الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٣٦٢
الحديث رقم ١٣٦٢ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب موعظة المحدث عند القبر.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١٣٦٢ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لَا تُؤْذِ صَاحِبَ الْقَبْرِ.
إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجُلُوسِ الْقُعُودُ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَرَدَّ ابْنُ حَزْمٍ التَّأْوِيلَ الْمُتَقَدِّمَ بِأَنَّ لَفْظَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ. قَالَ: وَمَا عَهِدْنَا أَحَدًا يَقْعُدُ عَلَى ثِيَابِهِ لِلْغَائِطِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْقُعُودُ عَلَى حَقِيقَتِهِ. وَقَالَ ابنُ بَطَّالٍ: التَّأْوِيلُ الْمَذْكُورُ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ عَلَى الْقَبْرِ أَقْبَحُ مِنْ أَنْ يُكْرَهَ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ الْجُلُوسُ الْمُتَعَارَفُ (١).
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ: لَمْ أَرَهُ مَنْسُوبًا لِأَحَدٍ مِنَ الْمَشَايِخِ. قُلْتُ: قَدْ نَسَبَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ يَحْيَى بْنَ جَعْفَرٍ، وَجَزَمَ أَبُو مَسْعُودٍ فِي الْأَطْرَافِ وَتَبِعَهُ الْمِزِّيُّ بِأَنَّهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ شَبُّوَيْهِ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى. وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي كِتَابِ الْوُضُوءِ بِمَا فِيهِ مَقْنَعٌ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٨٢ - بَاب مَوْعِظَةِ الْمُحَدِّثِ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَقُعُودِ أَصْحَابِهِ حَوْلَهُ
﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ﴾ الْأَجْدَاثُ: الْقُبُورُ، ﴿بُعْثِرَتْ﴾ أُثِيرَتْ، بَعْثَرْتُ حَوْضِي أَيْ: جَعَلْتُ أَسْفَلَهُ أَعْلَاهُ، الْإِيفَاضُ: الْإِسْرَاعُ، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ: ﴿إِلَى نُصُبٍ﴾ إِلَى شَيْءٍ مَنْصُوبٍ يَسْتَبِقُونَ إِلَيْهِ، وَالنُّصْبُ وَاحِدٌ، وَالنَّصْبُ مَصْدَرٌ، ﴿يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ مِنْ الْقُبُورِ، ﴿يَنْسِلُونَ﴾ يَخْرُجُونَ
١٣٦٢ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَأَتَانَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ، وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ؛ مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنْ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلَّا قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ، فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، قَالَ: أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ، فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ الْآيَةَ.
[الحديث ١٣٦٢ - أطرافه في: ٤٩٤٥، ٤٩٤٦، ٤٩٤٧، ٤٩٤٨، ٤٩٤٩، ٦٢١٧، ٦٦٠٥، ٧٥٥٢]
قَوْلُهُ: (بَابُ مَوْعِظَةِ الْمُحَدِّثِ عِنْدَ الْقَبْرِ وَقُعُودِ أَصْحَابِهِ حَوْلَهُ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى التَّفْصِيلِ بَيْنَ أَحْوَالِ الْقُعُودِ، فَإِنْ كَانَ لِمَصْلَحَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالْحَيِّ أَوِ الْمَيِّتِ لَمْ يُكْرَهْ، وَيُحْمَلُ النَّهْيُ الْوَارِدُ عَنْ ذَلِكَ عَلَى مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (يَخْرُجُونَ مِنَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
العَلَم الَّذي نصبوه ليعبدوه (يَسْتَبِقُونَ إِلَيْهِ) أيُّهم يستلمه أوَّلًا (وَالنُّصْبُ) بضمِّ النُّون وسكون الصَّاد (وَاحِدٌ، وَالنَّصْبُ) بالفتح ثمَّ السُّكون (مَصْدَرٌ) قال في «فتح الباري»: كذا وقع، والَّذي في «المعاني» (١) للفرَّاء: النَّصْب والنُّصُب واحدٌ، وهو مصدرٌ، والجمع: الأنصاب، فكأن التَّغيير من بعض النَّقلة. انتهى. وتعقَّبه العينيُّ فقال: لا تغيير فيه؛ لأنَّ البخاريَّ فرَّق بين الاسم والمصدر، ولكن مَن قصرت يده عن علم الصَّرف؛ لا يفرِّق بين الاسم والمصدر في مجيئهما على لفظٍ واحدٍ. انتهى. والأنصاب: حجارةٌ كانت حول الكعبة تُنصب، فيهلُّ عليها، ويُذبح لغير الله، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ (﴿يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢]) أي: خروج أهل القبور (مِنْ قُبُورِهِم) وقوله تعالى: (﴿يَنسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦]) أي: (يَخْرُجُونَ) زاد الزَّجَّاج: بسرعةٍ.
١٣٦٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (٢) (عُثْمَانُ) بن محمَّد بن أبي شيبة (٣) الكوفيُّ، أحد الحفَّاظ الكبار، وثَّقه يحيى (٤) بن معينٍ وغيره، وذكر الدَّارقُطنيُّ في «كتاب التَّصحيف» أشياء كثيرةً صحَّفها من القرآن في تفسيره؛ لأنَّه (٥) ما كان يحفظ
القرآن (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا» بالجمع (١) (جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد الضَّبِّيُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ) بسكون العين في الأوَّل، وضمِّ الثانية (٢) وفتح الموحَّدة، آخره هاءُ تأنيثٍ مصغَّرًا (٣) في الثَّاني (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) عبد الله بن حَبيبٍ؛ بفتح الحاء المهملة، السُّلَمِيُّ (عَنْ عَلِيٍّ) هو ابن أبي طالبٍ (﵁، قَالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الغَرْقَدِ) بفتح الموحَّدة وكسر القاف، والغرقد؛ بفتح الغين المعجمة والقاف، بينهما راءٌ ساكنةٌ آخره دالٌ مهملةٌ: ما عَظُم من شجر العوسج، كان ينبت فيه، فذهب الشَّجر وبقي الاسم لازمًا للمكان، وهو مدفن أهل المدينة (فَأَتَانَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ) هذا موضع التَّرجمة مع ما بعده (وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ) بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وبالصَّاد المهملة، قال في «القاموس»: ما يتوكَّأ عليه كالعصا ونحوه، وما يأخذه الملِكُ يشير به إذا خاطب، والخطيب إذا خطب، وسُمِّيت بذلك لأنَّها تُحمَل تحت الخصر غالبًا للاتِّكاء عليها (فَنَكَّسَ) بتشديد الكاف وتخفيفها، أي: خفض رأسه وطأطأ به إلى الأرض على هيئة المهموم المفكِّر؛ كما هي عادة من يتفكَّر في شيءٍ حتَّى يستحضر معانيه، فيحتمل أن يكون ذلك تفكُّرًا منه ﵊ في أمر الآخرة لقرينة حضور الجنازة، أو فيما أبداه بعد ذلك لأصحابه، أو نكس المِخْصرة (فَجَعَلَ يَنْكُتُ (٤)) بالمثنَّاة الفوقيَّة، أي: يضرب في الأرض (بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ) أي: (مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ) مصنوعةٍ مخلوقةٍ، واقتصر في رواية أبي حمزة [خ¦٦٦٠٥]
والثَّوريِّ [خ¦٤٩٤٥] على قوله: «ما منكم من أحدٍ» (إِلَّا كُتِبَ) بضمِّ الكاف مبنيًّا للمفعول (مَكَانُهَا) بالرَّفع: مفعولٌ ناب عن الفاعل، أي: كتب الله مكان تلك النَّفس المخلوقة (مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ) «مِنْ» بيانيَّةٌ، وفي رواية سفيان [خ¦٤٩٤٥]: «إلَّا وقد كُتِبَ مقعده من الجنة ومقعده من النَّار»، وكأنَّه يشير إلى حديث ابن عمر عند المؤلِّف الدَّال على أنَّ لكلِّ أحدٍ مقعدين، لكن لفظه في «القَدَر» (١) [خ¦٦٦٠٥] (٢): «إلَّا وقد كُتِبَ مقعده من النَّار أو من الجنَّة»، فـ «أو» للتَّنويع، أو هي بمعنى الواو (وَإِلَّا قَدْ (٣) كُتِبَتْ) بالتَّاء آخره، وفي «اليونينيَّة» بحذفها (شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً) بالنَّصب فيهما، كما في الفرع على الحال، أي: وإلَّا كتبت هي، أي: حالها شقيَّةً أو سعيدةً، ويجوز الرَّفع، أي: هي شقيَّةٌ أو سعيدةٌ، ولفظ «إلَّا» في المرَّة الثَّانية في بعضها بالواو وفي بعضها بدونها، وهذا نوعٌ من الكلام غريبٌ (٤)، وإعادة «إلَّا» يُحتَمَل أن يكون (٥) «ما من نفسٍ» بدلًا (٦) من: «ما منكم»، و «إلا» الثانية بدلًا من الأولى، وأن يكون من باب اللَّفِّ والنشر، فيكون فيه تعميم بعد تخصيص، إذ الثَّاني في كلٍّ منهما أعمُّ من الأوَّل، أشار إليه الكِرمانيُّ (٧) (فَقَالَ رَجُلٌ) هو عليُّ بن أبي طالبٍ، ذكره المصنِّف في «التَّفسير» [خ¦٤٩٤٧] لكن بلفظ: «قلنا»، أو هو سراقة بن مالك بن جعشم كما في «مسلمٍ»، أو هو عمر بن الخطَّاب كما في التِّرمذيِّ، أو من حديث أبي (٨) بكرٍ الصِّدِّيق (٩) كما عند أحمد والبزَّار والطَّبرانيِّ، أو هو رجلٌ من الأنصار، وجُمِعَ بتعدُّد السَّائلين عن ذلك، ففي حديث عبد الله بن عمر فقال أصحابه:
(يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نَتَّكِلُ) نعتمد (عَلَى كِتَابِنَا) أي: ما كُتِبَ علينا وقُدِّر، والفاء في «أفلا» معقِّبةٌ لشيءٍ محذوفٍ، أي: فإذا (١) كان كذلك ألا (٢) نتَّكل على كتابنا (وَنَدَعُ العَمَلَ؟) أي: نتركه (فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ) فسيجرُّ به (٣) القضاء (إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ) قهرًا، ويكون مآل حاله ذلك بدون اختياره (وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ) فسيجرُّ به القضاء (إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ) قهرًا (قَالَ) ﵊: (أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ) أهل (السَّعَادَةِ) وفي نسخةٍ: «فسييسَّرون» (٤) جُمِعَ الضَّمير في «فييسَّرون» (٥) باعتبار معنى الأهل (وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ) أهل (الشَّقَاوَةِ) وحاصل السُّؤال: ألا نترك مشقَّة (٦) العمل، فإنَّا سنصير إلى ما قُدِّر علينا، فلا فائدة في السَّعي؛ فإنَّه لا يردُّ قضاء الله وقدره، وحاصل الجواب: لا مشقَّة؛ لأنَّ كلَّ أحدٍ ميسَّرٌ لما خُلِقَ له، وهو يسيرٌ على من يسَّره الله عليه، قال في «شرح المشكاة»: الجواب من الأسلوب الحكيم منعهم عن الاتِّكال وترك العمل، وأمرَهُم بالتزام ما يجب على العبد من العبوديَّة، يعني: أنتم عبيدٌ، ولا بدَّ لكم من العبوديَّة، فعليكم بما أمرتكم، وإيَّاكم والتَّصرُّف في أمور الرُّبوبيَّة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فلا تجعلوا العبادة وتركها سببًا مستقلًّا لدخول الجنَّة والنَّار، بل هي علاماتٌ فقط. انتهى. (ثُمَّ قَرَأَ) ﵊: (﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ الاية [الليل: ٥]) وزاد أبوا ذرٍّ والوقت: «﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾» [الليل: ٦] وساق في رواية سفيان [خ¦٤٩٤٥] إلى قوله: ﴿لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١٠] فقوله: ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى﴾ أي (٧): أعطى الطَّاعة، واتَّقى المعصية، وصدَّق بالكلمة الحسنى، وهي التي (٨) دلَّت على حقٍّ؛ ككلمة التَّوحيد، وقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٧] فسنهيِّئه (٩) للخلَّة التي تؤدِّي إلى يسرٍ وراحةٍ
لدخول (١) الجنَّة ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ﴾ بما أُمِرَ به ﴿وَاسْتَغْنَى﴾ [الليل: ٨] بشهوات الدُّنيا عن نعيم العقبى ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١٠] للخَلَّة الموجبة إلى العسر والشِّدَّة كدخول النَّار، وهذا الحديث أصلٌ لأهل السُّنَّة في أنَّ السَّعادة والشَّقاوة بتقدير الله القديم. واستُدِلَ به على إمكان معرفة الشَّقيِّ من السَّعيد (٢) في الدُّنيا، كمن اشتُهِر له لسان صدقٍ وعكسه؛ لأنَّ العمل أمارةٌ على الجزاء على ظاهر هذا الخبر (٣)، والحقُّ: أنَّ العمل علامةٌ وأمارةٌ، فيُحكم بظاهر الأمر، وأمرُ (٤) الباطن إلى الله تعالى، وقال بعضهم: إنَّ الله أمرنا بالعمل، فوجب علينا الامتثال، وغيَّب عنَّا (٥) المقادير لقيام الحجة، ونصب الأعمال علامة (٦) على ما سبق في مشيئته، فمَن عدل عنه ضلَّ؛ لأنَّ القدر سرٌّ (٧) من أسراره لا يطَّلع عليه إلَّا هو، فإذا دخلوا الجنَّة كُشِفَ لهم.
ورواة هذا الحديث كوفيُّون إِلَّا جريرًا فرازيٌّ، وأصله كوفيٌّ، وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وفيه (٨) التَّحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٩٤٧] و «القدر» [خ¦٦٦٠٥] و «الأدب» [خ¦٦٢١٧]، ومسلمٌ في «القدر»، وأبو داود في «السُّنَّة»، والتِّرمذيُّ في «القدر» (٩) و «التَّفسير»، وابن ماجه في «السُّنَّة».
(٨٣) (باب مَا جَاءَ) من (١٠) الحديث (فِي قَاتِلِ النَّفْسِ).
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
ابْن أبي شيبَة، وَهُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ الْآن، وَهُوَ من الْمسَائِل الْمُخْتَلف فِيهَا، وَورد فِيهَا من صَحِيح الحَدِيث مَا أخرجه مُسلم عَن أبي مرْثَد الغنوي مَرْفُوعا: (لَا تجلسوا على الْقُبُور وَلَا تصلوا إِلَيْهَا) قلت: لَيْت شعري كَيفَ يكون مَا ذكره من هَذَا جَوَابا لدفع الْمُعَارضَة وَالْجَوَاب مَا ذَكرْنَاهُ، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَقَالَ النَّوَوِيّ: المُرَاد بِالْجُلُوسِ الْقعُود عِنْد الْجُمْهُور، وَقَالَ مَالك: المُرَاد بالقعود الْحَدث وَهُوَ تَأْوِيل ضَعِيف أَو بَاطِل قلت: شدَّة التعصب يحمل صَاحبه على أَكثر من هَذَا، وَكَيف يَقُول النَّوَوِيّ: إِن تَأْوِيل مَالك بَاطِل وَهُوَ أعلم من النَّوَوِيّ؟ وَمثله بموارد الْأَحَادِيث والْآثَار؟ وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا، بعد نَقله عَن النَّوَوِيّ: وَهُوَ يُوهم بانفراد مَالك بذلك، وَكَذَا أَوْهَمهُ كَلَام ابْن الْجَوْزِيّ، حَيْثُ قَالَ جُمْهُور الْفُقَهَاء على الْكَرَاهَة خلافًا لمَالِك، وَصرح النَّوَوِيّ فِي (شرح الْمُهَذّب) : أَن مَذْهَب أبي حنيفَة كالجمهور، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل مَذْهَب أبي حنيفَة وَأَصْحَابه كَقَوْل مَالك لما نَقله عَنْهُم الطَّحَاوِيّ وَاحْتج لَهُ بأثر ابْن عمر الْمَذْكُور. وَأخرج عَن عَليّ نَحوه. قلت: الدَّعْوَى بِأَن الْجُمْهُور على الْكَرَاهَة غير مسلمة، لِأَن الْمُخَالف لَهُم: مَالك وَعبد الله بن وهب وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد والطَّحَاوِي، وَمن الصَّحَابَة: عبد الله بن عمر وَعلي بن أبي طَالب، فَكيف يُقَال بِأَن الْجُمْهُور على الْكَرَاهَة وَنحن أَيْضا نقُول الْجُمْهُور على عدم الْكَرَاهَة، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَيُؤَيّد قَول الْجُمْهُور مَا أخرجه أَحْمد من حَدِيث عمر بن حزم الْأنْصَارِيّ مَرْفُوعا: (لَا تقعدوا على الْقُبُور) ، وَفِي رِوَايَة عَنهُ: (رَآنِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنا متكىء على قبر، فَقَالَ: لَا تؤذ صَاحب الْقَبْر) ، إِسْنَاده صَحِيح، وَهُوَ دَال على أَن المُرَاد بِالْجُلُوسِ الْقعُود على حَقِيقَته. قلت: المُرَاد من النَّهْي عَن الْقعُود على الْقُبُور، هُوَ النَّهْي عَن الْقعُود لأجل الْحَدث، حَتَّى ينْدَفع التَّعَارُض بَينه وَبَين مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة، وَلَا يلْزم من النَّهْي عَن الْقعُود على الْقَبْر لأجل الْحَدث نفي حَقِيقَة الْقعُود.
١٦٣١ - حدَّثنا يَحْيَى قَالَ حدَّثنا أبُو مُعَاوِيةَ عنِ الأعْمَشِ عنْ مُجَاهِدٍ عنْ طاوُسٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنَّهُ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ فَقَالَ إنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أمَّا أحدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ وَأمَّا الآخَرُ فكانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ثُمَّ أخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ ثُمَّ غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرِ وَاحِدَةً فقالُوا يَا رسولَ الله لِمَ صَنَعتَ هاذَا فَقَالَ لَعَلَّهُ أنْ يخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ أَخذ جَرِيدَة. .) إِلَى آخِره، وَهَذَا الحَدِيث وَهَذَا الحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْوضُوء فِي: بَاب من الْكَبَائِر أَن لَا يسْتَتر من بَوْله، أخرجه هُنَاكَ: عَن عُثْمَان عَن جرير عَن مَنْصُور عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: (مر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بحائط من حيطان الْمَدِينَة أَو مَكَّة فَسمع صَوت إنسانين يعذبان فِي قبورهما) الحَدِيث، غير أَن هُنَاكَ: عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، وَهَهُنَا: عَن مُجَاهِد عَن طَاوُوس عَن ابْن عَبَّاس، وَكِلَاهُمَا صَحِيح، لِأَن مُجَاهدًا يروي عَن ابْن عَبَّاس وَعَن طَاوُوس أَيْضا، وَعكس الْكرْمَانِي فَقَالَ هَهُنَا: عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، وَهُنَاكَ: عَن مُجَاهِد عَن طَاوُوس، وَهَذَا سَهْو مِنْهُ، وَشَيْخه هُنَاكَ يحيى، ذكره غير مَنْسُوب، فَقَالَ الغساني: قَالَ ابْن السكن: هُوَ يحيى بن مُوسَى، وَقَالَ الكلاباذي: سمع يحيى بن جَعْفَر أَبَا مُعَاوِيَة وَهُوَ مُحَمَّد بن خازم، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالزَّاي: الضَّرِير، وَبِه جزم أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) أَنه يحيى بن جَعْفَر، وَجزم أَبُو مَسْعُود فِي (الْأَطْرَاف) : والحافظ الْمزي أَيْضا بِأَنَّهُ يحيى بن يحيى، وَمضى الْكَلَام فِي الحَدِيث هُنَاكَ مَبْسُوطا مُسْتَوفى.
٢٨ - (بابُ مَوْعِظَةِ المُحَدِّثِ عِنْدَ القَبْرِ وَقُعُودِ أصْحَابِهِ حَوْلَهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وعظ الْمُحدث عِنْد الْقَبْر، وَالْمَوْعِظَة مصدر ميمي يُقَال: وعظ يُعْط وعظا وموعظة، والوعظ: النصح والتذكير بالعواقب، تَقول: وعظته وعظا وعظة فاتعظ أَي: قبل الموعظة. قَوْله: (وقعود أَصْحَابه) ، بِالْجَرِّ عطف على قَوْله:
(موعظة الْمُحدث) ، أَي: وَفِي بَيَان قعُود أَصْحَاب الْمُحدث حول الْمُحدث، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى أَن الْجُلُوس مَعَ الْجَمَاعَة عِنْد الْقَبْر، إِن كَانَ لمصْلحَة تتَعَلَّق بالحي أَو الْمَيِّت لَا يكره ذَلِك، فَأَما مصلحَة الْحَيّ فَمثل أَن يجْتَمع قوم عِنْد قبر وَفِيهِمْ من يَعِظهُمْ وَيذكرهُمْ الْمَوْت وأحوال الْآخِرَة، وَأما مصلحَة الْمَيِّت فَمثل مَا إِذا اجْتَمعُوا عِنْده لقِرَاءَة الْقُرْآن وَالذكر، فَإِن الْمَيِّت ينْتَفع بِهِ وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث معقل بن يسَار قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (اقرأوا ي س على مَوْتَاكُم) . وَأخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه أَيْضا، فَالْحَدِيث يدل على أَن الْمَيِّت ينْتَفع بِقِرَاءَة الْقُرْآن عِنْده، وَهُوَ حجَّة على من قَالَ: إِن الْمَيِّت لَا ينْتَفع بِقِرَاءَة الْقُرْآن.
يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجدَاثِ الأجْدَاثُ القُبُورُ
مُطَابقَة هَذَا وَمَا بعده للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن ذكر خُرُوج بني آدم من الْقُبُور وبعثرة مَا فِي الْقُبُور وإيفاضهم أَي: إسراعهم إِلَى الْمَحْشَر وهم يَنْسلونَ أَي: يخرجُون، كل ذَلِك من الموعظة. والأجداث جمع: جدث، وَهُوَ الْقَبْر. وَقد قَالُوا: جدف، بِالْفَاءِ مَوضِع الثَّاء الْمُثَلَّثَة إلَاّ إِنَّهُم لم يَقُولُوا فِي الْجمع: أجداف، بِالْفَاءِ وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن المُرَاد من الأجداث فِي الْآيَة: الْقُبُور، وَقد وَصله ابْن أبي حَاتِم وَغَيره من طَرِيق قَتَادَة وَالسُّديّ وَغَيرهمَا وَفِي (الْمُخَصّص) قَالَ الْفَارِسِي: اشتقاق الجدف بِالْفَاءِ من التجديف، وَهُوَ كفر النعم، وَفِي (الصِّحَاح) : الجدث الْقَبْر وَالْجمع أجدث وأجداث. وَقَالَ ابْن جني: وأجدث، مَوضِع، وَقد نفى سِيبَوَيْهٍ أَن يكون أفعل من أبنيه الْوَاحِد، فَيجب أَن يعد هَذَا مِمَّا فَاتَهُ، إلَاّ أَن يكون جمع الجدث الَّذِي هُوَ الْقَبْر على أجدث، ثمَّ سمى بِهِ الْموضع، وَفِي (الْمجَاز) لأبي عُبَيْدَة: بالثاء لُغَة أهل الْعَالِيَة، وَأهل نجد يَقُولُونَ: جدف، بِالْفَاءِ.
بُعْثِرَتْ: أُثِيرَتْ، بَعْثَرْتُ حَوْضِي أيْ جَعَلْتُ أسْفَلَهُ أعْلاهُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَإِذا الْقُبُور بعثرت} (الانفطار: ٤) . وَأَن مَعْنَاهُ: أثيرت من الإثارة، وَفِي (الصِّحَاح) : قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: بعثر مَا فِي الْقُبُور أثير وَأخرج. وَقَالَ فِي (الْمجَاز) : بعثرت حَوْضِي أَي: هدمته. وَفِي (الْمعَانِي) للفراء: بعثرت وبحثرت: لُغَتَانِ وَفِي (تَفْسِير الطَّبَرِيّ) عَن ابْن عَبَّاس: بعثرت بحثت. وَفِي (الْمُحكم) : بعثر الْمَتَاع وَالتُّرَاب قلبه، وبعثر الشَّيْء فرقه، وَزعم يَعْقُوب أَن عينهَا بدل من عين بعثر أَو غين بدل مِنْهَا، وبعثر الْخَبَر بَحثه. وَفِي (الواعي فِي اللُّغَة) : بعثرته إِذا قلبت ترابه وبددته.
الإيفَاضُ الإسْرَاعُ
الإيفاض، بِكَسْر الْهمزَة، مصدر من أوفض يوفض إيفاضا، وأصل إيفاض أوفاض، قلبت الْوَاو يَاء لسكونها وانكسار مَا قبلهَا، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {كَأَنَّهُمْ إِلَى نضب يوفضون} (المعارج: ٣٤) . وثلاثيه: وفض من الوفض، وَهُوَ: العجلة.
وَقَرَأ الأعْمَشُ إلَى نَصْبٍ إلَى شَيْءٍ مَنْصُوبٍ يَسْتَبِقُونَ إلَيْهِ وَالنُّصْبُ وَاحِدٌ وَالنَّصْبُ مَصْدَرٌ
الْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان. قَوْله: (إِلَى نصب) ، بِفَتْح النُّون كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: بِالضَّمِّ، وَالْأول أصح، وَهُوَ قِرَاءَة الْجُمْهُور، وَحكى الطَّبَرِيّ أَنه لم يقرأه بِالضَّمِّ إِلَّا الْحسن الْبَصْرِيّ وَفِي (الْمعَانِي) للزجاج: قُرِئت (نصب) ، نصب، بِضَم النُّون وَسُكُون الصَّاد، و: نصب، بِضَم النُّون وَالصَّاد، وَمن قَرَأَ: نصب وَنصب، فَمَعْنَاه كَأَنَّهُمْ يوفضون إِلَى علم مَنْصُوب لَهُم، وَمن قَرَأَ: نصب، فَمَعْنَاه إِلَى أصنام لَهُم، وَكَانَت النصب الْآلهَة الَّتِي كَانَت تعبد من أَحْجَار. وَفِي (الْمُنْتَهى) : النصب وَالنّصب وَالنّصب، بِمَعْنى مثل: الْعُمر والعمر والعمر، وَقيل: النصب حجر ينصب فيعبد وَيصب عَلَيْهِ دِمَاء الذَّبَائِح، وَقيل: هُوَ الْعلم ينصب للْقَوْم، أَي: علم كَانَ. وَفِي (الْمُحكم) : النصب جمع نصيبة، كسفينة وسفن، وَقيل: النصب الْغَايَة، ذكره عبد فِي تَفْسِيره عَن مُجَاهِد وَأبي الْعَالِيَة، وَضَعفه ابْن سَيّده، وَقَالَ ابْن التِّين: قَرَأَ أَبُو الْعَالِيَة وَالْحسن بِضَم النُّون وَالصَّاد، وَقَالَ الْحسن فِيمَا حَكَاهُ عبد فِي تَفْسِيره: كَانُوا يبتدرون إِذا طلعت الشَّمْس إِلَى نصبهم سرَاعًا أَيهمْ يستلمها أَولا لَا يلوي أَوَّلهمْ على آخِرهم. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: النصب بِالْفَتْح الْعلم الَّذِي ينصب، وَنصب بِالضَّمِّ جمَاعَة مثل: رهن وَرهن. قَوْله: (يوفضون) أَي: يسرعون، وَهُوَ من الإيفاض كَمَا مر، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أبي حَدثنَا مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن قُرَّة عَن الْحسن فِي قَوْله: {إِلَى نصب يوفضون} (المعارج: ٣٤) . أَي: يبتدرون أَيهمْ يستلمه أول. قَوْله: (والنضب وَاحِد وَالنّصب مصدر) أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن لفظ النصب يسْتَعْمل إسما
وَيسْتَعْمل مصدرا وَيجمع على أنصاب. وَقَالَ بَعضهم: النصب وَاحِد وَالنّصب مصدر، كَذَا وَقع فِيهِ، وَالَّذِي فِي (الْمعَانِي) للفراء: النصب وَالنّصب وَاحِد، وَهُوَ مصدر، وَالْجمع أنصاب، فَكَانَ التَّغْيِير من بعض النقلَة. قلت: لَا تَغْيِير فِيهِ لِأَن البُخَارِيّ فرق بِكَلَامِهِ هَذَا بَين الِاسْم والمصدر، وَلَكِن من قصرت يَده عَن علم الصّرْف لَا يفرق بَين الإسم والمصدر فِي مجيئها على لفظ وَاحِد.
يَوْمَ الخُرُوجِ مِنَ القُبُورِ يَنْسِلُونَ يَخْرُجُونَ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى قَوْله تَعَالَى: {ذَلِك يَوْم الْخُرُوج} (ق: ٢٤) . أَي من الْقُبُور وَفسّر قَوْله: {يَنْسلونَ} (الْأَنْبِيَاء: ٦٩، ي س: ١٥) . بقوله: {يخرجُون} (ق: ٢٤) . كَذَا ذكره عبد عَن قَتَادَة، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: يَنْسلونَ يسرعون، وَالذِّئْب ينسل ويعسل. وَفِي (الْكَامِل) : العسلان غير النسلان، وَفِي كتاب الزّجاج وَابْن جرير الطَّبَرِيّ و (تَفْسِير ابْن عَبَّاس) {يَنْسلونَ} (الْأَنْبِيَاء: ٦٩، ي س: ١٥) . يخرجُون بِسُرْعَة. وَفِي (الْمُجْمل) : النسلان مشْيَة الذِّئْب إِذا أعنق وأسرع فِي الْمَشْي، وَفِي (الْمُحكم) : نسل ينسل نَسْلًا ونسلانا. وَأَصله للذئب، ثمَّ اسْتعْمل فِي غير ذَلِك. وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: نسولاً، وَأَصله عَدو مَعَ مقاربة خطو.
٢٦٣١ - حدَّثنا عُثْمَانُ قَالَ حدَّثني جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ عَن أبي عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ عَلِيٍّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعَ الغَرْقَدِ فَأَتَانَا النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ ثُمَّ قالَ مَا مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ مَا منِ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إلَاّ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ وَإلَاّ قَدْ كُتِبَ شَقِيَّةً أوْ سَعِيدَةً فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُول الله أفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا ونَدَعُ العَمَلَ فَمَنْ كانَ مِنَّا مِنْ أهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إلَى عَمَلِ أهْلِ السَّعَادَةِ وَأمَّا منْ كانَ مِنَّا مِنْ أهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إلَى عَمَلِ الشَّقَاوَةِ قَالَ أمَّا أهلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ وَأمَّا أهحلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ ثُمَّ قَرَأَ فأمَّا مَنْ أعْطَى واتَّقَى الآيَةَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَقعدَ وقعدنا حوله) ، وَكَانَ فِي قعوده، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَلَامه بِمَا قَالَه فِيهِ وعظ لَهُم.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: عُثْمَان بن مُحَمَّد بن أبي شيبَة، واسْمه إِبْرَاهِيم أَبُو الْحسن الْعَبْسِي. الثَّانِي: جرير بن عبد الحميد الضَّبِّيّ. الثَّالِث: مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر. الرَّابِع: سعد بن عُبَيْدَة، بِضَم الْعين وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَقد مر فِي آخر كتاب الْوضُوء. الْخَامِس: أَبُو عبد الرَّحْمَن، هُوَ عبد الله بن حبيب، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة، مر فِي: بَاب غسل الْمَذْي فِي كتاب الْغسْل. السَّادِس: عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور غير مَنْسُوب، وَكَذَلِكَ اثْنَان فِيمَا بعده. وَفِيه: أحدهم مَذْكُور بكنيته. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم كوفيون إلَاّ جَرِيرًا رازي وَأَصله من الْكُوفَة. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن آدم بن أبي إِيَاس، وَعَن بشر بن خَالِد عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر وَعَن يحيى عَن وَكِيع، ثَلَاثَتهمْ عَن شُعْبَة وَعَن أبي نعيم عَن سُفْيَان وَعَن مُسَدّد عَن عبد الْوَاحِد بن زِيَاد ثَلَاثَتهمْ عَن الْأَعْمَش عَنهُ بِهِ وَفِي الْقدر عَن عَبْدَانِ وَفِي الْأَدَب عَن بنْدَار عَن غنْدر. وَأخرجه مُسلم فِي الْقدر عَن عُثْمَان ابْن أبي شيبَة وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَزُهَيْر بن حَرْب، ثَلَاثَتهمْ عَن جرير بِهِ وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب، وَأبي سعيد الْأَشَج، ثَلَاثَتهمْ عَن وَكِيع بِهِ وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وهناد بن السّري وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير وَعَن أبي كريب وَعَن أبي مُوسَى وَابْن بشار. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي السّنة عَن مُسَدّد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْقدر عَن الْحسن بن عَليّ الْخلال وَفِي التَّفْسِير عَن بنْدَار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى وَعَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي السّنة عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَعَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن أبي مُعَاوِيَة ووكيع بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي بَقِيع) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الْقَاف وَهُوَ من الأَرْض مَوضِع فِيهِ أروم شجر من ضروب شَتَّى، وَبِه سمى: بَقِيع الْغَرْقَد، بِالْمَدِينَةِ وَهِي مَقْبرَة أَهلهَا، و: الْغَرْقَد، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْقَاف وَفِي آخِره دَال مُهْملَة: وَهُوَ شجر لَهُ شوك كَانَ ينْبت هُنَاكَ فَذهب الشّجر وَبَقِي الإسم لَازِما للموضع. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: قطعت غرقدات فِي هَذَا الْموضع حِين دفن فِيهِ عُثْمَان بن مَظْعُون، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَقَالَ ياقوت: وبالمدينة أَيْضا بَقِيع الزبير وبقيع الْخَيل عِنْد دَار زيد بن ثَابت وبقيع الخبجبة، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة الساكنة وَالْجِيم المفوحة وَالْبَاء الْمُوَحدَة الْأُخْرَى، كَذَا ذكره السُّهيْلي، وَغَيره يَقُول: الجبجبة، بجيمين، وبقيع الْخضمات، قَالَ الْخطابِيّ: وَمن النَّاس من يَقُوله بِالْبَاء، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: الْغَرْقَد وأحدها غرقدة وَإِذا عظمت العوسجة فَهِيَ غرقدة، والعوسج من شجر الشوك لَهُ ثَمَر أَحْمَر مدور كَأَنَّهُ خرز العقيق. وَقَالَ أَبُو الْعَلَاء المعري: هُوَ نبت من نَبَات السهل، وَقَالَ أَبُو زيد الْأنْصَارِيّ: الْغَرْقَد ينْبت بِكُل مَكَان مَا خلا حر الرمل، وَذكر ابْن البيطار فِي (جَامعه) أَن الْغَرْقَد اسْم عَرَبِيّ يُسَمِّي بِهِ بعض الْعَرَب النَّوْع الْأَبْيَض الْكَبِير من العوسج. قَالَ أَبُو عمر: إِن مضغه مر. وَفِي الحَدِيث فِي ذكر الدَّجَّال كل شَيْء يواري يَهُودِيّا ينْطق إلَاّ الْغَرْقَد فَإِنَّهُ من شجرهم فَلَا ينْطق، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْغَرْقَد من شجر الْحجاز. وَفِي (الْمُحكم) : بَقِيع الْغَرْقَد يُسمى كفنة لِأَنَّهُ يدْفن فِيهِ. قَوْله: (وَمَعَهُ مخصرة) ، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة وَالرَّاء: وَهُوَ شَيْء يَأْخُذهُ الرجل بِيَدِهِ ليتوكأ عَلَيْهِ مثل الْعَصَا وَنَحْوه، وَهُوَ أَيْضا مَا يَأْخُذهُ الْملك يُشِير بِهِ إِذا خطب، وَاخْتصرَ الرجل أمسك المخصرة. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: التخصير إمْسَاك الْقَضِيب بِالْيَدِ، وَجزم ابْن بطال أَنه الْعَصَا. وَقَالَ ابْن التِّين: عَصا أَو قضيب. قَوْله: (فَنَكس) ، بتَخْفِيف الْكَاف وتشديدها، لُغَتَانِ، أَي: خفض رَأسه وطأطأ بِهِ إِلَى الأَرْض على هَيْئَة المهموم المفكر، وَيحْتَمل أَيْضا أَن يُرَاد بنكس: نكس المخصرة. قَوْله: (ينكت) من النكت، وَهُوَ أَن يضْرب فِي الأَرْض بقضيب يُؤثر فِيهَا، وَيُقَال: النكت قرعك الأَرْض بِعُود أَو بأصبع يُؤثر فِيهَا. قَوْله: (منفوسة) أَي: مصنوعة مخلوقة. قَوْله: (إِلَّا كتب) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (مَكَانهَا) ، بِالرَّفْع مفعول نَاب عَن الْفَاعِل، وَأَصله: كتب الله مَكَان تِلْكَ النَّفس المخلوقة، وَكلمَة: من، للْبَيَان. قَوْله: (وَالنَّار) ، قَالَ الْكرْمَانِي: الْوَاو فِي: النَّار، بِمَعْنى: أَو. قلت: لم أدر مَا حمله على هَذَا. قَوْله: (وَإِلَّا) كلمة: إِلَّا، الثَّانِيَة تروى بِالْوَاو وتروى بِدُونِهَا، وَفِيه غرابة من الْكَلَام، وَهِي أَن قَوْله: (مَا من نفس) يحْتَمل أَن يكون بَدَلا من قَوْله: (مَا مِنْكُم) وَأَن يكون إلَاّ ثَانِيًا بَدَلا من إلَاّ أَولا. وَيحْتَمل أَن يكون من بَاب اللف والنشر، وَأَن يكون تعميما بعد تَخْصِيص، إِذْ الثَّانِي فِي كل مِنْهَا أَعم من الأول. قَوْله: (شقية) قَالَ الْكرْمَانِي: بِالرَّفْع أَي: هِيَ شقية. قلت: وَجه ذَلِك هُوَ أَن الضَّمِير فِي قَوْله: (إلَاّ قد كتب) ، يرجع إِلَى قَوْله: (مَكَانهَا) ، لِأَنَّهُ بدل مِنْهُ فَلَا يَصح أَن يكون ارْتِفَاع: شقية، إلَاّ بِتَقْدِير شَيْء مَحْذُوف حِينَئِذٍ وَهُوَ لفظ: هِيَ، على أَنه مُبْتَدأ وشقية خَبره. قَوْله: (فَقَالَ رجل) قيل: إِنَّه عمر، وَقيل: إِنَّه غَيره. قَوْله: (أَفلا نَتَّكِل على كتَابنَا؟) أَي: الَّذِي قدر الله علينا ونتكل؟ أَي: نعتمد؟ وَأَصله: نوتكل، فأبدلت التَّاء من الْوَاو وأدغمت فِي الْأُخْرَى لِأَن أَصله من وكل يكل. قَوْله: (وَنَدع الْعَمَل) أَي: نتركه. قَوْله: (فسيصير) أَي: فسيجريه الْقَضَاء إِلَيْهِ قهرا، وَيكون مآل حَاله ذَلِك بِدُونِ اخْتِيَاره. قَوْله: (فييسرون) ، ذكره بِلَفْظ الْجمع بِاعْتِبَار معنى الْأَهْل، وَوجه مُطَابقَة جَوَابه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لسؤالهم هُوَ أَنهم لما قَالُوا: إِنَّا نَتْرُك الْمَشَقَّة الَّتِي فِي الْعَمَل الَّذِي لأَجلهَا سمي بالتكليف، فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا مشقة ثمَّة إِذْ كل ميسر لما خلق لَهُ) ، (وَهُوَ يسيرٌ على من يسره الله عَلَيْهِ) . فَإِن قيل: إِذا كَانَ الْقَضَاء الأزلي يَقْتَضِي ذَلِك، فَلم الْمَدْح والذم وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب؟ أُجِيب: بِأَن الْمَدْح والذم بِاعْتِبَار الْمَحَلِّيَّة لَا بِاعْتِبَار الفاعلية، وَهَذَا هُوَ المُرَاد باكسب الْمَشْهُور عَن الأشاعرة، وَذَلِكَ كَمَا يمدح الشَّيْء ويذم بحسنه وقبحه وسلامته وعاهته. وَأما الثَّوَاب وَالْعِقَاب فكسائر العاديات، فَكَمَا لَا يَصح عندنَا أَن يُقَال: لم خلق الله تَعَالَى الإحتراق عقيب مماسة النَّار وَلم يحصل ابْتِدَاء؟ فَكَذَا هَهُنَا، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: الْجَواب من الإسلوب الْحَكِيم مَنعهم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الاتكال وَترك الْعَمَل، وَأمرهمْ بِالْتِزَام مَا يجب على العَبْد من الْعُبُودِيَّة، وَإِيَّاكُم وَالتَّصَرُّف فِي الْأُمُور الإلهية فَلَا تجْعَلُوا الْعِبَادَة وَتركهَا سَببا مُسْتقِلّا لدُخُول الْجنَّة وَالنَّار، بل إِنَّهَا عَلَامَات فَقَط، وَقَالَ الْخطابِيّ: لما أخبر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن سبق الْكتاب بالسعادة رام الْقَوْم أَن يتخذوه حجَّة فِي ترك الْعَمَل، فأعلمهم أَن هُنَا أَمريْن لَا يبطل أَحدهمَا الآخر: بَاطِن
هُوَ الْعلَّة الْمُوجبَة فِي حكم الربوبية، وَظَاهر هُوَ التَّتِمَّة اللَّازِمَة فِي حق الْعُبُودِيَّة، وَإِنَّمَا هُوَ أَمارَة مخيلة فِي مطالقة علم العواقب غير مفيدة حَقِيقَة، وبيَّن لَهُم أَن كلا ميسر لما خلق لَهُ، وَأَن عمله فِي العاجل دَلِيل مصيره فِي الآجل، وَلذَلِك مثل بقوله تَعَالَى: {فَأَما من أعْطى وَاتَّقَى} (الَّيْلِ: ٥) . الْآيَة، وَنَظِيره الرزق الْمَقْسُوم مَعَ الْأَمر بِالْكَسْبِ، وَالْأَجَل الْمَضْرُوب مَعَ التعالج بالطب، فَإنَّك تَجِد الْبَاطِن مِنْهُمَا على مُوجبه، وَالظَّاهِر سَببا مخيلاً، وَقد اصْطَلحُوا على أَن الظَّاهِر مِنْهُمَا لَا يتْرك للباطن.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ ابْن بطال: هَذَا الحَدِيث أصل لأهل السّنة فِي أَن السَّعَادَة والشقاوة بِخلق الله تَعَالَى، بِخِلَاف قَول الْقَدَرِيَّة الَّذين يَقُولُونَ: إِن الشَّرّ لَيْسَ بِخلق الله. وَقَالَ النَّوَوِيّ: فِيهِ إِثْبَات للقدر، وَإِن جمع الْوَاقِعَات بِقَضَاء الله تَعَالَى وَقدره، لَا يُسأل عَمَّا يفعل، وَقيل: إِن سر الْقدر ينْكَشف لِلْخَلَائِقِ إِذا دخلُوا الْجنَّة، وَلَا ينْكَشف لَهُم قبل دُخُولهَا، وَفِيه رد على أهل الْجَبْر، لِأَن الْمُجبر لَا يَأْتِي الشَّيْء إلَاّ وَهُوَ يكرههُ، والتيسير ضد الْجَبْر، أَلا ترى أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِن الله تجَاوز عَن أمتِي مَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ) . قَالَ: والتيسير هُوَ أَن يَأْتِي الْإِنْسَان الشَّيْء وَهُوَ يُحِبهُ.
وَاخْتلف أهل يعلم فِي الدُّنْيَا الشقي من السعيد؟ فَقَالَ قوم: نعم، محتجين بِهَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة، والْحَدِيث لِأَن كل عمل أَمارَة على جَزَائِهِ. وَقَالَ قوم: لَا، وَالْحق فِي ذَلِك أَنه يدْرك ظنا لَا جزما. وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية: من اشْتهر لَهُ لِسَان صدق فِي النَّاس من صالحي هَذِه الْأمة هَل يقطع لَهُ بِالْجنَّةِ؟ فِيهِ قَولَانِ للْعُلَمَاء رَحِمهم الله.
وَفِيه: جَوَاز الْقعُود عِنْد الْقُبُور والتحدث عِنْدهَا بِالْعلمِ والمواعظ. وَفِيه: نكته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْمِخْصَرَةِ فِي الأَرْض. أصل تَحْرِيك الإصبع فِي التَّشَهُّد. قَالَه الْمُهلب. فَإِن قلت: مَا معنى النكت بِالْمِخْصَرَةِ؟ قلت: هُوَ إِشَارَة إِلَى إِحْضَار الْقلب للمعاني. وَفِيه: نكس الرَّأْس عِنْد الْخُشُوع والتفكر فِي أَمر الْآخِرَة. وَفِيه: إِظْهَار الخضوع والخشوع عِنْد الْجِنَازَة، وَكَانُوا إِذا حَضَرُوا جَنَازَة يلقى أحدهم حَبِيبه وَلَا يقبل عَلَيْهِ إلَاّ بِالسَّلَامِ حَتَّى يرى أَنه وَاجِد عَلَيْهِ، وَكَانُوا لَا يَضْحَكُونَ هُنَاكَ، وَرَأى بَعضهم رجلا يضْحك فآلى أَن لَا يكلمهُ أبدا، وَكَانَ يبْقى أثر ذَلِك عِنْدهم ثَلَاثَة أَيَّام لشدَّة مَا يحصل فِي قُلُوبهم من الْخَوْف والفزع. وَفِيه: أَن النَّفس المخلوقة إِمَّا سعيدة وَإِمَّا شقية، وَلَا يُقَال: إِذا وَجَبت الشقاوة والسعادة بِالْقضَاءِ الأزلي وَالْقدر الإلهي فَلَا فَائِدَة فِي التَّكْلِيف، فَإِن هَذَا أعظم شبه النافين للقدر، وَقد أجابهم الشَّارِع بِمَا لَا يبْقى مَعَه إِشْكَال، وَوجه الِانْفِصَال أَن الرب تَعَالَى أمرنَا بِالْعَمَلِ، فَلَا بُد من امتثاله، وغيب عَنَّا الْمَقَادِير لقِيَام حجَّته وزجره، وَنصب الْأَعْمَال عَلامَة على مَا سبق فِي مَشِيئَته، فسبيله التَّوَقُّف، فَمن عدل عَنهُ ضل لِأَن الْقدر سر من أسراره لَا يطلع عَلَيْهِ إلَاّ هُوَ فَإِذا دخلُوا الْجنَّة كشف لَهُم.
٣٨ - (بابُ مَا جاءَ فِي قاتِلِ النَّفْسِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ من الْأَخْبَار فِي حق قَاتل النَّفس، قيل: مَقْصُود التَّرْجَمَة حكم قَاتل النَّفس، وَالْمَذْكُور فِي الْبَاب حكم قَاتل نَفسه فَهُوَ أخص من التَّرْجَمَة، وَلكنه أَرَادَ أَن يلْحق بِقَاتِل نَفسه قَاتل غَيره من بَاب الأولى. قلت: قَوْله: قَاتل النَّفس، أَعم من أَن يكون قَاتل نَفسه، وَقَاتل غَيره، فَهَذَا اللَّفْظ يَشْمَل الْقسمَيْنِ فَلَا يحْتَاج فِي ذَلِك إِلَى دَعْوَى الأخصية وَلَا إِلَى إِلْحَاق قَاتل الْغَيْر بِقَاتِل نَفسه، وَلَا يلْزم أَن يكون حَدِيث الْبَاب طبق التَّرْجَمَة من سَائِر الْوُجُوه، بل إِذا صدق الحَدِيث على جُزْء مَا صدقت عَلَيْهِ التَّرْجَمَة، كفى. وَقيل: عَادَة البُخَارِيّ إِذا توقف فِي شَيْء ترْجم عَلَيْهِ تَرْجَمَة مُبْهمَة كَأَنَّهُ يُنَبه على طَرِيق الِاجْتِهَاد، وَقد نقل عَن مَالك أَن قَاتل النَّفس لَا تقبل تَوْبَته، وَمُقْتَضَاهُ أَن لَا يصلى عَلَيْهِ. قلت: لَا نسلم أَن هَذِه التَّرْجَمَة مُبْهمَة، والإبهام من أَيْن جَاءَ وَهِي ظَاهِرَة فِي تنَاولهَا الْقسمَيْنِ الْمَذْكُورين كَمَا ذكرنَا؟ وَقَالَ بَعضهم: لَعَلَّ البُخَارِيّ أَشَارَ بذلك إِلَى مَا رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن من حَدِيث جَابر بن سَمُرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، (أُتِي بِرَجُل قتل نَفسه بمشاقص فَلم يصل عَلَيْهِ) . وَفِي رِوَايَة للنسائي: (أما أَنا فَلَا أُصَلِّي عَلَيْهِ) لكنه لما لم يكن على شَرطه أَوْمَأ إِلَيْهِ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة وَأورد فِيهَا مَا يُشبههُ من قصَّة قَاتل نَفسه. قلت: تَوْجِيه كَلَام البُخَارِيّ فِي التَّرْجَمَة بالتخمين لَا يُفِيد، وَكَلَامه ظَاهر لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّكَلُّف، وَالْوَجْه مَا ذَكرْنَاهُ.
٣٦٣١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ قَالَ حدَّثنا خالِدٌ عنْ أبِي قِلابَةَ عنْ ثابتِ ابنِ الضَّحَّاكِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإسْلامِ كاذِبا مُتَعَمِّدا فَهْوَ كَمَا قَالَ وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ..
وَجه الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة مَا ذَكرْنَاهُ.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة تقدمُوا، وخَالِد هُوَ الْحذاء وَأَبُو قلَابَة عبد الله بن زيد بن ثَابت بن الضَّحَّاك الْأنْصَارِيّ الأشْهَلِي من أَصْحَاب بيعَة الرضْوَان، وَهُوَ صَغِير، مَاتَ سنة خمس وَأَرْبَعين.
وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَفِي النذور عَن مُعلى بن أَسد وَفِي الْأَدَب أَيْضا عَن مُحَمَّد بن بشار. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَيْمَان عَن يحيى بن يحيى وَعَن أبي غَسَّان وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق بن مَنْصُور وَعبد الْوَارِث بن عبد الصَّمد وَعَن مُحَمَّد بن رَافع. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور عَن أبي تَوْبَة وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن منيع. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور وَعَن مَحْمُود بن خَالِد وَعَن قُتَيْبَة وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْكَفَّارَات عَن مُحَمَّد بن الْمثنى.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بِملَّة) ، الْملَّة الدّين كملة الْإِسْلَام واليهودية والنصرانية، وَقيل: هِيَ مُعظم الدّين، وَجُمْلَة مَا يَجِيء بِهِ الرُّسُل. صورته أَن يحلف بدين النَّصَارَى أَو بدين مِلَّة من ملل الْكَفَرَة. قَوْله: (كَاذِبًا) حَال من الضَّمِير الَّذِي فِي: حلف، أَي: حَال كَونه كَاذِبًا فِي تَعْظِيم تِلْكَ الْملَّة الَّتِي حلف بهَا، فَيكون هَذَا الْحَال من الْأَحْوَال اللَّازِمَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَهُوَ الْحق مُصدقا} (الْبَقَرَة: ٢٩، وفاطر: ١٣) . لِأَن من عظم غير مِلَّة الْإِسْلَام كَانَ كَاذِبًا فِي تَعْظِيم ذَلِك دَائِما فِي كل حَال، وَفِي كل وَقت، وَلَا ينْتَقل عَنهُ وَلَا يصلح أَن يُقَال: إِنَّه يَعْنِي بِكَوْنِهِ كَاذِبًا فِي الْمَحْلُوف عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يَسْتَوِي فِي حَقه كَونه صَادِقا أَو كَاذِبًا إِذا حلف بِملَّة غير الْإِسْلَام، لِأَنَّهُ إِنَّمَا ذمه الشَّرْع من حَيْثُ إِنَّه حلف بِتِلْكَ الْملَّة الْبَاطِلَة مُعظما لَهَا على نَحْو مَا يعظم بِهِ مِلَّة الْإِسْلَام الْحق، وَلَا فرق بَين أَن يكون صَادِقا أَو كَاذِبًا فِي الْمَحْلُوف عَلَيْهِ. قَوْله: (مُتَعَمدا) أَيْضا حَال من الْأَحْوَال المتداخلة أَو المترادفة، قيد بِهِ لِأَنَّهُ إِذا كَانَ الْحَالِف بذلك غير مُعْتَقد لذَلِك فَهُوَ آثم مرتكب كَبِيرَة إِذْ قد تشبه فِي قَوْله بِمن يعظم تِلْكَ الْملَّة ويعتقدها، فغلظ عَلَيْهِ الْوَعيد بِأَن صير كواحد مِنْهُم مُبَالغَة فِي الردع والزجر، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَإِنَّهُ مِنْهُم} (الْمَائِدَة: ١٥) . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: قَوْله: (مُتَعَمدا) ، يحْتَمل أَن يُرِيد بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من كَانَ مُعْتَقدًا لتعظيم تِلْكَ الْملَّة الْمُغَايرَة لملة الْإِسْلَام، وَحِينَئِذٍ يكون كَافِرًا حَقِيقَة، فَيبقى اللَّفْظ على ظَاهره. قَوْله: (فَهُوَ كَمَا قَالَ) ، قَالَ ابْن بطال: أَي: هُوَ كَاذِب لَا كَافِر، وَلَا يخرج بِهَذِهِ الْقِصَّة من الْإِسْلَام إِلَى الدّين الَّذِي حلف بِهِ لِأَنَّهُ لم يقل مَا يَعْتَقِدهُ، فَوَجَبَ أَن يكون كَاذِبًا، كَمَا قَالَ لَا كَافِرًا. قَالَ: فَإِن ظن أَن فِي هَذَا الحَدِيث دَلِيلا على إِبَاحَة الْحلف بِملَّة غير الْإِسْلَام صَادِقا لاشتراطه فِي الحَدِيث أَن يحلف بِهِ كَاذِبًا، قيل لَهُ: لَيْسَ كَمَا توهمت لوُرُود نهي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْحلف بِغَيْر الله نهيا مُطلقًا، فَاسْتَوَى فِي ذَلِك الْكَاذِب والصادق. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (فَهُوَ كَمَا قَالَ) أَي: فَهُوَ على مِلَّة غير الْإِسْلَام، لِأَن الْحلف بالشَّيْء تَعْظِيم لَهُ، ثمَّ قَالَ: الظَّاهِر أَنه تَغْلِيظ. قلت: حمله على هَذَا التَّفْسِير صرفه معنى قَوْله: كَاذِبًا إِلَى الْمَحْلُوف عَلَيْهِ، وَقد ذكرنَا أَنه لَا يصلح ذَلِك لِاسْتِوَاء كَونه صَادِقا أَو كَاذِبًا إِذا حلف بِملَّة غير الْإِسْلَام، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ إِنَّمَا يحلف الْحَالِف بِمَا كَانَ عَظِيما عِنْده، وَمن اعْتقد تَعْظِيم مِلَّة من ملل الْكفْر فقد ضاهى الْكفَّار. انْتهى. قلت: فقد كفر حَقِيقَة والمضاهاة دون ذَلِك. قَوْله: (بحديدة) أَرَادَ بِهِ آلَة قاطمة مثل السَّيْف والسكين وَنَحْوهمَا، والحديدة أخص من الْحَدِيد سمي بِهِ لِأَنَّهُ منيع، لِأَن أَصله من الْحَد وَهُوَ الْمَنْع وَالْجمع حدائد، وَجَاء فِي الشّعْر: الحديدات. قَوْله: (عذب بِهِ) ، ويروى: (بهَا) ، أَي: بالحديدة، وَأما تذكير الضَّمِير فباعتبار الْمَذْكُور، وَإِنَّمَا يعذب بهَا لِأَن الْجَزَاء من جنس الْعَمَل.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه على أَن الْحَالِف بِالْيَمِينِ الْمَذْكُور ينْعَقد يَمِينه وَعَلِيهِ الْكَفَّارَة، لِأَن الله تَعَالَى أوجب على الْمظَاهر الْكَفَّارَة، وَهُوَ مُنكر من القَوْل وزور، وَالْحلف بِهَذِهِ الْأَشْيَاء مُنكر وزور، وَقَالَ النَّوَوِيّ: لَا ينْعَقد بِهَذِهِ الْأَشْيَاء يَمِين، وَعَلِيهِ أَن يسْتَغْفر الله ويوحده
وَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ سَوَاء فعله أم لَا. وَقَالَ: هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي وَمَالك وَجُمْهُور الْعلمَاء، وَاحْتَجُّوا بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من حلف فَقَالَ بِاللات والعزى فَلْيقل لَا إِلَه إلَاّ الله) ، وَلم يذكر فِي الحَدِيث كَفَّارَة، قُلْنَا: لَا يلْزم من عدم ذكرهَا فِيهِ نفي وجوب الْكَفَّارَة، وَقَالَ ابْن بطال فِي قَوْله: (وَمن قتل نَفسه بحديدة) : أجمع الْفُقَهَاء وَأهل السّنة على أَنه من قتل نَفسه أَنه لَا يخرج بذلك من الْإِسْلَام، وَأَنه يصلى عَلَيْهِ وإثمه عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ مَالك، وَلم يكره الصَّلَاة عَلَيْهِ إِلَّا عمر بن عبد الْعَزِيز وَالْأَوْزَاعِيّ، وَالصَّوَاب قَول الْجَمَاعَة لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سنّ الصَّلَاة على الْمُسلمين وَلم يسْتَثْن مِنْهُم أحدا فيصلى على جَمِيعهم. قلت: قَالَ أَبُو يُوسُف: لَا يصلى على قَاتل نَفسه لِأَنَّهُ ظَالِم لنَفسِهِ فَيلْحق بالباغي وقاطع الطَّرِيق، وَعند أبي حنيفَة وَمُحَمّد: يصلى عَلَيْهِ لِأَن دَمه هذر كَمَا لَو مَاتَ حتفه.
٤٦٣١ - وَقَالَ حجَّاجُ بنُ مِنْهَالٍ حَدثنَا جَريرُ بنُ حازِمٍ عنِ الحَسَنِ قَالَ حَدثنَا جُنْدَبٌ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فِي هاذا المَسْجِدِ فَمَا نَسِينَا وَمَا نَخَافُ أنْ يَكْذِبَ جُنْدَبٌ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ كانَ بِرَجُلٍ جِرَاحٌ قَتَلَ نَفْسَهُ فَقَالَ الله عزَّ وجَلَّ بَدَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ.
(الحَدِيث ٤٦٣١ طرفه فِي: ٣٦٤٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله فِي ذكر بني إِسْرَائِيل فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد حَدثنَا حجاج بن منهال فَذكره، وَفِي (التَّلْوِيح) : كَذَا ذكره عَن شَيْخه بِلَفْظ: قَالَ، وخرجه فِي أَخْبَار بني إِسْرَائِيل، فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد حَدثنَا حجاج بن منهال، قَالَ: وَهُوَ يضعف قَول من قَالَ: إِنَّه إِذا قَالَ عَن شَيْخه، وَقَالَ فلَان، يكون أَخذه عَنهُ مذاكرة، وَلَفظه هُنَاكَ: كَانَ فِيمَن كَانَ قبلكُمْ رجل بِهِ جرح فجزع، فَأخذ سكينا فحز بهَا يَده فَمَا رقي الدَّم حَتَّى مَاتَ، وَعند مُسلم من حَدِيث مُحَمَّد بن أبي بكر الْمقدمِي: حَدثنَا وهب بن جرير حَدثنَا أبي، وَلَفظه: (خرجت بِهِ قرحَة فَلَمَّا آذته انتزع سَهْما من كِنَانَته فنكاها فَلم يرق الدَّم حَتَّى مَاتَ) . وَقَالَ أَبُو عبد الله الْحَاكِم مُحَمَّد هَذَا هُوَ الذهلي، قَالَ الجياني: وَنسبه أَبُو عَليّ ابْن السكن عَن الْفربرِي، فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن سعيد حَدثنَا حجاج، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: قد أخرج البُخَارِيّ عَن مُحَمَّد بن معمر وَهُوَ مَشْهُور بالرواية، ثمَّ رَوَاهُ أَبُو عَليّ عَن حَكِيم بن مُحَمَّد حَدثنَا أَبُو بكر بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا عَليّ بن قديد حَدثنَا مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحرز حَدثنَا حجاج فَذكره.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي هَذَا الْمَسْجِد) ، الظَّاهِر أَنه مَسْجِد الْبَصْرَة، قَوْله: (فَمَا نَسِينَا وَمَا نَخَاف) ذكر هَذَا للتَّأْكِيد وَالتَّحْقِيق. قَوْله: (عَن النَّبِي) ، ويروى: (عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) وَهُوَ ظَاهر، لِأَنَّهُ يُقَال: كذب عَلَيْهِ، وَأما رِوَايَة: عَن، فعلى معنى النَّقْل، قَوْله: (بِرَجُل جراح) ، لم يعرف الرجل من هُوَ، و: الْجراح، بِكَسْر الْجِيم، ويروى: (خراج) ، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الرَّاء، وَهُوَ فِي اصْطِلَاح الْأَطِبَّاء: الورم إِذا اجْتمعت مادته المتفرقة فِي لِيف الْعُضْو الورم إِلَى تجويف وَاحِد، وَقبل ذَلِك يُسمى ورما وَفِي (الْمُحكم) هُوَ اسْم لما يخرج فِي الْبدن، زَاد فِي (الْمُنْتَهى) : من القروح. وَفِي (الْمغرب) : الْخراج، بِالضَّمِّ البثر الْوَاحِدَة، خراجة، وَزعم أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ أَنه يجمع على خراجات وخرجات. وَفِي (الجمهرة) و (الْجَامِع) و (الموعب) : الْخراج مَا خرج على الْجَسَد من دمل وَنَحْوه وَزعم النَّوَوِيّ أَن الْخراج قرحَة، بِفَتْح الْقَاف وَإِسْكَان الرَّاء، وَهِي وَاحِدَة القروح، وَهِي حبات تخرج فِي بدن الْإِنْسَان. وَفِي (التَّلْوِيح) : ينظر فِيهِ من سلفه فِيهِ. قَوْله: (قتل نَفسه) ، أَي: بِسَبَب الْجراح، وَهِي جملَة وَقعت صفة، ويروى: (فَقتل) . قَوْله: (بدرني) ، معنى الْمُبَادرَة: عدم صبره حَتَّى يقبض الله روحه حتف أَنفه، يُقَال: بدرني، أَي: سبقني من بدرت إِلَى الشَّيْء أبدر بَدْرًا: إِذا أسرعت: وَكَذَلِكَ: بادرت إِلَيْهِ. قَوْله: (حرمت عَلَيْهِ الْجنَّة) مَعْنَاهُ: إِن كَانَ مستحلاً فعقوبته مُؤَبّدَة، أَو مَعْنَاهُ: حرمت قبل دُخُول النَّار، أَو المُرَاد من الْجنَّة: جنَّة خَاصَّة لِأَن الْجنان كَثِيرَة، أَو هُوَ من بَاب التغيظ، أَو هُوَ مُقَدّر بِمَشِيئَة الله تَعَالَى، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون هَذَا الْوَعيد لهَذَا الرجل الْمَذْكُور فِي الحَدِيث، وانضم إِلَى هَذَا الرجل مشركه، وَقَالَ ابْن التِّين: يحْتَمل أَن يكون كَافِرًا، لقَوْله: (فَحرمت عَلَيْهِ الْجنَّة) ، وَفِيه نظر من حَيْثُ إِن الْجنَّة مُحرمَة على الْكَافِر سَوَاء قتل نَفسه اَوْ استبقاها، وعَلى تَقْدِير أَن يكون كَافِرًا، إِنَّمَا يَتَأَتَّى على قَول من يَقُول: إِن الْكفَّار مطالبون
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لَا تُؤْذِ صَاحِبَ الْقَبْرِ.
إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجُلُوسِ الْقُعُودُ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَرَدَّ ابْنُ حَزْمٍ التَّأْوِيلَ الْمُتَقَدِّمَ بِأَنَّ لَفْظَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ. قَالَ: وَمَا عَهِدْنَا أَحَدًا يَقْعُدُ عَلَى ثِيَابِهِ لِلْغَائِطِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْقُعُودُ عَلَى حَقِيقَتِهِ. وَقَالَ ابنُ بَطَّالٍ: التَّأْوِيلُ الْمَذْكُورُ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ عَلَى الْقَبْرِ أَقْبَحُ مِنْ أَنْ يُكْرَهَ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ الْجُلُوسُ الْمُتَعَارَفُ (١).
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ: لَمْ أَرَهُ مَنْسُوبًا لِأَحَدٍ مِنَ الْمَشَايِخِ. قُلْتُ: قَدْ نَسَبَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ يَحْيَى بْنَ جَعْفَرٍ، وَجَزَمَ أَبُو مَسْعُودٍ فِي الْأَطْرَافِ وَتَبِعَهُ الْمِزِّيُّ بِأَنَّهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ شَبُّوَيْهِ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى. وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي كِتَابِ الْوُضُوءِ بِمَا فِيهِ مَقْنَعٌ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٨٢ - بَاب مَوْعِظَةِ الْمُحَدِّثِ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَقُعُودِ أَصْحَابِهِ حَوْلَهُ
﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ﴾ الْأَجْدَاثُ: الْقُبُورُ، ﴿بُعْثِرَتْ﴾ أُثِيرَتْ، بَعْثَرْتُ حَوْضِي أَيْ: جَعَلْتُ أَسْفَلَهُ أَعْلَاهُ، الْإِيفَاضُ: الْإِسْرَاعُ، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ: ﴿إِلَى نُصُبٍ﴾ إِلَى شَيْءٍ مَنْصُوبٍ يَسْتَبِقُونَ إِلَيْهِ، وَالنُّصْبُ وَاحِدٌ، وَالنَّصْبُ مَصْدَرٌ، ﴿يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ مِنْ الْقُبُورِ، ﴿يَنْسِلُونَ﴾ يَخْرُجُونَ
١٣٦٢ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَأَتَانَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ، وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ؛ مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنْ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلَّا قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ، فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، قَالَ: أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ، فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ الْآيَةَ.
[الحديث ١٣٦٢ - أطرافه في: ٤٩٤٥، ٤٩٤٦، ٤٩٤٧، ٤٩٤٨، ٤٩٤٩، ٦٢١٧، ٦٦٠٥، ٧٥٥٢]
قَوْلُهُ: (بَابُ مَوْعِظَةِ الْمُحَدِّثِ عِنْدَ الْقَبْرِ وَقُعُودِ أَصْحَابِهِ حَوْلَهُ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى التَّفْصِيلِ بَيْنَ أَحْوَالِ الْقُعُودِ، فَإِنْ كَانَ لِمَصْلَحَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالْحَيِّ أَوِ الْمَيِّتِ لَمْ يُكْرَهْ، وَيُحْمَلُ النَّهْيُ الْوَارِدُ عَنْ ذَلِكَ عَلَى مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (يَخْرُجُونَ مِنَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
العَلَم الَّذي نصبوه ليعبدوه (يَسْتَبِقُونَ إِلَيْهِ) أيُّهم يستلمه أوَّلًا (وَالنُّصْبُ) بضمِّ النُّون وسكون الصَّاد (وَاحِدٌ، وَالنَّصْبُ) بالفتح ثمَّ السُّكون (مَصْدَرٌ) قال في «فتح الباري»: كذا وقع، والَّذي في «المعاني» (١) للفرَّاء: النَّصْب والنُّصُب واحدٌ، وهو مصدرٌ، والجمع: الأنصاب، فكأن التَّغيير من بعض النَّقلة. انتهى. وتعقَّبه العينيُّ فقال: لا تغيير فيه؛ لأنَّ البخاريَّ فرَّق بين الاسم والمصدر، ولكن مَن قصرت يده عن علم الصَّرف؛ لا يفرِّق بين الاسم والمصدر في مجيئهما على لفظٍ واحدٍ. انتهى. والأنصاب: حجارةٌ كانت حول الكعبة تُنصب، فيهلُّ عليها، ويُذبح لغير الله، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ (﴿يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢]) أي: خروج أهل القبور (مِنْ قُبُورِهِم) وقوله تعالى: (﴿يَنسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦]) أي: (يَخْرُجُونَ) زاد الزَّجَّاج: بسرعةٍ.
١٣٦٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (٢) (عُثْمَانُ) بن محمَّد بن أبي شيبة (٣) الكوفيُّ، أحد الحفَّاظ الكبار، وثَّقه يحيى (٤) بن معينٍ وغيره، وذكر الدَّارقُطنيُّ في «كتاب التَّصحيف» أشياء كثيرةً صحَّفها من القرآن في تفسيره؛ لأنَّه (٥) ما كان يحفظ
القرآن (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا» بالجمع (١) (جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد الضَّبِّيُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ) بسكون العين في الأوَّل، وضمِّ الثانية (٢) وفتح الموحَّدة، آخره هاءُ تأنيثٍ مصغَّرًا (٣) في الثَّاني (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) عبد الله بن حَبيبٍ؛ بفتح الحاء المهملة، السُّلَمِيُّ (عَنْ عَلِيٍّ) هو ابن أبي طالبٍ (﵁، قَالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الغَرْقَدِ) بفتح الموحَّدة وكسر القاف، والغرقد؛ بفتح الغين المعجمة والقاف، بينهما راءٌ ساكنةٌ آخره دالٌ مهملةٌ: ما عَظُم من شجر العوسج، كان ينبت فيه، فذهب الشَّجر وبقي الاسم لازمًا للمكان، وهو مدفن أهل المدينة (فَأَتَانَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ) هذا موضع التَّرجمة مع ما بعده (وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ) بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وبالصَّاد المهملة، قال في «القاموس»: ما يتوكَّأ عليه كالعصا ونحوه، وما يأخذه الملِكُ يشير به إذا خاطب، والخطيب إذا خطب، وسُمِّيت بذلك لأنَّها تُحمَل تحت الخصر غالبًا للاتِّكاء عليها (فَنَكَّسَ) بتشديد الكاف وتخفيفها، أي: خفض رأسه وطأطأ به إلى الأرض على هيئة المهموم المفكِّر؛ كما هي عادة من يتفكَّر في شيءٍ حتَّى يستحضر معانيه، فيحتمل أن يكون ذلك تفكُّرًا منه ﵊ في أمر الآخرة لقرينة حضور الجنازة، أو فيما أبداه بعد ذلك لأصحابه، أو نكس المِخْصرة (فَجَعَلَ يَنْكُتُ (٤)) بالمثنَّاة الفوقيَّة، أي: يضرب في الأرض (بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ) أي: (مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ) مصنوعةٍ مخلوقةٍ، واقتصر في رواية أبي حمزة [خ¦٦٦٠٥]
والثَّوريِّ [خ¦٤٩٤٥] على قوله: «ما منكم من أحدٍ» (إِلَّا كُتِبَ) بضمِّ الكاف مبنيًّا للمفعول (مَكَانُهَا) بالرَّفع: مفعولٌ ناب عن الفاعل، أي: كتب الله مكان تلك النَّفس المخلوقة (مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ) «مِنْ» بيانيَّةٌ، وفي رواية سفيان [خ¦٤٩٤٥]: «إلَّا وقد كُتِبَ مقعده من الجنة ومقعده من النَّار»، وكأنَّه يشير إلى حديث ابن عمر عند المؤلِّف الدَّال على أنَّ لكلِّ أحدٍ مقعدين، لكن لفظه في «القَدَر» (١) [خ¦٦٦٠٥] (٢): «إلَّا وقد كُتِبَ مقعده من النَّار أو من الجنَّة»، فـ «أو» للتَّنويع، أو هي بمعنى الواو (وَإِلَّا قَدْ (٣) كُتِبَتْ) بالتَّاء آخره، وفي «اليونينيَّة» بحذفها (شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً) بالنَّصب فيهما، كما في الفرع على الحال، أي: وإلَّا كتبت هي، أي: حالها شقيَّةً أو سعيدةً، ويجوز الرَّفع، أي: هي شقيَّةٌ أو سعيدةٌ، ولفظ «إلَّا» في المرَّة الثَّانية في بعضها بالواو وفي بعضها بدونها، وهذا نوعٌ من الكلام غريبٌ (٤)، وإعادة «إلَّا» يُحتَمَل أن يكون (٥) «ما من نفسٍ» بدلًا (٦) من: «ما منكم»، و «إلا» الثانية بدلًا من الأولى، وأن يكون من باب اللَّفِّ والنشر، فيكون فيه تعميم بعد تخصيص، إذ الثَّاني في كلٍّ منهما أعمُّ من الأوَّل، أشار إليه الكِرمانيُّ (٧) (فَقَالَ رَجُلٌ) هو عليُّ بن أبي طالبٍ، ذكره المصنِّف في «التَّفسير» [خ¦٤٩٤٧] لكن بلفظ: «قلنا»، أو هو سراقة بن مالك بن جعشم كما في «مسلمٍ»، أو هو عمر بن الخطَّاب كما في التِّرمذيِّ، أو من حديث أبي (٨) بكرٍ الصِّدِّيق (٩) كما عند أحمد والبزَّار والطَّبرانيِّ، أو هو رجلٌ من الأنصار، وجُمِعَ بتعدُّد السَّائلين عن ذلك، ففي حديث عبد الله بن عمر فقال أصحابه:
(يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نَتَّكِلُ) نعتمد (عَلَى كِتَابِنَا) أي: ما كُتِبَ علينا وقُدِّر، والفاء في «أفلا» معقِّبةٌ لشيءٍ محذوفٍ، أي: فإذا (١) كان كذلك ألا (٢) نتَّكل على كتابنا (وَنَدَعُ العَمَلَ؟) أي: نتركه (فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ) فسيجرُّ به (٣) القضاء (إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ) قهرًا، ويكون مآل حاله ذلك بدون اختياره (وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ) فسيجرُّ به القضاء (إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ) قهرًا (قَالَ) ﵊: (أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ) أهل (السَّعَادَةِ) وفي نسخةٍ: «فسييسَّرون» (٤) جُمِعَ الضَّمير في «فييسَّرون» (٥) باعتبار معنى الأهل (وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ) أهل (الشَّقَاوَةِ) وحاصل السُّؤال: ألا نترك مشقَّة (٦) العمل، فإنَّا سنصير إلى ما قُدِّر علينا، فلا فائدة في السَّعي؛ فإنَّه لا يردُّ قضاء الله وقدره، وحاصل الجواب: لا مشقَّة؛ لأنَّ كلَّ أحدٍ ميسَّرٌ لما خُلِقَ له، وهو يسيرٌ على من يسَّره الله عليه، قال في «شرح المشكاة»: الجواب من الأسلوب الحكيم منعهم عن الاتِّكال وترك العمل، وأمرَهُم بالتزام ما يجب على العبد من العبوديَّة، يعني: أنتم عبيدٌ، ولا بدَّ لكم من العبوديَّة، فعليكم بما أمرتكم، وإيَّاكم والتَّصرُّف في أمور الرُّبوبيَّة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فلا تجعلوا العبادة وتركها سببًا مستقلًّا لدخول الجنَّة والنَّار، بل هي علاماتٌ فقط. انتهى. (ثُمَّ قَرَأَ) ﵊: (﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ الاية [الليل: ٥]) وزاد أبوا ذرٍّ والوقت: «﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾» [الليل: ٦] وساق في رواية سفيان [خ¦٤٩٤٥] إلى قوله: ﴿لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١٠] فقوله: ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى﴾ أي (٧): أعطى الطَّاعة، واتَّقى المعصية، وصدَّق بالكلمة الحسنى، وهي التي (٨) دلَّت على حقٍّ؛ ككلمة التَّوحيد، وقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٧] فسنهيِّئه (٩) للخلَّة التي تؤدِّي إلى يسرٍ وراحةٍ
لدخول (١) الجنَّة ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ﴾ بما أُمِرَ به ﴿وَاسْتَغْنَى﴾ [الليل: ٨] بشهوات الدُّنيا عن نعيم العقبى ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١٠] للخَلَّة الموجبة إلى العسر والشِّدَّة كدخول النَّار، وهذا الحديث أصلٌ لأهل السُّنَّة في أنَّ السَّعادة والشَّقاوة بتقدير الله القديم. واستُدِلَ به على إمكان معرفة الشَّقيِّ من السَّعيد (٢) في الدُّنيا، كمن اشتُهِر له لسان صدقٍ وعكسه؛ لأنَّ العمل أمارةٌ على الجزاء على ظاهر هذا الخبر (٣)، والحقُّ: أنَّ العمل علامةٌ وأمارةٌ، فيُحكم بظاهر الأمر، وأمرُ (٤) الباطن إلى الله تعالى، وقال بعضهم: إنَّ الله أمرنا بالعمل، فوجب علينا الامتثال، وغيَّب عنَّا (٥) المقادير لقيام الحجة، ونصب الأعمال علامة (٦) على ما سبق في مشيئته، فمَن عدل عنه ضلَّ؛ لأنَّ القدر سرٌّ (٧) من أسراره لا يطَّلع عليه إلَّا هو، فإذا دخلوا الجنَّة كُشِفَ لهم.
ورواة هذا الحديث كوفيُّون إِلَّا جريرًا فرازيٌّ، وأصله كوفيٌّ، وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وفيه (٨) التَّحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٩٤٧] و «القدر» [خ¦٦٦٠٥] و «الأدب» [خ¦٦٢١٧]، ومسلمٌ في «القدر»، وأبو داود في «السُّنَّة»، والتِّرمذيُّ في «القدر» (٩) و «التَّفسير»، وابن ماجه في «السُّنَّة».
(٨٣) (باب مَا جَاءَ) من (١٠) الحديث (فِي قَاتِلِ النَّفْسِ).
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
ابْن أبي شيبَة، وَهُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ الْآن، وَهُوَ من الْمسَائِل الْمُخْتَلف فِيهَا، وَورد فِيهَا من صَحِيح الحَدِيث مَا أخرجه مُسلم عَن أبي مرْثَد الغنوي مَرْفُوعا: (لَا تجلسوا على الْقُبُور وَلَا تصلوا إِلَيْهَا) قلت: لَيْت شعري كَيفَ يكون مَا ذكره من هَذَا جَوَابا لدفع الْمُعَارضَة وَالْجَوَاب مَا ذَكرْنَاهُ، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَقَالَ النَّوَوِيّ: المُرَاد بِالْجُلُوسِ الْقعُود عِنْد الْجُمْهُور، وَقَالَ مَالك: المُرَاد بالقعود الْحَدث وَهُوَ تَأْوِيل ضَعِيف أَو بَاطِل قلت: شدَّة التعصب يحمل صَاحبه على أَكثر من هَذَا، وَكَيف يَقُول النَّوَوِيّ: إِن تَأْوِيل مَالك بَاطِل وَهُوَ أعلم من النَّوَوِيّ؟ وَمثله بموارد الْأَحَادِيث والْآثَار؟ وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا، بعد نَقله عَن النَّوَوِيّ: وَهُوَ يُوهم بانفراد مَالك بذلك، وَكَذَا أَوْهَمهُ كَلَام ابْن الْجَوْزِيّ، حَيْثُ قَالَ جُمْهُور الْفُقَهَاء على الْكَرَاهَة خلافًا لمَالِك، وَصرح النَّوَوِيّ فِي (شرح الْمُهَذّب) : أَن مَذْهَب أبي حنيفَة كالجمهور، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل مَذْهَب أبي حنيفَة وَأَصْحَابه كَقَوْل مَالك لما نَقله عَنْهُم الطَّحَاوِيّ وَاحْتج لَهُ بأثر ابْن عمر الْمَذْكُور. وَأخرج عَن عَليّ نَحوه. قلت: الدَّعْوَى بِأَن الْجُمْهُور على الْكَرَاهَة غير مسلمة، لِأَن الْمُخَالف لَهُم: مَالك وَعبد الله بن وهب وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد والطَّحَاوِي، وَمن الصَّحَابَة: عبد الله بن عمر وَعلي بن أبي طَالب، فَكيف يُقَال بِأَن الْجُمْهُور على الْكَرَاهَة وَنحن أَيْضا نقُول الْجُمْهُور على عدم الْكَرَاهَة، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَيُؤَيّد قَول الْجُمْهُور مَا أخرجه أَحْمد من حَدِيث عمر بن حزم الْأنْصَارِيّ مَرْفُوعا: (لَا تقعدوا على الْقُبُور) ، وَفِي رِوَايَة عَنهُ: (رَآنِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنا متكىء على قبر، فَقَالَ: لَا تؤذ صَاحب الْقَبْر) ، إِسْنَاده صَحِيح، وَهُوَ دَال على أَن المُرَاد بِالْجُلُوسِ الْقعُود على حَقِيقَته. قلت: المُرَاد من النَّهْي عَن الْقعُود على الْقُبُور، هُوَ النَّهْي عَن الْقعُود لأجل الْحَدث، حَتَّى ينْدَفع التَّعَارُض بَينه وَبَين مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة، وَلَا يلْزم من النَّهْي عَن الْقعُود على الْقَبْر لأجل الْحَدث نفي حَقِيقَة الْقعُود.
١٦٣١ - حدَّثنا يَحْيَى قَالَ حدَّثنا أبُو مُعَاوِيةَ عنِ الأعْمَشِ عنْ مُجَاهِدٍ عنْ طاوُسٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنَّهُ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ فَقَالَ إنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أمَّا أحدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ وَأمَّا الآخَرُ فكانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ثُمَّ أخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ ثُمَّ غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرِ وَاحِدَةً فقالُوا يَا رسولَ الله لِمَ صَنَعتَ هاذَا فَقَالَ لَعَلَّهُ أنْ يخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ أَخذ جَرِيدَة. .) إِلَى آخِره، وَهَذَا الحَدِيث وَهَذَا الحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْوضُوء فِي: بَاب من الْكَبَائِر أَن لَا يسْتَتر من بَوْله، أخرجه هُنَاكَ: عَن عُثْمَان عَن جرير عَن مَنْصُور عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: (مر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بحائط من حيطان الْمَدِينَة أَو مَكَّة فَسمع صَوت إنسانين يعذبان فِي قبورهما) الحَدِيث، غير أَن هُنَاكَ: عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، وَهَهُنَا: عَن مُجَاهِد عَن طَاوُوس عَن ابْن عَبَّاس، وَكِلَاهُمَا صَحِيح، لِأَن مُجَاهدًا يروي عَن ابْن عَبَّاس وَعَن طَاوُوس أَيْضا، وَعكس الْكرْمَانِي فَقَالَ هَهُنَا: عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، وَهُنَاكَ: عَن مُجَاهِد عَن طَاوُوس، وَهَذَا سَهْو مِنْهُ، وَشَيْخه هُنَاكَ يحيى، ذكره غير مَنْسُوب، فَقَالَ الغساني: قَالَ ابْن السكن: هُوَ يحيى بن مُوسَى، وَقَالَ الكلاباذي: سمع يحيى بن جَعْفَر أَبَا مُعَاوِيَة وَهُوَ مُحَمَّد بن خازم، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالزَّاي: الضَّرِير، وَبِه جزم أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) أَنه يحيى بن جَعْفَر، وَجزم أَبُو مَسْعُود فِي (الْأَطْرَاف) : والحافظ الْمزي أَيْضا بِأَنَّهُ يحيى بن يحيى، وَمضى الْكَلَام فِي الحَدِيث هُنَاكَ مَبْسُوطا مُسْتَوفى.
٢٨ - (بابُ مَوْعِظَةِ المُحَدِّثِ عِنْدَ القَبْرِ وَقُعُودِ أصْحَابِهِ حَوْلَهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وعظ الْمُحدث عِنْد الْقَبْر، وَالْمَوْعِظَة مصدر ميمي يُقَال: وعظ يُعْط وعظا وموعظة، والوعظ: النصح والتذكير بالعواقب، تَقول: وعظته وعظا وعظة فاتعظ أَي: قبل الموعظة. قَوْله: (وقعود أَصْحَابه) ، بِالْجَرِّ عطف على قَوْله:
(موعظة الْمُحدث) ، أَي: وَفِي بَيَان قعُود أَصْحَاب الْمُحدث حول الْمُحدث، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى أَن الْجُلُوس مَعَ الْجَمَاعَة عِنْد الْقَبْر، إِن كَانَ لمصْلحَة تتَعَلَّق بالحي أَو الْمَيِّت لَا يكره ذَلِك، فَأَما مصلحَة الْحَيّ فَمثل أَن يجْتَمع قوم عِنْد قبر وَفِيهِمْ من يَعِظهُمْ وَيذكرهُمْ الْمَوْت وأحوال الْآخِرَة، وَأما مصلحَة الْمَيِّت فَمثل مَا إِذا اجْتَمعُوا عِنْده لقِرَاءَة الْقُرْآن وَالذكر، فَإِن الْمَيِّت ينْتَفع بِهِ وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث معقل بن يسَار قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (اقرأوا ي س على مَوْتَاكُم) . وَأخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه أَيْضا، فَالْحَدِيث يدل على أَن الْمَيِّت ينْتَفع بِقِرَاءَة الْقُرْآن عِنْده، وَهُوَ حجَّة على من قَالَ: إِن الْمَيِّت لَا ينْتَفع بِقِرَاءَة الْقُرْآن.
يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجدَاثِ الأجْدَاثُ القُبُورُ
مُطَابقَة هَذَا وَمَا بعده للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن ذكر خُرُوج بني آدم من الْقُبُور وبعثرة مَا فِي الْقُبُور وإيفاضهم أَي: إسراعهم إِلَى الْمَحْشَر وهم يَنْسلونَ أَي: يخرجُون، كل ذَلِك من الموعظة. والأجداث جمع: جدث، وَهُوَ الْقَبْر. وَقد قَالُوا: جدف، بِالْفَاءِ مَوضِع الثَّاء الْمُثَلَّثَة إلَاّ إِنَّهُم لم يَقُولُوا فِي الْجمع: أجداف، بِالْفَاءِ وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن المُرَاد من الأجداث فِي الْآيَة: الْقُبُور، وَقد وَصله ابْن أبي حَاتِم وَغَيره من طَرِيق قَتَادَة وَالسُّديّ وَغَيرهمَا وَفِي (الْمُخَصّص) قَالَ الْفَارِسِي: اشتقاق الجدف بِالْفَاءِ من التجديف، وَهُوَ كفر النعم، وَفِي (الصِّحَاح) : الجدث الْقَبْر وَالْجمع أجدث وأجداث. وَقَالَ ابْن جني: وأجدث، مَوضِع، وَقد نفى سِيبَوَيْهٍ أَن يكون أفعل من أبنيه الْوَاحِد، فَيجب أَن يعد هَذَا مِمَّا فَاتَهُ، إلَاّ أَن يكون جمع الجدث الَّذِي هُوَ الْقَبْر على أجدث، ثمَّ سمى بِهِ الْموضع، وَفِي (الْمجَاز) لأبي عُبَيْدَة: بالثاء لُغَة أهل الْعَالِيَة، وَأهل نجد يَقُولُونَ: جدف، بِالْفَاءِ.
بُعْثِرَتْ: أُثِيرَتْ، بَعْثَرْتُ حَوْضِي أيْ جَعَلْتُ أسْفَلَهُ أعْلاهُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَإِذا الْقُبُور بعثرت} (الانفطار: ٤) . وَأَن مَعْنَاهُ: أثيرت من الإثارة، وَفِي (الصِّحَاح) : قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: بعثر مَا فِي الْقُبُور أثير وَأخرج. وَقَالَ فِي (الْمجَاز) : بعثرت حَوْضِي أَي: هدمته. وَفِي (الْمعَانِي) للفراء: بعثرت وبحثرت: لُغَتَانِ وَفِي (تَفْسِير الطَّبَرِيّ) عَن ابْن عَبَّاس: بعثرت بحثت. وَفِي (الْمُحكم) : بعثر الْمَتَاع وَالتُّرَاب قلبه، وبعثر الشَّيْء فرقه، وَزعم يَعْقُوب أَن عينهَا بدل من عين بعثر أَو غين بدل مِنْهَا، وبعثر الْخَبَر بَحثه. وَفِي (الواعي فِي اللُّغَة) : بعثرته إِذا قلبت ترابه وبددته.
الإيفَاضُ الإسْرَاعُ
الإيفاض، بِكَسْر الْهمزَة، مصدر من أوفض يوفض إيفاضا، وأصل إيفاض أوفاض، قلبت الْوَاو يَاء لسكونها وانكسار مَا قبلهَا، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {كَأَنَّهُمْ إِلَى نضب يوفضون} (المعارج: ٣٤) . وثلاثيه: وفض من الوفض، وَهُوَ: العجلة.
وَقَرَأ الأعْمَشُ إلَى نَصْبٍ إلَى شَيْءٍ مَنْصُوبٍ يَسْتَبِقُونَ إلَيْهِ وَالنُّصْبُ وَاحِدٌ وَالنَّصْبُ مَصْدَرٌ
الْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان. قَوْله: (إِلَى نصب) ، بِفَتْح النُّون كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: بِالضَّمِّ، وَالْأول أصح، وَهُوَ قِرَاءَة الْجُمْهُور، وَحكى الطَّبَرِيّ أَنه لم يقرأه بِالضَّمِّ إِلَّا الْحسن الْبَصْرِيّ وَفِي (الْمعَانِي) للزجاج: قُرِئت (نصب) ، نصب، بِضَم النُّون وَسُكُون الصَّاد، و: نصب، بِضَم النُّون وَالصَّاد، وَمن قَرَأَ: نصب وَنصب، فَمَعْنَاه كَأَنَّهُمْ يوفضون إِلَى علم مَنْصُوب لَهُم، وَمن قَرَأَ: نصب، فَمَعْنَاه إِلَى أصنام لَهُم، وَكَانَت النصب الْآلهَة الَّتِي كَانَت تعبد من أَحْجَار. وَفِي (الْمُنْتَهى) : النصب وَالنّصب وَالنّصب، بِمَعْنى مثل: الْعُمر والعمر والعمر، وَقيل: النصب حجر ينصب فيعبد وَيصب عَلَيْهِ دِمَاء الذَّبَائِح، وَقيل: هُوَ الْعلم ينصب للْقَوْم، أَي: علم كَانَ. وَفِي (الْمُحكم) : النصب جمع نصيبة، كسفينة وسفن، وَقيل: النصب الْغَايَة، ذكره عبد فِي تَفْسِيره عَن مُجَاهِد وَأبي الْعَالِيَة، وَضَعفه ابْن سَيّده، وَقَالَ ابْن التِّين: قَرَأَ أَبُو الْعَالِيَة وَالْحسن بِضَم النُّون وَالصَّاد، وَقَالَ الْحسن فِيمَا حَكَاهُ عبد فِي تَفْسِيره: كَانُوا يبتدرون إِذا طلعت الشَّمْس إِلَى نصبهم سرَاعًا أَيهمْ يستلمها أَولا لَا يلوي أَوَّلهمْ على آخِرهم. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: النصب بِالْفَتْح الْعلم الَّذِي ينصب، وَنصب بِالضَّمِّ جمَاعَة مثل: رهن وَرهن. قَوْله: (يوفضون) أَي: يسرعون، وَهُوَ من الإيفاض كَمَا مر، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أبي حَدثنَا مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن قُرَّة عَن الْحسن فِي قَوْله: {إِلَى نصب يوفضون} (المعارج: ٣٤) . أَي: يبتدرون أَيهمْ يستلمه أول. قَوْله: (والنضب وَاحِد وَالنّصب مصدر) أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن لفظ النصب يسْتَعْمل إسما
وَيسْتَعْمل مصدرا وَيجمع على أنصاب. وَقَالَ بَعضهم: النصب وَاحِد وَالنّصب مصدر، كَذَا وَقع فِيهِ، وَالَّذِي فِي (الْمعَانِي) للفراء: النصب وَالنّصب وَاحِد، وَهُوَ مصدر، وَالْجمع أنصاب، فَكَانَ التَّغْيِير من بعض النقلَة. قلت: لَا تَغْيِير فِيهِ لِأَن البُخَارِيّ فرق بِكَلَامِهِ هَذَا بَين الِاسْم والمصدر، وَلَكِن من قصرت يَده عَن علم الصّرْف لَا يفرق بَين الإسم والمصدر فِي مجيئها على لفظ وَاحِد.
يَوْمَ الخُرُوجِ مِنَ القُبُورِ يَنْسِلُونَ يَخْرُجُونَ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى قَوْله تَعَالَى: {ذَلِك يَوْم الْخُرُوج} (ق: ٢٤) . أَي من الْقُبُور وَفسّر قَوْله: {يَنْسلونَ} (الْأَنْبِيَاء: ٦٩، ي س: ١٥) . بقوله: {يخرجُون} (ق: ٢٤) . كَذَا ذكره عبد عَن قَتَادَة، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: يَنْسلونَ يسرعون، وَالذِّئْب ينسل ويعسل. وَفِي (الْكَامِل) : العسلان غير النسلان، وَفِي كتاب الزّجاج وَابْن جرير الطَّبَرِيّ و (تَفْسِير ابْن عَبَّاس) {يَنْسلونَ} (الْأَنْبِيَاء: ٦٩، ي س: ١٥) . يخرجُون بِسُرْعَة. وَفِي (الْمُجْمل) : النسلان مشْيَة الذِّئْب إِذا أعنق وأسرع فِي الْمَشْي، وَفِي (الْمُحكم) : نسل ينسل نَسْلًا ونسلانا. وَأَصله للذئب، ثمَّ اسْتعْمل فِي غير ذَلِك. وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: نسولاً، وَأَصله عَدو مَعَ مقاربة خطو.
٢٦٣١ - حدَّثنا عُثْمَانُ قَالَ حدَّثني جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ عَن أبي عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ عَلِيٍّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعَ الغَرْقَدِ فَأَتَانَا النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ ثُمَّ قالَ مَا مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ مَا منِ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إلَاّ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ وَإلَاّ قَدْ كُتِبَ شَقِيَّةً أوْ سَعِيدَةً فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُول الله أفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا ونَدَعُ العَمَلَ فَمَنْ كانَ مِنَّا مِنْ أهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إلَى عَمَلِ أهْلِ السَّعَادَةِ وَأمَّا منْ كانَ مِنَّا مِنْ أهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إلَى عَمَلِ الشَّقَاوَةِ قَالَ أمَّا أهلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ وَأمَّا أهحلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ ثُمَّ قَرَأَ فأمَّا مَنْ أعْطَى واتَّقَى الآيَةَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَقعدَ وقعدنا حوله) ، وَكَانَ فِي قعوده، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَلَامه بِمَا قَالَه فِيهِ وعظ لَهُم.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: عُثْمَان بن مُحَمَّد بن أبي شيبَة، واسْمه إِبْرَاهِيم أَبُو الْحسن الْعَبْسِي. الثَّانِي: جرير بن عبد الحميد الضَّبِّيّ. الثَّالِث: مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر. الرَّابِع: سعد بن عُبَيْدَة، بِضَم الْعين وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَقد مر فِي آخر كتاب الْوضُوء. الْخَامِس: أَبُو عبد الرَّحْمَن، هُوَ عبد الله بن حبيب، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة، مر فِي: بَاب غسل الْمَذْي فِي كتاب الْغسْل. السَّادِس: عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور غير مَنْسُوب، وَكَذَلِكَ اثْنَان فِيمَا بعده. وَفِيه: أحدهم مَذْكُور بكنيته. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم كوفيون إلَاّ جَرِيرًا رازي وَأَصله من الْكُوفَة. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن آدم بن أبي إِيَاس، وَعَن بشر بن خَالِد عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر وَعَن يحيى عَن وَكِيع، ثَلَاثَتهمْ عَن شُعْبَة وَعَن أبي نعيم عَن سُفْيَان وَعَن مُسَدّد عَن عبد الْوَاحِد بن زِيَاد ثَلَاثَتهمْ عَن الْأَعْمَش عَنهُ بِهِ وَفِي الْقدر عَن عَبْدَانِ وَفِي الْأَدَب عَن بنْدَار عَن غنْدر. وَأخرجه مُسلم فِي الْقدر عَن عُثْمَان ابْن أبي شيبَة وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَزُهَيْر بن حَرْب، ثَلَاثَتهمْ عَن جرير بِهِ وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب، وَأبي سعيد الْأَشَج، ثَلَاثَتهمْ عَن وَكِيع بِهِ وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وهناد بن السّري وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير وَعَن أبي كريب وَعَن أبي مُوسَى وَابْن بشار. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي السّنة عَن مُسَدّد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْقدر عَن الْحسن بن عَليّ الْخلال وَفِي التَّفْسِير عَن بنْدَار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى وَعَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي السّنة عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَعَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن أبي مُعَاوِيَة ووكيع بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي بَقِيع) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الْقَاف وَهُوَ من الأَرْض مَوضِع فِيهِ أروم شجر من ضروب شَتَّى، وَبِه سمى: بَقِيع الْغَرْقَد، بِالْمَدِينَةِ وَهِي مَقْبرَة أَهلهَا، و: الْغَرْقَد، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْقَاف وَفِي آخِره دَال مُهْملَة: وَهُوَ شجر لَهُ شوك كَانَ ينْبت هُنَاكَ فَذهب الشّجر وَبَقِي الإسم لَازِما للموضع. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: قطعت غرقدات فِي هَذَا الْموضع حِين دفن فِيهِ عُثْمَان بن مَظْعُون، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَقَالَ ياقوت: وبالمدينة أَيْضا بَقِيع الزبير وبقيع الْخَيل عِنْد دَار زيد بن ثَابت وبقيع الخبجبة، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة الساكنة وَالْجِيم المفوحة وَالْبَاء الْمُوَحدَة الْأُخْرَى، كَذَا ذكره السُّهيْلي، وَغَيره يَقُول: الجبجبة، بجيمين، وبقيع الْخضمات، قَالَ الْخطابِيّ: وَمن النَّاس من يَقُوله بِالْبَاء، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: الْغَرْقَد وأحدها غرقدة وَإِذا عظمت العوسجة فَهِيَ غرقدة، والعوسج من شجر الشوك لَهُ ثَمَر أَحْمَر مدور كَأَنَّهُ خرز العقيق. وَقَالَ أَبُو الْعَلَاء المعري: هُوَ نبت من نَبَات السهل، وَقَالَ أَبُو زيد الْأنْصَارِيّ: الْغَرْقَد ينْبت بِكُل مَكَان مَا خلا حر الرمل، وَذكر ابْن البيطار فِي (جَامعه) أَن الْغَرْقَد اسْم عَرَبِيّ يُسَمِّي بِهِ بعض الْعَرَب النَّوْع الْأَبْيَض الْكَبِير من العوسج. قَالَ أَبُو عمر: إِن مضغه مر. وَفِي الحَدِيث فِي ذكر الدَّجَّال كل شَيْء يواري يَهُودِيّا ينْطق إلَاّ الْغَرْقَد فَإِنَّهُ من شجرهم فَلَا ينْطق، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْغَرْقَد من شجر الْحجاز. وَفِي (الْمُحكم) : بَقِيع الْغَرْقَد يُسمى كفنة لِأَنَّهُ يدْفن فِيهِ. قَوْله: (وَمَعَهُ مخصرة) ، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة وَالرَّاء: وَهُوَ شَيْء يَأْخُذهُ الرجل بِيَدِهِ ليتوكأ عَلَيْهِ مثل الْعَصَا وَنَحْوه، وَهُوَ أَيْضا مَا يَأْخُذهُ الْملك يُشِير بِهِ إِذا خطب، وَاخْتصرَ الرجل أمسك المخصرة. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: التخصير إمْسَاك الْقَضِيب بِالْيَدِ، وَجزم ابْن بطال أَنه الْعَصَا. وَقَالَ ابْن التِّين: عَصا أَو قضيب. قَوْله: (فَنَكس) ، بتَخْفِيف الْكَاف وتشديدها، لُغَتَانِ، أَي: خفض رَأسه وطأطأ بِهِ إِلَى الأَرْض على هَيْئَة المهموم المفكر، وَيحْتَمل أَيْضا أَن يُرَاد بنكس: نكس المخصرة. قَوْله: (ينكت) من النكت، وَهُوَ أَن يضْرب فِي الأَرْض بقضيب يُؤثر فِيهَا، وَيُقَال: النكت قرعك الأَرْض بِعُود أَو بأصبع يُؤثر فِيهَا. قَوْله: (منفوسة) أَي: مصنوعة مخلوقة. قَوْله: (إِلَّا كتب) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (مَكَانهَا) ، بِالرَّفْع مفعول نَاب عَن الْفَاعِل، وَأَصله: كتب الله مَكَان تِلْكَ النَّفس المخلوقة، وَكلمَة: من، للْبَيَان. قَوْله: (وَالنَّار) ، قَالَ الْكرْمَانِي: الْوَاو فِي: النَّار، بِمَعْنى: أَو. قلت: لم أدر مَا حمله على هَذَا. قَوْله: (وَإِلَّا) كلمة: إِلَّا، الثَّانِيَة تروى بِالْوَاو وتروى بِدُونِهَا، وَفِيه غرابة من الْكَلَام، وَهِي أَن قَوْله: (مَا من نفس) يحْتَمل أَن يكون بَدَلا من قَوْله: (مَا مِنْكُم) وَأَن يكون إلَاّ ثَانِيًا بَدَلا من إلَاّ أَولا. وَيحْتَمل أَن يكون من بَاب اللف والنشر، وَأَن يكون تعميما بعد تَخْصِيص، إِذْ الثَّانِي فِي كل مِنْهَا أَعم من الأول. قَوْله: (شقية) قَالَ الْكرْمَانِي: بِالرَّفْع أَي: هِيَ شقية. قلت: وَجه ذَلِك هُوَ أَن الضَّمِير فِي قَوْله: (إلَاّ قد كتب) ، يرجع إِلَى قَوْله: (مَكَانهَا) ، لِأَنَّهُ بدل مِنْهُ فَلَا يَصح أَن يكون ارْتِفَاع: شقية، إلَاّ بِتَقْدِير شَيْء مَحْذُوف حِينَئِذٍ وَهُوَ لفظ: هِيَ، على أَنه مُبْتَدأ وشقية خَبره. قَوْله: (فَقَالَ رجل) قيل: إِنَّه عمر، وَقيل: إِنَّه غَيره. قَوْله: (أَفلا نَتَّكِل على كتَابنَا؟) أَي: الَّذِي قدر الله علينا ونتكل؟ أَي: نعتمد؟ وَأَصله: نوتكل، فأبدلت التَّاء من الْوَاو وأدغمت فِي الْأُخْرَى لِأَن أَصله من وكل يكل. قَوْله: (وَنَدع الْعَمَل) أَي: نتركه. قَوْله: (فسيصير) أَي: فسيجريه الْقَضَاء إِلَيْهِ قهرا، وَيكون مآل حَاله ذَلِك بِدُونِ اخْتِيَاره. قَوْله: (فييسرون) ، ذكره بِلَفْظ الْجمع بِاعْتِبَار معنى الْأَهْل، وَوجه مُطَابقَة جَوَابه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لسؤالهم هُوَ أَنهم لما قَالُوا: إِنَّا نَتْرُك الْمَشَقَّة الَّتِي فِي الْعَمَل الَّذِي لأَجلهَا سمي بالتكليف، فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا مشقة ثمَّة إِذْ كل ميسر لما خلق لَهُ) ، (وَهُوَ يسيرٌ على من يسره الله عَلَيْهِ) . فَإِن قيل: إِذا كَانَ الْقَضَاء الأزلي يَقْتَضِي ذَلِك، فَلم الْمَدْح والذم وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب؟ أُجِيب: بِأَن الْمَدْح والذم بِاعْتِبَار الْمَحَلِّيَّة لَا بِاعْتِبَار الفاعلية، وَهَذَا هُوَ المُرَاد باكسب الْمَشْهُور عَن الأشاعرة، وَذَلِكَ كَمَا يمدح الشَّيْء ويذم بحسنه وقبحه وسلامته وعاهته. وَأما الثَّوَاب وَالْعِقَاب فكسائر العاديات، فَكَمَا لَا يَصح عندنَا أَن يُقَال: لم خلق الله تَعَالَى الإحتراق عقيب مماسة النَّار وَلم يحصل ابْتِدَاء؟ فَكَذَا هَهُنَا، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: الْجَواب من الإسلوب الْحَكِيم مَنعهم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الاتكال وَترك الْعَمَل، وَأمرهمْ بِالْتِزَام مَا يجب على العَبْد من الْعُبُودِيَّة، وَإِيَّاكُم وَالتَّصَرُّف فِي الْأُمُور الإلهية فَلَا تجْعَلُوا الْعِبَادَة وَتركهَا سَببا مُسْتقِلّا لدُخُول الْجنَّة وَالنَّار، بل إِنَّهَا عَلَامَات فَقَط، وَقَالَ الْخطابِيّ: لما أخبر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن سبق الْكتاب بالسعادة رام الْقَوْم أَن يتخذوه حجَّة فِي ترك الْعَمَل، فأعلمهم أَن هُنَا أَمريْن لَا يبطل أَحدهمَا الآخر: بَاطِن
هُوَ الْعلَّة الْمُوجبَة فِي حكم الربوبية، وَظَاهر هُوَ التَّتِمَّة اللَّازِمَة فِي حق الْعُبُودِيَّة، وَإِنَّمَا هُوَ أَمارَة مخيلة فِي مطالقة علم العواقب غير مفيدة حَقِيقَة، وبيَّن لَهُم أَن كلا ميسر لما خلق لَهُ، وَأَن عمله فِي العاجل دَلِيل مصيره فِي الآجل، وَلذَلِك مثل بقوله تَعَالَى: {فَأَما من أعْطى وَاتَّقَى} (الَّيْلِ: ٥) . الْآيَة، وَنَظِيره الرزق الْمَقْسُوم مَعَ الْأَمر بِالْكَسْبِ، وَالْأَجَل الْمَضْرُوب مَعَ التعالج بالطب، فَإنَّك تَجِد الْبَاطِن مِنْهُمَا على مُوجبه، وَالظَّاهِر سَببا مخيلاً، وَقد اصْطَلحُوا على أَن الظَّاهِر مِنْهُمَا لَا يتْرك للباطن.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ ابْن بطال: هَذَا الحَدِيث أصل لأهل السّنة فِي أَن السَّعَادَة والشقاوة بِخلق الله تَعَالَى، بِخِلَاف قَول الْقَدَرِيَّة الَّذين يَقُولُونَ: إِن الشَّرّ لَيْسَ بِخلق الله. وَقَالَ النَّوَوِيّ: فِيهِ إِثْبَات للقدر، وَإِن جمع الْوَاقِعَات بِقَضَاء الله تَعَالَى وَقدره، لَا يُسأل عَمَّا يفعل، وَقيل: إِن سر الْقدر ينْكَشف لِلْخَلَائِقِ إِذا دخلُوا الْجنَّة، وَلَا ينْكَشف لَهُم قبل دُخُولهَا، وَفِيه رد على أهل الْجَبْر، لِأَن الْمُجبر لَا يَأْتِي الشَّيْء إلَاّ وَهُوَ يكرههُ، والتيسير ضد الْجَبْر، أَلا ترى أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِن الله تجَاوز عَن أمتِي مَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ) . قَالَ: والتيسير هُوَ أَن يَأْتِي الْإِنْسَان الشَّيْء وَهُوَ يُحِبهُ.
وَاخْتلف أهل يعلم فِي الدُّنْيَا الشقي من السعيد؟ فَقَالَ قوم: نعم، محتجين بِهَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة، والْحَدِيث لِأَن كل عمل أَمارَة على جَزَائِهِ. وَقَالَ قوم: لَا، وَالْحق فِي ذَلِك أَنه يدْرك ظنا لَا جزما. وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية: من اشْتهر لَهُ لِسَان صدق فِي النَّاس من صالحي هَذِه الْأمة هَل يقطع لَهُ بِالْجنَّةِ؟ فِيهِ قَولَانِ للْعُلَمَاء رَحِمهم الله.
وَفِيه: جَوَاز الْقعُود عِنْد الْقُبُور والتحدث عِنْدهَا بِالْعلمِ والمواعظ. وَفِيه: نكته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْمِخْصَرَةِ فِي الأَرْض. أصل تَحْرِيك الإصبع فِي التَّشَهُّد. قَالَه الْمُهلب. فَإِن قلت: مَا معنى النكت بِالْمِخْصَرَةِ؟ قلت: هُوَ إِشَارَة إِلَى إِحْضَار الْقلب للمعاني. وَفِيه: نكس الرَّأْس عِنْد الْخُشُوع والتفكر فِي أَمر الْآخِرَة. وَفِيه: إِظْهَار الخضوع والخشوع عِنْد الْجِنَازَة، وَكَانُوا إِذا حَضَرُوا جَنَازَة يلقى أحدهم حَبِيبه وَلَا يقبل عَلَيْهِ إلَاّ بِالسَّلَامِ حَتَّى يرى أَنه وَاجِد عَلَيْهِ، وَكَانُوا لَا يَضْحَكُونَ هُنَاكَ، وَرَأى بَعضهم رجلا يضْحك فآلى أَن لَا يكلمهُ أبدا، وَكَانَ يبْقى أثر ذَلِك عِنْدهم ثَلَاثَة أَيَّام لشدَّة مَا يحصل فِي قُلُوبهم من الْخَوْف والفزع. وَفِيه: أَن النَّفس المخلوقة إِمَّا سعيدة وَإِمَّا شقية، وَلَا يُقَال: إِذا وَجَبت الشقاوة والسعادة بِالْقضَاءِ الأزلي وَالْقدر الإلهي فَلَا فَائِدَة فِي التَّكْلِيف، فَإِن هَذَا أعظم شبه النافين للقدر، وَقد أجابهم الشَّارِع بِمَا لَا يبْقى مَعَه إِشْكَال، وَوجه الِانْفِصَال أَن الرب تَعَالَى أمرنَا بِالْعَمَلِ، فَلَا بُد من امتثاله، وغيب عَنَّا الْمَقَادِير لقِيَام حجَّته وزجره، وَنصب الْأَعْمَال عَلامَة على مَا سبق فِي مَشِيئَته، فسبيله التَّوَقُّف، فَمن عدل عَنهُ ضل لِأَن الْقدر سر من أسراره لَا يطلع عَلَيْهِ إلَاّ هُوَ فَإِذا دخلُوا الْجنَّة كشف لَهُم.
٣٨ - (بابُ مَا جاءَ فِي قاتِلِ النَّفْسِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ من الْأَخْبَار فِي حق قَاتل النَّفس، قيل: مَقْصُود التَّرْجَمَة حكم قَاتل النَّفس، وَالْمَذْكُور فِي الْبَاب حكم قَاتل نَفسه فَهُوَ أخص من التَّرْجَمَة، وَلكنه أَرَادَ أَن يلْحق بِقَاتِل نَفسه قَاتل غَيره من بَاب الأولى. قلت: قَوْله: قَاتل النَّفس، أَعم من أَن يكون قَاتل نَفسه، وَقَاتل غَيره، فَهَذَا اللَّفْظ يَشْمَل الْقسمَيْنِ فَلَا يحْتَاج فِي ذَلِك إِلَى دَعْوَى الأخصية وَلَا إِلَى إِلْحَاق قَاتل الْغَيْر بِقَاتِل نَفسه، وَلَا يلْزم أَن يكون حَدِيث الْبَاب طبق التَّرْجَمَة من سَائِر الْوُجُوه، بل إِذا صدق الحَدِيث على جُزْء مَا صدقت عَلَيْهِ التَّرْجَمَة، كفى. وَقيل: عَادَة البُخَارِيّ إِذا توقف فِي شَيْء ترْجم عَلَيْهِ تَرْجَمَة مُبْهمَة كَأَنَّهُ يُنَبه على طَرِيق الِاجْتِهَاد، وَقد نقل عَن مَالك أَن قَاتل النَّفس لَا تقبل تَوْبَته، وَمُقْتَضَاهُ أَن لَا يصلى عَلَيْهِ. قلت: لَا نسلم أَن هَذِه التَّرْجَمَة مُبْهمَة، والإبهام من أَيْن جَاءَ وَهِي ظَاهِرَة فِي تنَاولهَا الْقسمَيْنِ الْمَذْكُورين كَمَا ذكرنَا؟ وَقَالَ بَعضهم: لَعَلَّ البُخَارِيّ أَشَارَ بذلك إِلَى مَا رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن من حَدِيث جَابر بن سَمُرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، (أُتِي بِرَجُل قتل نَفسه بمشاقص فَلم يصل عَلَيْهِ) . وَفِي رِوَايَة للنسائي: (أما أَنا فَلَا أُصَلِّي عَلَيْهِ) لكنه لما لم يكن على شَرطه أَوْمَأ إِلَيْهِ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة وَأورد فِيهَا مَا يُشبههُ من قصَّة قَاتل نَفسه. قلت: تَوْجِيه كَلَام البُخَارِيّ فِي التَّرْجَمَة بالتخمين لَا يُفِيد، وَكَلَامه ظَاهر لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّكَلُّف، وَالْوَجْه مَا ذَكرْنَاهُ.
٣٦٣١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ قَالَ حدَّثنا خالِدٌ عنْ أبِي قِلابَةَ عنْ ثابتِ ابنِ الضَّحَّاكِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإسْلامِ كاذِبا مُتَعَمِّدا فَهْوَ كَمَا قَالَ وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ..
وَجه الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة مَا ذَكرْنَاهُ.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة تقدمُوا، وخَالِد هُوَ الْحذاء وَأَبُو قلَابَة عبد الله بن زيد بن ثَابت بن الضَّحَّاك الْأنْصَارِيّ الأشْهَلِي من أَصْحَاب بيعَة الرضْوَان، وَهُوَ صَغِير، مَاتَ سنة خمس وَأَرْبَعين.
وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَفِي النذور عَن مُعلى بن أَسد وَفِي الْأَدَب أَيْضا عَن مُحَمَّد بن بشار. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَيْمَان عَن يحيى بن يحيى وَعَن أبي غَسَّان وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق بن مَنْصُور وَعبد الْوَارِث بن عبد الصَّمد وَعَن مُحَمَّد بن رَافع. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور عَن أبي تَوْبَة وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن منيع. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور وَعَن مَحْمُود بن خَالِد وَعَن قُتَيْبَة وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْكَفَّارَات عَن مُحَمَّد بن الْمثنى.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بِملَّة) ، الْملَّة الدّين كملة الْإِسْلَام واليهودية والنصرانية، وَقيل: هِيَ مُعظم الدّين، وَجُمْلَة مَا يَجِيء بِهِ الرُّسُل. صورته أَن يحلف بدين النَّصَارَى أَو بدين مِلَّة من ملل الْكَفَرَة. قَوْله: (كَاذِبًا) حَال من الضَّمِير الَّذِي فِي: حلف، أَي: حَال كَونه كَاذِبًا فِي تَعْظِيم تِلْكَ الْملَّة الَّتِي حلف بهَا، فَيكون هَذَا الْحَال من الْأَحْوَال اللَّازِمَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَهُوَ الْحق مُصدقا} (الْبَقَرَة: ٢٩، وفاطر: ١٣) . لِأَن من عظم غير مِلَّة الْإِسْلَام كَانَ كَاذِبًا فِي تَعْظِيم ذَلِك دَائِما فِي كل حَال، وَفِي كل وَقت، وَلَا ينْتَقل عَنهُ وَلَا يصلح أَن يُقَال: إِنَّه يَعْنِي بِكَوْنِهِ كَاذِبًا فِي الْمَحْلُوف عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يَسْتَوِي فِي حَقه كَونه صَادِقا أَو كَاذِبًا إِذا حلف بِملَّة غير الْإِسْلَام، لِأَنَّهُ إِنَّمَا ذمه الشَّرْع من حَيْثُ إِنَّه حلف بِتِلْكَ الْملَّة الْبَاطِلَة مُعظما لَهَا على نَحْو مَا يعظم بِهِ مِلَّة الْإِسْلَام الْحق، وَلَا فرق بَين أَن يكون صَادِقا أَو كَاذِبًا فِي الْمَحْلُوف عَلَيْهِ. قَوْله: (مُتَعَمدا) أَيْضا حَال من الْأَحْوَال المتداخلة أَو المترادفة، قيد بِهِ لِأَنَّهُ إِذا كَانَ الْحَالِف بذلك غير مُعْتَقد لذَلِك فَهُوَ آثم مرتكب كَبِيرَة إِذْ قد تشبه فِي قَوْله بِمن يعظم تِلْكَ الْملَّة ويعتقدها، فغلظ عَلَيْهِ الْوَعيد بِأَن صير كواحد مِنْهُم مُبَالغَة فِي الردع والزجر، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَإِنَّهُ مِنْهُم} (الْمَائِدَة: ١٥) . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: قَوْله: (مُتَعَمدا) ، يحْتَمل أَن يُرِيد بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من كَانَ مُعْتَقدًا لتعظيم تِلْكَ الْملَّة الْمُغَايرَة لملة الْإِسْلَام، وَحِينَئِذٍ يكون كَافِرًا حَقِيقَة، فَيبقى اللَّفْظ على ظَاهره. قَوْله: (فَهُوَ كَمَا قَالَ) ، قَالَ ابْن بطال: أَي: هُوَ كَاذِب لَا كَافِر، وَلَا يخرج بِهَذِهِ الْقِصَّة من الْإِسْلَام إِلَى الدّين الَّذِي حلف بِهِ لِأَنَّهُ لم يقل مَا يَعْتَقِدهُ، فَوَجَبَ أَن يكون كَاذِبًا، كَمَا قَالَ لَا كَافِرًا. قَالَ: فَإِن ظن أَن فِي هَذَا الحَدِيث دَلِيلا على إِبَاحَة الْحلف بِملَّة غير الْإِسْلَام صَادِقا لاشتراطه فِي الحَدِيث أَن يحلف بِهِ كَاذِبًا، قيل لَهُ: لَيْسَ كَمَا توهمت لوُرُود نهي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْحلف بِغَيْر الله نهيا مُطلقًا، فَاسْتَوَى فِي ذَلِك الْكَاذِب والصادق. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (فَهُوَ كَمَا قَالَ) أَي: فَهُوَ على مِلَّة غير الْإِسْلَام، لِأَن الْحلف بالشَّيْء تَعْظِيم لَهُ، ثمَّ قَالَ: الظَّاهِر أَنه تَغْلِيظ. قلت: حمله على هَذَا التَّفْسِير صرفه معنى قَوْله: كَاذِبًا إِلَى الْمَحْلُوف عَلَيْهِ، وَقد ذكرنَا أَنه لَا يصلح ذَلِك لِاسْتِوَاء كَونه صَادِقا أَو كَاذِبًا إِذا حلف بِملَّة غير الْإِسْلَام، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ إِنَّمَا يحلف الْحَالِف بِمَا كَانَ عَظِيما عِنْده، وَمن اعْتقد تَعْظِيم مِلَّة من ملل الْكفْر فقد ضاهى الْكفَّار. انْتهى. قلت: فقد كفر حَقِيقَة والمضاهاة دون ذَلِك. قَوْله: (بحديدة) أَرَادَ بِهِ آلَة قاطمة مثل السَّيْف والسكين وَنَحْوهمَا، والحديدة أخص من الْحَدِيد سمي بِهِ لِأَنَّهُ منيع، لِأَن أَصله من الْحَد وَهُوَ الْمَنْع وَالْجمع حدائد، وَجَاء فِي الشّعْر: الحديدات. قَوْله: (عذب بِهِ) ، ويروى: (بهَا) ، أَي: بالحديدة، وَأما تذكير الضَّمِير فباعتبار الْمَذْكُور، وَإِنَّمَا يعذب بهَا لِأَن الْجَزَاء من جنس الْعَمَل.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه على أَن الْحَالِف بِالْيَمِينِ الْمَذْكُور ينْعَقد يَمِينه وَعَلِيهِ الْكَفَّارَة، لِأَن الله تَعَالَى أوجب على الْمظَاهر الْكَفَّارَة، وَهُوَ مُنكر من القَوْل وزور، وَالْحلف بِهَذِهِ الْأَشْيَاء مُنكر وزور، وَقَالَ النَّوَوِيّ: لَا ينْعَقد بِهَذِهِ الْأَشْيَاء يَمِين، وَعَلِيهِ أَن يسْتَغْفر الله ويوحده
وَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ سَوَاء فعله أم لَا. وَقَالَ: هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي وَمَالك وَجُمْهُور الْعلمَاء، وَاحْتَجُّوا بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من حلف فَقَالَ بِاللات والعزى فَلْيقل لَا إِلَه إلَاّ الله) ، وَلم يذكر فِي الحَدِيث كَفَّارَة، قُلْنَا: لَا يلْزم من عدم ذكرهَا فِيهِ نفي وجوب الْكَفَّارَة، وَقَالَ ابْن بطال فِي قَوْله: (وَمن قتل نَفسه بحديدة) : أجمع الْفُقَهَاء وَأهل السّنة على أَنه من قتل نَفسه أَنه لَا يخرج بذلك من الْإِسْلَام، وَأَنه يصلى عَلَيْهِ وإثمه عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ مَالك، وَلم يكره الصَّلَاة عَلَيْهِ إِلَّا عمر بن عبد الْعَزِيز وَالْأَوْزَاعِيّ، وَالصَّوَاب قَول الْجَمَاعَة لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سنّ الصَّلَاة على الْمُسلمين وَلم يسْتَثْن مِنْهُم أحدا فيصلى على جَمِيعهم. قلت: قَالَ أَبُو يُوسُف: لَا يصلى على قَاتل نَفسه لِأَنَّهُ ظَالِم لنَفسِهِ فَيلْحق بالباغي وقاطع الطَّرِيق، وَعند أبي حنيفَة وَمُحَمّد: يصلى عَلَيْهِ لِأَن دَمه هذر كَمَا لَو مَاتَ حتفه.
٤٦٣١ - وَقَالَ حجَّاجُ بنُ مِنْهَالٍ حَدثنَا جَريرُ بنُ حازِمٍ عنِ الحَسَنِ قَالَ حَدثنَا جُنْدَبٌ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فِي هاذا المَسْجِدِ فَمَا نَسِينَا وَمَا نَخَافُ أنْ يَكْذِبَ جُنْدَبٌ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ كانَ بِرَجُلٍ جِرَاحٌ قَتَلَ نَفْسَهُ فَقَالَ الله عزَّ وجَلَّ بَدَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ.
(الحَدِيث ٤٦٣١ طرفه فِي: ٣٦٤٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله فِي ذكر بني إِسْرَائِيل فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد حَدثنَا حجاج بن منهال فَذكره، وَفِي (التَّلْوِيح) : كَذَا ذكره عَن شَيْخه بِلَفْظ: قَالَ، وخرجه فِي أَخْبَار بني إِسْرَائِيل، فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد حَدثنَا حجاج بن منهال، قَالَ: وَهُوَ يضعف قَول من قَالَ: إِنَّه إِذا قَالَ عَن شَيْخه، وَقَالَ فلَان، يكون أَخذه عَنهُ مذاكرة، وَلَفظه هُنَاكَ: كَانَ فِيمَن كَانَ قبلكُمْ رجل بِهِ جرح فجزع، فَأخذ سكينا فحز بهَا يَده فَمَا رقي الدَّم حَتَّى مَاتَ، وَعند مُسلم من حَدِيث مُحَمَّد بن أبي بكر الْمقدمِي: حَدثنَا وهب بن جرير حَدثنَا أبي، وَلَفظه: (خرجت بِهِ قرحَة فَلَمَّا آذته انتزع سَهْما من كِنَانَته فنكاها فَلم يرق الدَّم حَتَّى مَاتَ) . وَقَالَ أَبُو عبد الله الْحَاكِم مُحَمَّد هَذَا هُوَ الذهلي، قَالَ الجياني: وَنسبه أَبُو عَليّ ابْن السكن عَن الْفربرِي، فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن سعيد حَدثنَا حجاج، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: قد أخرج البُخَارِيّ عَن مُحَمَّد بن معمر وَهُوَ مَشْهُور بالرواية، ثمَّ رَوَاهُ أَبُو عَليّ عَن حَكِيم بن مُحَمَّد حَدثنَا أَبُو بكر بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا عَليّ بن قديد حَدثنَا مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحرز حَدثنَا حجاج فَذكره.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي هَذَا الْمَسْجِد) ، الظَّاهِر أَنه مَسْجِد الْبَصْرَة، قَوْله: (فَمَا نَسِينَا وَمَا نَخَاف) ذكر هَذَا للتَّأْكِيد وَالتَّحْقِيق. قَوْله: (عَن النَّبِي) ، ويروى: (عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) وَهُوَ ظَاهر، لِأَنَّهُ يُقَال: كذب عَلَيْهِ، وَأما رِوَايَة: عَن، فعلى معنى النَّقْل، قَوْله: (بِرَجُل جراح) ، لم يعرف الرجل من هُوَ، و: الْجراح، بِكَسْر الْجِيم، ويروى: (خراج) ، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الرَّاء، وَهُوَ فِي اصْطِلَاح الْأَطِبَّاء: الورم إِذا اجْتمعت مادته المتفرقة فِي لِيف الْعُضْو الورم إِلَى تجويف وَاحِد، وَقبل ذَلِك يُسمى ورما وَفِي (الْمُحكم) هُوَ اسْم لما يخرج فِي الْبدن، زَاد فِي (الْمُنْتَهى) : من القروح. وَفِي (الْمغرب) : الْخراج، بِالضَّمِّ البثر الْوَاحِدَة، خراجة، وَزعم أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ أَنه يجمع على خراجات وخرجات. وَفِي (الجمهرة) و (الْجَامِع) و (الموعب) : الْخراج مَا خرج على الْجَسَد من دمل وَنَحْوه وَزعم النَّوَوِيّ أَن الْخراج قرحَة، بِفَتْح الْقَاف وَإِسْكَان الرَّاء، وَهِي وَاحِدَة القروح، وَهِي حبات تخرج فِي بدن الْإِنْسَان. وَفِي (التَّلْوِيح) : ينظر فِيهِ من سلفه فِيهِ. قَوْله: (قتل نَفسه) ، أَي: بِسَبَب الْجراح، وَهِي جملَة وَقعت صفة، ويروى: (فَقتل) . قَوْله: (بدرني) ، معنى الْمُبَادرَة: عدم صبره حَتَّى يقبض الله روحه حتف أَنفه، يُقَال: بدرني، أَي: سبقني من بدرت إِلَى الشَّيْء أبدر بَدْرًا: إِذا أسرعت: وَكَذَلِكَ: بادرت إِلَيْهِ. قَوْله: (حرمت عَلَيْهِ الْجنَّة) مَعْنَاهُ: إِن كَانَ مستحلاً فعقوبته مُؤَبّدَة، أَو مَعْنَاهُ: حرمت قبل دُخُول النَّار، أَو المُرَاد من الْجنَّة: جنَّة خَاصَّة لِأَن الْجنان كَثِيرَة، أَو هُوَ من بَاب التغيظ، أَو هُوَ مُقَدّر بِمَشِيئَة الله تَعَالَى، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون هَذَا الْوَعيد لهَذَا الرجل الْمَذْكُور فِي الحَدِيث، وانضم إِلَى هَذَا الرجل مشركه، وَقَالَ ابْن التِّين: يحْتَمل أَن يكون كَافِرًا، لقَوْله: (فَحرمت عَلَيْهِ الْجنَّة) ، وَفِيه نظر من حَيْثُ إِن الْجنَّة مُحرمَة على الْكَافِر سَوَاء قتل نَفسه اَوْ استبقاها، وعَلى تَقْدِير أَن يكون كَافِرًا، إِنَّمَا يَتَأَتَّى على قَول من يَقُول: إِن الْكفَّار مطالبون