الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٤١٦
الحديث رقم ١٤١٦ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب اتقوا النار ولو بشق تمرة.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
١٤١٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
[الحديث ١٤١٥ - أطرافه في: ١٤١٦، ٢٢٧٣، ٤٦٦٨، ٤٦٦٩]
١٤١٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ انْطَلَقَ أَحَدُنَا إِلَى السُّوقِ فَيُحَامِلُ فَيُصِيبُ الْمُدَّ وَإِنَّ لِبَعْضِهِمْ الْيَوْمَ لَمِائَةَ أَلْفٍ"
١٤١٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْقِلٍ قَالَ سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ"
١٤١٨ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ "دَخَلَتْ امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا تَسْأَلُ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْنَا فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: "مَنْ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنْ النَّارِ"
[الحديث ١٤١٨ - طرفه في: ٥٩٩٥]
قَوْلُهُ: (بَابُ اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، وَالْقَلِيلُ مِنَ الصَّدَقَةِ، ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ وَغَيْرُهُ: جَمَعَ الْمُصَنِّفُ بَيْنَ لَفْظِ الْخَبَرِ وَالْآيَةِ لِاشْتِمَالِ ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى الْحَثِّ عَلَى الصَّدَقَةِ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا، فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: أَمْوَالَهُمْ، يَشْمَلُ قَلِيلَ النَّفَقَةِ وَكَثِيرِهَا، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ: لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبٍ نَفْسٍ. فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ، إِذْ لَا قَائِلَ بِحِلِّ الْقَلِيلِ دُونَ الْكَثِيرِ. وَقَوْلُهُ: اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، يَتَنَاوَلُ الْكَثِيرَ وَالْقَلِيلَ أَيْضًا، وَالْآيَةُ أَيْضًا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى قَلِيلِ الصَّدَقَةِ وَكثَيْرِهَا مِنْ جِهَةِ التَّمْثِيلِ الْمَذْكُورِ فِيهَا بِالطَّلِّ وَالْوَابِلِ، فَشُبِّهَتِ الصَّدَقَةُ بِالْقَلِيلِ بِإِصَابَةِ الطَّلِّ، وَالصَّدَقَةُ بِالْكَثِيرِ بِإِصَابَةِ الْوَابِلِ.
وَأَمَّا ذِكْرُ الْقَلِيلِ مِنَ الصَّدَقَةِ بَعْدَ ذِكْرِ شِقِّ التَّمْرَةِ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، وَلِهَذَا أَوْرَدَ فِي الْبَابِ حَدِيثَ أَبِي مَسْعُودٍ الَّذِي كَانَ سَبَبًا لِنُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ﴾ وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: تَقْدِيرُ الْآيَةِ: مَثَلُ تَضْعِيفِ أُجُورِ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ كَمَثَلِ تَضْعِيفِ ثِمَارِ الْجَنَّةِ بِالْمَطَرِ، إِنْ قَلِيلًا فَقَلِيلٌ، وَإِنْ كَثِيرًا فَكَثِيرٌ. وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَتْبَعَ الْآيَةَ الْأُولَى الَّتِي ضُرِبَتْ مَثَلًا بِالرَّبْوَةِ بِالْآيَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ ضَرْبَ الْمَثَلِ لِمَنْ عَمِلَ عَمَلًا يَفْقِدُهُ أَحْوَجُ مَا كَانَ إِلَيْهِ، لِلْإِشَارَةِ إِلَى اجْتِنَابِ الرِّيَاءِ فِي الصَّدَقَةِ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ يُشْعِرُ بِالْوَعِيدِ بَعْدَ الْوَعْدِ، فَأَوْضَحَهُ بِذِكْرِ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ، وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي اقْتِصَارِهِ عَلَى بَعْضِهَا اخْتِصَارًا.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ:
أَحَدَهَا حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ مِنْ وَجْهَيْنِ تَامًّا وَمُخْتَصَرًا.
قَوْلُهُ: (عَنْ سُلَيْمَانَ) هُوَ الْأَعْمَشُ، وَأَبُو مَسْعُودٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ الْبَدْرِيُّ.
قَوْلُهُ: (لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةِ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ الْآيَةَ.
قَوْلُهُ: (كُنَّا نُحَامِلُ) أَيْ: نَحْمِلُ عَلَى ظُهُورِنَا بِالْأُجْرَةِ، يُقَالُ: حَامَلْتُ بِمَعْنَى حَمَلْتُ كَسَافَرْتُ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُرِيدُ نَتَكَلَّفُ الْحَمْلَ بِالْأُجْرَةِ لِنَكْتَسِبَ مَا نَتَصَدَّقُ بِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ حَيْثُ قَالَ: انْطَلَقَ أَحَدُنَا إِلَى السُّوقِ فَيُحَامِلَ، أَيْ: يَطْلُبُ الْحَمْلَ بِالْأُجْرَةِ.
قَوْلُهُ: (فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ)
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
التَّاءُ طاءً، وأُدغِمت الطَّاء (١) في الطَّاء (﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٧٩]) أي: طاقتهم، مصدر «جهد في الأمر» إذا بالغ فيه ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ﴾: جازاهم على سخريتهم ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ على كفرهم، وذكر الخطيب في «المتَّفق» في ترجمة زيد بن أسلم من طريق «مغازي الواقديِّ» من اللَّامِزِين: مُعتِّب بن قُشَيْرٍ (٢) وعبد الله (٣) ابن نَبْتَل، بنونٍ ومُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ مفتوحتين (٤) بينهما مُوحَّدةٌ ساكنةٌ ثمَّ لامٌ.
وفي هذا الحديث التَّحديث والعنعنة والقول، ورواية تابعي عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٦٦٨] و «الزَّكاة» [خ¦١٤١٦]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ في «الزَّكاة»، وابن ماجه في «الزُّهد».
١٤١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى) البغداديُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) يحيى بن سعيد بن أبان قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان (٥) بن مهران (عَنْ شَقِيقٍ) أبي وائل بن سلمة (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁) أنَّه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ انْطَلَقَ أَحَدُنَا إِلَى السُّوقِ فَيُحَامِلُ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وكسر الميم وضمِّ اللَّام، فعلًا مضارعًا، ولغير أبي ذَرٍّ: «فتَحامَلَ» بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والميم واللَّام، فعلًا ماضيًا، أي: تكلَّف الحمل بالأجرة؛ ليكسب ما يتصدَّق
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
[الحديث ١٤١٥ - أطرافه في: ١٤١٦، ٢٢٧٣، ٤٦٦٨، ٤٦٦٩]
١٤١٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ انْطَلَقَ أَحَدُنَا إِلَى السُّوقِ فَيُحَامِلُ فَيُصِيبُ الْمُدَّ وَإِنَّ لِبَعْضِهِمْ الْيَوْمَ لَمِائَةَ أَلْفٍ"
١٤١٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْقِلٍ قَالَ سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ"
١٤١٨ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ "دَخَلَتْ امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا تَسْأَلُ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْنَا فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: "مَنْ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنْ النَّارِ"
[الحديث ١٤١٨ - طرفه في: ٥٩٩٥]
قَوْلُهُ: (بَابُ اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، وَالْقَلِيلُ مِنَ الصَّدَقَةِ، ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ وَغَيْرُهُ: جَمَعَ الْمُصَنِّفُ بَيْنَ لَفْظِ الْخَبَرِ وَالْآيَةِ لِاشْتِمَالِ ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى الْحَثِّ عَلَى الصَّدَقَةِ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا، فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: أَمْوَالَهُمْ، يَشْمَلُ قَلِيلَ النَّفَقَةِ وَكَثِيرِهَا، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ: لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبٍ نَفْسٍ. فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ، إِذْ لَا قَائِلَ بِحِلِّ الْقَلِيلِ دُونَ الْكَثِيرِ. وَقَوْلُهُ: اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، يَتَنَاوَلُ الْكَثِيرَ وَالْقَلِيلَ أَيْضًا، وَالْآيَةُ أَيْضًا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى قَلِيلِ الصَّدَقَةِ وَكثَيْرِهَا مِنْ جِهَةِ التَّمْثِيلِ الْمَذْكُورِ فِيهَا بِالطَّلِّ وَالْوَابِلِ، فَشُبِّهَتِ الصَّدَقَةُ بِالْقَلِيلِ بِإِصَابَةِ الطَّلِّ، وَالصَّدَقَةُ بِالْكَثِيرِ بِإِصَابَةِ الْوَابِلِ.
وَأَمَّا ذِكْرُ الْقَلِيلِ مِنَ الصَّدَقَةِ بَعْدَ ذِكْرِ شِقِّ التَّمْرَةِ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، وَلِهَذَا أَوْرَدَ فِي الْبَابِ حَدِيثَ أَبِي مَسْعُودٍ الَّذِي كَانَ سَبَبًا لِنُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ﴾ وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: تَقْدِيرُ الْآيَةِ: مَثَلُ تَضْعِيفِ أُجُورِ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ كَمَثَلِ تَضْعِيفِ ثِمَارِ الْجَنَّةِ بِالْمَطَرِ، إِنْ قَلِيلًا فَقَلِيلٌ، وَإِنْ كَثِيرًا فَكَثِيرٌ. وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَتْبَعَ الْآيَةَ الْأُولَى الَّتِي ضُرِبَتْ مَثَلًا بِالرَّبْوَةِ بِالْآيَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ ضَرْبَ الْمَثَلِ لِمَنْ عَمِلَ عَمَلًا يَفْقِدُهُ أَحْوَجُ مَا كَانَ إِلَيْهِ، لِلْإِشَارَةِ إِلَى اجْتِنَابِ الرِّيَاءِ فِي الصَّدَقَةِ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ يُشْعِرُ بِالْوَعِيدِ بَعْدَ الْوَعْدِ، فَأَوْضَحَهُ بِذِكْرِ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ، وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي اقْتِصَارِهِ عَلَى بَعْضِهَا اخْتِصَارًا.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ:
أَحَدَهَا حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ مِنْ وَجْهَيْنِ تَامًّا وَمُخْتَصَرًا.
قَوْلُهُ: (عَنْ سُلَيْمَانَ) هُوَ الْأَعْمَشُ، وَأَبُو مَسْعُودٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ الْبَدْرِيُّ.
قَوْلُهُ: (لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةِ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ الْآيَةَ.
قَوْلُهُ: (كُنَّا نُحَامِلُ) أَيْ: نَحْمِلُ عَلَى ظُهُورِنَا بِالْأُجْرَةِ، يُقَالُ: حَامَلْتُ بِمَعْنَى حَمَلْتُ كَسَافَرْتُ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُرِيدُ نَتَكَلَّفُ الْحَمْلَ بِالْأُجْرَةِ لِنَكْتَسِبَ مَا نَتَصَدَّقُ بِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ حَيْثُ قَالَ: انْطَلَقَ أَحَدُنَا إِلَى السُّوقِ فَيُحَامِلَ، أَيْ: يَطْلُبُ الْحَمْلَ بِالْأُجْرَةِ.
قَوْلُهُ: (فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ)
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
التَّاءُ طاءً، وأُدغِمت الطَّاء (١) في الطَّاء (﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٧٩]) أي: طاقتهم، مصدر «جهد في الأمر» إذا بالغ فيه ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ﴾: جازاهم على سخريتهم ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ على كفرهم، وذكر الخطيب في «المتَّفق» في ترجمة زيد بن أسلم من طريق «مغازي الواقديِّ» من اللَّامِزِين: مُعتِّب بن قُشَيْرٍ (٢) وعبد الله (٣) ابن نَبْتَل، بنونٍ ومُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ مفتوحتين (٤) بينهما مُوحَّدةٌ ساكنةٌ ثمَّ لامٌ.
وفي هذا الحديث التَّحديث والعنعنة والقول، ورواية تابعي عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٦٦٨] و «الزَّكاة» [خ¦١٤١٦]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ في «الزَّكاة»، وابن ماجه في «الزُّهد».
١٤١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى) البغداديُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) يحيى بن سعيد بن أبان قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان (٥) بن مهران (عَنْ شَقِيقٍ) أبي وائل بن سلمة (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁) أنَّه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ انْطَلَقَ أَحَدُنَا إِلَى السُّوقِ فَيُحَامِلُ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وكسر الميم وضمِّ اللَّام، فعلًا مضارعًا، ولغير أبي ذَرٍّ: «فتَحامَلَ» بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والميم واللَّام، فعلًا ماضيًا، أي: تكلَّف الحمل بالأجرة؛ ليكسب ما يتصدَّق