الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥١٢
الحديث رقم ١٥١٢ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب صدقة الفطر على الصغير والكبير.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
كِتَابُ الْحَجِّ
﷽
بَابُ وُجُوبِ الْحَجِّ وَفَضْلِهِ ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾
١٥١٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ الْحَدِيثَ. وَفِيهِ أَنَّهُ أَمْسَكَ الشَّيْطَانَ ثَلَاثَ لَيَالٍ، وَهُوَ يَأْخُذُ مِنَ التَّمْرِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُعَجِّلُونَهَا. وَعَكَسَهُ الْجَوْزَقِيُّ، فَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِهَا عَنْ يَوْمِ الْفِطْرِ وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْأَمْرَيْنِ.
٧٨ - بَاب صَدَقَةِ الْفِطْرِ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ
١٥١٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدَقَةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ)، أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى، وَهُوَ الْقَطَّانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ، عَنْ نَافِعٍ عَنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ.
(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَ كِتَابُ الزَّكَاةِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى مِائَةِ حَدِيثٍ وَاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ حَدِيثًا، الْمَوْصُولُ مِنْهَا مِائَةُ حَدِيثٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، وَالْبَقِيَّةُ مُتَابَعَةٌ وَمُعَلَّقَةٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى مِائَةُ حَدِيثٍ سَوَاءٌ، وَالْخَالِصُ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ حَدِيثًا، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى سَبْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، وَهِيَ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ مَعَ عُثْمَانَ وَمُعَاوِيَةَ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَمِّ الَّذِي يَكْنِزُ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ. وَحَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: جَاءَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا يَشْكُو الْعَيْلَةَ. وَحَدِيثُ عَائِشَةَ: أَيُّنَا أَسْرَعُ لُحُوقًا بِكَ. وَحَدِيثُ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى الْوَلَدِ، وَحَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فِي إِيثَارِهِ بِمَالِهِ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: خَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى. وَحَدِيثُ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ فِي الزَّكَاةِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ. وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فِي قِصَّةِ زَيْنَبَ امْرَأَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَحَدِيثُ أَبِي لَاسٍ فِي رُكُوبِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَحَدِيثُ الزُّبَيْرِ: لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ. وَحَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ. وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ. وَحَدِيثُ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ فِي الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الرَّجُلِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عِشْرُونَ أَثَرًا مِنْهَا أَثَرُ عُمَرَ فِي قَوْلِهِ لِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ لَمَّا أَبَى أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُ مِنَ الْفَيْءِ. وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الغاية مع قصد النَّفي أصلًا. انتهى. لكن ثبت في رواية أبي ذرٍّ؛ كما في «اليونينيَّة»: «لَيعطي»؛ باللَّام، ولم يضبط الهمزة إلَّا بالكسر، وصحَّح عليها. قال نافعٌ: (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يُعْطِيهَا) أي: زكاة الفطر (الَّذِينَ يَقْبَلُونَهَا) أي: الذين تجتمع عندهم ويتولَّون تفرقتها (١) صبيحة العيد؛ لأنَّه السُّنَّة، قاله ابن بطَّالٍ، أو الذين يدَّعون الفقر من غير أن يتجسَّس، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يقبلون» بإسقاط ضمير المفعول (وَكَانُوا) أي: النَّاس (يُعْطُونَ) بضمِّ أوَّله وثالثه، أي: صدقة الفطر (قَبْلَ) يوم (الفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ) فيه جواز تقديمها قبل يوم العيد، فله تعجيلها من أوَّل رمضان ليلًا، والصَّحيح منعه قبل رمضان؛ لأنَّه تقديمٌ على السَّبب.
(٧٨) (باب) وجوب (صَدَقَةِ الفِطْرِ عَلَى الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ).
١٥١٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) ابن عمر العمريِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَدَقَةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ عَلَى) وليِّ (الصَّغِيرِ) الذي لم يحتلم من ماله إن كان له مالٌ (٢)، أو على من تلزمه نفقته، وبه قال الأئمَّة الأربعة والجمهور؛ خلافًا لمحمَّد بن الحسن؛ حيث قال: على الأب مطلقًا (وَالكَبِيرِ وَالحُرِّ وَالمَمْلُوكِ).
تنبيهٌ: لا فطرة على جنين؛ خلافًا لابن حزمٍ؛ حيث قال بوجوبها مستدلًّا بقوله: «أو صاعًا
من التَّمر على الصَّغير»، قال: لأنَّ الجنين في بطن أمِّه يقع عليه اسم «صغيرٍ»، فإذا أكمل مئةً وعشرين يومًا في بطن أمِّه قبل انصداع الفجر من ليلة العيد؛ وجب أن تُؤدَّى (١) عنه صدقة الفطر، واستدلَّ بما رواه بكر بن عبد الله المزنيُّ وقتادة: أنَّ عثمان ﵁ كان يعطي صدقة الفطر عن الصَّغير والكبير حتَّى عن الحمل في بطن أمِّه، وعُورِض بأنَّ ما ذُكِر عن عثمان لا حجَّة فيه؛ لأنَّه منقطعٌ، فإنَّ بكرًا وقتادة روايتهما عن عثمان مُرسَلةٌ، وأمَّا قوله: «على (٢) الصَّغير والكبير»؛ فلم يفهم عاقلٌ منه إلَّا الموجودين في الدُّنيا، وأمَّا المعدوم؛ فلا نعلم أحدٌ أوجب عليه، والله أعلم.
وهذا آخر «كتاب الزَّكاة»، والله أسأل بوجهه الكريم وبنبيِّه (٣) العظيم عليه أفضل الصَّلاة والتَّسليم أن يمنَّ عليِّ بإكماله (٤) وتحريره على ما يحبُّه الله تعالى ويرضاه وينفعني به والمسلمين في عافيةٍ بلا محنةٍ، أستودع الله تعالى ذلك، فإنَّه لا تخيب ودائعه وكذا جميع مآربي، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين (٥) وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
ولَّما فرغ المؤلِّف من «الزَّكاة» عقَّبها بـ «الحَِجِّ» لما بينهما من المناسبة؛ لأنَّ كلًّا منهما عبادةٌ ماليَّةٌ، فقال (١):
((٢٥)) (كِتَابُ الحَِجِّ ﷽
(١) (باب وُجُوبِ الحَِجِّ وَفَضْلِهِ) وكذا (٢) لأبي ذرٍّ: تقديم البسملة على «كتاب» (٣)، وسقط لغيره: البسملة وباب، نعم ثبت لفظ (٤): «باب» لابن عساكر في «اليونينيَّة» (٥)، وفي نسخة: تقديم البسملة، وللأَصيليِّ فيما حكاه في «فتح الباري»: «كتاب المناسك»، و «الحَِجُّ»: بفتح الحاء وكسرها، وبهما قُرِئ، فالفتح لغة أهل العالية، والكسر لغة نجدٍ، وفرَّق سيبويه بينهما؛ فجعل المكسور (٦) مصدرًا واسمًا للفعل، والمفتوحَ: مصدرًا فقط، وقال ابن السِّكِّيت: بالفتح: القصد، وبالكسر: القوم الحجُّاج، وقال الجوهريُّ:
والحِجَّة بالكسر: المرَّة الواحدة، وهو من الشَّواذِّ؛ لأنَّ القياس بالفتح، وهو مبنيٌّ على اختياره أنَّه بالفتح الاسم، ومعنى الحجِّ في اللُّغة: القصد، وفي الشَّرع: عبادةٌ يلزمها وقوف بعرفة ليلة عاشر ذي الحجَّة، وطوافٌ ذي طُهْرٍ اختصَّ بالبيت عن يساره سبعًا، والمناسك -جمع منسَِكٍ-: بفتح السِّين وكسرها، والنُّسك: العبادة، والنَّاسك: العابد، واختصَّ بأعمال الحجِّ والمناسك مواقف النُّسك وأعمالها، والنَّسيكة مختصَّةٌ بالذَّبيحة (وَقَوْلِ اللهِ) تعالى (١) بالجرِّ، عطفًا على سابقه، وسقط ذلك لغير أبي ذرٍّ (٢) (﴿وَلِلّهِ﴾) فرضٌ واجبٌ (﴿عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾) قصدُه للزِّيارة على الوجه المخصوص الآتي بيانه إن شاء الله تعالى (﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧]) بدلٌ من ﴿النَّاسِ﴾ مخصِّصٌ له، والضَّمير في ﴿إِلَيْهِ﴾ للبيت أو للحجِّ، وكلُّ مأتىَ إلى الشَّيء فهو سبيله، وحذف الرَّابط لفهمه، أي: من استطاع منهم، كذا أعربه جمهور المعربين، لكن قال البدر الدَّمامينيُّ: يلزم عليه فصل البدل (٣) والمُبدَل منه بالمبتدأ، وفيه نظرٌ. انتهى. وقال ابن هشامٍ: زعم ابن السِّيْد أنَّ ﴿مَنِ﴾ فاعلٌ بالمصدر، ويردُّه أنَّ المعنى حينئذٍ: ولله على النَّاس أن يحجَّ المستطيع، فيلزم إثم جميع النَّاس إذا تخلَّف المستطيع، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه بناه على أنَّ الألف واللَّام لاستغراق الجنس، وهو ممنوعٌ لجواز كونها للعهد الذِّكريِّ، والمراد حينئذٍ بـ ﴿النَّاسِ﴾: مَنْ جرى ذكره وهم المستطيعون، وذلك لأنَّ «حجُّ البيت» مبتدأٌ، والخبر قوله: «لله على النَّاس»، والمبتدأ مُقدَّمٌ على الخبر رتبةً وإن تأخَّر لفظًا، فإذا قدّمت المبتدأ وما هو من متعلَّقاته كان التَّقدير: حجُّ البيت المستطيعون حقٌّ ثابتٌ لله على النَّاس، أي: هؤلاء المذكورين، ويدلُّ عليه أنَّك لو أتيت بالضَّمير؛ سدَّ مسدَّ «أل» ومصحوبها، وهو علامة الأداة التي للعهد الذِّكريِّ؛ بل جعلُها كذلك مُقدَّمٌ على جعلها للعموم، فقد صرَّح كثيرون بأنَّه: إذا احتمل كون «أل» للعهد وكونها لغيره؛ كالجنس أو العموم فإنَّا نحملها على العهد للقرينة المرشدة إليه، ووجوب الحجِّ معلومٌ من الدِّين بالضَّرورة، ولهذه الآية، وهو أحد أركان
الإسلام الخمس، ولا يتكرَّر وجوبه إلَّا لعارض نذرٍ أو قضاءٍ عارضٍ، روى مسلمٌ حديث أبي هريرة: خطبنا رسول الله ﷺ، فقال: «يا أيُّها النَّاس، قد فرض الله عليكم الحجَّ فحجُّوا»، فقال رجلٌ: يا رسول الله، أكلَّ عامٍ؟ فسكت حتَّى قالها ثلاثًا، فقال النَّبيُّ ﷺ: «لو قلتُ: نعم لوجبت ولَما استطعتم» أي: أتأمرنا أن نحجَّ كلَّ عامٍ؟ وهذا يدلُّ على أنَّ مُجرَّد الأمر لا يفيد التَّكرار ولا المرَّة، وإلَّا لمَا صحَّ الاستفهام، وإنَّما سكت ﷺ حتَّى قالها ثلاثًا زجرًا له عن السُّؤال، فإنَّ التَّقدُّم بين يدي رسول الله ﷺ منهيٌّ عنه لقوله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] لأنَّه ﷺ مبعوثٌ لبيان الشَّرائع وتبليغ الأحكام (١)، فلو وجب الحجُّ كلَّ سنةٍ لَبيَّنه ﵊ لهم لا محالة، ولا يقتصر على الأمر به مطلقًا، سواءٌ سُئِل عنه أو لم يُسأَل عنه، فيكون استعجالًا ضائعًا، ثمَّ لمَّا رأى أنَّه لا يُزجَر به ولا يقنع إلَّا بالجواب الصَّريح أجاب عنه بقوله: «لو قلت: نعم لوجبت» كل عامٍ حجَّةٌ (٢)، فأفاد به أنَّه لا يجب في كلِّ عامٍ لِما في «لو» من الدَّلالة على انتفاء الشَّيء لانتفاء غيره، وأنَّه (٣) لم يتكرَّر لِما فيه من الحرج والكلف الشَّاقَّة، قاله البيضاويُّ. وتعقَّبه الطِّيبيُّ بأنَّ: الاستدلال بسؤال الرَّجل على أنَّ الأمر لا يفيد التَّكرار ولا (٤) المرَّة ضعيفٌ لأنَّ الإنكار واردٌ على السُّؤال الذي لم يقع موقعه، ولهذا زجره، وقال: «ذروني ما تركتكم» يعمُّ (٥) الخطاب؛ يعني: اقتصِروا على ما أمرتكم (٦) به (٧) على قدر استطاعتكم، فقد علم أنَّ الرَّجل لو لم يسأل لم يُفِدِ الأمر غير المرَّة، وأنَّ التَّكرار يفتقر إلى دليلٍ خارجيٍّ. انتهى. ثمَّ إنَّ الحجَّ مطلقًا إمَّا فرض عينٍ أو فرض كفايةٍ أو تطوُّعٍ، واستُشكِل تصويره، وأُجيب بأنَّه يُتصوَّر في العبيد والصِّبيان لأنَّ الفرضين لا يتوجَّهان إليهما (٨)، وبأنَّ في حجِّ من ليس عليه
فرض عينٍ جهتين: جهة تطوُّعٍ من حيث إنَّه ليس عليه فرض عين، وجهة فرض كفايةٍ من حيث إحياء الكعبة، قال الزَّركشيُّ: وفيه التزام السُّؤال؛ إذ لم يخلص لنا حجُّ تطوُّعٍ على حدته، وفي الأوَّل التزامه بالنِّسبة للمُكلَّفين، ثمَّ إنَّه لا يبعد وقوعه من غيرهم فرضًا، ويسقط به فرض الكفاية عن المُكلَّفين كما في الجهاد وصلاة الجنازة. انتهى.
واختُلِف: هل هو على الفور أو على (١) التَّراخي؟ فعند الشَّافعيَّة على التَّراخي لأنَّ الحجَّ فُرِض سنة خمسٍ كما جزم به الرَّافعيُّ في «كتاب الحجِّ»، أو سنة ستٍّ كما صحَّحه في «السِّير» (٢)، وتبعه عليه في «الرَّوضة»، ونقله في «شرح المُهذَّب» عن الأصحاب، وعليه الجمهور لأنَّه نزل فيها قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وهذا ينبني على أنَّ المراد بالإتمام ابتداء الفرض، ويؤيِّده ما أخرجه الطَّبريُّ بأسانيد صحيحةٍ عن علقمة ومسروقٍ وإبراهيم النَّخعيِّ أنَّهم قرؤوا: «وأقيموا الحجَّ»، وقِيلَ: المراد بالإتمام: الإكمال بعد الشُّروع، وهو يقتضي تقدُّم فرضه قبل ذلك، وقد أخَّره ﷺ إلى سنة عشرٍ من غير مانعٍ، فدلَّ على التَّراخي، وإليه ذهب اللَّخميُّ وصاحب المقدِّمات والتِّلمسانيُّ من المالكيَّة، وحكى ابن القصَّار عن مالكٍ: أنَّه على الفور، وتابعه العراقيُّون، وشهَّره صاحب «الذَّخيرة» (٣) وصاحب «العدَّة» وابن بَزِيزَة، لكنَّ القول بالتَّراخي مُقيَّدٌ بعدم خوف الفوات، والاستطاعة: الزَّاد والرَّاحلة كما فسَّره ﷺ، وهو يؤيِّد قول الشَّافعيِّ: إنَّها بالمال، ولذلك أوجب الاستنابة على الزَّمِن إذا وجد أجرة من ينوب عنه، وقال مالكٌ: بالبدن، فيجب على من قدر على المشي والكسب في الطَّريق، وقال أبو حنيفة: بمجموع الأمرين. ثمَّ إنَّ اليهود حين أُمِروا بالحجِّ قالوا: ما وجب علينا؟ فنزل قوله تعالى: (﴿وَمَن كَفَرَ﴾) أي: جحد فريضة الحجِّ (﴿فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]) فلا يضرُّه كفرهم
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ الْحَدِيثَ. وَفِيهِ أَنَّهُ أَمْسَكَ الشَّيْطَانَ ثَلَاثَ لَيَالٍ، وَهُوَ يَأْخُذُ مِنَ التَّمْرِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُعَجِّلُونَهَا. وَعَكَسَهُ الْجَوْزَقِيُّ، فَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِهَا عَنْ يَوْمِ الْفِطْرِ وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْأَمْرَيْنِ.
٧٨ - بَاب صَدَقَةِ الْفِطْرِ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ
١٥١٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدَقَةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ)، أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى، وَهُوَ الْقَطَّانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ، عَنْ نَافِعٍ عَنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ.
(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَ كِتَابُ الزَّكَاةِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى مِائَةِ حَدِيثٍ وَاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ حَدِيثًا، الْمَوْصُولُ مِنْهَا مِائَةُ حَدِيثٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، وَالْبَقِيَّةُ مُتَابَعَةٌ وَمُعَلَّقَةٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى مِائَةُ حَدِيثٍ سَوَاءٌ، وَالْخَالِصُ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ حَدِيثًا، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى سَبْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، وَهِيَ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ مَعَ عُثْمَانَ وَمُعَاوِيَةَ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَمِّ الَّذِي يَكْنِزُ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ. وَحَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: جَاءَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا يَشْكُو الْعَيْلَةَ. وَحَدِيثُ عَائِشَةَ: أَيُّنَا أَسْرَعُ لُحُوقًا بِكَ. وَحَدِيثُ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى الْوَلَدِ، وَحَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فِي إِيثَارِهِ بِمَالِهِ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: خَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى. وَحَدِيثُ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ فِي الزَّكَاةِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ. وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فِي قِصَّةِ زَيْنَبَ امْرَأَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَحَدِيثُ أَبِي لَاسٍ فِي رُكُوبِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَحَدِيثُ الزُّبَيْرِ: لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ. وَحَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ. وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ. وَحَدِيثُ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ فِي الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الرَّجُلِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عِشْرُونَ أَثَرًا مِنْهَا أَثَرُ عُمَرَ فِي قَوْلِهِ لِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ لَمَّا أَبَى أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُ مِنَ الْفَيْءِ. وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الغاية مع قصد النَّفي أصلًا. انتهى. لكن ثبت في رواية أبي ذرٍّ؛ كما في «اليونينيَّة»: «لَيعطي»؛ باللَّام، ولم يضبط الهمزة إلَّا بالكسر، وصحَّح عليها. قال نافعٌ: (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يُعْطِيهَا) أي: زكاة الفطر (الَّذِينَ يَقْبَلُونَهَا) أي: الذين تجتمع عندهم ويتولَّون تفرقتها (١) صبيحة العيد؛ لأنَّه السُّنَّة، قاله ابن بطَّالٍ، أو الذين يدَّعون الفقر من غير أن يتجسَّس، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يقبلون» بإسقاط ضمير المفعول (وَكَانُوا) أي: النَّاس (يُعْطُونَ) بضمِّ أوَّله وثالثه، أي: صدقة الفطر (قَبْلَ) يوم (الفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ) فيه جواز تقديمها قبل يوم العيد، فله تعجيلها من أوَّل رمضان ليلًا، والصَّحيح منعه قبل رمضان؛ لأنَّه تقديمٌ على السَّبب.
(٧٨) (باب) وجوب (صَدَقَةِ الفِطْرِ عَلَى الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ).
١٥١٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) ابن عمر العمريِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَدَقَةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ عَلَى) وليِّ (الصَّغِيرِ) الذي لم يحتلم من ماله إن كان له مالٌ (٢)، أو على من تلزمه نفقته، وبه قال الأئمَّة الأربعة والجمهور؛ خلافًا لمحمَّد بن الحسن؛ حيث قال: على الأب مطلقًا (وَالكَبِيرِ وَالحُرِّ وَالمَمْلُوكِ).
تنبيهٌ: لا فطرة على جنين؛ خلافًا لابن حزمٍ؛ حيث قال بوجوبها مستدلًّا بقوله: «أو صاعًا
من التَّمر على الصَّغير»، قال: لأنَّ الجنين في بطن أمِّه يقع عليه اسم «صغيرٍ»، فإذا أكمل مئةً وعشرين يومًا في بطن أمِّه قبل انصداع الفجر من ليلة العيد؛ وجب أن تُؤدَّى (١) عنه صدقة الفطر، واستدلَّ بما رواه بكر بن عبد الله المزنيُّ وقتادة: أنَّ عثمان ﵁ كان يعطي صدقة الفطر عن الصَّغير والكبير حتَّى عن الحمل في بطن أمِّه، وعُورِض بأنَّ ما ذُكِر عن عثمان لا حجَّة فيه؛ لأنَّه منقطعٌ، فإنَّ بكرًا وقتادة روايتهما عن عثمان مُرسَلةٌ، وأمَّا قوله: «على (٢) الصَّغير والكبير»؛ فلم يفهم عاقلٌ منه إلَّا الموجودين في الدُّنيا، وأمَّا المعدوم؛ فلا نعلم أحدٌ أوجب عليه، والله أعلم.
وهذا آخر «كتاب الزَّكاة»، والله أسأل بوجهه الكريم وبنبيِّه (٣) العظيم عليه أفضل الصَّلاة والتَّسليم أن يمنَّ عليِّ بإكماله (٤) وتحريره على ما يحبُّه الله تعالى ويرضاه وينفعني به والمسلمين في عافيةٍ بلا محنةٍ، أستودع الله تعالى ذلك، فإنَّه لا تخيب ودائعه وكذا جميع مآربي، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين (٥) وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
ولَّما فرغ المؤلِّف من «الزَّكاة» عقَّبها بـ «الحَِجِّ» لما بينهما من المناسبة؛ لأنَّ كلًّا منهما عبادةٌ ماليَّةٌ، فقال (١):
((٢٥)) (كِتَابُ الحَِجِّ ﷽
(١) (باب وُجُوبِ الحَِجِّ وَفَضْلِهِ) وكذا (٢) لأبي ذرٍّ: تقديم البسملة على «كتاب» (٣)، وسقط لغيره: البسملة وباب، نعم ثبت لفظ (٤): «باب» لابن عساكر في «اليونينيَّة» (٥)، وفي نسخة: تقديم البسملة، وللأَصيليِّ فيما حكاه في «فتح الباري»: «كتاب المناسك»، و «الحَِجُّ»: بفتح الحاء وكسرها، وبهما قُرِئ، فالفتح لغة أهل العالية، والكسر لغة نجدٍ، وفرَّق سيبويه بينهما؛ فجعل المكسور (٦) مصدرًا واسمًا للفعل، والمفتوحَ: مصدرًا فقط، وقال ابن السِّكِّيت: بالفتح: القصد، وبالكسر: القوم الحجُّاج، وقال الجوهريُّ:
والحِجَّة بالكسر: المرَّة الواحدة، وهو من الشَّواذِّ؛ لأنَّ القياس بالفتح، وهو مبنيٌّ على اختياره أنَّه بالفتح الاسم، ومعنى الحجِّ في اللُّغة: القصد، وفي الشَّرع: عبادةٌ يلزمها وقوف بعرفة ليلة عاشر ذي الحجَّة، وطوافٌ ذي طُهْرٍ اختصَّ بالبيت عن يساره سبعًا، والمناسك -جمع منسَِكٍ-: بفتح السِّين وكسرها، والنُّسك: العبادة، والنَّاسك: العابد، واختصَّ بأعمال الحجِّ والمناسك مواقف النُّسك وأعمالها، والنَّسيكة مختصَّةٌ بالذَّبيحة (وَقَوْلِ اللهِ) تعالى (١) بالجرِّ، عطفًا على سابقه، وسقط ذلك لغير أبي ذرٍّ (٢) (﴿وَلِلّهِ﴾) فرضٌ واجبٌ (﴿عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾) قصدُه للزِّيارة على الوجه المخصوص الآتي بيانه إن شاء الله تعالى (﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧]) بدلٌ من ﴿النَّاسِ﴾ مخصِّصٌ له، والضَّمير في ﴿إِلَيْهِ﴾ للبيت أو للحجِّ، وكلُّ مأتىَ إلى الشَّيء فهو سبيله، وحذف الرَّابط لفهمه، أي: من استطاع منهم، كذا أعربه جمهور المعربين، لكن قال البدر الدَّمامينيُّ: يلزم عليه فصل البدل (٣) والمُبدَل منه بالمبتدأ، وفيه نظرٌ. انتهى. وقال ابن هشامٍ: زعم ابن السِّيْد أنَّ ﴿مَنِ﴾ فاعلٌ بالمصدر، ويردُّه أنَّ المعنى حينئذٍ: ولله على النَّاس أن يحجَّ المستطيع، فيلزم إثم جميع النَّاس إذا تخلَّف المستطيع، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه بناه على أنَّ الألف واللَّام لاستغراق الجنس، وهو ممنوعٌ لجواز كونها للعهد الذِّكريِّ، والمراد حينئذٍ بـ ﴿النَّاسِ﴾: مَنْ جرى ذكره وهم المستطيعون، وذلك لأنَّ «حجُّ البيت» مبتدأٌ، والخبر قوله: «لله على النَّاس»، والمبتدأ مُقدَّمٌ على الخبر رتبةً وإن تأخَّر لفظًا، فإذا قدّمت المبتدأ وما هو من متعلَّقاته كان التَّقدير: حجُّ البيت المستطيعون حقٌّ ثابتٌ لله على النَّاس، أي: هؤلاء المذكورين، ويدلُّ عليه أنَّك لو أتيت بالضَّمير؛ سدَّ مسدَّ «أل» ومصحوبها، وهو علامة الأداة التي للعهد الذِّكريِّ؛ بل جعلُها كذلك مُقدَّمٌ على جعلها للعموم، فقد صرَّح كثيرون بأنَّه: إذا احتمل كون «أل» للعهد وكونها لغيره؛ كالجنس أو العموم فإنَّا نحملها على العهد للقرينة المرشدة إليه، ووجوب الحجِّ معلومٌ من الدِّين بالضَّرورة، ولهذه الآية، وهو أحد أركان
الإسلام الخمس، ولا يتكرَّر وجوبه إلَّا لعارض نذرٍ أو قضاءٍ عارضٍ، روى مسلمٌ حديث أبي هريرة: خطبنا رسول الله ﷺ، فقال: «يا أيُّها النَّاس، قد فرض الله عليكم الحجَّ فحجُّوا»، فقال رجلٌ: يا رسول الله، أكلَّ عامٍ؟ فسكت حتَّى قالها ثلاثًا، فقال النَّبيُّ ﷺ: «لو قلتُ: نعم لوجبت ولَما استطعتم» أي: أتأمرنا أن نحجَّ كلَّ عامٍ؟ وهذا يدلُّ على أنَّ مُجرَّد الأمر لا يفيد التَّكرار ولا المرَّة، وإلَّا لمَا صحَّ الاستفهام، وإنَّما سكت ﷺ حتَّى قالها ثلاثًا زجرًا له عن السُّؤال، فإنَّ التَّقدُّم بين يدي رسول الله ﷺ منهيٌّ عنه لقوله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] لأنَّه ﷺ مبعوثٌ لبيان الشَّرائع وتبليغ الأحكام (١)، فلو وجب الحجُّ كلَّ سنةٍ لَبيَّنه ﵊ لهم لا محالة، ولا يقتصر على الأمر به مطلقًا، سواءٌ سُئِل عنه أو لم يُسأَل عنه، فيكون استعجالًا ضائعًا، ثمَّ لمَّا رأى أنَّه لا يُزجَر به ولا يقنع إلَّا بالجواب الصَّريح أجاب عنه بقوله: «لو قلت: نعم لوجبت» كل عامٍ حجَّةٌ (٢)، فأفاد به أنَّه لا يجب في كلِّ عامٍ لِما في «لو» من الدَّلالة على انتفاء الشَّيء لانتفاء غيره، وأنَّه (٣) لم يتكرَّر لِما فيه من الحرج والكلف الشَّاقَّة، قاله البيضاويُّ. وتعقَّبه الطِّيبيُّ بأنَّ: الاستدلال بسؤال الرَّجل على أنَّ الأمر لا يفيد التَّكرار ولا (٤) المرَّة ضعيفٌ لأنَّ الإنكار واردٌ على السُّؤال الذي لم يقع موقعه، ولهذا زجره، وقال: «ذروني ما تركتكم» يعمُّ (٥) الخطاب؛ يعني: اقتصِروا على ما أمرتكم (٦) به (٧) على قدر استطاعتكم، فقد علم أنَّ الرَّجل لو لم يسأل لم يُفِدِ الأمر غير المرَّة، وأنَّ التَّكرار يفتقر إلى دليلٍ خارجيٍّ. انتهى. ثمَّ إنَّ الحجَّ مطلقًا إمَّا فرض عينٍ أو فرض كفايةٍ أو تطوُّعٍ، واستُشكِل تصويره، وأُجيب بأنَّه يُتصوَّر في العبيد والصِّبيان لأنَّ الفرضين لا يتوجَّهان إليهما (٨)، وبأنَّ في حجِّ من ليس عليه
فرض عينٍ جهتين: جهة تطوُّعٍ من حيث إنَّه ليس عليه فرض عين، وجهة فرض كفايةٍ من حيث إحياء الكعبة، قال الزَّركشيُّ: وفيه التزام السُّؤال؛ إذ لم يخلص لنا حجُّ تطوُّعٍ على حدته، وفي الأوَّل التزامه بالنِّسبة للمُكلَّفين، ثمَّ إنَّه لا يبعد وقوعه من غيرهم فرضًا، ويسقط به فرض الكفاية عن المُكلَّفين كما في الجهاد وصلاة الجنازة. انتهى.
واختُلِف: هل هو على الفور أو على (١) التَّراخي؟ فعند الشَّافعيَّة على التَّراخي لأنَّ الحجَّ فُرِض سنة خمسٍ كما جزم به الرَّافعيُّ في «كتاب الحجِّ»، أو سنة ستٍّ كما صحَّحه في «السِّير» (٢)، وتبعه عليه في «الرَّوضة»، ونقله في «شرح المُهذَّب» عن الأصحاب، وعليه الجمهور لأنَّه نزل فيها قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وهذا ينبني على أنَّ المراد بالإتمام ابتداء الفرض، ويؤيِّده ما أخرجه الطَّبريُّ بأسانيد صحيحةٍ عن علقمة ومسروقٍ وإبراهيم النَّخعيِّ أنَّهم قرؤوا: «وأقيموا الحجَّ»، وقِيلَ: المراد بالإتمام: الإكمال بعد الشُّروع، وهو يقتضي تقدُّم فرضه قبل ذلك، وقد أخَّره ﷺ إلى سنة عشرٍ من غير مانعٍ، فدلَّ على التَّراخي، وإليه ذهب اللَّخميُّ وصاحب المقدِّمات والتِّلمسانيُّ من المالكيَّة، وحكى ابن القصَّار عن مالكٍ: أنَّه على الفور، وتابعه العراقيُّون، وشهَّره صاحب «الذَّخيرة» (٣) وصاحب «العدَّة» وابن بَزِيزَة، لكنَّ القول بالتَّراخي مُقيَّدٌ بعدم خوف الفوات، والاستطاعة: الزَّاد والرَّاحلة كما فسَّره ﷺ، وهو يؤيِّد قول الشَّافعيِّ: إنَّها بالمال، ولذلك أوجب الاستنابة على الزَّمِن إذا وجد أجرة من ينوب عنه، وقال مالكٌ: بالبدن، فيجب على من قدر على المشي والكسب في الطَّريق، وقال أبو حنيفة: بمجموع الأمرين. ثمَّ إنَّ اليهود حين أُمِروا بالحجِّ قالوا: ما وجب علينا؟ فنزل قوله تعالى: (﴿وَمَن كَفَرَ﴾) أي: جحد فريضة الحجِّ (﴿فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]) فلا يضرُّه كفرهم