الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٣٧
الحديث رقم ١٣٧ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ التَّخْفِيفِ فِي الْوُضُوءِ
١٣٧ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ. عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ :
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
تَأْوِيلُهُمُ الْإِطَالَةَ الْمَطْلُوبَةَ بِالْمُدَاوَمَةِ عَلَى الْوُضُوءِ فَمُعْتَرَضٌ بِأَنَّ الرَّاوِيَ أَدْرَى بِمَعْنَى مَا رَوَى، كَيْفَ وَقَدْ صَرَّحَ بِرَفْعِهِ إِلَى الشَّارِعِ ﷺ (١) وَفِي الْحَدِيثِ مَعْنَى مَا تَرْجَمَ لَهُ مِنْ فَضْلِ الْوُضُوءِ ; لِأَنَّ الْفَضْلَ الْحَاصِلَ بِالْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ مِنْ آثَارِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْوَاجِبِ، فَكَيْفَ الظَّنُّ بِالْوَاجِبِ؟ وَقَدْ وَرَدَتْ فِيهِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ. وَفِيهِ جَوَازُ الْوُضُوءِ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ لَكِنْ إِذَا لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ أَذًى لِلْمَسْجِدِ أَوْ لِمَنْ فِيهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٤ - بَاب لَا يَتَوَضَّأُ مِنْ الشَّكِّ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ
١٣٧ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلُ الَّذِي يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: لَا يَنْفَتِلْ - أَوْ لَا يَنْصَرِفْ - حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا.
[الحديث ١٣٧ - طرفاه في: ٢٠٥٦، ١٧٧]
قَوْلُهُ: (بَابٌ) بِالتَّنْوِينِ (لَا يَتَوَضَّأُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ.
قَوْلُهُ: (مِنَ الشَّكِّ) أَيْ: بِسَبَبِ الشَّكِّ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيُّ وَسُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ.
قَوْلُهُ: (وَعَنْ عَبَّادٍ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَسَقَطَتِ الْوَاوُ مِنْ رِوَايَةِ كَرِيمَةَ غَلَطًا؛ لِأَنَّ سَعِيدًا لَا رِوَايَةَ لَهُ عَنْ عَبَّادٍ أَصْلًا، ثُمَّ إِنَّ شَيْخَ سَعِيدٍ فِيهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَمَّ عَبَّادٍ كَأَنَّهُ قَالَ كِلَاهُمَا عَنْ عَمِّهِ أَيْ: عَمِّ الثَّانِي وَهُوَ عَبَّادٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَحْذُوفًا ويكون مِنْ مَرَاسِيلِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ جَرَى صَاحِبُ الْأَطْرَافِ. وَيُؤَيِّدُ الثَّانِيَ رِوَايَةُ مَعْمَرٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ لَكِنْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْهُ فَقَالَ إِنَّهُ مُنْكَرٌ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَمِّهِ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِيُّ الْأَنْصَارِيُّ، سَمَّاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ فِي رِوَايَتِهِمْ لِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَاخْتُلِفَ هَلْ هُوَ عَمُّ عَبَّادٍ لِأَبِيهِ أَوْ لِأُمِّهِ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ شَكَا) كَذَا فِي رِوَايَتِنَا شَكَا بِأَلِفٍ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الرَّاوِيَ هُوَ الشَّاكِي، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ سُفْيَانَ وَلَفْظُهُ عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ شُكِيَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَعَلَى هَذَا فَالْهَاءُ فِي أَنَّهُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ.
وَوَقَعَ فِي مُسْلِمٍ شُكِيَ بِالضَّمِّ أَيْضًا كَمَا ضَبَطَهُ النَّوَوِيُّ. وَقَالَ: لَمْ يُسَمَّ الشَّاكِي، قَالَ: وَجَاءَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ الرَّاوِي. قَالَ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَوَهَّمَ مِنْ هَذَا أَنَّ شَكَى بِالْفَتْحِ أَيْ: فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَإِنَّمَا نَبَّهْتُ عَلَى هَذَا لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَالَ إِنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ كَلَامُ النَّوَوِيِّ.
قَوْلُهُ: (الرَّجُلُ) بِالضَّمِّ عَلَى الْحِكَايَةِ. وَهُوَ وَمَا بَعْدَهُ فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ.
قَوْلُهُ: (يُخَيَّلُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْأَخِيرَةِ الْمَفْتُوحَةِ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْخَيَالِ، وَالْمَعْنَى يَظُنُّ، وَالظَّنُّ هُنَا أَعَمُّ مِنْ تَسَاوِي الِاحْتِمَالَيْنِ أَوْ تَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا عَلَى مَا هُوَ أَصْلُ اللُّغَةِ مِنْ أَنَّ الظَّنَّ خِلَافُ الْيَقِينِ.
قَوْلُهُ: (يَجِدُ الشَّيْءَ) أَيْ: الْحَدَثَ خَارِجًا مِنْهُ، وَصَرَّحَ بِهِ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَلَفْظُهُ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ فِي صَلَاتِهِ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ وَفِيهِ الْعُدُولُ عَنْ ذِكْرِ الشَّيْءِ الْمُسْتَقْذَرِ بِخَاصِّ اسْمِهِ إِلَّا لِلضَّرُورَةِ.
قَوْلُهُ: (فِي الصَّلَاةِ) تَمَسَّكَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِظَاهِرِهِ فَخَصُّوا الْحُكْمَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٣٧ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابن عبد الله (١) المدينيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) ابن عُيَيْنَةَ (قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّب) بفتح الياء (وَعَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ) بفتح العَيْن المُهمَلَة وتشديد المُوحَّدة، ابن يزيد الأنصاريِّ المدنيِّ، عدَّه الذَّهبيُّ في الصَّحابة، وغيره في التَّابعين، ووقع في رواية كريمة: سقوط واو العطف من قوله: «وعن عَبَّاد» وهو خطأٌ، لأنَّه لا رواية لسعيد بن المُسَيَّب عن عَبَّادٍ (٢) أصلًا، وحينئذٍ فالعطف على قوله: «عن سعيد بن المُسيَّب» هو الصَّحيح؛ لأنَّ الزُّهريَّ يروي عن سعيدٍ وعَبَّادٍ، وكلاهما (عَنْ عَمِّهِ) عبد الله بن زيد بن عاصمٍ، الأنصاريِّ المازنيِّ، قُتِلَ في ذي الحجَّة بالحرَّة في آخر سنة ثلاثٍ وستِّين، له في «البخاريِّ» تسعة أحاديث (أَنَّهُ شَكَا) بالألف، أي: عبد الله بن زيدٍ، كما صرَّح به ابن خزيمة (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الرَّجُلَ) بالنَّصب على المفعوليَّة، وفي بعض الرِّوايات (٣): «أنَّه شُكِيَ» بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول -موافقةً لـ «مسلمٍ» كما ضبطه النَّوويُّ رحمه الله تعالى - «الرَّجلُّ» بالضَّمِّ، قال في «التَّنقيح»: وعلى هذين الوجهين -أي: في «شكا» - يجوز في «الرَّجل» الرَّفع والنَّصب، وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ بأنَّ الوجهين محتملان (٤) على الأوَّل وحده، وذلك أنَّ ضمير «أنَّه» يحتمل أن يكون ضمير الشَّأن، و «شكا الرَّجل»: فعلٌ وفاعلٌ مفسِّرٌ (٥) للشَّأن، ويحتمل أن يعود إلى الرَّاوي، و «شكا» مَسنَدٌ إلى ضميرٍ يعود إليه أيضًا، و «الرَّجلَ» مفعولٌ به (الَّذِي يُخَيَّلُ إِلَيْهِ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح المُعجَمَة، مبنيًّا لما لم يُسمَّ فاعله، أي: يُشبَّه (٦) له (أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ) أي: الحدث خارجًا من دبره، وهو (فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ) ﷺ: (لَا يَنْفَتِلُْ أَوْ لَا يَنْصَرِفُْ) بالجزم فيهما على
النَّهي، وبالرَّفع على النَّفي، والشَّكُّ من الرَّاوي، وكأنَّه من شيخ المؤلِّف عليٍّ (حَتَّى) أي: إلى أن (يَسْمَعَ صَوْتًا) من دبره (أَوْ يَجِدَ رِيحًا) منه، والمُرَاد: تحقُّق وجودهما حتَّى إنَّه لو كان أخشمَ لا يشمُّ أو أصمَّ لا يسمع كان الحكم كذلك، وذكرهما (١) ليس لقصر الحكم عليهما (٢)، فكلُّ حدثٍ كذلك، إلَّا أنَّه وقع جوابًا لسؤالٍ (٣)، لأنَّ المعنى: إذا كان أوسع من الاسم كان الحكم للمعنى، وهذا كحديث: «إذا استهلَّ الصَّبيُّ ورثَ وصُلِّي عليه» إذ لم يَرِدْ تخصيص الاستهلال دون غيره من أمارات الحياة كالحركة والنَّبض ونحوهما، وهذا الحديث فيه قاعدةٌ لكثيرٍ من الأحكام، وهي استصحاب اليقين وطرح الشَّكِّ الطَّارئ، والعلماء متَّفقون على ذلك، فمن تيقَّن الطَّهارة وشكَّ في الحدث عمل بيقين الطَّهارة، أو تيقَّن الحدث وشكَّ في الطَّهارة عمل بيقين الحدث، فلو تيقَّنهما وجهل السَّابق منهما -كما لو تيقَّن بعد طلوع الشَّمس حدثًا وطهارةً ولم يعلمِ السَّابق- فأوجهٌ، أصحُّها: إسناد (٤) الوهم لِمَا قبل الطُّلوع، فإن كان قبله محدثًا فهو الآن متطهِّرٌ لأنَّه تيقَّن أنَّ الحدث السَّابق ارتفع بالطَّهارة اللَّاحقة، وشكَّ هل ارتفع أم لا؟ والأصل بقاؤه، وإن كان قبله متطهِّرًا نُظِر، إن كان ممَّن (٥) يعتاد تجديد الوضوء فهو الآن مُحْدِثٌ؛ لأنَّ الغالب أنَّه بنى وضوءه على الأوَّل، فيكون الحدث بعده، وإن لم يَعْتَدْ فهو الآن متطهِّرٌ؛ لأنَّ طهارته بعد الحدث، وإن لم يتذكَّر ما قبلهما توضَّأ للتَّعارض، واختار في «المجموع» لزوم الوضوء بكلِّ حالٍ احتياطًا، وذكر في «شرح المُهذَّب» و «الوسيط»: أنَّ الجمهور أطلقوا المسألة، وأنَّ المُقيِّد لها المتولِّي والرَّافعيُّ، مع أنَّه نقله في «أصل الرَّوضة» عن الأكثرين، قال في «المُهمَّات»: وعليه الفتوى، وقد أخذ بهذه القاعدة -وهي العمل بالأصل- جمهور العلماء خلافًا لمالكٍ؛ حيث رُوِيَ عنه النَّقض مُطلَقًا، أو خارج الصَّلاة دون داخلها. ورُوِيَ هذا التَّفصيل عن الحسن البصريِّ، والأوَّل مشهورُ مذهب مالكٍ، قاله القرطبيُّ، وهو رواية ابن القاسم عنه، وروى ابن نافعٍ عنه: لا وضوء عليه مُطلَقًا كقول (٦) الجمهور، وروى ابن وهبٍ عنه:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
تَأْوِيلُهُمُ الْإِطَالَةَ الْمَطْلُوبَةَ بِالْمُدَاوَمَةِ عَلَى الْوُضُوءِ فَمُعْتَرَضٌ بِأَنَّ الرَّاوِيَ أَدْرَى بِمَعْنَى مَا رَوَى، كَيْفَ وَقَدْ صَرَّحَ بِرَفْعِهِ إِلَى الشَّارِعِ ﷺ (١) وَفِي الْحَدِيثِ مَعْنَى مَا تَرْجَمَ لَهُ مِنْ فَضْلِ الْوُضُوءِ ; لِأَنَّ الْفَضْلَ الْحَاصِلَ بِالْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ مِنْ آثَارِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْوَاجِبِ، فَكَيْفَ الظَّنُّ بِالْوَاجِبِ؟ وَقَدْ وَرَدَتْ فِيهِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ. وَفِيهِ جَوَازُ الْوُضُوءِ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ لَكِنْ إِذَا لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ أَذًى لِلْمَسْجِدِ أَوْ لِمَنْ فِيهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٤ - بَاب لَا يَتَوَضَّأُ مِنْ الشَّكِّ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ
١٣٧ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلُ الَّذِي يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: لَا يَنْفَتِلْ - أَوْ لَا يَنْصَرِفْ - حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا.
[الحديث ١٣٧ - طرفاه في: ٢٠٥٦، ١٧٧]
قَوْلُهُ: (بَابٌ) بِالتَّنْوِينِ (لَا يَتَوَضَّأُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ.
قَوْلُهُ: (مِنَ الشَّكِّ) أَيْ: بِسَبَبِ الشَّكِّ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيُّ وَسُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ.
قَوْلُهُ: (وَعَنْ عَبَّادٍ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَسَقَطَتِ الْوَاوُ مِنْ رِوَايَةِ كَرِيمَةَ غَلَطًا؛ لِأَنَّ سَعِيدًا لَا رِوَايَةَ لَهُ عَنْ عَبَّادٍ أَصْلًا، ثُمَّ إِنَّ شَيْخَ سَعِيدٍ فِيهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَمَّ عَبَّادٍ كَأَنَّهُ قَالَ كِلَاهُمَا عَنْ عَمِّهِ أَيْ: عَمِّ الثَّانِي وَهُوَ عَبَّادٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَحْذُوفًا ويكون مِنْ مَرَاسِيلِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ جَرَى صَاحِبُ الْأَطْرَافِ. وَيُؤَيِّدُ الثَّانِيَ رِوَايَةُ مَعْمَرٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ لَكِنْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْهُ فَقَالَ إِنَّهُ مُنْكَرٌ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَمِّهِ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِيُّ الْأَنْصَارِيُّ، سَمَّاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ فِي رِوَايَتِهِمْ لِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَاخْتُلِفَ هَلْ هُوَ عَمُّ عَبَّادٍ لِأَبِيهِ أَوْ لِأُمِّهِ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ شَكَا) كَذَا فِي رِوَايَتِنَا شَكَا بِأَلِفٍ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الرَّاوِيَ هُوَ الشَّاكِي، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ سُفْيَانَ وَلَفْظُهُ عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ شُكِيَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَعَلَى هَذَا فَالْهَاءُ فِي أَنَّهُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ.
وَوَقَعَ فِي مُسْلِمٍ شُكِيَ بِالضَّمِّ أَيْضًا كَمَا ضَبَطَهُ النَّوَوِيُّ. وَقَالَ: لَمْ يُسَمَّ الشَّاكِي، قَالَ: وَجَاءَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ الرَّاوِي. قَالَ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَوَهَّمَ مِنْ هَذَا أَنَّ شَكَى بِالْفَتْحِ أَيْ: فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَإِنَّمَا نَبَّهْتُ عَلَى هَذَا لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَالَ إِنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ كَلَامُ النَّوَوِيِّ.
قَوْلُهُ: (الرَّجُلُ) بِالضَّمِّ عَلَى الْحِكَايَةِ. وَهُوَ وَمَا بَعْدَهُ فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ.
قَوْلُهُ: (يُخَيَّلُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْأَخِيرَةِ الْمَفْتُوحَةِ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْخَيَالِ، وَالْمَعْنَى يَظُنُّ، وَالظَّنُّ هُنَا أَعَمُّ مِنْ تَسَاوِي الِاحْتِمَالَيْنِ أَوْ تَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا عَلَى مَا هُوَ أَصْلُ اللُّغَةِ مِنْ أَنَّ الظَّنَّ خِلَافُ الْيَقِينِ.
قَوْلُهُ: (يَجِدُ الشَّيْءَ) أَيْ: الْحَدَثَ خَارِجًا مِنْهُ، وَصَرَّحَ بِهِ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَلَفْظُهُ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ فِي صَلَاتِهِ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ وَفِيهِ الْعُدُولُ عَنْ ذِكْرِ الشَّيْءِ الْمُسْتَقْذَرِ بِخَاصِّ اسْمِهِ إِلَّا لِلضَّرُورَةِ.
قَوْلُهُ: (فِي الصَّلَاةِ) تَمَسَّكَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِظَاهِرِهِ فَخَصُّوا الْحُكْمَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٣٧ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابن عبد الله (١) المدينيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) ابن عُيَيْنَةَ (قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّب) بفتح الياء (وَعَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ) بفتح العَيْن المُهمَلَة وتشديد المُوحَّدة، ابن يزيد الأنصاريِّ المدنيِّ، عدَّه الذَّهبيُّ في الصَّحابة، وغيره في التَّابعين، ووقع في رواية كريمة: سقوط واو العطف من قوله: «وعن عَبَّاد» وهو خطأٌ، لأنَّه لا رواية لسعيد بن المُسَيَّب عن عَبَّادٍ (٢) أصلًا، وحينئذٍ فالعطف على قوله: «عن سعيد بن المُسيَّب» هو الصَّحيح؛ لأنَّ الزُّهريَّ يروي عن سعيدٍ وعَبَّادٍ، وكلاهما (عَنْ عَمِّهِ) عبد الله بن زيد بن عاصمٍ، الأنصاريِّ المازنيِّ، قُتِلَ في ذي الحجَّة بالحرَّة في آخر سنة ثلاثٍ وستِّين، له في «البخاريِّ» تسعة أحاديث (أَنَّهُ شَكَا) بالألف، أي: عبد الله بن زيدٍ، كما صرَّح به ابن خزيمة (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الرَّجُلَ) بالنَّصب على المفعوليَّة، وفي بعض الرِّوايات (٣): «أنَّه شُكِيَ» بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول -موافقةً لـ «مسلمٍ» كما ضبطه النَّوويُّ رحمه الله تعالى - «الرَّجلُّ» بالضَّمِّ، قال في «التَّنقيح»: وعلى هذين الوجهين -أي: في «شكا» - يجوز في «الرَّجل» الرَّفع والنَّصب، وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ بأنَّ الوجهين محتملان (٤) على الأوَّل وحده، وذلك أنَّ ضمير «أنَّه» يحتمل أن يكون ضمير الشَّأن، و «شكا الرَّجل»: فعلٌ وفاعلٌ مفسِّرٌ (٥) للشَّأن، ويحتمل أن يعود إلى الرَّاوي، و «شكا» مَسنَدٌ إلى ضميرٍ يعود إليه أيضًا، و «الرَّجلَ» مفعولٌ به (الَّذِي يُخَيَّلُ إِلَيْهِ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح المُعجَمَة، مبنيًّا لما لم يُسمَّ فاعله، أي: يُشبَّه (٦) له (أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ) أي: الحدث خارجًا من دبره، وهو (فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ) ﷺ: (لَا يَنْفَتِلُْ أَوْ لَا يَنْصَرِفُْ) بالجزم فيهما على
النَّهي، وبالرَّفع على النَّفي، والشَّكُّ من الرَّاوي، وكأنَّه من شيخ المؤلِّف عليٍّ (حَتَّى) أي: إلى أن (يَسْمَعَ صَوْتًا) من دبره (أَوْ يَجِدَ رِيحًا) منه، والمُرَاد: تحقُّق وجودهما حتَّى إنَّه لو كان أخشمَ لا يشمُّ أو أصمَّ لا يسمع كان الحكم كذلك، وذكرهما (١) ليس لقصر الحكم عليهما (٢)، فكلُّ حدثٍ كذلك، إلَّا أنَّه وقع جوابًا لسؤالٍ (٣)، لأنَّ المعنى: إذا كان أوسع من الاسم كان الحكم للمعنى، وهذا كحديث: «إذا استهلَّ الصَّبيُّ ورثَ وصُلِّي عليه» إذ لم يَرِدْ تخصيص الاستهلال دون غيره من أمارات الحياة كالحركة والنَّبض ونحوهما، وهذا الحديث فيه قاعدةٌ لكثيرٍ من الأحكام، وهي استصحاب اليقين وطرح الشَّكِّ الطَّارئ، والعلماء متَّفقون على ذلك، فمن تيقَّن الطَّهارة وشكَّ في الحدث عمل بيقين الطَّهارة، أو تيقَّن الحدث وشكَّ في الطَّهارة عمل بيقين الحدث، فلو تيقَّنهما وجهل السَّابق منهما -كما لو تيقَّن بعد طلوع الشَّمس حدثًا وطهارةً ولم يعلمِ السَّابق- فأوجهٌ، أصحُّها: إسناد (٤) الوهم لِمَا قبل الطُّلوع، فإن كان قبله محدثًا فهو الآن متطهِّرٌ لأنَّه تيقَّن أنَّ الحدث السَّابق ارتفع بالطَّهارة اللَّاحقة، وشكَّ هل ارتفع أم لا؟ والأصل بقاؤه، وإن كان قبله متطهِّرًا نُظِر، إن كان ممَّن (٥) يعتاد تجديد الوضوء فهو الآن مُحْدِثٌ؛ لأنَّ الغالب أنَّه بنى وضوءه على الأوَّل، فيكون الحدث بعده، وإن لم يَعْتَدْ فهو الآن متطهِّرٌ؛ لأنَّ طهارته بعد الحدث، وإن لم يتذكَّر ما قبلهما توضَّأ للتَّعارض، واختار في «المجموع» لزوم الوضوء بكلِّ حالٍ احتياطًا، وذكر في «شرح المُهذَّب» و «الوسيط»: أنَّ الجمهور أطلقوا المسألة، وأنَّ المُقيِّد لها المتولِّي والرَّافعيُّ، مع أنَّه نقله في «أصل الرَّوضة» عن الأكثرين، قال في «المُهمَّات»: وعليه الفتوى، وقد أخذ بهذه القاعدة -وهي العمل بالأصل- جمهور العلماء خلافًا لمالكٍ؛ حيث رُوِيَ عنه النَّقض مُطلَقًا، أو خارج الصَّلاة دون داخلها. ورُوِيَ هذا التَّفصيل عن الحسن البصريِّ، والأوَّل مشهورُ مذهب مالكٍ، قاله القرطبيُّ، وهو رواية ابن القاسم عنه، وروى ابن نافعٍ عنه: لا وضوء عليه مُطلَقًا كقول (٦) الجمهور، وروى ابن وهبٍ عنه: