الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٣٦٠
الحديث رقم ١٣٦٠ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا قال المشرك عند الموت لا إله إلا الله.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ الْجَرِيدِ عَلَى الْقَبْرِ وَأَوْصَى بُرَيْدَةُ الْأَسْلَمِيُّ أَنْ يُجْعَلَ فِي قَبْرِهِ جَرِيدَانِ وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ فُسْطَاطًا عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ انْزِعْهُ يَا غُلَامُ فَإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ وَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ رَأَيْتُنِي وَنَحْنُ شُبَّانٌ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ ﵁ وَإِنَّ أَشَدَّنَا وَثْبَةً الَّذِي يَثِبُ قَبْرَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ حَتَّى يُجَاوِزَهُ وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ أَخَذَ بِيَدِي خَارِجَةُ فَأَجْلَسَنِي عَلَى قَبْرٍ وَأَخْبَرَنِي عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ إِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِمَنْ أَحْدَثَ عَلَيْهِ وَقَالَ نَافِعٌ كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَجْلِسُ عَلَى الْقُبُورِ
١٣٦٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ أَخْبَرَهُ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فَلِذَلِكَ قَيَّدَهُ بِالِاسْتِهْلَالِ، وَهَذَا مُصَيِّرٌ مِنَ الزُّهْرِيِّ إِلَى تَسْمِيَةِ الزَّانِي أَبًا لِمَنْ زَنَى بِأُمِّهِ؛ فَإِنَّهُ يَتْبَعُهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْمَتْنِ الْمَرْفُوعِ، وَعَلَى ذِكْرِ الِاخْتِلَافِ عَلَى الزُّهْرِيِّ فِيهِ فِي بَابِ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٨٠ - بَاب إِذَا قَالَ الْمُشْرِكُ عِنْدَ الْمَوْتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
١٣٦٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي طَالِبٍ: يَا عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؛ كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَيَعُودَانِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَمَا وَاللَّهِ، لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: [١١٣ التوبة]: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ الآيَةَ"
[الحديث ١٣٦٠ - أطرافه في: ٣٨٨٤، ٤٦٧٥، ٤٧٧٢، ٦٦٨١]
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا قَالَ الْمُشْرِكُ عِنْدَ الْمَوْتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: لَمْ يَأْتِ بِجَوَابِ (إِذَا)؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَمَّا قَالَ لِعَمِّهِ: قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ لَكَ بِهَا. كَانَ مُحْتَمِلًا لِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَاصًّا بِهِ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ إِذَا قَالَهَا وَقَدْ أَيْقَنَ بِالْوَفَاةِ لَمْ يَنْفَعْهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَرَكَ جَوَابَ إِذَا لِيَفْهَمَ الْوَاقِفُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَوْضِعُ تَفْصِيلٍ وَفِكْرٍ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ فِي قِصَّةِ أَبِي طَالِبٍ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي تَفْسِيرِ بَرَاءَةَ. وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ: مَا لَمْ أُنْهَ عَنْهُ. أَيِ: الِاسْتِغْفَارِ. وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: عَنْكَ. وَقَوْلُهُ: (فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ الْآيَةَ) يَعْنِي: قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الْآيَةَ، كَمَا سَيَأْتِي. وَقَدْ ثَبَتَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ الْآيَةَ.
٨١ - بَاب الْجَرِيدَةِ عَلَى الْقَبْرِ. وَأَوْصَى بُرَيْدَةُ الْأَسْلَمِيُّ أَنْ يُجْعَلَ فِي قَبْرِهِ جَرِيدَتَانِ
وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ فُسْطَاطًا عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: انْزِعْهُ يَا غُلَامُ؛ فَإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ.
وَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ: رَأَيْتُنِي وَنَحْنُ شُبَّانٌ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ ﵁، وَإِنَّ أَشَدَّنَا وَثْبَةً الَّذِي يَثِبُ قَبْرَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ حَتَّى يُجَاوِزَهُ.
وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ: أَخَذَ بِيَدِي خَارِجَةُ، فَأَجْلَسَنِي عَلَى قَبْرٍ، وَأَخْبَرَنِي عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: إِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِمَنْ أَحْدَثَ عَلَيْهِ. وَقَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَجْلِسُ عَلَى الْقُبُورِ.
١٣٦١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمَا، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ، فَقَالَ: إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ، ثُمَّ غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ فَقَالَ: لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْجَرِيدَةِ عَلَى الْقَبْرِ) أَيْ: وَضْعُهَا، أَوْ غَرْزُهَا.
قَوْلُهُ: (وَأَوْصَى بُرَيْدَةُ الْأَسْلَمِيُّ، إِلَخْ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ: فِي قَبْرِهِ. وَلِلْمُسْتَمْلِي: عَلَى قَبْرِهِ. وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ مُوَرِّقٍ الْعِجْلِيِّ، قَالَ: أَوْصَى بُرَيْدَةُ أَنْ يُوضَعَ فِي قَبْرِهِ جَرِيدَتَانِ، وَمَاتَ بِأَدْنَى خُرَاسَانَ. قَالَ ابْنُ الْمُرَابِطِ وَغَيْرُهُ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بُرَيْدَةُ أَمَرَ أَنْ يُغْرَزَا فِي ظَاهِرِ الْقَبْرِ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي وَضْعِهِ الْجَرِيدَتَيْنِ فِي الْقَبْرَيْنِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَمَرَ أَنْ يُجْعَلَا فِي دَاخِلِ الْقَبْرِ؛ لِمَا فِي النَّخْلَةِ مِنَ الْبَرَكَةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَيُؤَيِّدُهُ إِيرَادُ الْمُصَنِّفِ حَدِيثَ الْقَبْرَيْنِ فِي آخِرِ الْبَابِ، وَكَأَنَّ بُرَيْدَةَ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى عُمُومِهِ، وَلَمْ يَرَهُ خَاصًّا بِذَيْنِكَ الرَّجُلَيْنِ. قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: وَيَظْهَرُ مِنْ تَصَرُّفِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِهِمَا (١). فَلِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: إِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ.
قَوْلُهُ: (وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ فُسْطَاطًا عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الْفُسْطَاطُ بِضَمِّ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَبِطَاءَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ: هُوَ الْبَيْتُ مِنَ الشَّعْرِ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِ الشَّعْرِ، وَفِيهِ لُغَاتٌ أُخْرَى بِتَثْلِيثِ الْفَاءِ وبِالْمُثَنَّاتَيْنِ بَدَلَ الطَّاءَيْنِ، وَإِبْدَالِ الطَّاءِ الْأُولَى مُثَنَّاةً، وَإِدْغَامِهِمَا فِي السِّينِ وَكَسْرِ أَوَّلِهِ فِي الثَّلَاثَةِ. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، بَيَّنَهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي رِوَايَتِهِ لَهُ مَوْصُولًا مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: مَرَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخِي عَائِشَةَ، وَعَلَيْهِ فُسْطَاطٌ مَضْرُوبٌ، فَقَالَ: يَا غُلَامُ، انْزِعْهُ؛ فَإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ. قَالَ الْغُلَامُ: تَضْرِبُنِي مَوْلَاتِي. قَالَ: كَلَّا. فَنَزَعَهُ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ رَجُلٍ (٢). قَالَ: قَدِمَتْ عَائِشَةُ ذَا طُوًى حِينَ رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَأَمَرَتْ بِفُسْطَاطٍ فَضُرِبَ عَلَى قَبْرِهِ، وَوَكَّلَتْ بِهِ إِنْسَانًا وَارْتَحَلَتْ، فَقَدِمَ ابْنُ عُمَرَ. فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ إِدْخَالِ هَذَا الْأَثَرِ تَحْتَ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ) أَيِ: ابْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ أَحَدُ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ، وَهُوَ أَحَدُ السَّبْعَةِ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، إِلَخْ. وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّارِيخِ الصَّغِيرِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيُّ سَمِعْتُ خَارِجَةَ بْنَ زَيْدٍ. فَذَكَرَهُ، وَفِيهِ جَوَازُ تَعْلِيَةِ الْقَبْرِ وَرَفْعِهِ عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ، وَقَوْلُهُ: رَأَيْتُنِي بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَالْفَاعِلُ وَالْمَفْعُولُ ضَمِيرَانِ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ. وَمَظْعُونٌ وَالِدُ عُثْمَانَ بِظَاءٍ مُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ، ثُمَّ مُهْمَلَةٍ، وَمُنَاسَبَتُهُ مِنْ وَجْهِ أَنَّ وَضْعَ الْجَرِيدِ عَلَى الْقَبْرِ يُرْشِدُ إِلَى جَوَازِ وَضْعِ مَا يَرْتَفِعُ بِهِ ظَهْرُ الْقَبْرِ عَنِ الْأَرْضِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي آخِرِ الْجَنَائِزِ. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: أَرَادَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ الَّذِي يَنْفَعُ أَصْحَابَ الْقُبُورِ هِيَ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ، وَأَنَّ عُلُوَّ الْبِنَاءِ وَالْجُلُوسَ عَلَيْهِ وَغَيْرَ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ بِصُورَتِهِ، وَإِنَّمَا يَضُرُّ بِمَعْنَاهُ إِذَا تَكَلَّمَ الْقَاعِدُونَ عَلَيْهِ
بِمَا يَضُرُّ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ: أَخَذَ بِيَدِي خَارِجَةُ) أَيِ: ابْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ إِلَخْ. وَصَلَهُ مُسَدَّدٌ فِي مُسْنَدِهِ الْكَبِيرِ، وَبَيَّنَ فِيهِ سَبَبَ إِخْبَارِ خَارِجَةَ، لِحَكِيمٍ بِذَلِكَ، وَلَفْظُهُ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجِسَ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: لَأَنْ أَجْلِسَ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ مَا دُونَ لَحْمِي حَتَّى تُفْضِيَ إِلَيَّ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ. قَالَ عُثْمَانُ: فَرَأَيْتُ خَارِجَةَ بْنَ زَيْدٍ فِي الْمَقَابِرِ، فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَأَخَذَ بِيَدِي الْحَدِيثَ. وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا مِنْ طَرِيقِ سَهْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ، وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: إِنَّمَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَنْ جَلَسَ عَلَى قَبْرٍ يَبُولُ عَلَيْهِ أَوْ يَتَغَوَّطُ، فَكَأَنَّمَا جَلَسَ عَلَى جَمْرَةٍ، لَكِنَّ إِسْنَادَهُ ضَعِيفٌ. قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْأَثَرَ وَالَّذِي بَعْدَهُ مِنَ الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا، وَهُوَ: بَابُ مَوْعِظَةِ الْمُحَدِّثِ عِنْدَ الْقَبْرِ وَقُعُودِ أَصْحَابِهِ حَوْلَهُ. وَكَأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ كَتَبَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، قَالَ: وَقَدْ يُتَكَلَّفُ لَهُ طَرِيقٌ يَكُونُ بِهِ مِنَ الْبَابِ، وَهِيَ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ ضَرْبَ الْفُسْطَاطِ إِنْ كَانَ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ كَالتَّسَتُّرِ مِنَ الشَّمْسِ مَثَلًا لِلْحَيِّ لَا لِإِظْلَالِ الْمَيِّتِ فَقَطْ جَازَ، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: إِذَا أُعْلِيَ الْقَبْرُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ لَا لِقَصْدِ الْمُبَاهَاةِ جَازَ، كَمَا يَجُوزُ الْقُعُودُ عَلَيْهِ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، لَا لِمَنْ أَحْدَثَ عَلَيْهِ.
قَالَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدَثِ هُنَا التَّغَوُّطُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ مِنَ إِحْدَاثِ مَا لَا يَلِيقُ مِنَ الْفُحْشِ قَوْلًا وَفِعْلًا؛ لِتَأَذِّي الْمَيِّتِ بِذَلِكَ. انْتَهَى.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: هَذِهِ الْآثَارُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذَا الْبَابِ تَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ مُنَاسَبَتِهَا لِلتَّرْجَمَةِ، وَإِلَى مُنَاسَبَةِ بَعْضِهَا لِبَعْضٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ وَضْعِ الْجَرِيدَةِ، وَذَكَرَ أَثَرَ بُرَيْدَةَ، وَهُوَ يُؤْذِنُ بِمَشْرُوعِيَّتِهَا، ثُمَّ أَثَرَ ابْنِ عُمَرَ الْمُشْعِرَ بِأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِمَا يُوضَعُ عَلَى الْقَبْرِ، بَلِ التَّأْثِيرُ لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَظَاهِرُهُمَا التَّعَارُضُ فَلِذَلِكَ أَبْهَمَ حُكْمَ وَضْعِ الْجَرِيدَةِ، قَالَهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ. وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ تَصَرُّفِهِ تَرْجِيحُ الْوَضْعِ، وَيُجَابُ عَنْ أَثَرِ ابْنِ عُمَرَ بِأَنَّ ضَرْبَ الْفُسْطَاطِ عَلَى الْقَبْرِ لَمْ يَرِدْ فِيهِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمَيِّتُ، بِخِلَافِ وَضْعِ الْجَرِيدَةِ؛ لِأَنَّ مَشْرُوعِيَّتَهَا ثَبَتَتْ بِفِعْلِهِ ﷺ، وإِنْ كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ قَالَ: إِنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مَخْصُوصَةً بِمَنْ أَطْلَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى حَالِ الْمَيِّتِ، وَأَمَّا الْآثَارُ الْوَارِدَةُ فِي الْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ، فَإِنَّ عُمُومَ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: إِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ يَدْخُلُ فِيهِ أَنَّهُ كَمَا لَا يَنْتَفِعُ بِتَظْلِيلِهِ وَلَوْ كَانَ تَعْظِيمًا لَهُ، لَا يَتَضَرَّرُ بِالْجُلُوسِ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ تَحْقِيرًا لَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَجْلِسُ عَلَى الْقُبُورِ) وَوَصَلَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ أَنَّ نَافِعًا حَدَّثَهُ بِذَلِكَ، وَلَا يُعَارِضُ هَذَا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ، قَالَ: لَأَنْ أَطَأَ عَلَى رَضْفٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَطَأَ عَلَى قَبْرٍ. وَهَذِهِ مِنَ الْمَسَائِلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا، وَوَرَدَ فِيهَا مِنْ صَحِيحِ الْحَدِيثِ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ مَرْفُوعًا: لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ، وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُرَادُ بِالْجُلُوسِ الْقُعُودُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ مَالِكٌ: الْمُرَادُ بِالْقُعُودِ الْحَدَثُ، وَهُوَ تَأْوِيلٌ ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ. انْتَهَى. وَهُوَ يُوهِمُ انْفِرَادَ مَالِكٍ بِذَلِكَ، وَكَذَا أَوْهَمَهُ كَلَامُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ حَيْثُ قَالَ: جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى الْكَرَاهَةِ خِلَافًا لِمَالِكٍ. وَصَرَّحَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِأَنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ كَالْجُمْهُورِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ كَقَوْلِ مَالِكٍ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ الطَّحَاوِيُّ وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَثَرِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ، وَأَخْرَجَ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مَرْفُوعًا: إِنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْجُلُوسِ عَلَى الْقُبُورِ لِحَدَثٍ؛ غَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ. وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ. وَيُؤَيِّدُ قَوْلَ الْجُمْهُورِ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيِّ مَرْفُوعًا: لَا تَقْعُدُوا عَلَى الْقُبُورِ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْهُ: رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا مُتَّكِئٌ عَلَى قَبْرٍ فَقَالَ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وعوَّض «عليك» منه، فلو جاز حذفه؛ لكان إجحافًا؛ إذ فيه حذف العوض والمعوَّض منه (﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾) استُشكل هذا مع كون الأبوين يهوِّدانه (١)، وأُجِيبَ بأنَّه مؤوَّلٌ، فالمراد: ما ينبغي أن تُبدَّل تلك الفطرة، أو من شأنها ألَّا تُبدَّل، أو الخبر بمعنى: النَّهي (﴿ذَلِكَ﴾) إشارةٌ إلى الدِّين المأمور بإقامة الوجه له في قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ [الروم: ٣٠] أو الفطرة إن فُسِّرت بالملَّة (﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠]): المستوي الَّذي لا عِوَج فيه.
(٨٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا قَالَ المُشْرِكُ عِنْدَ المَوْتِ) قبل المعاينة: (لَا إِلَهَ إِلَّا الله) ينفعه ذلك.
١٣٦٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابن رَاهُوْيَه، أو ابن منصورٍ قال: (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف (عَنْ صَالِحٍ) هو: ابن كيسان الغفاريِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ) بضمِّ الميم وفتح المهملة والمثنَّاة التَّحتيَّة المشدَّدة، تابعيٌّ اتَّفقوا على أنَّ مرسلاته أصحُّ المراسيل (عَنْ أَبِيهِ) المسيَّب بن حَزْنٍ -بفتح المهملة وسكون الزَّاي بعدها نونٌ- وهو وأبوه صحابيَّان، هاجرا إلى المدينة (أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ) أي: علاماتها قبل النَّزع، وإلَّا لَمَا كان ينفعه الإيمان لو آمن؛ ولهذا كان ما وقع بينهم وبينه من
المراجعة، قاله البرماويُّ كالكِرمانيِّ، قال في «الفتح»: ويحتمل أن يكون انتهى إلى النَّزع، لكن رجاء النَّبيِّ ﷺ أنَّه إذا أقر بالتَّوحيد ولو في تلك الحالة أنَّ ذلك ينفعه بخصوصه، ويؤيِّد الخصوصيَّة أنَّه بعد أن امتنع شفع له حتَّى خُفِّف عنه العذاب بالنِّسبه لغيره (جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ) مات على كفره (وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ) بضمِّ الهمزة (ابْنِ المُغِيرَةِ) أخا (١) أمِّ سلمة، وكان شديد العداوة للنَّبيِّ ﷺ، ثمَّ أسلم عام الفتح، ويحتمل أن يكون المسيَّب حضر هذه القصَّة حال كفره، ولا يلزم من تأخُّر إسلامه ألَّا يكون شهد ذلك؛ كما شهدها عبد الله بن أبي أميَّة (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَبِي طَالِبٍ: يَا عَمِّ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «أَيْ عمِّ» منادى مضافٌ، ويجوز إثبات الياء وحذفها (قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ كَلِمَةً) نُصِبَ على البدل أو الاختصاص (أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ) «أشهدُ» مرفوعٌ، والجملة في موضع نصبٍ صفةٌ لـ «كلمةً» (فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ) بهمزة الاستفهام الإنكاريِّ، أي: أتعرض (عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ) بفتح أوَّله وكسر الرَّاء (وَيَعُودَانِ بِتِلْكَ المَقَالَةِ) أي: أترغب عن ملَّة عبد المطَّلب (حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ) بنصب «آخرَ» على الظرفيَّة، أي: آخر أزمنة تكليمه إيَّاهم: (هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ) أراد بقوله: «هو» نفسه أو قال: أنا، فغيَّره الرَّاوي أنفةً أن يحكي كلام أبي طالبٍ استقباحًا للَّفظ المذكور، وهو من التَّصرُّفات الحسنة (وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَمَا) بالألف بعد الميم المخفَّفة، حرف تنبيهٍ أو بمعنى: حقًّا، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «أم» (وَاللهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) أي: كما استغفر إبراهيم لأبيه (مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، وللحَمُّويي والمُستملي: «ما لم أُنْهَ عنه» أي: عن الاستغفار الدَّالِّ عليه قوله: لأستغفرنَّ لك (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ) أي: في أبي طالبٍ: (﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ الاية [التوبة: ١١٣]) خبرٌ بمعنى النَّهي، ولأبي ذَرٍّ: «فأنزل الله تعالى فيه الآية» فحُذِف لفظ: «﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾».
ورواة هذا الحديث ما بين مروزيٍّ وهو شيخ المؤلِّف، ومدنيٍّ وهو (١) بقيَّتهم، وفيه رواية الابن عن الأب، والتَّحديث، والإخبار، والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «سورة القصص» [خ¦٤٧٧٢].
(٨١) (باب) وضع (الجَرِيد عَلَى القَبْرِ) ولأبي ذَرٍّ: «الجريدة» بالإفراد، قال في «القاموس»: و «الجريدة»: سعفةٌ طويلةٌ رطبةٌ، أو يابسةٌ، أو الَّتي تُقشَّر من خُوصها، وقال (٢) في «الصِّحاح»: و «الجريد»: الَّذي يُجرَّد عنه الخُوص، ولا يُسمَّى جريدًا ما دام عليه الخُوص، وإنَّما يُسمَّى (٣): سعفًا، الواحدةُ جريدةٌ. (وَأَوْصَى بُرَيْدَةُ الأَسْلَمِيُّ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الرَّاء، ابن الحُصَيب -بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المهملتين- ممَّا (٤) وصله ابن سعدٍ من طريق مورِّقٍ العجليِّ: (أَنْ يُجْعَلَ فِي) وللمُستملي: «على» (قَبْرِهِ جَرِيدَانِ) بغير مثنَّاةٍ فوقيَّةٍ بعد الدَّال، ولأبي ذَرٍّ: «جريدتان» فعلى رواية: «في» يحتمل أن يكون بُريدة أوصى بجعل الجريدتين داخل قبره؛ لِمَا في النَّخلة من البركة؛ لقوله: ﴿كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤] وعلى رواية: «على» أن يكون على ظاهره اقتداءً بفعل النَّبيِّ ﷺ في وضع (٥) الجريدتين على القبر، وهذا الأخير هو الأظهر،
وصنيع المؤلِّف في إيراده حديث القبرين آخر الباب [خ¦١٣٦١] يدلُّ عليه، وكأنَّ «بريدة» حمل الحديث على عمومه ولم يره خاصًّا بذينك الرَّجلين، لكنَّ الظَّاهر من تصرُّف المؤلِّف أنَّ ذلك خاصُّ المنفعة بما فعله الرَّسول ﵊ ببركته الخاصَّة به، وأنَّ الَّذي ينفع (١) أصحاب القبور (٢) إنَّما هو الأعمال الصَّالحة؛ فلذلك عقَّبه بقوله: (وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين (﵄، فُسْطَاطًا) بتثليث الفاء وسكون السِّين المهملة وبطاءَين مهملتَين، وبإبدال الطَّاءين بمثنَّاتين فوقيَّتيَن، وبإبدال أولاهما فقط، وبإبدالها (٣) وإدغامها في السِّين، فهي اثنا عشر: فَسْطَاطًا فُسْطَاطًا فِسْطَاطًا، فَسْتَاتًا فُسْتَاتًا فِسْتَاتًا، فَسْتَاطًا فُسْتَاطًا فِسْتَاطًا، فَسَّاطًا فُسَّاطًا فِسَّاطًا، والذي ذكره صاحب «القاموس»: الفُِسطاط، والفُِستاط، والفُِستات، والفُِسَّاط، بالطَّاءين، وبإبدال الأولى (٤)، وبإبدالهما معًا، وبتشديد السِّين وضمِّ الفاء وكسرها فيهنَّ؛ هو الخباء من شَعرٍ، وقد يكون من غيره (عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن أبي بكر الصِّدِّيق ﵄، كما بيَّنه ابن سعدٍ في روايته له موصولًا من طريق أيُّوب بن عبد الله بن يسارٍ قال: مرَّ عبد الله بن عمر على قبر عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ أخي عائشة ﵄ وعليه فسطاطٌ مضروبٌ (فَقَالَ: انْزِعْهُ يَا غُلَامُ، فَإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ) لا غيره.
(وَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ) الأنصاريُّ، أحد الفقهاء السَّبعة: (رَأَيْتُنِي) بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة، والفاعل والمفعول ضميران لشيءٍ واحدٍ، وهو من خصائص أفعال القلوب، والتَّقدير: رأيت نفسي (وَنَحْنُ شُبَّانٌ) بضمِّ الشِّين المعجمة وتشديد الموحَّدة؛ جمع: شابٍّ، والواو للحال (فِي زَمَنِ عُثْمَانَ) بن عفَّان في مدَّة خلافته (﵁، وَإِنَّ أَشَدَّنَا وَثْبَةً) بالمثلَّثة، أي: طفرةً، مصدرٌ مِن: وَثب يثِب وثْبًا ووثبةً (الَّذِي يَثِبُ قَبْرَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ) بظاءٍ معجمةٍ ساكنةٍ ثمَّ عينٍ مهملةٍ (حَتَّى يُجَاوِزَهُ) من ارتفاعه، قيل: ومناسبة ذلك للتَّرجمة من حيث إنَّ وضع الجريدة (٥) على
القبر يرشد إلى جواز وضع ما يرتفع به ظهر القبر عن الأرض، فالذي ينفع الميِّت عملُه الصَّالح، وعلُّو البناء على القبر لا يضرُّ بصورته.
(وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ) بفتح الحاء المهملة، الأنصاريُّ المدنيُّ ثمَّ الكوفيُّ: (أَخَذَ بِيَدِي خَارِجَةُ) بن زيدٍ، ذكر مسدَّدٌ في «مسنده الكبير» سبب ذلك ممَّا وصله فيه عنه من حديث أبي هريرة أنَّه قال: «لَأَن أجلس على جمرةٍ فتحرقَ ما دون لحمي حتَّى تُفضيَ إليَّ، أحبُّ إليَّ من أن أجلس على قبرٍ»، قال عثمان: فرأيت خارجة بن زيدٍ في المقابر، فذكرت له ذلك، فأخذ بيدي (فَأَجْلَسَنِي عَلَى قَبْرٍ وَأَخْبَرَنِي عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ) بالمثلَّثة أوَّله، و «يزيد» مِن الزِّيادة أنَّه (١) (قَالَ: إِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ) أي: الجلوس على القبر (لِمَنْ أَحْدَثَ عَلَيْهِ) ما (٢) لا يليق من الفحش قولًا أو فعلًا لتَّأذي الميِّت بذلك، أو المراد (٣): تغوَّط أو بالَ.
(وَقَالَ نَافِعٌ) مولى ابن عمر: (كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَجْلِسُ عَلَى القُبُورِ) أي: يقعد عليها، ويؤيِّده حديث عمرو بن حزمٍ الأنصاريِّ عند أحمد: «لا تقعدوا على القبور»، فالمراد بالجلوس: القعود حقيقةً؛ كما هو مذهب الجمهور، خلافًا لمالكٍ وأبي حنيفة وأصحابه، وحديث أبي هريرة مرفوعًا عند الطَّحاويِّ: «مَن جلس على قبرٍ يبول أو يتغوَّط، فكأنَّما جلس على جمرٍ» ضعيفٌ، نعم حديث زيد بن ثابتٍ عند الطَّحاويِّ أيضًا: إنَّما نهى النَّبيُّ ﷺ عن الجلوس على القبور لحدثِ غائطٍ أو بولٍ، رجال إسناده ثقاتٌ، فإن قيل: ما وجه المناسبة بين التَّرجمة (٤) وأثر ابن عمر هذا وعثمان بن حكيم الذي قبله؟ أُجِيبَ بأنَّ عموم قول ابن عمر: إنَّما يظلُّه عمله، يدخل فيه أنَّه كما لا ينتفع بتظليله -وإن كان تعظيمًا له- لا يتضرَّر بالجلوس عليه وإن كان تحقيرًا، وقال ابن
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فَلِذَلِكَ قَيَّدَهُ بِالِاسْتِهْلَالِ، وَهَذَا مُصَيِّرٌ مِنَ الزُّهْرِيِّ إِلَى تَسْمِيَةِ الزَّانِي أَبًا لِمَنْ زَنَى بِأُمِّهِ؛ فَإِنَّهُ يَتْبَعُهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْمَتْنِ الْمَرْفُوعِ، وَعَلَى ذِكْرِ الِاخْتِلَافِ عَلَى الزُّهْرِيِّ فِيهِ فِي بَابِ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٨٠ - بَاب إِذَا قَالَ الْمُشْرِكُ عِنْدَ الْمَوْتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
١٣٦٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي طَالِبٍ: يَا عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؛ كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَيَعُودَانِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَمَا وَاللَّهِ، لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: [١١٣ التوبة]: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ الآيَةَ"
[الحديث ١٣٦٠ - أطرافه في: ٣٨٨٤، ٤٦٧٥، ٤٧٧٢، ٦٦٨١]
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا قَالَ الْمُشْرِكُ عِنْدَ الْمَوْتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: لَمْ يَأْتِ بِجَوَابِ (إِذَا)؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَمَّا قَالَ لِعَمِّهِ: قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ لَكَ بِهَا. كَانَ مُحْتَمِلًا لِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَاصًّا بِهِ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ إِذَا قَالَهَا وَقَدْ أَيْقَنَ بِالْوَفَاةِ لَمْ يَنْفَعْهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَرَكَ جَوَابَ إِذَا لِيَفْهَمَ الْوَاقِفُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَوْضِعُ تَفْصِيلٍ وَفِكْرٍ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ فِي قِصَّةِ أَبِي طَالِبٍ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي تَفْسِيرِ بَرَاءَةَ. وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ: مَا لَمْ أُنْهَ عَنْهُ. أَيِ: الِاسْتِغْفَارِ. وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: عَنْكَ. وَقَوْلُهُ: (فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ الْآيَةَ) يَعْنِي: قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الْآيَةَ، كَمَا سَيَأْتِي. وَقَدْ ثَبَتَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ الْآيَةَ.
٨١ - بَاب الْجَرِيدَةِ عَلَى الْقَبْرِ. وَأَوْصَى بُرَيْدَةُ الْأَسْلَمِيُّ أَنْ يُجْعَلَ فِي قَبْرِهِ جَرِيدَتَانِ
وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ فُسْطَاطًا عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: انْزِعْهُ يَا غُلَامُ؛ فَإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ.
وَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ: رَأَيْتُنِي وَنَحْنُ شُبَّانٌ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ ﵁، وَإِنَّ أَشَدَّنَا وَثْبَةً الَّذِي يَثِبُ قَبْرَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ حَتَّى يُجَاوِزَهُ.
وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ: أَخَذَ بِيَدِي خَارِجَةُ، فَأَجْلَسَنِي عَلَى قَبْرٍ، وَأَخْبَرَنِي عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: إِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِمَنْ أَحْدَثَ عَلَيْهِ. وَقَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَجْلِسُ عَلَى الْقُبُورِ.
١٣٦١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمَا، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ، فَقَالَ: إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ، ثُمَّ غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ فَقَالَ: لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْجَرِيدَةِ عَلَى الْقَبْرِ) أَيْ: وَضْعُهَا، أَوْ غَرْزُهَا.
قَوْلُهُ: (وَأَوْصَى بُرَيْدَةُ الْأَسْلَمِيُّ، إِلَخْ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ: فِي قَبْرِهِ. وَلِلْمُسْتَمْلِي: عَلَى قَبْرِهِ. وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ مُوَرِّقٍ الْعِجْلِيِّ، قَالَ: أَوْصَى بُرَيْدَةُ أَنْ يُوضَعَ فِي قَبْرِهِ جَرِيدَتَانِ، وَمَاتَ بِأَدْنَى خُرَاسَانَ. قَالَ ابْنُ الْمُرَابِطِ وَغَيْرُهُ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بُرَيْدَةُ أَمَرَ أَنْ يُغْرَزَا فِي ظَاهِرِ الْقَبْرِ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي وَضْعِهِ الْجَرِيدَتَيْنِ فِي الْقَبْرَيْنِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَمَرَ أَنْ يُجْعَلَا فِي دَاخِلِ الْقَبْرِ؛ لِمَا فِي النَّخْلَةِ مِنَ الْبَرَكَةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَيُؤَيِّدُهُ إِيرَادُ الْمُصَنِّفِ حَدِيثَ الْقَبْرَيْنِ فِي آخِرِ الْبَابِ، وَكَأَنَّ بُرَيْدَةَ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى عُمُومِهِ، وَلَمْ يَرَهُ خَاصًّا بِذَيْنِكَ الرَّجُلَيْنِ. قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: وَيَظْهَرُ مِنْ تَصَرُّفِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِهِمَا (١). فَلِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: إِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ.
قَوْلُهُ: (وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ فُسْطَاطًا عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الْفُسْطَاطُ بِضَمِّ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَبِطَاءَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ: هُوَ الْبَيْتُ مِنَ الشَّعْرِ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِ الشَّعْرِ، وَفِيهِ لُغَاتٌ أُخْرَى بِتَثْلِيثِ الْفَاءِ وبِالْمُثَنَّاتَيْنِ بَدَلَ الطَّاءَيْنِ، وَإِبْدَالِ الطَّاءِ الْأُولَى مُثَنَّاةً، وَإِدْغَامِهِمَا فِي السِّينِ وَكَسْرِ أَوَّلِهِ فِي الثَّلَاثَةِ. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، بَيَّنَهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي رِوَايَتِهِ لَهُ مَوْصُولًا مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: مَرَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخِي عَائِشَةَ، وَعَلَيْهِ فُسْطَاطٌ مَضْرُوبٌ، فَقَالَ: يَا غُلَامُ، انْزِعْهُ؛ فَإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ. قَالَ الْغُلَامُ: تَضْرِبُنِي مَوْلَاتِي. قَالَ: كَلَّا. فَنَزَعَهُ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ رَجُلٍ (٢). قَالَ: قَدِمَتْ عَائِشَةُ ذَا طُوًى حِينَ رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَأَمَرَتْ بِفُسْطَاطٍ فَضُرِبَ عَلَى قَبْرِهِ، وَوَكَّلَتْ بِهِ إِنْسَانًا وَارْتَحَلَتْ، فَقَدِمَ ابْنُ عُمَرَ. فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ إِدْخَالِ هَذَا الْأَثَرِ تَحْتَ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ) أَيِ: ابْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ أَحَدُ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ، وَهُوَ أَحَدُ السَّبْعَةِ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، إِلَخْ. وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّارِيخِ الصَّغِيرِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيُّ سَمِعْتُ خَارِجَةَ بْنَ زَيْدٍ. فَذَكَرَهُ، وَفِيهِ جَوَازُ تَعْلِيَةِ الْقَبْرِ وَرَفْعِهِ عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ، وَقَوْلُهُ: رَأَيْتُنِي بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَالْفَاعِلُ وَالْمَفْعُولُ ضَمِيرَانِ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ. وَمَظْعُونٌ وَالِدُ عُثْمَانَ بِظَاءٍ مُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ، ثُمَّ مُهْمَلَةٍ، وَمُنَاسَبَتُهُ مِنْ وَجْهِ أَنَّ وَضْعَ الْجَرِيدِ عَلَى الْقَبْرِ يُرْشِدُ إِلَى جَوَازِ وَضْعِ مَا يَرْتَفِعُ بِهِ ظَهْرُ الْقَبْرِ عَنِ الْأَرْضِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي آخِرِ الْجَنَائِزِ. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: أَرَادَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ الَّذِي يَنْفَعُ أَصْحَابَ الْقُبُورِ هِيَ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ، وَأَنَّ عُلُوَّ الْبِنَاءِ وَالْجُلُوسَ عَلَيْهِ وَغَيْرَ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ بِصُورَتِهِ، وَإِنَّمَا يَضُرُّ بِمَعْنَاهُ إِذَا تَكَلَّمَ الْقَاعِدُونَ عَلَيْهِ
بِمَا يَضُرُّ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ: أَخَذَ بِيَدِي خَارِجَةُ) أَيِ: ابْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ إِلَخْ. وَصَلَهُ مُسَدَّدٌ فِي مُسْنَدِهِ الْكَبِيرِ، وَبَيَّنَ فِيهِ سَبَبَ إِخْبَارِ خَارِجَةَ، لِحَكِيمٍ بِذَلِكَ، وَلَفْظُهُ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجِسَ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: لَأَنْ أَجْلِسَ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ مَا دُونَ لَحْمِي حَتَّى تُفْضِيَ إِلَيَّ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ. قَالَ عُثْمَانُ: فَرَأَيْتُ خَارِجَةَ بْنَ زَيْدٍ فِي الْمَقَابِرِ، فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَأَخَذَ بِيَدِي الْحَدِيثَ. وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا مِنْ طَرِيقِ سَهْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ، وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: إِنَّمَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَنْ جَلَسَ عَلَى قَبْرٍ يَبُولُ عَلَيْهِ أَوْ يَتَغَوَّطُ، فَكَأَنَّمَا جَلَسَ عَلَى جَمْرَةٍ، لَكِنَّ إِسْنَادَهُ ضَعِيفٌ. قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْأَثَرَ وَالَّذِي بَعْدَهُ مِنَ الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا، وَهُوَ: بَابُ مَوْعِظَةِ الْمُحَدِّثِ عِنْدَ الْقَبْرِ وَقُعُودِ أَصْحَابِهِ حَوْلَهُ. وَكَأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ كَتَبَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، قَالَ: وَقَدْ يُتَكَلَّفُ لَهُ طَرِيقٌ يَكُونُ بِهِ مِنَ الْبَابِ، وَهِيَ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ ضَرْبَ الْفُسْطَاطِ إِنْ كَانَ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ كَالتَّسَتُّرِ مِنَ الشَّمْسِ مَثَلًا لِلْحَيِّ لَا لِإِظْلَالِ الْمَيِّتِ فَقَطْ جَازَ، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: إِذَا أُعْلِيَ الْقَبْرُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ لَا لِقَصْدِ الْمُبَاهَاةِ جَازَ، كَمَا يَجُوزُ الْقُعُودُ عَلَيْهِ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، لَا لِمَنْ أَحْدَثَ عَلَيْهِ.
قَالَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدَثِ هُنَا التَّغَوُّطُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ مِنَ إِحْدَاثِ مَا لَا يَلِيقُ مِنَ الْفُحْشِ قَوْلًا وَفِعْلًا؛ لِتَأَذِّي الْمَيِّتِ بِذَلِكَ. انْتَهَى.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: هَذِهِ الْآثَارُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذَا الْبَابِ تَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ مُنَاسَبَتِهَا لِلتَّرْجَمَةِ، وَإِلَى مُنَاسَبَةِ بَعْضِهَا لِبَعْضٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ وَضْعِ الْجَرِيدَةِ، وَذَكَرَ أَثَرَ بُرَيْدَةَ، وَهُوَ يُؤْذِنُ بِمَشْرُوعِيَّتِهَا، ثُمَّ أَثَرَ ابْنِ عُمَرَ الْمُشْعِرَ بِأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِمَا يُوضَعُ عَلَى الْقَبْرِ، بَلِ التَّأْثِيرُ لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَظَاهِرُهُمَا التَّعَارُضُ فَلِذَلِكَ أَبْهَمَ حُكْمَ وَضْعِ الْجَرِيدَةِ، قَالَهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ. وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ تَصَرُّفِهِ تَرْجِيحُ الْوَضْعِ، وَيُجَابُ عَنْ أَثَرِ ابْنِ عُمَرَ بِأَنَّ ضَرْبَ الْفُسْطَاطِ عَلَى الْقَبْرِ لَمْ يَرِدْ فِيهِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمَيِّتُ، بِخِلَافِ وَضْعِ الْجَرِيدَةِ؛ لِأَنَّ مَشْرُوعِيَّتَهَا ثَبَتَتْ بِفِعْلِهِ ﷺ، وإِنْ كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ قَالَ: إِنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مَخْصُوصَةً بِمَنْ أَطْلَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى حَالِ الْمَيِّتِ، وَأَمَّا الْآثَارُ الْوَارِدَةُ فِي الْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ، فَإِنَّ عُمُومَ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: إِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ يَدْخُلُ فِيهِ أَنَّهُ كَمَا لَا يَنْتَفِعُ بِتَظْلِيلِهِ وَلَوْ كَانَ تَعْظِيمًا لَهُ، لَا يَتَضَرَّرُ بِالْجُلُوسِ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ تَحْقِيرًا لَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَجْلِسُ عَلَى الْقُبُورِ) وَوَصَلَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ أَنَّ نَافِعًا حَدَّثَهُ بِذَلِكَ، وَلَا يُعَارِضُ هَذَا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ، قَالَ: لَأَنْ أَطَأَ عَلَى رَضْفٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَطَأَ عَلَى قَبْرٍ. وَهَذِهِ مِنَ الْمَسَائِلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا، وَوَرَدَ فِيهَا مِنْ صَحِيحِ الْحَدِيثِ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ مَرْفُوعًا: لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ، وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُرَادُ بِالْجُلُوسِ الْقُعُودُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ مَالِكٌ: الْمُرَادُ بِالْقُعُودِ الْحَدَثُ، وَهُوَ تَأْوِيلٌ ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ. انْتَهَى. وَهُوَ يُوهِمُ انْفِرَادَ مَالِكٍ بِذَلِكَ، وَكَذَا أَوْهَمَهُ كَلَامُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ حَيْثُ قَالَ: جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى الْكَرَاهَةِ خِلَافًا لِمَالِكٍ. وَصَرَّحَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِأَنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ كَالْجُمْهُورِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ كَقَوْلِ مَالِكٍ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ الطَّحَاوِيُّ وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَثَرِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ، وَأَخْرَجَ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مَرْفُوعًا: إِنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْجُلُوسِ عَلَى الْقُبُورِ لِحَدَثٍ؛ غَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ. وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ. وَيُؤَيِّدُ قَوْلَ الْجُمْهُورِ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيِّ مَرْفُوعًا: لَا تَقْعُدُوا عَلَى الْقُبُورِ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْهُ: رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا مُتَّكِئٌ عَلَى قَبْرٍ فَقَالَ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وعوَّض «عليك» منه، فلو جاز حذفه؛ لكان إجحافًا؛ إذ فيه حذف العوض والمعوَّض منه (﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾) استُشكل هذا مع كون الأبوين يهوِّدانه (١)، وأُجِيبَ بأنَّه مؤوَّلٌ، فالمراد: ما ينبغي أن تُبدَّل تلك الفطرة، أو من شأنها ألَّا تُبدَّل، أو الخبر بمعنى: النَّهي (﴿ذَلِكَ﴾) إشارةٌ إلى الدِّين المأمور بإقامة الوجه له في قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ [الروم: ٣٠] أو الفطرة إن فُسِّرت بالملَّة (﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠]): المستوي الَّذي لا عِوَج فيه.
(٨٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا قَالَ المُشْرِكُ عِنْدَ المَوْتِ) قبل المعاينة: (لَا إِلَهَ إِلَّا الله) ينفعه ذلك.
١٣٦٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابن رَاهُوْيَه، أو ابن منصورٍ قال: (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف (عَنْ صَالِحٍ) هو: ابن كيسان الغفاريِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ) بضمِّ الميم وفتح المهملة والمثنَّاة التَّحتيَّة المشدَّدة، تابعيٌّ اتَّفقوا على أنَّ مرسلاته أصحُّ المراسيل (عَنْ أَبِيهِ) المسيَّب بن حَزْنٍ -بفتح المهملة وسكون الزَّاي بعدها نونٌ- وهو وأبوه صحابيَّان، هاجرا إلى المدينة (أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ) أي: علاماتها قبل النَّزع، وإلَّا لَمَا كان ينفعه الإيمان لو آمن؛ ولهذا كان ما وقع بينهم وبينه من
المراجعة، قاله البرماويُّ كالكِرمانيِّ، قال في «الفتح»: ويحتمل أن يكون انتهى إلى النَّزع، لكن رجاء النَّبيِّ ﷺ أنَّه إذا أقر بالتَّوحيد ولو في تلك الحالة أنَّ ذلك ينفعه بخصوصه، ويؤيِّد الخصوصيَّة أنَّه بعد أن امتنع شفع له حتَّى خُفِّف عنه العذاب بالنِّسبه لغيره (جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ) مات على كفره (وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ) بضمِّ الهمزة (ابْنِ المُغِيرَةِ) أخا (١) أمِّ سلمة، وكان شديد العداوة للنَّبيِّ ﷺ، ثمَّ أسلم عام الفتح، ويحتمل أن يكون المسيَّب حضر هذه القصَّة حال كفره، ولا يلزم من تأخُّر إسلامه ألَّا يكون شهد ذلك؛ كما شهدها عبد الله بن أبي أميَّة (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَبِي طَالِبٍ: يَا عَمِّ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «أَيْ عمِّ» منادى مضافٌ، ويجوز إثبات الياء وحذفها (قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ كَلِمَةً) نُصِبَ على البدل أو الاختصاص (أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ) «أشهدُ» مرفوعٌ، والجملة في موضع نصبٍ صفةٌ لـ «كلمةً» (فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ) بهمزة الاستفهام الإنكاريِّ، أي: أتعرض (عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ) بفتح أوَّله وكسر الرَّاء (وَيَعُودَانِ بِتِلْكَ المَقَالَةِ) أي: أترغب عن ملَّة عبد المطَّلب (حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ) بنصب «آخرَ» على الظرفيَّة، أي: آخر أزمنة تكليمه إيَّاهم: (هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ) أراد بقوله: «هو» نفسه أو قال: أنا، فغيَّره الرَّاوي أنفةً أن يحكي كلام أبي طالبٍ استقباحًا للَّفظ المذكور، وهو من التَّصرُّفات الحسنة (وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَمَا) بالألف بعد الميم المخفَّفة، حرف تنبيهٍ أو بمعنى: حقًّا، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «أم» (وَاللهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) أي: كما استغفر إبراهيم لأبيه (مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، وللحَمُّويي والمُستملي: «ما لم أُنْهَ عنه» أي: عن الاستغفار الدَّالِّ عليه قوله: لأستغفرنَّ لك (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ) أي: في أبي طالبٍ: (﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ الاية [التوبة: ١١٣]) خبرٌ بمعنى النَّهي، ولأبي ذَرٍّ: «فأنزل الله تعالى فيه الآية» فحُذِف لفظ: «﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾».
ورواة هذا الحديث ما بين مروزيٍّ وهو شيخ المؤلِّف، ومدنيٍّ وهو (١) بقيَّتهم، وفيه رواية الابن عن الأب، والتَّحديث، والإخبار، والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «سورة القصص» [خ¦٤٧٧٢].
(٨١) (باب) وضع (الجَرِيد عَلَى القَبْرِ) ولأبي ذَرٍّ: «الجريدة» بالإفراد، قال في «القاموس»: و «الجريدة»: سعفةٌ طويلةٌ رطبةٌ، أو يابسةٌ، أو الَّتي تُقشَّر من خُوصها، وقال (٢) في «الصِّحاح»: و «الجريد»: الَّذي يُجرَّد عنه الخُوص، ولا يُسمَّى جريدًا ما دام عليه الخُوص، وإنَّما يُسمَّى (٣): سعفًا، الواحدةُ جريدةٌ. (وَأَوْصَى بُرَيْدَةُ الأَسْلَمِيُّ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الرَّاء، ابن الحُصَيب -بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المهملتين- ممَّا (٤) وصله ابن سعدٍ من طريق مورِّقٍ العجليِّ: (أَنْ يُجْعَلَ فِي) وللمُستملي: «على» (قَبْرِهِ جَرِيدَانِ) بغير مثنَّاةٍ فوقيَّةٍ بعد الدَّال، ولأبي ذَرٍّ: «جريدتان» فعلى رواية: «في» يحتمل أن يكون بُريدة أوصى بجعل الجريدتين داخل قبره؛ لِمَا في النَّخلة من البركة؛ لقوله: ﴿كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤] وعلى رواية: «على» أن يكون على ظاهره اقتداءً بفعل النَّبيِّ ﷺ في وضع (٥) الجريدتين على القبر، وهذا الأخير هو الأظهر،
وصنيع المؤلِّف في إيراده حديث القبرين آخر الباب [خ¦١٣٦١] يدلُّ عليه، وكأنَّ «بريدة» حمل الحديث على عمومه ولم يره خاصًّا بذينك الرَّجلين، لكنَّ الظَّاهر من تصرُّف المؤلِّف أنَّ ذلك خاصُّ المنفعة بما فعله الرَّسول ﵊ ببركته الخاصَّة به، وأنَّ الَّذي ينفع (١) أصحاب القبور (٢) إنَّما هو الأعمال الصَّالحة؛ فلذلك عقَّبه بقوله: (وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين (﵄، فُسْطَاطًا) بتثليث الفاء وسكون السِّين المهملة وبطاءَين مهملتَين، وبإبدال الطَّاءين بمثنَّاتين فوقيَّتيَن، وبإبدال أولاهما فقط، وبإبدالها (٣) وإدغامها في السِّين، فهي اثنا عشر: فَسْطَاطًا فُسْطَاطًا فِسْطَاطًا، فَسْتَاتًا فُسْتَاتًا فِسْتَاتًا، فَسْتَاطًا فُسْتَاطًا فِسْتَاطًا، فَسَّاطًا فُسَّاطًا فِسَّاطًا، والذي ذكره صاحب «القاموس»: الفُِسطاط، والفُِستاط، والفُِستات، والفُِسَّاط، بالطَّاءين، وبإبدال الأولى (٤)، وبإبدالهما معًا، وبتشديد السِّين وضمِّ الفاء وكسرها فيهنَّ؛ هو الخباء من شَعرٍ، وقد يكون من غيره (عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن أبي بكر الصِّدِّيق ﵄، كما بيَّنه ابن سعدٍ في روايته له موصولًا من طريق أيُّوب بن عبد الله بن يسارٍ قال: مرَّ عبد الله بن عمر على قبر عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ أخي عائشة ﵄ وعليه فسطاطٌ مضروبٌ (فَقَالَ: انْزِعْهُ يَا غُلَامُ، فَإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ) لا غيره.
(وَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ) الأنصاريُّ، أحد الفقهاء السَّبعة: (رَأَيْتُنِي) بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة، والفاعل والمفعول ضميران لشيءٍ واحدٍ، وهو من خصائص أفعال القلوب، والتَّقدير: رأيت نفسي (وَنَحْنُ شُبَّانٌ) بضمِّ الشِّين المعجمة وتشديد الموحَّدة؛ جمع: شابٍّ، والواو للحال (فِي زَمَنِ عُثْمَانَ) بن عفَّان في مدَّة خلافته (﵁، وَإِنَّ أَشَدَّنَا وَثْبَةً) بالمثلَّثة، أي: طفرةً، مصدرٌ مِن: وَثب يثِب وثْبًا ووثبةً (الَّذِي يَثِبُ قَبْرَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ) بظاءٍ معجمةٍ ساكنةٍ ثمَّ عينٍ مهملةٍ (حَتَّى يُجَاوِزَهُ) من ارتفاعه، قيل: ومناسبة ذلك للتَّرجمة من حيث إنَّ وضع الجريدة (٥) على
القبر يرشد إلى جواز وضع ما يرتفع به ظهر القبر عن الأرض، فالذي ينفع الميِّت عملُه الصَّالح، وعلُّو البناء على القبر لا يضرُّ بصورته.
(وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ) بفتح الحاء المهملة، الأنصاريُّ المدنيُّ ثمَّ الكوفيُّ: (أَخَذَ بِيَدِي خَارِجَةُ) بن زيدٍ، ذكر مسدَّدٌ في «مسنده الكبير» سبب ذلك ممَّا وصله فيه عنه من حديث أبي هريرة أنَّه قال: «لَأَن أجلس على جمرةٍ فتحرقَ ما دون لحمي حتَّى تُفضيَ إليَّ، أحبُّ إليَّ من أن أجلس على قبرٍ»، قال عثمان: فرأيت خارجة بن زيدٍ في المقابر، فذكرت له ذلك، فأخذ بيدي (فَأَجْلَسَنِي عَلَى قَبْرٍ وَأَخْبَرَنِي عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ) بالمثلَّثة أوَّله، و «يزيد» مِن الزِّيادة أنَّه (١) (قَالَ: إِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ) أي: الجلوس على القبر (لِمَنْ أَحْدَثَ عَلَيْهِ) ما (٢) لا يليق من الفحش قولًا أو فعلًا لتَّأذي الميِّت بذلك، أو المراد (٣): تغوَّط أو بالَ.
(وَقَالَ نَافِعٌ) مولى ابن عمر: (كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَجْلِسُ عَلَى القُبُورِ) أي: يقعد عليها، ويؤيِّده حديث عمرو بن حزمٍ الأنصاريِّ عند أحمد: «لا تقعدوا على القبور»، فالمراد بالجلوس: القعود حقيقةً؛ كما هو مذهب الجمهور، خلافًا لمالكٍ وأبي حنيفة وأصحابه، وحديث أبي هريرة مرفوعًا عند الطَّحاويِّ: «مَن جلس على قبرٍ يبول أو يتغوَّط، فكأنَّما جلس على جمرٍ» ضعيفٌ، نعم حديث زيد بن ثابتٍ عند الطَّحاويِّ أيضًا: إنَّما نهى النَّبيُّ ﷺ عن الجلوس على القبور لحدثِ غائطٍ أو بولٍ، رجال إسناده ثقاتٌ، فإن قيل: ما وجه المناسبة بين التَّرجمة (٤) وأثر ابن عمر هذا وعثمان بن حكيم الذي قبله؟ أُجِيبَ بأنَّ عموم قول ابن عمر: إنَّما يظلُّه عمله، يدخل فيه أنَّه كما لا ينتفع بتظليله -وإن كان تعظيمًا له- لا يتضرَّر بالجلوس عليه وإن كان تحقيرًا، وقال ابن