الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٣٨٨
الحديث رقم ١٣٨٨ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب موت الفجأة البغتة.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ مَا جَاءَ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ أَقْبَرْتُ الرَّجُلَ (١) إِذَا جَعَلْتَ لَهُ قَبْرًا وَقَبَرْتُهُ دَفَنْتُهُ ﴿كِفَاتًا﴾ يَكُونُونَ فِيهَا أَحْيَاءً وَيُدْفَنُونَ فِيهَا أَمْوَاتًا
١٣٨٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (إِنَّمَا هُوَ) أَيِ: الْكَفَنُ.
قَوْلُهُ: (لِلْمُهْلَةِ) قَالَ عِيَاضٌ: رُوِيَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا وَكَسْرِهَا. قُلْتُ: جَزَمَ بِهِ الْخَلِيلُ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: هُوَ بِالْكَسْرِ: الصَّدِيدُ، وَبِالْفَتْحِ: التَّمَهُّلُ، وَبِالضَّمِّ: عَكَرُ الزَّيْتِ. وَالْمُرَادُ هُنَا الصَّدِيدُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: إِنَّمَا هُوَ أَيِ: الْجَدِيدُ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْمُهْلَةِ عَلَى هَذَا التَّمَهُّلِ، أَيْ إِنَّ الْجَدِيدَ لِمَنْ يُرِيدُ الْبَقَاءَ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: كُفِّنَ أَبُو بَكْرٍ فِي رَبْطَةٍ بَيْضَاءَ، وَرَبْطَةٍ مُمَصَّرَةٍ، وَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ لِمَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْفِهِ وَفِيهِ. أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ. وَلَهُ عَنْهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: إِنَّمَا هُوَ لِلْمَهْلِ وَالتُّرَابِ. وَضَبَطَ الْأَصْمَعِيُّ هَذِهِ بِالْفَتْحِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ التَّكْفِينِ فِي الثِّيَابِ الْبِيضِ، وَتَثْلِيثِ الْكَفَنِ، وَطَلَبِ الْمُوَافَقَةِ فِيمَا وَقَعَ لِلْأَكَابِرِ تَبَرُّكًا بِذَلِكَ (١). وَفِيهِ جَوَازُ التَّكْفِينِ فِي الثِّيَابِ الْمَغْسُولَةِ، وَإِيثَارِ الْحَيِّ بِالْجَدِيدِ، وَالدَّفْنِ بِاللَّيْلِ، وَفَضْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَصِحَّةُ فِرَاسَتِهِ، وَثَبَاتُهُ عِنْدَ وَفَاتِهِ. وَفِيهِ أَخْذُ الْمَرْءِ الْعِلْمَ عَمَّنْ دُونَهُ. وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: فِيهِ أَنَّ التَّكْفِينَ فِي الثَّوْبِ الْجَدِيدِ وَالْخَلَقِ سَوَاءٌ. وَتُعُقِّبَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ اخْتَارَهُ لِمَعْنًى فِيهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى الْمُسَاوَاةِ.
٩٥ - بَاب مَوْتِ الْفُجَاءَةِ الْبَغْتَةِ
١٣٨٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي هِشَامُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ.
[الحديث ١٣٨٨ - طرفه في: ٢٧٦٠]
قَوْلُهُ: (بَابُ مَوْتِ الْفُجَاءَةِ، الْبَغْتَةِ) قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: هُوَ مَضْبُوطٌ بِالْكَسْرِ عَلَى الْبَدَلِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: هِيَ الْبَغْتَةُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: بَغْتَةٌ. وَالْفُجَاءَةُ بِضَمِّ الْفَاءِ، وَبَعْدَ الْجِيمِ مَدٌّ ثُمَّ هَمْزٌ، وَيُرْوَى بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ بِغَيْرِ مَدٍّ، وَهِيَ الْهُجُومُ عَلَى مَنْ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ. وَمَوْتُ الْفَجْأَةِ وُقُوعُهُ بِغَيْرِ سَبَبٍ مِنْ مَرَضٍ وَغَيْرِهِ، قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: مَقْصُودُ الْمُصَنِّفِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ كَرَاهِيَتُهُ لَمَّا أَخْبَرَهُ الرَّجُلُ بِأَنَّ أُمَّهُ افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأَشَارَ إِلَى مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ: مَوْتُ الْفَجْأَةِ أَخْذَةُ أَسَفٍ. وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، فَجَرَى عَلَى عَادَتِهِ فِي التَّرْجَمَةِ بِمَا لَمْ يُوَافِقْ شَرْطَهُ، وَإِدْخَالُ مَا يُومِئُ إِلَى ذَلِكَ وَلَوْ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ. انْتَهَى. وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ السُّلَمِيِّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّ رَاوِيهِ رَفَعَهُ مَرَّةً وَوَقَفَهُ أُخْرَى. وَقَوْلُهُ: أَسَفٌ أَيْ: غَضَبٌ، وَزْنًا وَمَعْنًى، وَرُوِيَ بِوَزْنِ فَاعِلٍ أَيْ غَضْبَانَ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِجِدَارٍ مَائِلٍ فَأَسْرَعَ، وَقَالَ: أَكْرَهُ مَوْتَ الْفَوَاتِ. قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: وَكَانَ ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِمَا فِي مَوْتِ الْفَجْأَةِ مِنْ خَوْفِ حِرْمَانِ الْوَصِيَّةِ، وَتَرْكِ الِاسْتِعْدَادِ لِلْمَعَادِ بِالتَّوْبَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْمَوْتِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ نَحْوَ حَدِيثِ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، وَزَادَ فِيهِ: الْمَحْرُومُ مَنْ حُرِمَ وَصِيَّتَهُ. انْتَهَى. وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ: مَوْتُ الْفَجْأَةِ رَاحَةٌ لِلْمُؤْمِنِ، وَأَسَفٌ عَلَى الْفَاجِرِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بالجرِّ: بدلٌ من «الفجأة»، ويجوز الرَّفع: خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هي البغتة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «بَغْتَةً» بالتَّنكير.
١٣٨٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد (١) بن (٢) الحكم بن أبي مريم قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أبي (٣) كثيرٍ، المدنيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (هِشَامٌ) وفي نسخةٍ: «هشام بن عروة» (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير، ولأبي ذَرٍّ: «عن عروة» بدل قوله: «عن أبيه» (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَجُلًا) هو سعد بن عبادة (قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ أُمِّي) عَمْرة (افْتُلِتَتْ) بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة وكسر اللَّام مبنيًّا للمفعول، أي: ماتت فلتةً، أي: فجأةً (نَفْسُهَا) بالرَّفع: نائبٌ عن الفاعل، وبالنَّصب: على أنَّه المفعول الثَّاني بإسقاط حرف الجرِّ، والأوَّل مضمرٌ؛ وهو القائم مقام الفاعل، أو يُضَمَّن «افتُلِتَت» معنى: سُلِبَت (٤)، فيكون «نفسُها» مفعولًا ثانيًا لا على إسقاط الجارِّ، أو بالنَّصب (٥) على التَّمييز، وكانت وفاتها سنة خمسٍ من الهجرة فيما ذكره ابن عبد البرِّ (وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟) بكسر همزة «إِنْ» على أنَّها شرطيَّةٌ، قال الزَّركشيُّ: وهي الرِّواية الصَّحيحة، ولا يصحُّ قول من فَتَحها؛ لأنَّه إنَّما سأل عمَّا لم يفعل،
لكن قال البدر الدَّمامينيُّ: إِنْ ثبتت لنا روايةٌ بفتح الهمزة من «إِنْ»؛ أمكن تخريجها على مذهب الكوفيِّين في صحَّة مجيء «أَنْ» المفتوحة الهمزة شرطيَّةً كـ «إنْ» المكسورة، ورجَّحه ابن هشامٍ، والمعنى حينئذٍ صحيحٌ بلا شكٍّ (قَالَ) ﵊: (نَعَمْ) لها أجرٌ إن تصدَّقتَ عنها، وأشار المؤلِّف بهذا إلى أنَّ موت الفجأة ليس بمكروهٍ؛ لأنَّه ﵊ لم يظهر منه كراهةٌ لمَّا أخبره الرَّجل بأنَّ أمه افتُلِتَت نفسها، ونبَّه بذلك على أنَّ معاني الأحاديث الَّتي وردت في الاستعاذة من موت الفجأة؛ كحديث أبي داود بإسنادٍ رجالُه ثقاتٌ، لكنَّ راويه رفعه مرَّةً، ووقَفَه أخرى (١): «موت (٢) الفجأة أخذةُ آسِفٍ»، ولأنَّه (٣) لا يؤنس من صاحبها، ولا يُخرَج بها عن حكم الإسلام ورجاء الثَّواب وإن كان مستعاذًا منها؛ لما يفوت بها (٤) من خير الوصيَّة والاستعداد (٥) للمعاد بالتَّوبة وغيرها من الأعمال الصَّالحة، وفي «مصنف ابن أبي شيبة» عن عائشة وابن مسعودٍ: «موت الفجأة راحةٌ للمؤمن (٦)، وأسفٌ على الفاجر»، ونقل النَّوويُّ عن بعض القدماء: أنَّ جماعةً من الأنبياء والصُّلحاء ماتوا كذلك، قال النَّوويُّ: وهو محبوبٌ للمراقبين.
ورواة هذا الحديث مدنيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف فمصريٌّ، وفيه التَّحديث، والإخبار، والعنعنة، والقول.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (إِنَّمَا هُوَ) أَيِ: الْكَفَنُ.
قَوْلُهُ: (لِلْمُهْلَةِ) قَالَ عِيَاضٌ: رُوِيَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا وَكَسْرِهَا. قُلْتُ: جَزَمَ بِهِ الْخَلِيلُ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: هُوَ بِالْكَسْرِ: الصَّدِيدُ، وَبِالْفَتْحِ: التَّمَهُّلُ، وَبِالضَّمِّ: عَكَرُ الزَّيْتِ. وَالْمُرَادُ هُنَا الصَّدِيدُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: إِنَّمَا هُوَ أَيِ: الْجَدِيدُ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْمُهْلَةِ عَلَى هَذَا التَّمَهُّلِ، أَيْ إِنَّ الْجَدِيدَ لِمَنْ يُرِيدُ الْبَقَاءَ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: كُفِّنَ أَبُو بَكْرٍ فِي رَبْطَةٍ بَيْضَاءَ، وَرَبْطَةٍ مُمَصَّرَةٍ، وَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ لِمَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْفِهِ وَفِيهِ. أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ. وَلَهُ عَنْهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: إِنَّمَا هُوَ لِلْمَهْلِ وَالتُّرَابِ. وَضَبَطَ الْأَصْمَعِيُّ هَذِهِ بِالْفَتْحِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ التَّكْفِينِ فِي الثِّيَابِ الْبِيضِ، وَتَثْلِيثِ الْكَفَنِ، وَطَلَبِ الْمُوَافَقَةِ فِيمَا وَقَعَ لِلْأَكَابِرِ تَبَرُّكًا بِذَلِكَ (١). وَفِيهِ جَوَازُ التَّكْفِينِ فِي الثِّيَابِ الْمَغْسُولَةِ، وَإِيثَارِ الْحَيِّ بِالْجَدِيدِ، وَالدَّفْنِ بِاللَّيْلِ، وَفَضْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَصِحَّةُ فِرَاسَتِهِ، وَثَبَاتُهُ عِنْدَ وَفَاتِهِ. وَفِيهِ أَخْذُ الْمَرْءِ الْعِلْمَ عَمَّنْ دُونَهُ. وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: فِيهِ أَنَّ التَّكْفِينَ فِي الثَّوْبِ الْجَدِيدِ وَالْخَلَقِ سَوَاءٌ. وَتُعُقِّبَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ اخْتَارَهُ لِمَعْنًى فِيهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى الْمُسَاوَاةِ.
٩٥ - بَاب مَوْتِ الْفُجَاءَةِ الْبَغْتَةِ
١٣٨٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي هِشَامُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ.
[الحديث ١٣٨٨ - طرفه في: ٢٧٦٠]
قَوْلُهُ: (بَابُ مَوْتِ الْفُجَاءَةِ، الْبَغْتَةِ) قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: هُوَ مَضْبُوطٌ بِالْكَسْرِ عَلَى الْبَدَلِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: هِيَ الْبَغْتَةُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: بَغْتَةٌ. وَالْفُجَاءَةُ بِضَمِّ الْفَاءِ، وَبَعْدَ الْجِيمِ مَدٌّ ثُمَّ هَمْزٌ، وَيُرْوَى بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ بِغَيْرِ مَدٍّ، وَهِيَ الْهُجُومُ عَلَى مَنْ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ. وَمَوْتُ الْفَجْأَةِ وُقُوعُهُ بِغَيْرِ سَبَبٍ مِنْ مَرَضٍ وَغَيْرِهِ، قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: مَقْصُودُ الْمُصَنِّفِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ كَرَاهِيَتُهُ لَمَّا أَخْبَرَهُ الرَّجُلُ بِأَنَّ أُمَّهُ افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأَشَارَ إِلَى مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ: مَوْتُ الْفَجْأَةِ أَخْذَةُ أَسَفٍ. وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، فَجَرَى عَلَى عَادَتِهِ فِي التَّرْجَمَةِ بِمَا لَمْ يُوَافِقْ شَرْطَهُ، وَإِدْخَالُ مَا يُومِئُ إِلَى ذَلِكَ وَلَوْ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ. انْتَهَى. وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ السُّلَمِيِّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّ رَاوِيهِ رَفَعَهُ مَرَّةً وَوَقَفَهُ أُخْرَى. وَقَوْلُهُ: أَسَفٌ أَيْ: غَضَبٌ، وَزْنًا وَمَعْنًى، وَرُوِيَ بِوَزْنِ فَاعِلٍ أَيْ غَضْبَانَ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِجِدَارٍ مَائِلٍ فَأَسْرَعَ، وَقَالَ: أَكْرَهُ مَوْتَ الْفَوَاتِ. قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: وَكَانَ ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِمَا فِي مَوْتِ الْفَجْأَةِ مِنْ خَوْفِ حِرْمَانِ الْوَصِيَّةِ، وَتَرْكِ الِاسْتِعْدَادِ لِلْمَعَادِ بِالتَّوْبَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْمَوْتِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ نَحْوَ حَدِيثِ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، وَزَادَ فِيهِ: الْمَحْرُومُ مَنْ حُرِمَ وَصِيَّتَهُ. انْتَهَى. وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ: مَوْتُ الْفَجْأَةِ رَاحَةٌ لِلْمُؤْمِنِ، وَأَسَفٌ عَلَى الْفَاجِرِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بالجرِّ: بدلٌ من «الفجأة»، ويجوز الرَّفع: خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هي البغتة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «بَغْتَةً» بالتَّنكير.
١٣٨٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد (١) بن (٢) الحكم بن أبي مريم قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أبي (٣) كثيرٍ، المدنيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (هِشَامٌ) وفي نسخةٍ: «هشام بن عروة» (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير، ولأبي ذَرٍّ: «عن عروة» بدل قوله: «عن أبيه» (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَجُلًا) هو سعد بن عبادة (قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ أُمِّي) عَمْرة (افْتُلِتَتْ) بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة وكسر اللَّام مبنيًّا للمفعول، أي: ماتت فلتةً، أي: فجأةً (نَفْسُهَا) بالرَّفع: نائبٌ عن الفاعل، وبالنَّصب: على أنَّه المفعول الثَّاني بإسقاط حرف الجرِّ، والأوَّل مضمرٌ؛ وهو القائم مقام الفاعل، أو يُضَمَّن «افتُلِتَت» معنى: سُلِبَت (٤)، فيكون «نفسُها» مفعولًا ثانيًا لا على إسقاط الجارِّ، أو بالنَّصب (٥) على التَّمييز، وكانت وفاتها سنة خمسٍ من الهجرة فيما ذكره ابن عبد البرِّ (وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟) بكسر همزة «إِنْ» على أنَّها شرطيَّةٌ، قال الزَّركشيُّ: وهي الرِّواية الصَّحيحة، ولا يصحُّ قول من فَتَحها؛ لأنَّه إنَّما سأل عمَّا لم يفعل،
لكن قال البدر الدَّمامينيُّ: إِنْ ثبتت لنا روايةٌ بفتح الهمزة من «إِنْ»؛ أمكن تخريجها على مذهب الكوفيِّين في صحَّة مجيء «أَنْ» المفتوحة الهمزة شرطيَّةً كـ «إنْ» المكسورة، ورجَّحه ابن هشامٍ، والمعنى حينئذٍ صحيحٌ بلا شكٍّ (قَالَ) ﵊: (نَعَمْ) لها أجرٌ إن تصدَّقتَ عنها، وأشار المؤلِّف بهذا إلى أنَّ موت الفجأة ليس بمكروهٍ؛ لأنَّه ﵊ لم يظهر منه كراهةٌ لمَّا أخبره الرَّجل بأنَّ أمه افتُلِتَت نفسها، ونبَّه بذلك على أنَّ معاني الأحاديث الَّتي وردت في الاستعاذة من موت الفجأة؛ كحديث أبي داود بإسنادٍ رجالُه ثقاتٌ، لكنَّ راويه رفعه مرَّةً، ووقَفَه أخرى (١): «موت (٢) الفجأة أخذةُ آسِفٍ»، ولأنَّه (٣) لا يؤنس من صاحبها، ولا يُخرَج بها عن حكم الإسلام ورجاء الثَّواب وإن كان مستعاذًا منها؛ لما يفوت بها (٤) من خير الوصيَّة والاستعداد (٥) للمعاد بالتَّوبة وغيرها من الأعمال الصَّالحة، وفي «مصنف ابن أبي شيبة» عن عائشة وابن مسعودٍ: «موت الفجأة راحةٌ للمؤمن (٦)، وأسفٌ على الفاجر»، ونقل النَّوويُّ عن بعض القدماء: أنَّ جماعةً من الأنبياء والصُّلحاء ماتوا كذلك، قال النَّوويُّ: وهو محبوبٌ للمراقبين.
ورواة هذا الحديث مدنيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف فمصريٌّ، وفيه التَّحديث، والإخبار، والعنعنة، والقول.