الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٤٤٧
الحديث رقم ١٤٤٧ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب زكاة الورق.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ الْعَرْضِ فِي الزَّكَاةِ وَقَالَ طَاوُسٌ قَالَ مُعَاذٌ ﵁ لِأَهْلِ الْيَمَنِ ائْتُونِي بِعَرْضٍ ثِيَابٍ خَمِيصٍ أَوْ لَبِيسٍ فِي الصَّدَقَةِ مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ وَخَيْرٌ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَمَّا خَالِدٌ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ فَلَمْ يَسْتَثْنِ صَدَقَةَ الْفَرْضِ مِنْ غَيْرِهَا فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي خُرْصَهَا وَسِخَابَهَا وَلَمْ يَخُصَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ مِنَ الْعُرُوضِ
١٤٤٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (بَعَثَ إِلَى نُسَيْبَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ) هِيَ أُمُّ عَطِيَّةَ، كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَكَانَ السِّيَاقُ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ: بَعَثَ إِلَيَّ بِلَفْظِ ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ الْمَجْرُورِ كَمَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ، لَكِنَّهُ فِي هَذَا السِّيَاقِ وَضَعَ الظَّاهِرَ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ، إِمَّا تَجْرِيدًا، وَإِمَّا الْتِفَاتًا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ إِذَا حُوِّلَتِ الصَّدَقَةُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الزَّكَاةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٣٢ - بَاب زَكَاةِ الْوَرِقِ
١٤٤٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو سَمِعَ أَبَاهُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِهَذَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ زَكَاةِ الْوَرِقِ) أَيْ: الْفِضَّةِ، يُقَالُ: وَرِقَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَبِكَسْرِهَا وَبِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِهَا، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: لَمَّا كَانَتِ الْفِضَّةُ هِيَ الْمَالُ الَّذِي يَكْثُرُ دَوَرَانُهُ فِي أَيْدِي النَّاسِ وَيَرُوجُ بِكُلِّ مَكَانٍ كَانَ أَوْلَى بِأَنْ يُقَدَّمَ عَلَى ذِكْرِ تَفَاصِيلِ الْأَمْوَالِ الزَّكَوِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ) فِي مُوَطَّأِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ يَحْيَى حَدَّثَهُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) فِي مُسْنَدِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ: سَأَلْتُ عَمْرَو بْنَ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْمَازِنِيَّ فَحَدَّثَنِي عَنْ أَبِيهِ، وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَهُوَ الْأَنْصَارِيُّ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ عَقِبَ هَذَا الْإِسْنَادِ التَّصْرِيحُ بِسَمَاعِ عَمْرٍو، وَهُوَ ابْنُ يَحْيَى الْمَذْكُورُ لَهُ مِنْ أَبِيهِ، وَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِيرَادِهِ لِلْإِسْنَادِ خَاصَّةً، وَقَدْ حَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ حَدِيثَ الْبَابِ لَمْ يَأْتِ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: وَهَذَا هُوَ الْأَغْلَبُ، إِلَّا أَنَّنِي وَجَدْتُهُ مِنْ رِوَايَةِ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ. انْتَهَى. وَرِوَايَةُ سُهَيْلٍ فِي الْأَمْوَالِ لِأَبِي عُبَيْدٍ، وَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ (١) فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ، وَجَاءَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَعَائِشَةَ، وَأَبِي رَافِعٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، أَخْرَجَ أَحَادِيثَ الْأَرْبَعَةِ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو عُبَيْدٍ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (خَمْسِ ذَوْدٍ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ.
قَوْلُهُ: (خَمْسِ أَوَاقٍ) زَادَ مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ، وَهُوَ مُطَابِقٌ لِلَفْظِ التَّرْجَمَةِ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ بِالتَّرْجَمَةِ مَا أُبْهِمَ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ اعْتِمَادًا عَلَى الطَّرِيقِ الْأُخْرَى، وَأَوَاقٍ بِالتَّنْوِينِ وَبِإِثْبَاتِ التَّحْتَانِيَّةِ مُشَدَّدًا وَمُخَفَّفًا جَمْعُ أُوقِيَّةٍ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَحَكَى اللِّحْيَانِيُّ: وَقِيَّةً بِحَذْفِ الْأَلِفِ وَفَتْحِ الْوَاوِ، وَمِقْدَارُ الْأُوقِيَّةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا بِالِاتِّفَاقِ، وَالْمُرَادُ بِالدِّرْهَمِ الْخَالِصُ مِنَ الْفِضَّةِ سَوَاءٌ كَانَ مَضْرُوبًا أَوْ غَيْرَ مَضْرُوبٍ، قَالَ عِيَاضٌ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: إِنَّ الدِّرْهَمَ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومَ الْقَدْرِ حَتَّى جَاءَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ
مَرْوَانَ، فَجَمَعَ الْعُلَمَاءَ فَجَعَلُوا كُلَّ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ سَبْعَةَ مَثَاقِيلَ، قَالَ: وَهَذَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ ﷺ أَحَالَ بِنِصَابِ الزَّكَاةِ عَلَى أَمْرٍ مَجْهُولٍ وَهُوَ مُشْكِلٌ، وَالصَّوَابُ أَنَّ مَعْنَى مَا نُقِلَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْهَا مِنْ ضَرْبِ الْإِسْلَامِ، وَكَانَتْ مُخْتَلِفَةً فِي الْوَزْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَدَدِ، فَعَشَرَةٌ مَثَلًا وَزْنُ عَشَرَةٍ، وَعَشَرَةٌ وَزْنُ ثَمَانِيَةٍ، فَاتَّفَقَ الرَّأْيُ عَلَى أَنْ تُنْقَشَ بِكِتَابَةٍ عَرَبِيَّةٍ وَيَصِيرُ وَزْنُهَا وَزْنًا وَاحِدًا.
وَقَالَ غَيْرُهُ: لَمْ يَتَغَيَّرِ الْمِثْقَالُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ، وَأَمَّا الدِّرْهَمُ فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ كُلَّ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي أَنَّ نِصَابَ الزَّكَاةِ مِائَتَا دِرْهَمٍ يَبْلُغُ مِائَةً وَأَرْبَعِينَ مِثْقَالًا مِنَ الْفِضَّةِ الْخَالِصَةِ إِلَّا ابْنَ حَبِيبٍ الْأَنْدَلُسِيَّ، فَإِنَّهُ انْفَرَدَ بِقَوْلِهِ: إِنَّ كُلَّ أَهْلِ بَلَدٍ يَتَعَامَلُونَ بِدَرَاهِمِهِمْ. وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ اخْتِلَافًا فِي الْوَزْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى دَرَاهِمِ الْأَنْدَلُسِ وَغَيْرِهَا مِنْ دَرَاهِمِ الْبِلَادِ، وَكَذَا خَرَقَ الْمَرِّيسِيُّ الْإِجْمَاعَ فَاعْتَبَرَ النِّصَابَ بِالْعَدَدِ لَا الْوَزْنِ، وَانْفَرَدَ السَّرْخَسِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ بِحِكَايَةِ وَجْهٍ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الدَّرَاهِمَ الْمَغْشُوشَةَ إِذَا بَلَغَتْ قَدْرًا لَوْ ضُمَّ إِلَيْهِ قِيمَةُ الْغِشِّ مِنْ نُحَاسٍ مَثَلًا لَبَلَغَ نِصَابًا، فَإِنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِيهِ كَمَا نُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ فِيمَا إِذَا نَقَصَ مِنَ النِّصَابِ وَلَوْ حَبَّةٌ وَاحِدَةٌ، خِلَافًا لِمَنْ سَامَحَ بِنَقْصٍ يَسِيرٍ كَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (أَوْسُقٍ) جَمْعُ وَسْقٍ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا كَمَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ وَجَمْعُهُ حِينَئِذٍ أَوْسَاقٌ كَحِمْلٍ وَأَحْمَالٍ، وَقَدْ وَقَعَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ، وَهُوَ سِتُّونَ صَاعًا بِالِاتِّفَاقِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ نَحْوُ هَذَا الْحَدِيثِ وَفِيهِ: وَالْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا، وَأَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا لَكِنْ قَالَ: سِتُّونَ مَخْتُومًا (١) وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَيْضًا وَالْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا، وَلَمْ يَقَعْ فِي الْحَدِيثِ بَيَانُ الْمَكِيلِ بِالْأَوْسُقِ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوْسُقٍ مِنْ تَمْرٍ وَلَا حَبٍّ صَدَقَةٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: لَيْسَ فِي حَبٍّ وَلَا تَمْرٍ صَدَقَةٌ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَلَفَظُ دُونَ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ بِمَعْنَى أَقَلَّ، لَا أَنَّهُ نَفَى عَنْ غَيْرِ الْخَمْسِ الصَّدَقَةَ كَمَا زَعَمَ بَعْضُ مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ، وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الزُّرُوعَ لَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ تَجِبُ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ: فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْحَدِيثُ لِلْقَدْرِ الزَّائِدِ عَلَى الْمَحْدُودِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا فِي الْأَوْسَاقِ عَلَى أَنَّهُ لَا وَقَصَ فِيهَا، وَأَمَّا الْفِضَّةُ فَقَالَ الْجُمْهُورُ هُوَ كَذَلِكَ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا شَيْءَ فِيمَا زَادَ عَلَى مِائَتَيْ دِرْهَمٍ حَتَّى يَبْلُغَ النِّصَابَ، وَهُوَ أَرْبَعُونَ فَجَعَلَ لَهَا وَقَصًا كَالْمَاشِيَةِ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ الطَّبَرَانِيُّ بِالْقِيَاسِ عَلَى الثِّمَارِ وَالْحُبُوبِ، وَالْجَامِعُ كَوْنُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مُسْتَخْرَجَيْنِ مِنَ الْأَرْضِ بِكُلْفَةٍ وَمُؤْنَةٍ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَمَا زَادَ.
(فَائِدَةٌ): أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى اشْتِرَاطِ الْحَوْلِ فِي الْمَاشِيَةِ وَالنَّقْدِ دُونَ الْمُعَشَّرَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣٣ - بَاب الْعَرْضِ فِي الزَّكَاةِ
وَقَالَ طَاوُسٌ قَالَ مُعَاذٌ ﵁ لِأَهْلِ الْيَمَنِ: ائْتُونِي بِعَرْضٍ ثِيَابٍ خَمِيصٍ أَوْ لَبِيسٍ فِي الصَّدَقَةِ مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ، أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ، وَخَيْرٌ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَأَمَّا خَالِدٌ فَقَدْ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وللمُستملي (١) والحَمُّويي: «من ذلك الشَّاة» (فَقَالَ) ﵊: (هَاتِ) بكسر التَّاء، حُذِفت الياء منه تخفيفًا (فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا) بكسر الحاء، أي: وصلت إلى الموضع الذي تحلُّ (٢) فيه بصيرورتها ملكًا للمتصدِّق بها عليهم، فصحَّت منها هديَّتها، وإنَّما قال ذلك؛ لأنَّه كان يحرم عليه أكل الصَّدقة.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة من جهة أنَّ لها جزأين: أحدهما: مقدار كم يعطي، ويطابقه (٣) إرسال نسيبة إلى عائشة من تلك الشَّاة التي أرسلها النَّبيُّ ﷺ من الصَّدقة، والجزء الثَّاني: ومن أعطى شاةً، ومطابقته من جهة إرسال النَّبيِّ ﷺ إليها بشاةٍ كاملةٍ، قاله صاحب «عمدة القاري». وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الزَّكاة» [خ¦١٤٩٤] و «الهبة» [خ¦٢٥٧٩]، ومسلمٌ في «الزَّكاة».
(٣٢) (بابُ زَكَاةِ الوَرِقِ) -بفتح الواو وكسر الراء- الفضة.
١٤٤٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَمْرِو ابْنِ يَحْيَى) بفتح العين وسكون الميم (المَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) يحيى بن عُمارة (قَالَ: سَمِعْتُ
أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ) ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ) بفتح المعجمة وسكون الواو آخره مُهمَلةٌ (صَدَقَةٌ مِنَ الإِبِلِ) بيانٌ للذَّود (وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ) بالتَّنوين؛ كـ «جوارٍ» من الوَرِق مضروبًا أو غير مضروبٍ (صَدَقَةٌ) والأوقية: أربعون درهمًا بالاتِّفاق كما مرَّ [خ¦١٤٠٥] والجملة: مئتا درهمٍ، وذلك أربع مئة نصف معاملة مصر الآن، ولا شيء في المغشوش حتَّى يبلغ خالصه نصابًا، والاعتبار بوزن مكَّة تحديدًا حتَّى لو نقص بعض حبَّةٍ أو في بعض الموازين دون بعضٍ لم تجب، والقدر المُخرَج منها الذي هو ربع العشر خمسة دراهم، وهي عشرة أنصافٍ، وهذا موضع التَّرجمة -كما لا يخفى- وأمَّا الذَّهب ففي عشرين مثقالًا منه ربع العشر؛ لحديث أبي داود بإسنادٍ صحيحٍ أو حسنٍ: عن عليٍّ عن النَّبيِّ ﷺ: «ليس في أقلَّ من عشرين دينارًا شيءٌ، وفي عشرين نصفُ دينارٍ» فنصاب الذَّهب أربع مئة قيراطٍ وسبعةٌ وخمسون قيراطًا وسُبْع قيراطٍ، ووزنه ثلاث حبَّاتٍ وثلاثة أرباع خُمْس حبَّةٍ أو ثمن حبَّةٍ وخُمْس ثمن حبَّةٍ، وهي من الشَّعير المتوسِّط الذي لم يُقشَّر، بل قُطِع من طرفي الحبَّة منه ما دقَّ (١) وطال، وإنَّما كان القيراط ما ذُكِر؛ لأنَّه ثلاثة أثمان الدَّانق الذي هو سدس درهمٍ؛ وهو ثمان شعيراتٍ، وخُمْسا شعيرةٍ على الأرجح، اضربهما في ستَّةٍ يحصل خمسون شعيرةً وخُمْسا شعيرة، وذلك هو الدِّرهم الإسلاميُّ الذي هو ستَّة عشر قيراطًا، زِدْ عليه ثلاثة أسباعه من الحبِّ وهي إحدى وعشرون حبَّةً وثلاثة أخماس حبَّةٍ، فيكون الدِّينار الشَّرعيُّ الذي هو مثقالٌ اثنتين وسبعين حبَّةً، ويكون النِّصاب ألفًا وأربع مئة حبَّةٍ وأربعين حبَّةً، وإنَّما
زِيدَ على الدِّرهم ثلاثة أسباعه من الحبِّ؛ لأنَّ المثقال درهمٌ وثلاثة أسباعه، ومنهم من ضبط الدِّرهم والدِّينار بحبِّ الخردل البريِّ، فقال: المثقال ستَّة آلاف حبَّةٍ، والدِّرهم أربعة آلافٍ ومئتان؛ لأنَّ الدِّرهم سبعة أعشار المثقال كما تقرَّر، ونقل بعضهم عن المحقِّقين: أنَّ ضبطه بالخردل المذكور أجود؛ لقلَّة التَّفاوت فيه، وعلى هذا الضَّبط (١)، فالنِّصاب مئة ألف خردلةٍ وعشرون ألف خردلةٍ، والدَّانق سبع مئة خردلةٍ (٢)، والقيراط مئتا خردلةٍ واثنتان وستُّون خردلةً ونصف خردلةٍ، فيكون النِّصاب بالدَّراهم ثمانيةً وعشرين درهمًا وأربعة (٣) أسباع درهمٍ؛ لأنَّ كلَّ عشرة دراهم سبعةُ مثاقيل، وذلك (٤) اثنان وعشرون قيراطًا وستَّة أسباع قيراطٍ، فإذا ضربت ذلك في عشرين (٥) عدد المثاقيل الذي هو (٦) النِّصاب تبلغ ما ذكر أوَّلًا (٧) من القراريط، فإذا أردت معرفة قدر النِّصاب الشَّرعيِّ بدنانير مصر الآن التي (٨) كلُّ واحدٍ منها درهمٌ وثُمُن؛ وهو ثمانية عشر قيراطًا؛ فاضربها في خمسةٍ وعشرين أشرفيًّا تبلغ أربع مئةٍ وخمسين قيراطًا، يفضل ممَّا تقدَّم سبعة قراريط (٩) وسُبع قيراطٍ، انسبهما لثمانية عشر يكونا سبعيها وتسعيها (١٠)، فيكون النِّصاب خمسةً وعشرين أشرفيًّا وسُبعي أشرفيٍّ وتُسعه، وهما من الفضَّة تسعة أنصاف وخمسة أسداس نصف فضَّةٍ ونصف سدسه وثلث سبع نصف سدسٍ، وهذه الكسور بالفلوس أحد عشر درهمًا
وثلث سُبع درهمٍ، وقدر الزَّكاة من كامل (١) النِّصاب خمسة أثمان أشرفيٍّ كاملٍ وخمسة أسباع ثُمُن تُسْعه، وذلك بالفضَّة خمسة عشر نصفًا وخمسة أسداس نصف فضَّةٍ وثلاثة أسباع (٢) نصف سدسه وثلث سبع نصف سدسه (٣)، وذلك عشرة دراهم فلوسًا وثلاثة أسباع درهمٍ وثلث سُبعه، وحينئذٍ فزكاة النِّصاب خمسة أثمان أشرفيٍّ وربع عشره، وهو من الفضَّة ستَّة عشر نصفًا وربع نصف فضَّةٍ، كذا حرَّره الشَّيخ شمس الدِّين محمَّد (٤) ابن شيخنا الحافظ فخر الدِّين الديميُّ، وصوَّبه غير (٥) واحدٍ من الأئمَّة. (ولَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ) ألفٍ وستِّ مئة رطلٍ بالبغداديِّ من الثِّمار والحبوب (صَدَقَةٌ). وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولابن عساكر (٦): «حدَّثنا» (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين، الأنصاريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) أنَّه (سَمِعَ أَبَاهُ) يحيى (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريِّ (﵁) أنَّه قال: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِهَذَا) الحديث، وفائدة إيراده لهذه (٧) الطَّريق التَّصريحُ بسماع عمرو بن يحيى، من أبيه، بخلاف الأولى، فإنَّه بالعنعنة.
(٣٣) (بابُ) جواز أخذ (العَرْضِ) بفتح العين وسكون الرَّاء وبالضَّاد المعجمة، خلاف الدَّنانير
والدَّراهم (فِي الزَّكَاةِ، وَقَالَ طَاوُسٌ) هو ذكوان (١) ممَّا رواه يحيى بن آدم في «كتاب الخراج» (٢): (قَالَ مُعَاذٌ) هو (٣) ابن جبلٍ (﵁ لأَهْلِ اليَمَنِ: ائْتُونِي بِعَرْضٍ) بفتح العين المهملة وسكون الرَّاء، بعدها ضادٌ مُعجَمةٌ (ثِيَابٍ) بالتَّنوين، بدلٌ من «عرضٍ»، أو عطف بيانٍ، وجوَّز بعضهم: إضافة «عرضٍ» للاحقه، كشجرِ أراكٍ، فالإضافة بيانيَّةٌ، و «العرض»: ما عدا النَّقدين (خَمِيصٍ) بفتح الخاء المعجمة وآخره صادٌ مهملةٌ، بيانٌ لسابقه اسم جنس جمع الواحد، أي: خميصةٍ، وذكره على إرادة الثَّوب، وقال الكِرمانيُّ: كساءٌ أسودُ مُربَّعٌ له علمان، والمشهور: خميس، بالسِّين، قال أبو عبيدٍ: هو ما طوله خمسة أذرعٍ (أَوْ لَبِيسٍ) بفتح اللَّام وكسر المُوحَّدة المُخفَّفة، «فعيلٌ» بمعنى: ملبوسٍ (فِي الصَّدَقَةِ مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ) بضمِّ الذَّال المعجمة وتخفيف الرَّاء هو (أَهْوَنُ) أسهل (عَلَيْكُمْ) عبَّر بـ «على» دون اللَّام؛ لإرادة تسلُّط السُّهولة عليهم (وَخَيْرٌ) أي: أرفق (لأَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ بِالمَدِينَةِ) لأنَّ مؤنة النَّقل ثقيلةٌ، فرأى الأخفَّ في ذلك خيرًا من الأثقل، وهذا (٤) موافقٌ لمذهب الحنفيَّة في جواز دفع القيم في الزَّكاة وإن كان المؤلِّف كثير المخالفة لهم، لكن قاده إليه الدَّليل، كما قاله (٥) ابن رُشَيدٍ، وهذا التَّعليق وإن كان صحيحًا إلى طاوسٍ، لكنْ طاوسٌ لم يسمع من معاذٍ، فهو منقطعٌ، نعم (٦)
إيراد المؤلِّف له في معرض الاحتجاج يقتضي قوَّته عنده، وقد حكى البيهقيُّ عن بعضهم أنَّه قال فيه: من «الجزية» بدل «الصَّدقة»، فإن ثبت ذلك فقد سقط الاحتجاج به، لكنَّ المشهورَ الأوَّلُ، أي: رواية «الصَّدقة» (١)، وقد أُجيب بأنَّ معاذًا كان يقبض منهم الزَّكاة بأعيانها غير مُقوَّمةٍ، فإذا قبضها عاوض (٢) عنها حينئذٍ من شاء بما شاء (٣) من العروض، ولعلَّه كان يبيع صدقة زيدٍ من عمرٍو حتَّى يخلص من كراهة بيع الصَّدقة لصاحبها، وقِيلَ: لا حجَّة في هذا على أخذ القيمة في الزَّكاة مطلقًا؛ لأنَّه لحاجةٍ عَلِمَها بالمدينة رأى المصلحة في ذلك، واستدلَّ به على نقل الزَّكاة، وأُجيب بأنَّ الذي صدر من معاذٍ كان على سبيل الاجتهاد فلا حجَّة فيه، وعُورِض بأنَّ معاذًا كان أعلم النَّاس بالحلال والحرام، وقد بيَّن له النَّبيُّ ﷺ لمَّا أرسله إلى اليمن ما كان يصنع.
(وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ) في حديث أبي هريرة الآتي موصولًا -إن شاء الله تعالى- في «باب قول الله تعالى (٤): ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾» [خ¦١٤٦٨] (وَأَمَّا خَالِدٌ) هو ابن الوليد (احْتَبَسَ) أي: وقف، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «فقد احتبس» (أَدْرَاعَهُ) (٥) جمع درعٍ، وهي الزَّرديَّة (وَأَعْتُدَهُ) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة، جمع عَتَدٍ بفتحتين، ولأبي ذرٍّ: «وأعتِده» بكسر التَّاء، ولمسلمٍ: «أعتاده»
جمع عَتادٍ، بفتح (١) العين، لكن نقل ابن الأثير عن الدَّارقطنيِّ: أنَّ أحمد صوَّب الأولى (٢)، وأنَّ عليَّ ابن حفصٍ أخطأ في قوله: «أعتاده»، وصحَّف، وقال بعضهم: إنَّ أحمد إنَّما حكى عن عليِّ بن حفصٍ: «وأعتده» بالمُثنَّاة، وأنَّ الصَّواب: «وأعبده» بالمُوحَّدة، لكن لا وهم مع صحَّة الرِّواية، والذي يظهر أنَّ الصَّحيح رواية: «أعتده» بالمُثنَّاة الفوقيَّة، وهو المُعَدُّ من السِّلاح والدَّوابِّ للحرب (فِي سَبِيلِ اللهِ) قال النَّوويُّ: إنَّهم طلبوا من خالدٍ زكاة أعتاده؛ ظنًّا أنَّها للتِّجارة، فقال لهم: لا زكاة عليَّ، فقالوا للنَّبيِّ ﷺ: إنَّ خالدًا منع، فقال: «إنَّكم تظلمونه» لأنَّه (٣) حبسها ووقفها في سبيل الله قبل الحول، فلا زكاة فيها، وفيه دليلٌ على وقف المنقول؛ خلافًا لبعض الكوفيِّين. انتهى. وقال البدر الدَّمامينيُّ: ولا أدري كيف ينتهض (٤) حديثُ وقفِ خالدٍ لأدراعه (٥) وأعتدهِ دليلًا للبخاريِّ على أخذ العرض في الزَّكاة، ووجَّهه غيره من حيث إنَّ أدراعه وأعتده من العرض ولولا أنَّه وقفهما لأعطاهما (٦) في الزَّكاة، أو لمَا صَحَّ منه صرفهما في سبيل الله، فدخلا في أحد مصارف (٧) الزَّكاة الثَّمانية، فلم يبق عليه شيءٌ، واستشكله ابن دقيق العيد بأنَّه إذا حَبَس تعيَّن مصرفه من حيث التَّحبيس، فلا يكون مصرفًا من حيث الزَّكاة، ثمَّ تخلَّص من (٨) ذلك باحتمال أن يكون المراد بالتَّحبيس: الإرصاد لذلك، لا الوقف، فيزول الإشكال.
(وَقَالَ (٩) النَّبِيُّ ﷺ) ممَّا وصله المؤلِّف في «العيدين» [خ¦٩٧٩] من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (بَعَثَ إِلَى نُسَيْبَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ) هِيَ أُمُّ عَطِيَّةَ، كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَكَانَ السِّيَاقُ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ: بَعَثَ إِلَيَّ بِلَفْظِ ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ الْمَجْرُورِ كَمَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ، لَكِنَّهُ فِي هَذَا السِّيَاقِ وَضَعَ الظَّاهِرَ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ، إِمَّا تَجْرِيدًا، وَإِمَّا الْتِفَاتًا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ إِذَا حُوِّلَتِ الصَّدَقَةُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الزَّكَاةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٣٢ - بَاب زَكَاةِ الْوَرِقِ
١٤٤٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو سَمِعَ أَبَاهُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِهَذَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ زَكَاةِ الْوَرِقِ) أَيْ: الْفِضَّةِ، يُقَالُ: وَرِقَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَبِكَسْرِهَا وَبِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِهَا، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: لَمَّا كَانَتِ الْفِضَّةُ هِيَ الْمَالُ الَّذِي يَكْثُرُ دَوَرَانُهُ فِي أَيْدِي النَّاسِ وَيَرُوجُ بِكُلِّ مَكَانٍ كَانَ أَوْلَى بِأَنْ يُقَدَّمَ عَلَى ذِكْرِ تَفَاصِيلِ الْأَمْوَالِ الزَّكَوِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ) فِي مُوَطَّأِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ يَحْيَى حَدَّثَهُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) فِي مُسْنَدِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ: سَأَلْتُ عَمْرَو بْنَ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْمَازِنِيَّ فَحَدَّثَنِي عَنْ أَبِيهِ، وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَهُوَ الْأَنْصَارِيُّ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ عَقِبَ هَذَا الْإِسْنَادِ التَّصْرِيحُ بِسَمَاعِ عَمْرٍو، وَهُوَ ابْنُ يَحْيَى الْمَذْكُورُ لَهُ مِنْ أَبِيهِ، وَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِيرَادِهِ لِلْإِسْنَادِ خَاصَّةً، وَقَدْ حَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ حَدِيثَ الْبَابِ لَمْ يَأْتِ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: وَهَذَا هُوَ الْأَغْلَبُ، إِلَّا أَنَّنِي وَجَدْتُهُ مِنْ رِوَايَةِ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ. انْتَهَى. وَرِوَايَةُ سُهَيْلٍ فِي الْأَمْوَالِ لِأَبِي عُبَيْدٍ، وَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ (١) فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ، وَجَاءَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَعَائِشَةَ، وَأَبِي رَافِعٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، أَخْرَجَ أَحَادِيثَ الْأَرْبَعَةِ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو عُبَيْدٍ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (خَمْسِ ذَوْدٍ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ.
قَوْلُهُ: (خَمْسِ أَوَاقٍ) زَادَ مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ، وَهُوَ مُطَابِقٌ لِلَفْظِ التَّرْجَمَةِ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ بِالتَّرْجَمَةِ مَا أُبْهِمَ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ اعْتِمَادًا عَلَى الطَّرِيقِ الْأُخْرَى، وَأَوَاقٍ بِالتَّنْوِينِ وَبِإِثْبَاتِ التَّحْتَانِيَّةِ مُشَدَّدًا وَمُخَفَّفًا جَمْعُ أُوقِيَّةٍ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَحَكَى اللِّحْيَانِيُّ: وَقِيَّةً بِحَذْفِ الْأَلِفِ وَفَتْحِ الْوَاوِ، وَمِقْدَارُ الْأُوقِيَّةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا بِالِاتِّفَاقِ، وَالْمُرَادُ بِالدِّرْهَمِ الْخَالِصُ مِنَ الْفِضَّةِ سَوَاءٌ كَانَ مَضْرُوبًا أَوْ غَيْرَ مَضْرُوبٍ، قَالَ عِيَاضٌ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: إِنَّ الدِّرْهَمَ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومَ الْقَدْرِ حَتَّى جَاءَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ
مَرْوَانَ، فَجَمَعَ الْعُلَمَاءَ فَجَعَلُوا كُلَّ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ سَبْعَةَ مَثَاقِيلَ، قَالَ: وَهَذَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ ﷺ أَحَالَ بِنِصَابِ الزَّكَاةِ عَلَى أَمْرٍ مَجْهُولٍ وَهُوَ مُشْكِلٌ، وَالصَّوَابُ أَنَّ مَعْنَى مَا نُقِلَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْهَا مِنْ ضَرْبِ الْإِسْلَامِ، وَكَانَتْ مُخْتَلِفَةً فِي الْوَزْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَدَدِ، فَعَشَرَةٌ مَثَلًا وَزْنُ عَشَرَةٍ، وَعَشَرَةٌ وَزْنُ ثَمَانِيَةٍ، فَاتَّفَقَ الرَّأْيُ عَلَى أَنْ تُنْقَشَ بِكِتَابَةٍ عَرَبِيَّةٍ وَيَصِيرُ وَزْنُهَا وَزْنًا وَاحِدًا.
وَقَالَ غَيْرُهُ: لَمْ يَتَغَيَّرِ الْمِثْقَالُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ، وَأَمَّا الدِّرْهَمُ فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ كُلَّ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي أَنَّ نِصَابَ الزَّكَاةِ مِائَتَا دِرْهَمٍ يَبْلُغُ مِائَةً وَأَرْبَعِينَ مِثْقَالًا مِنَ الْفِضَّةِ الْخَالِصَةِ إِلَّا ابْنَ حَبِيبٍ الْأَنْدَلُسِيَّ، فَإِنَّهُ انْفَرَدَ بِقَوْلِهِ: إِنَّ كُلَّ أَهْلِ بَلَدٍ يَتَعَامَلُونَ بِدَرَاهِمِهِمْ. وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ اخْتِلَافًا فِي الْوَزْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى دَرَاهِمِ الْأَنْدَلُسِ وَغَيْرِهَا مِنْ دَرَاهِمِ الْبِلَادِ، وَكَذَا خَرَقَ الْمَرِّيسِيُّ الْإِجْمَاعَ فَاعْتَبَرَ النِّصَابَ بِالْعَدَدِ لَا الْوَزْنِ، وَانْفَرَدَ السَّرْخَسِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ بِحِكَايَةِ وَجْهٍ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الدَّرَاهِمَ الْمَغْشُوشَةَ إِذَا بَلَغَتْ قَدْرًا لَوْ ضُمَّ إِلَيْهِ قِيمَةُ الْغِشِّ مِنْ نُحَاسٍ مَثَلًا لَبَلَغَ نِصَابًا، فَإِنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِيهِ كَمَا نُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ فِيمَا إِذَا نَقَصَ مِنَ النِّصَابِ وَلَوْ حَبَّةٌ وَاحِدَةٌ، خِلَافًا لِمَنْ سَامَحَ بِنَقْصٍ يَسِيرٍ كَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (أَوْسُقٍ) جَمْعُ وَسْقٍ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا كَمَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ وَجَمْعُهُ حِينَئِذٍ أَوْسَاقٌ كَحِمْلٍ وَأَحْمَالٍ، وَقَدْ وَقَعَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ، وَهُوَ سِتُّونَ صَاعًا بِالِاتِّفَاقِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ نَحْوُ هَذَا الْحَدِيثِ وَفِيهِ: وَالْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا، وَأَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا لَكِنْ قَالَ: سِتُّونَ مَخْتُومًا (١) وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَيْضًا وَالْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا، وَلَمْ يَقَعْ فِي الْحَدِيثِ بَيَانُ الْمَكِيلِ بِالْأَوْسُقِ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوْسُقٍ مِنْ تَمْرٍ وَلَا حَبٍّ صَدَقَةٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: لَيْسَ فِي حَبٍّ وَلَا تَمْرٍ صَدَقَةٌ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَلَفَظُ دُونَ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ بِمَعْنَى أَقَلَّ، لَا أَنَّهُ نَفَى عَنْ غَيْرِ الْخَمْسِ الصَّدَقَةَ كَمَا زَعَمَ بَعْضُ مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ، وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الزُّرُوعَ لَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ تَجِبُ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ: فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْحَدِيثُ لِلْقَدْرِ الزَّائِدِ عَلَى الْمَحْدُودِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا فِي الْأَوْسَاقِ عَلَى أَنَّهُ لَا وَقَصَ فِيهَا، وَأَمَّا الْفِضَّةُ فَقَالَ الْجُمْهُورُ هُوَ كَذَلِكَ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا شَيْءَ فِيمَا زَادَ عَلَى مِائَتَيْ دِرْهَمٍ حَتَّى يَبْلُغَ النِّصَابَ، وَهُوَ أَرْبَعُونَ فَجَعَلَ لَهَا وَقَصًا كَالْمَاشِيَةِ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ الطَّبَرَانِيُّ بِالْقِيَاسِ عَلَى الثِّمَارِ وَالْحُبُوبِ، وَالْجَامِعُ كَوْنُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مُسْتَخْرَجَيْنِ مِنَ الْأَرْضِ بِكُلْفَةٍ وَمُؤْنَةٍ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَمَا زَادَ.
(فَائِدَةٌ): أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى اشْتِرَاطِ الْحَوْلِ فِي الْمَاشِيَةِ وَالنَّقْدِ دُونَ الْمُعَشَّرَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣٣ - بَاب الْعَرْضِ فِي الزَّكَاةِ
وَقَالَ طَاوُسٌ قَالَ مُعَاذٌ ﵁ لِأَهْلِ الْيَمَنِ: ائْتُونِي بِعَرْضٍ ثِيَابٍ خَمِيصٍ أَوْ لَبِيسٍ فِي الصَّدَقَةِ مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ، أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ، وَخَيْرٌ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَأَمَّا خَالِدٌ فَقَدْ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وللمُستملي (١) والحَمُّويي: «من ذلك الشَّاة» (فَقَالَ) ﵊: (هَاتِ) بكسر التَّاء، حُذِفت الياء منه تخفيفًا (فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا) بكسر الحاء، أي: وصلت إلى الموضع الذي تحلُّ (٢) فيه بصيرورتها ملكًا للمتصدِّق بها عليهم، فصحَّت منها هديَّتها، وإنَّما قال ذلك؛ لأنَّه كان يحرم عليه أكل الصَّدقة.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة من جهة أنَّ لها جزأين: أحدهما: مقدار كم يعطي، ويطابقه (٣) إرسال نسيبة إلى عائشة من تلك الشَّاة التي أرسلها النَّبيُّ ﷺ من الصَّدقة، والجزء الثَّاني: ومن أعطى شاةً، ومطابقته من جهة إرسال النَّبيِّ ﷺ إليها بشاةٍ كاملةٍ، قاله صاحب «عمدة القاري». وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الزَّكاة» [خ¦١٤٩٤] و «الهبة» [خ¦٢٥٧٩]، ومسلمٌ في «الزَّكاة».
(٣٢) (بابُ زَكَاةِ الوَرِقِ) -بفتح الواو وكسر الراء- الفضة.
١٤٤٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَمْرِو ابْنِ يَحْيَى) بفتح العين وسكون الميم (المَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) يحيى بن عُمارة (قَالَ: سَمِعْتُ
أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ) ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ) بفتح المعجمة وسكون الواو آخره مُهمَلةٌ (صَدَقَةٌ مِنَ الإِبِلِ) بيانٌ للذَّود (وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ) بالتَّنوين؛ كـ «جوارٍ» من الوَرِق مضروبًا أو غير مضروبٍ (صَدَقَةٌ) والأوقية: أربعون درهمًا بالاتِّفاق كما مرَّ [خ¦١٤٠٥] والجملة: مئتا درهمٍ، وذلك أربع مئة نصف معاملة مصر الآن، ولا شيء في المغشوش حتَّى يبلغ خالصه نصابًا، والاعتبار بوزن مكَّة تحديدًا حتَّى لو نقص بعض حبَّةٍ أو في بعض الموازين دون بعضٍ لم تجب، والقدر المُخرَج منها الذي هو ربع العشر خمسة دراهم، وهي عشرة أنصافٍ، وهذا موضع التَّرجمة -كما لا يخفى- وأمَّا الذَّهب ففي عشرين مثقالًا منه ربع العشر؛ لحديث أبي داود بإسنادٍ صحيحٍ أو حسنٍ: عن عليٍّ عن النَّبيِّ ﷺ: «ليس في أقلَّ من عشرين دينارًا شيءٌ، وفي عشرين نصفُ دينارٍ» فنصاب الذَّهب أربع مئة قيراطٍ وسبعةٌ وخمسون قيراطًا وسُبْع قيراطٍ، ووزنه ثلاث حبَّاتٍ وثلاثة أرباع خُمْس حبَّةٍ أو ثمن حبَّةٍ وخُمْس ثمن حبَّةٍ، وهي من الشَّعير المتوسِّط الذي لم يُقشَّر، بل قُطِع من طرفي الحبَّة منه ما دقَّ (١) وطال، وإنَّما كان القيراط ما ذُكِر؛ لأنَّه ثلاثة أثمان الدَّانق الذي هو سدس درهمٍ؛ وهو ثمان شعيراتٍ، وخُمْسا شعيرةٍ على الأرجح، اضربهما في ستَّةٍ يحصل خمسون شعيرةً وخُمْسا شعيرة، وذلك هو الدِّرهم الإسلاميُّ الذي هو ستَّة عشر قيراطًا، زِدْ عليه ثلاثة أسباعه من الحبِّ وهي إحدى وعشرون حبَّةً وثلاثة أخماس حبَّةٍ، فيكون الدِّينار الشَّرعيُّ الذي هو مثقالٌ اثنتين وسبعين حبَّةً، ويكون النِّصاب ألفًا وأربع مئة حبَّةٍ وأربعين حبَّةً، وإنَّما
زِيدَ على الدِّرهم ثلاثة أسباعه من الحبِّ؛ لأنَّ المثقال درهمٌ وثلاثة أسباعه، ومنهم من ضبط الدِّرهم والدِّينار بحبِّ الخردل البريِّ، فقال: المثقال ستَّة آلاف حبَّةٍ، والدِّرهم أربعة آلافٍ ومئتان؛ لأنَّ الدِّرهم سبعة أعشار المثقال كما تقرَّر، ونقل بعضهم عن المحقِّقين: أنَّ ضبطه بالخردل المذكور أجود؛ لقلَّة التَّفاوت فيه، وعلى هذا الضَّبط (١)، فالنِّصاب مئة ألف خردلةٍ وعشرون ألف خردلةٍ، والدَّانق سبع مئة خردلةٍ (٢)، والقيراط مئتا خردلةٍ واثنتان وستُّون خردلةً ونصف خردلةٍ، فيكون النِّصاب بالدَّراهم ثمانيةً وعشرين درهمًا وأربعة (٣) أسباع درهمٍ؛ لأنَّ كلَّ عشرة دراهم سبعةُ مثاقيل، وذلك (٤) اثنان وعشرون قيراطًا وستَّة أسباع قيراطٍ، فإذا ضربت ذلك في عشرين (٥) عدد المثاقيل الذي هو (٦) النِّصاب تبلغ ما ذكر أوَّلًا (٧) من القراريط، فإذا أردت معرفة قدر النِّصاب الشَّرعيِّ بدنانير مصر الآن التي (٨) كلُّ واحدٍ منها درهمٌ وثُمُن؛ وهو ثمانية عشر قيراطًا؛ فاضربها في خمسةٍ وعشرين أشرفيًّا تبلغ أربع مئةٍ وخمسين قيراطًا، يفضل ممَّا تقدَّم سبعة قراريط (٩) وسُبع قيراطٍ، انسبهما لثمانية عشر يكونا سبعيها وتسعيها (١٠)، فيكون النِّصاب خمسةً وعشرين أشرفيًّا وسُبعي أشرفيٍّ وتُسعه، وهما من الفضَّة تسعة أنصاف وخمسة أسداس نصف فضَّةٍ ونصف سدسه وثلث سبع نصف سدسٍ، وهذه الكسور بالفلوس أحد عشر درهمًا
وثلث سُبع درهمٍ، وقدر الزَّكاة من كامل (١) النِّصاب خمسة أثمان أشرفيٍّ كاملٍ وخمسة أسباع ثُمُن تُسْعه، وذلك بالفضَّة خمسة عشر نصفًا وخمسة أسداس نصف فضَّةٍ وثلاثة أسباع (٢) نصف سدسه وثلث سبع نصف سدسه (٣)، وذلك عشرة دراهم فلوسًا وثلاثة أسباع درهمٍ وثلث سُبعه، وحينئذٍ فزكاة النِّصاب خمسة أثمان أشرفيٍّ وربع عشره، وهو من الفضَّة ستَّة عشر نصفًا وربع نصف فضَّةٍ، كذا حرَّره الشَّيخ شمس الدِّين محمَّد (٤) ابن شيخنا الحافظ فخر الدِّين الديميُّ، وصوَّبه غير (٥) واحدٍ من الأئمَّة. (ولَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ) ألفٍ وستِّ مئة رطلٍ بالبغداديِّ من الثِّمار والحبوب (صَدَقَةٌ). وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولابن عساكر (٦): «حدَّثنا» (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين، الأنصاريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) أنَّه (سَمِعَ أَبَاهُ) يحيى (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريِّ (﵁) أنَّه قال: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِهَذَا) الحديث، وفائدة إيراده لهذه (٧) الطَّريق التَّصريحُ بسماع عمرو بن يحيى، من أبيه، بخلاف الأولى، فإنَّه بالعنعنة.
(٣٣) (بابُ) جواز أخذ (العَرْضِ) بفتح العين وسكون الرَّاء وبالضَّاد المعجمة، خلاف الدَّنانير
والدَّراهم (فِي الزَّكَاةِ، وَقَالَ طَاوُسٌ) هو ذكوان (١) ممَّا رواه يحيى بن آدم في «كتاب الخراج» (٢): (قَالَ مُعَاذٌ) هو (٣) ابن جبلٍ (﵁ لأَهْلِ اليَمَنِ: ائْتُونِي بِعَرْضٍ) بفتح العين المهملة وسكون الرَّاء، بعدها ضادٌ مُعجَمةٌ (ثِيَابٍ) بالتَّنوين، بدلٌ من «عرضٍ»، أو عطف بيانٍ، وجوَّز بعضهم: إضافة «عرضٍ» للاحقه، كشجرِ أراكٍ، فالإضافة بيانيَّةٌ، و «العرض»: ما عدا النَّقدين (خَمِيصٍ) بفتح الخاء المعجمة وآخره صادٌ مهملةٌ، بيانٌ لسابقه اسم جنس جمع الواحد، أي: خميصةٍ، وذكره على إرادة الثَّوب، وقال الكِرمانيُّ: كساءٌ أسودُ مُربَّعٌ له علمان، والمشهور: خميس، بالسِّين، قال أبو عبيدٍ: هو ما طوله خمسة أذرعٍ (أَوْ لَبِيسٍ) بفتح اللَّام وكسر المُوحَّدة المُخفَّفة، «فعيلٌ» بمعنى: ملبوسٍ (فِي الصَّدَقَةِ مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ) بضمِّ الذَّال المعجمة وتخفيف الرَّاء هو (أَهْوَنُ) أسهل (عَلَيْكُمْ) عبَّر بـ «على» دون اللَّام؛ لإرادة تسلُّط السُّهولة عليهم (وَخَيْرٌ) أي: أرفق (لأَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ بِالمَدِينَةِ) لأنَّ مؤنة النَّقل ثقيلةٌ، فرأى الأخفَّ في ذلك خيرًا من الأثقل، وهذا (٤) موافقٌ لمذهب الحنفيَّة في جواز دفع القيم في الزَّكاة وإن كان المؤلِّف كثير المخالفة لهم، لكن قاده إليه الدَّليل، كما قاله (٥) ابن رُشَيدٍ، وهذا التَّعليق وإن كان صحيحًا إلى طاوسٍ، لكنْ طاوسٌ لم يسمع من معاذٍ، فهو منقطعٌ، نعم (٦)
إيراد المؤلِّف له في معرض الاحتجاج يقتضي قوَّته عنده، وقد حكى البيهقيُّ عن بعضهم أنَّه قال فيه: من «الجزية» بدل «الصَّدقة»، فإن ثبت ذلك فقد سقط الاحتجاج به، لكنَّ المشهورَ الأوَّلُ، أي: رواية «الصَّدقة» (١)، وقد أُجيب بأنَّ معاذًا كان يقبض منهم الزَّكاة بأعيانها غير مُقوَّمةٍ، فإذا قبضها عاوض (٢) عنها حينئذٍ من شاء بما شاء (٣) من العروض، ولعلَّه كان يبيع صدقة زيدٍ من عمرٍو حتَّى يخلص من كراهة بيع الصَّدقة لصاحبها، وقِيلَ: لا حجَّة في هذا على أخذ القيمة في الزَّكاة مطلقًا؛ لأنَّه لحاجةٍ عَلِمَها بالمدينة رأى المصلحة في ذلك، واستدلَّ به على نقل الزَّكاة، وأُجيب بأنَّ الذي صدر من معاذٍ كان على سبيل الاجتهاد فلا حجَّة فيه، وعُورِض بأنَّ معاذًا كان أعلم النَّاس بالحلال والحرام، وقد بيَّن له النَّبيُّ ﷺ لمَّا أرسله إلى اليمن ما كان يصنع.
(وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ) في حديث أبي هريرة الآتي موصولًا -إن شاء الله تعالى- في «باب قول الله تعالى (٤): ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾» [خ¦١٤٦٨] (وَأَمَّا خَالِدٌ) هو ابن الوليد (احْتَبَسَ) أي: وقف، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «فقد احتبس» (أَدْرَاعَهُ) (٥) جمع درعٍ، وهي الزَّرديَّة (وَأَعْتُدَهُ) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة، جمع عَتَدٍ بفتحتين، ولأبي ذرٍّ: «وأعتِده» بكسر التَّاء، ولمسلمٍ: «أعتاده»
جمع عَتادٍ، بفتح (١) العين، لكن نقل ابن الأثير عن الدَّارقطنيِّ: أنَّ أحمد صوَّب الأولى (٢)، وأنَّ عليَّ ابن حفصٍ أخطأ في قوله: «أعتاده»، وصحَّف، وقال بعضهم: إنَّ أحمد إنَّما حكى عن عليِّ بن حفصٍ: «وأعتده» بالمُثنَّاة، وأنَّ الصَّواب: «وأعبده» بالمُوحَّدة، لكن لا وهم مع صحَّة الرِّواية، والذي يظهر أنَّ الصَّحيح رواية: «أعتده» بالمُثنَّاة الفوقيَّة، وهو المُعَدُّ من السِّلاح والدَّوابِّ للحرب (فِي سَبِيلِ اللهِ) قال النَّوويُّ: إنَّهم طلبوا من خالدٍ زكاة أعتاده؛ ظنًّا أنَّها للتِّجارة، فقال لهم: لا زكاة عليَّ، فقالوا للنَّبيِّ ﷺ: إنَّ خالدًا منع، فقال: «إنَّكم تظلمونه» لأنَّه (٣) حبسها ووقفها في سبيل الله قبل الحول، فلا زكاة فيها، وفيه دليلٌ على وقف المنقول؛ خلافًا لبعض الكوفيِّين. انتهى. وقال البدر الدَّمامينيُّ: ولا أدري كيف ينتهض (٤) حديثُ وقفِ خالدٍ لأدراعه (٥) وأعتدهِ دليلًا للبخاريِّ على أخذ العرض في الزَّكاة، ووجَّهه غيره من حيث إنَّ أدراعه وأعتده من العرض ولولا أنَّه وقفهما لأعطاهما (٦) في الزَّكاة، أو لمَا صَحَّ منه صرفهما في سبيل الله، فدخلا في أحد مصارف (٧) الزَّكاة الثَّمانية، فلم يبق عليه شيءٌ، واستشكله ابن دقيق العيد بأنَّه إذا حَبَس تعيَّن مصرفه من حيث التَّحبيس، فلا يكون مصرفًا من حيث الزَّكاة، ثمَّ تخلَّص من (٨) ذلك باحتمال أن يكون المراد بالتَّحبيس: الإرصاد لذلك، لا الوقف، فيزول الإشكال.
(وَقَالَ (٩) النَّبِيُّ ﷺ) ممَّا وصله المؤلِّف في «العيدين» [خ¦٩٧٩] من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما: