«كُنَّا نُعْطِيهَا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥٠٨

الحديث رقم ١٥٠٨ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب صاع من زبيب.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٥٠٨ في صحيح البخاري

«كُنَّا نُعْطِيهَا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوِيَةُ، وَجَاءَتِ السَّمْرَاءُ، قَالَ: أُرَى مُدًّا مِنْ هَذَا يَعْدِلُ مُدَّيْنِ.»

بَابُ الصَّدَقَةِ قَبْلَ الْعِيدِ

إسناد حديث رقم ١٥٠٨ من صحيح البخاري

١٥٠٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ: سَمِعَ يَزِيدَ الْعَدَنِيَّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: حَدَّثَنِي عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٥٠٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : فَجَعَلَ النَّاسُ عِدْلَهُ مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ.

قَوْلُهُ: (بَابُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ)، كَذَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ بِالنَّصْبِ كَرِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ) لَمْ أَرَهُ إِلَّا بِالْعَنْعَنَةِ، وَسَمَاعُ اللَّيْثِ مِنْ نَافِعٍ صَحِيحٌ، وَلَكِنْ أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ فَرْقَدٍ، عَنْ نَافِعٍ، وَزَادَ فِيهِ: مِنَ الْمُسْلِمِينَ. كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ اللَّيْثُ سَمِعَهُ مِنْ نَافِعٍ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَمِنْ كَثِيرِ بْنِ فَرْقَدٍ عَنْهُ بِهَا، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْوَلِيدِ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ نَافِعٍ فِي أَوَّلِ هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: لَا تَجِبُ فِي مَالٍ صَدَقَةٌ حَتَّى يَحُولَ الْحَوْلُ عَلَيْهِ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَمَرَ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ. الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (أَمَرَ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الْوُجُوبِ. وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْمِقْدَارِ لَا بِأَصْلِ الْإِخْرَاجِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَجَعَلَ النَّاسُ عِدْلَهُ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ نَظِيرَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ عَلَى هَذِهِ الْمَادَّةِ فِي بَابِ الصَّدَقَةِ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ.

قَوْلُهُ: (مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ) أَيْ نِصْفَ صَاعٍ، وَأَشَارَ ابْنُ عُمَرَ بِقَوْلِهِ: النَّاسُ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي حَدِيثِ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، أَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، وَلَفْظُهُ: صَدَقَةُ الْفِطْرِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَلَمَّا كَانَ مُعَاوِيَةُ عَدَلَ النَّاسُ نِصْفَ صَاعِ بُرٍّ بِصَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ. وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سُفْيَانَ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ الْآتِي بَعْدَهُ، وَهُوَ أَصْرَحُ مِنْهُ، وأَمَّا مَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رُوَّادٍ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ فِيهِ: فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ كَثُرَتِ الْحِنْطَةُ، فَجَعَلَ عُمَرُ نِصْفَ صَاعِ حِنْطَةٍ مَكَانَ صَاعٍ مِنْ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ. فَقَدْ حَكَمَ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ التَّمْيِيزِ عَلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ فِيهِ بِالْوَهْمِ، وَأَوْضَحَ الرَّدَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قَوْلُ ابْنِ عُيَيْنَةَ عِنْدِي أَوْلَى. وَزَعَمَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ الَّذِي عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ وَغَيْرُهُمَا، فَأَخْرَجَ عَنْ يَسَارِ بْنِ نُمَيْرٍ: أَنَّ عُمَرَ قَالَ لَهُ: إِنِّي أَحْلِفُ، لَا أُعْطِي قَوْمًا ثُمَّ يَبْدُو لِي فَأَفْعَلُ، فَإِذَا رَأَيْتَنِي فَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَطْعِمْ عَنِّي عَشْرَةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَشْعَثِ قَالَ: خَطَبَنَا عُثْمَانُ فَقَالَ: أَدُّوا زَكَاةَ الْفِطْرِ مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.

٧٥ - بَاب صَاعٍ مِنْ زَبِيبٍ

١٥٠٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ يَزِيدَ الْعَدَنِيَّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: حَدَّثَنِي عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كُنَّا نُعْطِيهَا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوِيَةُ وَجَاءَتْ السَّمْرَاءُ قَالَ: أُرَى مُدًّا مِنْ هَذَا يَعْدِلُ مُدَّيْنِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ صَاعٍ مِنْ زَبِيبٍ) أَيْ إِجْزَائِهِ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ بِتَفْرِيقِ هَذِهِ التَّرَاجِمِ الْإِشَارَةَ إِلَى تَرْجِيحِ التَّخْيِيرِ فِي هَذِهِ الْأَنْوَاعِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْأَقِطَ، وَهُوَ ثَابِتٌ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَكَأَنَّهُ لَا يَرَاهُ مُجْزِئًا فِي حَالِ وِجْدَانِ غَيْرِهِ كَقَوْلِ أَحْمَدَ، وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ يُخْرِجُهُ كَانَ قُوتُهُ إِذْ ذَاكَ، أَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى غَيْرِهِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يُخَالِفُهُ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِيهِ خِلَافٌ، وَزَعَمَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِأَهْلِ الْبَادِيَةِ، وَأَمَّا الْحَاضِرَةُ فَلَا يُجْزِئُ عَنْهُمْ

بِلَا خِلَافٍ، وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَقَالَ: قَطَعَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ الْخِلَافَ فِي الْجَمِيعِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ بِلَفْظِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ.

قَوْلُهُ: (كُنَّا نُعْطِيهَا) أَيْ زَكَاةَ الْفِطْرِ.

قَوْلُهُ: (فِي زَمَانِ النَّبِيِّ هَذَا حُكْمُهُ الرَّفْعُ لِإِضَافَتِهِ إِلَى زَمَنِهِ ، فَفِيهِ إِشْعَارٌ بِاطِّلَاعِهِ عَلَى ذَلِكَ وَتَقْرِيرِهِ لَهُ، وَلَا سِيَّمَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الَّتِي كَانَتْ تُوضَعُ عِنْدَهُ وَتُجْمَعُ بِأَمْرِهِ، وَهُوَ الْآمِرُ بِقَبْضِهَا وَتَفْرِقَتِهَا.

قَوْلُهُ: (صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ) هَذَا يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ بَيْنَ الطَّعَامِ وَبَيْنَ مَا ذُكِرَ بَعْدَهُ، وَقَدْ حَكَى الْخَطَّابِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّعَامِ هُنَا الْحِنْطَةُ، وَأَنَّهُ اسْمٌ خَاصٌّ لهِ، قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ذِكْرُ الشَّعِيرِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَقْوَاتِ، وَالْحِنْطَةِ أَعْلَاهَا، فَلَوْلَا أَنَّهُ أَرَادَهَا بِذَلِكَ لَكَانَ ذِكْرُهَا عِنْدَ التَّفْصِيلِ كَغَيْرِهَا مِنَ الْأَقْوَاتِ وَلَا سِيَّمَا حَيْثُ عُطِفَتْ عَلَيْهَا بِحَرْفِ أَوْ الْفَاصِلَةِ، وَقَالَ هُوَ وَغَيْرُهُ: وَقَدْ كَانَتْ لَفْظَه الطَّعَامِ تُسْتَعْمَلُ فِي الْحِنْطَةِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ حَتَّى إِذَا قِيلَ: اذْهَبْ إِلَى سُوقِ الطَّعَامِ فُهِمَ مِنْهُ سُوقُ الْقَمْحِ، وَإِذَا غَلَبَ الْعُرْفُ نُزِّلَ اللَّفْظُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ مَا غَلَبَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِيهِ كَانَ خُطُورُهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ أَقْرَبَ. انْتَهَى. وَقَدْ رَدَّ ذَلِكَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَقَالَ: ظَنَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: صَاعًا مِنْ طَعَامٍ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ صَاعًا مِنْ حِنْطَةٍ، وَهَذَا غَلَطٌ مِنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ أَجْمَلَ الطَّعَامَ ثُمَّ فَسَّرَهُ، ثُمَّ أَوْرَدَ طَرِيقَ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِي هَذَا، وَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِيمَا قَالَ وَلَفْظُهُ: كُنَّا نُخْرِجُ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، وَكَانَ طَعَامَنَا الشَّعِيرُ وَالزَّبِيبُ وَالْأَقِطُ وَالتَّمْرُ. وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ نَحْوَهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ عِيَاضٍ، وَقَالَ فِيهِ: وَلَا يُخْرِجُ غَيْرَهُ قَالَ وَفِي قَوْلِهِ: فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوِيَةُ وَجَاءَتِ السَّمْرَاءُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ قُوتًا لَهُمْ قَبْلَ هَذَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ كَثِيرَةً وَلَا قُوتًا، فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ أَنَّهُمْ أَخْرَجُوا مَا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا؟ انْتَهَى كَلَامُهُ.

وَأَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ وَذَكَرُوا عِنْدَهُ صَدَقَةَ رَمَضَانَ فَقَالَ: لَا أُخْرِجُ إِلَّا مَا كُنْتُ أُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ : صَاعَ تَمْرٍ أَوْ صَاعَ حِنْطَةٍ أَوْ صَاعَ شَعِيرٍ أَوْ صَاعَ أَقِطٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَوْ مُدَّيْنِ مِنْ قَمْحٍ، فَقَالَ: لَا، تِلْكَ قِيمَةُ مُعَاوِيَةَ مَطْوِيَّةٌ لَا أَقْبَلُهَا، وَلَا أَعْمَلُ بِهَا. قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: ذِكْرُ الْحِنْطَةِ فِي خَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَلَا أَدْرِي مِمَّنِ الْوَهَمُ. وَقَوْلُهُ: فَقَالَ رَجُلٌ. . . إِلَخْ دَالٌّ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الْحِنْطَةِ فِي أَوَّلِ الْقِصَّةِ خَطَأٌ، إِذْ لَوْ كَانَ أَبُو سَعِيدٍ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُخْرِجُونَ مِنْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَاعًا لَمَا كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لَهُ: أَوْ مُدَّيْنِ مِنْ قَمْحٍ، وَقَدْ أَشَارَ أَبُو دَاوُدَ إِلَى رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ هَذِهِ، وَقَالَ: إِنَّ ذِكْرَ الْحِنْطَةِ فِيهِ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَذُكِرَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ هِشَامٍ رَوَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ سُفْيَانَ: نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ. وَهُوَ وَهَمٌ، وَأَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ حَدَّثَ بِهِ عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عِيَاضٍ، فَزَادَ فِيهِ: أَوْ صَاعًا مِنْ دَقِيقٍ. وَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا عَلَيْهِ فَتَرَكَهُ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَذِكْرُ الدَّقِيقِ وَهَمٌ مِنَ ابْنِ عُيَيْنَةَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمْ تَكُنِ الصَّدَقَةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ إِلَّا التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ وَالشَّعِيرُ، وَلَمْ تَكُنِ الْحِنْطَةُ.

وَلِمُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عِيَاضٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: كُنَّا نُخْرِجُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ. وَكَأَنَّهُ سَكَتَ عَنِ الزَّبِيبِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِقِلَّتِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ. وَهَذِهِ الطُّرُقُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّعَامِ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ غَيْرُ الْحِنْطَةِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الذُّرَةُ، فَإِنَّهُ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ الْآنَ، وَهِيَ قُوتٌ غَالِبٌ لَهُمْ. وَقَدْ رَوَى الْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ عِيَاضٍ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، صَاعًا مِنْ سُلْتٍ أَوْ ذُرَةٍ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ. . . إِلَخْ بَعْدَ قَوْلِهِ:

صَاعًا مِنْ طَعَامٍ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، لَكِنَّ مَحَلَّ الْعَطْفِ أَنْ يَكُونَ الْخَاصُّ أَشْرَفَ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ هُنَا كَذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَيْضًا: لَا نَعْلَمُ فِي الْقَمْحِ خَبَرًا ثَابِتًا عَنِ النَّبِيِّ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنِ الْبُرُّ بِالْمَدِينَةِ ذَلِكَ الْوَقْتَ إِلَّا الشَّيْءَ الْيَسِيرَ مِنْهُ، فَلَمَّا كَثُرَ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ رَأَوْا أَنَّ نِصْفَ صَاعٍ مِنْهُ يَقُومُ مَقَامَ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ، وَهُمُ الْأَئِمَّةُ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُعْدَلَ عَنْ قَوْلِهِمْ إِلَّا إِلَى قَوْلِ مِثْلِهِمْ. ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَجَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَأُمِّهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ أَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ قَمْحٍ. انْتَهَى.

وَهَذَا مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى اخْتِيَارِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ، لَكِنَّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُوَافِقْ عَلَى ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ، فَلَا إِجْمَاعَ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا لِلطَّحَاوِيِّ. وَكَأَنَّ الْأَشْيَاءَ الَّتِي ثَبَتَ ذِكْرُهَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ لَمَّا كَانَتْ مُتَسَاوِيَةً فِي مِقْدَارِ مَا يُخْرَجُ مِنْهَا مَعَ مَا يُخَالِفُهَا فِي الْقِيمَةِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ إِخْرَاجُ هَذَا الْمِقْدَارِ مِنْ أَيِّ جِنْسٍ كَانَ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحِنْطَةِ وَغَيْرِهَا. هَذِهِ حُجَّةُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَأَمَّا مَنْ جَعَلَهُ نِصْفَ صَاعٍ مِنْهَا بَدَلَ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ فَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِالِاجْتِهَادِ بِنَاءً مِنْهُ عَلَى أَنَّ قِيَمَ مَا عَدَا الْحِنْطَةِ مُتَسَاوِيَةٌ، وَكَانَتِ الْحِنْطَةُ إِذْ ذَاكَ غَالِيَةَ الثَّمَنِ، لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَى قَوْلِهِمْ أَنْ تُعْتَبَرَ الْقِيمَةُ فِي كُلِّ زَمَانٍ، فَيَخْتَلِفُ الْحَالُ وَلَا يَنْضَبِطُ، وَرُبَّمَا لَزِمَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ إِخْرَاجُ آصُعٍ مِنْ حِنْطَةٍ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَحَظُوا ذَلِكَ مَا رَوَى جَعْفَرٌ الْفِرْيَابِيُّ فِي كِتَابِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمَّا كَانَ أَمِيرَ الْبَصْرَةِ أَمَرَهُمْ بِإِخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ وَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ، إِلَى أَنْ قَالَ: أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ. قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ عَلِيٌّ وَرَأَى رُخْصَ أَسْعَارِهِمْ قَالَ: اجْعَلُوهَا صَاعًا مِنْ كُلٍّ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْقِيمَةِ فِي ذَلِكَ، وَنَظَرَ أَبُو سَعِيدٍ إِلَى الْكَيْلِ كَمَا سَيَأْتِي.

وَمِنْ عَجِيبِ تَأْوِيلِهِ قَوْلُهُ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ مَا كَانَ يَعْرِفُ الْقَمْحَ فِي الْفِطْرَةِ، وَأنَّ الْخَبَرَ الَّذِي جَاءَ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُخْرِجُ صَاعًا أَنَّهُ كَانَ يُخْرِجُ النِّصْفَ الثَّانِي تَطَوُّعًا، وَأَنَّ قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: فَجَعَلَ النَّاسُ عِدْلَهُ مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ. أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّاسِ الصَّحَابَةُ، فَيَكُونُ إِجْمَاعًا. وَكَذَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أبي سَعِيدٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ: إِنَّ أَبَا سَعِيدٍ كَانَ يُخْرِجُ النِّصْفَ الْآخَرَ تَطَوُّعًا فَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوِيَةُ) زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ: فَلَمْ نَزَلْ نُخْرِجُهُ حَتَّى قَدِمَ مُعَاوِيَةُ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا فَكَلَّمَ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ. وَزَادَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: وَهُوَ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةٌ.

قَوْلُهُ: (وَجَاءَتِ السَّمْرَاءُ) أَيِ الْقَمْحُ الشَّامِيُّ.

قَوْلُهُ: (يَعْدِلُ مُدَّيْنِ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: أَرَى مُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، وَزَادَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَمَّا أَنَا، فلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ أَبَدًا مَا عِشْتُ. وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عِيَاضٍ: فَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَبُو سَعِيدٍ، وَقَالَ: لَا أُخْرِجُ إِلَّا مَا كُنْتُ أُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ . وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: لَا أُخْرِجُ أَبَدًا إِلَّا صَاعًا. وَلِلدَّارقُطْنِيِّ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمِ: فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: مُدَّيْنِ مِنْ قَمْحٍ، فَقَالَ: لَا، تِلْكَ قِيمَةُ مُعَاوِيَةَ لَا أَقْبَلُهَا وَلَا أَعْمَلُ بِهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَمَا فِيهَا. وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ: وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مَا ذَكَرَ النَّاسُ الْمُدَّيْنِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وَهَنِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ، إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قِصَّتِهِمَا، قَالَ النَّوَوِيُّ: تَمَسَّكَ بِقَوْلِ مُعَاوِيَةَ مَنْ قَالَ بِالْمُدَّيْنِ مِنَ الْحِنْطَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ فِعْلُ صَحَابِيٍّ قَدْ خَالَفَهُ فِيهِ أَبُو سَعِيدٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ هُوَ أَطْوَلُ صُحْبَةً مِنْهُ وَأَعْلَمُ بِحَالِ النَّبِيِّ ، وَقَدْ صَرَّحَ مُعَاوِيَةُ بِأَنَّهُ رَأْيٌ رَآهُ لَا أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ شِدَّةِ الِاتِّبَاعِ وَالتَّمَسُّكِ بِالْآثَارِ، وَتَرْكِ الْعُدُولِ إِلَى الِاجْتِهَادِ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ، وَفِي صَنِيعِ مُعَاوِيَةَ وَمُوَافَقَةِ النَّاسِ لَهُ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَادِ، وَهُوَ مَحْمُودٌ، لَكِنَّهُ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

من كلٍّ، فدلَّ على أنَّه كان ينظر إلى القيمة في ذلك، قاله في «فتح الباري»، لكن في حديث ثعلبة بن أبي صُعَيرٍ (١) عن أبيه قال: قال رسول الله «زكاة الفطر صاعٌ من بُرٍّ أو قمحٍ عن كلِّ اثنين»، رواه أبو داود، أي: مجزئٌ (٢) عنهما، وهذا نصٌّ صريحٌ، ولا اجتهاد مع النَّصِّ (٣)، وهو مذهب أبي حنيفة -كما مرَّ- لكنَّ حديث ثعلبة فيه: النُّعمان بن راشدٍ، لا يُحتَجُّ به، وقال البخاريُّ فيه: يَهِمُ (٤) كثيرًا، وقال أحمد: ليس حديثه بصحيحٍ، وبقيَّة مباحث هذا الحديث (٥) تأتي قريبًا إنْ شاء الله تعالى.

(٧٥) (بابُ صَاعٍ مِنْ زَبِيبٍ) في صدقة الفطر مجزئٌ.

١٥٠٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ) بضمِّ الميم وكسر النُّون، الزَّاهد المروزيُّ، أنَّه (سَمِعَ يَزِيدَ العَدَنِيَّ) بفتح العين والدَّال المهملتين، ولأبي ذرٍّ: «يزيد بن أبي حَكِيمٍ» بفتح الحاء وكسر الكاف، «العدنيَّ» (قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ) بسكون الرَّاء بعد السِّين المهملة المفتوحة، آخره حاءٌ مُهمَلةٌ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ: كُنَّا نُعْطِيهَا) أي: زكاة الفطر (فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ) هذا له حكم

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : فَجَعَلَ النَّاسُ عِدْلَهُ مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ.

قَوْلُهُ: (بَابُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ)، كَذَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ بِالنَّصْبِ كَرِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ) لَمْ أَرَهُ إِلَّا بِالْعَنْعَنَةِ، وَسَمَاعُ اللَّيْثِ مِنْ نَافِعٍ صَحِيحٌ، وَلَكِنْ أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ فَرْقَدٍ، عَنْ نَافِعٍ، وَزَادَ فِيهِ: مِنَ الْمُسْلِمِينَ. كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ اللَّيْثُ سَمِعَهُ مِنْ نَافِعٍ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَمِنْ كَثِيرِ بْنِ فَرْقَدٍ عَنْهُ بِهَا، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْوَلِيدِ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ نَافِعٍ فِي أَوَّلِ هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: لَا تَجِبُ فِي مَالٍ صَدَقَةٌ حَتَّى يَحُولَ الْحَوْلُ عَلَيْهِ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَمَرَ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ. الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (أَمَرَ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الْوُجُوبِ. وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْمِقْدَارِ لَا بِأَصْلِ الْإِخْرَاجِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَجَعَلَ النَّاسُ عِدْلَهُ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ نَظِيرَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ عَلَى هَذِهِ الْمَادَّةِ فِي بَابِ الصَّدَقَةِ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ.

قَوْلُهُ: (مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ) أَيْ نِصْفَ صَاعٍ، وَأَشَارَ ابْنُ عُمَرَ بِقَوْلِهِ: النَّاسُ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي حَدِيثِ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، أَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، وَلَفْظُهُ: صَدَقَةُ الْفِطْرِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَلَمَّا كَانَ مُعَاوِيَةُ عَدَلَ النَّاسُ نِصْفَ صَاعِ بُرٍّ بِصَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ. وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سُفْيَانَ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ الْآتِي بَعْدَهُ، وَهُوَ أَصْرَحُ مِنْهُ، وأَمَّا مَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رُوَّادٍ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ فِيهِ: فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ كَثُرَتِ الْحِنْطَةُ، فَجَعَلَ عُمَرُ نِصْفَ صَاعِ حِنْطَةٍ مَكَانَ صَاعٍ مِنْ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ. فَقَدْ حَكَمَ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ التَّمْيِيزِ عَلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ فِيهِ بِالْوَهْمِ، وَأَوْضَحَ الرَّدَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قَوْلُ ابْنِ عُيَيْنَةَ عِنْدِي أَوْلَى. وَزَعَمَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ الَّذِي عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ وَغَيْرُهُمَا، فَأَخْرَجَ عَنْ يَسَارِ بْنِ نُمَيْرٍ: أَنَّ عُمَرَ قَالَ لَهُ: إِنِّي أَحْلِفُ، لَا أُعْطِي قَوْمًا ثُمَّ يَبْدُو لِي فَأَفْعَلُ، فَإِذَا رَأَيْتَنِي فَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَطْعِمْ عَنِّي عَشْرَةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَشْعَثِ قَالَ: خَطَبَنَا عُثْمَانُ فَقَالَ: أَدُّوا زَكَاةَ الْفِطْرِ مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.

٧٥ - بَاب صَاعٍ مِنْ زَبِيبٍ

١٥٠٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ يَزِيدَ الْعَدَنِيَّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: حَدَّثَنِي عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كُنَّا نُعْطِيهَا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوِيَةُ وَجَاءَتْ السَّمْرَاءُ قَالَ: أُرَى مُدًّا مِنْ هَذَا يَعْدِلُ مُدَّيْنِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ صَاعٍ مِنْ زَبِيبٍ) أَيْ إِجْزَائِهِ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ بِتَفْرِيقِ هَذِهِ التَّرَاجِمِ الْإِشَارَةَ إِلَى تَرْجِيحِ التَّخْيِيرِ فِي هَذِهِ الْأَنْوَاعِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْأَقِطَ، وَهُوَ ثَابِتٌ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَكَأَنَّهُ لَا يَرَاهُ مُجْزِئًا فِي حَالِ وِجْدَانِ غَيْرِهِ كَقَوْلِ أَحْمَدَ، وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ يُخْرِجُهُ كَانَ قُوتُهُ إِذْ ذَاكَ، أَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى غَيْرِهِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يُخَالِفُهُ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِيهِ خِلَافٌ، وَزَعَمَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِأَهْلِ الْبَادِيَةِ، وَأَمَّا الْحَاضِرَةُ فَلَا يُجْزِئُ عَنْهُمْ

بِلَا خِلَافٍ، وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَقَالَ: قَطَعَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ الْخِلَافَ فِي الْجَمِيعِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ بِلَفْظِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ.

قَوْلُهُ: (كُنَّا نُعْطِيهَا) أَيْ زَكَاةَ الْفِطْرِ.

قَوْلُهُ: (فِي زَمَانِ النَّبِيِّ هَذَا حُكْمُهُ الرَّفْعُ لِإِضَافَتِهِ إِلَى زَمَنِهِ ، فَفِيهِ إِشْعَارٌ بِاطِّلَاعِهِ عَلَى ذَلِكَ وَتَقْرِيرِهِ لَهُ، وَلَا سِيَّمَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الَّتِي كَانَتْ تُوضَعُ عِنْدَهُ وَتُجْمَعُ بِأَمْرِهِ، وَهُوَ الْآمِرُ بِقَبْضِهَا وَتَفْرِقَتِهَا.

قَوْلُهُ: (صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ) هَذَا يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ بَيْنَ الطَّعَامِ وَبَيْنَ مَا ذُكِرَ بَعْدَهُ، وَقَدْ حَكَى الْخَطَّابِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّعَامِ هُنَا الْحِنْطَةُ، وَأَنَّهُ اسْمٌ خَاصٌّ لهِ، قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ذِكْرُ الشَّعِيرِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَقْوَاتِ، وَالْحِنْطَةِ أَعْلَاهَا، فَلَوْلَا أَنَّهُ أَرَادَهَا بِذَلِكَ لَكَانَ ذِكْرُهَا عِنْدَ التَّفْصِيلِ كَغَيْرِهَا مِنَ الْأَقْوَاتِ وَلَا سِيَّمَا حَيْثُ عُطِفَتْ عَلَيْهَا بِحَرْفِ أَوْ الْفَاصِلَةِ، وَقَالَ هُوَ وَغَيْرُهُ: وَقَدْ كَانَتْ لَفْظَه الطَّعَامِ تُسْتَعْمَلُ فِي الْحِنْطَةِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ حَتَّى إِذَا قِيلَ: اذْهَبْ إِلَى سُوقِ الطَّعَامِ فُهِمَ مِنْهُ سُوقُ الْقَمْحِ، وَإِذَا غَلَبَ الْعُرْفُ نُزِّلَ اللَّفْظُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ مَا غَلَبَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِيهِ كَانَ خُطُورُهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ أَقْرَبَ. انْتَهَى. وَقَدْ رَدَّ ذَلِكَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَقَالَ: ظَنَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: صَاعًا مِنْ طَعَامٍ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ صَاعًا مِنْ حِنْطَةٍ، وَهَذَا غَلَطٌ مِنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ أَجْمَلَ الطَّعَامَ ثُمَّ فَسَّرَهُ، ثُمَّ أَوْرَدَ طَرِيقَ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِي هَذَا، وَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِيمَا قَالَ وَلَفْظُهُ: كُنَّا نُخْرِجُ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، وَكَانَ طَعَامَنَا الشَّعِيرُ وَالزَّبِيبُ وَالْأَقِطُ وَالتَّمْرُ. وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ نَحْوَهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ عِيَاضٍ، وَقَالَ فِيهِ: وَلَا يُخْرِجُ غَيْرَهُ قَالَ وَفِي قَوْلِهِ: فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوِيَةُ وَجَاءَتِ السَّمْرَاءُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ قُوتًا لَهُمْ قَبْلَ هَذَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ كَثِيرَةً وَلَا قُوتًا، فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ أَنَّهُمْ أَخْرَجُوا مَا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا؟ انْتَهَى كَلَامُهُ.

وَأَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ وَذَكَرُوا عِنْدَهُ صَدَقَةَ رَمَضَانَ فَقَالَ: لَا أُخْرِجُ إِلَّا مَا كُنْتُ أُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ : صَاعَ تَمْرٍ أَوْ صَاعَ حِنْطَةٍ أَوْ صَاعَ شَعِيرٍ أَوْ صَاعَ أَقِطٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَوْ مُدَّيْنِ مِنْ قَمْحٍ، فَقَالَ: لَا، تِلْكَ قِيمَةُ مُعَاوِيَةَ مَطْوِيَّةٌ لَا أَقْبَلُهَا، وَلَا أَعْمَلُ بِهَا. قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: ذِكْرُ الْحِنْطَةِ فِي خَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَلَا أَدْرِي مِمَّنِ الْوَهَمُ. وَقَوْلُهُ: فَقَالَ رَجُلٌ. . . إِلَخْ دَالٌّ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الْحِنْطَةِ فِي أَوَّلِ الْقِصَّةِ خَطَأٌ، إِذْ لَوْ كَانَ أَبُو سَعِيدٍ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُخْرِجُونَ مِنْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَاعًا لَمَا كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لَهُ: أَوْ مُدَّيْنِ مِنْ قَمْحٍ، وَقَدْ أَشَارَ أَبُو دَاوُدَ إِلَى رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ هَذِهِ، وَقَالَ: إِنَّ ذِكْرَ الْحِنْطَةِ فِيهِ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَذُكِرَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ هِشَامٍ رَوَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ سُفْيَانَ: نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ. وَهُوَ وَهَمٌ، وَأَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ حَدَّثَ بِهِ عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عِيَاضٍ، فَزَادَ فِيهِ: أَوْ صَاعًا مِنْ دَقِيقٍ. وَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا عَلَيْهِ فَتَرَكَهُ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَذِكْرُ الدَّقِيقِ وَهَمٌ مِنَ ابْنِ عُيَيْنَةَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمْ تَكُنِ الصَّدَقَةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ إِلَّا التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ وَالشَّعِيرُ، وَلَمْ تَكُنِ الْحِنْطَةُ.

وَلِمُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عِيَاضٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: كُنَّا نُخْرِجُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ. وَكَأَنَّهُ سَكَتَ عَنِ الزَّبِيبِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِقِلَّتِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ. وَهَذِهِ الطُّرُقُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّعَامِ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ غَيْرُ الْحِنْطَةِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الذُّرَةُ، فَإِنَّهُ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ الْآنَ، وَهِيَ قُوتٌ غَالِبٌ لَهُمْ. وَقَدْ رَوَى الْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ عِيَاضٍ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، صَاعًا مِنْ سُلْتٍ أَوْ ذُرَةٍ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ. . . إِلَخْ بَعْدَ قَوْلِهِ:

صَاعًا مِنْ طَعَامٍ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، لَكِنَّ مَحَلَّ الْعَطْفِ أَنْ يَكُونَ الْخَاصُّ أَشْرَفَ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ هُنَا كَذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَيْضًا: لَا نَعْلَمُ فِي الْقَمْحِ خَبَرًا ثَابِتًا عَنِ النَّبِيِّ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنِ الْبُرُّ بِالْمَدِينَةِ ذَلِكَ الْوَقْتَ إِلَّا الشَّيْءَ الْيَسِيرَ مِنْهُ، فَلَمَّا كَثُرَ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ رَأَوْا أَنَّ نِصْفَ صَاعٍ مِنْهُ يَقُومُ مَقَامَ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ، وَهُمُ الْأَئِمَّةُ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُعْدَلَ عَنْ قَوْلِهِمْ إِلَّا إِلَى قَوْلِ مِثْلِهِمْ. ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَجَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَأُمِّهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ أَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ قَمْحٍ. انْتَهَى.

وَهَذَا مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى اخْتِيَارِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ، لَكِنَّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُوَافِقْ عَلَى ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ، فَلَا إِجْمَاعَ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا لِلطَّحَاوِيِّ. وَكَأَنَّ الْأَشْيَاءَ الَّتِي ثَبَتَ ذِكْرُهَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ لَمَّا كَانَتْ مُتَسَاوِيَةً فِي مِقْدَارِ مَا يُخْرَجُ مِنْهَا مَعَ مَا يُخَالِفُهَا فِي الْقِيمَةِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ إِخْرَاجُ هَذَا الْمِقْدَارِ مِنْ أَيِّ جِنْسٍ كَانَ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحِنْطَةِ وَغَيْرِهَا. هَذِهِ حُجَّةُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَأَمَّا مَنْ جَعَلَهُ نِصْفَ صَاعٍ مِنْهَا بَدَلَ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ فَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِالِاجْتِهَادِ بِنَاءً مِنْهُ عَلَى أَنَّ قِيَمَ مَا عَدَا الْحِنْطَةِ مُتَسَاوِيَةٌ، وَكَانَتِ الْحِنْطَةُ إِذْ ذَاكَ غَالِيَةَ الثَّمَنِ، لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَى قَوْلِهِمْ أَنْ تُعْتَبَرَ الْقِيمَةُ فِي كُلِّ زَمَانٍ، فَيَخْتَلِفُ الْحَالُ وَلَا يَنْضَبِطُ، وَرُبَّمَا لَزِمَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ إِخْرَاجُ آصُعٍ مِنْ حِنْطَةٍ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَحَظُوا ذَلِكَ مَا رَوَى جَعْفَرٌ الْفِرْيَابِيُّ فِي كِتَابِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمَّا كَانَ أَمِيرَ الْبَصْرَةِ أَمَرَهُمْ بِإِخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ وَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ، إِلَى أَنْ قَالَ: أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ. قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ عَلِيٌّ وَرَأَى رُخْصَ أَسْعَارِهِمْ قَالَ: اجْعَلُوهَا صَاعًا مِنْ كُلٍّ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْقِيمَةِ فِي ذَلِكَ، وَنَظَرَ أَبُو سَعِيدٍ إِلَى الْكَيْلِ كَمَا سَيَأْتِي.

وَمِنْ عَجِيبِ تَأْوِيلِهِ قَوْلُهُ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ مَا كَانَ يَعْرِفُ الْقَمْحَ فِي الْفِطْرَةِ، وَأنَّ الْخَبَرَ الَّذِي جَاءَ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُخْرِجُ صَاعًا أَنَّهُ كَانَ يُخْرِجُ النِّصْفَ الثَّانِي تَطَوُّعًا، وَأَنَّ قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: فَجَعَلَ النَّاسُ عِدْلَهُ مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ. أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّاسِ الصَّحَابَةُ، فَيَكُونُ إِجْمَاعًا. وَكَذَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أبي سَعِيدٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ: إِنَّ أَبَا سَعِيدٍ كَانَ يُخْرِجُ النِّصْفَ الْآخَرَ تَطَوُّعًا فَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوِيَةُ) زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ: فَلَمْ نَزَلْ نُخْرِجُهُ حَتَّى قَدِمَ مُعَاوِيَةُ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا فَكَلَّمَ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ. وَزَادَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: وَهُوَ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةٌ.

قَوْلُهُ: (وَجَاءَتِ السَّمْرَاءُ) أَيِ الْقَمْحُ الشَّامِيُّ.

قَوْلُهُ: (يَعْدِلُ مُدَّيْنِ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: أَرَى مُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، وَزَادَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَمَّا أَنَا، فلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ أَبَدًا مَا عِشْتُ. وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عِيَاضٍ: فَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَبُو سَعِيدٍ، وَقَالَ: لَا أُخْرِجُ إِلَّا مَا كُنْتُ أُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ . وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: لَا أُخْرِجُ أَبَدًا إِلَّا صَاعًا. وَلِلدَّارقُطْنِيِّ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمِ: فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: مُدَّيْنِ مِنْ قَمْحٍ، فَقَالَ: لَا، تِلْكَ قِيمَةُ مُعَاوِيَةَ لَا أَقْبَلُهَا وَلَا أَعْمَلُ بِهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَمَا فِيهَا. وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ: وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مَا ذَكَرَ النَّاسُ الْمُدَّيْنِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وَهَنِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ، إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قِصَّتِهِمَا، قَالَ النَّوَوِيُّ: تَمَسَّكَ بِقَوْلِ مُعَاوِيَةَ مَنْ قَالَ بِالْمُدَّيْنِ مِنَ الْحِنْطَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ فِعْلُ صَحَابِيٍّ قَدْ خَالَفَهُ فِيهِ أَبُو سَعِيدٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ هُوَ أَطْوَلُ صُحْبَةً مِنْهُ وَأَعْلَمُ بِحَالِ النَّبِيِّ ، وَقَدْ صَرَّحَ مُعَاوِيَةُ بِأَنَّهُ رَأْيٌ رَآهُ لَا أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ شِدَّةِ الِاتِّبَاعِ وَالتَّمَسُّكِ بِالْآثَارِ، وَتَرْكِ الْعُدُولِ إِلَى الِاجْتِهَادِ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ، وَفِي صَنِيعِ مُعَاوِيَةَ وَمُوَافَقَةِ النَّاسِ لَهُ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَادِ، وَهُوَ مَحْمُودٌ، لَكِنَّهُ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

من كلٍّ، فدلَّ على أنَّه كان ينظر إلى القيمة في ذلك، قاله في «فتح الباري»، لكن في حديث ثعلبة بن أبي صُعَيرٍ (١) عن أبيه قال: قال رسول الله «زكاة الفطر صاعٌ من بُرٍّ أو قمحٍ عن كلِّ اثنين»، رواه أبو داود، أي: مجزئٌ (٢) عنهما، وهذا نصٌّ صريحٌ، ولا اجتهاد مع النَّصِّ (٣)، وهو مذهب أبي حنيفة -كما مرَّ- لكنَّ حديث ثعلبة فيه: النُّعمان بن راشدٍ، لا يُحتَجُّ به، وقال البخاريُّ فيه: يَهِمُ (٤) كثيرًا، وقال أحمد: ليس حديثه بصحيحٍ، وبقيَّة مباحث هذا الحديث (٥) تأتي قريبًا إنْ شاء الله تعالى.

(٧٥) (بابُ صَاعٍ مِنْ زَبِيبٍ) في صدقة الفطر مجزئٌ.

١٥٠٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ) بضمِّ الميم وكسر النُّون، الزَّاهد المروزيُّ، أنَّه (سَمِعَ يَزِيدَ العَدَنِيَّ) بفتح العين والدَّال المهملتين، ولأبي ذرٍّ: «يزيد بن أبي حَكِيمٍ» بفتح الحاء وكسر الكاف، «العدنيَّ» (قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ) بسكون الرَّاء بعد السِّين المهملة المفتوحة، آخره حاءٌ مُهمَلةٌ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ: كُنَّا نُعْطِيهَا) أي: زكاة الفطر (فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ) هذا له حكم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل