«أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى ﵉، فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ، فَرَجَعَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٣٣٩

الحديث رقم ١٣٣٩ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة أو نحوها.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٣٣٩ في صحيح البخاري

«أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى ، فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ، فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ، فَقَالَ: أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ، فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهِ عَيْنَهُ، وَقَالَ: ارْجِعْ، فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَلَهُ بِكُلِّ مَا غَطَّتْ بِهِ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ. قَالَ: أَيْ رَبِّ، ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ثُمَّ الْمَوْتُ. قَالَ: فَالْآنَ، فَسَأَلَ اللهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ، إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ، عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ.»

بَابُ الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ، وَدُفِنَ أَبُو بَكْرٍ لَيْلًا

إسناد حديث رقم ١٣٣٩ من صحيح البخاري

١٣٣٩ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٣٣٩: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (بَابُ الْمَيِّتُ يَسْمَعُ خَفْقَ النِّعَالِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: جَرَّدَ الْمُصَنِّفُ مَا ضَمَّنَهُ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ؛ لِيَجْعَلَهُ أَوَّلَ آدَابِ الدَّفْنِ مِنَ إِلْزَامِ الْوَقَارِ وَاجْتِنَابِ اللَّغَطِ، وَقَرْعِ الْأَرْضِ بِشِدَّةِ الْوَطْءِ عَلَيْهَا كَمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ مَعَ الْحَيِّ النَّائِمِ، وَكَأَنَّهُ اقْتَطَعَ مَا هُوَ مِنْ سَمَاعِ الْآدَمِيِّينَ مِنْ سَمَاعِ مَا هُوَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَتَرْجَمَ بِالْخَفْقِ - وَلَفْظُ الْمَتْنِ بِالْقَرْعِ - إِشَارَةً إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ بِلَفْظِ الْخَفْقِ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثِ طَوِيلٍ فِيهِ: وَأَنَّهُ لِيَسْمَعَ خَفْقَ نِعَالِهِمْ. وَرَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ : أَنَّ الْمَيِّتَ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ. أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ هَكَذَا مُخْتَصَرًا. وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ . . . نَحْوَهُ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْمَشْيِ بَيْنَ الْقُبُورِ بِالنِّعَالِ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ سِوَى الْحِكَايَةُ عَمَّنْ يَدْخُلُ الْمَقَابِرَ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي إِبَاحَةً وَلَا تَحْرِيمًا. انْتَهَى.

وَإِنَّمَا اسْتَدَلَّ بِهِ مَنِ اسْتَدَلَّ عَلَى الْإِبَاحَةِ أَخْذًا مِنْ كَوْنِهِ قَالَهُ وَأَقَرَّهُ، فَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا لَبَيَّنَهُ، لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ احْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ سَمَاعَهُ إِيَّاهَا بَعْدَ أَنْ يُجَاوِزَ الْمَقْبَرَةَ، وَيَدُلُّ عَلَى الْكَرَاهَةِ حَدِيثُ بَشِيرِ بْنِ الْخَصَاصِيَةِ: إِنَّ النَّبِيَّ رَأَى رَجُلًا يَمْشِي بَيْنَ الْقُبُورِ وَعَلَيْهِ نَعْلَانِ سِبْتِيَّتَانِ، فَقَالَ: يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ أَلْقِ نَعْلَيْكَ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. وَأَغْرَبَ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ: يَحْرُمُ الْمَشْيُ بَيْنَ الْقُبُورِ بِالنِّعَالِ السِّبْتِيَّةِ دُونَ غَيْرِهَا، وَهُوَ جُمُودٌ شَدِيدٌ. وَأَمَّا قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْهُمَا لِمَا فِيهِمَا مِنَ الْخُيَلَاءِ، فَإِنَّهُ مُتَعَقَّبٌ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ وَيَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَلْبَسُهَا. وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: يُحْمَلُ نَهْيُ الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي نَعْلَيْهِ قَذَرٌ، فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ مَا لَمْ يَرَ فِيهِمَا أَذًى.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ) هُوَ ابْنُ الْوَلِيدِ الرَّقَّامُ، كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ، وَهُوَ بِتَحْتَانِيَّةٍ وَمُعْجَمَةٍ. وَعَبْدُ الْأَعْلَى هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى. وَسَاقَ حَدِيثَهُ مَقْرُونًا بِرِوَايَةِ خَلِيفَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ عَلَى لَفْظِ خَلِيفَةَ، وَسَيَأْتِي مُفْرَدًا فِي عَذَابِ الْقَبْرِ عَنْ عَيَّاشِ بْنِ الْوَلِيدِ بِلَفْظِهِ وَمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةٍ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَقَوْلُهُ هُنَا: إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ. كَذَا ثَبَتَ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ، فَقَالَ ابْنُ التِّينِ: إِنَّهُ كَرَّرَ اللَّفْظَ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَرَأَيْتُهُ أَنَا مَضْبُوطًا بِخَطٍّ مُعْتَمَدٍ: وَتُوُلِّيَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ اللَّامِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، أَيْ تُوُلِّيَ أَمْرُهُ أَيِ الْمَيِّتُ، وَسَيَأْتِي فِي رِوَايَةِ عَيَّاشٍ بِلَفْظِ: وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ. وَهُوَ الْمَوْجُودُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ.

٦٨ - بَاب مَنْ أَحَبَّ الدَّفْنَ فِي الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ أَوْ نَحْوِهَا

١٣٣٩ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى ، فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ، فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ، فَقَالَ: أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ عَيْنَهُ، وَقَالَ: ارْجِعْ فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَلَهُ بِكُلِّ مَا غَطَّتْ بِهِ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ، قَالَ: أَيْ رَبِّ، ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ثُمَّ الْمَوْتُ، قَالَ: فَالْآنَ، فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنْ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

يتغوَّط (١)»، وبقيَّة ما استُنبط من حديث الباب يأتي إن شاء الله تعالى في «باب عذاب القبر» [خ¦١٣٧٤].

ورواة هذا الحديث كلُّهم بصريُّون، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ والتِّرمذيُّ وأبو داود.

(٦٨) (باب مَنْ أَحَبَّ الدَّفْنَ فِي الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ) أي: في (٢) بيت المقدس؛ طلبًا للقرب من الأنبياء الَّذين دُفِنوا به؛ تيمُّنًا بجوارهم، وتعرُّضًا للرَّحمة النَّازلة عليهم اقتداءً بموسى ، أو ليقرب عليه المشي إلى المحشر، وتسقط عنه المشقَّة الحاصلة لمن بَعُدَ عنه (أَوْ نَحْوِهَا) بالنَّصب عطفًا (٣) على «الدَّفن» المنصوب على المفعوليَّة لـ «أحب» أي: أحبَّ الدَّفن في نحو بيت المقدس؛ وهو بقيَّة ما تُشدُّ إليه الرِّحال من الحرمين الشَّريفين، رزقَنا الله الدفن بأحدهما مع الرِّضا عنَّا، إنَّه الجواد الكريم.

١٣٣٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ) هو ابن غيلان -بفتح الغين المعجمة- قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّام (قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بسكون العين وفتح الميمين، ابن راشدٍ (عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) طاوس بن كيسان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أُرْسِلَ مَلَكُ المَوْتِ) بضمِّ الهمزة

مبنيًّا للمفعول، و «ملكُ» رفعٌ نائبٌ عن الفاعل، أي: أرسل الله ملك الموت (إِلَى مُوسَى في صورة آدميٍّ اختبارًا وابتلاء، كابتلاء الخليل بالأمر بذبح ولده (فَلَمَّا جَاءَهُ) ظنَّه آدميًّا حقيقةً تسوَّر عليه منزلَه بغير إذنه ليوقِع به مكروهًا، فلمَّا تصوَّر ذلك صلوات الله وسلامه عليه (صَكَّهُ) بالصَّاد المهملة، أي: لطمه على عينه الَّتي ركبت في الصُّورة البشريَّة الَّتي جاءه فيها، دون الصُّورة الملكيَّة، ففقأها -كما صرَّح به مسلمٌ في روايته- ويدلُّ عليه قوله الآتي هنا: «فردَّ الله ﷿ عليه عينه»، ويحتمل أنَّ موسى علم أنَّه ملك الموت، وأنَّه دافع عن نفسه الموت باللَّطمة المذكورة، والأوَّل أَولى، ويؤيِّده أنَّه جاء إلى قبضه ولم يخيِّره، وقد كان موسى علم أنَّه لا يُقبض حتَّى يُخَيَّر، ولهذا لمَّا خيَّره (١) في الثَّانية قال: الآن (فَرَجَعَ) ملك الموت (إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ): ربِّ (أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ المَوْتَ، فَرَدَّ اللهُ) ﷿ (عَلَيْهِ عَيْنَهُ) ليعلم موسى إذا رأى صحَّة عينه أنَّه من عند الله، ولأبي ذَرٍّ: «فيردُّ الله» بلفظ المضارع «إليه عينه» بالهمزة قبل اللَّام بدل العين (وَقَالَ) له: (ارْجِعْ) إلى موسى (فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ) بالمثنَّاة الفوقيَّة في الأولى، وبالمثلَّثة في الثَّانية، أي: على (٢) ظهر ثورٍ (فَلَهُ بِكُلِّ مَا غَطَّتْ بِهِ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ، قَالَ) موسى: (أَيْ رَبِّ، ثُمَّ مَاذَا) أي: ماذا (٣) يكون بعد هذه السِّنين (قَالَ) الله تعالى: (ثُمَّ) يكون بعدها (المَوْتُ، قَالَ) موسى: (فَالآنَ) يكون الموت، و «الآن» اسمٌ لزمان الحال، وهو الزَّمان الفاصل بين الماضي والمستقبل، واختار موسى الموت لمَّا خُيِّر شوقًا إلى لقاء ربِّه كنبيِّنا لمَّا قال: «الرَّفيق الأعلى» [خ¦٣٦٦٩] (فَسَأَلَ اللهَ) موسى (أَنْ يُدْنِيَهُ) أي: يقرِّبه (مِنَ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ) أي: المطهَّرة، و «أَنْ» مصدريَّةٌ في موضع نصبٍ، أي: سأل الله الدُّنوَّ من بيت المقدس؛ ليُدفَن فيه (رَمْيَةً بِحَجَرٍ) أي: دُنُوًّا، لو

رمى رامٍ حجرًا من ذلك الموضع الَّذي هو موضع قبره؛ لوصل إلى بيت المقدس، وكان موسى إذ ذاك في التِّيه ومعه بنو إسرائيل، وكان أمرهم بالدُّخول إلى الأرض المقدَّسة فامتنعوا، فحرَّم الله (١) عليهم دخولها أبدًا غير يوشع وكالب، وتيَّههم في القفار أربعين سنةً في ستَّة فراسخ وهم ستُّ مئة ألف مقاتلٍ، وكانوا يسيرون كلَّ يومٍ جادِّين، فإذا أمسوا كانوا في الموضع الَّذي ارتحلوا عنه، إلى أن أفناهم الموت، ولم يدخل منهم (٢) الأرض المقدَّسة أحدٌ ممَّن امتنع أوَّلًا أن يدخلها إلَّا أولادهم مع يوشع، ولمَّا لم يتهيَّأ لموسى دخول الأرض (٣) لغلبة الجبارين عليها، ولا يمكن نبشه بعد ذلك؛ لينقل (٤) إليها؛ طلب القرب (٥) منها؛ لأنَّ ما قارب الشَّيء يُعطَى (٦) حكمه، وقيل: إنَّما طلب موسى الدُّنوَّ؛ لأنَّ النَّبيَّ يُدفَن حيث يموت، وعُورِضَ بأنَّ موسى قد نقل يوسف لمَّا خرج من مصر، وأُجِيبَ بأنَّه إنَّما نقله بوحي، فتكون خصوصيَّةً له (٧)، وإنَّما لم يسأل نفس بيت المقدس؛ ليُعَمَّى (٨) قبره خوفًا من أن (٩) يعبده جهَّال ملَّته، قال ابن عبَّاسٍ: لو علمت اليهود قبر موسى وهارون؛ لاتخذوهما إلهين من دون الله، وقد اختُلِفَ في جواز نقل الميِّت، ومذهب الشَّافعيَّة: يحرم نقله من بلدٍ إلى بلدٍ آخر؛ ليدفن فيه وإن لم يتغيَّر؛ لما فيه من تأخير دفنه المأمور بتعجيله، وتعريضه لهتك حرمته، إلَّا أن يكون بقرب مكَّة أو المدينة أو بيت المقدس، فيختار أن ينقل إليه لفضل الدَّفن فيها،

والمعتبر في القرب مسافةٌ لا يتغيَّر فيها الميِّت قبل وصوله، قال الزَّركشيُّ: ولا ينبغي التَّخصيص بالثَّلاثة، بل لو كان بقربه مقابر أهل الصَّلاح والخير؛ فالحكم كذلك؛ لأنَّ الشخص يقصد الجار الحسن (١). انتهى. وكان عمر موسى مئةً وعشرين سنةً، وقال (٢) وهب: خرج موسى لبعض حاجته، فمرَّ برهطٍ من الملائكة يحفرون قبرًا لم يُر شيئًا قطُّ أحسن منه، فقال لهم: لمن تحفرون هذا القبر؟ قالوا: أتحبُّ أن يكون لك؟ قال: وددت، قالوا: فانزل واضطجع فيه وتوجَّه إلى ربِّك، قال: ففعل، ثمَّ تنفَّس أسهل تنفُّس (٣)، فقبض الله روحه، ثمَّ سوَّت عليه الملائكة التُّراب، وقيل: إنَّ ملك الموت أتاه بتفَّاحةٍ من الجنَّة (٤) فشمَّها، فقبض روحه (قَالَ) أبو هريرة: (قَالَ رَسُولُ اللهِ : فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ) بفتح المثلَّثة، أي: هناك (لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الكَثِيبِ الأَحْمَرِ) بالمثلَّثة، أي: الرَّمل المجتمع، وهذا ليس صريحًا في الإعلام بقبره الشَّريف، ومن ثمَّ حصل الاختلاف فيه، فقيل: بالتِّيه (٥)، وقيل: بباب لُدٍّ (٦) ببيت المقدس، أو بدمشق، أو بوادٍ بين بصرى والبلقاء، أو بمدين بين المدينة وبيت المقدس، أو بأريحا؛ وهي من الأرض المقدسة.

وفي هذا الحديث التَّحديث، والإخبار، والعنعنة، وشيخ المؤلِّف مروزيٌّ، ومعمر بصريٌّ، وأخرجه مسلمٌ في «أحاديث الأنبياء» -كالمؤلِّف [خ¦٣٤٠٧]- مرفوعًا، والنَّسائيُّ في «الجنائز»، وبقيَّة مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٠٧].

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (بَابُ الْمَيِّتُ يَسْمَعُ خَفْقَ النِّعَالِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: جَرَّدَ الْمُصَنِّفُ مَا ضَمَّنَهُ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ؛ لِيَجْعَلَهُ أَوَّلَ آدَابِ الدَّفْنِ مِنَ إِلْزَامِ الْوَقَارِ وَاجْتِنَابِ اللَّغَطِ، وَقَرْعِ الْأَرْضِ بِشِدَّةِ الْوَطْءِ عَلَيْهَا كَمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ مَعَ الْحَيِّ النَّائِمِ، وَكَأَنَّهُ اقْتَطَعَ مَا هُوَ مِنْ سَمَاعِ الْآدَمِيِّينَ مِنْ سَمَاعِ مَا هُوَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَتَرْجَمَ بِالْخَفْقِ - وَلَفْظُ الْمَتْنِ بِالْقَرْعِ - إِشَارَةً إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ بِلَفْظِ الْخَفْقِ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثِ طَوِيلٍ فِيهِ: وَأَنَّهُ لِيَسْمَعَ خَفْقَ نِعَالِهِمْ. وَرَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ : أَنَّ الْمَيِّتَ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ. أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ هَكَذَا مُخْتَصَرًا. وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ . . . نَحْوَهُ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْمَشْيِ بَيْنَ الْقُبُورِ بِالنِّعَالِ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ سِوَى الْحِكَايَةُ عَمَّنْ يَدْخُلُ الْمَقَابِرَ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي إِبَاحَةً وَلَا تَحْرِيمًا. انْتَهَى.

وَإِنَّمَا اسْتَدَلَّ بِهِ مَنِ اسْتَدَلَّ عَلَى الْإِبَاحَةِ أَخْذًا مِنْ كَوْنِهِ قَالَهُ وَأَقَرَّهُ، فَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا لَبَيَّنَهُ، لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ احْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ سَمَاعَهُ إِيَّاهَا بَعْدَ أَنْ يُجَاوِزَ الْمَقْبَرَةَ، وَيَدُلُّ عَلَى الْكَرَاهَةِ حَدِيثُ بَشِيرِ بْنِ الْخَصَاصِيَةِ: إِنَّ النَّبِيَّ رَأَى رَجُلًا يَمْشِي بَيْنَ الْقُبُورِ وَعَلَيْهِ نَعْلَانِ سِبْتِيَّتَانِ، فَقَالَ: يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ أَلْقِ نَعْلَيْكَ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. وَأَغْرَبَ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ: يَحْرُمُ الْمَشْيُ بَيْنَ الْقُبُورِ بِالنِّعَالِ السِّبْتِيَّةِ دُونَ غَيْرِهَا، وَهُوَ جُمُودٌ شَدِيدٌ. وَأَمَّا قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْهُمَا لِمَا فِيهِمَا مِنَ الْخُيَلَاءِ، فَإِنَّهُ مُتَعَقَّبٌ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ وَيَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَلْبَسُهَا. وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: يُحْمَلُ نَهْيُ الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي نَعْلَيْهِ قَذَرٌ، فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ مَا لَمْ يَرَ فِيهِمَا أَذًى.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ) هُوَ ابْنُ الْوَلِيدِ الرَّقَّامُ، كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ، وَهُوَ بِتَحْتَانِيَّةٍ وَمُعْجَمَةٍ. وَعَبْدُ الْأَعْلَى هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى. وَسَاقَ حَدِيثَهُ مَقْرُونًا بِرِوَايَةِ خَلِيفَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ عَلَى لَفْظِ خَلِيفَةَ، وَسَيَأْتِي مُفْرَدًا فِي عَذَابِ الْقَبْرِ عَنْ عَيَّاشِ بْنِ الْوَلِيدِ بِلَفْظِهِ وَمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةٍ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَقَوْلُهُ هُنَا: إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ. كَذَا ثَبَتَ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ، فَقَالَ ابْنُ التِّينِ: إِنَّهُ كَرَّرَ اللَّفْظَ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَرَأَيْتُهُ أَنَا مَضْبُوطًا بِخَطٍّ مُعْتَمَدٍ: وَتُوُلِّيَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ اللَّامِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، أَيْ تُوُلِّيَ أَمْرُهُ أَيِ الْمَيِّتُ، وَسَيَأْتِي فِي رِوَايَةِ عَيَّاشٍ بِلَفْظِ: وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ. وَهُوَ الْمَوْجُودُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ.

٦٨ - بَاب مَنْ أَحَبَّ الدَّفْنَ فِي الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ أَوْ نَحْوِهَا

١٣٣٩ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى ، فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ، فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ، فَقَالَ: أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ عَيْنَهُ، وَقَالَ: ارْجِعْ فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَلَهُ بِكُلِّ مَا غَطَّتْ بِهِ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ، قَالَ: أَيْ رَبِّ، ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ثُمَّ الْمَوْتُ، قَالَ: فَالْآنَ، فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنْ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

يتغوَّط (١)»، وبقيَّة ما استُنبط من حديث الباب يأتي إن شاء الله تعالى في «باب عذاب القبر» [خ¦١٣٧٤].

ورواة هذا الحديث كلُّهم بصريُّون، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ والتِّرمذيُّ وأبو داود.

(٦٨) (باب مَنْ أَحَبَّ الدَّفْنَ فِي الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ) أي: في (٢) بيت المقدس؛ طلبًا للقرب من الأنبياء الَّذين دُفِنوا به؛ تيمُّنًا بجوارهم، وتعرُّضًا للرَّحمة النَّازلة عليهم اقتداءً بموسى ، أو ليقرب عليه المشي إلى المحشر، وتسقط عنه المشقَّة الحاصلة لمن بَعُدَ عنه (أَوْ نَحْوِهَا) بالنَّصب عطفًا (٣) على «الدَّفن» المنصوب على المفعوليَّة لـ «أحب» أي: أحبَّ الدَّفن في نحو بيت المقدس؛ وهو بقيَّة ما تُشدُّ إليه الرِّحال من الحرمين الشَّريفين، رزقَنا الله الدفن بأحدهما مع الرِّضا عنَّا، إنَّه الجواد الكريم.

١٣٣٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ) هو ابن غيلان -بفتح الغين المعجمة- قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّام (قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بسكون العين وفتح الميمين، ابن راشدٍ (عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) طاوس بن كيسان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أُرْسِلَ مَلَكُ المَوْتِ) بضمِّ الهمزة

مبنيًّا للمفعول، و «ملكُ» رفعٌ نائبٌ عن الفاعل، أي: أرسل الله ملك الموت (إِلَى مُوسَى في صورة آدميٍّ اختبارًا وابتلاء، كابتلاء الخليل بالأمر بذبح ولده (فَلَمَّا جَاءَهُ) ظنَّه آدميًّا حقيقةً تسوَّر عليه منزلَه بغير إذنه ليوقِع به مكروهًا، فلمَّا تصوَّر ذلك صلوات الله وسلامه عليه (صَكَّهُ) بالصَّاد المهملة، أي: لطمه على عينه الَّتي ركبت في الصُّورة البشريَّة الَّتي جاءه فيها، دون الصُّورة الملكيَّة، ففقأها -كما صرَّح به مسلمٌ في روايته- ويدلُّ عليه قوله الآتي هنا: «فردَّ الله ﷿ عليه عينه»، ويحتمل أنَّ موسى علم أنَّه ملك الموت، وأنَّه دافع عن نفسه الموت باللَّطمة المذكورة، والأوَّل أَولى، ويؤيِّده أنَّه جاء إلى قبضه ولم يخيِّره، وقد كان موسى علم أنَّه لا يُقبض حتَّى يُخَيَّر، ولهذا لمَّا خيَّره (١) في الثَّانية قال: الآن (فَرَجَعَ) ملك الموت (إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ): ربِّ (أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ المَوْتَ، فَرَدَّ اللهُ) ﷿ (عَلَيْهِ عَيْنَهُ) ليعلم موسى إذا رأى صحَّة عينه أنَّه من عند الله، ولأبي ذَرٍّ: «فيردُّ الله» بلفظ المضارع «إليه عينه» بالهمزة قبل اللَّام بدل العين (وَقَالَ) له: (ارْجِعْ) إلى موسى (فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ) بالمثنَّاة الفوقيَّة في الأولى، وبالمثلَّثة في الثَّانية، أي: على (٢) ظهر ثورٍ (فَلَهُ بِكُلِّ مَا غَطَّتْ بِهِ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ، قَالَ) موسى: (أَيْ رَبِّ، ثُمَّ مَاذَا) أي: ماذا (٣) يكون بعد هذه السِّنين (قَالَ) الله تعالى: (ثُمَّ) يكون بعدها (المَوْتُ، قَالَ) موسى: (فَالآنَ) يكون الموت، و «الآن» اسمٌ لزمان الحال، وهو الزَّمان الفاصل بين الماضي والمستقبل، واختار موسى الموت لمَّا خُيِّر شوقًا إلى لقاء ربِّه كنبيِّنا لمَّا قال: «الرَّفيق الأعلى» [خ¦٣٦٦٩] (فَسَأَلَ اللهَ) موسى (أَنْ يُدْنِيَهُ) أي: يقرِّبه (مِنَ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ) أي: المطهَّرة، و «أَنْ» مصدريَّةٌ في موضع نصبٍ، أي: سأل الله الدُّنوَّ من بيت المقدس؛ ليُدفَن فيه (رَمْيَةً بِحَجَرٍ) أي: دُنُوًّا، لو

رمى رامٍ حجرًا من ذلك الموضع الَّذي هو موضع قبره؛ لوصل إلى بيت المقدس، وكان موسى إذ ذاك في التِّيه ومعه بنو إسرائيل، وكان أمرهم بالدُّخول إلى الأرض المقدَّسة فامتنعوا، فحرَّم الله (١) عليهم دخولها أبدًا غير يوشع وكالب، وتيَّههم في القفار أربعين سنةً في ستَّة فراسخ وهم ستُّ مئة ألف مقاتلٍ، وكانوا يسيرون كلَّ يومٍ جادِّين، فإذا أمسوا كانوا في الموضع الَّذي ارتحلوا عنه، إلى أن أفناهم الموت، ولم يدخل منهم (٢) الأرض المقدَّسة أحدٌ ممَّن امتنع أوَّلًا أن يدخلها إلَّا أولادهم مع يوشع، ولمَّا لم يتهيَّأ لموسى دخول الأرض (٣) لغلبة الجبارين عليها، ولا يمكن نبشه بعد ذلك؛ لينقل (٤) إليها؛ طلب القرب (٥) منها؛ لأنَّ ما قارب الشَّيء يُعطَى (٦) حكمه، وقيل: إنَّما طلب موسى الدُّنوَّ؛ لأنَّ النَّبيَّ يُدفَن حيث يموت، وعُورِضَ بأنَّ موسى قد نقل يوسف لمَّا خرج من مصر، وأُجِيبَ بأنَّه إنَّما نقله بوحي، فتكون خصوصيَّةً له (٧)، وإنَّما لم يسأل نفس بيت المقدس؛ ليُعَمَّى (٨) قبره خوفًا من أن (٩) يعبده جهَّال ملَّته، قال ابن عبَّاسٍ: لو علمت اليهود قبر موسى وهارون؛ لاتخذوهما إلهين من دون الله، وقد اختُلِفَ في جواز نقل الميِّت، ومذهب الشَّافعيَّة: يحرم نقله من بلدٍ إلى بلدٍ آخر؛ ليدفن فيه وإن لم يتغيَّر؛ لما فيه من تأخير دفنه المأمور بتعجيله، وتعريضه لهتك حرمته، إلَّا أن يكون بقرب مكَّة أو المدينة أو بيت المقدس، فيختار أن ينقل إليه لفضل الدَّفن فيها،

والمعتبر في القرب مسافةٌ لا يتغيَّر فيها الميِّت قبل وصوله، قال الزَّركشيُّ: ولا ينبغي التَّخصيص بالثَّلاثة، بل لو كان بقربه مقابر أهل الصَّلاح والخير؛ فالحكم كذلك؛ لأنَّ الشخص يقصد الجار الحسن (١). انتهى. وكان عمر موسى مئةً وعشرين سنةً، وقال (٢) وهب: خرج موسى لبعض حاجته، فمرَّ برهطٍ من الملائكة يحفرون قبرًا لم يُر شيئًا قطُّ أحسن منه، فقال لهم: لمن تحفرون هذا القبر؟ قالوا: أتحبُّ أن يكون لك؟ قال: وددت، قالوا: فانزل واضطجع فيه وتوجَّه إلى ربِّك، قال: ففعل، ثمَّ تنفَّس أسهل تنفُّس (٣)، فقبض الله روحه، ثمَّ سوَّت عليه الملائكة التُّراب، وقيل: إنَّ ملك الموت أتاه بتفَّاحةٍ من الجنَّة (٤) فشمَّها، فقبض روحه (قَالَ) أبو هريرة: (قَالَ رَسُولُ اللهِ : فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ) بفتح المثلَّثة، أي: هناك (لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الكَثِيبِ الأَحْمَرِ) بالمثلَّثة، أي: الرَّمل المجتمع، وهذا ليس صريحًا في الإعلام بقبره الشَّريف، ومن ثمَّ حصل الاختلاف فيه، فقيل: بالتِّيه (٥)، وقيل: بباب لُدٍّ (٦) ببيت المقدس، أو بدمشق، أو بوادٍ بين بصرى والبلقاء، أو بمدين بين المدينة وبيت المقدس، أو بأريحا؛ وهي من الأرض المقدسة.

وفي هذا الحديث التَّحديث، والإخبار، والعنعنة، وشيخ المؤلِّف مروزيٌّ، ومعمر بصريٌّ، وأخرجه مسلمٌ في «أحاديث الأنبياء» -كالمؤلِّف [خ¦٣٤٠٧]- مرفوعًا، والنَّسائيُّ في «الجنائز»، وبقيَّة مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٠٧].

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله