الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٤٤٥
الحديث رقم ١٤٤٥ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب على كل مسلم صدقة.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابٌ: قَدْرُ كَمْ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَمَنْ أَعْطَى شَاةً
١٤٤٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
يَفْضَحُهُ.
وَمَعْنَى تَعْفُو أَثَرَهُ تَمْحُو خَطَايَاهُ، وَتَعَقَّبَهُ عِيَاضٌ بِأَنَّ الْخَبَرَ جَاءَ عَلَى التَّمْثِيلِ لَا عَلَى الْإِخْبَارِ عَنْ كَائِنٍ، قَالَ: وَقِيلَ: هُوَ تَمْثِيلٌ لِنَمَاءِ الْمَالِ بِالصَّدَقَةِ، وَالْبُخْلِ بِضِدِّهِ. وَقِيلَ: تَمْثِيلٌ لِكَثْرَةِ الْجُودِ وَالْبُخْلِ، وَأَنَّ الْمُعْطِيَ إِذَا أَعْطَى انْبَسَطَتْ يَدَاهُ بِالْعَطَاءِ وَتَعَوَّدَ ذَلِكَ، وَإِذَا أَمْسَكَ صَارَ ذَلِكَ عَادَةً، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَيَّدَ الْمُشَبَّهَ بِهِ بِالْحَدِيدِ إِعْلَامًا بِأَنَّ الْقَبْضَ وَالشِّدَّةَ مِنْ جِبِلَّةِ الْإِنْسَانِ، وَأَوْقَعَ الْمُتَصَدِّقَ مَوْقِعَ السَّخِيِّ لِكَوْنِهِ جَعَلَهُ فِي مُقَابَلَةِ الْبَخِيلِ إِشْعَارًا بِأَنَّ السَّخَاءَ هُوَ مَا أَمَرَ بِهِ الشَّارِعَ وَنَدَبَ إِلَيْهِ مِنَ الْإِنْفَاقِ لَا مَا يَتَعَانَاهُ الْمُسْرِفُونَ.
قَوْلُهُ: (فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ)، وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ، وَهَذَا يُوهِمُ أَنْ يَكُونَ مُدْرَجًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِرَفْعِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي طَرِيقِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَفِي رِوَايَةِ ابْنِ طَاوُسٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْجِهَادِ فَسَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: فَيَجْتَهِدُ أَنْ يُوَسِّعَهَا وَلَا تَتَّسِعُ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَهُ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ عِنْدَهُمَا: فَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: بِأُصْبُعِهِ هَكَذَا فِي جَيْبِهِ فَلَوْ رَأَيْتُهُ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ فِي هذا الْحَدِيثِ وَأَمَّا الْبَخِيلُ فَإِنَّهَا لَا تَزْدَادُ عَلَيْهِ إِلَّا اسْتِحْكَامًا وَهَذَا بِالْمَعْنَى.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ) وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي اللِّبَاسِ مِنْ طَرِيقِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ حَنْظَلَةُ، عَنْ طَاوُسٍ) ذَكَرَهُ فِي اللِّبَاسِ أَيْضًا تَعْلِيقًا بِلَفْظِ: وَقَالَ حَنْظَلَةُ: سَمِعْتُ طَاوُسًا، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ الْأَزْرَقِ عَنْ حَنْظَلَةَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي جَعْفَرٌ) هُوَ ابْنُ رَبِيعَةَ، وَابْنُ هُرْمُزَ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ، وَلَمْ تَقَعْ لي رِوَايَةُ اللَّيْثِ مَوْصُولَةٌ إِلَى الْآنَ، وَقَدْ رَأَيْتُهُ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ حَمَّادٍ عَنِ اللَّيْثِ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِسَنَدِهِ.
٢٩ - بَاب صَدَقَةِ الْكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾
قَوْلُهُ: (بَابُ صَدَقَةِ الْكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ الْآيَةَ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿حَمِيدٌ﴾ هَكَذَا أَوْرَدَ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ مُقْتَصِرًا عَلَى الْآيَةِ بِغَيْرِ حَدِيثٍ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا رَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ قَالَ: مِنَ التِّجَارَةِ الْحَلَالِ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ آدَمَ عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ، عَنْ شُعْبَةَ وَلَفْظُهُ: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ قَالَ: مِنَ التِّجَارَةِ، ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ قَالَ: مِنَ الثِّمَارِ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ الْهُذَلِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ قَالَ: يَعْنِي مِنَ الْحَبِّ وَالتَّمْرِ، كُلُّ شَيْءٍ عَلَيْهِ زَكَاةٌ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: لَمْ يُقَيِّدِ الْكَسْبَ فِي التَّرْجَمَةِ بِالطَّيِّبِ كَمَا فِي الْآيَةِ اسْتِغْنَاءً عَنْ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَ فِي تَرْجَمَةِ: بَابُ الصَّدَقَةِ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ.
٣٠ - بَاب عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ
١٤٤٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ، فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: يَعْمَلُ بِيَدِهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ،
قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ، قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ؟ وَلْيُمْسِكْ عَنْ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ.
قَوْلُهُ: (بَابٌ: عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُعْمِلْ بِالْمَعْرُوفِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: نَصَبَ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ عَلَمًا عَلَى الْخَبَرِ مُقْتَصِرًا عَلَى بَعْضِ مَا فِيهِ إِيجَازًا.
قَوْلُهُ: (سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ) أَيْ: ابْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ. وَوَقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ) أَيْ: عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ الْمُتَأَكِّدِ أَوْ عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَالْعِبَارَةُ صَالِحَةٌ لِلْإِيجَابِ وَالِاسْتِحْبَابِ، كَقَوْلِهِ ﵊: عَلَى الْمُسْلِمِ سِتُّ خِصَالٍ، فَذَكَرَ مِنْهَا مَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ اتِّفَاقًا، وَزَادَ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي حَدِيثِهِ تَقْيِيدَ ذَلِكَ بِكُلِّ يَوْمٍ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الصُّلْحِ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ عَنْهُ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا: يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، وَالسُّلَامَى بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ: الْمَفْصِلُ، وَلَهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: خَلَقَ اللَّهُ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وَثَلَاثِمَائَةِ مَفْصِلٍ.
قَوْلُهُ: (فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) كَأَنَّهُمْ فَهِمُوا مِنْ لَفْظِ الصَّدَقَةِ الْعَطِيَّةَ، فَسَأَلُوا عَمَّنْ لَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ، فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّدَقَةِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ بِإِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَهَلْ تَلْتَحِقُ هَذِهِ الصَّدَقَةُ بِصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ الَّتِي تُحْسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْفَرْضِ الَّذِي أَخَلَّ بِهِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا غَيْرُهَا لِمَا تَبَيَّنَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ أَنَّهَا شُرِعَتْ بِسَبَبِ عِتْقِ الْمَفَاصِلِ حَيْثُ قَالَ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ: فَإِنَّهُ يُمْسِي يَوْمَئِذٍ وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ.
قَوْلُهُ: (الْمَلْهُوفُ) أَيِ: الْمُسْتَغِيثُ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَظْلُومًا أَوْ عَاجِزًا.
قَوْلُهُ: (فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ) فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ: فَلْيَأْمُرْ بِالْخَيْرِ أَوْ بِالْمَعْرُوفِ. زَادَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَةَ: وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ.
قَوْلُهُ: (وَلْيُمْسِكْ) فِي رِوَايَتِهِ فِي الْأَدَبِ قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: فَلْيُمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ كَذَا وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ شُعْبَةَ، وَهُوَ أَصَحُّ سِيَاقًا، فَظَاهِرُ سِيَاقِ الْبَابِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالْإِمْسَاكَ عَنِ الشَّرِّ رُتْبَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الْإِمْسَاكُ هُوَ الرُّتْبَةُ الْأَخِيرَةُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهَا) كَذَا وَقَعَ هُنَا بِضَمِيرِ الْمُؤَنَّثِ، وَهُوَ بِاعْتِبَارِ الْخَصْلَةِ مِنَ الْخَيْرِ وَهُوَ الْإِمْسَاكُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَدَبِ: فَإِنَّهُ - أَيِ الْإِمْسَاكُ - لَهُ، أَيْ: لِلْمُمْسِكِ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: إِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ لِلْمُمْسِكِ عَنِ الشَّرِّ إِذَا نَوَى بِالْإِمْسَاكِ الْقُرْبَةَ، بِخِلَافِ مَحْضِ التَّرْكِ، وَالْإِمْسَاكُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَنْ غَيْرِهِ، فَكَأَنَّهُ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِالسُّلَامَةِ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ شَرُّهُ لَا يَتَعَدَّى نَفْسَهُ فَقَدْ تَصَدَّقَ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنْ مَنَعَهَا مِنَ الْإِثْمِ، قَالَ: وَلَيْسَ مَا تَضَمَّنَهُ الْخَبَرُ مِنْ قَوْلِهِ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَرْتِيبًا، وَإِنَّمَا هُوَ لِلْإِيضَاحِ لِمَا يَفْعَلُهُ مَنْ عَجَزَ عَنْ خَصْلَةٍ مِنَ الْخِصَالِ الْمَذْكُورَةِ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ خَصْلَةً أُخْرَى، فَمَنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِيَدِهِ فَيَتَصَدَّقَ، وَأَنْ يُغِيثَ الْمَلْهُوفَ، وَأَنْ يَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيُمْسِكَ عَنِ الشَّرِّ فَلْيَفْعَلِ الْجَمِيعَ، وَمَقْصُودُ هَذَا الْبَابِ أَنَّ أَعْمَالَ الْخَيْرِ تُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الصَّدَقَاتِ فِي الْأَجْرِ وَلَا سِيَّمَا فِي حَقِّ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا. وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الصَّدَقَةَ فِي حَقِّ الْقَادِرِ عَلَيْهَا أَفْضَلُ مِنَ الْأَعْمَالِ الْقَاصِرَةِ، وَمُحَصَّلُ مَا ذُكِرَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ، وَهِيَ إِمَّا بِالْمَالِ أَوْ غَيْرِهِ، وَالْمَالُ إِمَّا حَاصِلٌ أَوْ مُكْتَسَبٌ، وَغَيْرُ الْمَالِ إِمَّا فِعْلٌ، وَهُوَ الْإِغَاثَةُ، وَإِمَّا تَرْكٌ، وَهُوَ الْإِمْسَاكُ.
انْتَهَى، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي جَمْرَةَ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ: تَرْتِيبُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ نَدَبَ إِلَى الصَّدَقَةِ، وَعِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهَا نَدَبَ إِلَى مَا يَقْرُبُ مِنْهَا أَوْ يَقُومُ مَقَامَهَا وَهُوَ الْعَمَلُ وَالِانْتِفَاعُ، وَعِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ ذَلِكَ نَدَبَ إِلَى مَا يَقُومُ مَقَامَهُ وَهُوَ الْإِغَاثَةُ، وَعِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
في هذا الباب حديثًا على عادته فيما لم يجد على شرطه، والله أعلم.
(٣٠) (بابٌ) بالتَّنوين (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) ما يتصدَّق به (فَلْيَعْمَلْ بِالمَعْرُوفِ).
١٤٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) القصَّاب قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ) بضمِّ المُوحَّدة وسكون الرَّاء (عَنْ أَبِيهِ) أبي بُرْدة، عامرٍ (عَنْ جَدِّهِ) جدِّ سعيد أبي موسى الأشعريِّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ) أي: على سبيل الاستحباب المتأكِّد، ولا حقَّ في المال سوى الزَّكاة إلَّا على سبيل النَّدب ومكارم الأخلاق، كما قاله الجمهور (فَقَالُوا (١): يَا نَبِيَّ اللهِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) ما يتصدَّق به (٢)؟ (قَالَ: يَعْمَلُ بِيَدِهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ، قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: يُعِينُ ذَا الحَاجَةِ المَلْهُوفَ) بالنَّصب، صفةٌ لـ «ذا الحاجة» المنصوب على المفعوليَّة، و «الملهوف» شاملٌ للمظلوم والعاجز (قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟) أي: فإن لم يقدر؟ (قَالَ: فَلْيَعْمَلْ بِالمَعْرُوفِ) وعند المؤلِّف في «الأدب» [خ¦٦٠٢٢] من وجهٍ آخر عن شعبة: «فليأمر بالخير أو بالمعروف»، وزاد أبو داود الطَّيالسيُّ في «مُسنَده» عن شعبة (٣): «وينهى عن المنكر» (وَلْيُمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا) بتأنيث الضَّمير، باعتبار الخصلة التي هي الإمساك (لَهُ) أي: للممسك (صَدَقَةٌ) والحاصل: أنَّ الصَّدقة تكون بمالٍ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
يَفْضَحُهُ.
وَمَعْنَى تَعْفُو أَثَرَهُ تَمْحُو خَطَايَاهُ، وَتَعَقَّبَهُ عِيَاضٌ بِأَنَّ الْخَبَرَ جَاءَ عَلَى التَّمْثِيلِ لَا عَلَى الْإِخْبَارِ عَنْ كَائِنٍ، قَالَ: وَقِيلَ: هُوَ تَمْثِيلٌ لِنَمَاءِ الْمَالِ بِالصَّدَقَةِ، وَالْبُخْلِ بِضِدِّهِ. وَقِيلَ: تَمْثِيلٌ لِكَثْرَةِ الْجُودِ وَالْبُخْلِ، وَأَنَّ الْمُعْطِيَ إِذَا أَعْطَى انْبَسَطَتْ يَدَاهُ بِالْعَطَاءِ وَتَعَوَّدَ ذَلِكَ، وَإِذَا أَمْسَكَ صَارَ ذَلِكَ عَادَةً، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَيَّدَ الْمُشَبَّهَ بِهِ بِالْحَدِيدِ إِعْلَامًا بِأَنَّ الْقَبْضَ وَالشِّدَّةَ مِنْ جِبِلَّةِ الْإِنْسَانِ، وَأَوْقَعَ الْمُتَصَدِّقَ مَوْقِعَ السَّخِيِّ لِكَوْنِهِ جَعَلَهُ فِي مُقَابَلَةِ الْبَخِيلِ إِشْعَارًا بِأَنَّ السَّخَاءَ هُوَ مَا أَمَرَ بِهِ الشَّارِعَ وَنَدَبَ إِلَيْهِ مِنَ الْإِنْفَاقِ لَا مَا يَتَعَانَاهُ الْمُسْرِفُونَ.
قَوْلُهُ: (فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ)، وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ، وَهَذَا يُوهِمُ أَنْ يَكُونَ مُدْرَجًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِرَفْعِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي طَرِيقِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَفِي رِوَايَةِ ابْنِ طَاوُسٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْجِهَادِ فَسَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: فَيَجْتَهِدُ أَنْ يُوَسِّعَهَا وَلَا تَتَّسِعُ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَهُ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ عِنْدَهُمَا: فَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: بِأُصْبُعِهِ هَكَذَا فِي جَيْبِهِ فَلَوْ رَأَيْتُهُ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ فِي هذا الْحَدِيثِ وَأَمَّا الْبَخِيلُ فَإِنَّهَا لَا تَزْدَادُ عَلَيْهِ إِلَّا اسْتِحْكَامًا وَهَذَا بِالْمَعْنَى.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ) وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي اللِّبَاسِ مِنْ طَرِيقِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ حَنْظَلَةُ، عَنْ طَاوُسٍ) ذَكَرَهُ فِي اللِّبَاسِ أَيْضًا تَعْلِيقًا بِلَفْظِ: وَقَالَ حَنْظَلَةُ: سَمِعْتُ طَاوُسًا، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ الْأَزْرَقِ عَنْ حَنْظَلَةَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي جَعْفَرٌ) هُوَ ابْنُ رَبِيعَةَ، وَابْنُ هُرْمُزَ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ، وَلَمْ تَقَعْ لي رِوَايَةُ اللَّيْثِ مَوْصُولَةٌ إِلَى الْآنَ، وَقَدْ رَأَيْتُهُ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ حَمَّادٍ عَنِ اللَّيْثِ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِسَنَدِهِ.
٢٩ - بَاب صَدَقَةِ الْكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾
قَوْلُهُ: (بَابُ صَدَقَةِ الْكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ الْآيَةَ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿حَمِيدٌ﴾ هَكَذَا أَوْرَدَ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ مُقْتَصِرًا عَلَى الْآيَةِ بِغَيْرِ حَدِيثٍ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا رَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ قَالَ: مِنَ التِّجَارَةِ الْحَلَالِ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ آدَمَ عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ، عَنْ شُعْبَةَ وَلَفْظُهُ: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ قَالَ: مِنَ التِّجَارَةِ، ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ قَالَ: مِنَ الثِّمَارِ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ الْهُذَلِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ قَالَ: يَعْنِي مِنَ الْحَبِّ وَالتَّمْرِ، كُلُّ شَيْءٍ عَلَيْهِ زَكَاةٌ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: لَمْ يُقَيِّدِ الْكَسْبَ فِي التَّرْجَمَةِ بِالطَّيِّبِ كَمَا فِي الْآيَةِ اسْتِغْنَاءً عَنْ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَ فِي تَرْجَمَةِ: بَابُ الصَّدَقَةِ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ.
٣٠ - بَاب عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ
١٤٤٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ، فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: يَعْمَلُ بِيَدِهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ،
قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ، قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ؟ وَلْيُمْسِكْ عَنْ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ.
قَوْلُهُ: (بَابٌ: عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُعْمِلْ بِالْمَعْرُوفِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: نَصَبَ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ عَلَمًا عَلَى الْخَبَرِ مُقْتَصِرًا عَلَى بَعْضِ مَا فِيهِ إِيجَازًا.
قَوْلُهُ: (سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ) أَيْ: ابْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ. وَوَقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ) أَيْ: عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ الْمُتَأَكِّدِ أَوْ عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَالْعِبَارَةُ صَالِحَةٌ لِلْإِيجَابِ وَالِاسْتِحْبَابِ، كَقَوْلِهِ ﵊: عَلَى الْمُسْلِمِ سِتُّ خِصَالٍ، فَذَكَرَ مِنْهَا مَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ اتِّفَاقًا، وَزَادَ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي حَدِيثِهِ تَقْيِيدَ ذَلِكَ بِكُلِّ يَوْمٍ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الصُّلْحِ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ عَنْهُ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا: يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، وَالسُّلَامَى بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ: الْمَفْصِلُ، وَلَهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: خَلَقَ اللَّهُ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وَثَلَاثِمَائَةِ مَفْصِلٍ.
قَوْلُهُ: (فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) كَأَنَّهُمْ فَهِمُوا مِنْ لَفْظِ الصَّدَقَةِ الْعَطِيَّةَ، فَسَأَلُوا عَمَّنْ لَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ، فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّدَقَةِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ بِإِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَهَلْ تَلْتَحِقُ هَذِهِ الصَّدَقَةُ بِصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ الَّتِي تُحْسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْفَرْضِ الَّذِي أَخَلَّ بِهِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا غَيْرُهَا لِمَا تَبَيَّنَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ أَنَّهَا شُرِعَتْ بِسَبَبِ عِتْقِ الْمَفَاصِلِ حَيْثُ قَالَ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ: فَإِنَّهُ يُمْسِي يَوْمَئِذٍ وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ.
قَوْلُهُ: (الْمَلْهُوفُ) أَيِ: الْمُسْتَغِيثُ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَظْلُومًا أَوْ عَاجِزًا.
قَوْلُهُ: (فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ) فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ: فَلْيَأْمُرْ بِالْخَيْرِ أَوْ بِالْمَعْرُوفِ. زَادَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَةَ: وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ.
قَوْلُهُ: (وَلْيُمْسِكْ) فِي رِوَايَتِهِ فِي الْأَدَبِ قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: فَلْيُمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ كَذَا وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ شُعْبَةَ، وَهُوَ أَصَحُّ سِيَاقًا، فَظَاهِرُ سِيَاقِ الْبَابِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالْإِمْسَاكَ عَنِ الشَّرِّ رُتْبَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الْإِمْسَاكُ هُوَ الرُّتْبَةُ الْأَخِيرَةُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهَا) كَذَا وَقَعَ هُنَا بِضَمِيرِ الْمُؤَنَّثِ، وَهُوَ بِاعْتِبَارِ الْخَصْلَةِ مِنَ الْخَيْرِ وَهُوَ الْإِمْسَاكُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَدَبِ: فَإِنَّهُ - أَيِ الْإِمْسَاكُ - لَهُ، أَيْ: لِلْمُمْسِكِ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: إِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ لِلْمُمْسِكِ عَنِ الشَّرِّ إِذَا نَوَى بِالْإِمْسَاكِ الْقُرْبَةَ، بِخِلَافِ مَحْضِ التَّرْكِ، وَالْإِمْسَاكُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَنْ غَيْرِهِ، فَكَأَنَّهُ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِالسُّلَامَةِ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ شَرُّهُ لَا يَتَعَدَّى نَفْسَهُ فَقَدْ تَصَدَّقَ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنْ مَنَعَهَا مِنَ الْإِثْمِ، قَالَ: وَلَيْسَ مَا تَضَمَّنَهُ الْخَبَرُ مِنْ قَوْلِهِ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَرْتِيبًا، وَإِنَّمَا هُوَ لِلْإِيضَاحِ لِمَا يَفْعَلُهُ مَنْ عَجَزَ عَنْ خَصْلَةٍ مِنَ الْخِصَالِ الْمَذْكُورَةِ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ خَصْلَةً أُخْرَى، فَمَنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِيَدِهِ فَيَتَصَدَّقَ، وَأَنْ يُغِيثَ الْمَلْهُوفَ، وَأَنْ يَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيُمْسِكَ عَنِ الشَّرِّ فَلْيَفْعَلِ الْجَمِيعَ، وَمَقْصُودُ هَذَا الْبَابِ أَنَّ أَعْمَالَ الْخَيْرِ تُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الصَّدَقَاتِ فِي الْأَجْرِ وَلَا سِيَّمَا فِي حَقِّ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا. وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الصَّدَقَةَ فِي حَقِّ الْقَادِرِ عَلَيْهَا أَفْضَلُ مِنَ الْأَعْمَالِ الْقَاصِرَةِ، وَمُحَصَّلُ مَا ذُكِرَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ، وَهِيَ إِمَّا بِالْمَالِ أَوْ غَيْرِهِ، وَالْمَالُ إِمَّا حَاصِلٌ أَوْ مُكْتَسَبٌ، وَغَيْرُ الْمَالِ إِمَّا فِعْلٌ، وَهُوَ الْإِغَاثَةُ، وَإِمَّا تَرْكٌ، وَهُوَ الْإِمْسَاكُ.
انْتَهَى، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي جَمْرَةَ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ: تَرْتِيبُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ نَدَبَ إِلَى الصَّدَقَةِ، وَعِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهَا نَدَبَ إِلَى مَا يَقْرُبُ مِنْهَا أَوْ يَقُومُ مَقَامَهَا وَهُوَ الْعَمَلُ وَالِانْتِفَاعُ، وَعِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ ذَلِكَ نَدَبَ إِلَى مَا يَقُومُ مَقَامَهُ وَهُوَ الْإِغَاثَةُ، وَعِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
في هذا الباب حديثًا على عادته فيما لم يجد على شرطه، والله أعلم.
(٣٠) (بابٌ) بالتَّنوين (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) ما يتصدَّق به (فَلْيَعْمَلْ بِالمَعْرُوفِ).
١٤٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) القصَّاب قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ) بضمِّ المُوحَّدة وسكون الرَّاء (عَنْ أَبِيهِ) أبي بُرْدة، عامرٍ (عَنْ جَدِّهِ) جدِّ سعيد أبي موسى الأشعريِّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ) أي: على سبيل الاستحباب المتأكِّد، ولا حقَّ في المال سوى الزَّكاة إلَّا على سبيل النَّدب ومكارم الأخلاق، كما قاله الجمهور (فَقَالُوا (١): يَا نَبِيَّ اللهِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) ما يتصدَّق به (٢)؟ (قَالَ: يَعْمَلُ بِيَدِهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ، قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: يُعِينُ ذَا الحَاجَةِ المَلْهُوفَ) بالنَّصب، صفةٌ لـ «ذا الحاجة» المنصوب على المفعوليَّة، و «الملهوف» شاملٌ للمظلوم والعاجز (قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟) أي: فإن لم يقدر؟ (قَالَ: فَلْيَعْمَلْ بِالمَعْرُوفِ) وعند المؤلِّف في «الأدب» [خ¦٦٠٢٢] من وجهٍ آخر عن شعبة: «فليأمر بالخير أو بالمعروف»، وزاد أبو داود الطَّيالسيُّ في «مُسنَده» عن شعبة (٣): «وينهى عن المنكر» (وَلْيُمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا) بتأنيث الضَّمير، باعتبار الخصلة التي هي الإمساك (لَهُ) أي: للممسك (صَدَقَةٌ) والحاصل: أنَّ الصَّدقة تكون بمالٍ