«فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ، أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا، الْعُشْرُ، وَمَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٤٨٣

الحديث رقم ١٤٨٣ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب العشر فيما يسقى من ماء السماء.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٤٨٣ في صحيح البخاري

«فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ، أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا، الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: هَذَا تَفْسِيرُ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوَقِّتْ فِي الْأَوَّلِ، يَعْنِي حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ: وَفِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ. وَبَيَّنَ فِي هَذَا وَوَقَّتَ، وَالزِّيَادَةُ مَقْبُولَةٌ، وَالْمُفَسَّرُ يَقْضِي عَلَى الْمُبْهَمِ إِذَا رَوَاهُ أَهْلُ الثَّبَتِ، كَمَا رَوَى الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ لَمْ يُصَلِّ فِي الْكَعْبَةِ، وَقَالَ بِلَالٌ: قَدْ صَلَّى، فَأُخِذَ بِقَوْلِ بِلَالٍ، وَتُرِكَ قَوْلُ الْفَضْلِ.

بَابٌ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ

إسناد حديث رقم ١٤٨٣ من صحيح البخاري

١٤٨٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٤٨٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

اثْنَيْنِ؟ وَهُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْأَوَّلِ. وَاخْت لِفَ أَيْضًا: هَلْ هُوَ اعْتِبَارٌ أَوْ تَضْمِينٌ؟ وَهُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ أَظْهَرُهُمَا الثَّانِي، وَفَائِدَتُهُ جَوَازُ التَّصَرُّفِ فِي جَمِيعِ الثَّمَرَةِ وَلَوْ أَتْلَفَ الْمَالِكُ الثَّمَرَةَ بَعْدَ الْخَرْصِ أُخِذَتْ مِنْهُ الزَّكَاةُ بِحِسَابِ مَا خَرَصَ.

وَفِيهِ أَشْيَاءُ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ كَالْإِخْبَارِ عَنِ الرِّيحِ وَمَا ذَكَرَ فِي تِلْكَ الْقِصَّةِ، وَفِيهِ تَدْرِيبُ الْأَتْبَاعِ وَتَعْلِيمُهُمْ، وَأَخْذُ الْحَذَرِ مِمَّا يُتَوَقَّعُ الْخَوْفُ مِنْهُ، وَفَضْلُ الْمَدِينَةِ وَالْأَنْصَارِ، وَمَشْرُوعِيَّةُ الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الْفُضَلَاءِ بِالْإِجْمَالِ وَالتَّعْيِينِ، وَمَشْرُوعِيَّةُ الْهَدِيَّةِ وَالْمُكَافَأَةِ عَلَيْهَا.

(تَكْمِيلٌ): فِي السُّنَنِ وَصَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ مَرْفُوعًا: إِذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا وَدَعُوا الثُّلُثَ، فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ فَدَعُوا الرُّبُعَ، وَقَالَ بِظَاهِرِهِ اللَّيْثُ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمْ، وَفَهِمَ مِنْهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ أَنَّهُ الْقَدْرُ الَّذِي يَأْكُلُونَهُ بِحَسَبِ احْتِيَاجِهِمْ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يُتْرَكُ قَدْرُ احْتِيَاجِهِمْ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَسُفْيَانُ: لَا يُتْرَكُ لَهُمْ شَيْءٌ. وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنِ الشَّافِعِيِّ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَالْمُتَحَصَّلُ مِنْ صَحِيحِ النَّظَرِ أَنْ يُعْمَلَ بِالْحَدِيثِ وَهُوَ قَدْرُ الْمُؤْنَةِ، وَلَقَدْ جَرَّبْنَاهُ فَوَجَدْنَاهُ كَذَلِكَ فِي الْأَغْلَبِ مِمَّا يُؤْكَلُ رَطْبًا.

قَوْلُهُ: (وقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ (١)) هُوَ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ الْإِمَامُ الْمَشْهُورُ صَاحِبُ الْغَرِيبِ وَكَلَامُهُ هَذَا فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ لَهُ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ: هُوَ مِنَ الرِّيَاضِ كُلُّ أَرْضٍ اسْتَدَارَتْ، وَقِيلَ: كُلُّ أَرْضٍ ذَاتِ شَجَرٍ مُثْمِرٍ وَنَخْلٍ، وَقِيلَ: كُلُّ حُفْرَةٍ تَكُونُ فِي الْوَادِي يُحْتَبَسُ فِيهَا الْمَاءُ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَاءٌ فَهُوَ حَدِيقَةٌ، وَيُقَالُ: الْحَدِيقَةُ أَعْمَقُ مِنَ الْغَدِيرِ وَالْحَدِيقَةُ الْقِطْعَةُ مِنَ الزَّرْعِ يَعْنِي أَنَّهُ مِنَ الْمُشْتَرَكِ.

٥٥ - بَاب الْعُشْرِ فِيمَا يُسْقَى مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ وَبِالْمَاءِ الْجَارِي

وَلَمْ يَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الْعَسَلِ شَيْئًا

١٤٨٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ النَّبِيِّ أنه قَالَ: فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ.

قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: هَذَا تَفْسِيرُ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوَقِّتْ فِي الْأَوَّلِ يَعْنِي حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ وَبَيَّنَ فِي هَذَا وَوَقَّتَ وَالزِّيَادَةُ مَقْبُولَةٌ وَالْمُفَسَّرُ يَقْضِي عَلَى الْمُبْهَمِ إِذَا رَوَاهُ أَهْلُ الثَّبَتِ كَمَا رَوَى الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ لَمْ يُصَلِّ فِي الْكَعْبَةِ. وَقَالَ بِلَالٌ: قَدْ صَلَّى فَأُخِذَ بِقَوْلِ بِلَالٍ وَتُرِكَ قَوْلُ الْفَضْلِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْعُشْرِ فِيمَا يُسْقَى مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ وَالْمَاءِ الْجَارِي) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: عَدَلَ عنْ لَفْظِ الْعُيُونِ الْوَاقِعِ فِي الْخَبَرِ إِلَى الْمَاءِ الْجَارِي لِيُجْرِيَهُ مُجْرَى التَّفْسِيرِ لِلْمَقْصُودِ مِنْ مَاءِ الْعُيُونِ، وَأَنَّهُ الْمَاءُ الَّذِي يَجْرِي بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ نَضْحٍ وَلِيُبَيِّنَ أَنَّ الَّذِي يَجْرِي بِنَفْسِهِ مِنْ نَهْرٍ أَوْ غَدِيرٍ حُكْمُهُ حُكْمُ مَا يَجْرِي مِنَ الْعُيُونِ. انْتَهَى. وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، فَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْأَنْهَارُ وَالْعُيُونُ الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الْعَسَلِ شَيْئًا) أَيْ: زَكَاةً، وَصَلَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، قَالَ: جَاءَ كِتَابٌ مِنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ

إِلَى أَبِي، وَهُوَ بِمِنًى: أَنْ لَا تَأْخُذَ مِنَ الْخَيْلِ وَلَا مِنَ الْعَسَلِ صَدَقَةً. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: بَعَثَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى الْيَمَنِ، فَأَرَدْتُ أَنْ آخُذَ مِنَ الْعَسَلِ الْعُشْرَ، فَقَالَ مُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ الصَّنْعَانِيُّ: لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، فَكَتَبْتَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالَ: صَدَقَ، هُوَ عَدْلُ رِضَا، لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ وَجَاءَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَا يُخَالِفُهُ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ كِتَابِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ قَالَ: ذَكَرَ لِي بَعْضُ مَنْ لَا أَتَّهِمُ مِنْ أَهْلِي أَنَّهُ تَذَاكَرَ هُوَ وَعُرْوَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّعْدِيُّ فَزَعَمَ عُرْوَةُ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَسْأَلُهُ عَنْ صَدَقَةِ الْعَسَلِ، فَزَعَمَ عُرْوَةُ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّا قَدْ وَجَدْنَا بَيَانَ صَدَقَةِ الْعَسَلِ بِأَرْضِ الطَّائِفِ فَخُذْ مِنْهُ الْعُشْرَ. انْتَهَى. وَهَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ لِجَهَالَةِ الْوَاسِطَةِ، وَالْأَوَّلُ أَثْبَتُ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى تَضْعِيفِ مَا رُوِيَ: أَنَّ فِي الْعَسَلِ الْعُشْرَ. وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ.

كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ أَنْ يُؤْخَذَ مِنَ الْعَسَلِ الْعُشْرُ: وَفِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَرَّرٍ، وَهُوَ بِمُهْمَلَاتٍ وَزْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ: عَبْدُ اللَّهِ مَتْرُوكٌ، وَلَا يَصِحُّ فِي زَكَاةِ الْعَسَلِ شَيْءٌ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ. قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ: حَدِيثُ إِنَّ فِي الْعَسَلِ الْعُشْرَ ضَعِيفٌ، وَفِي أَنْ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْعُشْرُ ضَعِيفٌ، إِلَّا عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. انْتَهَى. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ: أَنَّ مُعَاذًا لَمَّا أَتَى الْيَمَنَ قَالَ: لَمْ أُؤْمَرْ فِيهِمَا بِشَيْءٍ يَعْنِي الْعَسَلَ وَأَوْقَاصَ الْبَقَرِ، وَهَذَا مُنْقَطِعٌ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: جَاءَ هِلَالٌ أَحَدُ بَنِي مُتْعَانَ - أَيْ: بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ - إِلَى رَسُولِ اللَّهِ بِعُشُورِ نَحْلٍ لَهُ، وَكَانَ سَأَلَهُ أَنْ يَحْمِيَ لَهُ وَادِيًا فَحَمَاهُ لَهُ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ كَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ: إِنْ أَدَّى إِلَيْكَ عُشُورَ نَحْلِهِ فَاحْمِ لَهُ سَلَبَهُ، وَإِلَّا فَلَا.

وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ إِلَى عَمْرٍو (١) وَتَرْجَمَةُ عَمْرٍو قَوِيَّةٌ عَلَى الْمُخْتَارِ لَكِنْ حَيْثُ لَا تَعَارُضَ، وَقَدْ وَرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هِلَالًا أَعْطَى ذَلِكَ تَطَوُّعًا، فَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ يَنْهَاهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْعَسَلِ صَدَقَةً إِلَّا إِنْ كَانَ النَّبِيُّ أَخَذَهَا، فَجَمَعَ عُثْمَانُ أَهْلَ الْعَسَلِ، فَشَهِدُوا أَنَّ هِلَالَ بْنَ سَعْدٍ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ بِعَسَلٍ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: صَدَقَةٌ فَأَمَرَ بِرَفْعِهَا وَلَمْ يَذْكُرْ عُشُورًا. لَكِنَّ الْإِسْنَادَ الْأَوَّلَ أَقْوَى، إِلَّا أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ الْحِمَى كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَيْسَ فِي الْعَسَلِ خَبَرٌ يَثْبُتُ وَلَا إِجْمَاعٌ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ: يَجِبُ الْعُشْرُ فِيمَا أُخِذَ مِنْ غَيْرِ أَرْضِ الْخَرَاجِ. وَمَا نَقَلَهُ عَنِ الْجُمْهُورِ مُقَابِلُهُ قَوْلُ التِّرْمِذِيَّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.

وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَيْسَ فِي الْعَسَلِ شَيْءٌ، وَأَشَارَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِهِ إِلَى أَنَّ الَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَقْوَى، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مُنَاسَبَةُ أَثَرِ عُمَرَ فِي الْعَسَلِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا عُشْرَ فِيهِ، لِأَنَّهُ خَصَّ الْعُشْرَ أَوْ نِصْفَهُ بِمَا يُسْقَى، فَأَفْهَمَ أَنَّ مَا لَا يُسْقَى لَا يُعَشَّرُ، زَادَ ابْنُ رَشِيدٍ: فَإِنْ قِيلَ الْمَفْهُومُ إِنَّمَا يَنْفِي الْعُشْرَ أَوْ نِصْفَهُ لَا مُطْلَقَ الزَّكَاةِ، فَالْجَوَابُ أَنَّ النَّاسَ قَائِلَانِ: مُثْبِتٌ لِلْعُشْرِ وَنَافٍ لِلزَّكَاةِ أَصْلًا، فَتَمَّ الْمُرَادُ. قَالَ: وَوَجْهُ إِدْخَالِهِ الْعَسَلَ أَيْضًا لِلتَّنْبِيهِ عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ، وَأَنَّهُ لَا يَرَى فِيهِ زَكَاةً وَإِنْ كَانَتِ النَّحْلُ تَتَغَذَّى مِمَّا يُسْقَى مِنَ السَّمَاءِ لَكِنَّ الْمُتَوَلِّدَ بِالْمُبَاشَرَةِ كَالزَّرْعِ لَيْسَ كَالْمُتَوَلِّدِ بِوَاسِطَةِ حَيَوَانٍ كَاللَّبَنِ، فَإِنَّهُ مُتَوَلِّدٌ عَنِ الرَّعْيِ وَلَا زَكَاةَ

فِيهِ.

قَوْلُهُ: (عَثَرِيًّا) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ تَشْدِيدُ الْمُثَلَّثَةِ، وَرَدَّهُ ثَعْلَبٌ وَحَكَى ابْنُ عُدَيْسٍ فِي الْمُثَلَّثِ فِيهِ ضَمَّ أَوَّلِهِ وَإِسْكَانَ ثَانِيهِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ الَّذِي يَشْرَبُ بِعُرُوقِهِ مِنْ غَيْرِ سَقْيٍ، زَادَ ابْنُ قُدَامَةَ، عَنِ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى: وَهُوَ الْمُسْتَنْقَعُ فِي بِرْكَةٍ وَنَحْوِهَا، يُصَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَاءِ الْمَطَرِ فِي سَوَاقٍ تُشَقُّ لَهُ، قَالَ: وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الْعَاثُورِ، وَهِيَ السَّاقِيَةُ الَّتِي يَجْرِي فِيهَا الْمَاءُ، لِأَنَّ الْمَاشِيَ يَعْثُرُ فِيهَا. قَالَ: وَمِنْهُ الَّذِي يَشْرَبُ مِنَ الْأَنْهَارِ بِغَيْرِ مُؤْنَةٍ، أَوْ يَشْرَبُ بِعُرُوقِهِ كَأَنْ يُغْرَسَ فِي أَرْضٍ يَكُونُ الْمَاءُ قَرِيبًا مِنْ وَجْهِهَا فَيَصِلُ إِلَيْهِ عُرُوقُ الشَّجَرِ فَيَسْتَغْنِي عَنِ السَّقْيِ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ أَوْلَى مِنَ إِطْلَاقِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّ الْعَثَرِيَّ مَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ، لِأَنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى الْمُغَايَرَةِ، وَكَذَا قَوْلُ مَنْ فَسَّرَ الْعَثَرِيَّ بِأَنَّهُ الَّذِي لَا حَمْلَ لَهُ، لِأَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: لَا نَعْلَمُ فِي هَذِهِ التَّفْرِقَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا خِلَافًا.

قَوْلُهُ: (بِالنَّضْحِ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ، أَيْ: بِالسَّانِيَةِ، وَهِيَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ، وَالْمُرَادُ بِهَا الْإِبِلُ الَّتِي يُسْتَقَى عَلَيْهَا، وَذَكَرَ الْإِبِلَ كَالْمِثَالِ، وَإِلَّا فَالْبَقْرُ وَغَيْرُهَا كَذَلِكَ فِي الْحُكْمِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: هَذَا تَفْسِيرُ الْأَوَّلِ. . . إِلَخْ) هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ هَذَا الْكَلَامُ عَقِبَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي الْعَثَرِيِّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ عَقِبَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَيْضًا، وَجَزَمَ أَبُو عَلِيٍّ الصَّدَفِيُّ بِأَنَّ ذِكْرَهُ عَقِبَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ قِبَلِ بَعْضِ نُسَّاخِ الْكِتَابِ. انْتَهَى. وَلَمْ يَقِفِ الصَّغَانِيُّ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ، فَجَزَمَ بِأَنَّهُ وَقَعَ هُنَا فِي جَمِيعِهَا، قَالَ: وَحَقُّهُ أَنْ يُذْكَرَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، قُلْتُ: وَلِذِكْرِهِ عَقِبَ كُلٍّ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ وَجْهٌ، لَكِنَّ تَعْبِيرَهُ بِالْأَوَّلِ يُرَجِّحُ كَوْنَهُ بَعْدَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، لِأَنَّهُ هُوَ الْمُفَسَّرُ للَّذِي قَبْلَهُ وَهُوَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، فَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ بِعُمُومِهِ ظَاهِرٌ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ النِّصَابِ، وَفِي إِيجَابِ الزَّكَاةِ فِي كُلِّ مَا يُسْقَى بِمُؤْنَةٍ وَبِغَيْرِ مُؤنَةٍ، وَلَكِنَّهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مُخْتَصٌّ بِالْمَعْنَى الَّذِي سِيقَ لِأَجْلِهِ، وَهُوَ التَّمْيِيزُ بَيْنَ مَا يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُ الْعُشْرِ بِخِلَافِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، فَإِنَّهُ مُسَاقٌ لِبَيَانِ جِنْسِ الْمُخْرَجِ مِنْهُ وَقَدْرِهِ، فَأَخَذَ بِهِ الْجُمْهُورُ عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي بَسْطُ الْقَوْلِ فِيهِ بَعْدُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَقَدْ جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِأَنَّ كَلَامَ الْبُخَارِيِّ وَقَعَ عَقِبَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَدَلَّ حَدِيثُ الْبَابِ عَلَى التَّفْرِقَةِ فِي الْقَدْرِ الْمُخْرَجِ الَّذِي يُسْقَى بِنَضْحٍ أَوْ بِغَيْرِ نَضْحٍ، فَإِنْ وُجِدَ مَا يُسْقَى بِهِمَا فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجِبُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ إِذَا تَسَاوَى ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ كَانَ حُكْمُ الْأَقَلِّ تَبَعًا لِلْأَكْثَرِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَالثَّانِي يُؤْخَذُ بِالْقِسْطِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ أَمْكَنَ فَصْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أُخِذَ بِحِسَابِهِ، وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ صَاحِبِ مَالِكٍ: الْعِبْرَةُ بِمَا تَمَّ بِهِ الزَّرْعُ وَانْتَهَى وَلَوْ كَانَ أَقَلَّ، قَالَهُ ابْنُ التِّينِ عَنْ حِكَايَةِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ عَنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(تَنْبِيهٌ): قَالَ النَّسَائِيُّ عَقِبَ تَخْرِيجِ هَذَا الْحَدِيثِ: رَوَاهُ نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، قَالَ: وَسَالِمٌ أَجَلُّ مِنْ نَافِعٍ، وَقَوْلُ نَافِعٍ أَوْلَى بِالصَّوَابِ. وَقَوْلُهُ بَعْدَهُ: (هَذَا تَفْسِيرُ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوَقِّتْ فِي الْأَوَّلِ) أَيْ: لَمْ يَذْكُرْ حَدًّا لِلنِّصَابِ، وَقَوْلُهُ: (وَبَيَّنَ فِي هَذَا) يَعْنِي فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ.

قَوْلُهُ: (وَالزِّيَادَةُ مَقْبُولَةٌ) أَيْ: مِنَ الْحَافِظِ، وَالثَّبَتُ بِتَحْرِيكِ الْمُوَحَّدَةِ: الثَّبَاتُ وَالْحُجَّةُ.

قَوْلُهُ: (وَالْمُفَسَّرُ يَقْضِي عَلَى الْمُبْهَمِ): أَيْ: الْخَاصُّ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ، لِأَنَّ فِيمَا سَقَتْ عَامٌّ يَشْمَلُ النِّصَابَ وَدُونَهُ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ خَاصٌّ بِقَدْرِ النِّصَابِ، وَأَجَابَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ مَحِلَّ ذَلِكَ مَا إِذَا كَانَ الْبَيَانُ وَفْقَ الْمُبِينِ لَا زَائِدًا عَلَيْهِ وَلَا نَاقِصًا عَنْهُ، أَمَّا إِذَا انْتَفَى شَيْءٌ مِنْ أَفْرَادِ الْعَامِّ مَثَلًا، فَيُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِهِ كَحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ هَذَا، فَإِنَّهُ دَلَّ عَلَى النِّصَابِ فِيمَا يَقْبَلُ التَّوْسِيقُ، وَسَكَتَ عَمَّا لَا يَقْبَلُ التَّوْسِيقُ فَيُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِعُمُومِ قَوْلِهِ: فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ. أَيْ: مِمَّا لَا يُمْكِنُ التَّوْسِيقُ فِيهِ عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ، وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

إلى أبي وهو بمنًى (١): ألَّا يأخذ من الخيل ولا من العسل صدقةً، وحديث: «إنَّ في العسل العُشْرَ» ضعَّفه الشَّافعيُّ.

١٤٨٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد بن الحكم بن محمَّد بن أبي مريم، أبو محمَّدٍ الجمحيُّ بالولاء، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) بفتح الواو وسكون الهاء، القرشيُّ المصريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ) الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) ولأبي ذرٍّ: «عن ابن شهابٍ الزُّهريِّ» (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب (، عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ) من باب ذكر المحلِّ وإرادة الحالِّ، أي: المطر (وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا) بفتح العين المهملة والمُثلَّثة المُخفَّفة وكسر الرَّاء وتشديد التَّحتيَّة، ما يُسقَى بالسَّيل الجاري في حفرٍ، وتُسمَّى الحفرة (٢) عاثوراء؛ لتعثُّر المارِّ بها إذا لم يعلمها، قاله الأزهريُّ، وهو المُسمَّى بالبعليِّ في الرِّواية الأخرى (العُشْرُ) مبتدأٌ، خبره: «فيما سقت السَّماء» أي: العُشْرُ واجبٌ فيما سقت السَّماء (٣) (وَمَا سُقِيَ (٤) بِالنَّضْحِ) بفتح النُّون وسكون المعجمة بعدها مُهمَلةٌ: ما سُقِي من الآبار (٥) بالغرب أو بالسَّانية (٦) فواجبُه (نِصْفُ العُشْرِ) والفرق ثقل

المؤنة هنا (١)، وخفَّتها في الأوَّل، والنَّاضح: اسمٌ لِما يُسقَى عليه من بعيرٍ أو بقرةٍ ونحوهما.

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي (٢): البخاريّ: (هَذَا) أي: حديث الباب (تَفْسِيرُ) الحديث (الأَوَّلِ) وهو حديث أبي سعيدٍ السَّابق في «باب ما أُدِّي زكاته فليس بكنزٍ» [خ¦١٤٠٥] واللَّاحق لهذا الباب، ولفظه: «ليس فيما دون خمسة أوسقٍ صدقةٌ» [خ¦١٤٨٤] (لأَنَّهُ لَمْ يُوَقِّتْ) بكسر القاف، ولأبي ذرٍّ: «يُوقَّت» بفتحها (فِي) الحديث (الأَوَّلِ) يريد لم يحدِّد بالعُشْر أو نصفه، وكان الأصل أن يقول: لأنَّه لم يوقِّت فيه، لكنَّه عبَّر بالظَّاهر موضع المضمر - (يَعْنِي) أي: البخاريُّ بقوله: هذا (حَدِيثَ ابْنِ (٣) عُمَرَ- «وَفِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ») جملةٌ معترضةٌ من كلام الرَّاوي بين قوله: «لأنَّه لم يوقِّت في الأوَّل»، وبين قوله: (وَبَيَّنَ فِي هَذَا) أي: في حديث ابن عمر ما يجب فيه العُشْر أو نصفه (وَوَقَّتَ) أي: حدَّد به. هذا ما ظهر (٤) لي من شرح هذا القول، والذي مشى عليه الكِرمانيُّ وغيره من الشُّرَّاح ممَّن علمته أنَّ مراده أنَّ حديث أبي سعيدٍ مفسِّرٌ لحديث ابن عمر، والزِّيادةَ والتَّوقيتَ تعيينُ النِّصابِ، وفي هذا نظرٌ لا يخفى؛ لأنَّه يصير المعنى، قال أبو عبد الله: هذا تفسير الأوَّل، يعني: حديث أبي سعيدٍ السَّابق؛ لأنَّه لم يوقِّت في الأوَّل الذي هو حديث أبي سعيدٍ، وهو خلاف المُدَّعى، فليُتأمَّل، نعم حديث ابن عمر هذا بعمومه ظاهرٌ في عدم اشتراط النِّصاب، فحديث أبي سعيدٍ مُقيِّدٌ لإطلاقه، كما أنَّ حديث ابن عمر مُقيِّدٌ لإطلاق حديث أبي سعيدٍ، فكلٌّ منهما مفسِّرٌ للآخر بما فيه من الزِّيادة (وَالزِّيَادَةُ) من الثِّقة (مَقْبُولَةٌ، وَالمُفَسَّرُ) بفتح السِّين (يَقْضِي عَلَى المُبْهَمِ) بفتح الهاء، أي: الخاصُّ يقضي على

العامِّ بالتَّخصيص؛ لأنَّ قوله: «ليس فيما دون خمسة أوسقٍ صدقةٌ» يشمل ما يُسقَى بمؤنةٍ وغير مؤنةٍ، وقوله: «فيما سقت السَّماء» خاصٌّ (إِذَا رَوَاهُ أَهْلُ الثَّبْتِ) بسكون المُوحَّدة في فرع «اليونينيَّة»، وقال الحافظ ابن حجرٍ -كالكِرمانيِّ- وغيره بفتحها، «وإذا رواه» متعلِّقٌ (١) بقوله: «مقبولةٌ»، وقال التَّيميُّ والإسماعيليُّ: إنَّ هذا القول في نسخة الفَِرَبْريِّ إنَّما هو عقب حديث أبي سعيدٍ [خ¦١٤٨٤] في الباب التَّالي لهذا الباب، وإنَّ وقوعه هنا غلطٌ من النَّاسخ، ويشكل عليه ثبوته في الأصول المعتمدة في كلٍّ من البابين عقب حديث ابن عمر، وفي روايةٍ عن أبي ذرٍّ وابن عساكر عقب حديث أبي سعيدٍ، وإن اختلف بعض اللَّفظ فيهما على أنَّ نسبة الغلط للنَّاسخ إنَّما تتأتَّى على تقدير إرادة المؤلِّف أنَّ حديث أبي سعيدٍ مفسِّرٌ لحديث ابن عمر، وقد مرَّ ما في ذلك، وأمَّا على ما ذكرته من أنَّ حديث الباب مفسِّرٌ لحديث أبي سعيدٍ فلا، وحينئذٍ فالمصير إلى ما ذكرته أَوْلى من العكس على ما لا يخفى، وفي رواية غير أبي ذرٍّ: «قال أبو عبد الله: هذا الأوَّل؛ لأنَّه لم يوقِّت في الأوَّل»، فأسقط لفظ «تفسير»، لكن في فرع (٢) «اليونينيَّة» ضبَّب على لفظة: «الأوَّل» الأولى (٣)، وكتب في الهامش صوابهُ: «أولى، أو المفسِّر للأوَّل» (٤) بفتح الهمزة وسكون الواو، من الأولويَّة، والمفسِّر بكسر السِّين، قلت: ومعناه: حديث الباب أَوْلى من حديث أبي سعيدٍ السَّابق؛ لما فيه من زيادة التَّمييز بين ما يسقى بمؤنةٍ وبغير مؤنةٍ، أو هو المفسِّر لحديث أبي سعيدٍ (٥) حيث بيَّن (٦) فيه -كما مرَّ-، وهو يؤيِّد ما شرحته، فليُتأمَّل.

(كَمَا رَوَى الفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ) ، فيما وصله أحمد: (أَنَّ النَّبِيَّ لَمْ يُصَلِّ فِي الكَعْبَةِ) يوم فتح مكَّة (وَقَالَ بِلَالٌ) المؤذِّن، فيما وصله المؤلِّف في «الحجِّ» [خ¦١٥٩٩]: (قَدْ

صَلَّى) فيها يومئذٍ (فَأُخِذَ بِقَوْلِ بِلَالٍ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، لِما معه من الزِّيادة (وَتُرِكَ قَوْلُ الفَضْلِ) بضمِّ تاء «تُرِك» مبنيًّا للمفعول، كـ «أُخِذ»، وليس قول بلالٍ منافيًا لقول الفضل: «لم يصلِّ»، بل مراده أنَّه لم يره؛ لاشتغاله بالدُّعاء ونحوه في ناحيةٍ من نواحي البيت غير التي صلَّى فيها النَّبيُّ .

(٥٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ) من المقتات في حال الاختيار، وهو من الثِّمار الرُّطَب والعنب، ومن الحبِّ الحنطة والشَّعير والسُّلْت والأرزُّ والعدس والحِمَّص والباقلَّاء والدُّخَن والذُّرة واللُّوبياء (١) والماش والجُلْبَان ونحوها (صَدَقَةٌ) والوسق: ستُّون صاعًا، والصَّاع: أربعة أمدادٍ، والمدُّ: رطلٌ وثلثٌ بالبغداديِّ، فالأوسق: الخمسة ألفٍ وستُّ مئةِ رطلٍ بالبغداديِّ، والأصحُّ اعتبار الكيل لا الوزن إذا اختلفا، وإنَّما قدِّر بالوزن استظهارًا، قال القموليُّ: وقدّر النِّصاب بأرْدَبِّ مصر: ستَّة أرادِبَّ ورُبعٌ، بجعل القدحين صاعًا، كزكاة الفطر وكفَّارة اليمين. وقال السُّبكيُّ: خمسةُ أرادِبَّ ونصفٌ وثلثٌ، فقد اعتبرتَ القَدَح المصريَّ بالمُدِّ الذي حرَّرته فَوَسِع مُدَّين وسُبْعًا تقريبًا، فالصَّاع: قدحان إلَّا سُبْعَي مدٍّ، وكلُّ خمسةَ عشرَ مُدًّا سبعةُ أقداحٍ، وكلُّ خمسةَ عشرَ صاعًا وَيْبَةٌ ونصفٌ ورُبعٌ، فثلاثون صاعًا: ثلاثُ وَيْبَاتٍ ونصفٌ، فثلاثُ مئة صاعٍ: خمسةٌ وثلاثون وَيْبَةً، وهي خمسةُ أرادِبَّ ونصفٌ وثلثٌ، فالنِّصاب على قوله خمسُ مئةٍ وستُّون قدحًا، وعلى قول القَمُوليِّ: ستُّ مئةٍ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

اثْنَيْنِ؟ وَهُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْأَوَّلِ. وَاخْت لِفَ أَيْضًا: هَلْ هُوَ اعْتِبَارٌ أَوْ تَضْمِينٌ؟ وَهُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ أَظْهَرُهُمَا الثَّانِي، وَفَائِدَتُهُ جَوَازُ التَّصَرُّفِ فِي جَمِيعِ الثَّمَرَةِ وَلَوْ أَتْلَفَ الْمَالِكُ الثَّمَرَةَ بَعْدَ الْخَرْصِ أُخِذَتْ مِنْهُ الزَّكَاةُ بِحِسَابِ مَا خَرَصَ.

وَفِيهِ أَشْيَاءُ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ كَالْإِخْبَارِ عَنِ الرِّيحِ وَمَا ذَكَرَ فِي تِلْكَ الْقِصَّةِ، وَفِيهِ تَدْرِيبُ الْأَتْبَاعِ وَتَعْلِيمُهُمْ، وَأَخْذُ الْحَذَرِ مِمَّا يُتَوَقَّعُ الْخَوْفُ مِنْهُ، وَفَضْلُ الْمَدِينَةِ وَالْأَنْصَارِ، وَمَشْرُوعِيَّةُ الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الْفُضَلَاءِ بِالْإِجْمَالِ وَالتَّعْيِينِ، وَمَشْرُوعِيَّةُ الْهَدِيَّةِ وَالْمُكَافَأَةِ عَلَيْهَا.

(تَكْمِيلٌ): فِي السُّنَنِ وَصَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ مَرْفُوعًا: إِذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا وَدَعُوا الثُّلُثَ، فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ فَدَعُوا الرُّبُعَ، وَقَالَ بِظَاهِرِهِ اللَّيْثُ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمْ، وَفَهِمَ مِنْهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ أَنَّهُ الْقَدْرُ الَّذِي يَأْكُلُونَهُ بِحَسَبِ احْتِيَاجِهِمْ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يُتْرَكُ قَدْرُ احْتِيَاجِهِمْ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَسُفْيَانُ: لَا يُتْرَكُ لَهُمْ شَيْءٌ. وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنِ الشَّافِعِيِّ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَالْمُتَحَصَّلُ مِنْ صَحِيحِ النَّظَرِ أَنْ يُعْمَلَ بِالْحَدِيثِ وَهُوَ قَدْرُ الْمُؤْنَةِ، وَلَقَدْ جَرَّبْنَاهُ فَوَجَدْنَاهُ كَذَلِكَ فِي الْأَغْلَبِ مِمَّا يُؤْكَلُ رَطْبًا.

قَوْلُهُ: (وقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ (١)) هُوَ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ الْإِمَامُ الْمَشْهُورُ صَاحِبُ الْغَرِيبِ وَكَلَامُهُ هَذَا فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ لَهُ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ: هُوَ مِنَ الرِّيَاضِ كُلُّ أَرْضٍ اسْتَدَارَتْ، وَقِيلَ: كُلُّ أَرْضٍ ذَاتِ شَجَرٍ مُثْمِرٍ وَنَخْلٍ، وَقِيلَ: كُلُّ حُفْرَةٍ تَكُونُ فِي الْوَادِي يُحْتَبَسُ فِيهَا الْمَاءُ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَاءٌ فَهُوَ حَدِيقَةٌ، وَيُقَالُ: الْحَدِيقَةُ أَعْمَقُ مِنَ الْغَدِيرِ وَالْحَدِيقَةُ الْقِطْعَةُ مِنَ الزَّرْعِ يَعْنِي أَنَّهُ مِنَ الْمُشْتَرَكِ.

٥٥ - بَاب الْعُشْرِ فِيمَا يُسْقَى مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ وَبِالْمَاءِ الْجَارِي

وَلَمْ يَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الْعَسَلِ شَيْئًا

١٤٨٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ النَّبِيِّ أنه قَالَ: فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ.

قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: هَذَا تَفْسِيرُ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوَقِّتْ فِي الْأَوَّلِ يَعْنِي حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ وَبَيَّنَ فِي هَذَا وَوَقَّتَ وَالزِّيَادَةُ مَقْبُولَةٌ وَالْمُفَسَّرُ يَقْضِي عَلَى الْمُبْهَمِ إِذَا رَوَاهُ أَهْلُ الثَّبَتِ كَمَا رَوَى الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ لَمْ يُصَلِّ فِي الْكَعْبَةِ. وَقَالَ بِلَالٌ: قَدْ صَلَّى فَأُخِذَ بِقَوْلِ بِلَالٍ وَتُرِكَ قَوْلُ الْفَضْلِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْعُشْرِ فِيمَا يُسْقَى مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ وَالْمَاءِ الْجَارِي) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: عَدَلَ عنْ لَفْظِ الْعُيُونِ الْوَاقِعِ فِي الْخَبَرِ إِلَى الْمَاءِ الْجَارِي لِيُجْرِيَهُ مُجْرَى التَّفْسِيرِ لِلْمَقْصُودِ مِنْ مَاءِ الْعُيُونِ، وَأَنَّهُ الْمَاءُ الَّذِي يَجْرِي بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ نَضْحٍ وَلِيُبَيِّنَ أَنَّ الَّذِي يَجْرِي بِنَفْسِهِ مِنْ نَهْرٍ أَوْ غَدِيرٍ حُكْمُهُ حُكْمُ مَا يَجْرِي مِنَ الْعُيُونِ. انْتَهَى. وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، فَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْأَنْهَارُ وَالْعُيُونُ الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الْعَسَلِ شَيْئًا) أَيْ: زَكَاةً، وَصَلَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، قَالَ: جَاءَ كِتَابٌ مِنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ

إِلَى أَبِي، وَهُوَ بِمِنًى: أَنْ لَا تَأْخُذَ مِنَ الْخَيْلِ وَلَا مِنَ الْعَسَلِ صَدَقَةً. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: بَعَثَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى الْيَمَنِ، فَأَرَدْتُ أَنْ آخُذَ مِنَ الْعَسَلِ الْعُشْرَ، فَقَالَ مُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ الصَّنْعَانِيُّ: لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، فَكَتَبْتَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالَ: صَدَقَ، هُوَ عَدْلُ رِضَا، لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ وَجَاءَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَا يُخَالِفُهُ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ كِتَابِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ قَالَ: ذَكَرَ لِي بَعْضُ مَنْ لَا أَتَّهِمُ مِنْ أَهْلِي أَنَّهُ تَذَاكَرَ هُوَ وَعُرْوَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّعْدِيُّ فَزَعَمَ عُرْوَةُ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَسْأَلُهُ عَنْ صَدَقَةِ الْعَسَلِ، فَزَعَمَ عُرْوَةُ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّا قَدْ وَجَدْنَا بَيَانَ صَدَقَةِ الْعَسَلِ بِأَرْضِ الطَّائِفِ فَخُذْ مِنْهُ الْعُشْرَ. انْتَهَى. وَهَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ لِجَهَالَةِ الْوَاسِطَةِ، وَالْأَوَّلُ أَثْبَتُ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى تَضْعِيفِ مَا رُوِيَ: أَنَّ فِي الْعَسَلِ الْعُشْرَ. وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ.

كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ أَنْ يُؤْخَذَ مِنَ الْعَسَلِ الْعُشْرُ: وَفِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَرَّرٍ، وَهُوَ بِمُهْمَلَاتٍ وَزْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ: عَبْدُ اللَّهِ مَتْرُوكٌ، وَلَا يَصِحُّ فِي زَكَاةِ الْعَسَلِ شَيْءٌ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ. قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ: حَدِيثُ إِنَّ فِي الْعَسَلِ الْعُشْرَ ضَعِيفٌ، وَفِي أَنْ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْعُشْرُ ضَعِيفٌ، إِلَّا عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. انْتَهَى. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ: أَنَّ مُعَاذًا لَمَّا أَتَى الْيَمَنَ قَالَ: لَمْ أُؤْمَرْ فِيهِمَا بِشَيْءٍ يَعْنِي الْعَسَلَ وَأَوْقَاصَ الْبَقَرِ، وَهَذَا مُنْقَطِعٌ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: جَاءَ هِلَالٌ أَحَدُ بَنِي مُتْعَانَ - أَيْ: بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ - إِلَى رَسُولِ اللَّهِ بِعُشُورِ نَحْلٍ لَهُ، وَكَانَ سَأَلَهُ أَنْ يَحْمِيَ لَهُ وَادِيًا فَحَمَاهُ لَهُ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ كَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ: إِنْ أَدَّى إِلَيْكَ عُشُورَ نَحْلِهِ فَاحْمِ لَهُ سَلَبَهُ، وَإِلَّا فَلَا.

وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ إِلَى عَمْرٍو (١) وَتَرْجَمَةُ عَمْرٍو قَوِيَّةٌ عَلَى الْمُخْتَارِ لَكِنْ حَيْثُ لَا تَعَارُضَ، وَقَدْ وَرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هِلَالًا أَعْطَى ذَلِكَ تَطَوُّعًا، فَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ يَنْهَاهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْعَسَلِ صَدَقَةً إِلَّا إِنْ كَانَ النَّبِيُّ أَخَذَهَا، فَجَمَعَ عُثْمَانُ أَهْلَ الْعَسَلِ، فَشَهِدُوا أَنَّ هِلَالَ بْنَ سَعْدٍ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ بِعَسَلٍ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: صَدَقَةٌ فَأَمَرَ بِرَفْعِهَا وَلَمْ يَذْكُرْ عُشُورًا. لَكِنَّ الْإِسْنَادَ الْأَوَّلَ أَقْوَى، إِلَّا أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ الْحِمَى كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَيْسَ فِي الْعَسَلِ خَبَرٌ يَثْبُتُ وَلَا إِجْمَاعٌ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ: يَجِبُ الْعُشْرُ فِيمَا أُخِذَ مِنْ غَيْرِ أَرْضِ الْخَرَاجِ. وَمَا نَقَلَهُ عَنِ الْجُمْهُورِ مُقَابِلُهُ قَوْلُ التِّرْمِذِيَّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.

وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَيْسَ فِي الْعَسَلِ شَيْءٌ، وَأَشَارَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِهِ إِلَى أَنَّ الَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَقْوَى، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مُنَاسَبَةُ أَثَرِ عُمَرَ فِي الْعَسَلِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا عُشْرَ فِيهِ، لِأَنَّهُ خَصَّ الْعُشْرَ أَوْ نِصْفَهُ بِمَا يُسْقَى، فَأَفْهَمَ أَنَّ مَا لَا يُسْقَى لَا يُعَشَّرُ، زَادَ ابْنُ رَشِيدٍ: فَإِنْ قِيلَ الْمَفْهُومُ إِنَّمَا يَنْفِي الْعُشْرَ أَوْ نِصْفَهُ لَا مُطْلَقَ الزَّكَاةِ، فَالْجَوَابُ أَنَّ النَّاسَ قَائِلَانِ: مُثْبِتٌ لِلْعُشْرِ وَنَافٍ لِلزَّكَاةِ أَصْلًا، فَتَمَّ الْمُرَادُ. قَالَ: وَوَجْهُ إِدْخَالِهِ الْعَسَلَ أَيْضًا لِلتَّنْبِيهِ عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ، وَأَنَّهُ لَا يَرَى فِيهِ زَكَاةً وَإِنْ كَانَتِ النَّحْلُ تَتَغَذَّى مِمَّا يُسْقَى مِنَ السَّمَاءِ لَكِنَّ الْمُتَوَلِّدَ بِالْمُبَاشَرَةِ كَالزَّرْعِ لَيْسَ كَالْمُتَوَلِّدِ بِوَاسِطَةِ حَيَوَانٍ كَاللَّبَنِ، فَإِنَّهُ مُتَوَلِّدٌ عَنِ الرَّعْيِ وَلَا زَكَاةَ

فِيهِ.

قَوْلُهُ: (عَثَرِيًّا) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ تَشْدِيدُ الْمُثَلَّثَةِ، وَرَدَّهُ ثَعْلَبٌ وَحَكَى ابْنُ عُدَيْسٍ فِي الْمُثَلَّثِ فِيهِ ضَمَّ أَوَّلِهِ وَإِسْكَانَ ثَانِيهِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ الَّذِي يَشْرَبُ بِعُرُوقِهِ مِنْ غَيْرِ سَقْيٍ، زَادَ ابْنُ قُدَامَةَ، عَنِ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى: وَهُوَ الْمُسْتَنْقَعُ فِي بِرْكَةٍ وَنَحْوِهَا، يُصَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَاءِ الْمَطَرِ فِي سَوَاقٍ تُشَقُّ لَهُ، قَالَ: وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الْعَاثُورِ، وَهِيَ السَّاقِيَةُ الَّتِي يَجْرِي فِيهَا الْمَاءُ، لِأَنَّ الْمَاشِيَ يَعْثُرُ فِيهَا. قَالَ: وَمِنْهُ الَّذِي يَشْرَبُ مِنَ الْأَنْهَارِ بِغَيْرِ مُؤْنَةٍ، أَوْ يَشْرَبُ بِعُرُوقِهِ كَأَنْ يُغْرَسَ فِي أَرْضٍ يَكُونُ الْمَاءُ قَرِيبًا مِنْ وَجْهِهَا فَيَصِلُ إِلَيْهِ عُرُوقُ الشَّجَرِ فَيَسْتَغْنِي عَنِ السَّقْيِ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ أَوْلَى مِنَ إِطْلَاقِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّ الْعَثَرِيَّ مَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ، لِأَنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى الْمُغَايَرَةِ، وَكَذَا قَوْلُ مَنْ فَسَّرَ الْعَثَرِيَّ بِأَنَّهُ الَّذِي لَا حَمْلَ لَهُ، لِأَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: لَا نَعْلَمُ فِي هَذِهِ التَّفْرِقَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا خِلَافًا.

قَوْلُهُ: (بِالنَّضْحِ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ، أَيْ: بِالسَّانِيَةِ، وَهِيَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ، وَالْمُرَادُ بِهَا الْإِبِلُ الَّتِي يُسْتَقَى عَلَيْهَا، وَذَكَرَ الْإِبِلَ كَالْمِثَالِ، وَإِلَّا فَالْبَقْرُ وَغَيْرُهَا كَذَلِكَ فِي الْحُكْمِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: هَذَا تَفْسِيرُ الْأَوَّلِ. . . إِلَخْ) هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ هَذَا الْكَلَامُ عَقِبَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي الْعَثَرِيِّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ عَقِبَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَيْضًا، وَجَزَمَ أَبُو عَلِيٍّ الصَّدَفِيُّ بِأَنَّ ذِكْرَهُ عَقِبَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ قِبَلِ بَعْضِ نُسَّاخِ الْكِتَابِ. انْتَهَى. وَلَمْ يَقِفِ الصَّغَانِيُّ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ، فَجَزَمَ بِأَنَّهُ وَقَعَ هُنَا فِي جَمِيعِهَا، قَالَ: وَحَقُّهُ أَنْ يُذْكَرَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، قُلْتُ: وَلِذِكْرِهِ عَقِبَ كُلٍّ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ وَجْهٌ، لَكِنَّ تَعْبِيرَهُ بِالْأَوَّلِ يُرَجِّحُ كَوْنَهُ بَعْدَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، لِأَنَّهُ هُوَ الْمُفَسَّرُ للَّذِي قَبْلَهُ وَهُوَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، فَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ بِعُمُومِهِ ظَاهِرٌ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ النِّصَابِ، وَفِي إِيجَابِ الزَّكَاةِ فِي كُلِّ مَا يُسْقَى بِمُؤْنَةٍ وَبِغَيْرِ مُؤنَةٍ، وَلَكِنَّهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مُخْتَصٌّ بِالْمَعْنَى الَّذِي سِيقَ لِأَجْلِهِ، وَهُوَ التَّمْيِيزُ بَيْنَ مَا يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُ الْعُشْرِ بِخِلَافِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، فَإِنَّهُ مُسَاقٌ لِبَيَانِ جِنْسِ الْمُخْرَجِ مِنْهُ وَقَدْرِهِ، فَأَخَذَ بِهِ الْجُمْهُورُ عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي بَسْطُ الْقَوْلِ فِيهِ بَعْدُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَقَدْ جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِأَنَّ كَلَامَ الْبُخَارِيِّ وَقَعَ عَقِبَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَدَلَّ حَدِيثُ الْبَابِ عَلَى التَّفْرِقَةِ فِي الْقَدْرِ الْمُخْرَجِ الَّذِي يُسْقَى بِنَضْحٍ أَوْ بِغَيْرِ نَضْحٍ، فَإِنْ وُجِدَ مَا يُسْقَى بِهِمَا فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجِبُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ إِذَا تَسَاوَى ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ كَانَ حُكْمُ الْأَقَلِّ تَبَعًا لِلْأَكْثَرِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَالثَّانِي يُؤْخَذُ بِالْقِسْطِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ أَمْكَنَ فَصْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أُخِذَ بِحِسَابِهِ، وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ صَاحِبِ مَالِكٍ: الْعِبْرَةُ بِمَا تَمَّ بِهِ الزَّرْعُ وَانْتَهَى وَلَوْ كَانَ أَقَلَّ، قَالَهُ ابْنُ التِّينِ عَنْ حِكَايَةِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ عَنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(تَنْبِيهٌ): قَالَ النَّسَائِيُّ عَقِبَ تَخْرِيجِ هَذَا الْحَدِيثِ: رَوَاهُ نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، قَالَ: وَسَالِمٌ أَجَلُّ مِنْ نَافِعٍ، وَقَوْلُ نَافِعٍ أَوْلَى بِالصَّوَابِ. وَقَوْلُهُ بَعْدَهُ: (هَذَا تَفْسِيرُ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوَقِّتْ فِي الْأَوَّلِ) أَيْ: لَمْ يَذْكُرْ حَدًّا لِلنِّصَابِ، وَقَوْلُهُ: (وَبَيَّنَ فِي هَذَا) يَعْنِي فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ.

قَوْلُهُ: (وَالزِّيَادَةُ مَقْبُولَةٌ) أَيْ: مِنَ الْحَافِظِ، وَالثَّبَتُ بِتَحْرِيكِ الْمُوَحَّدَةِ: الثَّبَاتُ وَالْحُجَّةُ.

قَوْلُهُ: (وَالْمُفَسَّرُ يَقْضِي عَلَى الْمُبْهَمِ): أَيْ: الْخَاصُّ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ، لِأَنَّ فِيمَا سَقَتْ عَامٌّ يَشْمَلُ النِّصَابَ وَدُونَهُ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ خَاصٌّ بِقَدْرِ النِّصَابِ، وَأَجَابَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ مَحِلَّ ذَلِكَ مَا إِذَا كَانَ الْبَيَانُ وَفْقَ الْمُبِينِ لَا زَائِدًا عَلَيْهِ وَلَا نَاقِصًا عَنْهُ، أَمَّا إِذَا انْتَفَى شَيْءٌ مِنْ أَفْرَادِ الْعَامِّ مَثَلًا، فَيُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِهِ كَحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ هَذَا، فَإِنَّهُ دَلَّ عَلَى النِّصَابِ فِيمَا يَقْبَلُ التَّوْسِيقُ، وَسَكَتَ عَمَّا لَا يَقْبَلُ التَّوْسِيقُ فَيُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِعُمُومِ قَوْلِهِ: فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ. أَيْ: مِمَّا لَا يُمْكِنُ التَّوْسِيقُ فِيهِ عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ، وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

إلى أبي وهو بمنًى (١): ألَّا يأخذ من الخيل ولا من العسل صدقةً، وحديث: «إنَّ في العسل العُشْرَ» ضعَّفه الشَّافعيُّ.

١٤٨٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد بن الحكم بن محمَّد بن أبي مريم، أبو محمَّدٍ الجمحيُّ بالولاء، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) بفتح الواو وسكون الهاء، القرشيُّ المصريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ) الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) ولأبي ذرٍّ: «عن ابن شهابٍ الزُّهريِّ» (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب (، عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ) من باب ذكر المحلِّ وإرادة الحالِّ، أي: المطر (وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا) بفتح العين المهملة والمُثلَّثة المُخفَّفة وكسر الرَّاء وتشديد التَّحتيَّة، ما يُسقَى بالسَّيل الجاري في حفرٍ، وتُسمَّى الحفرة (٢) عاثوراء؛ لتعثُّر المارِّ بها إذا لم يعلمها، قاله الأزهريُّ، وهو المُسمَّى بالبعليِّ في الرِّواية الأخرى (العُشْرُ) مبتدأٌ، خبره: «فيما سقت السَّماء» أي: العُشْرُ واجبٌ فيما سقت السَّماء (٣) (وَمَا سُقِيَ (٤) بِالنَّضْحِ) بفتح النُّون وسكون المعجمة بعدها مُهمَلةٌ: ما سُقِي من الآبار (٥) بالغرب أو بالسَّانية (٦) فواجبُه (نِصْفُ العُشْرِ) والفرق ثقل

المؤنة هنا (١)، وخفَّتها في الأوَّل، والنَّاضح: اسمٌ لِما يُسقَى عليه من بعيرٍ أو بقرةٍ ونحوهما.

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي (٢): البخاريّ: (هَذَا) أي: حديث الباب (تَفْسِيرُ) الحديث (الأَوَّلِ) وهو حديث أبي سعيدٍ السَّابق في «باب ما أُدِّي زكاته فليس بكنزٍ» [خ¦١٤٠٥] واللَّاحق لهذا الباب، ولفظه: «ليس فيما دون خمسة أوسقٍ صدقةٌ» [خ¦١٤٨٤] (لأَنَّهُ لَمْ يُوَقِّتْ) بكسر القاف، ولأبي ذرٍّ: «يُوقَّت» بفتحها (فِي) الحديث (الأَوَّلِ) يريد لم يحدِّد بالعُشْر أو نصفه، وكان الأصل أن يقول: لأنَّه لم يوقِّت فيه، لكنَّه عبَّر بالظَّاهر موضع المضمر - (يَعْنِي) أي: البخاريُّ بقوله: هذا (حَدِيثَ ابْنِ (٣) عُمَرَ- «وَفِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ») جملةٌ معترضةٌ من كلام الرَّاوي بين قوله: «لأنَّه لم يوقِّت في الأوَّل»، وبين قوله: (وَبَيَّنَ فِي هَذَا) أي: في حديث ابن عمر ما يجب فيه العُشْر أو نصفه (وَوَقَّتَ) أي: حدَّد به. هذا ما ظهر (٤) لي من شرح هذا القول، والذي مشى عليه الكِرمانيُّ وغيره من الشُّرَّاح ممَّن علمته أنَّ مراده أنَّ حديث أبي سعيدٍ مفسِّرٌ لحديث ابن عمر، والزِّيادةَ والتَّوقيتَ تعيينُ النِّصابِ، وفي هذا نظرٌ لا يخفى؛ لأنَّه يصير المعنى، قال أبو عبد الله: هذا تفسير الأوَّل، يعني: حديث أبي سعيدٍ السَّابق؛ لأنَّه لم يوقِّت في الأوَّل الذي هو حديث أبي سعيدٍ، وهو خلاف المُدَّعى، فليُتأمَّل، نعم حديث ابن عمر هذا بعمومه ظاهرٌ في عدم اشتراط النِّصاب، فحديث أبي سعيدٍ مُقيِّدٌ لإطلاقه، كما أنَّ حديث ابن عمر مُقيِّدٌ لإطلاق حديث أبي سعيدٍ، فكلٌّ منهما مفسِّرٌ للآخر بما فيه من الزِّيادة (وَالزِّيَادَةُ) من الثِّقة (مَقْبُولَةٌ، وَالمُفَسَّرُ) بفتح السِّين (يَقْضِي عَلَى المُبْهَمِ) بفتح الهاء، أي: الخاصُّ يقضي على

العامِّ بالتَّخصيص؛ لأنَّ قوله: «ليس فيما دون خمسة أوسقٍ صدقةٌ» يشمل ما يُسقَى بمؤنةٍ وغير مؤنةٍ، وقوله: «فيما سقت السَّماء» خاصٌّ (إِذَا رَوَاهُ أَهْلُ الثَّبْتِ) بسكون المُوحَّدة في فرع «اليونينيَّة»، وقال الحافظ ابن حجرٍ -كالكِرمانيِّ- وغيره بفتحها، «وإذا رواه» متعلِّقٌ (١) بقوله: «مقبولةٌ»، وقال التَّيميُّ والإسماعيليُّ: إنَّ هذا القول في نسخة الفَِرَبْريِّ إنَّما هو عقب حديث أبي سعيدٍ [خ¦١٤٨٤] في الباب التَّالي لهذا الباب، وإنَّ وقوعه هنا غلطٌ من النَّاسخ، ويشكل عليه ثبوته في الأصول المعتمدة في كلٍّ من البابين عقب حديث ابن عمر، وفي روايةٍ عن أبي ذرٍّ وابن عساكر عقب حديث أبي سعيدٍ، وإن اختلف بعض اللَّفظ فيهما على أنَّ نسبة الغلط للنَّاسخ إنَّما تتأتَّى على تقدير إرادة المؤلِّف أنَّ حديث أبي سعيدٍ مفسِّرٌ لحديث ابن عمر، وقد مرَّ ما في ذلك، وأمَّا على ما ذكرته من أنَّ حديث الباب مفسِّرٌ لحديث أبي سعيدٍ فلا، وحينئذٍ فالمصير إلى ما ذكرته أَوْلى من العكس على ما لا يخفى، وفي رواية غير أبي ذرٍّ: «قال أبو عبد الله: هذا الأوَّل؛ لأنَّه لم يوقِّت في الأوَّل»، فأسقط لفظ «تفسير»، لكن في فرع (٢) «اليونينيَّة» ضبَّب على لفظة: «الأوَّل» الأولى (٣)، وكتب في الهامش صوابهُ: «أولى، أو المفسِّر للأوَّل» (٤) بفتح الهمزة وسكون الواو، من الأولويَّة، والمفسِّر بكسر السِّين، قلت: ومعناه: حديث الباب أَوْلى من حديث أبي سعيدٍ السَّابق؛ لما فيه من زيادة التَّمييز بين ما يسقى بمؤنةٍ وبغير مؤنةٍ، أو هو المفسِّر لحديث أبي سعيدٍ (٥) حيث بيَّن (٦) فيه -كما مرَّ-، وهو يؤيِّد ما شرحته، فليُتأمَّل.

(كَمَا رَوَى الفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ) ، فيما وصله أحمد: (أَنَّ النَّبِيَّ لَمْ يُصَلِّ فِي الكَعْبَةِ) يوم فتح مكَّة (وَقَالَ بِلَالٌ) المؤذِّن، فيما وصله المؤلِّف في «الحجِّ» [خ¦١٥٩٩]: (قَدْ

صَلَّى) فيها يومئذٍ (فَأُخِذَ بِقَوْلِ بِلَالٍ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، لِما معه من الزِّيادة (وَتُرِكَ قَوْلُ الفَضْلِ) بضمِّ تاء «تُرِك» مبنيًّا للمفعول، كـ «أُخِذ»، وليس قول بلالٍ منافيًا لقول الفضل: «لم يصلِّ»، بل مراده أنَّه لم يره؛ لاشتغاله بالدُّعاء ونحوه في ناحيةٍ من نواحي البيت غير التي صلَّى فيها النَّبيُّ .

(٥٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ) من المقتات في حال الاختيار، وهو من الثِّمار الرُّطَب والعنب، ومن الحبِّ الحنطة والشَّعير والسُّلْت والأرزُّ والعدس والحِمَّص والباقلَّاء والدُّخَن والذُّرة واللُّوبياء (١) والماش والجُلْبَان ونحوها (صَدَقَةٌ) والوسق: ستُّون صاعًا، والصَّاع: أربعة أمدادٍ، والمدُّ: رطلٌ وثلثٌ بالبغداديِّ، فالأوسق: الخمسة ألفٍ وستُّ مئةِ رطلٍ بالبغداديِّ، والأصحُّ اعتبار الكيل لا الوزن إذا اختلفا، وإنَّما قدِّر بالوزن استظهارًا، قال القموليُّ: وقدّر النِّصاب بأرْدَبِّ مصر: ستَّة أرادِبَّ ورُبعٌ، بجعل القدحين صاعًا، كزكاة الفطر وكفَّارة اليمين. وقال السُّبكيُّ: خمسةُ أرادِبَّ ونصفٌ وثلثٌ، فقد اعتبرتَ القَدَح المصريَّ بالمُدِّ الذي حرَّرته فَوَسِع مُدَّين وسُبْعًا تقريبًا، فالصَّاع: قدحان إلَّا سُبْعَي مدٍّ، وكلُّ خمسةَ عشرَ مُدًّا سبعةُ أقداحٍ، وكلُّ خمسةَ عشرَ صاعًا وَيْبَةٌ ونصفٌ ورُبعٌ، فثلاثون صاعًا: ثلاثُ وَيْبَاتٍ ونصفٌ، فثلاثُ مئة صاعٍ: خمسةٌ وثلاثون وَيْبَةً، وهي خمسةُ أرادِبَّ ونصفٌ وثلثٌ، فالنِّصاب على قوله خمسُ مئةٍ وستُّون قدحًا، وعلى قول القَمُوليِّ: ستُّ مئةٍ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله