«أَنَّهُ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ فَقَالَ: إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٣٦١

الحديث رقم ١٣٦١ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الجريد على القبر.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أنه مر بقبرين يعذبان فقال: إنهما ليعذبان…

«أَنَّهُ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ فَقَالَ: إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ. ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ، ثُمَّ غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ فَقَالَ: لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا.»

سند حديث: ١٣٦١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى: حَدَّثَنَا أَبُو…

١٣٦١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ

⦗٩٦⦘

عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أنه مر بقبرين يعذبان فقال: إنهما ليعذبان…

مَرَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بقبرين فقال:
إنَّ صاحبَي هذين القبرين لَيُعذّبان؛ وما يعذبان في أمر كبير في نظركم، وإن كان كبيرًا عند الله،
أمّا أحدُهما فكان لا يَهتَمُّ بحفظ جَسَدِه وثيابِه مِن البول حين يَقْضي حاجتَه،
والآخَرُ كان يمشي بالنميمة بين الناس، فيَنْقُلُ كلامَ غيرِه بقصد الإضرار وإيقاع الخلاف والوقيعة بين الناس.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • النميمةُ وتركُ التنزُّهِ مِن البول مِن كبائر الذنوب ومِن أسباب عذاب القبر.
  • كَشف الله سبحانه بعض المغيبات -كعذاب القبر- إظهارًا لعلامة نبوتِهِ صلى الله عليه وسلم.
  • هذا الفعلُ مِن شَقِّ الجريدتين ووضعِها على القبر خاصٌّ بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله أطْلَعَه على حالِ صاحبَي القبر، فلا يقاس غيره به لأنه لا أحد يعلم أحوال أصحاب القبور.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أنه مر بقبرين يعذبان فقال: إنهما ليعذبان…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

رُشَيدٍ: كأنَّ بعض الرُّواة كتبهما في غير موضعهما، فإنَّ الظَّاهر أنَّهما من الباب التَّالي لهذا، وهو باب: «موعظة المحدِّث عند القبر، وقعود أصحابه حوله» [خ¦١٣٦٢].

١٣٦١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابن جعفرٍ البيكنديُّ، كما في «مستخرج أبي نُعيم»، أو هو يحيى بن يحيى، كما جزم به أبو مسعودٍ في «الأطراف»، أو هو يحيى بن موسى المعروف بخت، كما وقع في رواية أبي عليِّ بن شبُّويه عن الفَِرَبْريِّ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو المعتمد، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ، بالخاء والزَّاي المعجمتين (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبرٍ (عَنْ طَاوُسٍ) هو ابن كيسان (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ : أَنَّهُ مَرَّ) ولأبي ذَرٍّ: «قال: مرَّ النَّبيُّ » (بِقَبْرَيْنِ) أي: بصاحبيهما من باب تسمية الحالِّ باسم المحلِّ (يُعَذَّبَانِ، فَقَالَ: إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ) إزالته أو دفعه أو الاحتراز عنه، ويحتمل أن يكون نفي كونه كبيرًا باعتبار اعتقاد الاثنين المعذَّبين، أو اعتقاد مرتكبه مطلقًا، أو باعتبار اعتقاد المخاطبين، أي: ليس كبيرًا عندكم ولكنَّه كبير عند الله، كما جاء في رواية عند المؤلِّف [خ¦٢١٦]: «وما يعذَّبان في كبيرٍ بلى إنَّه كبيرٌ» (١) فهو كقوله: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥] (أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ (٢) مِنَ البَوْلِ) يُحتَمل أن يحمل على حقيقته من الاستتار عن الأعين، ويكون العذاب على كشف العورة، أو على المجاز والمراد: التَّنزُّه من البول بعدم ملابسته، ورُجِّح، وإن كان الأصل

الحقيقة، لأنَّ الحديث يدلُّ على أنَّ للبول بالنِّسبة إلى عذاب القبر خصوصيَّةً، فالحمل عليه أَولى -كما مرَّ- في «الوضوء» [خ¦٢١٦] (وأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ) المحرَّمة، وخرج به ما كان للنَّصيحة، أو لدفع مفسدةٍ، والباء للمصاحبة، أي: يسير في النَّاس متَّصفًا بهذه الصِّفة، أو للسَّببيَّة، أي: يمشي بسبب ذلك (ثُمَّ أَخَذَ) (جَرِيدَةً رَطْبَةً، فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ) قال الزَّركشيُّ: دخلت الباء على المفعول زائدةً. انتهى. يعني: في قوله: «بنصفين»، وقد تعقَّبه صاحب «مصابيح الجامع» فقال: لا نسلِّم شيئًا من ذلك، أمَّا دعواه أنَّ «نصفين» مفعولٌ، فلأنَّ «شقَّ» إنَّما يتعدَّى لمفعولٍ واحدٍ، وقد أخذه وليس هذا بدلًا منه، وأمَّا دعوى الزِّيادة فعلى خلاف الأصل، وليس هذا من محالِّ زيادتها، ثمَّ قال: والباء للمصاحبة، وهي ومدخولها ظرفٌ مسَتَقرٌّ منصوب المحل (١) على الحال، أي: فشقَّها متلبِّسةً (٢) بنصفين، ولا مانع من أن يجتمع الشَّقُّ وكونها ذات نصفين في حالةٍ (٣) واحدةٍ، وليس المراد أنَّ (٤) انقسامها إلى نصفين كان ثابتًا قبل الشَّقِّ، وإنَّما هو معه وبسببه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾ [النحل: ١٢]. انتهى. (ثُمَّ غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ) منهما (وَاحِدَةً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ فَقَالَ: لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا) العذاب (مَا لَمْ يَيْبَسَا) بالمثنَّاة التَّحتيَّة المفتوحة وفتح الموحَّدة وكسرها في «اليونينيَّة» بالتَّذكير باعتبار عَود الضَّمير إلى العُودين، و «ما» مصدريَّةٌ زمانيَّةٌ، أي: مدَّة دوامهما إلى زمن اليبس، و «لعلَّ» (٥) بمعنى: «عسى» فلذا استُعمِلَ استعماله في اقترانه بـ «أن» وإن كان الغالب في «لعلَّ» التَّجرُّد، وليس في الجريد معنًى يخصُّه، ولا في الرَّطب

معنًى ليس في اليابس، وإنَّما ذلك خاصٌّ ببركة يده الكريمة، ومن ثمَّ استنكر الخطَّابيُّ وضع النَّاس الجريد ونحوه على القبر، عملًا بهذا الحديث، وكذلك الطَّرطوشيُّ في «سراج الملوك» قائلين بأنَّ ذلك خاصٌّ بالنَّبيِّ لبركة (١) يده المقدَّسة وبعلمه بما في القبور، وجرى على ذلك ابن الحاجِّ في «مدخله»، وما تقدَّم من أنَّ بريدة بن الحُصَيب أوصى بأن يُجعل في قبره جريدتان محمولٌ على أنَّ ذلك رأيٌ له لم يوافقه أحدٌ من الصَّحابة عليه، أو أنَّ المعنى فيه: أنَّه (٢) يسبِّح ما دام رطبًا، فيحصل التَّخفيف ببركة التَّسبيح، وحينئذٍ فيطرد في كلِّ ما فيه رطوبةٌ من الرَّياحين والبقول وغيرها، وليس لليابس تسبيحٌ، قال تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] أي: شيءٌ حيٌّ، وحياة كلِّ شيءٍ بحسبه، فالخشب ما لم ييبس، والحجَر ما لم يُقطع من معدنه، والجمهور على (٣) أنَّه على حقيقته، وهو قول المحقِّقين؛ إذ العقل لا يحيله، أو بلسان الحال باعتبار دلالته على الصَّانع، وأنَّه منزَّهٌ.

وسبق في «باب من الكبائر ألَّا يستتر من بوله» من «الوضوء» [خ¦٢١٦]، مزيدٌ لما ذكرته هنا.

(٨٢) (باب مَوْعِظَةِ المُحَدِّثِ عِنْدَ القَبْرِ) «الموعظة» مصدرٌ ميميٌّ، والوعظ: النُّصح والإنذار

بالعواقب (وَ) باب (قُعُودِ أَصْحَابِهِ) أي: أصحاب المحدِّث (حَوْلَهُ) عند القبر لسماع الموعظة والتَّذكير بالموت وأحوال الآخرة، وهذا مع ما ينضمُّ إليه من مشاهدة القبور وتذكُّر أصحابها وما كانوا عليه وما صاروا إليه من أنفع الأشياء لجلاء القلوب، وينفع الميِّت أيضًا؛ لما فيه من نزول الرَّحمة عند قراءة القرآن والذِّكر، قال ابن المُنيِّر: لو فطن أهل مصر لترجمة البخاريِّ هذه؛ لقرَّت أعينهم بما يتعاطونه من جلوس الوُعَّاظ في المقابر، وهو حسنٌ إن لم تخالطه مفسدٌة. انتهى. وقد استطرد المؤلِّف بعد التَّرجمة بذكر تفسير بعض ألفاظٍ من القرآن مناسبةً لما ترجم له على عادته؛ تكثيرًا لفرائد الفوائد، فقال في قوله تعالى: (﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ [المعارج: ٤٣]) (الأَجْدَاثُ) معناه فيما وصله ابن أبي حاتمٍ وغيره من طريق قتادة والسُّدِّيِّ: (القُبُورُ) في قوله (١) تعالى: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ﴾ (﴿بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار: ٤]) معناه: (أُثِيرَتْ) بالمثلَّثة بعد الهمزة المضمومة؛ من الإثارة، يقال: (بَعْثَرْتُ حَوْضِي، أي: جَعَلْتُ أَسْفَلَهُ أَعْلَاهُ) قاله أبو عبيدة في «المجاز»، وقال السُّدِّيُّ -ممَّا (٢) رواه ابن أبي حاتمٍ-: بعثرت: حرَّكت فخرج ما فيها، أي: من الأموات، وعن ابن عبَّاسٍ -فيما ذكره (٣) الطَّبريُّ (٤) -: بعثرت: بحثت، وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣] (الإِيفَاضُ) بهمزةٍ مكسورةٍ ومثنَّاة تحتيَّةٍ ساكنةٍ وفاءٍ ثمَّ ضادٍ معجمةٍ، مصدرٌ مِن: أوفض يوفض إيفاضًا، معناه: (الإِسْرَاعُ) قال أبو عُبيد: يوفضون، أي: يسرعون (وَقَرَأَ الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران موافقةً لباقي القُرَّاء إلَّا ابن عامرٍ وحفصًا (﴿إِلَى نُصُبٍ﴾) بفتح النُّون وسكون الصَّاد، وفي نسخةٍ زيادة: «﴿يُوفِضُونَ﴾» [المعارج: ٤٣] ولأبي ذَرٍّ: «إلى نُصْبٍ» بضمِّ النُّون وسكون الصَّاد بالجمع، والأوَّل أصحُّ عن الأعمش (إِلَى شَيْءٍ مَنْصُوبٍ) قال أبو عُبيدة:

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ من حَدِيث سعيد عَن أَبِيه الْمسيب: قَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَي عَم، إِنَّك أعظم النَّاس عَليّ حَقًا، وَأَحْسَنهمْ عِنْدِي يدا ولأنت أعظم عِنْدِي حَقًا من وَالِدي، فَقل كلمة تجب لَك بهَا شَفَاعَتِي يَوْم الْقِيَامَة. وَفِيه: نزلت: {مَا كَانَ للنَّبِي} (التَّوْبَة: ٣١١١) . الْآيَة، وروى الْحَاكِم من حَدِيث أبي الْجَلِيل عَن عَليّ، قَالَ: سَمِعت رجلا يسْتَغْفر لِأَبَوَيْهِ وهما مُشْرِكَانِ، فَقلت: تستغفر لِأَبَوَيْك وهما مُشْرِكَانِ؟ قَالَ: أَو لم يسْتَغْفر إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لِأَبِيهِ، فَذَكرته لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَنزلت {مَا كَانَ للنَّبِي} (التَّوْبَة: ٣١١) . الْآيَة، قَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ، وَلما ذكر السُّهيْلي قَوْله تَعَالَى: {مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين} (التَّوْبَة: ٣١١) . قَالَ قد اسْتغْفر سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم أحد، فقاال: أللهم إغفر لقومي فَإِنَّهُم لَا يعلمُونَ، وَلَا يَصح أَن تكون الْآيَة الَّتِي نزلت فِي عَمه ناسخة لاستغفاره يَوْم أحد، لِأَن عَمه توفّي قبل ذَلِك، وَلَا ينْسَخ الْمُتَقَدّم الْمُتَأَخر، وَيُجَاب بِأَن استغفاره لِقَوْمِهِ مَشْرُوط بتوبتهم من الشّرك، كَأَنَّهُ أَرَادَ الدُّعَاء لَهُم بِالتَّوْبَةِ، وَجَاء فِي بعض الرِّوَايَات: أللهم إهذ قومِي، وَقيل: أَرَادَ مغْفرَة تصرف عَنْهُم عُقُوبَة الدُّنْيَا من المسخ وَشبهه، وَقيل: تكون الْآيَة تَأَخّر نُزُولهَا مُتَقَدما ونزولها مُتَأَخّر، لَا سِيمَا وَبَرَاءَة من آخر مَا نزل، فَتكون على هَذَا ناسخة للاستغفار، وَقَالَ ابْن بطال مَا محصله: أَي مُحَاجَّة يحْتَاج إِلَيْهَا من وافى ربه بِمَا يدْخلهُ الْجنَّة، أُجِيب: بِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ظن أَن عَمه اعْتقد أَن من آمن فِي مثل حَاله لَا يَنْفَعهُ إيمَانه إِذا لم يقارنه عمل سواهُ من صَلَاة أَو صِيَام وَحج وشرائط الْإِسْلَام كلهَا، فَأعلمهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن من قَالَ: لَا إلاه إلَاّ الله، عِنْد مَوته أَنه يدْخل فِي جملَة الْمُؤمنِينَ، وَإِن تعرى من عمل سواهَا. قلت: فِي قَوْله: وَحج، نظر لِأَنَّهُ لم يكن مَفْرُوضًا بِالْإِجْمَاع يَوْمئِذٍ. وَقيل: أَن يكون أَبُو طَالب قد عاين أَمر الْآخِرَة وأيقن بِالْمَوْتِ وَصَارَ فِي حَالَة من لَا ينْتَفع بِالْإِيمَان لَو آمن، فَرحا لَهُ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَن قَالَ: لَا إلاه إلَاّ الله، وأيقن بنبوته أَن يشفع لَهُ بذلك، ويحاج لَهُ عِنْد الله تَعَالَى فِي أَن يتَجَاوَز عَنهُ وَيقبل مِنْهُ إيمَانه فِي تِلْكَ الْحَال، وَيكون ذَلِك خَاصّا بِأبي طَالب وَحده لمكانته من حمايته ومدافعته عَنهُ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَقيل: كَانَ أَبُو طَالب مِمَّن عاين براهين النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَصدق بمعجزاته وَلم يشك فِي صِحَة نبوته، فرجا لَهُ المحاجة بِكَلِمَة الْإِخْلَاص حَتَّى يسْقط عَنهُ إِثْم العناد والتكذيب، لما قد تبين حَقِيقَته لَكِن آنسه، بقوله: (أُحَاج لَك بهَا عِنْد الله) لِئَلَّا يتَرَدَّد فِي الْإِيمَان وَلَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ لتماديه على خلاف مَا تبين حَقِيقَته، وَقيل: (أُحَاج لَك بهَا) ، كَقَوْلِه (أشهد لَك بهَا عِنْد الله) لِأَن الشَّهَادَة للمرء حجَّة لَهُ فِي طلب حَقه، وَلذَلِك ذكر البُخَارِيّ هُنَا الشَّهَادَة لِأَنَّهُ أقرب التَّأْوِيل فِي قصَّة أبي طَالب فِي كتاب الْبَعْث، لاحتمالها التَّأْوِيل. وَوَقع عِنْد إِبْنِ إِسْحَاق: أَن الْعَبَّاس قَالَ للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: يَا ابْن أخي، إِن الْكَلِمَة الَّتِي عرضتها على عمك سمعته يَقُولهَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لم أسمع. قَالَ السُّهيْلي: لِأَن الْعَبَّاس قَالَ ذَلِك فِي حَال كَونه على غير الْإِسْلَام، وَلَو أَدَّاهَا بعد الْإِسْلَام لقبلت مِنْهُ، كَمَا قبل من جُبَير بن مطعم حَدِيثه الَّذِي سَمعه فِي حَال كفره وَأَدَّاهُ فِي الْإِسْلَام.

١٨ - (بابُ الجَرِيدِ عَلَى القَبْرِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وضع الجريد على قبر الْمَيِّت، والجريد الَّذِي يجرد عَنهُ الخوص.

وَأوْصَى بُرَيْدَةُ الأسْلَمِيُّ أنْ يُجْعَلَ فِي قَبْرِهِ جَرِيدَانِ

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَبُرَيْدَة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الدَّال الْمُهْملَة: ابْن الْحصيب، بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ: ابْن عبد الله الْأَسْلَمِيّ، مَاتَ بمرو سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ، وَقد تقدم فِي: بَاب من ترك الْعَصْر، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن سعد من طَرِيق مُورق الْعجلِيّ قَالَ: أوصى بُرَيْدَة أَن يوضع فِي قَبره جريدان. وَقَوله: (فِي قَبره) رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (على قَبره) ، وَالْحكمَة فِي ذَلِك، على رِوَايَة الْأَكْثَرين، التفاؤل ببركة النَّخْلَة. لقَوْله تَعَالَى: {كشجرة طيبَة} (إِبْرَاهِيم: ٤٢) . وعَلى رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي الِاقْتِدَاء بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي وَضعه الجريدتين على الْقَبْر، وَسَنذكر الْحِكْمَة فِيهِ عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

وَرَأى ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فُسْطَاطا عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمانِ فَقَالَ انْزَعْهُ يَا غُلَامُ فَإنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ

وَجه إِدْخَال أثر ابْن عمر فِي هَذِه التَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه كَانَ يرى أَن وضع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الجريدتين على القبرين خَاص بهما، وَأَن بُرَيْدَة حمله على الْعُمُوم، فَلذَلِك عقب أثر بُرَيْدَة بأثر عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَعبد الرَّحْمَن هُوَ ابْن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، بنيه ابْن سعد فِي رِوَايَته لَهُ مَوْصُولا من طَرِيق أَيُّوب بن عبد الله بن يسَار. قَالَ: مر عبد الله بن عمر على قبر عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر أخي عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَعَلِيهِ فسطاط مَضْرُوب، فَقَالَ: يَا غُلَام إنزعه فَإِنَّمَا يظله عَمه. قَالَ الْغُلَام: تضربني مولاتي. قَالَ: كلا فَنَزَعَهُ. قَوْله: (انزعه) أَي: إقلعه، وَكَانَ الْغُلَام الَّذِي خاطبه عبد الله غُلَام عَائِشَة أُخْت عبد الرَّحْمَن. قَوْله: (فَإِنَّمَا يظله) أَي: لَا يظله الْفسْطَاط، بل يظله الْعَمَل الصَّالح فَدلَّ هَذَا على أَن نصب الْخيام على الْقَبْر مَكْرُوه، وَلَا ينفع الْمَيِّت ذَلِك، وَلَا يَنْفَعهُ إلَاّ عمله الصَّالح الَّذِي قدمه، وَتَفْسِير الْفسْطَاط قد مر مُسْتَوفى فِي: بَاب مَا يكره من اتِّخَاذ الْمَسَاجِد على الْقُبُور.

وقالَ خارِجَةُ بنُ زَيْدٍ ورَأيْتُنِي وَنَحْنُ شُبَّانٌ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ وَإنْ أشَدَّنا وَثْبَةً الَّذِي يَثِبُ قَبْرَ عُثْمَانَ بنِ مَظْعُونٍ حَتَّى يُجَاوِزَهُ

قيل: لَا مُنَاسبَة فِي إِدْخَال قَول خَارِجَة فِي هَذَا الْبَاب، وَإِنَّمَا مَوْضِعه فِي: بَاب موعظة الْمُحدث عِنْد الْقَبْر وقعود أَصْحَابه حوله، وَكَانَ بعض الروَاة كتبه فِي غير مَوْضِعه، وَقد تكلّف طَرِيق إِلَى كَونه من هَذَا الْبَاب، وَهِي الْإِشَارَة إِلَى أَن ضرب الْفسْطَاط إِن كَانَ لغَرَض صَحِيح كالتستر من الشَّمْس مثلا للإحياء لَا لإظلال الْمَيِّت فَقَط، جَازَ، فَكَأَنَّهُ يَقُول: إِذا كَانَ على الْقَبْر لغَرَض صَحِيح لَا لقصد المباهاة جَازَ، كَمَا يجوز الْقعُود عَلَيْهِ لغَرَض صَحِيح لَا لمن أحدث عَلَيْهِ، وخارجة بن زيد بن ثَابت الْأنْصَارِيّ، أحد التَّابِعين الثِّقَات وَأحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة من أهل الْمَدِينَة، وصل هَذَا التَّعْلِيق البُخَارِيّ فِي (التَّارِيخ الصَّغِير) من طَرِيق ابْن إِسْحَاق: حَدثنِي يحيى بن عبد الرَّحْمَن بن أبي عمْرَة الْأنْصَارِيّ، سَمِعت خَارِجَة فَذكره. قَوْله: (رَأَيْتنِي) بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَكَون الْفَاعِل وَالْمَفْعُول ضميرين لشَيْء وَاحِد من خَصَائِص أَفعَال الْقُلُوب، وَالتَّقْدِير: رَأَيْت نَفسِي، وَالْوَاو فِي: (وَنحن شُبَّان) للْحَال، و: شُبَّان، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة جمع: شَاب. قَوْله: (وثبة) مصدر من: وثب يثب وثبا ووثبة، ومظعون، بِظَاء مُعْجمَة سَاكِنة وَعين مُهْملَة.

وَقَالَ عُثْمَانُ بنُ حَكِيمٍ أخَذَ بِيَدِي خارِجَةُ فأجْلَسَنِي عَلَى قَبْرٍ وَأخْبَرَني عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بنِ ثابِتٍ قَالَ إنَّمَا كُرِهَ ذالِكَ لِمَنْ أحْدَثَ عليهِ

الْكَلَام فِي ذكر مُنَاسبَة هَذَا كَالْكَلَامِ فِي الَّذِي قبله، وَعُثْمَان بن حَكِيم بن عباد بن حنيف الْأنْصَارِيّ الأوسي الأحملاني أَبُو سهل الْمدنِي، ثمَّ الْكُوفِي، أَخُو حَكِيم بن حَكِيم. وَعَن أَحْمد: ثِقَة ثَبت وَهُوَ من أَفْرَاد مُسلم، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مُسَدّد فِي (مُسْنده) الْكَبِير وبيَّن فِيهِ سَبَب إِخْبَار خَارِجَة لحكيم بذلك، وَلَفظه: حَدثنَا مُسَدّد حَدثنَا عِيسَى بن يُونُس حَدثنَا عُثْمَان بن حَكِيم حَدثنَا عبد الله بن سرجس وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن إنَّهُمَا (سمعا أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: لِأَن أَجْلِس على جَمْرَة فتحرق مَا دون لحمي حَتَّى تُفْضِي إِلَى، أحب من أَن أَجْلِس على قَبره. قَالَ عُثْمَان: فَرَأَيْت خَارِجَة بن زيد فِي الْمَقَابِر، فَذكرت لَهُ ذَلِك فَأخذ بيَدي) الحَدِيث، وَقد أخرج مُسلم حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا، فَقَالَ: حَدثنِي زُهَيْر بن حَرْب، قَالَ: حَدثنَا جرير عَن سُهَيْل عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول لله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لِأَن يجلس أحدكُم على جَمْرَة فتحرق ثِيَابه فتخلص إِلَى جلده خير لَهُ من أَن يجلس على قبر) . وَقَالَ بَعضهم: وروى الطَّحَاوِيّ من طَرِيق مُحَمَّد بن كَعْب، قَالَ: إِنَّمَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: من جلس على قبر ليبول عَلَيْهِ، أَو يتغوط، فَكَأَنَّمَا جلس على جَمْرَة، لَكِن إِسْنَاده ضَعِيف. قلت: سبخان الله مَا لهَذَا الْقَائِل من التعصبات الْبَارِدَة، فالطحاوي أخرج هَذَا عَن أبي هُرَيْرَة من طَرِيقين، أَحدهمَا هَذَا الَّذِي ذكره هَذَا الْقَائِل أخرجه عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى شيخ مُسلم عَن عبد الله بن وهب

عَن مُحَمَّد بن أبي حميد عَن مُحَمَّد بن كَعْب عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَالْآخر أخرجه عَن ابْن أبي دَاوُد عَن مُحَمَّد بن أبي بكر الْمقدمِي عَن سُلَيْمَان بن دَاوُد عَن مُحَمَّد بن أبي حميد ... إِلَى آخِره نَحوه، وَأخرجه عبد الله بن وهب وَالطَّيَالِسِي فِي مسنديهما، وَلم يذكر الطَّحَاوِيّ هَذَا الحَدِيث إِلَّا تَقْوِيَة لحَدِيث زيد بن ثَابت أخرجه عَن سُلَيْمَان بن شُعَيْب عَن الْحصيب عَن عَمْرو بن عَليّ عَن عُثْمَان بن حَكِيم عَن أبي أُمَامَة أَن زيد بن ثَابت، قَالَ: هَلُمَّ يَا ابْن أخي أخْبرك إِنَّمَا نهى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْجُلُوس على الْقُبُور لحَدث غَائِط أَو بَوْل، وَرِجَاله ثِقَات، وَعَمْرو بن عَليّ هُوَ الفلاس شيخ الْجَمَاعَة، فَهَذَا الْقَائِل: هلا مَا أورد هَذَا الحَدِيث الصَّحِيح، وَأورد الحَدِيث الَّذِي هُوَ مُحَمَّد بن أبي حميد الْمُتَكَلّم فِيهِ، مَعَ أَنه ذكر الطَّحَاوِيّ هَذَا اسْتِشْهَادًا وتقوية، وَلَكِن إِنَّمَا ذكره هَذَا الْقَائِل حَتَّى يفهم أَن الطَّحَاوِيّ الَّذِي ينصر مَذْهَب الْحَنَفِيَّة إِنَّمَا يروي فِي هَذَا الْبَاب الْأَحَادِيث الضعيفة، وَمن شدَّة تعصبه ذكر الحَدِيث فنسبه إِلَى أبي هُرَيْرَة، ولِمَ لَم يذكر فِيهِ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فأبرزه فِي صُورَة الْمَوْقُوف، والْحَدِيث مَرْفُوع، وَتَحْقِيق الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب مَا قَالَه الطَّحَاوِيّ: بَاب الْجُلُوس على الْقُبُور: حَدثنَا يُونُس، قَالَ: حَدثنَا يحيى بن حسان، قَالَ: حَدثنَا صَدَقَة بن خَالِد عَن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن جَابر عَن بسر بن عبيد الله عَن أبي إِدْرِيس الْخَولَانِيّ عَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع عَن أبي مرْثَد الغنوي، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (لَا تصلوا إِلَى الْقُبُور وَلَا تجلسوا إِلَيْهَا) . وَأخرج هَذَا الحَدِيث من أَربع طرق، وَأخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ، وَاسم أبي مرْثَد: كناز بن الْحصين، وَأخرج أَيْضا من حَدِيث عَمْرو بن جزم قَالَ: (رأني رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على قبر فَقَالَ: إنزل عَن الْقَبْر فَلَا تؤذ صَاحب الْقَبْر وَلَا يُؤْذِيك) . وَأخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده) وَأخرجه أَيْضا من حَدِيث جَابر قَالَ: (نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن تجصيص الْقُبُور وَالْكِتَابَة عَلَيْهَا وَالْجُلُوس عَلَيْهَا وَالْبناء عَلَيْهَا) . وَأخرجه الْجَمَاعَة غير البُخَارِيّ. وَأخرج أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة نَحْو رِوَايَة مُسلم عَنهُ، وَقد ذَكرْنَاهُ الْآن، ثمَّ قَالَ: فَذهب قوم إِلَى هَذِه الْآثَار وقلدوها وكرهوا من أجلهَا الْجُلُوس على الْقُبُور، وَأَرَادَ بالقوم: الْحسن الْبَصْرِيّ وَمُحَمّد بن سِيرِين وَسَعِيد بن جُبَير ومكحولاً وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبا سُلَيْمَان، ويروى ذَلِك أَيْضا عَن عبد الله وَأبي بكرَة وَعقبَة بن عَامر وَأبي هُرَيْرَة وَجَابِر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَإِلَيْهِ ذهب الظَّاهِرِيَّة وَقَالَ ابْن حزم فِي (الْمحلى) : وَلَا يحل لأحد أَن يجلس على قبر، وَهُوَ قَول أبي هُرَيْرَة وَجَمَاعَة من السّلف، ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ فَقَالُوا: لم ينْه عَن ذَلِك لكَرَاهَة الْجُلُوس على الْقَبْر، وَلكنه أُرِيد بِهِ الْجُلُوس للغائط أَو الْبَوْل، وَذَلِكَ جَائِز فِي اللُّغَة، يُقَال: جلس فلَان للغائط وَجلسَ فلَان للبول، وَأَرَادَ بالآخرين: أَبَا حنيفَة ومالكا وَعبد الله بن وهب وَأَبا يُوسُف ومحمدا، وَقَالُوا: مَا رُوِيَ عَن النَّهْي مَحْمُول على مَا ذكرنَا، ويحكى ذَلِك عَن عَليّ بن أبي طَالب وَعبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، ثمَّ قَالَ: وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا حَدثنَا سُلَيْمَان بن شُعَيْب، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَهُوَ حَدِيث زيد بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثمَّ قَالَ: فَبين زيد فِي هَذَا الْجُلُوس الْمنْهِي عَنهُ فِي الأثار الأول مَا هُوَ ثمَّ رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَيْضا من طَرِيق ابْن يُونُس، وَطَرِيق ابْن أبي دَاوُد، وَقد ذكرناهما الْآن، ثمَّ قَالَ: فَثَبت بذلك أَن الْجُلُوس الْمنْهِي عَنهُ فِي الْآثَار الأول هُوَ هَذَا الْجُلُوس، يَعْنِي: للغائط وَالْبَوْل، فَأَما الْجُلُوس بِغَيْر ذَلِك فَلم يدْخل فِي ذَلِك النَّهْي، وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد، رَحِمهم الله تَعَالَى. قلت: فعلى هَذَا مَا ذكره أَصْحَابنَا فِي كتبهمْ من أَن وطأ الْقُبُور حرَام، وَكَذَا النّوم عَلَيْهَا، لَيْسَ كَمَا يَنْبَغِي. فَإِن الطَّحَاوِيّ هُوَ أعلم النَّاس بمذاهب الْعلمَاء، وَلَا سِيمَا بِمذهب أبي حنيفَة.

وَقَالَ نافعٌ كانَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَجْلِسُ عَلَى القُبُورِ

هَذَا التَّعْلِيق وَصله الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا عَليّ، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن صَالح، قَالَ: حَدثنِي بكير عَن عَمْرو عَن بكير، أَن نَافِعًا حَدثهُ: أَن عبد الله بن عمر كَانَ يجلس على الْقُبُور. فَإِن قلت: روى ابْن أبي شيبَة بِإِسْنَاد صَحِيح عَنهُ قَالَ: لِأَن أَطَأ على رضف أحب إليَّ من أَن أَطَأ على قبر؟ قلت: ثَبت من فعله أَنه كَانَ يجلس على الْقُبُور، وَيحمل قَوْله: (لِأَن أَطَأ، على معنى: لِأَن أَطَأ لأجل الحَدِيث، وَقَالَ بَعضهم، بعد أَن أورد مَا أخرجه الطَّحَاوِيّ من أثر ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: وَلَا يُعَارض هَذَا مَا أخرجه

ابْن أبي شيبَة، وَهُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ الْآن، وَهُوَ من الْمسَائِل الْمُخْتَلف فِيهَا، وَورد فِيهَا من صَحِيح الحَدِيث مَا أخرجه مُسلم عَن أبي مرْثَد الغنوي مَرْفُوعا: (لَا تجلسوا على الْقُبُور وَلَا تصلوا إِلَيْهَا) قلت: لَيْت شعري كَيفَ يكون مَا ذكره من هَذَا جَوَابا لدفع الْمُعَارضَة وَالْجَوَاب مَا ذَكرْنَاهُ، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَقَالَ النَّوَوِيّ: المُرَاد بِالْجُلُوسِ الْقعُود عِنْد الْجُمْهُور، وَقَالَ مَالك: المُرَاد بالقعود الْحَدث وَهُوَ تَأْوِيل ضَعِيف أَو بَاطِل قلت: شدَّة التعصب يحمل صَاحبه على أَكثر من هَذَا، وَكَيف يَقُول النَّوَوِيّ: إِن تَأْوِيل مَالك بَاطِل وَهُوَ أعلم من النَّوَوِيّ؟ وَمثله بموارد الْأَحَادِيث والْآثَار؟ وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا، بعد نَقله عَن النَّوَوِيّ: وَهُوَ يُوهم بانفراد مَالك بذلك، وَكَذَا أَوْهَمهُ كَلَام ابْن الْجَوْزِيّ، حَيْثُ قَالَ جُمْهُور الْفُقَهَاء على الْكَرَاهَة خلافًا لمَالِك، وَصرح النَّوَوِيّ فِي (شرح الْمُهَذّب) : أَن مَذْهَب أبي حنيفَة كالجمهور، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل مَذْهَب أبي حنيفَة وَأَصْحَابه كَقَوْل مَالك لما نَقله عَنْهُم الطَّحَاوِيّ وَاحْتج لَهُ بأثر ابْن عمر الْمَذْكُور. وَأخرج عَن عَليّ نَحوه. قلت: الدَّعْوَى بِأَن الْجُمْهُور على الْكَرَاهَة غير مسلمة، لِأَن الْمُخَالف لَهُم: مَالك وَعبد الله بن وهب وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد والطَّحَاوِي، وَمن الصَّحَابَة: عبد الله بن عمر وَعلي بن أبي طَالب، فَكيف يُقَال بِأَن الْجُمْهُور على الْكَرَاهَة وَنحن أَيْضا نقُول الْجُمْهُور على عدم الْكَرَاهَة، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَيُؤَيّد قَول الْجُمْهُور مَا أخرجه أَحْمد من حَدِيث عمر بن حزم الْأنْصَارِيّ مَرْفُوعا: (لَا تقعدوا على الْقُبُور) ، وَفِي رِوَايَة عَنهُ: (رَآنِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنا متكىء على قبر، فَقَالَ: لَا تؤذ صَاحب الْقَبْر) ، إِسْنَاده صَحِيح، وَهُوَ دَال على أَن المُرَاد بِالْجُلُوسِ الْقعُود على حَقِيقَته. قلت: المُرَاد من النَّهْي عَن الْقعُود على الْقُبُور، هُوَ النَّهْي عَن الْقعُود لأجل الْحَدث، حَتَّى ينْدَفع التَّعَارُض بَينه وَبَين مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة، وَلَا يلْزم من النَّهْي عَن الْقعُود على الْقَبْر لأجل الْحَدث نفي حَقِيقَة الْقعُود.

١٦٣١ - حدَّثنا يَحْيَى قَالَ حدَّثنا أبُو مُعَاوِيةَ عنِ الأعْمَشِ عنْ مُجَاهِدٍ عنْ طاوُسٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنَّهُ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ فَقَالَ إنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أمَّا أحدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ وَأمَّا الآخَرُ فكانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ثُمَّ أخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ ثُمَّ غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرِ وَاحِدَةً فقالُوا يَا رسولَ الله لِمَ صَنَعتَ هاذَا فَقَالَ لَعَلَّهُ أنْ يخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ أَخذ جَرِيدَة. .) إِلَى آخِره، وَهَذَا الحَدِيث وَهَذَا الحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْوضُوء فِي: بَاب من الْكَبَائِر أَن لَا يسْتَتر من بَوْله، أخرجه هُنَاكَ: عَن عُثْمَان عَن جرير عَن مَنْصُور عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: (مر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بحائط من حيطان الْمَدِينَة أَو مَكَّة فَسمع صَوت إنسانين يعذبان فِي قبورهما) الحَدِيث، غير أَن هُنَاكَ: عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، وَهَهُنَا: عَن مُجَاهِد عَن طَاوُوس عَن ابْن عَبَّاس، وَكِلَاهُمَا صَحِيح، لِأَن مُجَاهدًا يروي عَن ابْن عَبَّاس وَعَن طَاوُوس أَيْضا، وَعكس الْكرْمَانِي فَقَالَ هَهُنَا: عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، وَهُنَاكَ: عَن مُجَاهِد عَن طَاوُوس، وَهَذَا سَهْو مِنْهُ، وَشَيْخه هُنَاكَ يحيى، ذكره غير مَنْسُوب، فَقَالَ الغساني: قَالَ ابْن السكن: هُوَ يحيى بن مُوسَى، وَقَالَ الكلاباذي: سمع يحيى بن جَعْفَر أَبَا مُعَاوِيَة وَهُوَ مُحَمَّد بن خازم، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالزَّاي: الضَّرِير، وَبِه جزم أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) أَنه يحيى بن جَعْفَر، وَجزم أَبُو مَسْعُود فِي (الْأَطْرَاف) : والحافظ الْمزي أَيْضا بِأَنَّهُ يحيى بن يحيى، وَمضى الْكَلَام فِي الحَدِيث هُنَاكَ مَبْسُوطا مُسْتَوفى.

٢٨ - (بابُ مَوْعِظَةِ المُحَدِّثِ عِنْدَ القَبْرِ وَقُعُودِ أصْحَابِهِ حَوْلَهُ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وعظ الْمُحدث عِنْد الْقَبْر، وَالْمَوْعِظَة مصدر ميمي يُقَال: وعظ يُعْط وعظا وموعظة، والوعظ: النصح والتذكير بالعواقب، تَقول: وعظته وعظا وعظة فاتعظ أَي: قبل الموعظة. قَوْله: (وقعود أَصْحَابه) ، بِالْجَرِّ عطف على قَوْله:

(موعظة الْمُحدث) ، أَي: وَفِي بَيَان قعُود أَصْحَاب الْمُحدث حول الْمُحدث، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى أَن الْجُلُوس مَعَ الْجَمَاعَة عِنْد الْقَبْر، إِن كَانَ لمصْلحَة تتَعَلَّق بالحي أَو الْمَيِّت لَا يكره ذَلِك، فَأَما مصلحَة الْحَيّ فَمثل أَن يجْتَمع قوم عِنْد قبر وَفِيهِمْ من يَعِظهُمْ وَيذكرهُمْ الْمَوْت وأحوال الْآخِرَة، وَأما مصلحَة الْمَيِّت فَمثل مَا إِذا اجْتَمعُوا عِنْده لقِرَاءَة الْقُرْآن وَالذكر، فَإِن الْمَيِّت ينْتَفع بِهِ وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث معقل بن يسَار قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (اقرأوا ي س على مَوْتَاكُم) . وَأخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه أَيْضا، فَالْحَدِيث يدل على أَن الْمَيِّت ينْتَفع بِقِرَاءَة الْقُرْآن عِنْده، وَهُوَ حجَّة على من قَالَ: إِن الْمَيِّت لَا ينْتَفع بِقِرَاءَة الْقُرْآن.

يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجدَاثِ الأجْدَاثُ القُبُورُ

مُطَابقَة هَذَا وَمَا بعده للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن ذكر خُرُوج بني آدم من الْقُبُور وبعثرة مَا فِي الْقُبُور وإيفاضهم أَي: إسراعهم إِلَى الْمَحْشَر وهم يَنْسلونَ أَي: يخرجُون، كل ذَلِك من الموعظة. والأجداث جمع: جدث، وَهُوَ الْقَبْر. وَقد قَالُوا: جدف، بِالْفَاءِ مَوضِع الثَّاء الْمُثَلَّثَة إلَاّ إِنَّهُم لم يَقُولُوا فِي الْجمع: أجداف، بِالْفَاءِ وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن المُرَاد من الأجداث فِي الْآيَة: الْقُبُور، وَقد وَصله ابْن أبي حَاتِم وَغَيره من طَرِيق قَتَادَة وَالسُّديّ وَغَيرهمَا وَفِي (الْمُخَصّص) قَالَ الْفَارِسِي: اشتقاق الجدف بِالْفَاءِ من التجديف، وَهُوَ كفر النعم، وَفِي (الصِّحَاح) : الجدث الْقَبْر وَالْجمع أجدث وأجداث. وَقَالَ ابْن جني: وأجدث، مَوضِع، وَقد نفى سِيبَوَيْهٍ أَن يكون أفعل من أبنيه الْوَاحِد، فَيجب أَن يعد هَذَا مِمَّا فَاتَهُ، إلَاّ أَن يكون جمع الجدث الَّذِي هُوَ الْقَبْر على أجدث، ثمَّ سمى بِهِ الْموضع، وَفِي (الْمجَاز) لأبي عُبَيْدَة: بالثاء لُغَة أهل الْعَالِيَة، وَأهل نجد يَقُولُونَ: جدف، بِالْفَاءِ.

بُعْثِرَتْ: أُثِيرَتْ، بَعْثَرْتُ حَوْضِي أيْ جَعَلْتُ أسْفَلَهُ أعْلاهُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَإِذا الْقُبُور بعثرت} (الانفطار: ٤) . وَأَن مَعْنَاهُ: أثيرت من الإثارة، وَفِي (الصِّحَاح) : قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: بعثر مَا فِي الْقُبُور أثير وَأخرج. وَقَالَ فِي (الْمجَاز) : بعثرت حَوْضِي أَي: هدمته. وَفِي (الْمعَانِي) للفراء: بعثرت وبحثرت: لُغَتَانِ وَفِي (تَفْسِير الطَّبَرِيّ) عَن ابْن عَبَّاس: بعثرت بحثت. وَفِي (الْمُحكم) : بعثر الْمَتَاع وَالتُّرَاب قلبه، وبعثر الشَّيْء فرقه، وَزعم يَعْقُوب أَن عينهَا بدل من عين بعثر أَو غين بدل مِنْهَا، وبعثر الْخَبَر بَحثه. وَفِي (الواعي فِي اللُّغَة) : بعثرته إِذا قلبت ترابه وبددته.

الإيفَاضُ الإسْرَاعُ

الإيفاض، بِكَسْر الْهمزَة، مصدر من أوفض يوفض إيفاضا، وأصل إيفاض أوفاض، قلبت الْوَاو يَاء لسكونها وانكسار مَا قبلهَا، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {كَأَنَّهُمْ إِلَى نضب يوفضون} (المعارج: ٣٤) . وثلاثيه: وفض من الوفض، وَهُوَ: العجلة.

وَقَرَأ الأعْمَشُ إلَى نَصْبٍ إلَى شَيْءٍ مَنْصُوبٍ يَسْتَبِقُونَ إلَيْهِ وَالنُّصْبُ وَاحِدٌ وَالنَّصْبُ مَصْدَرٌ

الْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان. قَوْله: (إِلَى نصب) ، بِفَتْح النُّون كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: بِالضَّمِّ، وَالْأول أصح، وَهُوَ قِرَاءَة الْجُمْهُور، وَحكى الطَّبَرِيّ أَنه لم يقرأه بِالضَّمِّ إِلَّا الْحسن الْبَصْرِيّ وَفِي (الْمعَانِي) للزجاج: قُرِئت (نصب) ، نصب، بِضَم النُّون وَسُكُون الصَّاد، و: نصب، بِضَم النُّون وَالصَّاد، وَمن قَرَأَ: نصب وَنصب، فَمَعْنَاه كَأَنَّهُمْ يوفضون إِلَى علم مَنْصُوب لَهُم، وَمن قَرَأَ: نصب، فَمَعْنَاه إِلَى أصنام لَهُم، وَكَانَت النصب الْآلهَة الَّتِي كَانَت تعبد من أَحْجَار. وَفِي (الْمُنْتَهى) : النصب وَالنّصب وَالنّصب، بِمَعْنى مثل: الْعُمر والعمر والعمر، وَقيل: النصب حجر ينصب فيعبد وَيصب عَلَيْهِ دِمَاء الذَّبَائِح، وَقيل: هُوَ الْعلم ينصب للْقَوْم، أَي: علم كَانَ. وَفِي (الْمُحكم) : النصب جمع نصيبة، كسفينة وسفن، وَقيل: النصب الْغَايَة، ذكره عبد فِي تَفْسِيره عَن مُجَاهِد وَأبي الْعَالِيَة، وَضَعفه ابْن سَيّده، وَقَالَ ابْن التِّين: قَرَأَ أَبُو الْعَالِيَة وَالْحسن بِضَم النُّون وَالصَّاد، وَقَالَ الْحسن فِيمَا حَكَاهُ عبد فِي تَفْسِيره: كَانُوا يبتدرون إِذا طلعت الشَّمْس إِلَى نصبهم سرَاعًا أَيهمْ يستلمها أَولا لَا يلوي أَوَّلهمْ على آخِرهم. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: النصب بِالْفَتْح الْعلم الَّذِي ينصب، وَنصب بِالضَّمِّ جمَاعَة مثل: رهن وَرهن. قَوْله: (يوفضون) أَي: يسرعون، وَهُوَ من الإيفاض كَمَا مر، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أبي حَدثنَا مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن قُرَّة عَن الْحسن فِي قَوْله: {إِلَى نصب يوفضون} (المعارج: ٣٤) . أَي: يبتدرون أَيهمْ يستلمه أول. قَوْله: (والنضب وَاحِد وَالنّصب مصدر) أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن لفظ النصب يسْتَعْمل إسما

وَيسْتَعْمل مصدرا وَيجمع على أنصاب. وَقَالَ بَعضهم: النصب وَاحِد وَالنّصب مصدر، كَذَا وَقع فِيهِ، وَالَّذِي فِي (الْمعَانِي) للفراء: النصب وَالنّصب وَاحِد، وَهُوَ مصدر، وَالْجمع أنصاب، فَكَانَ التَّغْيِير من بعض النقلَة. قلت: لَا تَغْيِير فِيهِ لِأَن البُخَارِيّ فرق بِكَلَامِهِ هَذَا بَين الِاسْم والمصدر، وَلَكِن من قصرت يَده عَن علم الصّرْف لَا يفرق بَين الإسم والمصدر فِي مجيئها على لفظ وَاحِد.

يَوْمَ الخُرُوجِ مِنَ القُبُورِ يَنْسِلُونَ يَخْرُجُونَ

أَشَارَ بِهَذَا إِلَى قَوْله تَعَالَى: {ذَلِك يَوْم الْخُرُوج} (ق: ٢٤) . أَي من الْقُبُور وَفسّر قَوْله: {يَنْسلونَ} (الْأَنْبِيَاء: ٦٩، ي س: ١٥) . بقوله: {يخرجُون} (ق: ٢٤) . كَذَا ذكره عبد عَن قَتَادَة، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: يَنْسلونَ يسرعون، وَالذِّئْب ينسل ويعسل. وَفِي (الْكَامِل) : العسلان غير النسلان، وَفِي كتاب الزّجاج وَابْن جرير الطَّبَرِيّ و (تَفْسِير ابْن عَبَّاس) {يَنْسلونَ} (الْأَنْبِيَاء: ٦٩، ي س: ١٥) . يخرجُون بِسُرْعَة. وَفِي (الْمُجْمل) : النسلان مشْيَة الذِّئْب إِذا أعنق وأسرع فِي الْمَشْي، وَفِي (الْمُحكم) : نسل ينسل نَسْلًا ونسلانا. وَأَصله للذئب، ثمَّ اسْتعْمل فِي غير ذَلِك. وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: نسولاً، وَأَصله عَدو مَعَ مقاربة خطو.

٢٦٣١ - حدَّثنا عُثْمَانُ قَالَ حدَّثني جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ عَن أبي عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ عَلِيٍّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعَ الغَرْقَدِ فَأَتَانَا النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ ثُمَّ قالَ مَا مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ مَا منِ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إلَاّ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ وَإلَاّ قَدْ كُتِبَ شَقِيَّةً أوْ سَعِيدَةً فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُول الله أفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا ونَدَعُ العَمَلَ فَمَنْ كانَ مِنَّا مِنْ أهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إلَى عَمَلِ أهْلِ السَّعَادَةِ وَأمَّا منْ كانَ مِنَّا مِنْ أهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إلَى عَمَلِ الشَّقَاوَةِ قَالَ أمَّا أهلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ وَأمَّا أهحلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ ثُمَّ قَرَأَ فأمَّا مَنْ أعْطَى واتَّقَى الآيَةَ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَقعدَ وقعدنا حوله) ، وَكَانَ فِي قعوده، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَلَامه بِمَا قَالَه فِيهِ وعظ لَهُم.

ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: عُثْمَان بن مُحَمَّد بن أبي شيبَة، واسْمه إِبْرَاهِيم أَبُو الْحسن الْعَبْسِي. الثَّانِي: جرير بن عبد الحميد الضَّبِّيّ. الثَّالِث: مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر. الرَّابِع: سعد بن عُبَيْدَة، بِضَم الْعين وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَقد مر فِي آخر كتاب الْوضُوء. الْخَامِس: أَبُو عبد الرَّحْمَن، هُوَ عبد الله بن حبيب، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة، مر فِي: بَاب غسل الْمَذْي فِي كتاب الْغسْل. السَّادِس: عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور غير مَنْسُوب، وَكَذَلِكَ اثْنَان فِيمَا بعده. وَفِيه: أحدهم مَذْكُور بكنيته. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم كوفيون إلَاّ جَرِيرًا رازي وَأَصله من الْكُوفَة. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن آدم بن أبي إِيَاس، وَعَن بشر بن خَالِد عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر وَعَن يحيى عَن وَكِيع، ثَلَاثَتهمْ عَن شُعْبَة وَعَن أبي نعيم عَن سُفْيَان وَعَن مُسَدّد عَن عبد الْوَاحِد بن زِيَاد ثَلَاثَتهمْ عَن الْأَعْمَش عَنهُ بِهِ وَفِي الْقدر عَن عَبْدَانِ وَفِي الْأَدَب عَن بنْدَار عَن غنْدر. وَأخرجه مُسلم فِي الْقدر عَن عُثْمَان ابْن أبي شيبَة وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَزُهَيْر بن حَرْب، ثَلَاثَتهمْ عَن جرير بِهِ وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب، وَأبي سعيد الْأَشَج، ثَلَاثَتهمْ عَن وَكِيع بِهِ وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وهناد بن السّري وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير وَعَن أبي كريب وَعَن أبي مُوسَى وَابْن بشار. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي السّنة عَن مُسَدّد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْقدر عَن الْحسن بن عَليّ الْخلال وَفِي التَّفْسِير عَن بنْدَار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى وَعَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي السّنة عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَعَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن أبي مُعَاوِيَة ووكيع بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي بَقِيع) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الْقَاف وَهُوَ من الأَرْض مَوضِع فِيهِ أروم شجر من ضروب شَتَّى، وَبِه سمى: بَقِيع الْغَرْقَد، بِالْمَدِينَةِ وَهِي مَقْبرَة أَهلهَا، و: الْغَرْقَد، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْقَاف وَفِي آخِره دَال مُهْملَة: وَهُوَ شجر لَهُ شوك كَانَ ينْبت هُنَاكَ فَذهب الشّجر وَبَقِي الإسم لَازِما للموضع. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: قطعت غرقدات فِي هَذَا الْموضع حِين دفن فِيهِ عُثْمَان بن مَظْعُون، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَقَالَ ياقوت: وبالمدينة أَيْضا بَقِيع الزبير وبقيع الْخَيل عِنْد دَار زيد بن ثَابت وبقيع الخبجبة، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة الساكنة وَالْجِيم المفوحة وَالْبَاء الْمُوَحدَة الْأُخْرَى، كَذَا ذكره السُّهيْلي، وَغَيره يَقُول: الجبجبة، بجيمين، وبقيع الْخضمات، قَالَ الْخطابِيّ: وَمن النَّاس من يَقُوله بِالْبَاء، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: الْغَرْقَد وأحدها غرقدة وَإِذا عظمت العوسجة فَهِيَ غرقدة، والعوسج من شجر الشوك لَهُ ثَمَر أَحْمَر مدور كَأَنَّهُ خرز العقيق. وَقَالَ أَبُو الْعَلَاء المعري: هُوَ نبت من نَبَات السهل، وَقَالَ أَبُو زيد الْأنْصَارِيّ: الْغَرْقَد ينْبت بِكُل مَكَان مَا خلا حر الرمل، وَذكر ابْن البيطار فِي (جَامعه) أَن الْغَرْقَد اسْم عَرَبِيّ يُسَمِّي بِهِ بعض الْعَرَب النَّوْع الْأَبْيَض الْكَبِير من العوسج. قَالَ أَبُو عمر: إِن مضغه مر. وَفِي الحَدِيث فِي ذكر الدَّجَّال كل شَيْء يواري يَهُودِيّا ينْطق إلَاّ الْغَرْقَد فَإِنَّهُ من شجرهم فَلَا ينْطق، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْغَرْقَد من شجر الْحجاز. وَفِي (الْمُحكم) : بَقِيع الْغَرْقَد يُسمى كفنة لِأَنَّهُ يدْفن فِيهِ. قَوْله: (وَمَعَهُ مخصرة) ، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة وَالرَّاء: وَهُوَ شَيْء يَأْخُذهُ الرجل بِيَدِهِ ليتوكأ عَلَيْهِ مثل الْعَصَا وَنَحْوه، وَهُوَ أَيْضا مَا يَأْخُذهُ الْملك يُشِير بِهِ إِذا خطب، وَاخْتصرَ الرجل أمسك المخصرة. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: التخصير إمْسَاك الْقَضِيب بِالْيَدِ، وَجزم ابْن بطال أَنه الْعَصَا. وَقَالَ ابْن التِّين: عَصا أَو قضيب. قَوْله: (فَنَكس) ، بتَخْفِيف الْكَاف وتشديدها، لُغَتَانِ، أَي: خفض رَأسه وطأطأ بِهِ إِلَى الأَرْض على هَيْئَة المهموم المفكر، وَيحْتَمل أَيْضا أَن يُرَاد بنكس: نكس المخصرة. قَوْله: (ينكت) من النكت، وَهُوَ أَن يضْرب فِي الأَرْض بقضيب يُؤثر فِيهَا، وَيُقَال: النكت قرعك الأَرْض بِعُود أَو بأصبع يُؤثر فِيهَا. قَوْله: (منفوسة) أَي: مصنوعة مخلوقة. قَوْله: (إِلَّا كتب) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (مَكَانهَا) ، بِالرَّفْع مفعول نَاب عَن الْفَاعِل، وَأَصله: كتب الله مَكَان تِلْكَ النَّفس المخلوقة، وَكلمَة: من، للْبَيَان. قَوْله: (وَالنَّار) ، قَالَ الْكرْمَانِي: الْوَاو فِي: النَّار، بِمَعْنى: أَو. قلت: لم أدر مَا حمله على هَذَا. قَوْله: (وَإِلَّا) كلمة: إِلَّا، الثَّانِيَة تروى بِالْوَاو وتروى بِدُونِهَا، وَفِيه غرابة من الْكَلَام، وَهِي أَن قَوْله: (مَا من نفس) يحْتَمل أَن يكون بَدَلا من قَوْله: (مَا مِنْكُم) وَأَن يكون إلَاّ ثَانِيًا بَدَلا من إلَاّ أَولا. وَيحْتَمل أَن يكون من بَاب اللف والنشر، وَأَن يكون تعميما بعد تَخْصِيص، إِذْ الثَّانِي فِي كل مِنْهَا أَعم من الأول. قَوْله: (شقية) قَالَ الْكرْمَانِي: بِالرَّفْع أَي: هِيَ شقية. قلت: وَجه ذَلِك هُوَ أَن الضَّمِير فِي قَوْله: (إلَاّ قد كتب) ، يرجع إِلَى قَوْله: (مَكَانهَا) ، لِأَنَّهُ بدل مِنْهُ فَلَا يَصح أَن يكون ارْتِفَاع: شقية، إلَاّ بِتَقْدِير شَيْء مَحْذُوف حِينَئِذٍ وَهُوَ لفظ: هِيَ، على أَنه مُبْتَدأ وشقية خَبره. قَوْله: (فَقَالَ رجل) قيل: إِنَّه عمر، وَقيل: إِنَّه غَيره. قَوْله: (أَفلا نَتَّكِل على كتَابنَا؟) أَي: الَّذِي قدر الله علينا ونتكل؟ أَي: نعتمد؟ وَأَصله: نوتكل، فأبدلت التَّاء من الْوَاو وأدغمت فِي الْأُخْرَى لِأَن أَصله من وكل يكل. قَوْله: (وَنَدع الْعَمَل) أَي: نتركه. قَوْله: (فسيصير) أَي: فسيجريه الْقَضَاء إِلَيْهِ قهرا، وَيكون مآل حَاله ذَلِك بِدُونِ اخْتِيَاره. قَوْله: (فييسرون) ، ذكره بِلَفْظ الْجمع بِاعْتِبَار معنى الْأَهْل، وَوجه مُطَابقَة جَوَابه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لسؤالهم هُوَ أَنهم لما قَالُوا: إِنَّا نَتْرُك الْمَشَقَّة الَّتِي فِي الْعَمَل الَّذِي لأَجلهَا سمي بالتكليف، فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا مشقة ثمَّة إِذْ كل ميسر لما خلق لَهُ) ، (وَهُوَ يسيرٌ على من يسره الله عَلَيْهِ) . فَإِن قيل: إِذا كَانَ الْقَضَاء الأزلي يَقْتَضِي ذَلِك، فَلم الْمَدْح والذم وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب؟ أُجِيب: بِأَن الْمَدْح والذم بِاعْتِبَار الْمَحَلِّيَّة لَا بِاعْتِبَار الفاعلية، وَهَذَا هُوَ المُرَاد باكسب الْمَشْهُور عَن الأشاعرة، وَذَلِكَ كَمَا يمدح الشَّيْء ويذم بحسنه وقبحه وسلامته وعاهته. وَأما الثَّوَاب وَالْعِقَاب فكسائر العاديات، فَكَمَا لَا يَصح عندنَا أَن يُقَال: لم خلق الله تَعَالَى الإحتراق عقيب مماسة النَّار وَلم يحصل ابْتِدَاء؟ فَكَذَا هَهُنَا، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: الْجَواب من الإسلوب الْحَكِيم مَنعهم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الاتكال وَترك الْعَمَل، وَأمرهمْ بِالْتِزَام مَا يجب على العَبْد من الْعُبُودِيَّة، وَإِيَّاكُم وَالتَّصَرُّف فِي الْأُمُور الإلهية فَلَا تجْعَلُوا الْعِبَادَة وَتركهَا سَببا مُسْتقِلّا لدُخُول الْجنَّة وَالنَّار، بل إِنَّهَا عَلَامَات فَقَط، وَقَالَ الْخطابِيّ: لما أخبر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن سبق الْكتاب بالسعادة رام الْقَوْم أَن يتخذوه حجَّة فِي ترك الْعَمَل، فأعلمهم أَن هُنَا أَمريْن لَا يبطل أَحدهمَا الآخر: بَاطِن

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

رُشَيدٍ: كأنَّ بعض الرُّواة كتبهما في غير موضعهما، فإنَّ الظَّاهر أنَّهما من الباب التَّالي لهذا، وهو باب: «موعظة المحدِّث عند القبر، وقعود أصحابه حوله» [خ¦١٣٦٢].

١٣٦١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابن جعفرٍ البيكنديُّ، كما في «مستخرج أبي نُعيم»، أو هو يحيى بن يحيى، كما جزم به أبو مسعودٍ في «الأطراف»، أو هو يحيى بن موسى المعروف بخت، كما وقع في رواية أبي عليِّ بن شبُّويه عن الفَِرَبْريِّ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو المعتمد، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ، بالخاء والزَّاي المعجمتين (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبرٍ (عَنْ طَاوُسٍ) هو ابن كيسان (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ : أَنَّهُ مَرَّ) ولأبي ذَرٍّ: «قال: مرَّ النَّبيُّ » (بِقَبْرَيْنِ) أي: بصاحبيهما من باب تسمية الحالِّ باسم المحلِّ (يُعَذَّبَانِ، فَقَالَ: إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ) إزالته أو دفعه أو الاحتراز عنه، ويحتمل أن يكون نفي كونه كبيرًا باعتبار اعتقاد الاثنين المعذَّبين، أو اعتقاد مرتكبه مطلقًا، أو باعتبار اعتقاد المخاطبين، أي: ليس كبيرًا عندكم ولكنَّه كبير عند الله، كما جاء في رواية عند المؤلِّف [خ¦٢١٦]: «وما يعذَّبان في كبيرٍ بلى إنَّه كبيرٌ» (١) فهو كقوله: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥] (أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ (٢) مِنَ البَوْلِ) يُحتَمل أن يحمل على حقيقته من الاستتار عن الأعين، ويكون العذاب على كشف العورة، أو على المجاز والمراد: التَّنزُّه من البول بعدم ملابسته، ورُجِّح، وإن كان الأصل

الحقيقة، لأنَّ الحديث يدلُّ على أنَّ للبول بالنِّسبة إلى عذاب القبر خصوصيَّةً، فالحمل عليه أَولى -كما مرَّ- في «الوضوء» [خ¦٢١٦] (وأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ) المحرَّمة، وخرج به ما كان للنَّصيحة، أو لدفع مفسدةٍ، والباء للمصاحبة، أي: يسير في النَّاس متَّصفًا بهذه الصِّفة، أو للسَّببيَّة، أي: يمشي بسبب ذلك (ثُمَّ أَخَذَ) (جَرِيدَةً رَطْبَةً، فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ) قال الزَّركشيُّ: دخلت الباء على المفعول زائدةً. انتهى. يعني: في قوله: «بنصفين»، وقد تعقَّبه صاحب «مصابيح الجامع» فقال: لا نسلِّم شيئًا من ذلك، أمَّا دعواه أنَّ «نصفين» مفعولٌ، فلأنَّ «شقَّ» إنَّما يتعدَّى لمفعولٍ واحدٍ، وقد أخذه وليس هذا بدلًا منه، وأمَّا دعوى الزِّيادة فعلى خلاف الأصل، وليس هذا من محالِّ زيادتها، ثمَّ قال: والباء للمصاحبة، وهي ومدخولها ظرفٌ مسَتَقرٌّ منصوب المحل (١) على الحال، أي: فشقَّها متلبِّسةً (٢) بنصفين، ولا مانع من أن يجتمع الشَّقُّ وكونها ذات نصفين في حالةٍ (٣) واحدةٍ، وليس المراد أنَّ (٤) انقسامها إلى نصفين كان ثابتًا قبل الشَّقِّ، وإنَّما هو معه وبسببه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾ [النحل: ١٢]. انتهى. (ثُمَّ غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ) منهما (وَاحِدَةً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ فَقَالَ: لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا) العذاب (مَا لَمْ يَيْبَسَا) بالمثنَّاة التَّحتيَّة المفتوحة وفتح الموحَّدة وكسرها في «اليونينيَّة» بالتَّذكير باعتبار عَود الضَّمير إلى العُودين، و «ما» مصدريَّةٌ زمانيَّةٌ، أي: مدَّة دوامهما إلى زمن اليبس، و «لعلَّ» (٥) بمعنى: «عسى» فلذا استُعمِلَ استعماله في اقترانه بـ «أن» وإن كان الغالب في «لعلَّ» التَّجرُّد، وليس في الجريد معنًى يخصُّه، ولا في الرَّطب

معنًى ليس في اليابس، وإنَّما ذلك خاصٌّ ببركة يده الكريمة، ومن ثمَّ استنكر الخطَّابيُّ وضع النَّاس الجريد ونحوه على القبر، عملًا بهذا الحديث، وكذلك الطَّرطوشيُّ في «سراج الملوك» قائلين بأنَّ ذلك خاصٌّ بالنَّبيِّ لبركة (١) يده المقدَّسة وبعلمه بما في القبور، وجرى على ذلك ابن الحاجِّ في «مدخله»، وما تقدَّم من أنَّ بريدة بن الحُصَيب أوصى بأن يُجعل في قبره جريدتان محمولٌ على أنَّ ذلك رأيٌ له لم يوافقه أحدٌ من الصَّحابة عليه، أو أنَّ المعنى فيه: أنَّه (٢) يسبِّح ما دام رطبًا، فيحصل التَّخفيف ببركة التَّسبيح، وحينئذٍ فيطرد في كلِّ ما فيه رطوبةٌ من الرَّياحين والبقول وغيرها، وليس لليابس تسبيحٌ، قال تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] أي: شيءٌ حيٌّ، وحياة كلِّ شيءٍ بحسبه، فالخشب ما لم ييبس، والحجَر ما لم يُقطع من معدنه، والجمهور على (٣) أنَّه على حقيقته، وهو قول المحقِّقين؛ إذ العقل لا يحيله، أو بلسان الحال باعتبار دلالته على الصَّانع، وأنَّه منزَّهٌ.

وسبق في «باب من الكبائر ألَّا يستتر من بوله» من «الوضوء» [خ¦٢١٦]، مزيدٌ لما ذكرته هنا.

(٨٢) (باب مَوْعِظَةِ المُحَدِّثِ عِنْدَ القَبْرِ) «الموعظة» مصدرٌ ميميٌّ، والوعظ: النُّصح والإنذار

بالعواقب (وَ) باب (قُعُودِ أَصْحَابِهِ) أي: أصحاب المحدِّث (حَوْلَهُ) عند القبر لسماع الموعظة والتَّذكير بالموت وأحوال الآخرة، وهذا مع ما ينضمُّ إليه من مشاهدة القبور وتذكُّر أصحابها وما كانوا عليه وما صاروا إليه من أنفع الأشياء لجلاء القلوب، وينفع الميِّت أيضًا؛ لما فيه من نزول الرَّحمة عند قراءة القرآن والذِّكر، قال ابن المُنيِّر: لو فطن أهل مصر لترجمة البخاريِّ هذه؛ لقرَّت أعينهم بما يتعاطونه من جلوس الوُعَّاظ في المقابر، وهو حسنٌ إن لم تخالطه مفسدٌة. انتهى. وقد استطرد المؤلِّف بعد التَّرجمة بذكر تفسير بعض ألفاظٍ من القرآن مناسبةً لما ترجم له على عادته؛ تكثيرًا لفرائد الفوائد، فقال في قوله تعالى: (﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ [المعارج: ٤٣]) (الأَجْدَاثُ) معناه فيما وصله ابن أبي حاتمٍ وغيره من طريق قتادة والسُّدِّيِّ: (القُبُورُ) في قوله (١) تعالى: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ﴾ (﴿بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار: ٤]) معناه: (أُثِيرَتْ) بالمثلَّثة بعد الهمزة المضمومة؛ من الإثارة، يقال: (بَعْثَرْتُ حَوْضِي، أي: جَعَلْتُ أَسْفَلَهُ أَعْلَاهُ) قاله أبو عبيدة في «المجاز»، وقال السُّدِّيُّ -ممَّا (٢) رواه ابن أبي حاتمٍ-: بعثرت: حرَّكت فخرج ما فيها، أي: من الأموات، وعن ابن عبَّاسٍ -فيما ذكره (٣) الطَّبريُّ (٤) -: بعثرت: بحثت، وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣] (الإِيفَاضُ) بهمزةٍ مكسورةٍ ومثنَّاة تحتيَّةٍ ساكنةٍ وفاءٍ ثمَّ ضادٍ معجمةٍ، مصدرٌ مِن: أوفض يوفض إيفاضًا، معناه: (الإِسْرَاعُ) قال أبو عُبيد: يوفضون، أي: يسرعون (وَقَرَأَ الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران موافقةً لباقي القُرَّاء إلَّا ابن عامرٍ وحفصًا (﴿إِلَى نُصُبٍ﴾) بفتح النُّون وسكون الصَّاد، وفي نسخةٍ زيادة: «﴿يُوفِضُونَ﴾» [المعارج: ٤٣] ولأبي ذَرٍّ: «إلى نُصْبٍ» بضمِّ النُّون وسكون الصَّاد بالجمع، والأوَّل أصحُّ عن الأعمش (إِلَى شَيْءٍ مَنْصُوبٍ) قال أبو عُبيدة:

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ من حَدِيث سعيد عَن أَبِيه الْمسيب: قَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَي عَم، إِنَّك أعظم النَّاس عَليّ حَقًا، وَأَحْسَنهمْ عِنْدِي يدا ولأنت أعظم عِنْدِي حَقًا من وَالِدي، فَقل كلمة تجب لَك بهَا شَفَاعَتِي يَوْم الْقِيَامَة. وَفِيه: نزلت: {مَا كَانَ للنَّبِي} (التَّوْبَة: ٣١١١) . الْآيَة، وروى الْحَاكِم من حَدِيث أبي الْجَلِيل عَن عَليّ، قَالَ: سَمِعت رجلا يسْتَغْفر لِأَبَوَيْهِ وهما مُشْرِكَانِ، فَقلت: تستغفر لِأَبَوَيْك وهما مُشْرِكَانِ؟ قَالَ: أَو لم يسْتَغْفر إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لِأَبِيهِ، فَذَكرته لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَنزلت {مَا كَانَ للنَّبِي} (التَّوْبَة: ٣١١) . الْآيَة، قَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ، وَلما ذكر السُّهيْلي قَوْله تَعَالَى: {مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين} (التَّوْبَة: ٣١١) . قَالَ قد اسْتغْفر سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم أحد، فقاال: أللهم إغفر لقومي فَإِنَّهُم لَا يعلمُونَ، وَلَا يَصح أَن تكون الْآيَة الَّتِي نزلت فِي عَمه ناسخة لاستغفاره يَوْم أحد، لِأَن عَمه توفّي قبل ذَلِك، وَلَا ينْسَخ الْمُتَقَدّم الْمُتَأَخر، وَيُجَاب بِأَن استغفاره لِقَوْمِهِ مَشْرُوط بتوبتهم من الشّرك، كَأَنَّهُ أَرَادَ الدُّعَاء لَهُم بِالتَّوْبَةِ، وَجَاء فِي بعض الرِّوَايَات: أللهم إهذ قومِي، وَقيل: أَرَادَ مغْفرَة تصرف عَنْهُم عُقُوبَة الدُّنْيَا من المسخ وَشبهه، وَقيل: تكون الْآيَة تَأَخّر نُزُولهَا مُتَقَدما ونزولها مُتَأَخّر، لَا سِيمَا وَبَرَاءَة من آخر مَا نزل، فَتكون على هَذَا ناسخة للاستغفار، وَقَالَ ابْن بطال مَا محصله: أَي مُحَاجَّة يحْتَاج إِلَيْهَا من وافى ربه بِمَا يدْخلهُ الْجنَّة، أُجِيب: بِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ظن أَن عَمه اعْتقد أَن من آمن فِي مثل حَاله لَا يَنْفَعهُ إيمَانه إِذا لم يقارنه عمل سواهُ من صَلَاة أَو صِيَام وَحج وشرائط الْإِسْلَام كلهَا، فَأعلمهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن من قَالَ: لَا إلاه إلَاّ الله، عِنْد مَوته أَنه يدْخل فِي جملَة الْمُؤمنِينَ، وَإِن تعرى من عمل سواهَا. قلت: فِي قَوْله: وَحج، نظر لِأَنَّهُ لم يكن مَفْرُوضًا بِالْإِجْمَاع يَوْمئِذٍ. وَقيل: أَن يكون أَبُو طَالب قد عاين أَمر الْآخِرَة وأيقن بِالْمَوْتِ وَصَارَ فِي حَالَة من لَا ينْتَفع بِالْإِيمَان لَو آمن، فَرحا لَهُ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَن قَالَ: لَا إلاه إلَاّ الله، وأيقن بنبوته أَن يشفع لَهُ بذلك، ويحاج لَهُ عِنْد الله تَعَالَى فِي أَن يتَجَاوَز عَنهُ وَيقبل مِنْهُ إيمَانه فِي تِلْكَ الْحَال، وَيكون ذَلِك خَاصّا بِأبي طَالب وَحده لمكانته من حمايته ومدافعته عَنهُ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَقيل: كَانَ أَبُو طَالب مِمَّن عاين براهين النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَصدق بمعجزاته وَلم يشك فِي صِحَة نبوته، فرجا لَهُ المحاجة بِكَلِمَة الْإِخْلَاص حَتَّى يسْقط عَنهُ إِثْم العناد والتكذيب، لما قد تبين حَقِيقَته لَكِن آنسه، بقوله: (أُحَاج لَك بهَا عِنْد الله) لِئَلَّا يتَرَدَّد فِي الْإِيمَان وَلَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ لتماديه على خلاف مَا تبين حَقِيقَته، وَقيل: (أُحَاج لَك بهَا) ، كَقَوْلِه (أشهد لَك بهَا عِنْد الله) لِأَن الشَّهَادَة للمرء حجَّة لَهُ فِي طلب حَقه، وَلذَلِك ذكر البُخَارِيّ هُنَا الشَّهَادَة لِأَنَّهُ أقرب التَّأْوِيل فِي قصَّة أبي طَالب فِي كتاب الْبَعْث، لاحتمالها التَّأْوِيل. وَوَقع عِنْد إِبْنِ إِسْحَاق: أَن الْعَبَّاس قَالَ للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: يَا ابْن أخي، إِن الْكَلِمَة الَّتِي عرضتها على عمك سمعته يَقُولهَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لم أسمع. قَالَ السُّهيْلي: لِأَن الْعَبَّاس قَالَ ذَلِك فِي حَال كَونه على غير الْإِسْلَام، وَلَو أَدَّاهَا بعد الْإِسْلَام لقبلت مِنْهُ، كَمَا قبل من جُبَير بن مطعم حَدِيثه الَّذِي سَمعه فِي حَال كفره وَأَدَّاهُ فِي الْإِسْلَام.

١٨ - (بابُ الجَرِيدِ عَلَى القَبْرِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وضع الجريد على قبر الْمَيِّت، والجريد الَّذِي يجرد عَنهُ الخوص.

وَأوْصَى بُرَيْدَةُ الأسْلَمِيُّ أنْ يُجْعَلَ فِي قَبْرِهِ جَرِيدَانِ

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَبُرَيْدَة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الدَّال الْمُهْملَة: ابْن الْحصيب، بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ: ابْن عبد الله الْأَسْلَمِيّ، مَاتَ بمرو سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ، وَقد تقدم فِي: بَاب من ترك الْعَصْر، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن سعد من طَرِيق مُورق الْعجلِيّ قَالَ: أوصى بُرَيْدَة أَن يوضع فِي قَبره جريدان. وَقَوله: (فِي قَبره) رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (على قَبره) ، وَالْحكمَة فِي ذَلِك، على رِوَايَة الْأَكْثَرين، التفاؤل ببركة النَّخْلَة. لقَوْله تَعَالَى: {كشجرة طيبَة} (إِبْرَاهِيم: ٤٢) . وعَلى رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي الِاقْتِدَاء بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي وَضعه الجريدتين على الْقَبْر، وَسَنذكر الْحِكْمَة فِيهِ عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

وَرَأى ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فُسْطَاطا عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمانِ فَقَالَ انْزَعْهُ يَا غُلَامُ فَإنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ

وَجه إِدْخَال أثر ابْن عمر فِي هَذِه التَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه كَانَ يرى أَن وضع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الجريدتين على القبرين خَاص بهما، وَأَن بُرَيْدَة حمله على الْعُمُوم، فَلذَلِك عقب أثر بُرَيْدَة بأثر عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَعبد الرَّحْمَن هُوَ ابْن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، بنيه ابْن سعد فِي رِوَايَته لَهُ مَوْصُولا من طَرِيق أَيُّوب بن عبد الله بن يسَار. قَالَ: مر عبد الله بن عمر على قبر عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر أخي عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَعَلِيهِ فسطاط مَضْرُوب، فَقَالَ: يَا غُلَام إنزعه فَإِنَّمَا يظله عَمه. قَالَ الْغُلَام: تضربني مولاتي. قَالَ: كلا فَنَزَعَهُ. قَوْله: (انزعه) أَي: إقلعه، وَكَانَ الْغُلَام الَّذِي خاطبه عبد الله غُلَام عَائِشَة أُخْت عبد الرَّحْمَن. قَوْله: (فَإِنَّمَا يظله) أَي: لَا يظله الْفسْطَاط، بل يظله الْعَمَل الصَّالح فَدلَّ هَذَا على أَن نصب الْخيام على الْقَبْر مَكْرُوه، وَلَا ينفع الْمَيِّت ذَلِك، وَلَا يَنْفَعهُ إلَاّ عمله الصَّالح الَّذِي قدمه، وَتَفْسِير الْفسْطَاط قد مر مُسْتَوفى فِي: بَاب مَا يكره من اتِّخَاذ الْمَسَاجِد على الْقُبُور.

وقالَ خارِجَةُ بنُ زَيْدٍ ورَأيْتُنِي وَنَحْنُ شُبَّانٌ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ وَإنْ أشَدَّنا وَثْبَةً الَّذِي يَثِبُ قَبْرَ عُثْمَانَ بنِ مَظْعُونٍ حَتَّى يُجَاوِزَهُ

قيل: لَا مُنَاسبَة فِي إِدْخَال قَول خَارِجَة فِي هَذَا الْبَاب، وَإِنَّمَا مَوْضِعه فِي: بَاب موعظة الْمُحدث عِنْد الْقَبْر وقعود أَصْحَابه حوله، وَكَانَ بعض الروَاة كتبه فِي غير مَوْضِعه، وَقد تكلّف طَرِيق إِلَى كَونه من هَذَا الْبَاب، وَهِي الْإِشَارَة إِلَى أَن ضرب الْفسْطَاط إِن كَانَ لغَرَض صَحِيح كالتستر من الشَّمْس مثلا للإحياء لَا لإظلال الْمَيِّت فَقَط، جَازَ، فَكَأَنَّهُ يَقُول: إِذا كَانَ على الْقَبْر لغَرَض صَحِيح لَا لقصد المباهاة جَازَ، كَمَا يجوز الْقعُود عَلَيْهِ لغَرَض صَحِيح لَا لمن أحدث عَلَيْهِ، وخارجة بن زيد بن ثَابت الْأنْصَارِيّ، أحد التَّابِعين الثِّقَات وَأحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة من أهل الْمَدِينَة، وصل هَذَا التَّعْلِيق البُخَارِيّ فِي (التَّارِيخ الصَّغِير) من طَرِيق ابْن إِسْحَاق: حَدثنِي يحيى بن عبد الرَّحْمَن بن أبي عمْرَة الْأنْصَارِيّ، سَمِعت خَارِجَة فَذكره. قَوْله: (رَأَيْتنِي) بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَكَون الْفَاعِل وَالْمَفْعُول ضميرين لشَيْء وَاحِد من خَصَائِص أَفعَال الْقُلُوب، وَالتَّقْدِير: رَأَيْت نَفسِي، وَالْوَاو فِي: (وَنحن شُبَّان) للْحَال، و: شُبَّان، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة جمع: شَاب. قَوْله: (وثبة) مصدر من: وثب يثب وثبا ووثبة، ومظعون، بِظَاء مُعْجمَة سَاكِنة وَعين مُهْملَة.

وَقَالَ عُثْمَانُ بنُ حَكِيمٍ أخَذَ بِيَدِي خارِجَةُ فأجْلَسَنِي عَلَى قَبْرٍ وَأخْبَرَني عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بنِ ثابِتٍ قَالَ إنَّمَا كُرِهَ ذالِكَ لِمَنْ أحْدَثَ عليهِ

الْكَلَام فِي ذكر مُنَاسبَة هَذَا كَالْكَلَامِ فِي الَّذِي قبله، وَعُثْمَان بن حَكِيم بن عباد بن حنيف الْأنْصَارِيّ الأوسي الأحملاني أَبُو سهل الْمدنِي، ثمَّ الْكُوفِي، أَخُو حَكِيم بن حَكِيم. وَعَن أَحْمد: ثِقَة ثَبت وَهُوَ من أَفْرَاد مُسلم، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مُسَدّد فِي (مُسْنده) الْكَبِير وبيَّن فِيهِ سَبَب إِخْبَار خَارِجَة لحكيم بذلك، وَلَفظه: حَدثنَا مُسَدّد حَدثنَا عِيسَى بن يُونُس حَدثنَا عُثْمَان بن حَكِيم حَدثنَا عبد الله بن سرجس وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن إنَّهُمَا (سمعا أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: لِأَن أَجْلِس على جَمْرَة فتحرق مَا دون لحمي حَتَّى تُفْضِي إِلَى، أحب من أَن أَجْلِس على قَبره. قَالَ عُثْمَان: فَرَأَيْت خَارِجَة بن زيد فِي الْمَقَابِر، فَذكرت لَهُ ذَلِك فَأخذ بيَدي) الحَدِيث، وَقد أخرج مُسلم حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا، فَقَالَ: حَدثنِي زُهَيْر بن حَرْب، قَالَ: حَدثنَا جرير عَن سُهَيْل عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول لله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لِأَن يجلس أحدكُم على جَمْرَة فتحرق ثِيَابه فتخلص إِلَى جلده خير لَهُ من أَن يجلس على قبر) . وَقَالَ بَعضهم: وروى الطَّحَاوِيّ من طَرِيق مُحَمَّد بن كَعْب، قَالَ: إِنَّمَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: من جلس على قبر ليبول عَلَيْهِ، أَو يتغوط، فَكَأَنَّمَا جلس على جَمْرَة، لَكِن إِسْنَاده ضَعِيف. قلت: سبخان الله مَا لهَذَا الْقَائِل من التعصبات الْبَارِدَة، فالطحاوي أخرج هَذَا عَن أبي هُرَيْرَة من طَرِيقين، أَحدهمَا هَذَا الَّذِي ذكره هَذَا الْقَائِل أخرجه عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى شيخ مُسلم عَن عبد الله بن وهب

عَن مُحَمَّد بن أبي حميد عَن مُحَمَّد بن كَعْب عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَالْآخر أخرجه عَن ابْن أبي دَاوُد عَن مُحَمَّد بن أبي بكر الْمقدمِي عَن سُلَيْمَان بن دَاوُد عَن مُحَمَّد بن أبي حميد ... إِلَى آخِره نَحوه، وَأخرجه عبد الله بن وهب وَالطَّيَالِسِي فِي مسنديهما، وَلم يذكر الطَّحَاوِيّ هَذَا الحَدِيث إِلَّا تَقْوِيَة لحَدِيث زيد بن ثَابت أخرجه عَن سُلَيْمَان بن شُعَيْب عَن الْحصيب عَن عَمْرو بن عَليّ عَن عُثْمَان بن حَكِيم عَن أبي أُمَامَة أَن زيد بن ثَابت، قَالَ: هَلُمَّ يَا ابْن أخي أخْبرك إِنَّمَا نهى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْجُلُوس على الْقُبُور لحَدث غَائِط أَو بَوْل، وَرِجَاله ثِقَات، وَعَمْرو بن عَليّ هُوَ الفلاس شيخ الْجَمَاعَة، فَهَذَا الْقَائِل: هلا مَا أورد هَذَا الحَدِيث الصَّحِيح، وَأورد الحَدِيث الَّذِي هُوَ مُحَمَّد بن أبي حميد الْمُتَكَلّم فِيهِ، مَعَ أَنه ذكر الطَّحَاوِيّ هَذَا اسْتِشْهَادًا وتقوية، وَلَكِن إِنَّمَا ذكره هَذَا الْقَائِل حَتَّى يفهم أَن الطَّحَاوِيّ الَّذِي ينصر مَذْهَب الْحَنَفِيَّة إِنَّمَا يروي فِي هَذَا الْبَاب الْأَحَادِيث الضعيفة، وَمن شدَّة تعصبه ذكر الحَدِيث فنسبه إِلَى أبي هُرَيْرَة، ولِمَ لَم يذكر فِيهِ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فأبرزه فِي صُورَة الْمَوْقُوف، والْحَدِيث مَرْفُوع، وَتَحْقِيق الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب مَا قَالَه الطَّحَاوِيّ: بَاب الْجُلُوس على الْقُبُور: حَدثنَا يُونُس، قَالَ: حَدثنَا يحيى بن حسان، قَالَ: حَدثنَا صَدَقَة بن خَالِد عَن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن جَابر عَن بسر بن عبيد الله عَن أبي إِدْرِيس الْخَولَانِيّ عَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع عَن أبي مرْثَد الغنوي، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (لَا تصلوا إِلَى الْقُبُور وَلَا تجلسوا إِلَيْهَا) . وَأخرج هَذَا الحَدِيث من أَربع طرق، وَأخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ، وَاسم أبي مرْثَد: كناز بن الْحصين، وَأخرج أَيْضا من حَدِيث عَمْرو بن جزم قَالَ: (رأني رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على قبر فَقَالَ: إنزل عَن الْقَبْر فَلَا تؤذ صَاحب الْقَبْر وَلَا يُؤْذِيك) . وَأخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده) وَأخرجه أَيْضا من حَدِيث جَابر قَالَ: (نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن تجصيص الْقُبُور وَالْكِتَابَة عَلَيْهَا وَالْجُلُوس عَلَيْهَا وَالْبناء عَلَيْهَا) . وَأخرجه الْجَمَاعَة غير البُخَارِيّ. وَأخرج أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة نَحْو رِوَايَة مُسلم عَنهُ، وَقد ذَكرْنَاهُ الْآن، ثمَّ قَالَ: فَذهب قوم إِلَى هَذِه الْآثَار وقلدوها وكرهوا من أجلهَا الْجُلُوس على الْقُبُور، وَأَرَادَ بالقوم: الْحسن الْبَصْرِيّ وَمُحَمّد بن سِيرِين وَسَعِيد بن جُبَير ومكحولاً وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبا سُلَيْمَان، ويروى ذَلِك أَيْضا عَن عبد الله وَأبي بكرَة وَعقبَة بن عَامر وَأبي هُرَيْرَة وَجَابِر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَإِلَيْهِ ذهب الظَّاهِرِيَّة وَقَالَ ابْن حزم فِي (الْمحلى) : وَلَا يحل لأحد أَن يجلس على قبر، وَهُوَ قَول أبي هُرَيْرَة وَجَمَاعَة من السّلف، ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ فَقَالُوا: لم ينْه عَن ذَلِك لكَرَاهَة الْجُلُوس على الْقَبْر، وَلكنه أُرِيد بِهِ الْجُلُوس للغائط أَو الْبَوْل، وَذَلِكَ جَائِز فِي اللُّغَة، يُقَال: جلس فلَان للغائط وَجلسَ فلَان للبول، وَأَرَادَ بالآخرين: أَبَا حنيفَة ومالكا وَعبد الله بن وهب وَأَبا يُوسُف ومحمدا، وَقَالُوا: مَا رُوِيَ عَن النَّهْي مَحْمُول على مَا ذكرنَا، ويحكى ذَلِك عَن عَليّ بن أبي طَالب وَعبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، ثمَّ قَالَ: وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا حَدثنَا سُلَيْمَان بن شُعَيْب، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَهُوَ حَدِيث زيد بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثمَّ قَالَ: فَبين زيد فِي هَذَا الْجُلُوس الْمنْهِي عَنهُ فِي الأثار الأول مَا هُوَ ثمَّ رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَيْضا من طَرِيق ابْن يُونُس، وَطَرِيق ابْن أبي دَاوُد، وَقد ذكرناهما الْآن، ثمَّ قَالَ: فَثَبت بذلك أَن الْجُلُوس الْمنْهِي عَنهُ فِي الْآثَار الأول هُوَ هَذَا الْجُلُوس، يَعْنِي: للغائط وَالْبَوْل، فَأَما الْجُلُوس بِغَيْر ذَلِك فَلم يدْخل فِي ذَلِك النَّهْي، وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد، رَحِمهم الله تَعَالَى. قلت: فعلى هَذَا مَا ذكره أَصْحَابنَا فِي كتبهمْ من أَن وطأ الْقُبُور حرَام، وَكَذَا النّوم عَلَيْهَا، لَيْسَ كَمَا يَنْبَغِي. فَإِن الطَّحَاوِيّ هُوَ أعلم النَّاس بمذاهب الْعلمَاء، وَلَا سِيمَا بِمذهب أبي حنيفَة.

وَقَالَ نافعٌ كانَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَجْلِسُ عَلَى القُبُورِ

هَذَا التَّعْلِيق وَصله الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا عَليّ، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن صَالح، قَالَ: حَدثنِي بكير عَن عَمْرو عَن بكير، أَن نَافِعًا حَدثهُ: أَن عبد الله بن عمر كَانَ يجلس على الْقُبُور. فَإِن قلت: روى ابْن أبي شيبَة بِإِسْنَاد صَحِيح عَنهُ قَالَ: لِأَن أَطَأ على رضف أحب إليَّ من أَن أَطَأ على قبر؟ قلت: ثَبت من فعله أَنه كَانَ يجلس على الْقُبُور، وَيحمل قَوْله: (لِأَن أَطَأ، على معنى: لِأَن أَطَأ لأجل الحَدِيث، وَقَالَ بَعضهم، بعد أَن أورد مَا أخرجه الطَّحَاوِيّ من أثر ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: وَلَا يُعَارض هَذَا مَا أخرجه

ابْن أبي شيبَة، وَهُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ الْآن، وَهُوَ من الْمسَائِل الْمُخْتَلف فِيهَا، وَورد فِيهَا من صَحِيح الحَدِيث مَا أخرجه مُسلم عَن أبي مرْثَد الغنوي مَرْفُوعا: (لَا تجلسوا على الْقُبُور وَلَا تصلوا إِلَيْهَا) قلت: لَيْت شعري كَيفَ يكون مَا ذكره من هَذَا جَوَابا لدفع الْمُعَارضَة وَالْجَوَاب مَا ذَكرْنَاهُ، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَقَالَ النَّوَوِيّ: المُرَاد بِالْجُلُوسِ الْقعُود عِنْد الْجُمْهُور، وَقَالَ مَالك: المُرَاد بالقعود الْحَدث وَهُوَ تَأْوِيل ضَعِيف أَو بَاطِل قلت: شدَّة التعصب يحمل صَاحبه على أَكثر من هَذَا، وَكَيف يَقُول النَّوَوِيّ: إِن تَأْوِيل مَالك بَاطِل وَهُوَ أعلم من النَّوَوِيّ؟ وَمثله بموارد الْأَحَادِيث والْآثَار؟ وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا، بعد نَقله عَن النَّوَوِيّ: وَهُوَ يُوهم بانفراد مَالك بذلك، وَكَذَا أَوْهَمهُ كَلَام ابْن الْجَوْزِيّ، حَيْثُ قَالَ جُمْهُور الْفُقَهَاء على الْكَرَاهَة خلافًا لمَالِك، وَصرح النَّوَوِيّ فِي (شرح الْمُهَذّب) : أَن مَذْهَب أبي حنيفَة كالجمهور، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل مَذْهَب أبي حنيفَة وَأَصْحَابه كَقَوْل مَالك لما نَقله عَنْهُم الطَّحَاوِيّ وَاحْتج لَهُ بأثر ابْن عمر الْمَذْكُور. وَأخرج عَن عَليّ نَحوه. قلت: الدَّعْوَى بِأَن الْجُمْهُور على الْكَرَاهَة غير مسلمة، لِأَن الْمُخَالف لَهُم: مَالك وَعبد الله بن وهب وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد والطَّحَاوِي، وَمن الصَّحَابَة: عبد الله بن عمر وَعلي بن أبي طَالب، فَكيف يُقَال بِأَن الْجُمْهُور على الْكَرَاهَة وَنحن أَيْضا نقُول الْجُمْهُور على عدم الْكَرَاهَة، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَيُؤَيّد قَول الْجُمْهُور مَا أخرجه أَحْمد من حَدِيث عمر بن حزم الْأنْصَارِيّ مَرْفُوعا: (لَا تقعدوا على الْقُبُور) ، وَفِي رِوَايَة عَنهُ: (رَآنِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنا متكىء على قبر، فَقَالَ: لَا تؤذ صَاحب الْقَبْر) ، إِسْنَاده صَحِيح، وَهُوَ دَال على أَن المُرَاد بِالْجُلُوسِ الْقعُود على حَقِيقَته. قلت: المُرَاد من النَّهْي عَن الْقعُود على الْقُبُور، هُوَ النَّهْي عَن الْقعُود لأجل الْحَدث، حَتَّى ينْدَفع التَّعَارُض بَينه وَبَين مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة، وَلَا يلْزم من النَّهْي عَن الْقعُود على الْقَبْر لأجل الْحَدث نفي حَقِيقَة الْقعُود.

١٦٣١ - حدَّثنا يَحْيَى قَالَ حدَّثنا أبُو مُعَاوِيةَ عنِ الأعْمَشِ عنْ مُجَاهِدٍ عنْ طاوُسٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنَّهُ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ فَقَالَ إنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أمَّا أحدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ وَأمَّا الآخَرُ فكانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ثُمَّ أخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ ثُمَّ غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرِ وَاحِدَةً فقالُوا يَا رسولَ الله لِمَ صَنَعتَ هاذَا فَقَالَ لَعَلَّهُ أنْ يخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ أَخذ جَرِيدَة. .) إِلَى آخِره، وَهَذَا الحَدِيث وَهَذَا الحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْوضُوء فِي: بَاب من الْكَبَائِر أَن لَا يسْتَتر من بَوْله، أخرجه هُنَاكَ: عَن عُثْمَان عَن جرير عَن مَنْصُور عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: (مر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بحائط من حيطان الْمَدِينَة أَو مَكَّة فَسمع صَوت إنسانين يعذبان فِي قبورهما) الحَدِيث، غير أَن هُنَاكَ: عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، وَهَهُنَا: عَن مُجَاهِد عَن طَاوُوس عَن ابْن عَبَّاس، وَكِلَاهُمَا صَحِيح، لِأَن مُجَاهدًا يروي عَن ابْن عَبَّاس وَعَن طَاوُوس أَيْضا، وَعكس الْكرْمَانِي فَقَالَ هَهُنَا: عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، وَهُنَاكَ: عَن مُجَاهِد عَن طَاوُوس، وَهَذَا سَهْو مِنْهُ، وَشَيْخه هُنَاكَ يحيى، ذكره غير مَنْسُوب، فَقَالَ الغساني: قَالَ ابْن السكن: هُوَ يحيى بن مُوسَى، وَقَالَ الكلاباذي: سمع يحيى بن جَعْفَر أَبَا مُعَاوِيَة وَهُوَ مُحَمَّد بن خازم، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالزَّاي: الضَّرِير، وَبِه جزم أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) أَنه يحيى بن جَعْفَر، وَجزم أَبُو مَسْعُود فِي (الْأَطْرَاف) : والحافظ الْمزي أَيْضا بِأَنَّهُ يحيى بن يحيى، وَمضى الْكَلَام فِي الحَدِيث هُنَاكَ مَبْسُوطا مُسْتَوفى.

٢٨ - (بابُ مَوْعِظَةِ المُحَدِّثِ عِنْدَ القَبْرِ وَقُعُودِ أصْحَابِهِ حَوْلَهُ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وعظ الْمُحدث عِنْد الْقَبْر، وَالْمَوْعِظَة مصدر ميمي يُقَال: وعظ يُعْط وعظا وموعظة، والوعظ: النصح والتذكير بالعواقب، تَقول: وعظته وعظا وعظة فاتعظ أَي: قبل الموعظة. قَوْله: (وقعود أَصْحَابه) ، بِالْجَرِّ عطف على قَوْله:

(موعظة الْمُحدث) ، أَي: وَفِي بَيَان قعُود أَصْحَاب الْمُحدث حول الْمُحدث، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى أَن الْجُلُوس مَعَ الْجَمَاعَة عِنْد الْقَبْر، إِن كَانَ لمصْلحَة تتَعَلَّق بالحي أَو الْمَيِّت لَا يكره ذَلِك، فَأَما مصلحَة الْحَيّ فَمثل أَن يجْتَمع قوم عِنْد قبر وَفِيهِمْ من يَعِظهُمْ وَيذكرهُمْ الْمَوْت وأحوال الْآخِرَة، وَأما مصلحَة الْمَيِّت فَمثل مَا إِذا اجْتَمعُوا عِنْده لقِرَاءَة الْقُرْآن وَالذكر، فَإِن الْمَيِّت ينْتَفع بِهِ وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث معقل بن يسَار قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (اقرأوا ي س على مَوْتَاكُم) . وَأخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه أَيْضا، فَالْحَدِيث يدل على أَن الْمَيِّت ينْتَفع بِقِرَاءَة الْقُرْآن عِنْده، وَهُوَ حجَّة على من قَالَ: إِن الْمَيِّت لَا ينْتَفع بِقِرَاءَة الْقُرْآن.

يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجدَاثِ الأجْدَاثُ القُبُورُ

مُطَابقَة هَذَا وَمَا بعده للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن ذكر خُرُوج بني آدم من الْقُبُور وبعثرة مَا فِي الْقُبُور وإيفاضهم أَي: إسراعهم إِلَى الْمَحْشَر وهم يَنْسلونَ أَي: يخرجُون، كل ذَلِك من الموعظة. والأجداث جمع: جدث، وَهُوَ الْقَبْر. وَقد قَالُوا: جدف، بِالْفَاءِ مَوضِع الثَّاء الْمُثَلَّثَة إلَاّ إِنَّهُم لم يَقُولُوا فِي الْجمع: أجداف، بِالْفَاءِ وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن المُرَاد من الأجداث فِي الْآيَة: الْقُبُور، وَقد وَصله ابْن أبي حَاتِم وَغَيره من طَرِيق قَتَادَة وَالسُّديّ وَغَيرهمَا وَفِي (الْمُخَصّص) قَالَ الْفَارِسِي: اشتقاق الجدف بِالْفَاءِ من التجديف، وَهُوَ كفر النعم، وَفِي (الصِّحَاح) : الجدث الْقَبْر وَالْجمع أجدث وأجداث. وَقَالَ ابْن جني: وأجدث، مَوضِع، وَقد نفى سِيبَوَيْهٍ أَن يكون أفعل من أبنيه الْوَاحِد، فَيجب أَن يعد هَذَا مِمَّا فَاتَهُ، إلَاّ أَن يكون جمع الجدث الَّذِي هُوَ الْقَبْر على أجدث، ثمَّ سمى بِهِ الْموضع، وَفِي (الْمجَاز) لأبي عُبَيْدَة: بالثاء لُغَة أهل الْعَالِيَة، وَأهل نجد يَقُولُونَ: جدف، بِالْفَاءِ.

بُعْثِرَتْ: أُثِيرَتْ، بَعْثَرْتُ حَوْضِي أيْ جَعَلْتُ أسْفَلَهُ أعْلاهُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَإِذا الْقُبُور بعثرت} (الانفطار: ٤) . وَأَن مَعْنَاهُ: أثيرت من الإثارة، وَفِي (الصِّحَاح) : قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: بعثر مَا فِي الْقُبُور أثير وَأخرج. وَقَالَ فِي (الْمجَاز) : بعثرت حَوْضِي أَي: هدمته. وَفِي (الْمعَانِي) للفراء: بعثرت وبحثرت: لُغَتَانِ وَفِي (تَفْسِير الطَّبَرِيّ) عَن ابْن عَبَّاس: بعثرت بحثت. وَفِي (الْمُحكم) : بعثر الْمَتَاع وَالتُّرَاب قلبه، وبعثر الشَّيْء فرقه، وَزعم يَعْقُوب أَن عينهَا بدل من عين بعثر أَو غين بدل مِنْهَا، وبعثر الْخَبَر بَحثه. وَفِي (الواعي فِي اللُّغَة) : بعثرته إِذا قلبت ترابه وبددته.

الإيفَاضُ الإسْرَاعُ

الإيفاض، بِكَسْر الْهمزَة، مصدر من أوفض يوفض إيفاضا، وأصل إيفاض أوفاض، قلبت الْوَاو يَاء لسكونها وانكسار مَا قبلهَا، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {كَأَنَّهُمْ إِلَى نضب يوفضون} (المعارج: ٣٤) . وثلاثيه: وفض من الوفض، وَهُوَ: العجلة.

وَقَرَأ الأعْمَشُ إلَى نَصْبٍ إلَى شَيْءٍ مَنْصُوبٍ يَسْتَبِقُونَ إلَيْهِ وَالنُّصْبُ وَاحِدٌ وَالنَّصْبُ مَصْدَرٌ

الْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان. قَوْله: (إِلَى نصب) ، بِفَتْح النُّون كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: بِالضَّمِّ، وَالْأول أصح، وَهُوَ قِرَاءَة الْجُمْهُور، وَحكى الطَّبَرِيّ أَنه لم يقرأه بِالضَّمِّ إِلَّا الْحسن الْبَصْرِيّ وَفِي (الْمعَانِي) للزجاج: قُرِئت (نصب) ، نصب، بِضَم النُّون وَسُكُون الصَّاد، و: نصب، بِضَم النُّون وَالصَّاد، وَمن قَرَأَ: نصب وَنصب، فَمَعْنَاه كَأَنَّهُمْ يوفضون إِلَى علم مَنْصُوب لَهُم، وَمن قَرَأَ: نصب، فَمَعْنَاه إِلَى أصنام لَهُم، وَكَانَت النصب الْآلهَة الَّتِي كَانَت تعبد من أَحْجَار. وَفِي (الْمُنْتَهى) : النصب وَالنّصب وَالنّصب، بِمَعْنى مثل: الْعُمر والعمر والعمر، وَقيل: النصب حجر ينصب فيعبد وَيصب عَلَيْهِ دِمَاء الذَّبَائِح، وَقيل: هُوَ الْعلم ينصب للْقَوْم، أَي: علم كَانَ. وَفِي (الْمُحكم) : النصب جمع نصيبة، كسفينة وسفن، وَقيل: النصب الْغَايَة، ذكره عبد فِي تَفْسِيره عَن مُجَاهِد وَأبي الْعَالِيَة، وَضَعفه ابْن سَيّده، وَقَالَ ابْن التِّين: قَرَأَ أَبُو الْعَالِيَة وَالْحسن بِضَم النُّون وَالصَّاد، وَقَالَ الْحسن فِيمَا حَكَاهُ عبد فِي تَفْسِيره: كَانُوا يبتدرون إِذا طلعت الشَّمْس إِلَى نصبهم سرَاعًا أَيهمْ يستلمها أَولا لَا يلوي أَوَّلهمْ على آخِرهم. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: النصب بِالْفَتْح الْعلم الَّذِي ينصب، وَنصب بِالضَّمِّ جمَاعَة مثل: رهن وَرهن. قَوْله: (يوفضون) أَي: يسرعون، وَهُوَ من الإيفاض كَمَا مر، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أبي حَدثنَا مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن قُرَّة عَن الْحسن فِي قَوْله: {إِلَى نصب يوفضون} (المعارج: ٣٤) . أَي: يبتدرون أَيهمْ يستلمه أول. قَوْله: (والنضب وَاحِد وَالنّصب مصدر) أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن لفظ النصب يسْتَعْمل إسما

وَيسْتَعْمل مصدرا وَيجمع على أنصاب. وَقَالَ بَعضهم: النصب وَاحِد وَالنّصب مصدر، كَذَا وَقع فِيهِ، وَالَّذِي فِي (الْمعَانِي) للفراء: النصب وَالنّصب وَاحِد، وَهُوَ مصدر، وَالْجمع أنصاب، فَكَانَ التَّغْيِير من بعض النقلَة. قلت: لَا تَغْيِير فِيهِ لِأَن البُخَارِيّ فرق بِكَلَامِهِ هَذَا بَين الِاسْم والمصدر، وَلَكِن من قصرت يَده عَن علم الصّرْف لَا يفرق بَين الإسم والمصدر فِي مجيئها على لفظ وَاحِد.

يَوْمَ الخُرُوجِ مِنَ القُبُورِ يَنْسِلُونَ يَخْرُجُونَ

أَشَارَ بِهَذَا إِلَى قَوْله تَعَالَى: {ذَلِك يَوْم الْخُرُوج} (ق: ٢٤) . أَي من الْقُبُور وَفسّر قَوْله: {يَنْسلونَ} (الْأَنْبِيَاء: ٦٩، ي س: ١٥) . بقوله: {يخرجُون} (ق: ٢٤) . كَذَا ذكره عبد عَن قَتَادَة، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: يَنْسلونَ يسرعون، وَالذِّئْب ينسل ويعسل. وَفِي (الْكَامِل) : العسلان غير النسلان، وَفِي كتاب الزّجاج وَابْن جرير الطَّبَرِيّ و (تَفْسِير ابْن عَبَّاس) {يَنْسلونَ} (الْأَنْبِيَاء: ٦٩، ي س: ١٥) . يخرجُون بِسُرْعَة. وَفِي (الْمُجْمل) : النسلان مشْيَة الذِّئْب إِذا أعنق وأسرع فِي الْمَشْي، وَفِي (الْمُحكم) : نسل ينسل نَسْلًا ونسلانا. وَأَصله للذئب، ثمَّ اسْتعْمل فِي غير ذَلِك. وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: نسولاً، وَأَصله عَدو مَعَ مقاربة خطو.

٢٦٣١ - حدَّثنا عُثْمَانُ قَالَ حدَّثني جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ عَن أبي عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ عَلِيٍّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعَ الغَرْقَدِ فَأَتَانَا النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ ثُمَّ قالَ مَا مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ مَا منِ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إلَاّ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ وَإلَاّ قَدْ كُتِبَ شَقِيَّةً أوْ سَعِيدَةً فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُول الله أفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا ونَدَعُ العَمَلَ فَمَنْ كانَ مِنَّا مِنْ أهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إلَى عَمَلِ أهْلِ السَّعَادَةِ وَأمَّا منْ كانَ مِنَّا مِنْ أهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إلَى عَمَلِ الشَّقَاوَةِ قَالَ أمَّا أهلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ وَأمَّا أهحلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ ثُمَّ قَرَأَ فأمَّا مَنْ أعْطَى واتَّقَى الآيَةَ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَقعدَ وقعدنا حوله) ، وَكَانَ فِي قعوده، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَلَامه بِمَا قَالَه فِيهِ وعظ لَهُم.

ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: عُثْمَان بن مُحَمَّد بن أبي شيبَة، واسْمه إِبْرَاهِيم أَبُو الْحسن الْعَبْسِي. الثَّانِي: جرير بن عبد الحميد الضَّبِّيّ. الثَّالِث: مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر. الرَّابِع: سعد بن عُبَيْدَة، بِضَم الْعين وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَقد مر فِي آخر كتاب الْوضُوء. الْخَامِس: أَبُو عبد الرَّحْمَن، هُوَ عبد الله بن حبيب، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة، مر فِي: بَاب غسل الْمَذْي فِي كتاب الْغسْل. السَّادِس: عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور غير مَنْسُوب، وَكَذَلِكَ اثْنَان فِيمَا بعده. وَفِيه: أحدهم مَذْكُور بكنيته. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم كوفيون إلَاّ جَرِيرًا رازي وَأَصله من الْكُوفَة. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن آدم بن أبي إِيَاس، وَعَن بشر بن خَالِد عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر وَعَن يحيى عَن وَكِيع، ثَلَاثَتهمْ عَن شُعْبَة وَعَن أبي نعيم عَن سُفْيَان وَعَن مُسَدّد عَن عبد الْوَاحِد بن زِيَاد ثَلَاثَتهمْ عَن الْأَعْمَش عَنهُ بِهِ وَفِي الْقدر عَن عَبْدَانِ وَفِي الْأَدَب عَن بنْدَار عَن غنْدر. وَأخرجه مُسلم فِي الْقدر عَن عُثْمَان ابْن أبي شيبَة وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَزُهَيْر بن حَرْب، ثَلَاثَتهمْ عَن جرير بِهِ وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب، وَأبي سعيد الْأَشَج، ثَلَاثَتهمْ عَن وَكِيع بِهِ وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وهناد بن السّري وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير وَعَن أبي كريب وَعَن أبي مُوسَى وَابْن بشار. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي السّنة عَن مُسَدّد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْقدر عَن الْحسن بن عَليّ الْخلال وَفِي التَّفْسِير عَن بنْدَار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى وَعَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي السّنة عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَعَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن أبي مُعَاوِيَة ووكيع بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي بَقِيع) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الْقَاف وَهُوَ من الأَرْض مَوضِع فِيهِ أروم شجر من ضروب شَتَّى، وَبِه سمى: بَقِيع الْغَرْقَد، بِالْمَدِينَةِ وَهِي مَقْبرَة أَهلهَا، و: الْغَرْقَد، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْقَاف وَفِي آخِره دَال مُهْملَة: وَهُوَ شجر لَهُ شوك كَانَ ينْبت هُنَاكَ فَذهب الشّجر وَبَقِي الإسم لَازِما للموضع. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: قطعت غرقدات فِي هَذَا الْموضع حِين دفن فِيهِ عُثْمَان بن مَظْعُون، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَقَالَ ياقوت: وبالمدينة أَيْضا بَقِيع الزبير وبقيع الْخَيل عِنْد دَار زيد بن ثَابت وبقيع الخبجبة، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة الساكنة وَالْجِيم المفوحة وَالْبَاء الْمُوَحدَة الْأُخْرَى، كَذَا ذكره السُّهيْلي، وَغَيره يَقُول: الجبجبة، بجيمين، وبقيع الْخضمات، قَالَ الْخطابِيّ: وَمن النَّاس من يَقُوله بِالْبَاء، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: الْغَرْقَد وأحدها غرقدة وَإِذا عظمت العوسجة فَهِيَ غرقدة، والعوسج من شجر الشوك لَهُ ثَمَر أَحْمَر مدور كَأَنَّهُ خرز العقيق. وَقَالَ أَبُو الْعَلَاء المعري: هُوَ نبت من نَبَات السهل، وَقَالَ أَبُو زيد الْأنْصَارِيّ: الْغَرْقَد ينْبت بِكُل مَكَان مَا خلا حر الرمل، وَذكر ابْن البيطار فِي (جَامعه) أَن الْغَرْقَد اسْم عَرَبِيّ يُسَمِّي بِهِ بعض الْعَرَب النَّوْع الْأَبْيَض الْكَبِير من العوسج. قَالَ أَبُو عمر: إِن مضغه مر. وَفِي الحَدِيث فِي ذكر الدَّجَّال كل شَيْء يواري يَهُودِيّا ينْطق إلَاّ الْغَرْقَد فَإِنَّهُ من شجرهم فَلَا ينْطق، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْغَرْقَد من شجر الْحجاز. وَفِي (الْمُحكم) : بَقِيع الْغَرْقَد يُسمى كفنة لِأَنَّهُ يدْفن فِيهِ. قَوْله: (وَمَعَهُ مخصرة) ، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة وَالرَّاء: وَهُوَ شَيْء يَأْخُذهُ الرجل بِيَدِهِ ليتوكأ عَلَيْهِ مثل الْعَصَا وَنَحْوه، وَهُوَ أَيْضا مَا يَأْخُذهُ الْملك يُشِير بِهِ إِذا خطب، وَاخْتصرَ الرجل أمسك المخصرة. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: التخصير إمْسَاك الْقَضِيب بِالْيَدِ، وَجزم ابْن بطال أَنه الْعَصَا. وَقَالَ ابْن التِّين: عَصا أَو قضيب. قَوْله: (فَنَكس) ، بتَخْفِيف الْكَاف وتشديدها، لُغَتَانِ، أَي: خفض رَأسه وطأطأ بِهِ إِلَى الأَرْض على هَيْئَة المهموم المفكر، وَيحْتَمل أَيْضا أَن يُرَاد بنكس: نكس المخصرة. قَوْله: (ينكت) من النكت، وَهُوَ أَن يضْرب فِي الأَرْض بقضيب يُؤثر فِيهَا، وَيُقَال: النكت قرعك الأَرْض بِعُود أَو بأصبع يُؤثر فِيهَا. قَوْله: (منفوسة) أَي: مصنوعة مخلوقة. قَوْله: (إِلَّا كتب) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (مَكَانهَا) ، بِالرَّفْع مفعول نَاب عَن الْفَاعِل، وَأَصله: كتب الله مَكَان تِلْكَ النَّفس المخلوقة، وَكلمَة: من، للْبَيَان. قَوْله: (وَالنَّار) ، قَالَ الْكرْمَانِي: الْوَاو فِي: النَّار، بِمَعْنى: أَو. قلت: لم أدر مَا حمله على هَذَا. قَوْله: (وَإِلَّا) كلمة: إِلَّا، الثَّانِيَة تروى بِالْوَاو وتروى بِدُونِهَا، وَفِيه غرابة من الْكَلَام، وَهِي أَن قَوْله: (مَا من نفس) يحْتَمل أَن يكون بَدَلا من قَوْله: (مَا مِنْكُم) وَأَن يكون إلَاّ ثَانِيًا بَدَلا من إلَاّ أَولا. وَيحْتَمل أَن يكون من بَاب اللف والنشر، وَأَن يكون تعميما بعد تَخْصِيص، إِذْ الثَّانِي فِي كل مِنْهَا أَعم من الأول. قَوْله: (شقية) قَالَ الْكرْمَانِي: بِالرَّفْع أَي: هِيَ شقية. قلت: وَجه ذَلِك هُوَ أَن الضَّمِير فِي قَوْله: (إلَاّ قد كتب) ، يرجع إِلَى قَوْله: (مَكَانهَا) ، لِأَنَّهُ بدل مِنْهُ فَلَا يَصح أَن يكون ارْتِفَاع: شقية، إلَاّ بِتَقْدِير شَيْء مَحْذُوف حِينَئِذٍ وَهُوَ لفظ: هِيَ، على أَنه مُبْتَدأ وشقية خَبره. قَوْله: (فَقَالَ رجل) قيل: إِنَّه عمر، وَقيل: إِنَّه غَيره. قَوْله: (أَفلا نَتَّكِل على كتَابنَا؟) أَي: الَّذِي قدر الله علينا ونتكل؟ أَي: نعتمد؟ وَأَصله: نوتكل، فأبدلت التَّاء من الْوَاو وأدغمت فِي الْأُخْرَى لِأَن أَصله من وكل يكل. قَوْله: (وَنَدع الْعَمَل) أَي: نتركه. قَوْله: (فسيصير) أَي: فسيجريه الْقَضَاء إِلَيْهِ قهرا، وَيكون مآل حَاله ذَلِك بِدُونِ اخْتِيَاره. قَوْله: (فييسرون) ، ذكره بِلَفْظ الْجمع بِاعْتِبَار معنى الْأَهْل، وَوجه مُطَابقَة جَوَابه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لسؤالهم هُوَ أَنهم لما قَالُوا: إِنَّا نَتْرُك الْمَشَقَّة الَّتِي فِي الْعَمَل الَّذِي لأَجلهَا سمي بالتكليف، فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا مشقة ثمَّة إِذْ كل ميسر لما خلق لَهُ) ، (وَهُوَ يسيرٌ على من يسره الله عَلَيْهِ) . فَإِن قيل: إِذا كَانَ الْقَضَاء الأزلي يَقْتَضِي ذَلِك، فَلم الْمَدْح والذم وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب؟ أُجِيب: بِأَن الْمَدْح والذم بِاعْتِبَار الْمَحَلِّيَّة لَا بِاعْتِبَار الفاعلية، وَهَذَا هُوَ المُرَاد باكسب الْمَشْهُور عَن الأشاعرة، وَذَلِكَ كَمَا يمدح الشَّيْء ويذم بحسنه وقبحه وسلامته وعاهته. وَأما الثَّوَاب وَالْعِقَاب فكسائر العاديات، فَكَمَا لَا يَصح عندنَا أَن يُقَال: لم خلق الله تَعَالَى الإحتراق عقيب مماسة النَّار وَلم يحصل ابْتِدَاء؟ فَكَذَا هَهُنَا، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: الْجَواب من الإسلوب الْحَكِيم مَنعهم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الاتكال وَترك الْعَمَل، وَأمرهمْ بِالْتِزَام مَا يجب على العَبْد من الْعُبُودِيَّة، وَإِيَّاكُم وَالتَّصَرُّف فِي الْأُمُور الإلهية فَلَا تجْعَلُوا الْعِبَادَة وَتركهَا سَببا مُسْتقِلّا لدُخُول الْجنَّة وَالنَّار، بل إِنَّهَا عَلَامَات فَقَط، وَقَالَ الْخطابِيّ: لما أخبر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن سبق الْكتاب بالسعادة رام الْقَوْم أَن يتخذوه حجَّة فِي ترك الْعَمَل، فأعلمهم أَن هُنَا أَمريْن لَا يبطل أَحدهمَا الآخر: بَاطِن

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.6 / 29.5
الإضاءة 76%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
الحمد لله