الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥٠١
الحديث رقم ١٥٠١ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب استعمال إبل الصدقة وألبانها لأبناء السبيل.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابُ وَسْمِ الْإِمَامِ إِبِلَ الصَّدَقَةِ بِيَدِهِ
١٥٠١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ ﵁:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَنَّ الْعَامِلِينَ عَلَيْهَا السُّعَاةُ الْمُتَوَلُّونَ لِقَبْضِ الصَّدَقَةِ. وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: حَدِيثُ الْبَابِ أَصْلٌ فِي مُحَاسَبَةِ الْمُؤْتَمَنِ، وَأَنَّ الْمُحَاسَبَةَ تَصْحِيحُ أَمَانَتِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ الْمَذْكُورُ صَرَفَ شَيْئًا مِنَ الزَّكَاةِ فِي مَصَارِفِهِ، فَحُوسِبَ عَلَى الْحَاصِلِ وَالْمَصْرُوفِ. قُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ مَجْمُوعِ الطُّرُقِ أَنَّ سَبَبَ مُطَالَبَتِهِ بِالْمُحَاسَبَةِ مَا وُجِدَ مَعَهُ مِنْ جِنْسِ مَالِ الصَّدَقَةِ، وَادَّعَى أَنَّهُ أُهْدِيَ إِلَيْهِ.
ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ فِي قِصَّةِ ابْنِ اللُّتْبِيَّةِ وَفِيهِ: فَلَمَّا جَاءَ حَاسِبُهُ. وسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مُسْتَوْفًى فِي الْأَحْكَامِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَابْنُ اللُّتْبِيَّةِ الْمَذْكُورُ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ، وَلَمْ أَعْرِفِ اسْمَ أُمِّهِ. وَقَوْلُهُ: عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ. أَفَادَ الْعَسْكَرِيُّ بِأَنَّهُ بُعِثَ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي ذُبْيَانَ، فَلَعَلَّهُ كَانَ عَلَى الْقَبِيلَتَيْنِ. وَاللُّتْبِيَّةُ بِضَمِّ اللَّامِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ مِنْ بَنِي لُتْبٍ حَيٌّ مِنَ الْأَزْدِ، قَالَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ، قِيلَ: إِنَّهَا كَانَتْ أُمَّهُ فَعُرِفَ بِهَا، وَقِيلَ: اللَّتَبِيَّةُ بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْمُثَنَّاةِ.
٦٨ - بَاب اسْتِعْمَالِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَأَلْبَانِهَا لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ
١٥٠١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ اجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ فَرَخَّصَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأُتِيَ بِهِمْ فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ وَتَرَكَهُمْ بِالْحَرَّةِ يَعَضُّونَ الْحِجَارَةَ تَابَعَهُ أَبُو قِلَابَةَ وَحُمَيْدٌ وَثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ.
قَوْلُهُ: (بَابُ اسْتِعْمَالِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَأَلْبَانِهَا لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ) قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: غَرَضُ الْمُصَنِّفِ فِي هَذَا الْبَابِ إِثْبَاتُ وَضْعِ الصَّدَقَةِ فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: يَجِبُ اسْتِيعَابُ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ، وَفِيمَا قَالَ نَظَرٌ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَا أَبَاحَ لَهُمْ مِنَ الِانْتِفَاعِ إِلَّا بِمَا هُوَ قَدْرُ حِصَّتِهِمْ.
عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَبَرِ أَيْضًا أَنَّهُ مَلَّكَهُمْ رِقَابَهَا، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُ أَبَاحَ لَهُمْ شُرْبَ أَلْبَانِ الْإِبِلِ لِلتَّدَاوِي، فَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْبُخَارِيُّ جَوَازَ اسْتِعْمَالِهَا فِي بَقِيَّةِ الْمَنَافِعِ إِذْ لَا فَرْقَ، وَأَمَّا تَمْلِيكُ رِقَابِهَا فَلَمْ يَقَعْ، وَتَقْدِيرُ التَّرْجَمَةِ اسْتِعْمَالُ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَشُرْبُ أَلْبَانِهَا، فَاكْتَفَى عَنِ التَّصْرِيحِ بِالشُّرْبِ لِوُضُوحِهِ، فَغَايَةُ مَا يُفْهَمُ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَخُصَّ بِمَنْفَعَةِ مَالِ الزَّكَاةِ - دُونَ الرَّقَبَةِ - صِنْفًا دُونَ صِنْفٍ بِحَسَبِ الِاحْتِيَاجِ، عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَبَرِ أَيْضًا تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَصْرِفْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا لِغَيْرِ الْعُرَنِيِّينَ، فَلَيْسَتِ الدَّلَالَةُ مِنْهُ لِذَلِكَ بِظَاهِرَةٍ أَصْلًا بِخِلَافِ مَا ادَّعَى ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّهُ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ أَبُو قِلَابَةَ وَحُمَيْدٌ وَثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ) أَمَّا مُتَابَعَةُ أَبِي قِلَابَةَ فَتَقَدَّمَتْ فِي الطَّهَارَةِ، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ حُمَيْدٍ فَوَصَلَهَا مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ ثَابِتٍ فَوَصَلَهَا الْمُصَنِّفُ فِي الطِّبِّ. وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ.
٦٩ - بَاب وَسْمِ الْإِمَامِ إِبِلَ الصَّدَقَةِ بِيَدِهِ
١٥٠٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: غَدَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ لِيُحَنِّكَهُ فَوَافَيْتُهُ فِي يَدِهِ الْمِيسَمُ يَسِمُ إِبِلَ الصَّدَقَةِ.
[الحديث ١٥٠٢ - طرفاه في: ٥٥٤٢، ٥٨٢٤]
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعبد بن حميد وَعَن ابْن أبي شيبَة عَن عبد الرَّحِيم بن سُلَيْمَان وَعَن أبي كريب وَعَبدَة بن سُلَيْمَان وَعبد الله ابْن نمير وَأبي مُعَاوِيَة وَعَن ابْن أبي عَمْرو عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْخراج عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح وَمُحَمّد ابْن أَحْمد كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (من الْأسد) بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة، قَالَ التَّيْمِيّ: الاسد والأزد يتعاقبان. قَالَ الرشاطي: الْأَسدي بِسُكُون السِّين فِي كهلان هُوَ الْأسد بن الْغَوْث بن نبت بن ملكان بن زيد بن كهلان، وَقَالَ أَيْضا: الْأَزْدِيّ فِي كهلان ينْسب إِلَى الأزد بن الْغَوْث. ثمَّ قَالَ: يُقَال لَهُ الأزد، بالزاي، والاسد بِالسِّين. قَوْله: (يدعى ابْن اللتيبة) ، بِضَم اللَّام وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق بعْدهَا الْبَاء الْمُوَحدَة: واسْمه عبد الله وَكَانَ من بني لتب، حَيّ من الأزد. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: قيل: إِن اللتيبة كَانَت أمه فَعرف بهَا، وَقيل: اللتيبة، بِفَتْح اللَّام. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَيُقَال لَهُ: ابْن الأتيبة.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: اتّفق الْعلمَاء على أَن الْعلمَاء على الصَّدقَات هم السعاة المتولون فِي قبض الصَّدقَات، وَأَنَّهُمْ لَا يسْتَحقُّونَ على قبضهَا جزأ مِنْهَا مَعْلُوما: سبعا أَو ثمنا، وَإِنَّمَا لَهُ أجر عمله على حسب احتهاد الإِمَام. وَفِيه: من الْفِقْه جَوَاز محاسبة المؤتمن، وَأَن المحاسبة تصحح أَمَانَته، وَهُوَ أصل فعل عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي محاسبة الْعمَّال، وَإِنَّمَا فعل ذَلِك لما رأى مَا قَالُوهُ من كَثْرَة الأرباح، وَعلم أَن ذَلِك من أجل سلطانهم، وسلطانهم إِنَّمَا كَانَ بِالْمُسْلِمين، فَرَأى مقاسمة أَمْوَالهم واقتدى بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَفلا جلس فِي بَيت أَبِيه وَأمه فَيرى أيهدى لَهُ شَيْء أم لَا؟) . وَمَعْنَاهُ: لَوْلَا الْإِمَارَة لم يهدَ لَهُ شَيْء، وَهَذَا اجْتِهَاد من عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَإِنَّمَا أَخذ مِنْهُم مَا أَخذ لبيت مَال الْمُسلمين لَا لنَفسِهِ. وَفِيه: أَيْضا: أَن الْعَالم إِذا رأى متأولاً أَخطَأ فِي تَأْوِيله يعم النَّاس ضَرَره أَن يعلم النَّاس كَافَّة بِموضع خطئه، ويعرفهم بِالْحجَّةِ القاطعة لتأويله كَمَا فعل صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِابْن اللتيبة فِي خطبَته للنَّاس. وَفِيه: توبيخ المخطىء وَتَقْدِيم الأدنون إِلَى الْإِمَارَة وَالْأَمَانَة وَالْعَمَل، وَثمّ من هُوَ أَعلَى مِنْهُ وأفقه، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قدم ابْن اللتيبة وثمة من صحابته من هُوَ أفضل مِنْهُ. قَالَ ابْن بطال: وَفِيه: أَن لمن شغل بِشَيْء من أَعمال الْمُسلمين أَخذ الرزق على عمله.
٨٦ - (بابُ اسْتِعْمَالِ إبِلِ الصَّدَقَةِ وَألْبَانِهَا لأِبْنَاءِ السَّبِيلِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اسْتِعْمَال إبل الصَّدَقَة وَاسْتِعْمَال أَلْبَانهَا، وَالْمرَاد من اسْتِعْمَال أَلْبَانهَا شربهَا، وكلا الاستعمالين لأبناء السَّبِيل. قَالَ ابْن بطال: غَرَض البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب إِثْبَات وضع الصَّدَقَة فِي صنف وَاحِد من الْأَصْنَاف الثَّمَانِية خلافًا للشَّافِعِيّ الَّذِي لَا يجوز الْقِسْمَة إلَاّ على الثَّمَانِية، وَالْحجّة قَاطِعَة لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أفرد أَبنَاء السَّبِيل بِالِانْتِفَاعِ بِإِبِل الصَّدَقَة وَأَلْبَانهَا دون غَيرهم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَيْسَ حجَّة قَاطِعَة وَلَا غير قَاطِعَة إِذْ الصَّدَقَة لم تكن منحصرة عَلَيْهَا بِالِانْتِفَاعِ، إِذْ الرَّقَبَة تكون لغَيرهم، وَلَا الِانْتِفَاع بِتِلْكَ الْمدَّة وَنَحْوهَا. قلت: لَا وَجه لدفع كَلَام ابْن بطال لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما أفرد هَؤُلَاءِ العرنيين بِالِانْتِفَاعِ بِإِبِل الصَّدَقَة وَشرب أَلْبَانهَا فقد أفرد صنفا وَاحِدًا من الثَّمَانِية. فَدلَّ على جَوَاز الِاقْتِصَار على صنف وَاحِد. وَقَالَ بَعضهم عقيب كَلَام ابْن بطال: وَفِيمَا قَالَه نظر لاحْتِمَال أَن يكون مَا أَبَاحَ لَهُم من الِانْتِفَاع إلَاّ بِمَا هُوَ قدر حصتهم. قلت: سُبْحَانَ الله، هَذَا نظر عَجِيب، هَل كَانَت هَهُنَا قسْمَة بَين هَؤُلَاءِ وَغَيرهم من الْأَصْنَاف الثَّمَانِية حَتَّى أَبَاحَ لَهُم مَا يخصهم؟
١٠٥١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيى عنْ شُعْبَةَ قَالَ حدَّثنا قَتَادَةُ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ نَاسا مِنْ عُرَيْنَةَ اجْتَوَوْا المَدِينَةَ فرَخَّصَ لَهُمْ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنْ يأتُوا إبِلَ الصَّدَقَةِ فيَشْرَبُوا مِنْ ألْبَانِهَ وَأبْوَالِهَا فقَتَلُوا الرَّاعِي وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ فأرْسَلَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأُتِيَ بِهِمْ فقَطَّعَ أيْدِيَهُمْ وِأرّجُلَهُمْ وسَمَرَ أعْيُنَهُمْ وتَرَكَهُمْ بِالحَرَّةِ يَعَضُّونَ الحِجَارَةَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رخص لَهُم من شرب ألبان إبل الصَّدَقَة وَأَبْوَالهَا، والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الطَّهَارَة فِي: بَاب أَبْوَال الْإِبِل وَالدَّوَاب فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن
أبي قلَابَة (عَن أنس قَالَ: قدم أنَاس من عكل أَو عرينة) الحَدِيث، وَهَهُنَا أخرجه عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان إِلَى آخِره، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.
قَوْله: (اجتووا) بِالْجِيم من بَاب الافتعال، يُقَال: اجتويت الْبَلَد إِذا كرهت الْمقَام فِيهِ. قَوْله: (الذود) بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَهُوَ الْإِبِل. قَوْله: (بِالْحرَّةِ) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء: أَرض ذَات حِجَارَة سود كَأَنَّهَا احترقت بالنَّار. قَوْله: (يعضون) ، بِفَتْح الْعين من بَاب فعل يفعل بِكَسْر الْعين فِي الْمَاضِي، وَفتحهَا فِي المغابر. وَقيل: هُوَ من بَاب نصر ينصر، ولغة الْقُرْآن مثل الأول: {وَيَوْم بعض الظَّالِم على يَدَيْهِ} (الْفرْقَان: الْآيَة: ٧٢) .
تابَعَهُ أبُو قِلَابَةَ وَحُمَيْدٌ وثَابِتٌ عنْ أنَسٍ
أَي: تَابع أَبُو قلَابَة، بِكَسْر الْقَاف: عبد الله بن زيد الحرمي، وَحميد الطَّوِيل، وثابت، بالثاء الْمُثَلَّثَة: الْبنانِيّ قَتَادَة فِي رواياتهم عَن أنس. أما مُتَابعَة أبي قلَابَة فقد مرت فِي كتاب الطَّهَارَة، وَأما مُتَابعَة حميد فوصلها مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة، وَأما مُتَابعَة ثَابت فوصلها البُخَارِيّ فِي كتاب الطِّبّ.
٩٦ - (بابُ وَسْمِ الإمَامُ إبِلَ الصَّدَقَةِ بِيَدِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر وسم الإِمَام، وَهُوَ الإِمَام الْأَعْظَم، والوسم بِفَتْح الْوَاو وَهُوَ: التَّأْثِير بعلامة نَحْو: كَيَّة وَقطع الْأذن، وَأَصله من السمة وَهِي الْعَلامَة، كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: كَيفَ يكون الوسم من السمة وَكِلَاهُمَا مصدر؟ يُقَال: وسم يسم وسما وسمة. أَصله وسمة. فَلَمَّا حذفت الْوَاو مِنْهُ اتبَاعا لفعله، لِأَن أصل يسم يوسم حذفت الْوَاو لوقوعها بَين الْيَاء والكسرة فحذفت فِي سمة أَيْضا وعوضت عَنْهَا التَّاء، كَمَا فعل هَكَذَا فِي بَاب: وعد يعد عدَّة؟ قَوْله: (وَقطع الْأذن) فِيهِ نظر، لِأَن قطع الْأذن من الْمثلَة وَلَا يُسمى وسما، يُقَال: وسمه، إِذا أثر فِيهِ بكي.
٢٠٥١ - حدَّثنا إبْراهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قَالَ حدَّثنا الوَلِيدُ قَالَ حدَّثنا أبُو عَمْرٍ والأوْزَاعِيُّ قَالَ حدَّثني إسْحَاقُ بنُ عَبْدِ الله بنِ أبي طَلْحَةَ قَالَ حدَّثني أنَسُ بنُ مَالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ غَدَوْتُ إِلَى رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِعَبْدِ الله بنِ أبي طَلْحَة لِيُحنكِّهُ فَوَافَيْتُهُ فِي يَدِهِ المِيسَمُ يَسِمُ إبِلَ الصَّدَقَةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة: الأول: إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر، بِضَم الْمِيم وَسُكُون النُّون وَكسر الذَّال الْمُعْجَمَة: من الْإِنْذَار ضد الإبشار، وكنيته أَبُو إِسْحَاق الْحزَامِي، بالزاي: الْقرشِي الْأَسدي. الثَّانِي: الْوَلِيد بن مُسلم، أَبُو الْعَبَّاس الْأمَوِي الْقرشِي مَوْلَاهُم. مَاتَ سنة خمس وَتِسْعين وَمِائَة. الثَّالِث: أَبُو عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ، واسْمه عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو. الرَّابِع: إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة، واسْمه: زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ ابْن أخي أنس بن مَالك، يكنى أَبَا يحيى. الْخَامِس: أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده، وَأَنه ذكر مَنْسُوبا إِلَى جده، وَاسم أَبِيه: عبد الله بن الْمُنْذر، وَأَنه وَإِسْحَاق مدنيان وَأَن الْوَلِيد وَالْأَوْزَاعِيّ دمشقيان. وَفِيه: أحد الروَاة مَذْكُور بكنيته ونسبته وَهُوَ الْأَوْزَاعِيّ. وَفِيه: رِوَايَة الرَّاوِي عَن عَمه وَهُوَ إِسْحَاق.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي اللبَاس عَن هَارُون بن مَعْرُوف وَفِي بعض النّسخ: عَن هُرْمُز بن مَعْرُوف.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (غَدَوْت) من الغدو، وَهُوَ الرواح من أول النَّهَار. قَوْله: (ليحنكه) ، من التحنيك، وَهُوَ أَن يمضغ التمرة ويجعلها فِي فَم الصَّبِي وَيحك بهَا فِي حنكه بسبابته حَتَّى يتَحَلَّل فِي حنكه، والحنك أَعلَى دَاخل الْفَم. قَوْله: (فوافيته) ، من الموافاة: وَهُوَ الْإِتْيَان. يُقَال: وافيته إِذا أَتَيْته. قَوْله: (الميسم) بِكَسْر الْمِيم وَفتح السِّين الْمُهْملَة، وَهُوَ المكوى، وَهُوَ الْآلَة الَّتِي يكوى بهَا وَقيل بالشين الْمُعْجَمَة والمهملة، وَقيل بَينهمَا فرق، فبالمهملة يكون الكي فِي الْوَجْه، وبالمعجمة فِي سَائِر الْجَسَد.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَنَّ الْعَامِلِينَ عَلَيْهَا السُّعَاةُ الْمُتَوَلُّونَ لِقَبْضِ الصَّدَقَةِ. وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: حَدِيثُ الْبَابِ أَصْلٌ فِي مُحَاسَبَةِ الْمُؤْتَمَنِ، وَأَنَّ الْمُحَاسَبَةَ تَصْحِيحُ أَمَانَتِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ الْمَذْكُورُ صَرَفَ شَيْئًا مِنَ الزَّكَاةِ فِي مَصَارِفِهِ، فَحُوسِبَ عَلَى الْحَاصِلِ وَالْمَصْرُوفِ. قُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ مَجْمُوعِ الطُّرُقِ أَنَّ سَبَبَ مُطَالَبَتِهِ بِالْمُحَاسَبَةِ مَا وُجِدَ مَعَهُ مِنْ جِنْسِ مَالِ الصَّدَقَةِ، وَادَّعَى أَنَّهُ أُهْدِيَ إِلَيْهِ.
ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ فِي قِصَّةِ ابْنِ اللُّتْبِيَّةِ وَفِيهِ: فَلَمَّا جَاءَ حَاسِبُهُ. وسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مُسْتَوْفًى فِي الْأَحْكَامِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَابْنُ اللُّتْبِيَّةِ الْمَذْكُورُ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ، وَلَمْ أَعْرِفِ اسْمَ أُمِّهِ. وَقَوْلُهُ: عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ. أَفَادَ الْعَسْكَرِيُّ بِأَنَّهُ بُعِثَ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي ذُبْيَانَ، فَلَعَلَّهُ كَانَ عَلَى الْقَبِيلَتَيْنِ. وَاللُّتْبِيَّةُ بِضَمِّ اللَّامِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ مِنْ بَنِي لُتْبٍ حَيٌّ مِنَ الْأَزْدِ، قَالَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ، قِيلَ: إِنَّهَا كَانَتْ أُمَّهُ فَعُرِفَ بِهَا، وَقِيلَ: اللَّتَبِيَّةُ بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْمُثَنَّاةِ.
٦٨ - بَاب اسْتِعْمَالِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَأَلْبَانِهَا لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ
١٥٠١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ اجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ فَرَخَّصَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأُتِيَ بِهِمْ فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ وَتَرَكَهُمْ بِالْحَرَّةِ يَعَضُّونَ الْحِجَارَةَ تَابَعَهُ أَبُو قِلَابَةَ وَحُمَيْدٌ وَثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ.
قَوْلُهُ: (بَابُ اسْتِعْمَالِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَأَلْبَانِهَا لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ) قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: غَرَضُ الْمُصَنِّفِ فِي هَذَا الْبَابِ إِثْبَاتُ وَضْعِ الصَّدَقَةِ فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: يَجِبُ اسْتِيعَابُ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ، وَفِيمَا قَالَ نَظَرٌ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَا أَبَاحَ لَهُمْ مِنَ الِانْتِفَاعِ إِلَّا بِمَا هُوَ قَدْرُ حِصَّتِهِمْ.
عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَبَرِ أَيْضًا أَنَّهُ مَلَّكَهُمْ رِقَابَهَا، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُ أَبَاحَ لَهُمْ شُرْبَ أَلْبَانِ الْإِبِلِ لِلتَّدَاوِي، فَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْبُخَارِيُّ جَوَازَ اسْتِعْمَالِهَا فِي بَقِيَّةِ الْمَنَافِعِ إِذْ لَا فَرْقَ، وَأَمَّا تَمْلِيكُ رِقَابِهَا فَلَمْ يَقَعْ، وَتَقْدِيرُ التَّرْجَمَةِ اسْتِعْمَالُ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَشُرْبُ أَلْبَانِهَا، فَاكْتَفَى عَنِ التَّصْرِيحِ بِالشُّرْبِ لِوُضُوحِهِ، فَغَايَةُ مَا يُفْهَمُ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَخُصَّ بِمَنْفَعَةِ مَالِ الزَّكَاةِ - دُونَ الرَّقَبَةِ - صِنْفًا دُونَ صِنْفٍ بِحَسَبِ الِاحْتِيَاجِ، عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَبَرِ أَيْضًا تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَصْرِفْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا لِغَيْرِ الْعُرَنِيِّينَ، فَلَيْسَتِ الدَّلَالَةُ مِنْهُ لِذَلِكَ بِظَاهِرَةٍ أَصْلًا بِخِلَافِ مَا ادَّعَى ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّهُ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ أَبُو قِلَابَةَ وَحُمَيْدٌ وَثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ) أَمَّا مُتَابَعَةُ أَبِي قِلَابَةَ فَتَقَدَّمَتْ فِي الطَّهَارَةِ، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ حُمَيْدٍ فَوَصَلَهَا مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ ثَابِتٍ فَوَصَلَهَا الْمُصَنِّفُ فِي الطِّبِّ. وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ.
٦٩ - بَاب وَسْمِ الْإِمَامِ إِبِلَ الصَّدَقَةِ بِيَدِهِ
١٥٠٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: غَدَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ لِيُحَنِّكَهُ فَوَافَيْتُهُ فِي يَدِهِ الْمِيسَمُ يَسِمُ إِبِلَ الصَّدَقَةِ.
[الحديث ١٥٠٢ - طرفاه في: ٥٥٤٢، ٥٨٢٤]
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعبد بن حميد وَعَن ابْن أبي شيبَة عَن عبد الرَّحِيم بن سُلَيْمَان وَعَن أبي كريب وَعَبدَة بن سُلَيْمَان وَعبد الله ابْن نمير وَأبي مُعَاوِيَة وَعَن ابْن أبي عَمْرو عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْخراج عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح وَمُحَمّد ابْن أَحْمد كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (من الْأسد) بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة، قَالَ التَّيْمِيّ: الاسد والأزد يتعاقبان. قَالَ الرشاطي: الْأَسدي بِسُكُون السِّين فِي كهلان هُوَ الْأسد بن الْغَوْث بن نبت بن ملكان بن زيد بن كهلان، وَقَالَ أَيْضا: الْأَزْدِيّ فِي كهلان ينْسب إِلَى الأزد بن الْغَوْث. ثمَّ قَالَ: يُقَال لَهُ الأزد، بالزاي، والاسد بِالسِّين. قَوْله: (يدعى ابْن اللتيبة) ، بِضَم اللَّام وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق بعْدهَا الْبَاء الْمُوَحدَة: واسْمه عبد الله وَكَانَ من بني لتب، حَيّ من الأزد. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: قيل: إِن اللتيبة كَانَت أمه فَعرف بهَا، وَقيل: اللتيبة، بِفَتْح اللَّام. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَيُقَال لَهُ: ابْن الأتيبة.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: اتّفق الْعلمَاء على أَن الْعلمَاء على الصَّدقَات هم السعاة المتولون فِي قبض الصَّدقَات، وَأَنَّهُمْ لَا يسْتَحقُّونَ على قبضهَا جزأ مِنْهَا مَعْلُوما: سبعا أَو ثمنا، وَإِنَّمَا لَهُ أجر عمله على حسب احتهاد الإِمَام. وَفِيه: من الْفِقْه جَوَاز محاسبة المؤتمن، وَأَن المحاسبة تصحح أَمَانَته، وَهُوَ أصل فعل عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي محاسبة الْعمَّال، وَإِنَّمَا فعل ذَلِك لما رأى مَا قَالُوهُ من كَثْرَة الأرباح، وَعلم أَن ذَلِك من أجل سلطانهم، وسلطانهم إِنَّمَا كَانَ بِالْمُسْلِمين، فَرَأى مقاسمة أَمْوَالهم واقتدى بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَفلا جلس فِي بَيت أَبِيه وَأمه فَيرى أيهدى لَهُ شَيْء أم لَا؟) . وَمَعْنَاهُ: لَوْلَا الْإِمَارَة لم يهدَ لَهُ شَيْء، وَهَذَا اجْتِهَاد من عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَإِنَّمَا أَخذ مِنْهُم مَا أَخذ لبيت مَال الْمُسلمين لَا لنَفسِهِ. وَفِيه: أَيْضا: أَن الْعَالم إِذا رأى متأولاً أَخطَأ فِي تَأْوِيله يعم النَّاس ضَرَره أَن يعلم النَّاس كَافَّة بِموضع خطئه، ويعرفهم بِالْحجَّةِ القاطعة لتأويله كَمَا فعل صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِابْن اللتيبة فِي خطبَته للنَّاس. وَفِيه: توبيخ المخطىء وَتَقْدِيم الأدنون إِلَى الْإِمَارَة وَالْأَمَانَة وَالْعَمَل، وَثمّ من هُوَ أَعلَى مِنْهُ وأفقه، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قدم ابْن اللتيبة وثمة من صحابته من هُوَ أفضل مِنْهُ. قَالَ ابْن بطال: وَفِيه: أَن لمن شغل بِشَيْء من أَعمال الْمُسلمين أَخذ الرزق على عمله.
٨٦ - (بابُ اسْتِعْمَالِ إبِلِ الصَّدَقَةِ وَألْبَانِهَا لأِبْنَاءِ السَّبِيلِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اسْتِعْمَال إبل الصَّدَقَة وَاسْتِعْمَال أَلْبَانهَا، وَالْمرَاد من اسْتِعْمَال أَلْبَانهَا شربهَا، وكلا الاستعمالين لأبناء السَّبِيل. قَالَ ابْن بطال: غَرَض البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب إِثْبَات وضع الصَّدَقَة فِي صنف وَاحِد من الْأَصْنَاف الثَّمَانِية خلافًا للشَّافِعِيّ الَّذِي لَا يجوز الْقِسْمَة إلَاّ على الثَّمَانِية، وَالْحجّة قَاطِعَة لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أفرد أَبنَاء السَّبِيل بِالِانْتِفَاعِ بِإِبِل الصَّدَقَة وَأَلْبَانهَا دون غَيرهم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَيْسَ حجَّة قَاطِعَة وَلَا غير قَاطِعَة إِذْ الصَّدَقَة لم تكن منحصرة عَلَيْهَا بِالِانْتِفَاعِ، إِذْ الرَّقَبَة تكون لغَيرهم، وَلَا الِانْتِفَاع بِتِلْكَ الْمدَّة وَنَحْوهَا. قلت: لَا وَجه لدفع كَلَام ابْن بطال لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما أفرد هَؤُلَاءِ العرنيين بِالِانْتِفَاعِ بِإِبِل الصَّدَقَة وَشرب أَلْبَانهَا فقد أفرد صنفا وَاحِدًا من الثَّمَانِية. فَدلَّ على جَوَاز الِاقْتِصَار على صنف وَاحِد. وَقَالَ بَعضهم عقيب كَلَام ابْن بطال: وَفِيمَا قَالَه نظر لاحْتِمَال أَن يكون مَا أَبَاحَ لَهُم من الِانْتِفَاع إلَاّ بِمَا هُوَ قدر حصتهم. قلت: سُبْحَانَ الله، هَذَا نظر عَجِيب، هَل كَانَت هَهُنَا قسْمَة بَين هَؤُلَاءِ وَغَيرهم من الْأَصْنَاف الثَّمَانِية حَتَّى أَبَاحَ لَهُم مَا يخصهم؟
١٠٥١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيى عنْ شُعْبَةَ قَالَ حدَّثنا قَتَادَةُ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ نَاسا مِنْ عُرَيْنَةَ اجْتَوَوْا المَدِينَةَ فرَخَّصَ لَهُمْ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنْ يأتُوا إبِلَ الصَّدَقَةِ فيَشْرَبُوا مِنْ ألْبَانِهَ وَأبْوَالِهَا فقَتَلُوا الرَّاعِي وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ فأرْسَلَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأُتِيَ بِهِمْ فقَطَّعَ أيْدِيَهُمْ وِأرّجُلَهُمْ وسَمَرَ أعْيُنَهُمْ وتَرَكَهُمْ بِالحَرَّةِ يَعَضُّونَ الحِجَارَةَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رخص لَهُم من شرب ألبان إبل الصَّدَقَة وَأَبْوَالهَا، والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الطَّهَارَة فِي: بَاب أَبْوَال الْإِبِل وَالدَّوَاب فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن
أبي قلَابَة (عَن أنس قَالَ: قدم أنَاس من عكل أَو عرينة) الحَدِيث، وَهَهُنَا أخرجه عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان إِلَى آخِره، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.
قَوْله: (اجتووا) بِالْجِيم من بَاب الافتعال، يُقَال: اجتويت الْبَلَد إِذا كرهت الْمقَام فِيهِ. قَوْله: (الذود) بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَهُوَ الْإِبِل. قَوْله: (بِالْحرَّةِ) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء: أَرض ذَات حِجَارَة سود كَأَنَّهَا احترقت بالنَّار. قَوْله: (يعضون) ، بِفَتْح الْعين من بَاب فعل يفعل بِكَسْر الْعين فِي الْمَاضِي، وَفتحهَا فِي المغابر. وَقيل: هُوَ من بَاب نصر ينصر، ولغة الْقُرْآن مثل الأول: {وَيَوْم بعض الظَّالِم على يَدَيْهِ} (الْفرْقَان: الْآيَة: ٧٢) .
تابَعَهُ أبُو قِلَابَةَ وَحُمَيْدٌ وثَابِتٌ عنْ أنَسٍ
أَي: تَابع أَبُو قلَابَة، بِكَسْر الْقَاف: عبد الله بن زيد الحرمي، وَحميد الطَّوِيل، وثابت، بالثاء الْمُثَلَّثَة: الْبنانِيّ قَتَادَة فِي رواياتهم عَن أنس. أما مُتَابعَة أبي قلَابَة فقد مرت فِي كتاب الطَّهَارَة، وَأما مُتَابعَة حميد فوصلها مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة، وَأما مُتَابعَة ثَابت فوصلها البُخَارِيّ فِي كتاب الطِّبّ.
٩٦ - (بابُ وَسْمِ الإمَامُ إبِلَ الصَّدَقَةِ بِيَدِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر وسم الإِمَام، وَهُوَ الإِمَام الْأَعْظَم، والوسم بِفَتْح الْوَاو وَهُوَ: التَّأْثِير بعلامة نَحْو: كَيَّة وَقطع الْأذن، وَأَصله من السمة وَهِي الْعَلامَة، كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: كَيفَ يكون الوسم من السمة وَكِلَاهُمَا مصدر؟ يُقَال: وسم يسم وسما وسمة. أَصله وسمة. فَلَمَّا حذفت الْوَاو مِنْهُ اتبَاعا لفعله، لِأَن أصل يسم يوسم حذفت الْوَاو لوقوعها بَين الْيَاء والكسرة فحذفت فِي سمة أَيْضا وعوضت عَنْهَا التَّاء، كَمَا فعل هَكَذَا فِي بَاب: وعد يعد عدَّة؟ قَوْله: (وَقطع الْأذن) فِيهِ نظر، لِأَن قطع الْأذن من الْمثلَة وَلَا يُسمى وسما، يُقَال: وسمه، إِذا أثر فِيهِ بكي.
٢٠٥١ - حدَّثنا إبْراهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قَالَ حدَّثنا الوَلِيدُ قَالَ حدَّثنا أبُو عَمْرٍ والأوْزَاعِيُّ قَالَ حدَّثني إسْحَاقُ بنُ عَبْدِ الله بنِ أبي طَلْحَةَ قَالَ حدَّثني أنَسُ بنُ مَالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ غَدَوْتُ إِلَى رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِعَبْدِ الله بنِ أبي طَلْحَة لِيُحنكِّهُ فَوَافَيْتُهُ فِي يَدِهِ المِيسَمُ يَسِمُ إبِلَ الصَّدَقَةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة: الأول: إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر، بِضَم الْمِيم وَسُكُون النُّون وَكسر الذَّال الْمُعْجَمَة: من الْإِنْذَار ضد الإبشار، وكنيته أَبُو إِسْحَاق الْحزَامِي، بالزاي: الْقرشِي الْأَسدي. الثَّانِي: الْوَلِيد بن مُسلم، أَبُو الْعَبَّاس الْأمَوِي الْقرشِي مَوْلَاهُم. مَاتَ سنة خمس وَتِسْعين وَمِائَة. الثَّالِث: أَبُو عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ، واسْمه عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو. الرَّابِع: إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة، واسْمه: زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ ابْن أخي أنس بن مَالك، يكنى أَبَا يحيى. الْخَامِس: أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده، وَأَنه ذكر مَنْسُوبا إِلَى جده، وَاسم أَبِيه: عبد الله بن الْمُنْذر، وَأَنه وَإِسْحَاق مدنيان وَأَن الْوَلِيد وَالْأَوْزَاعِيّ دمشقيان. وَفِيه: أحد الروَاة مَذْكُور بكنيته ونسبته وَهُوَ الْأَوْزَاعِيّ. وَفِيه: رِوَايَة الرَّاوِي عَن عَمه وَهُوَ إِسْحَاق.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي اللبَاس عَن هَارُون بن مَعْرُوف وَفِي بعض النّسخ: عَن هُرْمُز بن مَعْرُوف.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (غَدَوْت) من الغدو، وَهُوَ الرواح من أول النَّهَار. قَوْله: (ليحنكه) ، من التحنيك، وَهُوَ أَن يمضغ التمرة ويجعلها فِي فَم الصَّبِي وَيحك بهَا فِي حنكه بسبابته حَتَّى يتَحَلَّل فِي حنكه، والحنك أَعلَى دَاخل الْفَم. قَوْله: (فوافيته) ، من الموافاة: وَهُوَ الْإِتْيَان. يُقَال: وافيته إِذا أَتَيْته. قَوْله: (الميسم) بِكَسْر الْمِيم وَفتح السِّين الْمُهْملَة، وَهُوَ المكوى، وَهُوَ الْآلَة الَّتِي يكوى بهَا وَقيل بالشين الْمُعْجَمَة والمهملة، وَقيل بَينهمَا فرق، فبالمهملة يكون الكي فِي الْوَجْه، وبالمعجمة فِي سَائِر الْجَسَد.