الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٤٥٦
الحديث رقم ١٤٥٦ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب أخذ العناق في الصدقة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
⦗١١٩⦘
قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: «وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا.
١٤٥٧ - قَالَ عُمَرُ ﵁: فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ أَنَّ اللهَ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ بِالْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ.»
بَابٌ: لَا تُؤْخَذُ كَرَائِمُ أَمْوَالِ النَّاسِ فِي الصَّدَقَةِ
١٤٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بالتَّيس، واستدلَّ به للمالكيَّة (١) في تكليف المالك سليمًا وهو مذهب المُدوَّنة، وعن ابن عبد الحكم لا (٢) يُؤخَذ من المعيبة إلَّا أن يرى السَّاعي أخذ المعيبة لا الصَّغيرة.
(٤٠) (بابُ أَخْذِ العَنَاقِ فِي الصَّدَقَةِ) بفتح العين: الأنثى من ولد المعز إذا أتى (٣) عليها حولٌ ودخلت في الثَّاني، والجمع أَعْنُقٌ وعُنُوقٌ.
١٤٥٦ - ١٤٥٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، ح) للتَّحويل (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ ممَّا وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات» عن أبي صالحٍ عن اللَّيث قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ) الفهميُّ، أمير مصر (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بتصغير الأوَّل (ابْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (﵁) في حديث قصَّته مع عمر بن الخطَّاب في قتال مانعي الزَّكاة السَّابق في أوَّل «الزَّكاة» [خ¦١٤٠٠]: (وَاللهِ، لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا) فيه دلالةٌ على أنَّ العناق مأخوذةٌ في الصَّدقة، وهو (٤) مذهب البخاريِّ كالشَّافعيِّ وأبي يوسف، وهو موضع التَّرجمة.
(قَالَ عُمَرُ ﵁: فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ أَنَّ اللهَ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ بِالقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الحَقُّ) أي: بما ظهر له من الدَّليل، والمستثنى منه غير مذكورٍ (١)، أي: ليس الأمر شيئًا من الأشياء إلَّا علمي أنَّ أبا بكرٍ مُحِقٌّ، وصورة إخراج الصَّغير أن يمضي على أربعين مَلَكَها من صغار المعز حولٌ أو تنتج ماشيته، ثمَّ تموت، فإنَّ حول نتاجها يُبْنى على حولها، وكذا صغار الغنم، وقال مالكٌ في «المدوَّنة»: وإذا (٢) كانت الغنم سِخالًا أو البقر عجاجيل أو الإبل فصلانًا كلُّها، كُلِّف ربُّها أن يشتري ما يجزئ منها، ففي الغنم جذعةٌ أو ثنيَّةٌ، وفي الإبل والبقر ما في الكبار منها، وبه قال زفر، وقال أبو حنيفة ومحمد: لا شيء في الفصلان والعجاجيل ولا في صغار الغنم لا منها ولا من غيرها، لقول عمر: اُعدد السَّخْلة عليهم ولا تأخذها، وإنَّما خرج قول الصِّدِّيق على المبالغة، بدليل الرِّواية الأخرى: «لو (٣) منعوني عِقَالًا» [خ¦٧٢٨٤] والعِقَال لا زكاة فيه، فالعِقَال تنبيهًا بالأدنى على الأعلى، وربَّما قدَّر المستحيل، لأجل الملازمة نحو: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وكأنَّ الصِّدِّيق قال: من منع حقًّا ولو عقالًا أو عناقًا، يعني: قليلًا أو كثيرًا، فقتالنا له متعيِّنٌ، وهؤلاء منعوا، فقتالهم متعيِّنٌ.
(٤١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا تُؤْخَذُ كَرَائِمُ أَمْوَالِ النَّاسِ فِي الصَّدَقَةِ) أي: نفائس أموالهم من أيِّ صنفٍ كان.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أَخذ التبيع من ثَلَاثِينَ من الْبَقر، وَالْآخر: أَخذ ابْن اللَّبُون من خمس وَعشْرين من الْإِبِل، بدل بنت الْمَخَاض عِنْد عدمهَا. وَأما إِذا كَانَت مَاشِيَة كلهَا ذُكُورا فَيُؤْخَذ الذّكر، وَقيل: إِنَّمَا لَا يُؤْخَذ التيس لِأَنَّهُ مَرْغُوب عَنهُ لنتنه وَفَسَاد لَحْمه، أَو لِأَنَّهُ رُبمَا يقْصد بِهِ الْمَالِك مِنْهُ الفحولة فيتضرر بِإِخْرَاجِهِ. قَوْله: (إِلَّا مَا شَاءَ الْمُصدق) روى أَبُو عبيد، بِفَتْح الدَّال، وَجُمْهُور الْمُحدثين بِكَسْرِهَا، فعلى الأولى يُرَاد بِهِ الْمُعْطِي وَيكون الِاسْتِثْنَاء مُخْتَصًّا بقوله: (وَلَا تَيْس) لِأَن رب المَال لَيْسَ لَهُ أَن يخرج فِي صدقته ذَات عوار، والتيس وَإِن كَانَ غير مَرْغُوب فِيهِ لنتنه فَإِنَّهُ رُبمَا زَاد على خِيَار الْغنم فِي الْقيمَة لطلب الفحولة، وعَلى الثَّانِي مَعْنَاهُ إلَاّ مَا شَاءَ الْمُصدق مِنْهَا، وَرَأى ذَلِك أَنْفَع للمستحقين فَإِنَّهُ وكيلهم فَلهُ أَن يَأْخُذ مَا شَاءَ، وَيحْتَمل تَخْصِيص ذَلِك إِذا كَانَت الْمَوَاشِي كلهَا مَعِيبَة. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: هَذَا إِذا كَانَ الِاسْتِثْنَاء مُتَّصِلا، وَيحْتَمل أَن يكون مُنْقَطِعًا، وَالْمعْنَى: لَا يخرج الْمُزَكي النَّاقِص والمعيب لَكِن يخرج مَا شَاءَ الْمُصدق من السَّلِيم أَو الْكَامِل. وَفِي (التَّلْوِيح) : قَالَ بَعضهم: الْمُصدق، بتَشْديد الصَّاد وَالدَّال، وَقَالَ أَصله: الْمُتَصَدّق، فأدغمت التَّاء فِي الصَّاد لقرب مخرجهما. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، بل أبدلت التَّاء صادا ثمَّ أدغمت الصَّاد فِي الصَّاد على مَا تَقْتَضِيه الْقَوَاعِد الصرفية.
٥٥٤١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثني أبِي قَالَ حدَّثني ثُمَامَةُ أنَّ أنسا رَضِي الله تَعَالَى عنهُ حدَّثَهُ أنَّ أبَا بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ كتَبَ لهُ الَّتِي أمَرَ الله رَسولَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ وَلَا تَيْسٌ إلَاّ مَا شاءَ المُصَدِّقُ..
قد ذكرنَا أَن البُخَارِيّ قطع هَذَا الحَدِيث قطعا، فترجم لكل قِطْعَة مِنْهَا تَرْجَمَة، وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه قد ذكر غير مرّة، وَنَفس لفظ الحَدِيث هُوَ عين التَّرْجَمَة فَلَا مُطَابقَة بَينهمَا أقوى وأنسب من ذَلِك، وَقد فسرنا أَلْفَاظه. وَأما الحكم فِيهِ فعامة الْفُقَهَاء على الْعَمَل بِهِ، فالمأخوذ فِي الصَّدقَات الْعدْل، وَهُوَ مَا بَين خِيَار المَال ودونه، فَإِن كَانَ المَال كُله معيبا يُؤْخَذ الْوسط مِنْهُ، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي أَيْضا. وَعند مَالك: يُكَلف بسليم من الْعَيْب، وَهُوَ مَشْهُور مذهبع، وَيُؤْخَذ فِي الصَّغِيرَة الَّتِي تبلغ سنّ الْجذع، وَعند أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: إِذا كَانَت كلهَا صغَارًا أَو مراضا أَخذ مِنْهَا، ونحا إِلَيْهِ مُحَمَّد بن الحكم والمخزومي والماجشون وَمُحَمّد وَأَبُو يُوسُف، وَقَالَ مطرف: إِن كَانَت عِجَافًا أَو ذَوَات عوار أَو تيوسا أخذنها، وَإِن كَانَت مواحض أَو أكولة أَو سخالاً لم تُؤْخَذ مِنْهَا. وَقَالَ عبد الْملك: يَأْخُذ من ذَلِك كُله إِذا لم تكن فِيهَا جَذَعَة أَو ثنية إلَاّ أَن تكون سخالاً فَلَا يُؤْخَذ مِنْهَا. وَقَالَ مُحَمَّد بن الْحسن: إِن السخال والعجاجيل لَا شَيْء فِيهَا.
وَتَحْقِيق مَذْهَب الْحَنَفِيَّة فِي هَذَا الْبَاب مَا قَالَه صَاحب (الْهِدَايَة) : وَلَيْسَ فِي الفصلان والعجاجيل والحملان صَدَقَة، وَهَذَا آخر أَقْوَال أبي حنيفَة، وَبِه قَالَ مُحَمَّد بن الْحسن وَالثَّوْري وَالشعْبِيّ وَدَاوُد أَبُو سُلَيْمَان، وَكَانَ يَقُول أَولا: يجب فِيهَا مَا يجب فِي الْكِبَار من الْجذع والتثنية، وَبِه قَالَ زفر وَمَالك وَأَبُو عبيد وَأَبُو بكر من الْحَنَابِلَة، وَفِي (الْمُغنِي) : فِي (الصَّحِيح) : ثمَّ رَجَعَ، وَقَالَ: تجب وَاحِدَة مِنْهَا، وَبِه قَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب وَالشَّافِعِيّ فِي (الْجَدِيد) وصححوه، ثمَّ رَجَعَ إِلَى مَا ذَكرْنَاهُ آنِفا. وروى عَن الثَّوْريّ: أَن الْمُصدق يَأْخُذ مُسِنَّة وَيرد على صَاحب المَال فضل مَا بَين المسنة وَالصَّغِيرَة الَّتِي هِيَ فِي مَاشِيَته، وَهُوَ وَجه للحنابلة، وَهنا قَول آخر ضَعِيف جدا لم ينْقل عَن غير الْحَنَابِلَة: أَنه يجب فِي خمس وَعشْرين من الفصلان وَاحِدَة مِنْهَا، وَفِي سِتّ وَثَلَاثِينَ مِنْهَا كسن وَاحِدَة مِنْهَا مرَّتَيْنِ، وَفِي سِتّ وَأَرْبَعين وَاحِدَة سنّهَا مثل سنّ وَاحِدَة مِنْهَا كسن وَاحِدَة مِنْهَا مرَّتَيْنِ، وَفِي سِتّ وَأَرْبَعين وَاحِدَة سنّهَا مثل سنّ وَاحِدَة مِنْهَا ثَلَاث مَرَّات، وَفِي إِحْدَى وَسِتِّينَ وَاحِدَة مثل سنّهَا أَربع مَرَّات، وَفِي (شرح الْمُهَذّب) للنووي: إِذا كَانَت الْمَاشِيَة صغَارًا أَو وَاحِدَة مِنْهَا فِي سنّ الْفَرْض يجب سنّ الْفَرْض الْمَنْصُوص عَلَيْهِ عِنْد الشَّافِعِي، وَهُوَ قَول مَالك وَأحمد، فَإِن هَلَكت المسنة بعد الْحول لَا يُؤْخَذ مِنْهَا شَيْء فِي قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد، وَيجْعَل تبعا لَهَا فِي الْوُجُوب والهلاك، فَإِذا هَلَكت بِغَيْر صنع أحد تجْعَل كَأَنَّهَا هَلَكت مَعَ الصغار، وَعند أبي يُوسُف: يجب تِسْعَة وَثَلَاثُونَ جزأ من أَرْبَعِينَ جزأ من حمل هُوَ أفضلهَا، وَيسْقط فضل المسنة، كَأَن الْكل كَانَ حملانا وَهلك مِنْهَا حمل، وَعند زفر: يجب مثلهَا من تَثْنِيَة وسط، وَإِن هَلَكت الصغار وَبقيت المسنة يجب فِيهَا جُزْء من شَاة وسط اتِّفَاقًا. ذكره الوبري.
٠٤ - (بابُ أخْذِ العَنَاقِ فِي الصَّدَقَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز أَخذ العناق فِي الصَّدَقَة: أَي: الزَّكَاة، والعناق، بِفَتْح الْعين وَتَخْفِيف النُّون: ولد الْمعز إِذا أَتَى عَلَيْهِ
أَرْبَعَة أشهر وَفصل من أمه وَقَوي على الرَّعْي، فَإِن كَانَ ذكرا فَهُوَ جدي، وَإِن كَانَ أُنْثَى فَهُوَ عنَاق، فَإِذا أَتَى عَلَيْهِ حول فالذكر ثني وَالْأُنْثَى عنز، ثمَّ يكون جذعا فِي السّنة الثَّانِيَة. وَنقل ابْن التِّين عَن القَاضِي إبي مُحَمَّد: أَن المُرَاد بالعناق الْجَذعَة من الْمعز، وَقَالَ الدَّاودِيّ: وَاخْتلف فِي الْجذع من الْمعز، فَقيل: ابْن سنة. وَقيل: وَدخل فِي الثَّانِيَة، وَاخْتلف فِي الثني فَقيل: إِذا أسقط سنة وَاحِدَة أَو اثْنَتَيْنِ أَو ثناياه كلهَا فَهُوَ ثني، وَقيل: لَا يكون سنيا إلَاّ بِسُقُوط ثِنْتَيْنِ، وَأما الْجذع من الضَّأْن فَفِيهِ أَرْبَعَة أَقْوَال عِنْد الملكية: ابْن سنة، ابْن عشرَة أشهر، ابْن ثَمَانِيَة، ابْن سِتَّة، وَالأَصَح عِنْد الشَّافِعِيَّة: مَا اسْتكْمل سنة وَدخل فِي الثَّانِيَة.
٦٥٤١ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ ح وَقَالَ اللَّيْثُ حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ خالِدٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ بنِ مَسْعُودٍ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ أبُو بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقا كانُوا يُؤَدُّونَهَا إلَى رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا. قَالَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فَمَا هُوَ إلَاّ أنْ رَأيْتُ أنَّ الله شَرَحَ صَدْرَ أبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ بالقِتَالِ فَعَرَفْتُ أنَّهُ الحَقُّ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَو مَنَعُونِي عنَاقًا) إِلَى آخِره، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى جَوَاز أَخذ الصَّغِير من الْغنم فِي الزَّكَاة، وَهَذَا الحَدِيث قِطْعَة من حَدِيث قصَّة عمر مَعَ أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فِي قتال مانعي الزَّكَاة، وَقد مر الحَدِيث بِتَمَامِهِ مطولا فِي أول الزَّكَاة، أخرجه هُنَاكَ من طَرِيق وَاحِد عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله آخِره، وَهَهُنَا أخرجه من طَرِيقين: أَحدهمَا عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله، وَالْآخر مُعَلّق حَيْثُ قَالَ: قَالَ اللَّيْث ... إِلَى آخِره، وَوَصله الذهلي فِي الزهريات عَن أبي صَالح عَن اللَّيْث.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: اخْتلفُوا فِي أَخذ العناق والسخال، والبهم إِذا كَانَت الْغنم كَذَلِك كلهَا، أَو كَانَ فِي الْإِبِل فصلان أَو فِي الْبَقر عجاجيل، فَقَالَ مَالك: عَلَيْهِ فِي الْغنم جَذَعَة أَو ثنية، وَعَلِيهِ فِي الْإِبِل وَالْبَقر مَا فِي الْكِبَار مِنْهَا، وَهُوَ قَول زفر وَأبي ثَوْر، وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ: يُؤْخَذ مِنْهَا إِذا كَانَت صغَارًا من كل صنف وَاحِد مِنْهَا، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَمُحَمّد: لَا شَيْء فِي الفصلان وَلَا فِي العجاجيل، وَلَا فِي صغَار الْغنم لَا مِنْهَا وَلَا من غَيرهَا، وَذكر ابْن الْمُنْذر: وَكَانَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَأحمد يَقُولُونَ: فِي أَرْبَعِينَ حملا مُسِنَّة، وعَلى هَذَا القَوْل هم موافقون لقَوْل مَالك، وَقد مر تَحْقِيق هَذَا فِي الْبَاب السَّابِق، فَإِن قلت: كَيفَ وَجه الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الحَدِيث عِنْد من يرى جَوَاز أَخذ الصَّغِير إِذا كَانَت الْمَاشِيَة كلهَا صغَارًا؟ قلت: قَالُوا: قَول أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (لَو مَنَعُونِي عنَاقًا كَانُوا يؤدونها) يدل على أَنَّهَا مَأْخُوذَة فِي الصَّدَقَة، وَهُوَ مَذْهَب البُخَارِيّ أَيْضا، فَلذَلِك ترْجم بالترجمة الْمَذْكُورَة، وَأجَاب المانعون، بِأَن تَأْوِيله: يؤدون عَنْهَا مَا يجوز أَدَاؤُهُ، وَيشْهد لَهُ قَول عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أعدد عَلَيْهِم السخلة وَلَا تأخذها، وَإِنَّمَا خرج قَول الصّديق على الْمُبَالغَة بِدَلِيل الرِّوَايَة الْأُخْرَى: لَو مَنَعُونِي عقَالًا، والعقال لَيْسَ فِيهِ زَكَاة، وَالله تَعَالَى أعلم.
١٤ - (بابٌ لَا تُؤْخَذُ كَرَائِمُ أمْوَالِ النَّاسِ فِي الصَّدَقَةِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا تُؤْخَذ ... إِلَى آخِره، والكرائم جمع كَرِيمَة، يُقَال: نَاقَة كَرِيمَة، أَي: غزيرة اللَّبن، وَيدخل فِيهِ الحديثة الْعَهْد بالنتاج، والسمينة للْأَكْل وَالْحَامِل.
٨٥٤١ - حدَّثنا أُمَيَّةُ بنُ بِسْطَامٍ قَالَ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ قَالَ حدَّثنا رَوْحُ بنُ القَاسِمِ عنْ إسْمَاعِيلَ بنِ أُمَيَّةَ عنْ يَحْيى بنِ عَبْدِ الله بنِ صَيْفِي عنْ أبِي مَعْبَدٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَمَّا بَعَثَ مُعَاذا رَضِي الله عنهُ عَلَى اليَمَنِ قَالَ إنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أهْلِ كِتَابٍ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بالتَّيس، واستدلَّ به للمالكيَّة (١) في تكليف المالك سليمًا وهو مذهب المُدوَّنة، وعن ابن عبد الحكم لا (٢) يُؤخَذ من المعيبة إلَّا أن يرى السَّاعي أخذ المعيبة لا الصَّغيرة.
(٤٠) (بابُ أَخْذِ العَنَاقِ فِي الصَّدَقَةِ) بفتح العين: الأنثى من ولد المعز إذا أتى (٣) عليها حولٌ ودخلت في الثَّاني، والجمع أَعْنُقٌ وعُنُوقٌ.
١٤٥٦ - ١٤٥٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، ح) للتَّحويل (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ ممَّا وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات» عن أبي صالحٍ عن اللَّيث قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ) الفهميُّ، أمير مصر (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بتصغير الأوَّل (ابْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (﵁) في حديث قصَّته مع عمر بن الخطَّاب في قتال مانعي الزَّكاة السَّابق في أوَّل «الزَّكاة» [خ¦١٤٠٠]: (وَاللهِ، لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا) فيه دلالةٌ على أنَّ العناق مأخوذةٌ في الصَّدقة، وهو (٤) مذهب البخاريِّ كالشَّافعيِّ وأبي يوسف، وهو موضع التَّرجمة.
(قَالَ عُمَرُ ﵁: فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ أَنَّ اللهَ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ بِالقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الحَقُّ) أي: بما ظهر له من الدَّليل، والمستثنى منه غير مذكورٍ (١)، أي: ليس الأمر شيئًا من الأشياء إلَّا علمي أنَّ أبا بكرٍ مُحِقٌّ، وصورة إخراج الصَّغير أن يمضي على أربعين مَلَكَها من صغار المعز حولٌ أو تنتج ماشيته، ثمَّ تموت، فإنَّ حول نتاجها يُبْنى على حولها، وكذا صغار الغنم، وقال مالكٌ في «المدوَّنة»: وإذا (٢) كانت الغنم سِخالًا أو البقر عجاجيل أو الإبل فصلانًا كلُّها، كُلِّف ربُّها أن يشتري ما يجزئ منها، ففي الغنم جذعةٌ أو ثنيَّةٌ، وفي الإبل والبقر ما في الكبار منها، وبه قال زفر، وقال أبو حنيفة ومحمد: لا شيء في الفصلان والعجاجيل ولا في صغار الغنم لا منها ولا من غيرها، لقول عمر: اُعدد السَّخْلة عليهم ولا تأخذها، وإنَّما خرج قول الصِّدِّيق على المبالغة، بدليل الرِّواية الأخرى: «لو (٣) منعوني عِقَالًا» [خ¦٧٢٨٤] والعِقَال لا زكاة فيه، فالعِقَال تنبيهًا بالأدنى على الأعلى، وربَّما قدَّر المستحيل، لأجل الملازمة نحو: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وكأنَّ الصِّدِّيق قال: من منع حقًّا ولو عقالًا أو عناقًا، يعني: قليلًا أو كثيرًا، فقتالنا له متعيِّنٌ، وهؤلاء منعوا، فقتالهم متعيِّنٌ.
(٤١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا تُؤْخَذُ كَرَائِمُ أَمْوَالِ النَّاسِ فِي الصَّدَقَةِ) أي: نفائس أموالهم من أيِّ صنفٍ كان.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أَخذ التبيع من ثَلَاثِينَ من الْبَقر، وَالْآخر: أَخذ ابْن اللَّبُون من خمس وَعشْرين من الْإِبِل، بدل بنت الْمَخَاض عِنْد عدمهَا. وَأما إِذا كَانَت مَاشِيَة كلهَا ذُكُورا فَيُؤْخَذ الذّكر، وَقيل: إِنَّمَا لَا يُؤْخَذ التيس لِأَنَّهُ مَرْغُوب عَنهُ لنتنه وَفَسَاد لَحْمه، أَو لِأَنَّهُ رُبمَا يقْصد بِهِ الْمَالِك مِنْهُ الفحولة فيتضرر بِإِخْرَاجِهِ. قَوْله: (إِلَّا مَا شَاءَ الْمُصدق) روى أَبُو عبيد، بِفَتْح الدَّال، وَجُمْهُور الْمُحدثين بِكَسْرِهَا، فعلى الأولى يُرَاد بِهِ الْمُعْطِي وَيكون الِاسْتِثْنَاء مُخْتَصًّا بقوله: (وَلَا تَيْس) لِأَن رب المَال لَيْسَ لَهُ أَن يخرج فِي صدقته ذَات عوار، والتيس وَإِن كَانَ غير مَرْغُوب فِيهِ لنتنه فَإِنَّهُ رُبمَا زَاد على خِيَار الْغنم فِي الْقيمَة لطلب الفحولة، وعَلى الثَّانِي مَعْنَاهُ إلَاّ مَا شَاءَ الْمُصدق مِنْهَا، وَرَأى ذَلِك أَنْفَع للمستحقين فَإِنَّهُ وكيلهم فَلهُ أَن يَأْخُذ مَا شَاءَ، وَيحْتَمل تَخْصِيص ذَلِك إِذا كَانَت الْمَوَاشِي كلهَا مَعِيبَة. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: هَذَا إِذا كَانَ الِاسْتِثْنَاء مُتَّصِلا، وَيحْتَمل أَن يكون مُنْقَطِعًا، وَالْمعْنَى: لَا يخرج الْمُزَكي النَّاقِص والمعيب لَكِن يخرج مَا شَاءَ الْمُصدق من السَّلِيم أَو الْكَامِل. وَفِي (التَّلْوِيح) : قَالَ بَعضهم: الْمُصدق، بتَشْديد الصَّاد وَالدَّال، وَقَالَ أَصله: الْمُتَصَدّق، فأدغمت التَّاء فِي الصَّاد لقرب مخرجهما. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، بل أبدلت التَّاء صادا ثمَّ أدغمت الصَّاد فِي الصَّاد على مَا تَقْتَضِيه الْقَوَاعِد الصرفية.
٥٥٤١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثني أبِي قَالَ حدَّثني ثُمَامَةُ أنَّ أنسا رَضِي الله تَعَالَى عنهُ حدَّثَهُ أنَّ أبَا بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ كتَبَ لهُ الَّتِي أمَرَ الله رَسولَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ وَلَا تَيْسٌ إلَاّ مَا شاءَ المُصَدِّقُ..
قد ذكرنَا أَن البُخَارِيّ قطع هَذَا الحَدِيث قطعا، فترجم لكل قِطْعَة مِنْهَا تَرْجَمَة، وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه قد ذكر غير مرّة، وَنَفس لفظ الحَدِيث هُوَ عين التَّرْجَمَة فَلَا مُطَابقَة بَينهمَا أقوى وأنسب من ذَلِك، وَقد فسرنا أَلْفَاظه. وَأما الحكم فِيهِ فعامة الْفُقَهَاء على الْعَمَل بِهِ، فالمأخوذ فِي الصَّدقَات الْعدْل، وَهُوَ مَا بَين خِيَار المَال ودونه، فَإِن كَانَ المَال كُله معيبا يُؤْخَذ الْوسط مِنْهُ، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي أَيْضا. وَعند مَالك: يُكَلف بسليم من الْعَيْب، وَهُوَ مَشْهُور مذهبع، وَيُؤْخَذ فِي الصَّغِيرَة الَّتِي تبلغ سنّ الْجذع، وَعند أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: إِذا كَانَت كلهَا صغَارًا أَو مراضا أَخذ مِنْهَا، ونحا إِلَيْهِ مُحَمَّد بن الحكم والمخزومي والماجشون وَمُحَمّد وَأَبُو يُوسُف، وَقَالَ مطرف: إِن كَانَت عِجَافًا أَو ذَوَات عوار أَو تيوسا أخذنها، وَإِن كَانَت مواحض أَو أكولة أَو سخالاً لم تُؤْخَذ مِنْهَا. وَقَالَ عبد الْملك: يَأْخُذ من ذَلِك كُله إِذا لم تكن فِيهَا جَذَعَة أَو ثنية إلَاّ أَن تكون سخالاً فَلَا يُؤْخَذ مِنْهَا. وَقَالَ مُحَمَّد بن الْحسن: إِن السخال والعجاجيل لَا شَيْء فِيهَا.
وَتَحْقِيق مَذْهَب الْحَنَفِيَّة فِي هَذَا الْبَاب مَا قَالَه صَاحب (الْهِدَايَة) : وَلَيْسَ فِي الفصلان والعجاجيل والحملان صَدَقَة، وَهَذَا آخر أَقْوَال أبي حنيفَة، وَبِه قَالَ مُحَمَّد بن الْحسن وَالثَّوْري وَالشعْبِيّ وَدَاوُد أَبُو سُلَيْمَان، وَكَانَ يَقُول أَولا: يجب فِيهَا مَا يجب فِي الْكِبَار من الْجذع والتثنية، وَبِه قَالَ زفر وَمَالك وَأَبُو عبيد وَأَبُو بكر من الْحَنَابِلَة، وَفِي (الْمُغنِي) : فِي (الصَّحِيح) : ثمَّ رَجَعَ، وَقَالَ: تجب وَاحِدَة مِنْهَا، وَبِه قَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب وَالشَّافِعِيّ فِي (الْجَدِيد) وصححوه، ثمَّ رَجَعَ إِلَى مَا ذَكرْنَاهُ آنِفا. وروى عَن الثَّوْريّ: أَن الْمُصدق يَأْخُذ مُسِنَّة وَيرد على صَاحب المَال فضل مَا بَين المسنة وَالصَّغِيرَة الَّتِي هِيَ فِي مَاشِيَته، وَهُوَ وَجه للحنابلة، وَهنا قَول آخر ضَعِيف جدا لم ينْقل عَن غير الْحَنَابِلَة: أَنه يجب فِي خمس وَعشْرين من الفصلان وَاحِدَة مِنْهَا، وَفِي سِتّ وَثَلَاثِينَ مِنْهَا كسن وَاحِدَة مِنْهَا مرَّتَيْنِ، وَفِي سِتّ وَأَرْبَعين وَاحِدَة سنّهَا مثل سنّ وَاحِدَة مِنْهَا كسن وَاحِدَة مِنْهَا مرَّتَيْنِ، وَفِي سِتّ وَأَرْبَعين وَاحِدَة سنّهَا مثل سنّ وَاحِدَة مِنْهَا ثَلَاث مَرَّات، وَفِي إِحْدَى وَسِتِّينَ وَاحِدَة مثل سنّهَا أَربع مَرَّات، وَفِي (شرح الْمُهَذّب) للنووي: إِذا كَانَت الْمَاشِيَة صغَارًا أَو وَاحِدَة مِنْهَا فِي سنّ الْفَرْض يجب سنّ الْفَرْض الْمَنْصُوص عَلَيْهِ عِنْد الشَّافِعِي، وَهُوَ قَول مَالك وَأحمد، فَإِن هَلَكت المسنة بعد الْحول لَا يُؤْخَذ مِنْهَا شَيْء فِي قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد، وَيجْعَل تبعا لَهَا فِي الْوُجُوب والهلاك، فَإِذا هَلَكت بِغَيْر صنع أحد تجْعَل كَأَنَّهَا هَلَكت مَعَ الصغار، وَعند أبي يُوسُف: يجب تِسْعَة وَثَلَاثُونَ جزأ من أَرْبَعِينَ جزأ من حمل هُوَ أفضلهَا، وَيسْقط فضل المسنة، كَأَن الْكل كَانَ حملانا وَهلك مِنْهَا حمل، وَعند زفر: يجب مثلهَا من تَثْنِيَة وسط، وَإِن هَلَكت الصغار وَبقيت المسنة يجب فِيهَا جُزْء من شَاة وسط اتِّفَاقًا. ذكره الوبري.
٠٤ - (بابُ أخْذِ العَنَاقِ فِي الصَّدَقَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز أَخذ العناق فِي الصَّدَقَة: أَي: الزَّكَاة، والعناق، بِفَتْح الْعين وَتَخْفِيف النُّون: ولد الْمعز إِذا أَتَى عَلَيْهِ
أَرْبَعَة أشهر وَفصل من أمه وَقَوي على الرَّعْي، فَإِن كَانَ ذكرا فَهُوَ جدي، وَإِن كَانَ أُنْثَى فَهُوَ عنَاق، فَإِذا أَتَى عَلَيْهِ حول فالذكر ثني وَالْأُنْثَى عنز، ثمَّ يكون جذعا فِي السّنة الثَّانِيَة. وَنقل ابْن التِّين عَن القَاضِي إبي مُحَمَّد: أَن المُرَاد بالعناق الْجَذعَة من الْمعز، وَقَالَ الدَّاودِيّ: وَاخْتلف فِي الْجذع من الْمعز، فَقيل: ابْن سنة. وَقيل: وَدخل فِي الثَّانِيَة، وَاخْتلف فِي الثني فَقيل: إِذا أسقط سنة وَاحِدَة أَو اثْنَتَيْنِ أَو ثناياه كلهَا فَهُوَ ثني، وَقيل: لَا يكون سنيا إلَاّ بِسُقُوط ثِنْتَيْنِ، وَأما الْجذع من الضَّأْن فَفِيهِ أَرْبَعَة أَقْوَال عِنْد الملكية: ابْن سنة، ابْن عشرَة أشهر، ابْن ثَمَانِيَة، ابْن سِتَّة، وَالأَصَح عِنْد الشَّافِعِيَّة: مَا اسْتكْمل سنة وَدخل فِي الثَّانِيَة.
٦٥٤١ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ ح وَقَالَ اللَّيْثُ حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ خالِدٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ بنِ مَسْعُودٍ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ أبُو بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقا كانُوا يُؤَدُّونَهَا إلَى رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا. قَالَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فَمَا هُوَ إلَاّ أنْ رَأيْتُ أنَّ الله شَرَحَ صَدْرَ أبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ بالقِتَالِ فَعَرَفْتُ أنَّهُ الحَقُّ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَو مَنَعُونِي عنَاقًا) إِلَى آخِره، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى جَوَاز أَخذ الصَّغِير من الْغنم فِي الزَّكَاة، وَهَذَا الحَدِيث قِطْعَة من حَدِيث قصَّة عمر مَعَ أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فِي قتال مانعي الزَّكَاة، وَقد مر الحَدِيث بِتَمَامِهِ مطولا فِي أول الزَّكَاة، أخرجه هُنَاكَ من طَرِيق وَاحِد عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله آخِره، وَهَهُنَا أخرجه من طَرِيقين: أَحدهمَا عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله، وَالْآخر مُعَلّق حَيْثُ قَالَ: قَالَ اللَّيْث ... إِلَى آخِره، وَوَصله الذهلي فِي الزهريات عَن أبي صَالح عَن اللَّيْث.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: اخْتلفُوا فِي أَخذ العناق والسخال، والبهم إِذا كَانَت الْغنم كَذَلِك كلهَا، أَو كَانَ فِي الْإِبِل فصلان أَو فِي الْبَقر عجاجيل، فَقَالَ مَالك: عَلَيْهِ فِي الْغنم جَذَعَة أَو ثنية، وَعَلِيهِ فِي الْإِبِل وَالْبَقر مَا فِي الْكِبَار مِنْهَا، وَهُوَ قَول زفر وَأبي ثَوْر، وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ: يُؤْخَذ مِنْهَا إِذا كَانَت صغَارًا من كل صنف وَاحِد مِنْهَا، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَمُحَمّد: لَا شَيْء فِي الفصلان وَلَا فِي العجاجيل، وَلَا فِي صغَار الْغنم لَا مِنْهَا وَلَا من غَيرهَا، وَذكر ابْن الْمُنْذر: وَكَانَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَأحمد يَقُولُونَ: فِي أَرْبَعِينَ حملا مُسِنَّة، وعَلى هَذَا القَوْل هم موافقون لقَوْل مَالك، وَقد مر تَحْقِيق هَذَا فِي الْبَاب السَّابِق، فَإِن قلت: كَيفَ وَجه الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الحَدِيث عِنْد من يرى جَوَاز أَخذ الصَّغِير إِذا كَانَت الْمَاشِيَة كلهَا صغَارًا؟ قلت: قَالُوا: قَول أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (لَو مَنَعُونِي عنَاقًا كَانُوا يؤدونها) يدل على أَنَّهَا مَأْخُوذَة فِي الصَّدَقَة، وَهُوَ مَذْهَب البُخَارِيّ أَيْضا، فَلذَلِك ترْجم بالترجمة الْمَذْكُورَة، وَأجَاب المانعون، بِأَن تَأْوِيله: يؤدون عَنْهَا مَا يجوز أَدَاؤُهُ، وَيشْهد لَهُ قَول عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أعدد عَلَيْهِم السخلة وَلَا تأخذها، وَإِنَّمَا خرج قَول الصّديق على الْمُبَالغَة بِدَلِيل الرِّوَايَة الْأُخْرَى: لَو مَنَعُونِي عقَالًا، والعقال لَيْسَ فِيهِ زَكَاة، وَالله تَعَالَى أعلم.
١٤ - (بابٌ لَا تُؤْخَذُ كَرَائِمُ أمْوَالِ النَّاسِ فِي الصَّدَقَةِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا تُؤْخَذ ... إِلَى آخِره، والكرائم جمع كَرِيمَة، يُقَال: نَاقَة كَرِيمَة، أَي: غزيرة اللَّبن، وَيدخل فِيهِ الحديثة الْعَهْد بالنتاج، والسمينة للْأَكْل وَالْحَامِل.
٨٥٤١ - حدَّثنا أُمَيَّةُ بنُ بِسْطَامٍ قَالَ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ قَالَ حدَّثنا رَوْحُ بنُ القَاسِمِ عنْ إسْمَاعِيلَ بنِ أُمَيَّةَ عنْ يَحْيى بنِ عَبْدِ الله بنِ صَيْفِي عنْ أبِي مَعْبَدٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَمَّا بَعَثَ مُعَاذا رَضِي الله عنهُ عَلَى اليَمَنِ قَالَ إنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أهْلِ كِتَابٍ