«ادْفِنُوهُمْ فِي دِمَائِهِمْ. يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ.»…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٣٤٦

الحديث رقم ١٣٤٦ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من لم ير غسل الشهداء.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٣٤٦ في صحيح البخاري

«ادْفِنُوهُمْ فِي دِمَائِهِمْ. يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ.»

بَابُ مَنْ يُقَدَّمُ فِي اللَّحْدِ وَسُمِّيَ اللَّحْدَ لِأَنَّهُ فِي نَاحِيَةٍ وَكُلُّ جَائِرٍ مُلْحِدٌ مُلْتَحَدًا مَعْدِلًا وَلَوْ كَانَ مُسْتَقِيمًا كَانَ ضَرِيحًا

إسناد حديث رقم ١٣٤٦ من صحيح البخاري

١٣٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ

⦗٩٢⦘

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٣٤٦: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٧٤ - بَاب مَنْ لَمْ يَرَ غَسْلَ الشُّهَدَاءِ

١٣٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : ادْفِنُوهُمْ فِي دِمَائِهِمْ. يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ.

[الحديث ١٣٤٦ - أطرافه في: ١٥٨٧، ١٨٣٣، ١٨٣٤، ٢٠٩٠، ٢٤٣٣، ٢٧٨٣، ٢٨٢٥، ٣٠٧٧، ٣١٨٩، ٤٣١٣]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ لَمْ يَرَ غُسْلَ الشُّهَدَاءِ) فِي نُسْخَةٍ الشَّهِيدِ بِالْإِفْرَادِ. أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ: يُغَسَّلُ الشَّهِيدُ، لِأَنَّ كُلَّ مَيِّتٍ يُجْنِبُ فَيَجِبُ غُسْلُهُ، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُمَا، أَيْ عَنْ سَعِيدٍ، وَالْحَسَنِ، وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَعَنْ غَيْرِهِ، وَهُوَ مِنَ الشُّذُوذِ. وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ فِي قَتْلَى أُحُدٍ: لَا تُغَسِّلُوهُمْ، فَإِنَّ كُلَّ جُرْحٍ - أَوْ كُلَّ دَمٍ - يَفُوحُ مِسْكًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ، فَبَيَّنَ الْحِكْمَةَ فِي ذَلِكَ.

ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ جَابِرٍ المذكورَ قَبْلُ مُخْتَصرًا بِلَفْظِ: وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ. وَاسْتَدَلَّ بِعُمُومِهِ عَلَى أَنَّ الشَّهِيدَ لَا يُغَسَّلْ حَتَّى وَلَا الْجُنُبَ وَالْحَائِضَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقِيلَ: يُغَسَّلُ لِلْجَنَابَةِ لَا بِنِيَّةِ غُسْلِ الْمَيِّتِ، لِمَا رُوِيَ فِي قِصَّةِ حَنْظَلَةَ بْنِ الرَّاهِبِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ غَسَّلَتْهُ يَوْمَ أُحُدٍ لَمَّا اسْتُشْهِدَ وَهُوَ جُنُبٌ، وَقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ، رَوَاهَا ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ لَا بَأْسَ بِهِ عَنْهُ قَالَ: أُصِيبَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَحَنْظَلَةُ بْنُ الرَّاهِبِ وَهُمَا جُنُبٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : رَأَيْتُ الْمَلَائِكَةَ تُغَسِّلُهُمَا غَرِيبٌ فِي ذِكْرِ حَمْزَةَ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا مَا اكْتُفِيَ فِيهِ بِغُسْلِ الْمَلَائِكَةِ، فَدَلَّ عَلَى سُقُوطِهِ عَمَّنْ يَتَوَلَّى أَمْرَ الشَّهِيدِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٧٥ - بَاب مَنْ يُقَدَّمُ فِي اللَّحْدِ

وَسُمِّيَ اللَّحْدَ؛ لِأَنَّهُ فِي نَاحِيَةٍ، وَكُلُّ جَائِرٍ مُلْحِدٌ. ﴿مُلْتَحَدًا﴾ مَعْدِلًا، وَلَوْ كَانَ مُسْتَقِيمًا كَانَ ضَرِيحًا

١٣٤٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعيدٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا، قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ وَقَالَ: أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ. وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ.

١٣٤٨ - وَأَخْبَرَنَا، الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَقُولُ لِقَتْلَى أُحُدٍ: أَيُّ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى رَجُلٍ، قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ قَبْلَ صَاحِبِهِ.

وَقَالَ جَابِرٌ: فَكُفِّنَ أَبِي وَعَمِّي فِي نَمِرَةٍ وَاحِدَةٍ.

وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرًا .

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ يُقَدَّمُ فِي اللَّحْدِ) أَيْ إِذَا كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ، وَقَدْ دَلَّ حَدِيثُ الْبَابِ عَلَى تَقْدِيمِ مَنْ كَانَ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنْ صَاحِبِهِ، وَهَذَا نَظِيرُ تَقْدِيمِهِ فِي الْإِمَامَةِ.

قَوْلُهُ: (وَسُمِّيَ اللَّحْدُ لِأَنَّهُ فِي نَاحِيَةٍ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: أَصْلُ الْإِلْحَادِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

يُدفَن كلُّ ميِّتٍ في قبرٍ واحدٍ، فلو جُمِع اثنان في قبرٍ واتَّحد الجنس كرجلين وامرأتين؛ كُرِه عند الماورديِّ، وحَرُم عند السَّرخسيِّ، ونقله عنه النَّوويُّ في «شرح المهذَّب» مقتصرًا عليه، قال السُّبكيُّ: لكنَّ الأصحَّ الكراهةُ أو نفي الاستحباب، أمَّا التَّحريم فلا دليل عليه. انتهى. وأمَّا إذا لم يتَّحد الجنس كرجلٍ وامرأةٍ؛ فإن دعت ضرورةٌ شديدةٌ لذلك جاز، وإلَّا فيحرَم؛ كما في الحياة، ومحلُّ ذلك إذا (١) لم يكن بينهما محرميَّةٌ أو زوجيَّةٌ، وإلَّا فيجوز الجمع، صرَّح به ابن الصَّبَّاغ (٢) وغيره؛ كما قاله ابن يونس، ويحجز بين الميِّتين مطلقًا بترابٍ ندبًا، والقياس أنَّ الصَّغير الذي لم يبلغ حدَّ الشَّهوة كالمحرم بل أَولى، وأنَّ الخنثى مع الخنثى أو غيره كالأنثى مع الذَّكر مطلقًا، وقال أبو حنيفة ومالكٌ: لا بأس أن يُدفَن الرَّجل والمرأة في القبر الواحد.

(٧٤) (باب مَنْ لَمْ يَرَ غَسْلَ الشُّهَدَاءِ) ولو كان الشَّهيد جُنُبًا أو حائضًا أو نفساء.

١٣٤٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا لَيْثٌ) بلامٍ واحدةٍ، هو ابن سعدٍ الفهميُّ الإمامُ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ) ولأبي ذَرٍّ زيادة: «ابن مالكٍ» (عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (٣) : ادْفِنُوهُمْ) بكسر الفاء، والهمزة همزة وصلٍ في «اليونينيَّة» (٤)، أي: المستشهدين (٥) (فِي دِمَائِهِمْ

-يَعْنِي: يَوْمَ أُحُدٍ- وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ) إبقاءً لأثر الشَّهادة عليهم، وقوله (١): «يُغَسِّلهم» بضمِّ أوَّله وفتح ثانيه وتشديد ثالثه، ولأبي ذَرٍّ: «ولَمْ يَغْسِلْهُمْ» بفتح أوَّله وسكون ثانيه وتخفيف ثالثه، واستُدِلَ بعمومه على أنَّ الشَّهيد لا يُغَسَّل، حتَّى ولا الجنب والحائض؛ وهو الأصحُّ عند الشَّافعيَّة، وفي حديث أحمد عن جابرٍ أيضًا: أنَّه قال في قتلى أحدٍ: «لا تغسِّلوهم، فإنَّ كلَّ جرحٍ أو كَلْمٍ أو دمٍ يفوح مسكًا يوم القيامة» ولم يصلِّ عليهم، فبيَّن الحكمة في ذلك، وفي حديث ابن حِبَّان والحاكم في «صحيحهما»: أنَّ حنظلة بن الرَّاهب قُتِل يوم أُحُدٍ وهو جنبٌ ولم (٢) يغسِّله وقال: «رأيت الملائكة تغسِّله» فلو كان واجبًا لم يسقط إلَّا بفعلنا، ولأنَّه طهر عن حدثٍ، فسقط بالشَّهادة كغسل الميِّت (٣)، فيحرم، قال الحسن البصريُّ وسعيد ابن المسيَّب فيما رواه ابن أبي شيبة: يُغسَّل الشَّهيد.

(٧٥) (باب مَنْ يُقَدَّمُ) من الموتى (فِي اللَُّحْدِ) وهو (٤) بفتح اللَّام وضمِّها، يقال: لحدتُ الميِّت وألحدتُ له، وأصله: الميل لأحد الجانبين، قال المؤلِّف: (وَسُمِّيَ اللَّحْدَ لأَنَّهُ) شقٌّ يُعمَل (فِي نَاحِيَةٍ) من القبر مائلًا عن استوائه، قدر (٥) ما يوضع فيه الميِّت في (٦) جهة القبلة (وَكُلُّ جَائِرٍ مُلْحِدٌ) لأنَّه مال وعدل ومارى وجادل، وسقط «وكلُّ جائرٍ ملحدٍ» لأبي ذَرٍّ، وقال المؤلِّف أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ﴾ (﴿مُلْتَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٧]) أي: (مَعْدِلًا) قاله أبو عبيدة في «كتاب المجاز» أي: ملتجأ (٧) تعدل إليه إن هممت به (وَلَوْ كَانَ) القبر أو الشِّقُّ (مُسْتَقِيمًا) غير مائلٍ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٧٤ - بَاب مَنْ لَمْ يَرَ غَسْلَ الشُّهَدَاءِ

١٣٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : ادْفِنُوهُمْ فِي دِمَائِهِمْ. يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ.

[الحديث ١٣٤٦ - أطرافه في: ١٥٨٧، ١٨٣٣، ١٨٣٤، ٢٠٩٠، ٢٤٣٣، ٢٧٨٣، ٢٨٢٥، ٣٠٧٧، ٣١٨٩، ٤٣١٣]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ لَمْ يَرَ غُسْلَ الشُّهَدَاءِ) فِي نُسْخَةٍ الشَّهِيدِ بِالْإِفْرَادِ. أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ: يُغَسَّلُ الشَّهِيدُ، لِأَنَّ كُلَّ مَيِّتٍ يُجْنِبُ فَيَجِبُ غُسْلُهُ، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُمَا، أَيْ عَنْ سَعِيدٍ، وَالْحَسَنِ، وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَعَنْ غَيْرِهِ، وَهُوَ مِنَ الشُّذُوذِ. وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ فِي قَتْلَى أُحُدٍ: لَا تُغَسِّلُوهُمْ، فَإِنَّ كُلَّ جُرْحٍ - أَوْ كُلَّ دَمٍ - يَفُوحُ مِسْكًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ، فَبَيَّنَ الْحِكْمَةَ فِي ذَلِكَ.

ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ جَابِرٍ المذكورَ قَبْلُ مُخْتَصرًا بِلَفْظِ: وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ. وَاسْتَدَلَّ بِعُمُومِهِ عَلَى أَنَّ الشَّهِيدَ لَا يُغَسَّلْ حَتَّى وَلَا الْجُنُبَ وَالْحَائِضَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقِيلَ: يُغَسَّلُ لِلْجَنَابَةِ لَا بِنِيَّةِ غُسْلِ الْمَيِّتِ، لِمَا رُوِيَ فِي قِصَّةِ حَنْظَلَةَ بْنِ الرَّاهِبِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ غَسَّلَتْهُ يَوْمَ أُحُدٍ لَمَّا اسْتُشْهِدَ وَهُوَ جُنُبٌ، وَقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ، رَوَاهَا ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ لَا بَأْسَ بِهِ عَنْهُ قَالَ: أُصِيبَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَحَنْظَلَةُ بْنُ الرَّاهِبِ وَهُمَا جُنُبٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : رَأَيْتُ الْمَلَائِكَةَ تُغَسِّلُهُمَا غَرِيبٌ فِي ذِكْرِ حَمْزَةَ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا مَا اكْتُفِيَ فِيهِ بِغُسْلِ الْمَلَائِكَةِ، فَدَلَّ عَلَى سُقُوطِهِ عَمَّنْ يَتَوَلَّى أَمْرَ الشَّهِيدِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٧٥ - بَاب مَنْ يُقَدَّمُ فِي اللَّحْدِ

وَسُمِّيَ اللَّحْدَ؛ لِأَنَّهُ فِي نَاحِيَةٍ، وَكُلُّ جَائِرٍ مُلْحِدٌ. ﴿مُلْتَحَدًا﴾ مَعْدِلًا، وَلَوْ كَانَ مُسْتَقِيمًا كَانَ ضَرِيحًا

١٣٤٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعيدٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا، قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ وَقَالَ: أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ. وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ.

١٣٤٨ - وَأَخْبَرَنَا، الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَقُولُ لِقَتْلَى أُحُدٍ: أَيُّ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى رَجُلٍ، قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ قَبْلَ صَاحِبِهِ.

وَقَالَ جَابِرٌ: فَكُفِّنَ أَبِي وَعَمِّي فِي نَمِرَةٍ وَاحِدَةٍ.

وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرًا .

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ يُقَدَّمُ فِي اللَّحْدِ) أَيْ إِذَا كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ، وَقَدْ دَلَّ حَدِيثُ الْبَابِ عَلَى تَقْدِيمِ مَنْ كَانَ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنْ صَاحِبِهِ، وَهَذَا نَظِيرُ تَقْدِيمِهِ فِي الْإِمَامَةِ.

قَوْلُهُ: (وَسُمِّيَ اللَّحْدُ لِأَنَّهُ فِي نَاحِيَةٍ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: أَصْلُ الْإِلْحَادِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

يُدفَن كلُّ ميِّتٍ في قبرٍ واحدٍ، فلو جُمِع اثنان في قبرٍ واتَّحد الجنس كرجلين وامرأتين؛ كُرِه عند الماورديِّ، وحَرُم عند السَّرخسيِّ، ونقله عنه النَّوويُّ في «شرح المهذَّب» مقتصرًا عليه، قال السُّبكيُّ: لكنَّ الأصحَّ الكراهةُ أو نفي الاستحباب، أمَّا التَّحريم فلا دليل عليه. انتهى. وأمَّا إذا لم يتَّحد الجنس كرجلٍ وامرأةٍ؛ فإن دعت ضرورةٌ شديدةٌ لذلك جاز، وإلَّا فيحرَم؛ كما في الحياة، ومحلُّ ذلك إذا (١) لم يكن بينهما محرميَّةٌ أو زوجيَّةٌ، وإلَّا فيجوز الجمع، صرَّح به ابن الصَّبَّاغ (٢) وغيره؛ كما قاله ابن يونس، ويحجز بين الميِّتين مطلقًا بترابٍ ندبًا، والقياس أنَّ الصَّغير الذي لم يبلغ حدَّ الشَّهوة كالمحرم بل أَولى، وأنَّ الخنثى مع الخنثى أو غيره كالأنثى مع الذَّكر مطلقًا، وقال أبو حنيفة ومالكٌ: لا بأس أن يُدفَن الرَّجل والمرأة في القبر الواحد.

(٧٤) (باب مَنْ لَمْ يَرَ غَسْلَ الشُّهَدَاءِ) ولو كان الشَّهيد جُنُبًا أو حائضًا أو نفساء.

١٣٤٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا لَيْثٌ) بلامٍ واحدةٍ، هو ابن سعدٍ الفهميُّ الإمامُ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ) ولأبي ذَرٍّ زيادة: «ابن مالكٍ» (عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (٣) : ادْفِنُوهُمْ) بكسر الفاء، والهمزة همزة وصلٍ في «اليونينيَّة» (٤)، أي: المستشهدين (٥) (فِي دِمَائِهِمْ

-يَعْنِي: يَوْمَ أُحُدٍ- وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ) إبقاءً لأثر الشَّهادة عليهم، وقوله (١): «يُغَسِّلهم» بضمِّ أوَّله وفتح ثانيه وتشديد ثالثه، ولأبي ذَرٍّ: «ولَمْ يَغْسِلْهُمْ» بفتح أوَّله وسكون ثانيه وتخفيف ثالثه، واستُدِلَ بعمومه على أنَّ الشَّهيد لا يُغَسَّل، حتَّى ولا الجنب والحائض؛ وهو الأصحُّ عند الشَّافعيَّة، وفي حديث أحمد عن جابرٍ أيضًا: أنَّه قال في قتلى أحدٍ: «لا تغسِّلوهم، فإنَّ كلَّ جرحٍ أو كَلْمٍ أو دمٍ يفوح مسكًا يوم القيامة» ولم يصلِّ عليهم، فبيَّن الحكمة في ذلك، وفي حديث ابن حِبَّان والحاكم في «صحيحهما»: أنَّ حنظلة بن الرَّاهب قُتِل يوم أُحُدٍ وهو جنبٌ ولم (٢) يغسِّله وقال: «رأيت الملائكة تغسِّله» فلو كان واجبًا لم يسقط إلَّا بفعلنا، ولأنَّه طهر عن حدثٍ، فسقط بالشَّهادة كغسل الميِّت (٣)، فيحرم، قال الحسن البصريُّ وسعيد ابن المسيَّب فيما رواه ابن أبي شيبة: يُغسَّل الشَّهيد.

(٧٥) (باب مَنْ يُقَدَّمُ) من الموتى (فِي اللَُّحْدِ) وهو (٤) بفتح اللَّام وضمِّها، يقال: لحدتُ الميِّت وألحدتُ له، وأصله: الميل لأحد الجانبين، قال المؤلِّف: (وَسُمِّيَ اللَّحْدَ لأَنَّهُ) شقٌّ يُعمَل (فِي نَاحِيَةٍ) من القبر مائلًا عن استوائه، قدر (٥) ما يوضع فيه الميِّت في (٦) جهة القبلة (وَكُلُّ جَائِرٍ مُلْحِدٌ) لأنَّه مال وعدل ومارى وجادل، وسقط «وكلُّ جائرٍ ملحدٍ» لأبي ذَرٍّ، وقال المؤلِّف أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ﴾ (﴿مُلْتَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٧]) أي: (مَعْدِلًا) قاله أبو عبيدة في «كتاب المجاز» أي: ملتجأ (٧) تعدل إليه إن هممت به (وَلَوْ كَانَ) القبر أو الشِّقُّ (مُسْتَقِيمًا) غير مائلٍ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله