الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٤٠٩
الحديث رقم ١٤٠٩ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إنفاق المال في حقه.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابُ الرِّيَاءِ فِي الصَّدَقَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿الْكَافِرِينَ﴾ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿صَلْدًا﴾ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَقَالَ عِكْرِمَةُ ﴿وَابِلٌ﴾ مَطَرٌ شَدِيدٌ وَالطَّلُّ النَّدَى.
بَابٌ: لَا يَقْبَلُ اللهُ صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ وَلَا يَقْبَلُ إِلَّا مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ لِقَوْلِهِ ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
١٤٠٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسٌ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ:
يُشير النبي صلى الله عليه وسلم هنا إلى أن الحَسَدَ أنواع مختلفة فمنه حسد مَذْمُوم محرم شرعًا، وهو أن يتمنى المرء زوال النعمة عن أخيه، وحسد مباح وهو أن يرى نعمة دنيوية عند غيره فيتمنى لنفسه مثلها، وحسد محمود مستحب شرعًا، وهو أن يرى نعمة دينية عند غيره فيتمناها لنفسه. وهو ما عناه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "لا حَسَدَ إلا في اثنتين" أي أن الحسد تختلف أنواعه وأحكامه حسب اختلاف أنواعه ولا يكون محمودًا مستحبًا شرعيًا إلا في أمرين:
الأمر الأول: أن يكون هناك رجل غني تقي، أعطاه الله مالا حلالا، فينفقه في سبيل الله تعالى، فيتمنى أن يكون مثله، ويَغْبِطَه على هذه النعمة.
الأمر الثاني: أن يكون هناك رجل عالم، أعطاه الله علما نافعا يعمل به، ويعلمه لغيره، ويحكم به بين الناس، فيتمنى أن يكون مثله.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْمَدِينَةَ فَدَخَلْتُ مَسْجِدَهَا إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ آدَمُ طِوَالٌ أَبْيَضُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَقَالُوا: هَذَا أَبُو ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (بَشِّرِ الْكَانِزِينَ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بَشِّرِ الْكَنَّازِينَ.
قَوْلُهُ: (بِرَضْفٍ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا فَاءٌ هِيَ الْحِجَارَةُ الْمُحْمَاةُ وَاحِدُهَا رَضْفَةٌ.
قَوْلُهُ: (نُغْضُ) بِضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ، بَعْدَهَا ضَادٌ مُعْجَمَةٌ: الْعَظْمُ الدَّقِيقُ الَّذِي عَلَى طَرَفِ الْكَتِفِ أَوْ عَلَى الْكَتِفِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ الشَّاخِصُ مِنْهُ، وَأَصْلُ النُّغْضِ الْحَرَكَةُ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ نُغْضًا لِأَنَّهُ يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَةِ الْإِنْسَانِ.
قَوْلُهُ: (يَتَزَلْزَلُ) أَيْ يَضْطَرِبُ وَيَتَحَرَّكُ، فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: فَيَتَجَلْجَلُ بِجِيمَيْنِ، وَزَادَ إِسْمَاعِيلُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: فَوَضَعَ الْقَوْمُ رُءُوسَهُمْ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ رَجَعَ إِلَيْهِ شَيْئًا. قَالَ: فَأَدْبَرَ، فَاتَّبَعْتُهُ حَتَّى جَلَسَ إِلَى سَارِيَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَأَنَا لَا أَدْرِي مَنْ هُوَ) زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ خُلَيْدٍ الْعَصَرِيِّ، عَنِ الْأَحْنَفِ: فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا أَبُو ذَرٍّ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: مَا شَيْءٌ سَمِعْتُكَ تَقُولُهُ؟ قَالَ: مَا قُلْتُ إِلَّا شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّهِمْ ﷺ. وَفِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ رَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى أَبِي ذَرٍّ، فَلَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ. وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ الْبَاهِلِيِّ، عَنِ الْأَحْنَفِ: كُنْتُ بِالْمَدِينَةِ، فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ يَفِرُّ مِنْهُ النَّاسُ حِينَ يَرَوْنَهُ، قُلْتُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَبُو ذَرٍّ. قُلْتُ: مَا نَفَّرَ النَّاسَ عَنْكَ؟ قَالَ: إِنِّي أَنْهَاهُمْ عَنِ الْكُنُوزِ الَّتِي كَانَ يَنْهَاهُمْ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
قَوْلُهُ: (إِنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا) بَيَّنَ وَجْهَ ذَلِكَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ حَيْثُ قَالَ: إِنَّمَا يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا. وَقَوْلُهُ: لَا أَسْأَلُهُمْ دُنْيَا فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ الْمَذْكُورَةِ: فَقُلْتُ: مَا لَكَ وَلِإِخْوَانِكَ مِنْ قُرَيْشٍ، لَا تَعْتَرِيهِمْ وَلَا تُصِيبُ مِنْهُمْ؟ قَالَ: وَرَبِّكَ لَا أَسْأَلُهُمْ دُنْيَا. . إِلَخْ.
قَوْلُهُ: (قُلْتُ: وَمَنْ خَلِيلُكَ؟ قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ فَاعِلُ قَالَ هُوَ أَبُو ذَرٍّ، وَالنَّبِيُّ ﷺ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ، كَأَنَّهُ قَالَ: خَلِيلِي النَّبِيُّ ﷺ، وَسَقَطَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ قَالَ: فَقَطْ، وَكَأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ ظَنَّهَا مُكَرَّرَةً فَحَذَفَهَا وَلَا بُدَّ مِنَ إِثْبَاتِهَا.
قَوْلُهُ: (يَا أَبَا ذَرٍّ أَتُبْصِرُ أَحَدًا) وَهُوَ حَدِيثٌ مُسْتَقِلٌّ سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ، وَعَلَى مَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مِنْ قَوْلِهِ: إِلَّا ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ أَبُو ذَرٍّ، لِلْأَحْنَفِ لِتَقْوِيَةِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ ذَمِّ اكْتِنَازِ الْمَالِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْوُجُوبِ، وَمِنْ ثَمَّ عَقَّبَهُ الْمُصَنِّفُ بِالتَّرْجَمَةِ الَّتِي تَلِيهِ فقالَ: قَوْلُهُ: (وَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَعْقِلُونَ) هُوَ مِنْ كَلَامِ أَبِي ذَرٍّ كَرَّرَهُ تَأْكِيدًا لِكَلَامِهِ، وَلِرَبْطِ مَا بَعْدَهُ عَلَيْهِ.
٥ - بَاب إِنْفَاقِ الْمَالِ فِي حَقِّهِ
١٤٠٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنِي قَيْسٌ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِنْفَاقِ الْمَالِ فِي حَقِّهِ) وَأَوْرَدَ فِيهِ الْحَدِيثَ الدَّالَّ عَلَى التَّرْغِيبِ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ مِنْ أَدَلِّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ أَحَادِيثَ الْوَعِيدِ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ لَا يُؤَدِّي الزَّكَاةَ، وَأَمَّا حَدِيثُ: مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي أُحُدًا ذَهَبًا. فَمَحْمُولٌ عَلَى الْأَوْلَوِيَّةِ، لِأَنَّ جَمْعَ الْمَالِ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا لَكِنِ الْجَامِعُ مَسْئُولٌ عَنْهُ، وَفِي الْمُحَاسَبَةِ خَطَرٌ وَإِنْ كَانَ التَّرْكُ أَسْلَمَ، وَمَا وَرَدَ مِنَ التَّرْغِيبِ فِي تَحْصِيلِهِ وَإِنْفَاقِهِ فِي حَقِّهِ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَنْ وَثِقَ بِأَنَّهُ يَجْمَعُهُ مِنَ الْحَلَالِ الَّذِي يَأْمَنُ خَطَرَ الْمُحَاسَبَةِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ إِذَا أَنْفَقَهُ حَصَلَ لَهُ ثَوَابُ ذَلِكَ النَّفْعِ الْمُتَعَدِّي، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يُحَصِّلْ شَيْئًا كَمَا تَقَدَّمَ شَاهِدُهُ فِي حَدِيثِ: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ الْبَابِ مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْعِلْمِ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ
الْمُنِيرِ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ حُجَّةٌ عَلَى جَوَازِ إِنْفَاقِ جَمِيعِ الْمَالِ وَبَذْلِهِ فِي الصِّحَّةِ وَالْخُرُوجِ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ، مَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى حِرْمَانِ الْوَارِثِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا مَنَعَ مِنْهُ الشَّرْعُ.
٦ - بَاب الرِّيَاءِ فِي الصَّدَقَةِ
لِقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ - إِلَى قَوْلِهِ -: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿صَلْدًا﴾: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ ﴿وَابِلٌ﴾: مَطَرٌ شَدِيدٌ، وَالطَّلُّ: النَّدَى.
قَوْلُهُ: (بَابُ الرِّيَاءِ فِي الصَّدَقَةِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ إِبْطَالَ الرِّيَاءِ لِلصَّدَقَةِ، فَيُحْمَلُ عَلَى مَا تَمَحَّضَ مِنْهَا لِحُبِّ الْمَحْمَدَةِ وَالثَّنَاءِ مِنَ الْخَلْقِ، بِحَيْثُ لَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِهَا.
قَوْلُهُ: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ - إِلَى قَوْلِهِ -: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ مِنَ الْآيَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَبَّهَ مُقَارَنَةَ الْمَنِّ وَالْأَذَى لِلصَّدَقَةِ أَوِ اتِّبَاعِهَا بِذَلِكَ بِإِنْفَاقِ الْكَافِرِ الْمُرَائِي الَّذِي لَا يَجِدُ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْئًا مِنْهُ، وَمُقَارَنَةُ الرِّيَاءِ مِنَ الْمُسْلِمِ لِصَدَقَتِهِ أَقْبَحُ مِنْ مُقَارَنَةِ الْإِيذَاءِ، وَأَوْلَى أَنْ يُشَبَّهَ بِإِنْفَاقِ الْكَافِرِ الْمُرَائِي فِي إِبْطَالِ إِنْفَاقِهِ اهـ. وَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: اقْتَصَرَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ عَلَى الْآيَةِ، وَمُرَادُهُ أَنَّ الْمُشَبَّهَ بِالشَّيْءِ يَكُونُ أَخْفَى مِنَ الْمُشَبَّهِ بِهِ، لِأَنَّ الْخَفِيَّ رُبَّمَا شُبِّهَ بِالظَّاهِرِ لِيَخْرُجَ مِنْ حَيِّزِ الْخَفَاءِ إِلَى الظُّهُورِ. وَلَمَّا كَانَ الْإِنْفَاقُ رِيَاءً مِنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ ظَاهِرًا فِي إِبْطَالِ الصَّدَقَةِ شُبِّهَ بِهِ الْإِبْطَالُ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى، أَيْ حَالَةُ هَؤُلَاءِ فِي الْإِبْطَالِ كَحَالَةِ هَؤُلَاءِ، هَذَا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرَاعَى حَالُ التَّفْصِيلِ أَيْضًا لِأَنَّ حَالَ الْمَانِّ شَبِيهٌ بِحَالِ الْمُرَائِي، لِأَنَّهُ لَمَّا مَنَّ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ وَجْهَ اللَّهِ، وَحَالُ الْمُؤْذِي يُشْبِهُ حَالَ الْفَاقِدِ لِلْإِيمَانِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، لِأَنَّ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ لِلْمُؤْذِي نَاصِرًا يَنْصُرُهُ لَمْ يُؤْذِهِ، فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ حَالَةَ الْمُرَائِي أَشَدُّ مِنْ حَالَةِ الْمَانِّ وَالْمُؤْذِي. انْتَهَى. وَيَتَلَخَّصُ أَنْ يُقَالَ: لَمَّا كَانَ الْمُشَبَّهُ بِهِ أَقْوَى مِنَ الْمُشَبَّهِ، وَإِبْطَالُ الصَّدَقَةِ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى قَدْ شُبِّهَ بِإِبْطَالِهَا بِالرِّيَاءِ فِيهَا كَانَ أَمْرُ الرِّيَاءِ أَشَدَّ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: صَلْدًا لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ) وَصَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَكَذَا فِي قَوْلِهِ: ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ أَيْ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِأَعْمَالِ الْكُفَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ: ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ يَوْمَئِذٍ كَمَا تَرَكَ هَذَا الْمَطَرُ الصَّفَا نَقِيًّا لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَمِنْ طَرِيقِ أَسْبَاطٍ، عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عِكْرِمَةُ: وَابِلٌ مَطَرٌ شَدِيدٌ، وَالطَّلُّ النَّدَى) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بِنِ غِيَاثٍ سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ: وَابِلٌ، قَالَ: مَطَرٌ شَدِيدٌ، وَالطَّلُّ: النَّدَى.
٧ - بَاب لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ وَلَا يَقْبَلُ إِلَّا مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ
لِقَوْلِهِ: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾
٨ - باب الصَّدَقَةِ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ لِقَوْلِهِ [البقرة ٢٧٦ - ٢٧٧]:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
قول أبي ذرٍّ عطفًا (١) على قوله: «لا يعقلون شيئًا» الأوَّل، وكرَّره للتَّأكيد (٢)، وربط ما بعده به (٣) (إِنَّمَا يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا) بيانٌ لعدم عقلهم كما مرَّ (لَا وَاللهِ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ولا والله» (لَا أَسْأَلُهُمْ دُنْيَا) أي: شيئًا من متاعها، بل أقنع بالقليل وأرضى باليسير (وَلَا أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ) اكتفاءً بما سمعه من العلم من رسول الله ﷺ (حَتَّى أَلْقَى اللهَ) ﷿ فيه كثرة زهد أبي ذرٍّ، وقد كان مذهبه أنَّه يحرم على الإنسان ادِّخار ما زاد على حاجته.
وفي هذا الحديث التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، ورواته كلُّهم بصريُّون، وأخرجه مسلمٌ في «الزَّكاة» أيضًا.
(٥) (باب إِنْفَاقِ المَالِ فِي حَقِّهِ).
١٤٠٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) الزَّمِن البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بن أبي خالدٍ، واسمه سعدٌ الكوفيّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (قَيْسٌ) هو (٤) ابن أبي حازم، واسمه عوفٌ الأحمسيُّ البجليُّ (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁) أنَّه (٥) (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا حَسَدَ) لا غبطة (إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ) بالتَّأنيث، أي: خصلتين (٦): (رَجُلٍ) بالجرِّ بدلٌ
من «اثنتين» على حذف مضافٍ، ولأبي ذَرٍّ: «رجلٌ» بالرَّفع على إضمار مبتدأٍ، أي: أحدهما: رجلٌ (آتَاهُ) بالمدِّ، أي: أعطاه (اللهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ) بفتح اللَّام، وفيه مبالغتان: التَّعبير بالتَّسليط المقتضي للغلبة، وبالهلكة المشعرة بفناء الكلِّ (فِي الحَقِّ) أخرج التَّبذير الذي هو صرف المال فيما لا ينبغي (وَرَجُلٍ) بالجرِّ، ولأبي ذرٍّ: «ورجلٌ» بالرَّفع (آتَاهُ اللهُ) أعطاه (حِكْمَةً) القرآن أو السُّنَّة كما قال الإمام الشَّافعيُّ في «الرِّسالة» (فَهْوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا) فإن قلت: كلُّ خيرٍ يتمنَّى مثله شرعًا، فما وجه حصر التَّمنِّي في هاتين الخصلتين؟ أجاب ابن المُنيِّر بأنَّ الحصر هنا غير مرادٍ، وإنَّما المراد مقابلة ما في الطِّباع بضدِّه (١)؛ لأنَّ الطِّباع تحسد على جمع (٢) المال وتذمُّ ببذله، فبيَّن الشَّرع عكس الطَّبع فكأنَّه قال: لا حسد إلَّا فيما تذمُّون عليه، ولا مذمَّة إلَّا فيما تحسدون عليه، ووجه المؤاخاة بين الخصلتين: أنَّ المال يزيد بالإنفاق ولا ينقص؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] ولقوله ﵊: «ما نقص مالٌ من صدقةٍ»، والعلم يزيد أيضًا بالإنفاق منه، وهو التَّعليم فتواخيا.
وهذا الحديث سبق في «كتاب العلم» في «باب الاغتباط» [خ¦٧٣].
(٦) (باب الرِّيَاءِ فِي الصَّدَقَةِ؛ لِقَوْلِهِ) تعالى: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تُبْطِلُواْ﴾) ثواب (﴿صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٦٤]) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «إلى قوله: ﴿وَاللّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾» (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄) ممَّا وصله ابن جريرٍ: (﴿صَلْدًا﴾ [البقرة: ٢٦٤] (٣) لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاسٍ، ممَّا وصله عبد بن حُمَيْدٍ: (﴿وَابِلٌ﴾ [البقرة: ٢٦٤] مَطَرٌ
شَدِيدٌ، و «الطَّلُّ»: النَّدَى) شبَّه ﷾ الذي يُبطل صدقته بالمنِّ والأذى (١)، بالذي ينفق ماله رئاء النَّاس؛ لأجل مدحتهم وشهرته (٢) بالصِّفات الجميلة، مظهرًا أنَّه يريد وجه الله، ولا ريب أنَّ الذي يرائي في صدقته أسوأ حالًا من المتصدِّق بالمنِّ؛ لأنَّه معلومٌ أنَّ المُشبَّه به أقوى حالًا من المُشبَّه، ومن ثمَّ قال تعالى: ﴿وَلَا يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٦٤] ثمَّ ضرب مَثَل ذلك المرائي بالإنفاق بقوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ أي: حجرٍ أملس عليه ترابٌ، فأصابه مطرٌ كبير القطر، فتركه صلدًا أملس نقيًّا من التُّراب، كذلك أعمال المرائين تضمحلُّ عند الله، فلا يجد المرائي بالإنفاق يوم القيامة ثواب شيءٍ من نفقته؛ كما لا يحصل النَّبات من الأرض الصَّلدة، والضَّمير في: ﴿لاَّ (٣) يَقْدِرُونَ﴾ للذي ينفق باعتبار المعنى؛ لأنَّ المراد به: الجنس أو الجمع، أي: لا ينتفعون بما فعلوا ولا يجدون ثوابه، وفي قوله تعالى: ﴿وَاللّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ تعريضٌ بأنَّ الرِّياء والمنَّ والأذى على الإنفاق من صفات (٤) الكفَّار، فلا بدَّ للمؤمن أن يجتنبها.
(٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يَقْبَلُ اللهُ صَدَقَةً) ولأبي الوقت: «الصَّدقة» (مِنْ غُلُولٍ) بضمِّ الغين المُعجَمة، خيانةٍ في المغنم، وللحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ (٥): «لا تُقبَل الصَّدقة من غُلُولٍ» بضمِّ أوَّل «تُقبَل» وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول، وهو طرفٌ من حديثٍ (٦) أخرجه مسلمٌ (وَلَا يَقْبَلُ (٧) إِلَّا مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ) هذا للمُستملي وحده، وهو طرفٌ من حديث الباب (لقوله) تعالى: (﴿وَيُرْبِي
الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]) زاد أبو ذرٍّ (١): «﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ (٢) خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾» [البقرة: ٢٦٣].
(٨) (بَابُ الصَّدَقَةِ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ؛ لِقَوْلِهِ (٣): ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ (٤)﴾) يكثِّرها وينمِّيها، وقوله: ﴿وَيُرْبِي﴾ بضمِّ أوَّله وسكون ثانيه وتخفيف المُوحَّدة، كذا التَّلاوة، وفي نسخةٍ: «ويُرَبِّي» بفتح الرَّاء وتشديد المُوحَّدة (﴿وَاللّهُ لَا يُحِبُّ﴾) لا يرتضي (﴿كُلَّ كَفَّارٍ﴾) مُصرٍّ على تحليل الحرام (﴿أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦]) فاجرٍ بارتكابه (﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾) بالله ورسله وبما جاء منه (٥) (﴿وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ﴾) عطفهما (٦) على الأعمِّ لشرفهما (٧) على سائر الأعمال الصَّالحة (﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾) من آتٍ (﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٧]) على فائتٍ، ولغير أبي ذَرٍّ: «﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾» قال ابن بطَّالٍ: لمَّا كانت هذه الآية مشتملةً على أنَّ الرِّبا يمحقه الله لأنَّه حرامٌ، دلَّ ذلك على أنَّ الصَّدقة
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
سَوَاء أدّيت زَكَاته أم لَا. وَفِي قَوْله: (إِنَّمَا يجمعُونَ الدُّنْيَا) دَلِيل على أَن الْكَنْز عِنْده جمع المَال. وَفِيه: وَعِيد شَدِيد لمن لَا يُؤَدِّي زَكَاته. وَفِيه: تكنية الشَّارِع لأَصْحَابه، و: الذَّر، جمع ذرة وَهِي: النملة الصَّغِيرَة، وَذكر أَن أَبَا ذَر لما أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ انْصَرف إِلَى قومه فَأَتَاهُ بعد مُدَّة فَتوهم اسْمه فَقَالَ: أَنْت أَبُو نملة. قَالَ أَبُو ذَر: يَا رَسُول الله، بل أَبُو ذَر. وَقد ذكرنَا أَن اسْمه جُنْدُب بن جُنَادَة. وَفِيه: فِي قَوْله: أتبصر أُحدا؟ إِلَى آخِره، مثل لتعجيل الزَّكَاة، يَقُول: مَا أحب أَن أحبس مَا أوجبه الله بِقدر مَا بَقِي من النَّهَار. وَفِيه: مَا يشْعر أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يُرْسل أفاضل أَصْحَابه فِي حَاجته يفضلهم بذلك، لِأَنَّهُ يصير رَسُول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَفِيه: مَا يشْهد لما، قَالَ سَحْنُون: ترك الدُّنْيَا زهدا أفضل من كسبها من الْحَلَال وإنفاقها فِي سَبِيل الله. وَفِيه: نفي الْعقل عَن الْعُقَلَاء.
٥ - (بابُ إنْفَاقِ المَالِ فِي حَقِّهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِنْفَاق المَال، أَي: صرفه فِي حَقه أَي: فِي مصرفه الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مُؤَاخذَة عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة.
٩٠٤١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عنْ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثني قَيْسٌ عنِ ابنِ مَسْعُودٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ، قَالَ سَمِعْتُ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ لَا حَسَدَ إلَاّ فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلِ آتَاهُ الله مَالا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ وَرَجُلٍ آتَاهُ الله حِكْمَةً فَهْوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي الشّطْر الأول مِنْهُ لِأَنَّهُ يدل على التَّرْغِيب فِي إِنْفَاق المَال فِي حَقه، والْحَدِيث قد مضى بِعَيْنِه فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب الِاغْتِبَاط فِي الْعلم وَالْحكمَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن الْحميدِي عَن سُفْيَان عَن إِسْمَاعِيل إِلَى آخِره، وَأخرجه هُنَا: عَن مُحَمَّد بن الْمثنى الْمَعْرُوف بالزمن الْبَصْرِيّ عَن يحيى الْقطَّان عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد، واسْمه سعد الْكُوفِي عَن قيس بن أبي حَازِم واسْمه عَوْف الأحمسي البَجلِيّ، قدم الْمَدِينَة بَعْدَمَا قبض النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهِ، فلنذكر هُنَا شَيْئا يَسِيرا.
فَقَوله: (لَا حسد) أَي: لَا غِبْطَة، وَقَالَ ابْن بطال: أَي لَا مَوضِع للغبطة إلَاّ فِي هَاتين الخصلتين فَإِن فيهمَا مَوضِع التنافس. قَوْله: (إلَاّ فِي اثْنَتَيْنِ) أَي: خَصْلَتَيْنِ، ويروى: (إلَاّ فِي اثْنَيْنِ) ، أَي: شَيْئَيْنِ من الْخِصَال.
٦ - (بابُ الرِّياءِ فِي الصَّدَقَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الرِّيَاء فِي الصَّدَقَة، الرِّيَاء: مصدر من راءيت الرجل مراآة ورياء أَي: خلاف مَا أَنا عَلَيْهِ، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {الَّذين هم يراؤن} (الماعون: ٦) . يَعْنِي: الْمُنَافِقين إِذا صلى الْمُؤْمِنُونَ صلوا مَعَهم يراؤنهم أَنهم على مَا هم عَلَيْهِ، وَفِي (الْمغرب) ؛ وَمن راأى راأى الله بِهِ، أَي: من عمل عملا لكَي يرَاهُ النَّاس شهر الله رياءه يَوْم الْقِيَامَة. ورأيا بِالْيَاءِ خطا، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: فلَان مراء وَقوم مراؤن وَالِاسْم الرِّيَاء. يُقَال: فعل ذَلِك رِيَاء وَسُمْعَة. وَقَالَ أَبُو حَامِد: الرِّيَاء مُشْتَقّ من الرُّؤْيَة وَأَصله طلب الْمنزلَة فِي قُلُوب النَّاس بإراءتهم الْخِصَال المحمودة، فحد الرِّيَاء هُوَ إراءة الْعباد بِطَاعَة الله تَعَالَى، فالمرائي هُوَ العابد، والمرائي لَهُ هُوَ النَّاس والمراأى بِهِ هُوَ الْخِصَال الحميدة، والرياء هُوَ قصد إِظْهَار ذَلِك.
لِقَوْلِهِ تَعالى: {يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بالمَنِّ والأذَى} إلَى قَوْلِهِ {الكافِرِينَ} (الْبَقَرَة: ٤٦٢) .
علل الرِّيَاء فِي الصَّدَقَة بقوله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا} (الْبَقَرَة: ٤٦٢) . إِلَى آخِره، فَإِن الله تَعَالَى شبه الَّذِي يبطل صدقته بالمن والأذى بِالَّذِي ينْفق مَاله رئاء النَّاس، وَلَا شكّ أَن الَّذِي يرائي فِي صدقته أسوء حَالا من الْمُتَصَدّق بالمن، لِأَنَّهُ قد علم أَن الْمُشبه بِهِ يكون أقوى حَالا من الْمُشبه، وَلِهَذَا قَالَ فِي حق الْمرَائِي: وَلَا يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر، ثمَّ ضرب مثل ذَلِك الْمرَائِي بإنفاقه. بقوله: {فَمثله كَمثل صَفْوَان} (الْبَقَرَة: ٤٦٢) . إِلَى آخِره ثمَّ إِن صدر الْآيَة خطاب للْمُؤْمِنين خاطبهم بقوله: {وَلَا تُبْطِلُوا صَدقَاتكُمْ} (الْبَقَرَة: ٤٦٢) . أَي: ثَوَاب صَدقَاتكُمْ وأجور نفقاتكم. وَفِي (صَحِيح مُسلم) من حَدِيث أبي ذَر قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله يَوْم الْقِيَامَة وَلَا ينظر إِلَيْهِم وَلَا يزكيهم
وَلَهُم عَذَاب أَلِيم: المنان بِمَا أعْطى، والمسبل إزَاره، والمنفق سلْعَته بِالْحلف الْكَاذِب) . وَلما خاطبهم بِهَذَا الْخطاب ونهاهم عَن إبِْطَال صَدَقَاتهمْ بالمن والأذى شبه إبطالهم بإِطال الْمُنَافِق الَّذِي ينْفق مَاله رئاء النَّاس لَا يُرِيد بإنفاقه، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَلَا ثَوَاب الْآخِرَة، ثمَّ مثل ذَلِك بِصَفْوَان، وَهُوَ الْحجر الأملس عَلَيْهِ تُرَاب فَأَصَابَهُ وابل، أَي: مطر شَدِيد عَظِيم الْقدر فَتَركه صَلدًا وَهُوَ الأملس الَّذِي لَا ينبث عَلَيْهِ شَيْء، ثمَّ قَالَ: لَا يقدرُونَ على شَيْء مِمَّا كسبوا أَي: لَا يَجدونَ يَوْم الْقِيَامَة ثَوَاب شَيْء مِمَّا عمِلُوا كَمَا لَا يحصل النَّبَات من الأَرْض الصلدة، أَو من التُّرَاب الَّذِي على الصفوان، ثمَّ قَالَ: وَالله لَا يهدي الْقَوْم الْكَافرين. أَي: لَا يخلق لَهُم الْهِدَايَة وَلَا يهْدِيهم غَدا لطريق الْجنَّة شبه الْكَافِر بالصفوان وَعَمله بِالتُّرَابِ.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: صَلْدا لَيْسَ عَليه شَيءٌ
لما كَانَ لفظ: صَلدًا، مَذْكُورا فِي الْآيَة الْكَرِيمَة علق تَفْسِيره عَن ابْن عَبَّاس، وَصله مُحَمَّد بن جرير عَن مُحَمَّد بن سعد حَدثنِي أبي، قَالَ: حَدثنِي عمر قَالَ: حَدثنِي أبي عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {فَتَركه صَلدًا لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء} (الْبَقَرَة: ٤٦٢) . وَفِي رِوَايَة: تَركهَا نقية لَيْسَ عَلَيْهَا شَيْء، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي تَفْسِيره: حَدثنَا أَبُو زرْعَة حَدثنَا منْجَاب بن الْحَارِث أخبرنَا بشر عَن أبي روق عَن الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {فَتَركه صَلدًا} (الْبَقَرَة: ٤٦٢) . يَقُول: فَتَركه يَابسا حاشيا لَا ينْبت شَيْئا.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَابِلٌ مطَرٌ شَدِيدٌ وَالطَّلُّ النَّدَى
لما كَانَ لفظ الوابل علق تَفْسِيره عَن عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس، وَوَصله عبد بن حميد فِي (تَفْسِيره) : حَدثنَا روح عَن عُثْمَان بن غياث، سَمِعت عِكْرِمَة يَقُول: أَصَابَهَا وابل مطر شَدِيد، والطل: الندى، بِفَتْح النُّون، وَلَيْسَ فِي الْآيَة إلَاّ ذكر الصفوان والوابل. قَالَ الطَّبَرِيّ: الصفوان وَاحِد وَجمع، فَمن جعله جمعا قَالَ: واحدته صفوانة بِمَنْزِلَة: تَمْرَة وتمر ونخل ونخلة، وَمن جعله وَاحِدًا جمعه على صَفْوَان وصفى وصفى. وَفِي (الْمُحكم) : الصفاة الْحجر الصلد الضخم الَّذِي لَا ينْبت شَيْئا وَجمع الصفاة صغوات وصفى، وَجمع الْجمع: أصفاء وصفي، قَالَ:
(كَأَن منبته من الصفى)
مواقع الطير على الصفى
كَذَا أنْشدهُ دُرَيْد لِأَن بعده:
من طول إشرافي على الطرى
وحكمنا: أَن أصفاه وصفيا جمع: صفى لَا جمع صفاة. لِأَن فعلة لَا يكسر على فعول، إِنَّمَا ذَلِك لفعلة كبدرة وبدور، وَكَذَلِكَ أصفاء جمع صفا، لَا جمع صفاة، لِأَن فعلة لَا تجمع على أَفعَال. وَهُوَ الصفواء كالصخراء واحدتها صفاة، وَكَذَلِكَ الصفوان واحدته صفوانة. وَفِي (الجمهرة) : الصَّفَا من الْحِجَارَة مَقْصُور ويثنى صَفْوَان، والصفواء صَخْرَة وَهِي الصفوانة أَيْضا. وَفِي (الْجَامِع) : عَن قطرب، صَفْوَان، بِكَسْر الصَّاد، وَقَرَأَ سعيد بن الْمسيب: صَفْوَان، بتحريك الْفَاء قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ.
٧ - بابٌ لَا يَقْبَلُ الله صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ وَلَا يَقْبَلُ إلَاّ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ لِقَوْلِهِ: {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذَى وَالله غَنِيٌّ حَلِيمٌ (الْبَقَرَة: ٣٦٢) .
أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: لَا يقبل الله صَدَقَة من غلُول، هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: بَاب لَا تقبل صَدَقَة من غلُول. فَقَوله: لَا تقبل، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَهَذَا قِطْعَة من حَدِيث أخرجه مُسلم من حَدِيث مُصعب ابْن سعد، قَالَ: دخل عبد الله بن عمر على ابْن عَامر يعودهُ وَهُوَ مَرِيض، فَقَالَ: أَلا تَدْعُو الله لي يَا ابْن عمر؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: لَا تقبل صَلَاة بِغَيْر طهُور وَلَا صَدَقَة من غلُول، وَكنت على الْبَصْرَة. قلت: كَأَنَّهُ قَاس الدُّعَاء على الصَّلَاة، فَكَمَا أَن الصَّلَاة لَا تكون إلَاّ عَن مصون من الأقذار، فَكَذَلِك الدُّعَاء للمصون من تبعات النَّاس، وكنتَ على الْبَصْرَة وتعلقت بك حُقُوق النَّاس، وَكَأَنَّهُ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قصد بِهَذَا الزّجر عَلَيْهِ والحث على التَّوْبَة. وَأخرجه الْحسن بن سُفْيَان فِي (مُسْنده) عَن أبي كَامِل، أحد مَشَايِخ مُسلم، فِيهِ بِلَفْظ: (لَا يقبل الله صَلَاة إلَاّ بِطهُور وَلَا صَدَقَة من غلُول) . وروى أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) :
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْمَدِينَةَ فَدَخَلْتُ مَسْجِدَهَا إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ آدَمُ طِوَالٌ أَبْيَضُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَقَالُوا: هَذَا أَبُو ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (بَشِّرِ الْكَانِزِينَ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بَشِّرِ الْكَنَّازِينَ.
قَوْلُهُ: (بِرَضْفٍ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا فَاءٌ هِيَ الْحِجَارَةُ الْمُحْمَاةُ وَاحِدُهَا رَضْفَةٌ.
قَوْلُهُ: (نُغْضُ) بِضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ، بَعْدَهَا ضَادٌ مُعْجَمَةٌ: الْعَظْمُ الدَّقِيقُ الَّذِي عَلَى طَرَفِ الْكَتِفِ أَوْ عَلَى الْكَتِفِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ الشَّاخِصُ مِنْهُ، وَأَصْلُ النُّغْضِ الْحَرَكَةُ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ نُغْضًا لِأَنَّهُ يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَةِ الْإِنْسَانِ.
قَوْلُهُ: (يَتَزَلْزَلُ) أَيْ يَضْطَرِبُ وَيَتَحَرَّكُ، فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: فَيَتَجَلْجَلُ بِجِيمَيْنِ، وَزَادَ إِسْمَاعِيلُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: فَوَضَعَ الْقَوْمُ رُءُوسَهُمْ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ رَجَعَ إِلَيْهِ شَيْئًا. قَالَ: فَأَدْبَرَ، فَاتَّبَعْتُهُ حَتَّى جَلَسَ إِلَى سَارِيَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَأَنَا لَا أَدْرِي مَنْ هُوَ) زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ خُلَيْدٍ الْعَصَرِيِّ، عَنِ الْأَحْنَفِ: فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا أَبُو ذَرٍّ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: مَا شَيْءٌ سَمِعْتُكَ تَقُولُهُ؟ قَالَ: مَا قُلْتُ إِلَّا شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّهِمْ ﷺ. وَفِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ رَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى أَبِي ذَرٍّ، فَلَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ. وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ الْبَاهِلِيِّ، عَنِ الْأَحْنَفِ: كُنْتُ بِالْمَدِينَةِ، فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ يَفِرُّ مِنْهُ النَّاسُ حِينَ يَرَوْنَهُ، قُلْتُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَبُو ذَرٍّ. قُلْتُ: مَا نَفَّرَ النَّاسَ عَنْكَ؟ قَالَ: إِنِّي أَنْهَاهُمْ عَنِ الْكُنُوزِ الَّتِي كَانَ يَنْهَاهُمْ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
قَوْلُهُ: (إِنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا) بَيَّنَ وَجْهَ ذَلِكَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ حَيْثُ قَالَ: إِنَّمَا يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا. وَقَوْلُهُ: لَا أَسْأَلُهُمْ دُنْيَا فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ الْمَذْكُورَةِ: فَقُلْتُ: مَا لَكَ وَلِإِخْوَانِكَ مِنْ قُرَيْشٍ، لَا تَعْتَرِيهِمْ وَلَا تُصِيبُ مِنْهُمْ؟ قَالَ: وَرَبِّكَ لَا أَسْأَلُهُمْ دُنْيَا. . إِلَخْ.
قَوْلُهُ: (قُلْتُ: وَمَنْ خَلِيلُكَ؟ قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ فَاعِلُ قَالَ هُوَ أَبُو ذَرٍّ، وَالنَّبِيُّ ﷺ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ، كَأَنَّهُ قَالَ: خَلِيلِي النَّبِيُّ ﷺ، وَسَقَطَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ قَالَ: فَقَطْ، وَكَأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ ظَنَّهَا مُكَرَّرَةً فَحَذَفَهَا وَلَا بُدَّ مِنَ إِثْبَاتِهَا.
قَوْلُهُ: (يَا أَبَا ذَرٍّ أَتُبْصِرُ أَحَدًا) وَهُوَ حَدِيثٌ مُسْتَقِلٌّ سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ، وَعَلَى مَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مِنْ قَوْلِهِ: إِلَّا ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ أَبُو ذَرٍّ، لِلْأَحْنَفِ لِتَقْوِيَةِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ ذَمِّ اكْتِنَازِ الْمَالِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْوُجُوبِ، وَمِنْ ثَمَّ عَقَّبَهُ الْمُصَنِّفُ بِالتَّرْجَمَةِ الَّتِي تَلِيهِ فقالَ: قَوْلُهُ: (وَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَعْقِلُونَ) هُوَ مِنْ كَلَامِ أَبِي ذَرٍّ كَرَّرَهُ تَأْكِيدًا لِكَلَامِهِ، وَلِرَبْطِ مَا بَعْدَهُ عَلَيْهِ.
٥ - بَاب إِنْفَاقِ الْمَالِ فِي حَقِّهِ
١٤٠٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنِي قَيْسٌ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِنْفَاقِ الْمَالِ فِي حَقِّهِ) وَأَوْرَدَ فِيهِ الْحَدِيثَ الدَّالَّ عَلَى التَّرْغِيبِ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ مِنْ أَدَلِّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ أَحَادِيثَ الْوَعِيدِ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ لَا يُؤَدِّي الزَّكَاةَ، وَأَمَّا حَدِيثُ: مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي أُحُدًا ذَهَبًا. فَمَحْمُولٌ عَلَى الْأَوْلَوِيَّةِ، لِأَنَّ جَمْعَ الْمَالِ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا لَكِنِ الْجَامِعُ مَسْئُولٌ عَنْهُ، وَفِي الْمُحَاسَبَةِ خَطَرٌ وَإِنْ كَانَ التَّرْكُ أَسْلَمَ، وَمَا وَرَدَ مِنَ التَّرْغِيبِ فِي تَحْصِيلِهِ وَإِنْفَاقِهِ فِي حَقِّهِ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَنْ وَثِقَ بِأَنَّهُ يَجْمَعُهُ مِنَ الْحَلَالِ الَّذِي يَأْمَنُ خَطَرَ الْمُحَاسَبَةِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ إِذَا أَنْفَقَهُ حَصَلَ لَهُ ثَوَابُ ذَلِكَ النَّفْعِ الْمُتَعَدِّي، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يُحَصِّلْ شَيْئًا كَمَا تَقَدَّمَ شَاهِدُهُ فِي حَدِيثِ: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ الْبَابِ مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْعِلْمِ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ
الْمُنِيرِ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ حُجَّةٌ عَلَى جَوَازِ إِنْفَاقِ جَمِيعِ الْمَالِ وَبَذْلِهِ فِي الصِّحَّةِ وَالْخُرُوجِ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ، مَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى حِرْمَانِ الْوَارِثِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا مَنَعَ مِنْهُ الشَّرْعُ.
٦ - بَاب الرِّيَاءِ فِي الصَّدَقَةِ
لِقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ - إِلَى قَوْلِهِ -: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿صَلْدًا﴾: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ ﴿وَابِلٌ﴾: مَطَرٌ شَدِيدٌ، وَالطَّلُّ: النَّدَى.
قَوْلُهُ: (بَابُ الرِّيَاءِ فِي الصَّدَقَةِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ إِبْطَالَ الرِّيَاءِ لِلصَّدَقَةِ، فَيُحْمَلُ عَلَى مَا تَمَحَّضَ مِنْهَا لِحُبِّ الْمَحْمَدَةِ وَالثَّنَاءِ مِنَ الْخَلْقِ، بِحَيْثُ لَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِهَا.
قَوْلُهُ: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ - إِلَى قَوْلِهِ -: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ مِنَ الْآيَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَبَّهَ مُقَارَنَةَ الْمَنِّ وَالْأَذَى لِلصَّدَقَةِ أَوِ اتِّبَاعِهَا بِذَلِكَ بِإِنْفَاقِ الْكَافِرِ الْمُرَائِي الَّذِي لَا يَجِدُ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْئًا مِنْهُ، وَمُقَارَنَةُ الرِّيَاءِ مِنَ الْمُسْلِمِ لِصَدَقَتِهِ أَقْبَحُ مِنْ مُقَارَنَةِ الْإِيذَاءِ، وَأَوْلَى أَنْ يُشَبَّهَ بِإِنْفَاقِ الْكَافِرِ الْمُرَائِي فِي إِبْطَالِ إِنْفَاقِهِ اهـ. وَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: اقْتَصَرَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ عَلَى الْآيَةِ، وَمُرَادُهُ أَنَّ الْمُشَبَّهَ بِالشَّيْءِ يَكُونُ أَخْفَى مِنَ الْمُشَبَّهِ بِهِ، لِأَنَّ الْخَفِيَّ رُبَّمَا شُبِّهَ بِالظَّاهِرِ لِيَخْرُجَ مِنْ حَيِّزِ الْخَفَاءِ إِلَى الظُّهُورِ. وَلَمَّا كَانَ الْإِنْفَاقُ رِيَاءً مِنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ ظَاهِرًا فِي إِبْطَالِ الصَّدَقَةِ شُبِّهَ بِهِ الْإِبْطَالُ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى، أَيْ حَالَةُ هَؤُلَاءِ فِي الْإِبْطَالِ كَحَالَةِ هَؤُلَاءِ، هَذَا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرَاعَى حَالُ التَّفْصِيلِ أَيْضًا لِأَنَّ حَالَ الْمَانِّ شَبِيهٌ بِحَالِ الْمُرَائِي، لِأَنَّهُ لَمَّا مَنَّ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ وَجْهَ اللَّهِ، وَحَالُ الْمُؤْذِي يُشْبِهُ حَالَ الْفَاقِدِ لِلْإِيمَانِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، لِأَنَّ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ لِلْمُؤْذِي نَاصِرًا يَنْصُرُهُ لَمْ يُؤْذِهِ، فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ حَالَةَ الْمُرَائِي أَشَدُّ مِنْ حَالَةِ الْمَانِّ وَالْمُؤْذِي. انْتَهَى. وَيَتَلَخَّصُ أَنْ يُقَالَ: لَمَّا كَانَ الْمُشَبَّهُ بِهِ أَقْوَى مِنَ الْمُشَبَّهِ، وَإِبْطَالُ الصَّدَقَةِ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى قَدْ شُبِّهَ بِإِبْطَالِهَا بِالرِّيَاءِ فِيهَا كَانَ أَمْرُ الرِّيَاءِ أَشَدَّ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: صَلْدًا لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ) وَصَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَكَذَا فِي قَوْلِهِ: ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ أَيْ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِأَعْمَالِ الْكُفَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ: ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ يَوْمَئِذٍ كَمَا تَرَكَ هَذَا الْمَطَرُ الصَّفَا نَقِيًّا لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَمِنْ طَرِيقِ أَسْبَاطٍ، عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عِكْرِمَةُ: وَابِلٌ مَطَرٌ شَدِيدٌ، وَالطَّلُّ النَّدَى) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بِنِ غِيَاثٍ سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ: وَابِلٌ، قَالَ: مَطَرٌ شَدِيدٌ، وَالطَّلُّ: النَّدَى.
٧ - بَاب لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ وَلَا يَقْبَلُ إِلَّا مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ
لِقَوْلِهِ: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾
٨ - باب الصَّدَقَةِ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ لِقَوْلِهِ [البقرة ٢٧٦ - ٢٧٧]:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
قول أبي ذرٍّ عطفًا (١) على قوله: «لا يعقلون شيئًا» الأوَّل، وكرَّره للتَّأكيد (٢)، وربط ما بعده به (٣) (إِنَّمَا يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا) بيانٌ لعدم عقلهم كما مرَّ (لَا وَاللهِ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ولا والله» (لَا أَسْأَلُهُمْ دُنْيَا) أي: شيئًا من متاعها، بل أقنع بالقليل وأرضى باليسير (وَلَا أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ) اكتفاءً بما سمعه من العلم من رسول الله ﷺ (حَتَّى أَلْقَى اللهَ) ﷿ فيه كثرة زهد أبي ذرٍّ، وقد كان مذهبه أنَّه يحرم على الإنسان ادِّخار ما زاد على حاجته.
وفي هذا الحديث التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، ورواته كلُّهم بصريُّون، وأخرجه مسلمٌ في «الزَّكاة» أيضًا.
(٥) (باب إِنْفَاقِ المَالِ فِي حَقِّهِ).
١٤٠٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) الزَّمِن البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بن أبي خالدٍ، واسمه سعدٌ الكوفيّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (قَيْسٌ) هو (٤) ابن أبي حازم، واسمه عوفٌ الأحمسيُّ البجليُّ (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁) أنَّه (٥) (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا حَسَدَ) لا غبطة (إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ) بالتَّأنيث، أي: خصلتين (٦): (رَجُلٍ) بالجرِّ بدلٌ
من «اثنتين» على حذف مضافٍ، ولأبي ذَرٍّ: «رجلٌ» بالرَّفع على إضمار مبتدأٍ، أي: أحدهما: رجلٌ (آتَاهُ) بالمدِّ، أي: أعطاه (اللهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ) بفتح اللَّام، وفيه مبالغتان: التَّعبير بالتَّسليط المقتضي للغلبة، وبالهلكة المشعرة بفناء الكلِّ (فِي الحَقِّ) أخرج التَّبذير الذي هو صرف المال فيما لا ينبغي (وَرَجُلٍ) بالجرِّ، ولأبي ذرٍّ: «ورجلٌ» بالرَّفع (آتَاهُ اللهُ) أعطاه (حِكْمَةً) القرآن أو السُّنَّة كما قال الإمام الشَّافعيُّ في «الرِّسالة» (فَهْوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا) فإن قلت: كلُّ خيرٍ يتمنَّى مثله شرعًا، فما وجه حصر التَّمنِّي في هاتين الخصلتين؟ أجاب ابن المُنيِّر بأنَّ الحصر هنا غير مرادٍ، وإنَّما المراد مقابلة ما في الطِّباع بضدِّه (١)؛ لأنَّ الطِّباع تحسد على جمع (٢) المال وتذمُّ ببذله، فبيَّن الشَّرع عكس الطَّبع فكأنَّه قال: لا حسد إلَّا فيما تذمُّون عليه، ولا مذمَّة إلَّا فيما تحسدون عليه، ووجه المؤاخاة بين الخصلتين: أنَّ المال يزيد بالإنفاق ولا ينقص؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] ولقوله ﵊: «ما نقص مالٌ من صدقةٍ»، والعلم يزيد أيضًا بالإنفاق منه، وهو التَّعليم فتواخيا.
وهذا الحديث سبق في «كتاب العلم» في «باب الاغتباط» [خ¦٧٣].
(٦) (باب الرِّيَاءِ فِي الصَّدَقَةِ؛ لِقَوْلِهِ) تعالى: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تُبْطِلُواْ﴾) ثواب (﴿صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٦٤]) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «إلى قوله: ﴿وَاللّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾» (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄) ممَّا وصله ابن جريرٍ: (﴿صَلْدًا﴾ [البقرة: ٢٦٤] (٣) لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاسٍ، ممَّا وصله عبد بن حُمَيْدٍ: (﴿وَابِلٌ﴾ [البقرة: ٢٦٤] مَطَرٌ
شَدِيدٌ، و «الطَّلُّ»: النَّدَى) شبَّه ﷾ الذي يُبطل صدقته بالمنِّ والأذى (١)، بالذي ينفق ماله رئاء النَّاس؛ لأجل مدحتهم وشهرته (٢) بالصِّفات الجميلة، مظهرًا أنَّه يريد وجه الله، ولا ريب أنَّ الذي يرائي في صدقته أسوأ حالًا من المتصدِّق بالمنِّ؛ لأنَّه معلومٌ أنَّ المُشبَّه به أقوى حالًا من المُشبَّه، ومن ثمَّ قال تعالى: ﴿وَلَا يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٦٤] ثمَّ ضرب مَثَل ذلك المرائي بالإنفاق بقوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ أي: حجرٍ أملس عليه ترابٌ، فأصابه مطرٌ كبير القطر، فتركه صلدًا أملس نقيًّا من التُّراب، كذلك أعمال المرائين تضمحلُّ عند الله، فلا يجد المرائي بالإنفاق يوم القيامة ثواب شيءٍ من نفقته؛ كما لا يحصل النَّبات من الأرض الصَّلدة، والضَّمير في: ﴿لاَّ (٣) يَقْدِرُونَ﴾ للذي ينفق باعتبار المعنى؛ لأنَّ المراد به: الجنس أو الجمع، أي: لا ينتفعون بما فعلوا ولا يجدون ثوابه، وفي قوله تعالى: ﴿وَاللّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ تعريضٌ بأنَّ الرِّياء والمنَّ والأذى على الإنفاق من صفات (٤) الكفَّار، فلا بدَّ للمؤمن أن يجتنبها.
(٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يَقْبَلُ اللهُ صَدَقَةً) ولأبي الوقت: «الصَّدقة» (مِنْ غُلُولٍ) بضمِّ الغين المُعجَمة، خيانةٍ في المغنم، وللحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ (٥): «لا تُقبَل الصَّدقة من غُلُولٍ» بضمِّ أوَّل «تُقبَل» وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول، وهو طرفٌ من حديثٍ (٦) أخرجه مسلمٌ (وَلَا يَقْبَلُ (٧) إِلَّا مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ) هذا للمُستملي وحده، وهو طرفٌ من حديث الباب (لقوله) تعالى: (﴿وَيُرْبِي
الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]) زاد أبو ذرٍّ (١): «﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ (٢) خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾» [البقرة: ٢٦٣].
(٨) (بَابُ الصَّدَقَةِ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ؛ لِقَوْلِهِ (٣): ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ (٤)﴾) يكثِّرها وينمِّيها، وقوله: ﴿وَيُرْبِي﴾ بضمِّ أوَّله وسكون ثانيه وتخفيف المُوحَّدة، كذا التَّلاوة، وفي نسخةٍ: «ويُرَبِّي» بفتح الرَّاء وتشديد المُوحَّدة (﴿وَاللّهُ لَا يُحِبُّ﴾) لا يرتضي (﴿كُلَّ كَفَّارٍ﴾) مُصرٍّ على تحليل الحرام (﴿أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦]) فاجرٍ بارتكابه (﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾) بالله ورسله وبما جاء منه (٥) (﴿وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ﴾) عطفهما (٦) على الأعمِّ لشرفهما (٧) على سائر الأعمال الصَّالحة (﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾) من آتٍ (﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٧]) على فائتٍ، ولغير أبي ذَرٍّ: «﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾» قال ابن بطَّالٍ: لمَّا كانت هذه الآية مشتملةً على أنَّ الرِّبا يمحقه الله لأنَّه حرامٌ، دلَّ ذلك على أنَّ الصَّدقة
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
سَوَاء أدّيت زَكَاته أم لَا. وَفِي قَوْله: (إِنَّمَا يجمعُونَ الدُّنْيَا) دَلِيل على أَن الْكَنْز عِنْده جمع المَال. وَفِيه: وَعِيد شَدِيد لمن لَا يُؤَدِّي زَكَاته. وَفِيه: تكنية الشَّارِع لأَصْحَابه، و: الذَّر، جمع ذرة وَهِي: النملة الصَّغِيرَة، وَذكر أَن أَبَا ذَر لما أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ انْصَرف إِلَى قومه فَأَتَاهُ بعد مُدَّة فَتوهم اسْمه فَقَالَ: أَنْت أَبُو نملة. قَالَ أَبُو ذَر: يَا رَسُول الله، بل أَبُو ذَر. وَقد ذكرنَا أَن اسْمه جُنْدُب بن جُنَادَة. وَفِيه: فِي قَوْله: أتبصر أُحدا؟ إِلَى آخِره، مثل لتعجيل الزَّكَاة، يَقُول: مَا أحب أَن أحبس مَا أوجبه الله بِقدر مَا بَقِي من النَّهَار. وَفِيه: مَا يشْعر أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يُرْسل أفاضل أَصْحَابه فِي حَاجته يفضلهم بذلك، لِأَنَّهُ يصير رَسُول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَفِيه: مَا يشْهد لما، قَالَ سَحْنُون: ترك الدُّنْيَا زهدا أفضل من كسبها من الْحَلَال وإنفاقها فِي سَبِيل الله. وَفِيه: نفي الْعقل عَن الْعُقَلَاء.
٥ - (بابُ إنْفَاقِ المَالِ فِي حَقِّهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِنْفَاق المَال، أَي: صرفه فِي حَقه أَي: فِي مصرفه الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مُؤَاخذَة عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة.
٩٠٤١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عنْ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثني قَيْسٌ عنِ ابنِ مَسْعُودٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ، قَالَ سَمِعْتُ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ لَا حَسَدَ إلَاّ فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلِ آتَاهُ الله مَالا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ وَرَجُلٍ آتَاهُ الله حِكْمَةً فَهْوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي الشّطْر الأول مِنْهُ لِأَنَّهُ يدل على التَّرْغِيب فِي إِنْفَاق المَال فِي حَقه، والْحَدِيث قد مضى بِعَيْنِه فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب الِاغْتِبَاط فِي الْعلم وَالْحكمَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن الْحميدِي عَن سُفْيَان عَن إِسْمَاعِيل إِلَى آخِره، وَأخرجه هُنَا: عَن مُحَمَّد بن الْمثنى الْمَعْرُوف بالزمن الْبَصْرِيّ عَن يحيى الْقطَّان عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد، واسْمه سعد الْكُوفِي عَن قيس بن أبي حَازِم واسْمه عَوْف الأحمسي البَجلِيّ، قدم الْمَدِينَة بَعْدَمَا قبض النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهِ، فلنذكر هُنَا شَيْئا يَسِيرا.
فَقَوله: (لَا حسد) أَي: لَا غِبْطَة، وَقَالَ ابْن بطال: أَي لَا مَوضِع للغبطة إلَاّ فِي هَاتين الخصلتين فَإِن فيهمَا مَوضِع التنافس. قَوْله: (إلَاّ فِي اثْنَتَيْنِ) أَي: خَصْلَتَيْنِ، ويروى: (إلَاّ فِي اثْنَيْنِ) ، أَي: شَيْئَيْنِ من الْخِصَال.
٦ - (بابُ الرِّياءِ فِي الصَّدَقَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الرِّيَاء فِي الصَّدَقَة، الرِّيَاء: مصدر من راءيت الرجل مراآة ورياء أَي: خلاف مَا أَنا عَلَيْهِ، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {الَّذين هم يراؤن} (الماعون: ٦) . يَعْنِي: الْمُنَافِقين إِذا صلى الْمُؤْمِنُونَ صلوا مَعَهم يراؤنهم أَنهم على مَا هم عَلَيْهِ، وَفِي (الْمغرب) ؛ وَمن راأى راأى الله بِهِ، أَي: من عمل عملا لكَي يرَاهُ النَّاس شهر الله رياءه يَوْم الْقِيَامَة. ورأيا بِالْيَاءِ خطا، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: فلَان مراء وَقوم مراؤن وَالِاسْم الرِّيَاء. يُقَال: فعل ذَلِك رِيَاء وَسُمْعَة. وَقَالَ أَبُو حَامِد: الرِّيَاء مُشْتَقّ من الرُّؤْيَة وَأَصله طلب الْمنزلَة فِي قُلُوب النَّاس بإراءتهم الْخِصَال المحمودة، فحد الرِّيَاء هُوَ إراءة الْعباد بِطَاعَة الله تَعَالَى، فالمرائي هُوَ العابد، والمرائي لَهُ هُوَ النَّاس والمراأى بِهِ هُوَ الْخِصَال الحميدة، والرياء هُوَ قصد إِظْهَار ذَلِك.
لِقَوْلِهِ تَعالى: {يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بالمَنِّ والأذَى} إلَى قَوْلِهِ {الكافِرِينَ} (الْبَقَرَة: ٤٦٢) .
علل الرِّيَاء فِي الصَّدَقَة بقوله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا} (الْبَقَرَة: ٤٦٢) . إِلَى آخِره، فَإِن الله تَعَالَى شبه الَّذِي يبطل صدقته بالمن والأذى بِالَّذِي ينْفق مَاله رئاء النَّاس، وَلَا شكّ أَن الَّذِي يرائي فِي صدقته أسوء حَالا من الْمُتَصَدّق بالمن، لِأَنَّهُ قد علم أَن الْمُشبه بِهِ يكون أقوى حَالا من الْمُشبه، وَلِهَذَا قَالَ فِي حق الْمرَائِي: وَلَا يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر، ثمَّ ضرب مثل ذَلِك الْمرَائِي بإنفاقه. بقوله: {فَمثله كَمثل صَفْوَان} (الْبَقَرَة: ٤٦٢) . إِلَى آخِره ثمَّ إِن صدر الْآيَة خطاب للْمُؤْمِنين خاطبهم بقوله: {وَلَا تُبْطِلُوا صَدقَاتكُمْ} (الْبَقَرَة: ٤٦٢) . أَي: ثَوَاب صَدقَاتكُمْ وأجور نفقاتكم. وَفِي (صَحِيح مُسلم) من حَدِيث أبي ذَر قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله يَوْم الْقِيَامَة وَلَا ينظر إِلَيْهِم وَلَا يزكيهم
وَلَهُم عَذَاب أَلِيم: المنان بِمَا أعْطى، والمسبل إزَاره، والمنفق سلْعَته بِالْحلف الْكَاذِب) . وَلما خاطبهم بِهَذَا الْخطاب ونهاهم عَن إبِْطَال صَدَقَاتهمْ بالمن والأذى شبه إبطالهم بإِطال الْمُنَافِق الَّذِي ينْفق مَاله رئاء النَّاس لَا يُرِيد بإنفاقه، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَلَا ثَوَاب الْآخِرَة، ثمَّ مثل ذَلِك بِصَفْوَان، وَهُوَ الْحجر الأملس عَلَيْهِ تُرَاب فَأَصَابَهُ وابل، أَي: مطر شَدِيد عَظِيم الْقدر فَتَركه صَلدًا وَهُوَ الأملس الَّذِي لَا ينبث عَلَيْهِ شَيْء، ثمَّ قَالَ: لَا يقدرُونَ على شَيْء مِمَّا كسبوا أَي: لَا يَجدونَ يَوْم الْقِيَامَة ثَوَاب شَيْء مِمَّا عمِلُوا كَمَا لَا يحصل النَّبَات من الأَرْض الصلدة، أَو من التُّرَاب الَّذِي على الصفوان، ثمَّ قَالَ: وَالله لَا يهدي الْقَوْم الْكَافرين. أَي: لَا يخلق لَهُم الْهِدَايَة وَلَا يهْدِيهم غَدا لطريق الْجنَّة شبه الْكَافِر بالصفوان وَعَمله بِالتُّرَابِ.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: صَلْدا لَيْسَ عَليه شَيءٌ
لما كَانَ لفظ: صَلدًا، مَذْكُورا فِي الْآيَة الْكَرِيمَة علق تَفْسِيره عَن ابْن عَبَّاس، وَصله مُحَمَّد بن جرير عَن مُحَمَّد بن سعد حَدثنِي أبي، قَالَ: حَدثنِي عمر قَالَ: حَدثنِي أبي عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {فَتَركه صَلدًا لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء} (الْبَقَرَة: ٤٦٢) . وَفِي رِوَايَة: تَركهَا نقية لَيْسَ عَلَيْهَا شَيْء، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي تَفْسِيره: حَدثنَا أَبُو زرْعَة حَدثنَا منْجَاب بن الْحَارِث أخبرنَا بشر عَن أبي روق عَن الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {فَتَركه صَلدًا} (الْبَقَرَة: ٤٦٢) . يَقُول: فَتَركه يَابسا حاشيا لَا ينْبت شَيْئا.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَابِلٌ مطَرٌ شَدِيدٌ وَالطَّلُّ النَّدَى
لما كَانَ لفظ الوابل علق تَفْسِيره عَن عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس، وَوَصله عبد بن حميد فِي (تَفْسِيره) : حَدثنَا روح عَن عُثْمَان بن غياث، سَمِعت عِكْرِمَة يَقُول: أَصَابَهَا وابل مطر شَدِيد، والطل: الندى، بِفَتْح النُّون، وَلَيْسَ فِي الْآيَة إلَاّ ذكر الصفوان والوابل. قَالَ الطَّبَرِيّ: الصفوان وَاحِد وَجمع، فَمن جعله جمعا قَالَ: واحدته صفوانة بِمَنْزِلَة: تَمْرَة وتمر ونخل ونخلة، وَمن جعله وَاحِدًا جمعه على صَفْوَان وصفى وصفى. وَفِي (الْمُحكم) : الصفاة الْحجر الصلد الضخم الَّذِي لَا ينْبت شَيْئا وَجمع الصفاة صغوات وصفى، وَجمع الْجمع: أصفاء وصفي، قَالَ:
(كَأَن منبته من الصفى)
مواقع الطير على الصفى
كَذَا أنْشدهُ دُرَيْد لِأَن بعده:
من طول إشرافي على الطرى
وحكمنا: أَن أصفاه وصفيا جمع: صفى لَا جمع صفاة. لِأَن فعلة لَا يكسر على فعول، إِنَّمَا ذَلِك لفعلة كبدرة وبدور، وَكَذَلِكَ أصفاء جمع صفا، لَا جمع صفاة، لِأَن فعلة لَا تجمع على أَفعَال. وَهُوَ الصفواء كالصخراء واحدتها صفاة، وَكَذَلِكَ الصفوان واحدته صفوانة. وَفِي (الجمهرة) : الصَّفَا من الْحِجَارَة مَقْصُور ويثنى صَفْوَان، والصفواء صَخْرَة وَهِي الصفوانة أَيْضا. وَفِي (الْجَامِع) : عَن قطرب، صَفْوَان، بِكَسْر الصَّاد، وَقَرَأَ سعيد بن الْمسيب: صَفْوَان، بتحريك الْفَاء قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ.
٧ - بابٌ لَا يَقْبَلُ الله صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ وَلَا يَقْبَلُ إلَاّ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ لِقَوْلِهِ: {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذَى وَالله غَنِيٌّ حَلِيمٌ (الْبَقَرَة: ٣٦٢) .
أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: لَا يقبل الله صَدَقَة من غلُول، هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: بَاب لَا تقبل صَدَقَة من غلُول. فَقَوله: لَا تقبل، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَهَذَا قِطْعَة من حَدِيث أخرجه مُسلم من حَدِيث مُصعب ابْن سعد، قَالَ: دخل عبد الله بن عمر على ابْن عَامر يعودهُ وَهُوَ مَرِيض، فَقَالَ: أَلا تَدْعُو الله لي يَا ابْن عمر؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: لَا تقبل صَلَاة بِغَيْر طهُور وَلَا صَدَقَة من غلُول، وَكنت على الْبَصْرَة. قلت: كَأَنَّهُ قَاس الدُّعَاء على الصَّلَاة، فَكَمَا أَن الصَّلَاة لَا تكون إلَاّ عَن مصون من الأقذار، فَكَذَلِك الدُّعَاء للمصون من تبعات النَّاس، وكنتَ على الْبَصْرَة وتعلقت بك حُقُوق النَّاس، وَكَأَنَّهُ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قصد بِهَذَا الزّجر عَلَيْهِ والحث على التَّوْبَة. وَأخرجه الْحسن بن سُفْيَان فِي (مُسْنده) عَن أبي كَامِل، أحد مَشَايِخ مُسلم، فِيهِ بِلَفْظ: (لَا يقبل الله صَلَاة إلَاّ بِطهُور وَلَا صَدَقَة من غلُول) . وروى أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) :