الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥٢٢
الحديث رقم ١٥٢٢ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب فرض مواقيت الحج والعمرة.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾
١٥٢٢ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَظَاهِرُهُ غُفْرَانُ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ وَالتَّبِعَاتِ، وَهُوَ مِنْ أَقْوَى الشَّوَاهِدِ لِحَدِيثِ الْعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ الْمُصَرِّحِ بِذَلِكَ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَلَمْ يَرْفُثْ مَعْطُوفٌ عَلَى الشَّرْطِ، وَجَوَابُهُ رَجَعَ؛ أَيْ صَارَ، وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ خَبَرٌ لَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا؛ أَيْ صَارَ مُشَابِهًا لِنَفْسِهِ فِي الْبَرَاءَةِ عَنِ الذُّنُوبِ فِي يَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ اهـ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ الْمَذْكُورَةِ: رَجَعَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ. وَذَكَرَ لَنَا بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الطِّيبِيَّ أَفَادَ أَنَّ الْحَدِيثَ إِنَّمَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ الْجِدَالُ، كَمَا ذُكِرَ فِي الْآيَةِ عَلَى طَرِيقِ الِاكْتِفَاءِ بِذِكْرِ الْبَعْضِ وَتَرْكِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِالْقَصْدِ، لِأَنَّ وُجُودَهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي تَرْكِ مَغْفِرَةِ ذُنُوبِ الْحَاجِّ إِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْمُجَادَلَةَ فِي أَحْكَامِ الْحَجِّ فِيمَا يَظْهَرُ مِنَ الْأَدِلَّةِ، أَوِ الْمُجَادَلَةَ بِطَرِيقِ التَّعْمِيمِ فَلَا يُؤَثِّرُ أَيْضًا، فَإِنَّ الْفَاحِشَ مِنْهَا دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الرَّفَثِ، وَالْحَسَنَ مِنْهَا ظَاهِرٌ فِي عَدَمِ التَّأْثِيرِ، وَالْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ لَا يُؤَثِّرُ أَيْضًا.
٥ - بَاب فَرْضِ مَوَاقِيتِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ
١٥٢٢ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَنَّهُ أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ فِي مَنْزِلِهِ وَلَهُ فُسْطَاطٌ وَسُرَادِقٌ فَسَأَلْتُهُ مِنْ أَيْنَ يَجُوزُ أَنْ أَعْتَمِرَ قَالَ: فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا وَلِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ فَرْضِ مَوَاقِيتِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ) الْمَوَاقِيتُ جَمْعُ مِيقَاتٍ، كَمَوَاعِيدَ وَمِيعَادٍ، وَمَعْنَى فَرَضَ قَدَّرَ أَوْ أَوْجَبَ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الْمُصَنِّفِ، وَأَنَّهُ لَا يُجِيزُ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مِنْ قِبَلِ الْمِيقَاتِ، وَيَزِيدُ ذَلِكَ وُضُوحًا مَا سَيَأْتِي بَعْدَ قَلِيلٍ، حَيْثُ قَالَ: مِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلَا يُهِلُّونَ قِبَلَ ذِي الْحُلَيْفَةِ. وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْجَوَازِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَقَدْ نُقِلَ عَنْ إِسْحَاقَ وَدَاوُدَ وَغَيْرِهِمَا عَدَمُ الْجَوَازِ، وَهُوَ ظَاهِرُ جَوَابِ ابْنِ عُمَرَ، وَيُؤَيِّدُهُ الْقِيَاسُ عَلَى الْمِيقَاتِ الزَّمَانِيِّ، فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّقَدُّمُ عَلَيْهِ، وَفَرَّقَ الْجُمْهُورُ بَيْنَ الزَّمَانِيِّ وَالْمَكَانِيِّ، فَلَمْ يُجِيزُوا التَّقَدُّمَ عَلَى الزَّمَانِيِّ، وَأَجَازُوا فِي الْمَكَانِيِّ، وَذَهَبَ طَائِفَةٌ كَالْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى تَرْجِيحِ التَّقَدُّمِ، وَقَالَ مَالِكٌ يُكْرَهُ، وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي تَرْجَمَةِ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ فِي قَوْلِهِ: وَكَرِهَ عُثْمَانُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ خُرَاسَانَ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُعْفِيُّ، وَرِجَالُ هَذَا الْإِسْنَادِ سِوَى ابْنِ عُمَرَ كُوفِيُّونَ، وَجُبَيْرٌ وَالِدُ زَيْدٍ - بِالْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرٌ - لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَفِي الرُّوَاةِ زَيْدُ بْنُ جَبِيرَةَ - بِفَتْحِ الْجِيمِ وَزِيَادَةِ هَاءٍ فِي آخِرِهِ - لَمْ يُخَرِّجْ لَهُ الْبُخَارِيُّ شَيْئًا.
قَوْلُهُ: (وَلَهُ فُسْطَاطٌ وَسُرَادِقُ) الْفُسْطَاطُ مَعْرُوفٌ وَهِيَ الْخَيْمَةُ، وَأَصْلُهُ عَمُودُ الْخِبَاءِ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ إِلَّا إِذَا كَانَتْ مِنْ قُطْنٍ، وَهُوَ أَيْضًا مِمَّا يُغَطَّى بِهِ صَحْنُ الدَّارِ مِنَ الشَّمْسِ وَغَيْرِهَا، وَكُلُّ مَا أَحَاطَ بِشَيْءٍ فَهُوَ سُرَادِقُ، وَمِنْهُ: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾
قَوْلُهُ: (فَسَأَلْتُهُ) فِيهِ الْتِفَاتٌ، لِأَنَّهُ قَالَ أَوَّلًا إِنَّهُ أَتَى ابْنَ عُمَرَ، فَكَانَ السِّيَاقُ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ فَسَأَلَهُ، لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَسَأَلْتُهُ.
قَوْلُهُ: (فَرَضَهَا) أَيْ قَدَّرَهَا وَعَيَّنَهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَوْجَبَهَا وَبِهِ يَتِمُّ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَرِينَةُ قَوْلِ السَّائِلِ: مِنْ أَيْنَ يَجُوزُ لِي. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْحَدِيثِ بَعْدَ بَابٍ.
٦ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾
١٥٢٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
واستُعير هنا للمكان اتِّساعًا، وقد لزم شرعًا تقديم الإحرام للآفاقيِّ على وصوله إلى البيت تعظيمًا للبيت وإجلالًا، كما تراه في الشَّاهد من ترجُّل الرَّاكب القاصد إلى عظيمٍ من الخلق إذا قرب من ساحته خضوعًا له، فلذا (١) لزم القاصد إلى بيت الله تعالى أن يحرم قبل الحلول بحضرته إجلالًا، فإنَّ الإحرام تشبُّهٌ (٢) بالأموات، وفي ضمن جَعْلِ نفسِه كالميِّت سلب اختياره، وإلقاء قياده متخلِّيًا عن نفسه فارغًا عن اعتبارها شيئًا من الأشياء.
١٥٢٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بن زياد بن درهمٍ النَّهديُّ قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هو ابن معاوية الجعفيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) (٣) بالإفراد (زَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ) بضمِّ الجيم وفتح المُوحَّدة الجُشَميُّ (أَنَّهُ أَتَى عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (﵄ فِي مَنْزِلِهِ وَلَهُ فُسْطَاطٌ) بيتٌ من شَعَرٍ ونحوه (وَسُرَادِقٌ) حول الفسطاط، وهو بضمِّ السِّين وكسر الدَّال: كلُّ ما أحاط بشيءٍ، ومنه: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩] أو هو الخيمة، أو لا يُقال لها ذلك إلَّا إذا كانت من قطنٍ، أو ما يُغطَّى به صحن الدَّار من الشَّمس وغيرها، قال في «عمدة القاري»: والظَّاهر أنَّ ابن عمر كان معه أهله، وأراد سترهم بذلك لا التَّفاخر (فَسَأَلْتُهُ) مقتضى السِّياق أن يقول: فسأله، لكنَّه وقع على سبيل
الالتفات، وللإسماعيليِّ: «فدخلت عليه فسألته»: (مِنْ أَيْنَ يَجُوزُ أَنْ أَعْتَمِرَ؟ قَالَ: فَرَضَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ) أي: قدَّرها أو بيَّنها (١) أو أوجبها، والضَّمير المنصوب للمواقيت للقرينة الحاليَّة (لأَهْلِ نَجْدٍ) ساكنيها، ومن سلك طريق سفرهم فمرَّ على ميقاتهم، و «نَجْد»: بفتح النُّون وسكون الجيم آخره دالٌ مهملةٌ: ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق، قاله في «الصِّحاح». وقال في «المشارق»: ما بين جرش إلى سواد الكوفة وَحَدُّه ممَّا يلي المغرب (٢) الحجاز، وعن يسار الكعبة اليمن قال: ونجدٌ كلُّها من عمل اليمامة، وقال في «النِّهاية»: النَّجد: ما ارتفع من الأرض، وهو اسمٌ خاصٌّ لما دون الحجاز ممَّا يلي العراق، قال في «القاموس»: النَّجد: ما أَشْرفَ من الأرض وما خالف الغور، أي: تِهامة وتُضَمُّ جيمُه مُذكَّرٌ (٣)، أعلاه تِهامة واليمن، وأسفله العراق والشَّام (٤)، وأوَّله من جهة الحجاز ذات عرقٍ (٥) (قَرْنًا) قال النَّوويُّ: على نحوٍ من (٦) مرحلتين من مكَّة، قال في «القاموس»: قريةٌ عند الطَّائف، أو اسم الوادي كلِّه، وغلط الجوهريُّ في تحريكه وفي نسبة أويسٍ القرنيِّ إليه لأنَّه منسوبٌ إلى قَرَنِ بن رَدْمان (٧) بن ناجية بن مرادٍ، أحد أجداده. انتهى. وثبت في «مسلمٍ» نحوه، لكن قال القابسيُّ: من سكَّن أراد الجبل، ومن فَتَحَ أراد الطَّريق الذي يقرب منه، ولأبي ذرٍّ: «مِنْ قَرْنٍ».
(وَلأَهْلِ المَدِينَةِ) يثربَ سكَّانِها، ومن سلك طريقهم فمرَّ على ميقاتهم (ذَا الحُلَيْفَةِ) بضمِّ الحاء المهملة وفتح اللَّام مُصغَّرًا: موضعٌ بُعْده من (٨) المدينة ميلٌ كما عند الرَّافعيِّ، لكن في «البسيط»: إنَّها على ستَّة أميالٍ، وصحَّحه في «المجموع»، وهو الذي قاله في «القاموس»، وقِيلَ:
سبعة، وفي «المهمَّات»: الصَّواب المعروف بالمشاهدة أنَّها على ثلاثة أميالٍ أو تزيد قليلًا.
(وَلأَهْلِ الشَّأْمِ) من العريش إلى بالِس، وقِيلَ: إلى الفرات، قاله النَّوويُّ، ومن سلك طريقهم (الجُحْفَةَ) بضمِّ الجيم وإسكان الحاء المهملة وفتح الفاء: قريةٌ (١) على ستَّة أميالٍ من البحر، وثماني مراحل من المدينة، ومن مكَّة خمس مراحل أو ستَّة أو ثلاثة، قال ابن الكلبيِّ: كان العماليق يسكنون يثرب، فوقع بينهم وبين بني عَبِيلٍ -بفتح المهملة وكسر المُوحَّدة؛ وهم إخوة عادٍ- حربٌ، فأخرجوهم من يثرب، فنزلوا مَهْيَعَةَ، فجاء سيلٌ فاجتحفهم، أي: استأصلهم، فسُمِّيت الجحفة، وهي الآن خربةٌ لا يصل إليها أحدٌ لوخمها، وإنَّما يُحْرِم النَّاس الآن من رابغ لكونها محاذيةً لها، وفي حديث عائشة عند النَّسائيِّ مرفوعًا: «ولأهل الشَّام (٢) ومصر الجحفة»، قال الوليُّ ابن العراقيِّ: وهذه زيادةٌ يجب الأخذ بها، وعليها العمل. وزاد نافعٌ في الباب الآتي بعد بابين -إن شاء الله تعالى-[خ¦١٥٢٥]: قال عبد الله: وبلغني أنَّ رسول الله ﷺ قال: «ويهلُّ أهل اليمن من يلملم»، وبقيَّة مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في محالِّها.
(٦) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُواْ﴾) أي: ما يكفُّ وجوهكم عن النَّاس، ولمَّا أمرهم بزاد الدُّنيا أرشدهم إلى زاد (٣) الآخرة فقال: (﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]).
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَظَاهِرُهُ غُفْرَانُ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ وَالتَّبِعَاتِ، وَهُوَ مِنْ أَقْوَى الشَّوَاهِدِ لِحَدِيثِ الْعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ الْمُصَرِّحِ بِذَلِكَ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَلَمْ يَرْفُثْ مَعْطُوفٌ عَلَى الشَّرْطِ، وَجَوَابُهُ رَجَعَ؛ أَيْ صَارَ، وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ خَبَرٌ لَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا؛ أَيْ صَارَ مُشَابِهًا لِنَفْسِهِ فِي الْبَرَاءَةِ عَنِ الذُّنُوبِ فِي يَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ اهـ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ الْمَذْكُورَةِ: رَجَعَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ. وَذَكَرَ لَنَا بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الطِّيبِيَّ أَفَادَ أَنَّ الْحَدِيثَ إِنَّمَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ الْجِدَالُ، كَمَا ذُكِرَ فِي الْآيَةِ عَلَى طَرِيقِ الِاكْتِفَاءِ بِذِكْرِ الْبَعْضِ وَتَرْكِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِالْقَصْدِ، لِأَنَّ وُجُودَهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي تَرْكِ مَغْفِرَةِ ذُنُوبِ الْحَاجِّ إِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْمُجَادَلَةَ فِي أَحْكَامِ الْحَجِّ فِيمَا يَظْهَرُ مِنَ الْأَدِلَّةِ، أَوِ الْمُجَادَلَةَ بِطَرِيقِ التَّعْمِيمِ فَلَا يُؤَثِّرُ أَيْضًا، فَإِنَّ الْفَاحِشَ مِنْهَا دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الرَّفَثِ، وَالْحَسَنَ مِنْهَا ظَاهِرٌ فِي عَدَمِ التَّأْثِيرِ، وَالْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ لَا يُؤَثِّرُ أَيْضًا.
٥ - بَاب فَرْضِ مَوَاقِيتِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ
١٥٢٢ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَنَّهُ أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ فِي مَنْزِلِهِ وَلَهُ فُسْطَاطٌ وَسُرَادِقٌ فَسَأَلْتُهُ مِنْ أَيْنَ يَجُوزُ أَنْ أَعْتَمِرَ قَالَ: فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا وَلِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ فَرْضِ مَوَاقِيتِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ) الْمَوَاقِيتُ جَمْعُ مِيقَاتٍ، كَمَوَاعِيدَ وَمِيعَادٍ، وَمَعْنَى فَرَضَ قَدَّرَ أَوْ أَوْجَبَ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الْمُصَنِّفِ، وَأَنَّهُ لَا يُجِيزُ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مِنْ قِبَلِ الْمِيقَاتِ، وَيَزِيدُ ذَلِكَ وُضُوحًا مَا سَيَأْتِي بَعْدَ قَلِيلٍ، حَيْثُ قَالَ: مِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلَا يُهِلُّونَ قِبَلَ ذِي الْحُلَيْفَةِ. وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْجَوَازِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَقَدْ نُقِلَ عَنْ إِسْحَاقَ وَدَاوُدَ وَغَيْرِهِمَا عَدَمُ الْجَوَازِ، وَهُوَ ظَاهِرُ جَوَابِ ابْنِ عُمَرَ، وَيُؤَيِّدُهُ الْقِيَاسُ عَلَى الْمِيقَاتِ الزَّمَانِيِّ، فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّقَدُّمُ عَلَيْهِ، وَفَرَّقَ الْجُمْهُورُ بَيْنَ الزَّمَانِيِّ وَالْمَكَانِيِّ، فَلَمْ يُجِيزُوا التَّقَدُّمَ عَلَى الزَّمَانِيِّ، وَأَجَازُوا فِي الْمَكَانِيِّ، وَذَهَبَ طَائِفَةٌ كَالْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى تَرْجِيحِ التَّقَدُّمِ، وَقَالَ مَالِكٌ يُكْرَهُ، وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي تَرْجَمَةِ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ فِي قَوْلِهِ: وَكَرِهَ عُثْمَانُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ خُرَاسَانَ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُعْفِيُّ، وَرِجَالُ هَذَا الْإِسْنَادِ سِوَى ابْنِ عُمَرَ كُوفِيُّونَ، وَجُبَيْرٌ وَالِدُ زَيْدٍ - بِالْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرٌ - لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَفِي الرُّوَاةِ زَيْدُ بْنُ جَبِيرَةَ - بِفَتْحِ الْجِيمِ وَزِيَادَةِ هَاءٍ فِي آخِرِهِ - لَمْ يُخَرِّجْ لَهُ الْبُخَارِيُّ شَيْئًا.
قَوْلُهُ: (وَلَهُ فُسْطَاطٌ وَسُرَادِقُ) الْفُسْطَاطُ مَعْرُوفٌ وَهِيَ الْخَيْمَةُ، وَأَصْلُهُ عَمُودُ الْخِبَاءِ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ إِلَّا إِذَا كَانَتْ مِنْ قُطْنٍ، وَهُوَ أَيْضًا مِمَّا يُغَطَّى بِهِ صَحْنُ الدَّارِ مِنَ الشَّمْسِ وَغَيْرِهَا، وَكُلُّ مَا أَحَاطَ بِشَيْءٍ فَهُوَ سُرَادِقُ، وَمِنْهُ: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾
قَوْلُهُ: (فَسَأَلْتُهُ) فِيهِ الْتِفَاتٌ، لِأَنَّهُ قَالَ أَوَّلًا إِنَّهُ أَتَى ابْنَ عُمَرَ، فَكَانَ السِّيَاقُ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ فَسَأَلَهُ، لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَسَأَلْتُهُ.
قَوْلُهُ: (فَرَضَهَا) أَيْ قَدَّرَهَا وَعَيَّنَهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَوْجَبَهَا وَبِهِ يَتِمُّ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَرِينَةُ قَوْلِ السَّائِلِ: مِنْ أَيْنَ يَجُوزُ لِي. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْحَدِيثِ بَعْدَ بَابٍ.
٦ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾
١٥٢٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
واستُعير هنا للمكان اتِّساعًا، وقد لزم شرعًا تقديم الإحرام للآفاقيِّ على وصوله إلى البيت تعظيمًا للبيت وإجلالًا، كما تراه في الشَّاهد من ترجُّل الرَّاكب القاصد إلى عظيمٍ من الخلق إذا قرب من ساحته خضوعًا له، فلذا (١) لزم القاصد إلى بيت الله تعالى أن يحرم قبل الحلول بحضرته إجلالًا، فإنَّ الإحرام تشبُّهٌ (٢) بالأموات، وفي ضمن جَعْلِ نفسِه كالميِّت سلب اختياره، وإلقاء قياده متخلِّيًا عن نفسه فارغًا عن اعتبارها شيئًا من الأشياء.
١٥٢٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بن زياد بن درهمٍ النَّهديُّ قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هو ابن معاوية الجعفيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) (٣) بالإفراد (زَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ) بضمِّ الجيم وفتح المُوحَّدة الجُشَميُّ (أَنَّهُ أَتَى عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (﵄ فِي مَنْزِلِهِ وَلَهُ فُسْطَاطٌ) بيتٌ من شَعَرٍ ونحوه (وَسُرَادِقٌ) حول الفسطاط، وهو بضمِّ السِّين وكسر الدَّال: كلُّ ما أحاط بشيءٍ، ومنه: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩] أو هو الخيمة، أو لا يُقال لها ذلك إلَّا إذا كانت من قطنٍ، أو ما يُغطَّى به صحن الدَّار من الشَّمس وغيرها، قال في «عمدة القاري»: والظَّاهر أنَّ ابن عمر كان معه أهله، وأراد سترهم بذلك لا التَّفاخر (فَسَأَلْتُهُ) مقتضى السِّياق أن يقول: فسأله، لكنَّه وقع على سبيل
الالتفات، وللإسماعيليِّ: «فدخلت عليه فسألته»: (مِنْ أَيْنَ يَجُوزُ أَنْ أَعْتَمِرَ؟ قَالَ: فَرَضَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ) أي: قدَّرها أو بيَّنها (١) أو أوجبها، والضَّمير المنصوب للمواقيت للقرينة الحاليَّة (لأَهْلِ نَجْدٍ) ساكنيها، ومن سلك طريق سفرهم فمرَّ على ميقاتهم، و «نَجْد»: بفتح النُّون وسكون الجيم آخره دالٌ مهملةٌ: ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق، قاله في «الصِّحاح». وقال في «المشارق»: ما بين جرش إلى سواد الكوفة وَحَدُّه ممَّا يلي المغرب (٢) الحجاز، وعن يسار الكعبة اليمن قال: ونجدٌ كلُّها من عمل اليمامة، وقال في «النِّهاية»: النَّجد: ما ارتفع من الأرض، وهو اسمٌ خاصٌّ لما دون الحجاز ممَّا يلي العراق، قال في «القاموس»: النَّجد: ما أَشْرفَ من الأرض وما خالف الغور، أي: تِهامة وتُضَمُّ جيمُه مُذكَّرٌ (٣)، أعلاه تِهامة واليمن، وأسفله العراق والشَّام (٤)، وأوَّله من جهة الحجاز ذات عرقٍ (٥) (قَرْنًا) قال النَّوويُّ: على نحوٍ من (٦) مرحلتين من مكَّة، قال في «القاموس»: قريةٌ عند الطَّائف، أو اسم الوادي كلِّه، وغلط الجوهريُّ في تحريكه وفي نسبة أويسٍ القرنيِّ إليه لأنَّه منسوبٌ إلى قَرَنِ بن رَدْمان (٧) بن ناجية بن مرادٍ، أحد أجداده. انتهى. وثبت في «مسلمٍ» نحوه، لكن قال القابسيُّ: من سكَّن أراد الجبل، ومن فَتَحَ أراد الطَّريق الذي يقرب منه، ولأبي ذرٍّ: «مِنْ قَرْنٍ».
(وَلأَهْلِ المَدِينَةِ) يثربَ سكَّانِها، ومن سلك طريقهم فمرَّ على ميقاتهم (ذَا الحُلَيْفَةِ) بضمِّ الحاء المهملة وفتح اللَّام مُصغَّرًا: موضعٌ بُعْده من (٨) المدينة ميلٌ كما عند الرَّافعيِّ، لكن في «البسيط»: إنَّها على ستَّة أميالٍ، وصحَّحه في «المجموع»، وهو الذي قاله في «القاموس»، وقِيلَ:
سبعة، وفي «المهمَّات»: الصَّواب المعروف بالمشاهدة أنَّها على ثلاثة أميالٍ أو تزيد قليلًا.
(وَلأَهْلِ الشَّأْمِ) من العريش إلى بالِس، وقِيلَ: إلى الفرات، قاله النَّوويُّ، ومن سلك طريقهم (الجُحْفَةَ) بضمِّ الجيم وإسكان الحاء المهملة وفتح الفاء: قريةٌ (١) على ستَّة أميالٍ من البحر، وثماني مراحل من المدينة، ومن مكَّة خمس مراحل أو ستَّة أو ثلاثة، قال ابن الكلبيِّ: كان العماليق يسكنون يثرب، فوقع بينهم وبين بني عَبِيلٍ -بفتح المهملة وكسر المُوحَّدة؛ وهم إخوة عادٍ- حربٌ، فأخرجوهم من يثرب، فنزلوا مَهْيَعَةَ، فجاء سيلٌ فاجتحفهم، أي: استأصلهم، فسُمِّيت الجحفة، وهي الآن خربةٌ لا يصل إليها أحدٌ لوخمها، وإنَّما يُحْرِم النَّاس الآن من رابغ لكونها محاذيةً لها، وفي حديث عائشة عند النَّسائيِّ مرفوعًا: «ولأهل الشَّام (٢) ومصر الجحفة»، قال الوليُّ ابن العراقيِّ: وهذه زيادةٌ يجب الأخذ بها، وعليها العمل. وزاد نافعٌ في الباب الآتي بعد بابين -إن شاء الله تعالى-[خ¦١٥٢٥]: قال عبد الله: وبلغني أنَّ رسول الله ﷺ قال: «ويهلُّ أهل اليمن من يلملم»، وبقيَّة مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في محالِّها.
(٦) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُواْ﴾) أي: ما يكفُّ وجوهكم عن النَّاس، ولمَّا أمرهم بزاد الدُّنيا أرشدهم إلى زاد (٣) الآخرة فقال: (﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]).