عَائِشَةَ، أَبَا هُرَيْرَةَ وَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُهُ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ. ﴿فَرَّطْتُ﴾: ضَيَّعْتُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ) قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ مَا مُحَصِّلُهُ مَقْصُودُ الْبَابِ: بَيَانُ الْقَدْرِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ مُسَمَّى الِاتِّبَاعِ الَّذِي يَجُوزُ بِهِ الْقِيرَاطُ. إِذْ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدَهُ إِجْمَالٌ، وَلِذَلِكَ صَدَّرَهُ بِقَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَآثَرَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَلَى الَّذِي بَعْدَهُ - وَإِنْ كَانَ أَوْضَحَ مِنْهُ فِي مَقْصُودِهِ - كَعَادَتِهِ الْمَأْلُوفَةِ فِي التَّرْجَمَةِ عَلَى اللَّفْظِ الْمُشْكِلِ لِيُبَيِّنَ مُجْمَلَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ طَرَفٌ مِنْ بَيَانِ مَا يَحْصُلُ بِهِ مُسَمَّى الِاتِّبَاعِ فِي بَابِ السُّرْعَةِ بِالْجِنَازَةِ، وَلَهُ تَعَلُّقٌ بِهَذَا الْبَابِ، وَكَأَنَّهُ قَصَدَ هُنَاكَ كَيْفِيَّةَ الْمَشْيِ وَأَمْكِنَتَهُ، وَقَصَدَ هُنَا مَا الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الِاتِّبَاعُ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ هُنَا

مَا الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصِدُ، إِذِ الِاتِّبَاعُ إِنَّمَا هُوَ وَسِيلَةٌ إِلَى تَحْصِيلِ الصَّلَاةِ مُنْفَرِدَةً أَوِ الدَّفْنِ مُنْفَرِدًا، أَوِ الْمَجْمُوعِ. قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى بَرَاعَةِ الْمُصَنِّفِ وَدِقَّةِ فَهْمِهِ وَسِعَةِ عِلْمِهِ.

وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ مَا مُحَصِّلُهُ: مُرَادُ التَّرْجَمَةِ إِثباتُ الْأَجْرِ وَالتَّرْغِيبِ فِيهِ، لَا تَعْيِينَ الْحُكْمِ، لِأَنَّ الِاتِّبَاعَ مِنَ الْوَاجِبَاتِ عَلَى الْكِفَايَةِ، فَالْمُرَادُ بِالْفَضْلِ مَا ذَكَرْنَاهُ لَا قَسِيمَ الْوَاجِبِ، وَأَجْمَلَ لَفْظَ الِاتِّبَاعِ تَبَعًا لِلَفْظِ الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدَهُ، لِأَنَّ الْقِيرَاطَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا لِمَنِ اتَّبَعَ وَصَلَّى، أَوِ اتَّبَعَ وَشَيَّعَ وَحَضَرَ الدَّفْنَ، لَا لِمَنِ اتَّبَعَ مَثَلًا وَشَيَّعَ ثُمَّ انْصَرَفَ بِغَيْرِ صَلَاةٍ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ الْحُجَّةِ لِذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاتِّبَاعَ إِنَّمَا هُوَ وَسِيلَةٌ لِأَحَدِ مَقْصُودَيْنِ: إِمَّا الصَّلَاةَ وَإِمَّا الدَّفْنَ، فَإِذَا تَجَرَّدَتِ الْوَسِيلَةُ عَنِ الْمَقْصِدِ لَمْ يَحْصُلِ الْمُرَتَّبُ عَلَى الْمَقْصُودِ، وَإِنْ كَانَ يُرْجَى أَنْ يَحْصُلَ لِفَاعِلِ ذَلِكَ فَضْلُ مَا بِحَسَبِ نِيَّتِهِ. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، قَالَ: اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ أَفْضَلُ النَّوَافِلِ. وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْهُ: اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: إِذَا صَلَّيْتَ فَقَدْ قَضَيْتَ الَّذِي عَلَيْكَ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ بِلَفْظِ: إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى الْجِنَازَةِ فَقَدْ قَضَيْتُمْ مَا عَلَي كُمْ، فَخَلُّوا بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَهْلِهَا. وَكَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، لَكِنْ بِلَفْظِ: إِذَا صَلَّيْتَ عَلَى جِنَازَةٍ فَقَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ. وَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ الْإِفْرَادِ، وَمَعْنَاهُ فَقَدْ قَضَيْتَ حَقَّ الْمَيِّتِ، فَإِنْ أَرَدْتَ الِاتِّبَاعَ فَلَكَ زِيَادَةُ أَجْرٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ: مَا عَلِمْنَا عَلَى الْجِنَازَةِ إِذْنًا وَلَكِنْ مَنْ صَلَّى ثُمَّ رَجَعَ، فَلَهُ قِيرَاطٌ) لَمْ أَرَهُ مَوْصُولًا عَنْهُ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: مُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ اسْتِعَارَةٌ بِأَنَّ الِاتِّبَاعَ إِنَّمَا هُوَ لِمَحْضِ ابْتِغَاءِ الْفَضْلِ، وَأَنَّهُ لَا يَجْرِي مَجْرَى قَضَاءِ حَقِّ أَوْلِيَاءِ الْمَيِّتِ، فَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِيهِ حَقٌّ لِيَتَوَقَّفَ الِانْصِرَافُ قَبْلَهُ عَلَى الْإِذْنِ مِنْهُمْ.

قُلْتُ: وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ الرَّدَّ عَلَى مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَمِيرَانِ وَلَيْسَا بِأَمِيرَيْنِ: الرَّجُلُ يَكُونُ مَعَ الْجِنَازَةِ يُصَلِّي عَلَيْهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ وَلِيَّهَا، الْحَدِيثَ. وَهَذَا مُنْقَطِعٌ مَوْقُوفٌ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِثْلَهُ مِنْ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ مِنْ فِعْلِهِ أَيْضًا، وَقَدْ وَرَدَ مِثْلُهُ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ فِيهِ مَقَالٌ، وَأَخْرَجَهُ الْعُقَيْلِيُّ فِي الضُّعَفَاءِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً فَحَمَلَ مِنْ عُلْوِهَا، وَحَثَا فِي قَبْرِهَا، وَقَعَدَ حَتَّى يُؤْذَنَ لَهُ رَجَعَ بِقِيرَاطَيْنِ. وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. وَالَّذِي عَلَيْهِ مُعْظَمُ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى قَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ.

قَوْلُهُ: (حُدِّثَ ابْنُ عُمَرَ) كَذَا فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ: حُدِّثَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ عَنْ نَافِعٍ عَلَى تَسْمِيَةِ مَنْ حَدَّثَ ابْنَ عُمَرَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِذَلِكَ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ أَصْحَابُ الْأَطْرَافِ وَالْحُمَيْدِيُّ فِي جَمْعِهِ فِي تَرْجَمَةِ نَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ (١) وَفِي نُسْخَةٍ سَمِعَهُ مِنْهُ. وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُحْتَمِلًا، وَوَقَفْتُ عَلَى تَسْمِيَةِ مَنْ حَدَّثَ ابْنَ عُمَرَ بِذَلِكَ صَرِيحًا فِي مَوْضِعَيْنِ:

أَحَدِهِمَا: فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَهُوَ خَبَّابٌ بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ، الْأُولَى مُشَدَّدَةٌ، وَهُوَ أَبُو السَّائِبِ الْمَدَنِيُّ صَاحِبُ الْمَقْصُورَةِ، قِيلَ: إِنَّ لَهُ صُحْبَةً، وَلَفْظُهُ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ: إِنَّهُ كَانَ قَاعِدًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ إِذْ طَلَعَ خَبَّابٌ صَاحِبُ الْمَقْصُورَةِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ؟، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.

وَالثَّانِي: فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَذَكَرْتُ

ذَلِكَ لِابْنِ عُمَرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَائِشَةَ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: مَنْ تَبِعَ) كَذَا فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ النَّبِيَّ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، لَكِنْ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ مَهْدِيِّ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَعَنْ أَبِي أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ، وَعَنِ التُّسْتَرِيِّ، عَنْ شَيْبَانَ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ مِنَ الْأَجْرِ. فَذَكَرَهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ لِمَنِ السِّيَاقُ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ شَيْبَانَ بْنِ فَرُّوخٍ كَذَلِكَ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ السِّيَاقَ لَهُ.

قَوْلُهُ: (مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ) زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ مِنَ الْأَجْرِ. وَالْقِيرَاطُ بِكَسْرِ الْقَافِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: أَصْلُهُ قِرَّاطٌ بِالتَّشْدِيدِ، لِأَنَّ جَمْعَهُ قَرَارِيطُ، فَأَبْدَلَ مِنْ أَحَدِ حَرْفَيْ تَضْعِيفِهِ يَاءً، قَالَ: وَالْقِيرَاطُ نِصْفُ دَانِقٍ. وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ: الدَّانِقُ سُدُسُ الدِّرْهَمِ. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْقِيرَاطُ جُزْءًا مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ جُزْءًا مِنَ الدِّرْهَمِ. وَأَمَّا صَاحِبُ النِّهَايَةِ فَقَالَ: الْقِيرَاطُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الدِّينَارِ، وَهُوَ نِصْفُ عُشْرِهِ فِي أَكْثَرِ الْبِلَادِ، وَفِي الشَّامِ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا، وَنَقَلَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، عَنِ ابْنِ عُقَيْلٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الْقِيرَاطُ نِصْفُ سُدُسِ دِرْهَمٍ، أَوْ نِصْفُ عُشْرِ دِينَارٍ. وَالْإِشَارَةُ بِهَذَا الْمِقْدَارِ إِلَى الْأَجْرِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْمَيِّتِ فِي تَجْهِيزِهِ وَغُسْلِهِ وَجَمِيعِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، فَلِلْمُصَلِّي عَلَيْهِ قِيرَاطٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلِمَنْ شَهِدَ الدَّفْنَ قِيرَاطٌ. وَذَكَرَ الْقِيرَاطَ تَقْرِيبًا لِلْفَهْمِ لَمَّا كَانَ الْإِنْسَانُ يَعْرِفُ الْقِيرَاطَ وَيَعْمَلُ الْعَمَلَ فِي مُقَابَلَتِهِ، وُعِدَ مِنْ جِنْسِ مَا يَعْرِفُ، وَضَرَبَ لَهُ الْمَثَلَ بِمَا يَعْلَمُ. انْتَهَى. وَلَيْسَ الَّذِي قَالَ بِبَعِيدٍ، وَقَدْ رَوَى البَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرةَ مَرْفُوعًا: مَنْ أَتَى جِنَازَةً فِي أَهْلِهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، فَإِنْ تَبِعَهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، فَإِنْ صَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، فَإِنِ انْتَظَرَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطٌ.

فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الْجِنَازَةِ قِيرَاطًا، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مَقَادِيرُ الْقَرَارِيطِ، وَلَا سِيَّمَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَشَقَّةِ ذَلِكَ الْعَمَلِ وَسُهُولَتِهِ، وَعَلَى هَذَا فَيُقَالُ: إِنَّمَا خَصَّ قِيرَاطَيِ الصَّلَاةِ وَالدَّفْنِ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِمَا الْمَقْصُودَيْنِ، بِخِلَافِ بَاقِي أَحْوَالِ الْمَيِّتِ، فَإِنَّهَا وَسَائِلُ، وَلَكِنَّ هَذَا يُخَالِفُ ظَاهِرَ سِيَاقِ الْحَدِيثِ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ الْمُتَقَدِّمِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ، فَإِنَّ فِيهِ: إِنَّ لِمَنْ تَبِعَهَا حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا، وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا قِيرَاطَيْنِ. فَقَطْ، وَيُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الْقِيرَاطَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لِمَنْ شَهِدَ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عُقَيْلٍ لِمَنْ بَاشَرَ الْأَعْمَالَ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَيْهَا الْمَيِّتُ فَافْتَرَقَا، وَقَدْ وَرَدَ لَفْظُ الْقِيرَاطِ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ: فَمِنْهَا مَا يُحْمَلُ عَلَى الْقِيرَاطِ الْمُتَعَارَفِ، وَمِنْهَا مَا يُحْمَلُ عَلَى الْجُزْءِ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنْ لَمْ تُعْرَفِ النِّسْبَةُ. فَمِنَ الْأَوَّلِ حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ مَرْفُوعًا: إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ بَلَدًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ. وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: كُنْتُ أَرْعَى غَنَمًا لِأَهْلِ مَكَّةَ بِالْقَرَارِيطِ. قَالَ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ: يَعْنِي كُلَّ شَاةٍ بِقِيرَاطٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: قَرَارِيطُ جَبَلٍ بِمَكَّةَ. وَمِنَ الْمُحْتَمَلِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الَّذِينَ أُوتُوا التَّوْرَاةَ: أُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا. وَحَدِيثُ الْبَابِ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ.

وَقَدْ جَاءَ تَعْيِينُ مِقْدَارِ الْقِيرَاطِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ بِأَنَّهُ مِثْلُ أُحُدٍ كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِثْلُ قَرَارِيطِنَا هَذِهِ؟ قَالَ: لَا، بَلْ مِثْلُ أُحُدٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ ذِكْرِ الْقِيرَاطِ فِي الْحَدِيثَيْنِ تَسَاوِيهِمَا، لِأَنَّ عَادَةَ الشَّارِعِ تَعْظِيمُ الْحَسَنَاتِ وَتَخْفِيفُ مُقَابِلِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْقَاضِي: الذَّرَّةُ جُزْءٌ مِنَ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ حَبَّةٍ، وَالْحَبَّةُ ثُلُثُ الْقِيرَاطِ، فَإِذَا كَانَتِ الذَّرَّةُ تُخْرِجُ مِنَ النَّارِ فَكَيْفَ بِالْقِيرَاطِ؟ قَالَ: وَهَذَا قَدْرُ قِيرَاطِ الْحَسَنَاتِ، فَأَمَّا قِيرَاطُ السَّيِّئَاتِ فَلَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْقِيرَاطُ فِي اقْتِنَاءِ الْكَلْبِ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ عَمَلِ الْمُقْتَنَى لَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِيرَاطِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ جُزْءٌ

مِنْ أَجْزَاءٍ مَعْلُومَةٍ عِنْدَ اللَّهِ، وَقَدْ قَرَّبَهَا النَّبِيُّ لِلْفَهْمِ بِتَمْثِيلِهِ الْقِيرَاطَ بِأُحُدٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ مِثْلُ أُحُدٍ تَفْسِيرٌ لِلْمَقْصُودِ مِنَ الْكَلَامِ لَا لِلَفْظِ الْقِيرَاطِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِنَصِيبٍ كَبِيرٍ مِنَ الْأَجْرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ لَفْظَ الْقِيرَاطِ مُبْهَمٌ مِنْ وَجْهَيْنِ، فَبَيَّنَ الْمَوْزُونَ بِقَوْلِهِ: مِنَ الْأَجْرِ. وَبَيَّنَ الْمِقْدَارَ الْمُرَادَ مِنْهُ بِقَوْلِهِ: مِثْلُ أُحُدٍ.

وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: أَرَادَ تَعْظِيمَ الثَّوَابِ فَمَثَّلَهُ لِلْعِيَانِ بِأَعْظَمِ الْجِبَالِ خَلْقًا، وَأَكْثَرِهَا إِلَى النُّفُوسِ الْمُؤْمِنَةِ حُبًّا، لِأَنَّهُ الَّذِي قَالَ فِي حَقِّهِ: إِنَّهُ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ. انْتَهَى. وَلِأَنَّهُ أَيْضًا قَرِيبٌ مِنَ الْمُخَاطَبِينَ يَشْتَرِكُ أَكْثَرُهُمْ فِي مَعْرِفَتِهِ، وَخُصَّ الْقِيرَاطَ بِالذِّكْرِ، لِأَنَّهُ كَانَ أَقَلَّ مَا تَقَعُ بِهِ الْإِجَارَةُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، أَوْ جَرَى ذَلِكَ مَجْرَى الْعَادَةِ مِنْ تَقْلِيلِ الْأَجْرِ بِتَقْلِيلِ الْعَمَلِ. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: مَنْ تَبِعَ عَلَى أَنَّ الْمَشْيَ خَلْفَ الْجِنَازَةِ أَفْضَلُ مِنَ الْمَشْيِ أَمَامَهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ حَقِيقَةُ الِاتِّبَاعِ حِسًّا. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الَّذِينَ رَجَّحُوا الْمَشْيَ أَمَامَهَا حَمَلُوا الِاتِّبَاعَ هُنَا عَلَى الِاتِّبَاعِ الْمَعْنَوِيِّ أَيِ الْمُصَاحَبَةِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَمَامَهَا أَوْ خَلْفَهَا، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَهَذَا مَجَازٌ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ الدَّالُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّقَدُّمِ رَاجِحًا. انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي بَابِ السُّرْعَةِ بِالْجِنَازَةِ وَذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ.

قَوْلُهُ: (أَكْثَرَ عَلَيْنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) قَالَ ابْنُ التِّينِ: لَمْ يَتَّهِمْهُ ابْنُ عُمَرَ، بَلْ خَشِيَ عَلَيْهِ السَّهْوَ، أَوْ قَالَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ لَمْ يُنْقَلْ لَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ رَفَعَهُ، فَظَنَّ أَنَّهُ قَالَ بِرَأْيِهِ فَاسْتَنْكَرَهُ. انْتَهَى. وَالثَّانِي جُمُودٌ عَلَى سِيَاقِ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ رَفَعَهُ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: قَوْلُهُ أَكْثَرَ عَلَيْنَا أَيْ فِي ذِكْرِ الْأَجْرِ، أَوْ فِي كَثْرَةِ الْحَدِيثِ، كَأَنَّهُ خَشِيَ لِكَثْرَةِ رِوَايَاتِهِ أَنْ يَشْتَبِهَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْأَمْرِ. انْتَهَى. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ: فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ فَتَعَاظَمَهُ. وَفِي رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عِنْدَ سَعِيدٍ أَيْضًا وَمُسَدَّدٍ، وَأَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ انْظُرْ مَا تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ .

قَوْلُهُ: (فَصَدَّقَتْ - يَعْنِي عَائِشَةَ - أَبَا هُرَيْرَةَ) لَفْظُ يَعْنِي لِلْبُخَارِيِّ، كَأَنَّهُ شَكَّ فَاسْتَعْمَلَهَا. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي النُّعْمَانِ شَيْخِهِ، فَلَمْ يَقُلْهَا. وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَبَعَثَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى عَائِشَةَ يَسْأَلَهَا، فَصَدَّقَتْ أَبَا هُرَيْرَةَ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِابْنِ عُمَرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَائِشَةَ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ: صَدَقَ وَفِي رِوَايَةِ خَبَّابٍ صَاحِبِ الْمَقْصُورَةِ عِنْدَ مُسْلِمٍ. فَأَرْسَلَ ابْنُ عُمَرَ، خَبَّابًا إِلَى عَائِشَةَ يَسْأَلَهَا عَنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ، ثُمَّ يَرْجِعَ إِلَيْهِ فَيُخْبِرَهُ بِمَا قَالَتْ، حَتَّى رَجَعَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ، فَقَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ صَدَقَ أَبُو هُرَيْرَةَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ: فَقَامَ أَبُو هُرَيْرَةَ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا عَائِشَةَ، فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْشُدُكِ اللَّهَ أَسَمِعْتِ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ. . . فَذَكَرَهُ. فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ نَعَمْ. وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الرَّسُولَ لَمَّا رَجَعَ إِلَى ابْنِ عُمَرَ بِخَبَرِ عَائِشَةَ بَلَغَ ذَلِكَ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَمَشَى إِلَى ابْنِ عُمَرَ، فَأَسْمَعَهُ ذَلِكَ مِنْ عَائِشَةَ مُشَافَهَةً، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ الْوَلِيدِ: فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَمْ يَشْغَلْنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ غَرْسُ الْوَدِيِّ، وَلَا صَفْقٌ بِالْأَسْوَاقِ، وَإِنَّمَا كُنْتُ أَطْلُبُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ أَكْلَةً يُطْعِمنِيهَا أَوْ كَلِمَةً يُعَلِّمْنِيهَا. قَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: كُنْتَ أَلْزَمَنَا لِرَسُولِ اللَّهِ وَأَعْلَمَنَا بِحَدِيثِهِ.

قَوْلُهُ: (لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ) أَيْ مِنْ عَدَمِ الْمُوَاظَبَةِ عَلَى حُضُورِ الدَّفْنِ، بَيَّنَ ذَلِكَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَلَمَّا بَلَغَهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ. . . فَذَكَرَهُ.

وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ دَلَالَةٌ عَلَى تَمَيُّزِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْحِفْظِ، وَأَنَّ إِنْكَارَ الْعُلَمَاءِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ قَدِيمٌ، وَفِيهِ اسْتِغْرَابُ الْعَالِمِ مَا لَمْ يَصِلْ إِلَى عِلْمِهِ، وَعَدَمُ مُبَالَاةِ الْحَافِظِ بِإِنْكَارِ مَنْ لَمْ يَحْفَظْ، وَفِيهِ مَا كَانَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ مِنَ التَّثَبُّتِ فِي الْحَدِيثِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ) بضمِّ الحاء المهملة، البصريُّ التَّابعيُّ ممَّا قال (١) الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه لم يره موصولًا عنه: (مَا عَلِمْنَا عَلَى الجَنَازَةِ إِذْنًا) يُلتمس من أوليائها للانصراف بعد الصَّلاة (وَلَكِنْ مَنْ صَلَّى ثُمَّ رَجَعَ فَلَهُ قِيرَاطٌ) فلا يفتقر إلى الإذن، وهذا مذهب الشَّافعيِّ والجمهور، وقال قومٌ: لا ينصرف إلَّا بإذنٍ، ورُوِيَ عن عمر وابنه وأبي هريرة وابن مسعود والمِسْوَر بن مَخْرمة، والنَّخعيِّ، وحُكِيَ عن مالكٍ.

١٣٢٣ - ١٣٢٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) بفتح الجيم في الأوَّل، وبالحاء المهملة والزَّاي في الثَّاني (قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا) مولى ابن عمر (يَقُولُ: حُدِّثَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب، بضمِّ الحاء المهملة وكسر الدَّال: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ (٢) يَقُولُ) ووقع في «مسلمٍ» تسميةُ من حدَّث ابنَ عمر بذلك عن أبي هريرة، ولفظه من طريق داود بن عامر بن سعدٍ عن أبيه: أنَّه كان قاعدًا عند عبد الله بن عمر إذ طلع خبَّاب صاحب المقصورة، فقال: يا عبد الله بن عمر، ألا تسمع ما يقول أبو هريرة … ؟ فذكره موقوفًا (٣)، لم يذكر النَّبيَّ كما هنا، وهو كذلك في جميع الطُّرق، لكن رواه أبو عَوانة في «صحيحه» فقال: قيل لابن عمر: إنَّ أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله يقول (٤): (مَنْ تَبِعَ (٥) جَنَازَةً) وصلَّى عليها

(فَلَهُ قِيرَاطٌ) من الأجر المتعلِّق بالميِّت من تجهيزه وغسله ودفنه والتَّعزية به وحمل الطَّعام إلى أهله، وجميع ما يتعلَّق به، وليس المراد جنس الأجر لأنَّه يدخل فيه ثواب الإيمان والأعمال كالصَّلاة والحجِّ وغيره، وليس في صلاة الجنازة ما يبلغ ذلك، وحينئذٍ فلم يبقَ إلَّا أن يرجع إلى المعهود، وهو الأجر العائد على الميِّت، قاله أبو الوفاء بن عَقِيلٍ، ويؤيِّده حديث أبي هريرة: «من أتى جنازةً في أهلها فله قيراطٌ، فإن تبعها فله قيراطٌ، فإن صلَّى عليها فله قيراطٌ، فإن انتظرها حتَّى تدفن فله قيراطٌ» رواه البزَّار بسندٍ ضعيفٍ (١)، قال في «الفتح»: فهذا يدلُّ على أنَّ لكلِّ عملٍ من أعمال الجنازة قيراطًا وإن اختلفت مقادير القراريط، ولا سيما بالنِّسبة إلى مشقَّة ذلك العمل وسهولته، ومقدارُ القيراطِ ومبحثه يأتي إن شاء الله تعالى في الباب التَّالي [خ¦١٣٢٥] (فَقَالَ) ابن عمر : (أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَيْنَا) لم يتَّهمه ابن عمر بأنَّه روى ما لم (٢) يسمع، بل جوَّز عليه السَّهو والاشتباه لكثرة رواياته، أو قال ذلك لأنَّه لم يرفعه، فظنَّ ابن عمر أنَّه قاله (٣) برأيه اجتهادًا، فأرسل ابن عمر إلى عائشة يسألها عن ذلك. (فَصَدَّقَتْ -يَعْنِي: عَائِشَةَ- أَبَا هُرَيْرَةَ) وللمُستملي وأبي الوقت: «بقول أبي هريرة» (وَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُهُ) الضَّمير المستتر للنَّبيِّ ، والبارز للحديث، أي: يقول رسولُ الله ذلك (فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ) أي: في عدم المواظبة على حضور الدَّفن، كما وقع مبيَّنًا في حديث (٤) مسلمٍ، ولفظه: كان ابن عمر يصلِّي على الجنازة ثمَّ ينصرف، فلمَّا بلغه حديث أبي هريرة قال: فذكره، قال المؤلِّف مفسِّرًا لقوله: لقد فرَّطنا (فَرَّطْتُ: ضَيَّعْتُ مِنْ أَمْرِ اللهِ).

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٧٥ - (بابُ فَضْلِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل اتِّبَاع الْجَنَائِز، وَالْمرَاد من الإتباع أَن يتبع الْجِنَازَة وَيُصلي عَلَيْهَا، وَلَيْسَ المُرَاد أَن يتبع ثمَّ ينْصَرف بِغَيْر صَلَاة. فَإِن قلت: مَا تدل التَّرْجَمَة على الحكم؟ قلت: المُرَاد إِثْبَات الْأجر وَالتَّرْغِيب فِيهِ لَا تعْيين الحكم وَقيل: المُرَاد من الِاتِّبَاع الْقدر الَّذِي يحصل بِهِ مُسَمَّاهُ الَّذِي يحصل بِهِ القيراط من الْأجر.

وقَالَ زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ: إذَا صَلَّيْتَ فَقَدْ قَضَيْتَ الَّذِي عَلَيْكَ

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الصَّلَاة على الْمَيِّت لَا تحصل إِلَّا باتباعه، وَزيد بن ثَابت بن الضَّحَّاك بن زيد الْأنْصَارِيّ النجاري أَبُو خَارِجَة الْمدنِي، قدم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَدِينَة وَهُوَ ابْن إِحْدَى عشرَة سنة، وَكَانَ يكْتب الْوَحْي لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَانَ من فضلاء الصَّحَابَة، وَمن أَصْحَاب الْفَتْوَى، توفّي سنة خمس وَأَرْبَعين بِالْمَدِينَةِ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله سعيد بن مَنْصُور من طَرِيق عُرْوَة عَنهُ، وَوَصله ابْن أبي شيبَة عَن أبي مُعَاوِيَة ووكيع عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن زيد بن ثَابت: (إِذا صليتم على الْجِنَازَة فقد قضيتم مَا عَلَيْكُم فَخلوا بَينهَا وَبَين أَهلهَا) . قَوْله: (إِذا صليت) أَي: على الْمَيِّت (فقد قضيت) حَقه (الَّذِي عَلَيْك) ، من الْوَاجِب الَّذِي هُوَ على الْكِفَايَة، وَإِذا أَرَادَ الِاتِّبَاع بعد ذَلِك إِلَى قَبره فَلهُ زِيَادَة الْأجر.

وَقَالَ حُمَيْدُ بنُ هِلَالٍ: مَا عَلِمْنَا علَى الجَنَازَةِ إذْنا وَلاكِنْ مَنْ صَلَّى ثُمَّ رَجَعَ فَلَهُ قِيرَاطٌ

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من صلى ثمَّ رَجَعَ) لِأَن الصَّلَاة تكون بالاتباع، وَحميد، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة: ابْن هِلَال ابْن هُبَيْرَة أَبُو نصر الْبَصْرِيّ التَّابِعِيّ، مر فِي: بَاب يرد الْمُصَلِّي من يمر بَين يَدَيْهِ. قَوْله: (إِذْنا) ، بِكَسْر الْهمزَة أَي، مَا ثَبت عندنَا أَنه يُؤذن على الْجِنَازَة، وَلَكِن ثَبت من صلى ... إِلَى آخِره، هَذَا أَن الصَّلَاة على الْجِنَازَة حق الْمَيِّت، ولابتغاء الْفضل وَلَيْسَ للأولياء فِيهَا حق حَتَّى يتَوَقَّف الِانْصِرَاف بعد الصَّلَاة على الْأذن. وَفِي هَذَا الْبَاب اخْتِلَاف، فَروِيَ عَن زيد بن ثَابت وَجَابِر بن عبد الله وَعُرْوَة بن الزبير وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وَالْحسن وَقَتَادَة وَابْن سِيرِين وَأبي قلَابَة: أَنهم كَانُوا يَنْصَرِفُونَ بعد الصَّلَاة وَلَا يستأذنون، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَجَمَاعَة من الْعلمَاء، وَقَالَت طَائِفَة: لَا بُد من الْإِذْن فِي ذَلِك، وَرُوِيَ عَن عمر وَابْن مَسْعُود وَابْن عمر وَأبي هُرَيْرَة والمسور بن مخرمَة وَالنَّخَعِيّ: أَنهم كَانُوا لَا يَنْصَرِفُونَ حَتَّى يستأذنون، وروى ابْن عبد الحكم عَن مَالك قَالَ: لَا يجب لمن يشْهد جَنَازَة أَن ينْصَرف عَنْهَا حَتَّى يُؤذن لَهُ، إلَاّ أَن يطول ذَلِك. فَإِن قلت: روى عبد الرَّزَّاق من طَرِيق عَمْرو بن شُعَيْب (عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: أميران وليسا بأميرين: الرجل يكون مَعَ الْجِنَازَة يُصَلِّي عَلَيْهَا فَلَيْسَ لَهُ أَن يرجع حَتَّى يسْتَأْذن وَليهَا) الحَدِيث، وروى الْبَزَّار من حَدِيث جَابر مَرْفُوعا: (أميران وليسا بأميرين: الْمَرْأَة تحج مَعَ الْقَوْم فتحيض، وَالرجل يتبع الْجِنَازَة فَيصَلي عَلَيْهَا لَيْسَ لَهُ أَن يرجع حَتَّى يستأمر أهل الْجِنَازَة) . وروى أَحْمد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة يرفعهُ: (من تبع جَنَازَة فَحمل من علوها، وحثى فِي قبرها، وَقعد حَتَّى يُؤذن لَهُ رَجَعَ بقيراطين) . قلت: أما حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب فَهُوَ مُنْقَطع مَوْقُوف. فَإِن قلت: روى عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا أَيْضا؟ قلت: قَالَ أَبُو جَعْفَر الْعقيلِيّ: لم يُتَابع عَلَيْهِ. وَأما حَدِيث جَابر فَهُوَ ضَعِيف، وَكَذَلِكَ حَدِيث أَحْمد ضَعِيف.

٣٢٣١ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا جَرِيرُ بنُ حازِمٍ قَالَ سَمِعْتُ نافِعا يَقُولُ حُدِّثَ ابنُ عُمَرَ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم يقُولُ مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ فَقَالَ أكْثَرَ أبُو هُرَيْرَةَ عَلَيْنَا. فَصَدَّقَتْ يَعْنِي عائِشَةَ أبَا هُرَيْرَةَ وَقالَتْ سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُهُ فَقَالَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد مضوا غير مرّة، وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي وَجَرِير، بِفَتْح الْجِيم

وبكسر الرَّاء المكررة: ابْن حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي، سبق فِي: بَاب يسْتَقْبل الإِمَام النَّاس إِذا سلم.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد ابْن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَأخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة. وَأخرجه مُسلم أَيْضا كَمَا أخرجه البُخَارِيّ هَهُنَا من رِوَايَة نَافِع عَن أبي هُرَيْرَة، وَرَوَاهُ البُخَارِيّ أَيْضا من رِوَايَة سعيد المَقْبُري عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، وَرَوَاهُ مُسلم أَيْضا من رِوَايَة سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، وَمن رِوَايَة يزِيد بن كيسَان عَن أبي حَازِم عَن أبي هُرَيْرَة. وَرَوَاهُ مُسلم أَيْضا وَأَبُو دَاوُد من رِوَايَة خباب صَاحب الْمَقْصُورَة عَن أبي هُرَيْرَة، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا من رِوَايَة سُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة عَن سمي عَن أبي صَالح عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: حَدثنَا أَبُو كريب حَدثنَا عَبدة بن سُلَيْمَان عَن مُحَمَّد بن عَمْرو حَدثنَا أَبُو سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من صلى على جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط، وَمن تبعها حَتَّى يقْضِي دَفنهَا فَلهُ قيراطان أَحدهمَا أَو أصغرهما مثل أحد، فَذكرت ذَلِك لِابْنِ عمر، فَأرْسل إِلَى عَائِشَة يسْأَلهَا عَن ذَلِك، فَقَالَت: صدق أَبُو هُرَيْرَة، فَقَالَ ابْن عمر: لقد فرطنا فِي قراريط كَثِيرَة) . وَفِي الْبَاب عَن الْبَراء رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من تبع جَنَازَة حَتَّى يصلى عَلَيْهَا كَانَ لَهُ من الْأجر قِيرَاط، وَمن مَشى مَعَ الْجِنَازَة حَتَّى تدفن كَانَ لَهُ من الْأجر قيراطان، والقيراط مثل أحد) ، وَعَن عبد الله بن الْمُغَفَّل روى حَدِيثه النَّسَائِيّ أَيْضا عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من تبع جَنَازَة حَتَّى يفرغ مِنْهَا فَلهُ قيراطان، فَإِن رَجَعَ قبل أَن يفرغ مِنْهَا فَلهُ قِيرَاط. وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، واسْمه: سعد بن مَالك الْأنْصَارِيّ، روى حَدِيثه ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من أَتَى الْجِنَازَة عِنْد أَهلهَا فَمشى مَعهَا حَتَّى يُصَلِّي عَلَيْهَا فَلهُ قِيرَاط، وَمن شَهِدَهَا حَتَّى تدفن فَلهُ قيراطان مثل أحد) . وَعَن أبي بن كَعْب أخرج حَدِيثه ابْن مَاجَه عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من صلى على جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط، وَمن شَهِدَهَا حَتَّى تدفن فَلهُ قِيرَاط، وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ القيراط أعظم من أحد) . وَعَن ابْن عمر: أخرج حَدِيثه ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من صلى على جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط) ، وَعَن ثَوْبَان أخرج حَدِيثه مُسلم وَابْن مَاجَه، عَنهُ: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (من صلى على جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط، فَإِن شهد دَفنهَا فَلهُ قيراطان، القيراط مثل أحد) .

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (حدث) ، بِضَم الْحَاء على صِيغَة الْمَجْهُول من الْمَاضِي وَلم يبين فِي شَيْء من الطّرق من كَانَ حدث ابْن عمر عَن أبي هُرَيْرَة بذلك، وَلَكِن يُمكن أَن يُقَال: إِنَّه بَين فِي موضِعين أَحدهمَا فِي (صَحِيح مُسلم) : حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن يزِيد، قَالَ: حَدثنَا حَيْوَة بن صَخْر عَن يزِيد بن عبد الله بن قسيط أَنه حدث أَن دَاوُد بن عَامر ابْن سعد بن أبي وَقاص حَدثهُ عَن أَبِيه أَنه كَانَ قَاعِدا عِنْد عبد الله بن عمر إِذْ طلع خباب صَاحب الْمَقْصُورَة، فَقَالَ: يَا عبد الله بن عمر ألَا تسمع مَا يَقُول أَبُو هُرَيْرَة؟ إِنَّه سمع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: من خرج مَعَ جَنَازَة من بَيتهَا وَصلى عَلَيْهَا ثمَّ تبعها حَتَّى تدفن كَانَ لَهُ قيراطان من الْأجر مثل أحد، وَمن صلى عَلَيْهَا ثمَّ رَجَعَ كَانَ لَهُ من الْأجر مثل أحد. فَأرْسل ابْن عمر خبابا إِلَى عَائِشَة يسْأَلهَا عَن قَول أبي هُرَيْرَة، ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ يُخبرهُ مَا قَالَت، وَأخذ ابْن عمر قَبْضَة من حَصْبَاء الْمَسْجِد يقلبها فِي يَده حَتَّى رَجَعَ إِلَيْهِ الرَّسُول، فَقَالَ: قَالَت عَائِشَة: صدق أَبُو هُرَيْرَة، فَضرب ابْن عمر بالحصباء الَّذِي كَانَ فِي يَده ثمَّ قَالَ: لقد فرطنا فِي قراريط كَثِيرَة) . والموضع الآخر فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ، وَقد ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (أَن أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: من تبع) كَذَا فِي جَمِيع الطّرق لم يذكر فِيهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَذَا أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق إِبْرَاهِيم بن رَاشد عَن أبي النُّعْمَان شيخ البُخَارِيّ فِيهِ، وَأخرجه أَبُو عوَانَة فِي صَحِيحه عَن مهْدي بن الْحَارِث عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَعَن أبي أُميَّة عَن أبي النُّعْمَان وَعَن التسترِي عَن شَيبَان، ثَلَاثَتهمْ عَن جرير بن حَازِم عَن نَافِع، قَالَ: قيل لِابْنِ عمر: إِن أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: سَمِعت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: (من تبع جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط من الْأجر) ، فَذكره. قَوْله: (من تبع جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط) ، زَاد مُسلم فِي رِوَايَته: (من الْأجر. .) والقيراط، بِكَسْر الْقَاف. قَالَ الْكرْمَانِي:

القيراط لُغَة: نصف دانق، وَالْمَقْصُود مِنْهُ هُنَا النَّصِيب. وَقيل: القيراط جُزْء من أَجزَاء الدِّينَار، وَهُوَ نصف عشره فِي أَكثر الْبِلَاد، وَأهل الشَّام يجعلونه جُزْءا من أَرْبَعَة وَعشْرين، وَأَصله: القراط، يَعْنِي بِالتَّشْدِيدِ بِدَلِيل جمعه بالقراريط، فأبدل إِحْدَى الراءين يَاء. وَعَن ابْن عقيل: القيراط نصف سدس دِرْهَم أَو نصف عشر دِينَار. وَقيل: المُرَاد بالقيراط هَهُنَا جُزْء من أَجزَاء مَعْلُومَة عِنْد الله تَعَالَى، وَقد قربهَا النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، للفهم بتمثيله القيراط بِأحد، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: قَوْله: (مثل أحد) تَفْسِير للمقصود من الْكَلَام لَا للفظ القيراط، وَالْمرَاد مِنْهُ أَن يرجع بِنَصِيب من الْأجر، وَذَلِكَ لِأَن لفظ القيراط مُبْهَم من وَجْهَيْن فَبين الْمَوْزُون بقوله: (من الْأجر) وَبَين الْمِقْدَار المُرَاد مِنْهُ بقوله: (مثل أحد) . فَإِن قلت: لِمَ خص القيراط بِالذكر؟ قلت: لِأَن غَالب مَا تقع بِهِ معاملتهم كَانَ بالقيراط.

وَقد ورد لفظ القيراط فِي عدَّة أَحَادِيث: فَمِنْهَا: مَا يحمل على القيراط الْمُتَعَارف. وَمِنْهَا: مَا يحمل على الْجُزْء وَإِن لم تعرف النِّسْبَة، فَمن الأول: حَدِيث كَعْب بن مَالك: (إِنَّكُم ستفتحون بَلَدا يذكر فِيهَا القيراط) ، وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا (كنت أرى الْغنم لأهل مَكَّة بالقراريط) . قَالَ ابْن مَاجَه عَن بعض شُيُوخه، يَعْنِي: كل شَاة بقيراط، وَقَالَ غَيره: قراريط جبل بِمَكَّة، وَمن الْمُحْتَمل حَدِيث ابْن عمر الَّذين أعْطوا الْكتاب أعْطوا قيراطا قيراطا، وَحَدِيث الْبَاب. وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة: (من اقتنى كَلْبا نقص من عمله كل يَوْم قِيرَاط) . وَقد جَاءَ فِي حَدِيث مُسلم، وَغَيره: (القيراط مثل أحد) ، وَسَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَأْتِي: القيراطان مثل الجبلين العظيمين، وَهَذَا تَمْثِيل واستعارة، وَيجوز أَن يكون حَقِيقَة بِأَن يَجْعَل الله عمله ذَلِك يَوْم الْقِيَامَة فِي صُورَة عين يُوزن كَمَا توزن الْأَجْسَام، وَيكون قدر هَذَا كَقدْر أحد. فَإِن قلت: التَّمْثِيل بِأحد مَا وَجه تَخْصِيصه؟ قلت: لِأَنَّهُ كَانَ قَرِيبا من المخاطبين وَكَانَ أَكْثَرهم يعرفونه كَمَا يَنْبَغِي، وَقيل: لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي حَقه: (إِنَّه جبل يحبنا وَنحن نحبه) . وَقيل: لِأَنَّهُ أعظم الْجبَال خلقا. قلت: فِيهِ نظر لَا يخفى. قَوْله: (فَقَالَ) ، أَي: قَالَ ابْن عمر: أَكثر أَبُو هُرَيْرَة علينا. قَالَ الْكرْمَانِي: أَي: فِي ذكر الْأجر أَو فِي رِوَايَة الحَدِيث، خَافَ لِكَثْرَة رواياته أَنه اشْتبهَ عَلَيْهِ الْأَمر، فِيهِ لَا أَنه نسبه إِلَى رِوَايَة مَا لم يسمع لِأَن مرتبتهما أجل من ذَلِك وَقَالَ ابْن التِّين لم يهتم ابْن عمر بل خشِي عَلَيْهِ السَّهْو أَو قَالَ ذَلِك لكَونه لم ينْقل لَهُ عَن أبي هُرَيْرَة أَنه رَفعه، فَظن أَنه قَالَ بِرَأْيهِ، فاستنكره. وَوَقع فِي رِوَايَة أبي سَلمَة عِنْد سعيد ابْن مَنْصُور، فَبلغ ذَلِك ابْن عمر فتعاظمه، وَفِي رِوَايَة الْوَلِيد بن عبد الرَّحْمَن عِنْد سعيد أَيْضا ومسدد وَأحمد بِإِسْنَاد صَحِيح: فَقَالَ ابْن عمر: يَا أَبَا هُرَيْرَة أنظر مَا تحدث من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَوْله: (فصدقت) يَعْنِي عَائِشَة أَبَا هُرَيْرَة، لفظ: يَعْنِي، من البُخَارِيّ، كَأَنَّهُ شكّ فاستعملها، وَقد رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق أبي النُّعْمَان شيخ البُخَارِيّ فَلم يقلها، وَقد ذكرنَا رِوَايَة مُسلم وفيهَا: فَبعث ابْن عمر إِلَى عَائِشَة فَسَأَلَهَا فصدقت أَبَا هُرَيْرَة، وَقد ذكرنَا أَيْضا عَن التِّرْمِذِيّ: (فَأرْسل إِلَى عَائِشَة يسْأَلهَا عَن ذَلِك فَقَالَت: صدق أَبُو هُرَيْرَة) . فَإِن قلت: روى سعيد بن مَنْصُور من حَدِيث الْوَلِيد بن عبد الرَّحْمَن: (فَقَامَ أَبُو هُرَيْرَة فَأخذ بِيَدِهِ فَانْطَلقَا حَتَّى أَتَيَا عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فَقَالَ لَهَا: يَا أم الْمُؤمنِينَ، أنْشدك الله أسمعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول؟ فَذكره، فَقَالَت: أللهم نعم) . قلت: التَّوْفِيق فِي ذَلِك بِأَن الرَّسُول لما رَجَعَ إِلَى ابْن عمر بِخَبَر عَائِشَة بلغ ذَلِك أَبَا هُرَيْرَة فَمشى إِلَى ابْن عمر فأسمعه ذَلِك من عَائِشَة مشافهة، وَزَاد فِي رِوَايَة الْوَلِيد: (فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: لم يشغلني عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غرس بالوادي وَلَا صفق بالأسواق، وَإِنَّمَا كنت أطلب من رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَكلَة يطعمنيها أَو كلمة يعلمنيها. قَالَ لَهُ ابْن عمر: كنت ألزمنا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَعْلَمنَا بحَديثه) . قَوْله: (لقد فرطنا فِي قراريط كَثِيرَة) أَي: من عدم الْمُوَاظبَة على حُضُور الدّفن.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: تَمْيِيز أبي هُرَيْرَة فِي الْحِفْظ، وَأَن إِنْكَار الْعلمَاء بَعضهم على بعض قديم، وَأَن الْعَالم يستغرب مَا لم يصل إِلَى علمه. وَفِيه: عدم مبالاة الْحَافِظ بإنكار من لم يحفظ. وَفِيه: مَا كَانَت الصَّحَابَة عَلَيْهِ من التثبت فِي الْعلم والْحَدِيث النَّبَوِيّ والتحرير فِيهِ. وَفِيه: دلَالَة على فَضِيلَة ابْن عمر من حرصه على الْعلم وتأسفه على مَا فَاتَهُ من الْعَمَل الصَّالح. وَفِيه: فِي قَوْله: (من تبع جَنَازَة) حجَّة لمن قَالَ: إِن الْمَشْي خلف الْجِنَازَة أفضل من الْمَشْي أمامها، لِأَن ذَلِك حَقِيقَة الِاتِّبَاع حسا. وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: الَّذين رجحوا الْمَشْي أمامها حملُوا الإتباع هُنَا على الإتباع الْمَعْنَوِيّ، أَي: المصاحبة، وَهُوَ أَعم من

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.5 / 29.5
الإضاءة 77%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد