«كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٣٤٣

الحديث رقم ١٣٤٣ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الصلاة على الشهيد.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٣٤٣ في صحيح البخاري

«كَانَ النَّبِيُّ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟. فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ، وَقَالَ: أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ فِي دِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ.»

إسناد حديث رقم ١٣٤٣ من صحيح البخاري

١٣٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٣٤٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ يَدْخُلُ قَبْرَ الْمَرْأَةِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي دَفْنِ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ، وَنُزُولِ أَبِي طَلْحَةَ فِي قَبْرِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ الْمَيِّتِ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ) تَقَدَّمَ هُنَاكَ أَنَّ الْإِسْمَاعِيلِيَّ وَصَلَهُ مِنْ طَرِيقِهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ الْقَابِسِيِّ هُنَا: قَالَ أَبُو الْمُبَارَكِ، بِلَفْظِ الْكُنْيَةِ، وَنَقَلَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَبُو الْمُبَارَكِ كُنْيَةُ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، يَعْنِي رَاوِيَ الطَّرِيقَ الْمَوْصُولَةَ، وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سِنَانٍ يُكَنَّى أَبَا بَكْرٍ، بِغَيْرِ خِلَافٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، وَالصَّوَابُ ابْنُ الْمُبَارَكِ كَمَا فِي بَقِيَّةِ الطُّرُقِ.

قَوْلُهُ: (لِيَقْتَرِفُوا: لِيَكْتَسِبُوا) ثَبَتَ هَذَا فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَهَذَا تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ لِيَكْتَسِبُوا مَا هُمْ مُكْتَسِبُونَ. وَفِي هَذَا مَصِيرٌ مِنَ الْبُخَارِيِّ إِلَى تَأْيِيدِ مَا قَالَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ فُلَيْحٍ، أَوْ أَرَادَ أَنْ يُوَجِّهَ الْكَلَامَ الْمَذْكُورَ، وَأَنَّ لَفْظَ الْمُقَارَفَةِ فِي الْحَدِيثِ أُرِيدَ بِهِ مَا هُوَ أَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ الْجِمَاعُ.

٧٢ - بَاب الصَّلَاةِ عَلَى الشَّهِيدِ

١٣٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا، قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ، وَقَالَ: أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ فِي دِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ.

[الحديث ١٣٤٣ - أطرافه في: ١٣٤٥، ١٣٤٦، ١٣٤٧، ١٣٤٨، ١٣٥٣،]

١٣٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ "أَنَّ النَّبِيَّ خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ وَإِنِّي وَاللَّهِ لَانْظُرُ إِلَى حَوْضِي الآنَ وَإِنِّي أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ أَوْ مَفَاتِيحَ الأَرْضِ وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا"

[الحديث ١٣٤٤ - أطرافه في: ٣٥٦٦، ٤٠٤٢، ٤٠٨٥، ٦٤٢٦، ٦٥٩٠]

قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الشُّهَدَاءِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: أَرَادَ بَابَ حُكْمِ الصَّلَاةِ عَلَى الشَّهِيدِ، وَلِذَلِكَ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ جَابِرٍ الدَّالِّ عَلَى نَفْيِهَا، وَحَدِيثِ عُقْبَةَ الدَّالِّ عَلَى إِثْبَاتِهَا قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بَابَ مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الشَّهِيدِ فِي قَبْرِهِ لَا قَبْلَ دَفْنِهِ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثَيْنِ، قَالَ: وَالْمُرَادُ بِالشَّهِيدِ قَتِيلُ الْمَعْرَكَةِ فِي حَرْبِ الْكُفَّارِ. انْتَهَى. وَكَذَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ بَعْدُ مَنْ لَمْ يَرَ غُسْلَ الشَّهِيدِ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا حُرًّا أَوْ عَبْدًا صَالِحًا أَوْ غَيْرَ صَالِحٍ.

وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: الْمَعْرَكَةِ مَنْ جُرِحَ فِي الْقِتَالِ وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً، وَخَرَجَ بِحَرْبِ الْكُفَّارِ مَنْ مَاتَ بِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ كَأَهْلِ الْبَغْيِ، وَخَرَجَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ مَنْ سُمِّيَ شَهِيدًا بِسَبَبٍ غَيْرِ السَّبَبِ الْمَذْكُورِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ شَهِيدٌ بِمَعْنَى ثَوَابِ الْآخِرَةِ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ. وَالْخِلَافُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى قَتِيلِ مَعْرَكَةِ الْكُفَّارِ

مَشْهُورٌ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: قَالَ بَعْضُهُمْ: يُصَلَّى عَلَى الشَّهِيدِ، وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ وَإِسْحَاقَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ. وَهُوَ قَوْلُ الْمَدَنِيِّينَ وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: جَاءَتِ الْأَخْبَارُ كَأَنَّهَا عِيَانٌ مِنْ وُجُوهٍ مُتَوَاتِرَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ لَمْ يُصَلِّ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ، وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى عَلَيْهِمْ وَكَبَّرَ عَلَى حَمْزَةَ سَبْعِينَ تَكْبِيرَةً لَا يَصِحُّ. وَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لِمَنْ عَارَضَ بِذَلِكَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ أَنْ يَسْتَحْيِيَ عَلَى نَفْسِهِ. قَالَ: وَأَمَّا حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، فَقَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ، يَعْنِي وَالْمُخَالِفُ يَقُولُ: لَا يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ إِذَا طَالَتِ الْمُدَّةُ. قَالَ: وَكَأَنَّهُ دَعَا لَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ حِينَ عَلِمَ قُرْبَ أَجَلِهِ مُوَدِّعًا لَهُمْ بِذَلِكَ، وَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى نَسْخِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ. انْتَهَى. وَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ مِنَ الْمُدَّةِ وَالتَّوْدِيعِ قَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا كَمَا سَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ بَعْدَ هَذَا.

ثُمَّ إِنَّ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ فِي مَنْعِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَفِي وَجْهِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الِاسْتِحْبَابِ وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنِ الْحَنَابِلَةِ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ (١) عَنْ أَحْمَدَ: الصَّلَاةُ عَلَى الشَّهِيدِ أَجْوَدُ، وَإِنْ لَمْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ أَجْزَأَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ جَابِرٍ) كَذَا يَقُولُ اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ النَّسَائِيُّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ ثِقَاتِ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ تَابَعَ اللَّيْثَ عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ مُخْتَصَرًا، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ. وَعَبْدُ اللَّهِ لَهُ رُؤْيَةٌ، فَحَدِيثُهُ مِنْ حَيْثُ السَّمَاعِ مُرْسَلٌ، وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، فَزَادَ فِيهِ جَابِرًا، وَهُوَ مِمَّا يُقَوِّي اخْتِيَارَ الْبُخَارِيِّ، فَإِنَّ ابْنَ شِهَابٍ صَاحِبُ حَدِيثٍ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ عِنْدَهُ عَنْ شَيْخَيْنِ، وَلَا سِيَّمَا أَنَّ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ مَا لَيْسَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ. وَعَلِيُّ بْنُ شِهَابٍ فِيهِ اخْتِلَافٌ آخَرُ، رَوَاهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ عَنْهُ، عَنْ أَنَسٍ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ. وَأُسَامَةُ سَيِّئُ الْحِفْظِ، وَقَدْ حَكَى التِّرْمِذِيُّ فِي الْعِلَلِ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ أُسَامَةَ غَلِطَ فِي إِسْنَادِهِ. وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْأَنْصَارِيِّ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فَقَالَ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِيهِ. وَابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ضَعِيفٌ، وَقَدْ أَخْطَأَ فِي قَوْلِهِ: عَنْ أَبِيهِ. وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِيهِ اخْتِلَافًا آخَرَ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَقُولُ: أَيُّهُمَا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَيُّهُمْ.

قَوْلُهُ: (وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ) هُوَ مَضْبُوطٌ فِي رِوَايَتِنَا بِفَتْحِ اللَّامِ، وَهُوَ اللَّائِقُ بِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ اللَّيْثِ بِلَفْظِ: وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ وَهَذِهِ بِكَسْرِ اللَّامِ، وَالْمَعْنَى: وَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَلَا بِأَمْرِهِ.

وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ هَذَا مَبَاحِثُ كَثِيرَةٌ يَأْتِي اسْتِيفَاؤُهَا فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ مِنَ الْمَغَازِي، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِيهِ جَوَازُ تَكْفِينِ الرَّجُلَيْنِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ، إِمَّا بِجَمْعِهِمَا فِيهِ، وَإِمَّا بِقَطْعِهِ بَيْنَهُمَا، وَعَلَى جَوَازِ دَفْنِ اثْنَيْنِ فِي لَحْدٍ، وَعَلَى اسْتِحْبَابِ تَقْدِيمِ أَفْضَلِهِمَا لِدَاخِلِ اللَّحْدِ، وَعَلَى أَنَّ شَهِيدَ الْمَعْرَكَةِ لَا يُغَسَّلُ، وَقَدْ تَرْجَمَ الْمُصَنِّفُ لِجَمِيعِ ذَلِكَ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أُسَامَةَ الْمَذْكُورَةِ: لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَالْحَاكِمِ: وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ غَيْرِهِ. يَعْنِي حَمْزَةَ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: هَذِهِ اللَّفْظَةُ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ - يَعْنِي عَنْ أُسَامَةَ - وَالصَّوَابُ الرِّوَايَةُ الْمُوَافِقَةُ لِحَدِيثِ اللَّيْثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي الْخَيْرِ) هُوَ الْيَزَنِيُّ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ، وَهَذَا مَعْدُودٌ مِنْ أَصَحِّ الْأَسَانِيدِ.

قَوْلُهُ: (صَلَاتَهُ) بِالنَّصْبِ؛ أَيْ مِثْلَ صَلَاتِهِ. زَادَ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ مِنْ طَرِيقِ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ يَزِيدَ: بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ. وَزَادَ فِيهِ: فَكَانَتْ آخِرَ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ .

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

رقيقًا، أو صبيًّا، أو مجنونًا، وقد خرج بالتَّقييد بالمعركة: مَن جُرِحَ وعاش بعد ذلك حياةً مستقرِّةً، وخرج مَن سُمِّي شهيدًا بسببٍ غير السَّبب المذكور، كالغريق والمبطون والمطعون (١)، فتسميتهم شهداء باعتبار الثَّواب في الآخرة فقط.

١٣٤٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الفهميُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) الأنصاريِّ السَّلَمِيِّ (٢) (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ ، قال الحافظ ابن حجرٍ: كذا يقول اللَّيث، عن ابن شهابٍ، عن عبد الرَّحمن، عن جابرٍ، قال النَّسائيُّ: لا أعلم أحدًا من ثقات أصحاب ابن شهابٍ تابع اللَّيث على ذلك، ثمَّ ساقه من طريق عبد الله بن المبارك، عن معمرٍ، عن ابن شهابٍ، عن عبد الله بن ثعلبة، فذكر الحديث مختصرًا، وكذا أخرجه أحمد من طريق محمَّد بن إسحاق، والطَّبرانيُّ من طريق عبد الرَّحمن بن إسحاق وعمرو بن الحارث، كلُّهم عن ابن شهابٍ، عن عبد الله بن ثعلبة، وعبدُ الله له رؤيةٌ، فحديثه من حيث السَّماع مرسلٌ، وقد رواه عبد الرَّزَّاق عن معمرٍ، فزاد فيه: جابرًا، وهو ممَّا يقوِّي اختيار البخاريِّ، فإنَّ (٣) ابن شهابٍ صاحب حديثٍ فيُحمل على أنَّ الحديث عنده عن شيخين، ولا سيَّما أنَّ في رواية عبد الرَّحمن بن كعبٍ ما ليس في رواية عبد الله بن ثعلبة، وعلى ابن شهاب فيه اختلافٌ آخر (٤)، رواه أسامة بن زيدٍ اللَّيثيُّ عنه، عن أنسٍ، أخرجه أبو

داود والتِّرمذيُّ، وأسامة سيِّئُ الحفظ، وقد حكى التِّرمذيُّ في «العِلَل» عن البخاريِّ: أنَّ أسامة غلط في إسناده، وأخرجه البيهقيُّ من طريق عبد الرَّحمن بن عبد العزيز الأنصاريِّ، عن ابن شهابٍ، فقال: عن عبد الرحمن (١) بن كعبٍ، عن أبيه، وابن عبد العزيز ضعيفٌ، وقد أخطأ في قوله: عن أبيه، وقد ذكر البخاريُّ فيه اختلافًا آخر، كما سيأتي بعد بابين [خ¦١٣٤٦]. انتهى. (قَالَ) أي: جابرٌ: (كَانَ النَّبِيُّ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى) غزوة (أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ): إمَّا بأن يجمعهما فيه، وإمَّا بأن يقطعه بينهما، وقال المظهريُّ قوله: «في ثوبٍ واحدٍ» أي: في قبرٍ واحدٍ؛ إذ (٢) لا يجوز تجريدهما في ثوبٍ واحدٍ بحيث تتلاقى بشرتاهما، بل ينبغي أن يكون على كلِّ واحدٍ منهما ثيابه الملَّطخة بالدَّم، وغيرها، ولكن يُضجَع أحدهما بجنب الآخر (٣) في قبرٍ واحدٍ (ثُمَّ يَقُولُ) : (أَيُّهُمْ) أي: أيُّ القتلى، وللحَمُّويي والمُستملي: «أيُّهما» أي: أيُّ الرَّجلين (أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟) بالنَّصب على التَّمييز في «أخذًا» (فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ) (إِلَى أَحَدِهِمَا، قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ، وَقَالَ) : (أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ) قال المظهريُّ، أي: أنا شفيعٌ لهؤلاء، وأشهد لهم بأنَّهم بذلوا أرواحهم، وتركوا حياتهم لله تعالى. انتهى. وتعقَّبه الطِّيبيُّ بأنَّ هذا الَّذي قاله لا يساعد عليه تعدية الشَّهيد بـ «على» لأنَّه لو أُرِيدَ ما قال (4) لقيل: أنا شهيدٌ لهم، فعدل عن ذلك لتضمين «شهيدٌ» معنى (5): رقيبٍ وحفيظٍ، أي: أنا حفيظٌ عليهم، أراقب (6) أحوالهم وأصونهم من المكاره، وشفيعٌ لهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: 6] ﴿كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: 117] (وَأَمَرَ) (بِدَفْنِهِمْ فِي دِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ) بفتح اللَّام، أي: لم يفعل ذلك بنفسه، ولا بأمره، وعند أحمد: أنَّه قال: «لا (7) تُغسِّلوهم، فإنَّ كلَّ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ يَدْخُلُ قَبْرَ الْمَرْأَةِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي دَفْنِ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ، وَنُزُولِ أَبِي طَلْحَةَ فِي قَبْرِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ الْمَيِّتِ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ) تَقَدَّمَ هُنَاكَ أَنَّ الْإِسْمَاعِيلِيَّ وَصَلَهُ مِنْ طَرِيقِهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ الْقَابِسِيِّ هُنَا: قَالَ أَبُو الْمُبَارَكِ، بِلَفْظِ الْكُنْيَةِ، وَنَقَلَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَبُو الْمُبَارَكِ كُنْيَةُ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، يَعْنِي رَاوِيَ الطَّرِيقَ الْمَوْصُولَةَ، وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سِنَانٍ يُكَنَّى أَبَا بَكْرٍ، بِغَيْرِ خِلَافٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، وَالصَّوَابُ ابْنُ الْمُبَارَكِ كَمَا فِي بَقِيَّةِ الطُّرُقِ.

قَوْلُهُ: (لِيَقْتَرِفُوا: لِيَكْتَسِبُوا) ثَبَتَ هَذَا فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَهَذَا تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ لِيَكْتَسِبُوا مَا هُمْ مُكْتَسِبُونَ. وَفِي هَذَا مَصِيرٌ مِنَ الْبُخَارِيِّ إِلَى تَأْيِيدِ مَا قَالَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ فُلَيْحٍ، أَوْ أَرَادَ أَنْ يُوَجِّهَ الْكَلَامَ الْمَذْكُورَ، وَأَنَّ لَفْظَ الْمُقَارَفَةِ فِي الْحَدِيثِ أُرِيدَ بِهِ مَا هُوَ أَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ الْجِمَاعُ.

٧٢ - بَاب الصَّلَاةِ عَلَى الشَّهِيدِ

١٣٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا، قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ، وَقَالَ: أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ فِي دِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ.

[الحديث ١٣٤٣ - أطرافه في: ١٣٤٥، ١٣٤٦، ١٣٤٧، ١٣٤٨، ١٣٥٣،]

١٣٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ "أَنَّ النَّبِيَّ خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ وَإِنِّي وَاللَّهِ لَانْظُرُ إِلَى حَوْضِي الآنَ وَإِنِّي أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ أَوْ مَفَاتِيحَ الأَرْضِ وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا"

[الحديث ١٣٤٤ - أطرافه في: ٣٥٦٦، ٤٠٤٢، ٤٠٨٥، ٦٤٢٦، ٦٥٩٠]

قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الشُّهَدَاءِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: أَرَادَ بَابَ حُكْمِ الصَّلَاةِ عَلَى الشَّهِيدِ، وَلِذَلِكَ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ جَابِرٍ الدَّالِّ عَلَى نَفْيِهَا، وَحَدِيثِ عُقْبَةَ الدَّالِّ عَلَى إِثْبَاتِهَا قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بَابَ مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الشَّهِيدِ فِي قَبْرِهِ لَا قَبْلَ دَفْنِهِ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثَيْنِ، قَالَ: وَالْمُرَادُ بِالشَّهِيدِ قَتِيلُ الْمَعْرَكَةِ فِي حَرْبِ الْكُفَّارِ. انْتَهَى. وَكَذَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ بَعْدُ مَنْ لَمْ يَرَ غُسْلَ الشَّهِيدِ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا حُرًّا أَوْ عَبْدًا صَالِحًا أَوْ غَيْرَ صَالِحٍ.

وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: الْمَعْرَكَةِ مَنْ جُرِحَ فِي الْقِتَالِ وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً، وَخَرَجَ بِحَرْبِ الْكُفَّارِ مَنْ مَاتَ بِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ كَأَهْلِ الْبَغْيِ، وَخَرَجَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ مَنْ سُمِّيَ شَهِيدًا بِسَبَبٍ غَيْرِ السَّبَبِ الْمَذْكُورِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ شَهِيدٌ بِمَعْنَى ثَوَابِ الْآخِرَةِ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ. وَالْخِلَافُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى قَتِيلِ مَعْرَكَةِ الْكُفَّارِ

مَشْهُورٌ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: قَالَ بَعْضُهُمْ: يُصَلَّى عَلَى الشَّهِيدِ، وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ وَإِسْحَاقَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ. وَهُوَ قَوْلُ الْمَدَنِيِّينَ وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: جَاءَتِ الْأَخْبَارُ كَأَنَّهَا عِيَانٌ مِنْ وُجُوهٍ مُتَوَاتِرَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ لَمْ يُصَلِّ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ، وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى عَلَيْهِمْ وَكَبَّرَ عَلَى حَمْزَةَ سَبْعِينَ تَكْبِيرَةً لَا يَصِحُّ. وَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لِمَنْ عَارَضَ بِذَلِكَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ أَنْ يَسْتَحْيِيَ عَلَى نَفْسِهِ. قَالَ: وَأَمَّا حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، فَقَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ، يَعْنِي وَالْمُخَالِفُ يَقُولُ: لَا يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ إِذَا طَالَتِ الْمُدَّةُ. قَالَ: وَكَأَنَّهُ دَعَا لَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ حِينَ عَلِمَ قُرْبَ أَجَلِهِ مُوَدِّعًا لَهُمْ بِذَلِكَ، وَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى نَسْخِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ. انْتَهَى. وَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ مِنَ الْمُدَّةِ وَالتَّوْدِيعِ قَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا كَمَا سَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ بَعْدَ هَذَا.

ثُمَّ إِنَّ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ فِي مَنْعِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَفِي وَجْهِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الِاسْتِحْبَابِ وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنِ الْحَنَابِلَةِ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ (١) عَنْ أَحْمَدَ: الصَّلَاةُ عَلَى الشَّهِيدِ أَجْوَدُ، وَإِنْ لَمْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ أَجْزَأَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ جَابِرٍ) كَذَا يَقُولُ اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ النَّسَائِيُّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ ثِقَاتِ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ تَابَعَ اللَّيْثَ عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ مُخْتَصَرًا، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ. وَعَبْدُ اللَّهِ لَهُ رُؤْيَةٌ، فَحَدِيثُهُ مِنْ حَيْثُ السَّمَاعِ مُرْسَلٌ، وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، فَزَادَ فِيهِ جَابِرًا، وَهُوَ مِمَّا يُقَوِّي اخْتِيَارَ الْبُخَارِيِّ، فَإِنَّ ابْنَ شِهَابٍ صَاحِبُ حَدِيثٍ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ عِنْدَهُ عَنْ شَيْخَيْنِ، وَلَا سِيَّمَا أَنَّ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ مَا لَيْسَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ. وَعَلِيُّ بْنُ شِهَابٍ فِيهِ اخْتِلَافٌ آخَرُ، رَوَاهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ عَنْهُ، عَنْ أَنَسٍ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ. وَأُسَامَةُ سَيِّئُ الْحِفْظِ، وَقَدْ حَكَى التِّرْمِذِيُّ فِي الْعِلَلِ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ أُسَامَةَ غَلِطَ فِي إِسْنَادِهِ. وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْأَنْصَارِيِّ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فَقَالَ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِيهِ. وَابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ضَعِيفٌ، وَقَدْ أَخْطَأَ فِي قَوْلِهِ: عَنْ أَبِيهِ. وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِيهِ اخْتِلَافًا آخَرَ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَقُولُ: أَيُّهُمَا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَيُّهُمْ.

قَوْلُهُ: (وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ) هُوَ مَضْبُوطٌ فِي رِوَايَتِنَا بِفَتْحِ اللَّامِ، وَهُوَ اللَّائِقُ بِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ اللَّيْثِ بِلَفْظِ: وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ وَهَذِهِ بِكَسْرِ اللَّامِ، وَالْمَعْنَى: وَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَلَا بِأَمْرِهِ.

وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ هَذَا مَبَاحِثُ كَثِيرَةٌ يَأْتِي اسْتِيفَاؤُهَا فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ مِنَ الْمَغَازِي، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِيهِ جَوَازُ تَكْفِينِ الرَّجُلَيْنِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ، إِمَّا بِجَمْعِهِمَا فِيهِ، وَإِمَّا بِقَطْعِهِ بَيْنَهُمَا، وَعَلَى جَوَازِ دَفْنِ اثْنَيْنِ فِي لَحْدٍ، وَعَلَى اسْتِحْبَابِ تَقْدِيمِ أَفْضَلِهِمَا لِدَاخِلِ اللَّحْدِ، وَعَلَى أَنَّ شَهِيدَ الْمَعْرَكَةِ لَا يُغَسَّلُ، وَقَدْ تَرْجَمَ الْمُصَنِّفُ لِجَمِيعِ ذَلِكَ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أُسَامَةَ الْمَذْكُورَةِ: لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَالْحَاكِمِ: وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ غَيْرِهِ. يَعْنِي حَمْزَةَ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: هَذِهِ اللَّفْظَةُ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ - يَعْنِي عَنْ أُسَامَةَ - وَالصَّوَابُ الرِّوَايَةُ الْمُوَافِقَةُ لِحَدِيثِ اللَّيْثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي الْخَيْرِ) هُوَ الْيَزَنِيُّ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ، وَهَذَا مَعْدُودٌ مِنْ أَصَحِّ الْأَسَانِيدِ.

قَوْلُهُ: (صَلَاتَهُ) بِالنَّصْبِ؛ أَيْ مِثْلَ صَلَاتِهِ. زَادَ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ مِنْ طَرِيقِ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ يَزِيدَ: بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ. وَزَادَ فِيهِ: فَكَانَتْ آخِرَ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ .

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

رقيقًا، أو صبيًّا، أو مجنونًا، وقد خرج بالتَّقييد بالمعركة: مَن جُرِحَ وعاش بعد ذلك حياةً مستقرِّةً، وخرج مَن سُمِّي شهيدًا بسببٍ غير السَّبب المذكور، كالغريق والمبطون والمطعون (١)، فتسميتهم شهداء باعتبار الثَّواب في الآخرة فقط.

١٣٤٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الفهميُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) الأنصاريِّ السَّلَمِيِّ (٢) (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ ، قال الحافظ ابن حجرٍ: كذا يقول اللَّيث، عن ابن شهابٍ، عن عبد الرَّحمن، عن جابرٍ، قال النَّسائيُّ: لا أعلم أحدًا من ثقات أصحاب ابن شهابٍ تابع اللَّيث على ذلك، ثمَّ ساقه من طريق عبد الله بن المبارك، عن معمرٍ، عن ابن شهابٍ، عن عبد الله بن ثعلبة، فذكر الحديث مختصرًا، وكذا أخرجه أحمد من طريق محمَّد بن إسحاق، والطَّبرانيُّ من طريق عبد الرَّحمن بن إسحاق وعمرو بن الحارث، كلُّهم عن ابن شهابٍ، عن عبد الله بن ثعلبة، وعبدُ الله له رؤيةٌ، فحديثه من حيث السَّماع مرسلٌ، وقد رواه عبد الرَّزَّاق عن معمرٍ، فزاد فيه: جابرًا، وهو ممَّا يقوِّي اختيار البخاريِّ، فإنَّ (٣) ابن شهابٍ صاحب حديثٍ فيُحمل على أنَّ الحديث عنده عن شيخين، ولا سيَّما أنَّ في رواية عبد الرَّحمن بن كعبٍ ما ليس في رواية عبد الله بن ثعلبة، وعلى ابن شهاب فيه اختلافٌ آخر (٤)، رواه أسامة بن زيدٍ اللَّيثيُّ عنه، عن أنسٍ، أخرجه أبو

داود والتِّرمذيُّ، وأسامة سيِّئُ الحفظ، وقد حكى التِّرمذيُّ في «العِلَل» عن البخاريِّ: أنَّ أسامة غلط في إسناده، وأخرجه البيهقيُّ من طريق عبد الرَّحمن بن عبد العزيز الأنصاريِّ، عن ابن شهابٍ، فقال: عن عبد الرحمن (١) بن كعبٍ، عن أبيه، وابن عبد العزيز ضعيفٌ، وقد أخطأ في قوله: عن أبيه، وقد ذكر البخاريُّ فيه اختلافًا آخر، كما سيأتي بعد بابين [خ¦١٣٤٦]. انتهى. (قَالَ) أي: جابرٌ: (كَانَ النَّبِيُّ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى) غزوة (أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ): إمَّا بأن يجمعهما فيه، وإمَّا بأن يقطعه بينهما، وقال المظهريُّ قوله: «في ثوبٍ واحدٍ» أي: في قبرٍ واحدٍ؛ إذ (٢) لا يجوز تجريدهما في ثوبٍ واحدٍ بحيث تتلاقى بشرتاهما، بل ينبغي أن يكون على كلِّ واحدٍ منهما ثيابه الملَّطخة بالدَّم، وغيرها، ولكن يُضجَع أحدهما بجنب الآخر (٣) في قبرٍ واحدٍ (ثُمَّ يَقُولُ) : (أَيُّهُمْ) أي: أيُّ القتلى، وللحَمُّويي والمُستملي: «أيُّهما» أي: أيُّ الرَّجلين (أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟) بالنَّصب على التَّمييز في «أخذًا» (فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ) (إِلَى أَحَدِهِمَا، قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ، وَقَالَ) : (أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ) قال المظهريُّ، أي: أنا شفيعٌ لهؤلاء، وأشهد لهم بأنَّهم بذلوا أرواحهم، وتركوا حياتهم لله تعالى. انتهى. وتعقَّبه الطِّيبيُّ بأنَّ هذا الَّذي قاله لا يساعد عليه تعدية الشَّهيد بـ «على» لأنَّه لو أُرِيدَ ما قال (4) لقيل: أنا شهيدٌ لهم، فعدل عن ذلك لتضمين «شهيدٌ» معنى (5): رقيبٍ وحفيظٍ، أي: أنا حفيظٌ عليهم، أراقب (6) أحوالهم وأصونهم من المكاره، وشفيعٌ لهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: 6] ﴿كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: 117] (وَأَمَرَ) (بِدَفْنِهِمْ فِي دِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ) بفتح اللَّام، أي: لم يفعل ذلك بنفسه، ولا بأمره، وعند أحمد: أنَّه قال: «لا (7) تُغسِّلوهم، فإنَّ كلَّ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله وبحمده