«اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا مِنَ الْأَسْدِ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥٠٠

الحديث رقم ١٥٠٠ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى والعاملين عليها ومحاسبة المصدقين مع الإمام.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٥٠٠ في صحيح البخاري

«اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ رَجُلًا مِنَ الْأَسْدِ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ، يُدْعَى ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ».

بَابُ اسْتِعْمَالِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَأَلْبَانِهَا لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ

إسناد حديث رقم ١٥٠٠ من صحيح البخاري

١٥٠٠ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٥٠٠: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فَصَحَّ أَنَّهُ غَيْرُهُ، قَالَ: وَمَا أَلْزَمَ بِهِ الْبُخَارِيُّ الْقَائِلَ الْمَذْكُورَ قَدْ يُقَالُ لِمَنْ وُهِبَ لَهُ الشَّيْءُ أَوْ رَبِحَ رِبْحًا كَثِيرًا أَوْ كَثُرَ ثَمَرُهُ: أَرْكَزْتَ حُجَّةً بَالِغَةً، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الِاشْتِرَاكِ فِي الْأَسْمَاءِ الِاشْتِرَاكُ فِي الْمَعْنَى، إِلَّا إِنْ أَوْجَبَ ذَلِكَ مَنْ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمَالَ الْمَوْهُوبَ لَا يَجِبُ فِيهِ الْخُمُسُ، وَإِنْ كَانَ يُقَالُ لَهُ: أَرْكَزَ، فَكَذَلِكَ الْمَعْدِنُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ثُمَّ نَاقَضَ إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ فَلَيْسَ كَمَا قَالَ، وَإِنَّمَا أَجَازَ لَهُ أَبُو حَنِيفَةَ أَنْ يَكْتُمَهُ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَتَأَوَّلُ أَنَّ لَهُ حَقًّا فِي بَيْتِ الْمَالِ وَنَصِيبًا فِي الْفَيْءِ، فَأَجَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْخُمُسَ لِنَفْسِهِ عِوَضًا عَنْ ذَلِكَ، لَا أَنَّهُ أَسْقَطَ الْخُمُسَ عَنِ الْمَعْدِنِ اهـ. وَقَدْ نَقَلَ الطَّحَاوِيُّ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ بَطَّالٍ، وَنَقَلَ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ فِي دَارِهِ مَعْدِنًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَبِهَذَا يَتَّجِهُ اعْتِرَاضُ الْبُخَارِيِّ.

وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ فِي الْوُجُوبِ وَعَدَمِهِ، أَنَّ الْمَعْدِنَ يَحْتَاجُ إِلَى عَمَلٍ وَمُؤْنَةٍ وَمُعَالَجَةٍ لِاسْتِخْرَاجِهِ بِخِلَافِ الرِّكَازِ، وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ الشَّرْعِ أَنَّ مَا غَلُظَتْ مُؤْنَتُهُ خُفِّفَ عَنْهُ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ، وَمَا خَفَّتْ زِيدَ فِيهِ. وَقِيلَ: إِنَّمَا جُعِلَ فِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ، لِأَنَّهُ مَالُ كَافِرٍ، فَنُزِّلَ مَنْ وَجَدَهُ مَنْزِلَةَ الْغَنَائِمِ، فَكَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ. وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: كَأَنَّ الرِّكَازَ مَأْخُوذٌ مِنْ أَرْكَزْتُهُ فِي الْأَرْضِ إِذَا غَرَزْتُهُ فِيهَا، وَأَمَّا الْمَعْدِنُ فَإِنَّهُ يَنْبُتُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ وَضْعِ وَاضِعٍ. هَذِهِ حَقِيقَتُهُمَا، فَإِذَا افْتَرَقَا فِي أَصْلِهِمَا فَكَذَلِكَ فِي حُكْمِهِمَا.

قَوْلُهُ: (الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: الْعَجْمَاءُ عَقْلُهَا جُبَارٌ، وَسَيَأْتِي فِي الدِّيَاتِ مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَسُمِّيَتِ الْبَهِيمَةُ عَجْمَاءَ لِأَنَّهَا لَا تَتَكَلَّمُ.

قَوْلُهُ: (وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ) أَيْ هَدَرٌ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ، وإِنَّمَا الْمَعْنَى أَنَّ مَنِ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِلْعَمَلِ فِي مَعْدِنٍ مَثَلًا فَهَلَكَ فَهُوَ هَدَرٌ، وَلَا شَيْءَ عَلَى مَنِ اسْتَأْجَرَهُ، وَسَيَأْتِي بَسْطُهُ فِي الدِّيَاتِ.

قَوْلُهُ: (وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ) قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الِاخْتِلَافِ فِي الرِّكَازِ، وَأَنَّ الْجُمْهُورَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ الْمَالُ الْمَدْفُونُ، لَكِنْ حَصَرَهُ الشَّافِعِيَّةُ فِيمَا يُوجَدُ فِي الْمَوَاتِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا وَجَدَهُ فِي طَرِيقٍ مَسْلُوكٍ أَوْ مَسْجِدٍ فَهُوَ لُقَطَةٌ، وَإِذَا وَجَدَهُ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ فَإِنْ كَانَ الْمَالِكُ الَّذِي وَجَدَهُ فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ فَإِنِ ادَّعَاهُ الْمَالِكُ فَهُوَ لَهُ وَإِلَّا فَهُوَ لِمَنْ تَلَقَّاهُ عَنْهُ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الْحَالُ إِلَى مَنْ أَحْيَا تِلْكَ الْأَرْضَ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: مَنْ قَالَ مِنَ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّ فِي الرِّكَازِ الْخُمُسَ إِمَّا مُطْلَقًا أَوْ فِي أَكْثَرِ الصُّوَرِ، فَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْحَدِيثِ، وَخَصَّهُ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا يَخْتَصُّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَصْرِفِهِ، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْجُمْهُورُ: مَصْرِفُهُ مَصْرِفُ خُمُسِ الْفَيْءِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْهِ: مَصْرِفُهُ مَصْرِفُ الزَّكَاةِ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ. وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ مَا إِذَا وَجَدَهُ ذِمِّيٌّ، فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ يُخْرَجُ مِنْهُ الْخُمُسُ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْحَوْلُ، بَلْ يَجِبُ إِخْرَاجُ الْخُمُسِ فِي الْحَالِ. وَأَغْرَبَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ، فَحَكَى عَنِ الشَّافِعِيِّ الِاشْتِرَاطَ، وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِهِ وَلَا مِنْ كُتُبِ أَصْحَابِهِ.

٦٧ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ وَمُحَاسَبَةِ الْمُصَدِّقِينَ مَعَ الْإِمَامِ

١٥٠٠ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ رَجُلًا مِنْ الْأَسْدِ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ يُدْعَى ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ وَمُحَاسَبَةُ الْمُصَّدِّقِينَ مَعَ الْإِمَامِ) قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٥٠٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى) بن راشدٍ القطَّان قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) بضمِّ الهمزة، حمَّاد بن أسامة (١) قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ) عبد الرَّحمن أو المنذر (السَّاعِدِيِّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ رَجُلًا مِنَ الأَسْدِ) بفتح الهمزة وسكون السِّين، ويُقال: الأزد؛ بالزَّاي (عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ) بضمِّ السِّين وفتح اللَّام (يُدْعَى ابْنَ اللَُّتَْبِيَّةِ) بضمِّ اللَّام وسكون المُثنَّاة الفوقيَّة، وفي بعض الأصول بفتحها، وحكاه المنذريُّ، وقِيلَ: بفتح اللَّام والمُثنَّاة، حكاه في «الفتح»، اسمه: عبد الله، وكان من بني لتبٍ؛ حيٌّ من الأزد، وقِيلَ: اللُّتبيَّة أمُّه (فَلَمَّا جَاءَ) من عمله (حَاسَبَهُ) ؛ لما وجد معه من جنس مال الصَّدقة، وادَّعى أنَّه أُهدِي إليه؛ كما يظهر من مجموع طرق الحديث، ويأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى في «الأحكام» [خ¦٧١٩٧] و «ترك الحيل» [خ¦٦٩٧٩]، وأخرجه مسلمٌ في «المغازي»، وأبو داود في «الخراج» (٢).

(٦٨) (بابُ) جواز (اسْتِعْمَالِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَ) شرب (أَلْبَانِهَا لأَبْنَاءِ السَّبِيلِ) دون غيرهم، خلافًا للشَّافعيِّ حيث قال: يجب استيعاب الأصناف الثَّمانية.

١٥٠١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَي) بالإفراد (يَحْيَى) القطَّان (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة (عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ نَاسًا) ثمانيةً (مِنْ عُرَيْنَةَ)

بضمِّ العين وفتح الرَّاء المهملتين وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح النُّون: قبيلةٌ، وعند المؤلِّف في «المغازي» [خ¦٤١٩٢]: «من عُكْلٍ وعُرَيْنة»؛ بواو العطف، وسبق في «باب أبوال الإبل» من «الطَّهارة» [خ¦٢٣٣] بلفظ: «من عُكْلٍ أو عُرَينة» بالشَّكِّ (اجْتَوَوُا المَدِينَةَ) بسكون الجيم وفتح المثنَّاة الفوقيَّة والواو الأولى، من باب «الافتعال» أي: كرهوا المقام بها؛ لِما فيها من الوخم، أو أصابهم الجوى، وهو داء الجوف إذا تطاول (فَرَخَّصَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ) وكانت خمس عشرة، كما عند ابن سعدٍ (فَيَشْرَبُوا (١) مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا) تمسَّك به من قال: إنَّ بول ما أُكِلَ طاهرٌ، ودُفِع بأنَّ الدَّواء يبيح ما كان حرامًا، وهذا موضع التَّرجمة، قال ابن بطَّالٍ: والحجَّة -يعني: للمؤلِّف- للتَّرجمة بحديث الباب قاطعةٌ؛ لأنَّه أفرد أبناء السَّبيل بإبل الصَّدقة وألبانها دون غيرهم. انتهى. وعُورِض باحتمال أن يكون ما أباح لهم من الانتفاع إلَّا بما هو قدر حصَّتهم، على أنَّه ليس في الخبر أيضا أنَّه ملَّكهم رقابها، وإنَّما فيه أنَّه أباح لهم شرب ألبان الإبل للتَّداوي. واستنبط منه المؤلِّف جواز استعمالها في بقيَّة المنافع إذ لا فرقَ، وأمَّا تمليك رقابها فلم يقع، وغاية ما يُفهَم من حديث الباب: أنَّ للإمام أن يخصَّ بمنفعة مال الزَّكاة دون الرَّقبة صنفًا دون صنفٍ، بحسب الاحتياج على أنَّه ليس في الخبر أيضًا تصريحٌ بأنَّه لم يصرف من ذلك شيئًا لغير العرنيِّين، فليست الدَّلالة منه لذلك ظاهرةً أصلًا، قاله في «فتح الباري». (فَقَتَلُوا) أي: فلمَّا شربوا منهما وصَحَوا قتلوا (الرَّاعِيَ) يسارًا النُّوبيَّ (وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ) سوقًا عنيفًا، وفي نسخةٍ: «واستاقوا الإبل» (فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ) سريَّةً عشرين نفسًا، وكان أميرهم كرز بن جابرٍ أو سعيد بن سعيدٍ، فأدركوهم في ذلك اليوم (فَأُتِيَ بِهِمْ) بضمِّ الهمزة (فَقَطَّعَ) بتشديد الطَّاء، وفي نسخةٍ بتخفيفها، أي: فأمر فقطع (٢) (أَيْدِيَهُمْ) جمع يدٍ، فإمِّا أن يُراد أقلُّ الجمع؛ وهو اثنان؛ لأنَّ لكلٍّ منهم يدين، وإمَّا أن يريد التَّوزيع عليهم بأن تُقطَع (٣) من كلِّ واحد منهم يدٌ (٤) واحدةٌ، والجمع في مقابلة الجمع يفيد التَّوزيع (وَأَرْجُلَهُمْ) من خلافٍ (وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ) بفتح السِّين والميم، مُخفَّفةً، أي: كحَّلها بمسامير

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فَصَحَّ أَنَّهُ غَيْرُهُ، قَالَ: وَمَا أَلْزَمَ بِهِ الْبُخَارِيُّ الْقَائِلَ الْمَذْكُورَ قَدْ يُقَالُ لِمَنْ وُهِبَ لَهُ الشَّيْءُ أَوْ رَبِحَ رِبْحًا كَثِيرًا أَوْ كَثُرَ ثَمَرُهُ: أَرْكَزْتَ حُجَّةً بَالِغَةً، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الِاشْتِرَاكِ فِي الْأَسْمَاءِ الِاشْتِرَاكُ فِي الْمَعْنَى، إِلَّا إِنْ أَوْجَبَ ذَلِكَ مَنْ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمَالَ الْمَوْهُوبَ لَا يَجِبُ فِيهِ الْخُمُسُ، وَإِنْ كَانَ يُقَالُ لَهُ: أَرْكَزَ، فَكَذَلِكَ الْمَعْدِنُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ثُمَّ نَاقَضَ إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ فَلَيْسَ كَمَا قَالَ، وَإِنَّمَا أَجَازَ لَهُ أَبُو حَنِيفَةَ أَنْ يَكْتُمَهُ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَتَأَوَّلُ أَنَّ لَهُ حَقًّا فِي بَيْتِ الْمَالِ وَنَصِيبًا فِي الْفَيْءِ، فَأَجَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْخُمُسَ لِنَفْسِهِ عِوَضًا عَنْ ذَلِكَ، لَا أَنَّهُ أَسْقَطَ الْخُمُسَ عَنِ الْمَعْدِنِ اهـ. وَقَدْ نَقَلَ الطَّحَاوِيُّ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ بَطَّالٍ، وَنَقَلَ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ فِي دَارِهِ مَعْدِنًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَبِهَذَا يَتَّجِهُ اعْتِرَاضُ الْبُخَارِيِّ.

وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ فِي الْوُجُوبِ وَعَدَمِهِ، أَنَّ الْمَعْدِنَ يَحْتَاجُ إِلَى عَمَلٍ وَمُؤْنَةٍ وَمُعَالَجَةٍ لِاسْتِخْرَاجِهِ بِخِلَافِ الرِّكَازِ، وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ الشَّرْعِ أَنَّ مَا غَلُظَتْ مُؤْنَتُهُ خُفِّفَ عَنْهُ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ، وَمَا خَفَّتْ زِيدَ فِيهِ. وَقِيلَ: إِنَّمَا جُعِلَ فِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ، لِأَنَّهُ مَالُ كَافِرٍ، فَنُزِّلَ مَنْ وَجَدَهُ مَنْزِلَةَ الْغَنَائِمِ، فَكَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ. وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: كَأَنَّ الرِّكَازَ مَأْخُوذٌ مِنْ أَرْكَزْتُهُ فِي الْأَرْضِ إِذَا غَرَزْتُهُ فِيهَا، وَأَمَّا الْمَعْدِنُ فَإِنَّهُ يَنْبُتُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ وَضْعِ وَاضِعٍ. هَذِهِ حَقِيقَتُهُمَا، فَإِذَا افْتَرَقَا فِي أَصْلِهِمَا فَكَذَلِكَ فِي حُكْمِهِمَا.

قَوْلُهُ: (الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: الْعَجْمَاءُ عَقْلُهَا جُبَارٌ، وَسَيَأْتِي فِي الدِّيَاتِ مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَسُمِّيَتِ الْبَهِيمَةُ عَجْمَاءَ لِأَنَّهَا لَا تَتَكَلَّمُ.

قَوْلُهُ: (وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ) أَيْ هَدَرٌ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ، وإِنَّمَا الْمَعْنَى أَنَّ مَنِ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِلْعَمَلِ فِي مَعْدِنٍ مَثَلًا فَهَلَكَ فَهُوَ هَدَرٌ، وَلَا شَيْءَ عَلَى مَنِ اسْتَأْجَرَهُ، وَسَيَأْتِي بَسْطُهُ فِي الدِّيَاتِ.

قَوْلُهُ: (وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ) قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الِاخْتِلَافِ فِي الرِّكَازِ، وَأَنَّ الْجُمْهُورَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ الْمَالُ الْمَدْفُونُ، لَكِنْ حَصَرَهُ الشَّافِعِيَّةُ فِيمَا يُوجَدُ فِي الْمَوَاتِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا وَجَدَهُ فِي طَرِيقٍ مَسْلُوكٍ أَوْ مَسْجِدٍ فَهُوَ لُقَطَةٌ، وَإِذَا وَجَدَهُ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ فَإِنْ كَانَ الْمَالِكُ الَّذِي وَجَدَهُ فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ فَإِنِ ادَّعَاهُ الْمَالِكُ فَهُوَ لَهُ وَإِلَّا فَهُوَ لِمَنْ تَلَقَّاهُ عَنْهُ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الْحَالُ إِلَى مَنْ أَحْيَا تِلْكَ الْأَرْضَ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: مَنْ قَالَ مِنَ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّ فِي الرِّكَازِ الْخُمُسَ إِمَّا مُطْلَقًا أَوْ فِي أَكْثَرِ الصُّوَرِ، فَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْحَدِيثِ، وَخَصَّهُ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا يَخْتَصُّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَصْرِفِهِ، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْجُمْهُورُ: مَصْرِفُهُ مَصْرِفُ خُمُسِ الْفَيْءِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْهِ: مَصْرِفُهُ مَصْرِفُ الزَّكَاةِ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ. وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ مَا إِذَا وَجَدَهُ ذِمِّيٌّ، فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ يُخْرَجُ مِنْهُ الْخُمُسُ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْحَوْلُ، بَلْ يَجِبُ إِخْرَاجُ الْخُمُسِ فِي الْحَالِ. وَأَغْرَبَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ، فَحَكَى عَنِ الشَّافِعِيِّ الِاشْتِرَاطَ، وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِهِ وَلَا مِنْ كُتُبِ أَصْحَابِهِ.

٦٧ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ وَمُحَاسَبَةِ الْمُصَدِّقِينَ مَعَ الْإِمَامِ

١٥٠٠ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ رَجُلًا مِنْ الْأَسْدِ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ يُدْعَى ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ وَمُحَاسَبَةُ الْمُصَّدِّقِينَ مَعَ الْإِمَامِ) قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٥٠٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى) بن راشدٍ القطَّان قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) بضمِّ الهمزة، حمَّاد بن أسامة (١) قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ) عبد الرَّحمن أو المنذر (السَّاعِدِيِّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ رَجُلًا مِنَ الأَسْدِ) بفتح الهمزة وسكون السِّين، ويُقال: الأزد؛ بالزَّاي (عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ) بضمِّ السِّين وفتح اللَّام (يُدْعَى ابْنَ اللَُّتَْبِيَّةِ) بضمِّ اللَّام وسكون المُثنَّاة الفوقيَّة، وفي بعض الأصول بفتحها، وحكاه المنذريُّ، وقِيلَ: بفتح اللَّام والمُثنَّاة، حكاه في «الفتح»، اسمه: عبد الله، وكان من بني لتبٍ؛ حيٌّ من الأزد، وقِيلَ: اللُّتبيَّة أمُّه (فَلَمَّا جَاءَ) من عمله (حَاسَبَهُ) ؛ لما وجد معه من جنس مال الصَّدقة، وادَّعى أنَّه أُهدِي إليه؛ كما يظهر من مجموع طرق الحديث، ويأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى في «الأحكام» [خ¦٧١٩٧] و «ترك الحيل» [خ¦٦٩٧٩]، وأخرجه مسلمٌ في «المغازي»، وأبو داود في «الخراج» (٢).

(٦٨) (بابُ) جواز (اسْتِعْمَالِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَ) شرب (أَلْبَانِهَا لأَبْنَاءِ السَّبِيلِ) دون غيرهم، خلافًا للشَّافعيِّ حيث قال: يجب استيعاب الأصناف الثَّمانية.

١٥٠١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَي) بالإفراد (يَحْيَى) القطَّان (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة (عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ نَاسًا) ثمانيةً (مِنْ عُرَيْنَةَ)

بضمِّ العين وفتح الرَّاء المهملتين وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح النُّون: قبيلةٌ، وعند المؤلِّف في «المغازي» [خ¦٤١٩٢]: «من عُكْلٍ وعُرَيْنة»؛ بواو العطف، وسبق في «باب أبوال الإبل» من «الطَّهارة» [خ¦٢٣٣] بلفظ: «من عُكْلٍ أو عُرَينة» بالشَّكِّ (اجْتَوَوُا المَدِينَةَ) بسكون الجيم وفتح المثنَّاة الفوقيَّة والواو الأولى، من باب «الافتعال» أي: كرهوا المقام بها؛ لِما فيها من الوخم، أو أصابهم الجوى، وهو داء الجوف إذا تطاول (فَرَخَّصَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ) وكانت خمس عشرة، كما عند ابن سعدٍ (فَيَشْرَبُوا (١) مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا) تمسَّك به من قال: إنَّ بول ما أُكِلَ طاهرٌ، ودُفِع بأنَّ الدَّواء يبيح ما كان حرامًا، وهذا موضع التَّرجمة، قال ابن بطَّالٍ: والحجَّة -يعني: للمؤلِّف- للتَّرجمة بحديث الباب قاطعةٌ؛ لأنَّه أفرد أبناء السَّبيل بإبل الصَّدقة وألبانها دون غيرهم. انتهى. وعُورِض باحتمال أن يكون ما أباح لهم من الانتفاع إلَّا بما هو قدر حصَّتهم، على أنَّه ليس في الخبر أيضا أنَّه ملَّكهم رقابها، وإنَّما فيه أنَّه أباح لهم شرب ألبان الإبل للتَّداوي. واستنبط منه المؤلِّف جواز استعمالها في بقيَّة المنافع إذ لا فرقَ، وأمَّا تمليك رقابها فلم يقع، وغاية ما يُفهَم من حديث الباب: أنَّ للإمام أن يخصَّ بمنفعة مال الزَّكاة دون الرَّقبة صنفًا دون صنفٍ، بحسب الاحتياج على أنَّه ليس في الخبر أيضًا تصريحٌ بأنَّه لم يصرف من ذلك شيئًا لغير العرنيِّين، فليست الدَّلالة منه لذلك ظاهرةً أصلًا، قاله في «فتح الباري». (فَقَتَلُوا) أي: فلمَّا شربوا منهما وصَحَوا قتلوا (الرَّاعِيَ) يسارًا النُّوبيَّ (وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ) سوقًا عنيفًا، وفي نسخةٍ: «واستاقوا الإبل» (فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ) سريَّةً عشرين نفسًا، وكان أميرهم كرز بن جابرٍ أو سعيد بن سعيدٍ، فأدركوهم في ذلك اليوم (فَأُتِيَ بِهِمْ) بضمِّ الهمزة (فَقَطَّعَ) بتشديد الطَّاء، وفي نسخةٍ بتخفيفها، أي: فأمر فقطع (٢) (أَيْدِيَهُمْ) جمع يدٍ، فإمِّا أن يُراد أقلُّ الجمع؛ وهو اثنان؛ لأنَّ لكلٍّ منهم يدين، وإمَّا أن يريد التَّوزيع عليهم بأن تُقطَع (٣) من كلِّ واحد منهم يدٌ (٤) واحدةٌ، والجمع في مقابلة الجمع يفيد التَّوزيع (وَأَرْجُلَهُمْ) من خلافٍ (وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ) بفتح السِّين والميم، مُخفَّفةً، أي: كحَّلها بمسامير

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله