الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥٢٢
الحديث رقم ١٥٢٢ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب فرض مواقيت الحج والعمرة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١٥٢٢ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ:
أخبر ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم حدَّد المواضعَ الآتية للإحرام، وجعلها مواقيت، فلأهل المدينة النبوية ومن سلك طريق سفرهم ومر على ميقاتهم: ذا الحليفة، وهو موضع في طريق مكة، ولأهل الشام الجُحْفة، موضع بجوار رابغ، ولأهل نجدٍ ومن سلك طريقهم في السفر قَرْن المنازل، وهو ما يسمى بالسيل الكبير، ولأهل اليمن إذا مرُّوا بطريق تهامة ومن سلك طريق سفرهم ومر على ميقاتهم: يَلَمْلَم، وهو جبل جنوب مكة، وهذه المواقيت لأهل هذه البلدان، ولمن مَرَّ على المواقيت من غير أهل البلاد المذكورة ممن أراد الحج والعمرة معًا بأن يقرن بينهما أو أراد أحدهما، وفيه دلالة على جواز دخول مكة بغير إحرام لمن لم يقصد النسك، ومن كان بين الميقات ومكة فميقاته من حيث عزم على الإحرام، وهو الدخول في النسك، حتى أهل مكة وغيرهم ممن هو بها يُهلُّون من مكة، كالأفاقي الذي بين مكة والميقات، فإنه يحرم من مكانه، ولا يحتاج الرجوع إلى الميقات، وهذا خاص بالحج، أما العمرة فمن أدنى الحل، كالتنعيم والجعرانة وعرفة.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَظَاهِرُهُ غُفْرَانُ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ وَالتَّبِعَاتِ، وَهُوَ مِنْ أَقْوَى الشَّوَاهِدِ لِحَدِيثِ الْعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ الْمُصَرِّحِ بِذَلِكَ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَلَمْ يَرْفُثْ مَعْطُوفٌ عَلَى الشَّرْطِ، وَجَوَابُهُ رَجَعَ؛ أَيْ صَارَ، وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ خَبَرٌ لَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا؛ أَيْ صَارَ مُشَابِهًا لِنَفْسِهِ فِي الْبَرَاءَةِ عَنِ الذُّنُوبِ فِي يَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ اهـ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ الْمَذْكُورَةِ: رَجَعَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ. وَذَكَرَ لَنَا بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الطِّيبِيَّ أَفَادَ أَنَّ الْحَدِيثَ إِنَّمَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ الْجِدَالُ، كَمَا ذُكِرَ فِي الْآيَةِ عَلَى طَرِيقِ الِاكْتِفَاءِ بِذِكْرِ الْبَعْضِ وَتَرْكِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِالْقَصْدِ، لِأَنَّ وُجُودَهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي تَرْكِ مَغْفِرَةِ ذُنُوبِ الْحَاجِّ إِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْمُجَادَلَةَ فِي أَحْكَامِ الْحَجِّ فِيمَا يَظْهَرُ مِنَ الْأَدِلَّةِ، أَوِ الْمُجَادَلَةَ بِطَرِيقِ التَّعْمِيمِ فَلَا يُؤَثِّرُ أَيْضًا، فَإِنَّ الْفَاحِشَ مِنْهَا دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الرَّفَثِ، وَالْحَسَنَ مِنْهَا ظَاهِرٌ فِي عَدَمِ التَّأْثِيرِ، وَالْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ لَا يُؤَثِّرُ أَيْضًا.
٥ - بَاب فَرْضِ مَوَاقِيتِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ
١٥٢٢ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَنَّهُ أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ فِي مَنْزِلِهِ وَلَهُ فُسْطَاطٌ وَسُرَادِقٌ فَسَأَلْتُهُ مِنْ أَيْنَ يَجُوزُ أَنْ أَعْتَمِرَ قَالَ: فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا وَلِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ فَرْضِ مَوَاقِيتِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ) الْمَوَاقِيتُ جَمْعُ مِيقَاتٍ، كَمَوَاعِيدَ وَمِيعَادٍ، وَمَعْنَى فَرَضَ قَدَّرَ أَوْ أَوْجَبَ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الْمُصَنِّفِ، وَأَنَّهُ لَا يُجِيزُ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مِنْ قِبَلِ الْمِيقَاتِ، وَيَزِيدُ ذَلِكَ وُضُوحًا مَا سَيَأْتِي بَعْدَ قَلِيلٍ، حَيْثُ قَالَ: مِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلَا يُهِلُّونَ قِبَلَ ذِي الْحُلَيْفَةِ. وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْجَوَازِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَقَدْ نُقِلَ عَنْ إِسْحَاقَ وَدَاوُدَ وَغَيْرِهِمَا عَدَمُ الْجَوَازِ، وَهُوَ ظَاهِرُ جَوَابِ ابْنِ عُمَرَ، وَيُؤَيِّدُهُ الْقِيَاسُ عَلَى الْمِيقَاتِ الزَّمَانِيِّ، فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّقَدُّمُ عَلَيْهِ، وَفَرَّقَ الْجُمْهُورُ بَيْنَ الزَّمَانِيِّ وَالْمَكَانِيِّ، فَلَمْ يُجِيزُوا التَّقَدُّمَ عَلَى الزَّمَانِيِّ، وَأَجَازُوا فِي الْمَكَانِيِّ، وَذَهَبَ طَائِفَةٌ كَالْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى تَرْجِيحِ التَّقَدُّمِ، وَقَالَ مَالِكٌ يُكْرَهُ، وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي تَرْجَمَةِ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ فِي قَوْلِهِ: وَكَرِهَ عُثْمَانُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ خُرَاسَانَ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُعْفِيُّ، وَرِجَالُ هَذَا الْإِسْنَادِ سِوَى ابْنِ عُمَرَ كُوفِيُّونَ، وَجُبَيْرٌ وَالِدُ زَيْدٍ - بِالْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرٌ - لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَفِي الرُّوَاةِ زَيْدُ بْنُ جَبِيرَةَ - بِفَتْحِ الْجِيمِ وَزِيَادَةِ هَاءٍ فِي آخِرِهِ - لَمْ يُخَرِّجْ لَهُ الْبُخَارِيُّ شَيْئًا.
قَوْلُهُ: (وَلَهُ فُسْطَاطٌ وَسُرَادِقُ) الْفُسْطَاطُ مَعْرُوفٌ وَهِيَ الْخَيْمَةُ، وَأَصْلُهُ عَمُودُ الْخِبَاءِ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ إِلَّا إِذَا كَانَتْ مِنْ قُطْنٍ، وَهُوَ أَيْضًا مِمَّا يُغَطَّى بِهِ صَحْنُ الدَّارِ مِنَ الشَّمْسِ وَغَيْرِهَا، وَكُلُّ مَا أَحَاطَ بِشَيْءٍ فَهُوَ سُرَادِقُ، وَمِنْهُ: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾
قَوْلُهُ: (فَسَأَلْتُهُ) فِيهِ الْتِفَاتٌ، لِأَنَّهُ قَالَ أَوَّلًا إِنَّهُ أَتَى ابْنَ عُمَرَ، فَكَانَ السِّيَاقُ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ فَسَأَلَهُ، لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَسَأَلْتُهُ.
قَوْلُهُ: (فَرَضَهَا) أَيْ قَدَّرَهَا وَعَيَّنَهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَوْجَبَهَا وَبِهِ يَتِمُّ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَرِينَةُ قَوْلِ السَّائِلِ: مِنْ أَيْنَ يَجُوزُ لِي. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْحَدِيثِ بَعْدَ بَابٍ.
٦ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾
١٥٢٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
واستُعير هنا للمكان اتِّساعًا، وقد لزم شرعًا تقديم الإحرام للآفاقيِّ على وصوله إلى البيت تعظيمًا للبيت وإجلالًا، كما تراه في الشَّاهد من ترجُّل الرَّاكب القاصد إلى عظيمٍ من الخلق إذا قرب من ساحته خضوعًا له، فلذا (١) لزم القاصد إلى بيت الله تعالى أن يحرم قبل الحلول بحضرته إجلالًا، فإنَّ الإحرام تشبُّهٌ (٢) بالأموات، وفي ضمن جَعْلِ نفسِه كالميِّت سلب اختياره، وإلقاء قياده متخلِّيًا عن نفسه فارغًا عن اعتبارها شيئًا من الأشياء.
١٥٢٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بن زياد بن درهمٍ النَّهديُّ قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هو ابن معاوية الجعفيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) (٣) بالإفراد (زَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ) بضمِّ الجيم وفتح المُوحَّدة الجُشَميُّ (أَنَّهُ أَتَى عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (﵄ فِي مَنْزِلِهِ وَلَهُ فُسْطَاطٌ) بيتٌ من شَعَرٍ ونحوه (وَسُرَادِقٌ) حول الفسطاط، وهو بضمِّ السِّين وكسر الدَّال: كلُّ ما أحاط بشيءٍ، ومنه: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩] أو هو الخيمة، أو لا يُقال لها ذلك إلَّا إذا كانت من قطنٍ، أو ما يُغطَّى به صحن الدَّار من الشَّمس وغيرها، قال في «عمدة القاري»: والظَّاهر أنَّ ابن عمر كان معه أهله، وأراد سترهم بذلك لا التَّفاخر (فَسَأَلْتُهُ) مقتضى السِّياق أن يقول: فسأله، لكنَّه وقع على سبيل
الالتفات، وللإسماعيليِّ: «فدخلت عليه فسألته»: (مِنْ أَيْنَ يَجُوزُ أَنْ أَعْتَمِرَ؟ قَالَ: فَرَضَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ) أي: قدَّرها أو بيَّنها (١) أو أوجبها، والضَّمير المنصوب للمواقيت للقرينة الحاليَّة (لأَهْلِ نَجْدٍ) ساكنيها، ومن سلك طريق سفرهم فمرَّ على ميقاتهم، و «نَجْد»: بفتح النُّون وسكون الجيم آخره دالٌ مهملةٌ: ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق، قاله في «الصِّحاح». وقال في «المشارق»: ما بين جرش إلى سواد الكوفة وَحَدُّه ممَّا يلي المغرب (٢) الحجاز، وعن يسار الكعبة اليمن قال: ونجدٌ كلُّها من عمل اليمامة، وقال في «النِّهاية»: النَّجد: ما ارتفع من الأرض، وهو اسمٌ خاصٌّ لما دون الحجاز ممَّا يلي العراق، قال في «القاموس»: النَّجد: ما أَشْرفَ من الأرض وما خالف الغور، أي: تِهامة وتُضَمُّ جيمُه مُذكَّرٌ (٣)، أعلاه تِهامة واليمن، وأسفله العراق والشَّام (٤)، وأوَّله من جهة الحجاز ذات عرقٍ (٥) (قَرْنًا) قال النَّوويُّ: على نحوٍ من (٦) مرحلتين من مكَّة، قال في «القاموس»: قريةٌ عند الطَّائف، أو اسم الوادي كلِّه، وغلط الجوهريُّ في تحريكه وفي نسبة أويسٍ القرنيِّ إليه لأنَّه منسوبٌ إلى قَرَنِ بن رَدْمان (٧) بن ناجية بن مرادٍ، أحد أجداده. انتهى. وثبت في «مسلمٍ» نحوه، لكن قال القابسيُّ: من سكَّن أراد الجبل، ومن فَتَحَ أراد الطَّريق الذي يقرب منه، ولأبي ذرٍّ: «مِنْ قَرْنٍ».
(وَلأَهْلِ المَدِينَةِ) يثربَ سكَّانِها، ومن سلك طريقهم فمرَّ على ميقاتهم (ذَا الحُلَيْفَةِ) بضمِّ الحاء المهملة وفتح اللَّام مُصغَّرًا: موضعٌ بُعْده من (٨) المدينة ميلٌ كما عند الرَّافعيِّ، لكن في «البسيط»: إنَّها على ستَّة أميالٍ، وصحَّحه في «المجموع»، وهو الذي قاله في «القاموس»، وقِيلَ:
سبعة، وفي «المهمَّات»: الصَّواب المعروف بالمشاهدة أنَّها على ثلاثة أميالٍ أو تزيد قليلًا.
(وَلأَهْلِ الشَّأْمِ) من العريش إلى بالِس، وقِيلَ: إلى الفرات، قاله النَّوويُّ، ومن سلك طريقهم (الجُحْفَةَ) بضمِّ الجيم وإسكان الحاء المهملة وفتح الفاء: قريةٌ (١) على ستَّة أميالٍ من البحر، وثماني مراحل من المدينة، ومن مكَّة خمس مراحل أو ستَّة أو ثلاثة، قال ابن الكلبيِّ: كان العماليق يسكنون يثرب، فوقع بينهم وبين بني عَبِيلٍ -بفتح المهملة وكسر المُوحَّدة؛ وهم إخوة عادٍ- حربٌ، فأخرجوهم من يثرب، فنزلوا مَهْيَعَةَ، فجاء سيلٌ فاجتحفهم، أي: استأصلهم، فسُمِّيت الجحفة، وهي الآن خربةٌ لا يصل إليها أحدٌ لوخمها، وإنَّما يُحْرِم النَّاس الآن من رابغ لكونها محاذيةً لها، وفي حديث عائشة عند النَّسائيِّ مرفوعًا: «ولأهل الشَّام (٢) ومصر الجحفة»، قال الوليُّ ابن العراقيِّ: وهذه زيادةٌ يجب الأخذ بها، وعليها العمل. وزاد نافعٌ في الباب الآتي بعد بابين -إن شاء الله تعالى-[خ¦١٥٢٥]: قال عبد الله: وبلغني أنَّ رسول الله ﷺ قال: «ويهلُّ أهل اليمن من يلملم»، وبقيَّة مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في محالِّها.
(٦) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُواْ﴾) أي: ما يكفُّ وجوهكم عن النَّاس، ولمَّا أمرهم بزاد الدُّنيا أرشدهم إلى زاد (٣) الآخرة فقال: (﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]).
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الرّطبَة إِذا أخرجت من قشرها، فَسُمي بذلك الْفَاسِق لِخُرُوجِهِ من الْخَيْر وانسلاخه مِنْهُ. وَقيل: الْفَاسِق الْجَائِز. قَالُوا: وَالْفِسْق والفسوق فِي الدّين اسْم إسلامي لم يسمع فِي الْجَاهِلِيَّة وَلَا يُوجد فِي أشعارهم، وَإِنَّمَا هُوَ مُحدث سمي بِهِ الْخَارِج عَن الطَّاعَة بعد نزُول الْقُرْآن الْعَظِيم. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: لم يسمع قطّ فِي كَلَام الْجَاهِلِيَّة وَلَا فِي شعرهم: فَاسق، وَهَذَا عَجِيب، وَهُوَ كَلَام عَرَبِيّ. قَوْله: (رَجَعَ كَيَوْم وَلدته أمه) أَي: رَجَعَ مشابها لنَفسِهِ فِي الْبَراء من الذُّنُوب فِي يَوْم وَلدته أمه، وَرجع بِمَعْنى: صَار، جَوَاب الشَّرْط. وَلَفظ: (كَيَوْم) يجوز فِيهِ الْبناء على الْفَتْح. فَإِن قلت: ذكر هُنَا الرَّفَث والفسوق وَلم يذكر الْجِدَال، كَمَا فِي الْقُرْآن؟ قلت: اعْتِمَادًا على الْآيَة، وَالله أعلم.
٥ - (بابُ فَرْضِ مَوَاقِيتِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فرض مَوَاقِيت الْحَج وَالْعمْرَة، وَالْفَرْض هُنَا يجوز أَن يكون بِمَعْنى التَّقْدِير، وَأَن يكون بِمَعْنى الْوُجُوب. وَقَالَ بَعضهم: الظَّاهِر بِمَعْنى الْوُجُوب وَهُوَ نَص البُخَارِيّ، وَاسْتدلَّ عَلَيْهِ بقوله فِي: بَاب مِيقَات أهل الْمَدِينَة: وَلَا يهلوا قبل ذِي الحليفة. قلت: قَوْله: (وَلَا يهلوا، قبل ذِي الحليفة) لَا يدل على عدم جَوَاز الإهلال من قبل ذِي الحليفة، لاحْتِمَال أَن يكون ذَلِك ترك الِاسْتِحْبَاب فِي الإهلال قبل ذِي الحليفة، وَأَن يكون معنى قَوْله: (وَلَا يهلوا) : وَلَا يسْتَحبّ لَهُم أَن يهلوا قبل ذِي الحليفة أَلا ترى أَن الْجُمْهُور جوزوا التَّقَدُّم على الْمَوَاقِيت، على أَن ابْن الْمُنْذر نقل الْإِجْمَاع على الْجَوَاز فِي التَّقَدُّم عَلَيْهَا. وَمذهب طَائِفَة من الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة: الْأَفْضَل فِي التَّقَدُّم، وَالْمَنْقُول عَن مَالك كَرَاهَة ذَلِك لَا يدل على أَنه يرى عدم الْجَوَاز، وَكَذَلِكَ الْمَنْقُول عَن عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه كره أَن يحرم من خُرَاسَان. فَإِن قلت: نقل عَن إِسْحَاق وَدَاوُد عدم الْجَوَاز. قلت: مخالفتهما لِلْجُمْهُورِ لَا تعْتَبر، وَلَئِن سلمنَا ذَلِك فَمن أَيْن علم أَن البُخَارِيّ مَعَهُمَا فِي ذَلِك؟ فَإِن قلت: تنصيصه فِي التَّرْجَمَة على لفظ الْفَرْض يدل على أَنه يرى ذَلِك. قلت: لَا نسلم لاحْتِمَال أَن يكون أَرَادَ بِالْفَرْضِ معنى التَّقْدِير، بل الرَّاجِح هَذَا لِأَنَّهُ وَقع فِي بعض النّسخ: بَاب فضل مَوَاقِيت الْحَج وَالْعمْرَة، وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَيُؤَيِّدهُ الْقيَاس على الْمِيقَات الزماني، فقد أَجمعُوا على أَنه لَا يجوز التَّقَدُّم عَلَيْهِ. قلت: لَا نسلم صِحَة هَذَا الْقيَاس لوُجُود الْفَارِق وَهُوَ أَن الْمِيقَات الزماني مَنْصُوص عَلَيْهِ بِالْقُرْآنِ، بِخِلَاف الْمِيقَات المكاني. ثمَّ إعلم أَن الْمَوَاقِيت جمع: مِيقَات، على وزن: مفعال، وَأَصله موقات قلبت الْوَاو يَاء لسكونها وانكسار مَا قبلهَا، من: وَقت الشَّيْء يقته، إِذا بَين حَده، وَكَذَا وقته يوقته، ثمَّ اتَّسع فِيهِ فَأطلق على الْمَكَان، فَقيل للموضع: مِيقَات، والميقات يُطلق على الزماني والمكاني، وَهَهُنَا المُرَاد المكاني.
٢٢٥١ - حدَّثنا مالِكُ بنُ إسْماعِيلَ قَالَ حدَّثنا زُهَيْرٌ قَالَ حدَّثني زَيْدُ بنُ جُبَيْرٍ أنَّهُ أَتَى عَبْدَ الله بنَ عُمَر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فِي مَنْزِلِهِ ولَهُ فُسْطَاطٌ وسُرادِقٌ فسَألْتُهُ مِنْ أيْنَ يَجُوزُ أنْ أعْتَمِر قَالَ فرَضَهَا رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنا وَلأِهلِ المَدينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ وَلأِهْلِ الشأمِ الجُحْفَةَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، فَإِن فِيهِ بَيَان تَوْقِيت لأهل هَذِه الْأَمَاكِن الثَّلَاثَة.
ذكر رِجَاله: وهم: أَرْبَعَة: الأول: مَالك بن إِسْمَاعِيل أَبُو غَسَّان، مر فِي: بَاب المَاء الَّذِي يغسل بِهِ شعر الْإِنْسَان. الثَّانِي: زُهَيْر، بِضَم الزَّاي وَفتح الْهَاء مصغر الزهر: ابْن مُعَاوِيَة الْجعْفِيّ، مر فِي: بَاب لَا يستنجي بروث. الثَّالِث: زيد بن جُبَير، بِضَم الْجِيم وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن حرمل الْجُشَمِي، من بني جشم بن مُعَاوِيَة. الرَّابِع: عبد الله بن عمر.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: السُّؤَال. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته الثَّلَاثَة كوفيون. وَفِيه: أَن زيد بن جُبَير لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَفِي الروَاة زيد بن جبيرَة، بِفَتْح الْجِيم وَزِيَادَة هَاء فِي آخِره، لم يخرج لَهُ البُخَارِيّ شَيْئا.
وَهَذَا الحَدِيث بِهَذَا الْوَجْه من أَفْرَاد البُخَارِيّ، رَحمَه الله.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَله فسطاط) ، هُوَ بَيت من شعر، وَفِيه سِتّ لُغَات: فسطاط وفستاط وفساط، بِالضَّمِّ وَالْكَسْر فِيهِنَّ، وَقد بسطنا الْكَلَام فِيهِ فِيمَا مضى. قَوْله: (وسرادق) ، هِيَ وَاحِدَة السرادقات الَّتِي تحد فَوق صحن الدَّار، وكل بَيت من كُرْسُف فَهُوَ سرادق، وكل مَا أحَاط بِشَيْء فَهُوَ سرادق، وَمِنْه: {وأحاط بهم سرادقها} (الْكَهْف: ٩) . وَقيل: السرادق مَا يَجْعَل حول الخباء بَينه وَبَينه فسحة كالحائط، وَنَحْوه، وَظَاهره أَن ابْن عمر كَانَ مَعَه أَهله وَأَرَادَ سترهم بذلك لَا للتفاخر. قَوْله: (فَسَأَلته) ، فِيهِ الْتِفَات لِأَنَّهُ قَالَ أَولا: إِنَّه أَتَى ابْن عمر، فَكَانَ السِّيَاق يَقْتَضِي أَن يَقُول: فَسَأَلَهُ، وَوَقع عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ: فَدخلت عَلَيْهِ فَسَأَلته. قَوْله: (فَرضهَا) ، أَي: قدرهَا وبيَّنها، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى الْمَوَاقِيت بِالْقَرِينَةِ الحالية، قَالَ بَعضهم: وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد: أوجبهَا، وَبِه يتم مُرَاد المُصَنّف، وَيُؤَيِّدهُ قرينَة قَول السَّائِل: من أَيْن يجوز؟ قلت: من أَيْن علم أَن البُخَارِيّ فرض الإهلال من مِيقَات من الْمَوَاقِيت حَتَّى يكون تَفْسِير قَوْله: فَرضهَا، بِمَعْنى: أوجبهَا حَتَّى يتم مُرَاده.
قَوْله: (لأهل نجد) ، النجد فِي اللُّغَة: مَا أشرف من الأَرْض واستوى، وَيجمع على: أنجد وأنجاد ونجود ونجد، بِضَمَّتَيْنِ. وَقَالَ الْقَزاز: سمي نجدا لعلوه. وَقيل: سمي بذلك لصلابة أرضه وَكَثْرَة حجارته وصعوبته، من قَوْلهم: رجل نجد إِذا كَانَ قَوِيا شَدِيدا. وَقيل: يُسمى نجد الْفَزع من يدْخلهُ لاستيحاشه واتصال فزع السالكين لَهُ، من قَوْلهم: رجل نجد، إِذا كَانَ فَزعًا، ونجد مُذَكّر. وَلَو أنثه أحد ورده على الْبَلَد لجَاز لَهُ ذَلِك، وَالْعرب تَقول: نجد ونجد، بِفَتْح النُّون وَضمّهَا. وَقَالَ الْكَلْبِيّ فِي (أَسمَاء الْبلدَانِ) : مَا بَين الْحجاز إِلَى الشَّام إِلَى العذيب إِلَى الطَّائِف، فالطائف من نجد وَأَرْض الْيَمَامَة والبحرين إِلَى عمان، وَقَالَ أَبُو عمر: نجد، مَا بَين جرش إِلَى سَواد الْكُوفَة، وحدَّه مِمَّا يَلِي الْمغرب: الْحجاز، وَعَن يسَار الْكَعْبَة الْيمن، ونجد كلهَا من عمل الْيَمَامَة. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: نجد مَا بَين العذيب إِلَى ذَات عرق وَإِلَى الْيَمَامَة وَإِلَى جبل طَيء وَإِلَى وجرة وَإِلَى الْيمن، وَالْمَدينَة لَا تهامية وَلَا نجدية، فَإِنَّهَا وفْق الْغَوْر وَدون نجد. وَقَالَ الْحَازِمِي: نجد: إسم للْأَرْض العريضة الَّتِي أَعْلَاهَا تهَامَة واليمن وَالْعراق وَالشَّام. وَقَالَ السكرِي: حد نجد ذَات عرق من نَاحيَة الْحجاز، كَمَا يَدُور الْجبَال مَعهَا إِلَى جبال الْمَدِينَة، وَمَا وَرَاء ذَلِك ذَات عرق إِلَى تهَامَة. وَقَالَ الْخطابِيّ نجد نَاحيَة الْمشرق، وَمن كَانَ بِالْمَدِينَةِ كَانَ نجده بادية الْعرَاق ونواحيها، وَهِي مشرق أَهلهَا. وَذكر فِي (الْمُنْتَهى) : نجد من بِلَاد الْعَرَب، وَهُوَ خلاف الْغَوْر أَعنِي: تهَامَة وكل مَا ارْتَفع من تهَامَة إِلَى أَرض الْعرَاق فَهُوَ نجد. قَوْله: (قرنا) بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الرَّاء، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: هُوَ بِفَتْحِهَا، وغلطوه، وَقَالَ الْقَابِسِيّ: من قَالَ بِالسُّكُونِ أَرَادَ الْجَبَل المشرف على الْموضع، وَمن قَالَ بِالْفَتْح أَرَادَ الطَّرِيق الَّذِي يعرف مِنْهُ، فَإِنَّهُ مَوضِع فِيهِ طرق مُتَفَرِّقَة. وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي (شرح الْمسند) : وَكَثِيرًا مَا يَجِيء فِي أَلْفَاظ الْفُقَهَاء وَغَيرهم بِفَتْحِهَا، وَلَيْسَ بِصَحِيح. وَقَالَ ابْن التِّين: روناه بِالسُّكُونِ، وَعَن الشَّيْخ أبي الْحسن أَن الصَّوَاب فتحهَا، وَعَن الشَّيْخ أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن: إِن قلت: قرن الْمنَازل، أسكنته، وَإِن قلت: قرنا، فتحت. قلت: لما قَالَه الْجَوْهَرِي بالفتج، وَمِنْه أويس الْقَرنِي، وَقَالَ النسابون: أُويس مَنْسُوب إِلَى قرن، بالفتج: اسْم قَبيلَة، وَهُوَ على يَوْم وَلَيْلَة من مَكَّة. وَقَالَ ابْن قرقول: هُوَ قرن الْمنَازل وَقرن الثعالب وَقرن غير مُضَاف، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض الرِّوَايَة كتبت بِدُونِ الْألف، فَهُوَ إِمَّا بِاعْتِبَار العلمية والتأنيث، وَإِمَّا على اللُّغَة الربيعية حَيْثُ يقفون على الْمنون بِالسُّكُونِ فَيكْتب بِدُونِ الْألف، لَكِن يقْرَأ بِالتَّنْوِينِ. انْتهى. قلت: على الْوَجْه الأول هُوَ غير منصرف للعلمية والتأنيث، فَلَا يقْرَأ بِالتَّنْوِينِ.
قَوْله: (ذَا الحليفة) أَي: عين لأهل الْمَدِينَة ذَا الحليفة، وَقد فسرناها عَن قريب. قَوْله: (وَلأَهل الشَّام الْجحْفَة) ، أَي: قدر الْجحْفَة، وَهِي بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة. وَقَالَ أَبُو عبيد: هِيَ قريبَة جَامِعَة بهَا مِنْبَر، بَينهَا وَبَين الْبَحْر سِتَّة أَمْيَال، وغدير خم على ثَلَاثَة أَمْيَال مِنْهَا، وَهِي مِيقَات المتوجهين من الشَّام ومصر وَالْمغْرب، وَهِي على ثَلَاثَة مراحل من مَكَّة أَو أَكثر، وعَلى ثَمَانِيَة مراحل من الْمَدِينَة، سميت بذلك لِأَن السُّيُول أجحفت بِمَا حولهَا. وَقَالَ الْكَلْبِيّ: أخرجت العماليق بني عبيل، وهم أخوة عَاد، من يثرب فنزلوا الْجحْفَة، وَكَانَ اسْمهَا: مهيعة، فَجَاءَهُمْ السَّيْل فأجحفتهم، فسميت الْجحْفَة، وَفِي كتاب (أَسمَاء الْبلدَانِ) : لِأَن سيل الجحاف نزل بهَا. فَذهب بِكَثِير من الْحَاج وبأمتعة النَّاس ورحالهم، فَمن ذَلِك سميت: الْجحْفَة. وَقَالَ أَبُو عبيد، وَقد سَمَّاهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مهيعة، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْهَاء وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَالْعين الْمُهْملَة، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: قَالَ بَعضهم
بِكَسْر الْهَاء. وَقَالَ ابْن حزم، رَحمَه الله تَعَالَى: الْجحْفَة مَا بَين الْمغرب وَالشمَال من مَكَّة، وَمِنْهَا إِلَى مَكَّة اثْنَان وَثَمَانُونَ ميلًا وَالله تَعَالَى أعلم.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: رد على عَطاء وَالنَّخَعِيّ وَالْحسن فِي زعمهم أَن لَا شَيْء على من ترك الْمِيقَات وَلم يحرم، وَهُوَ يُرِيد الْحَج وَالْعمْرَة، وَهُوَ شَاذ. وَنقل ابْن بطال عَن مَالك وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ أَنه يرجع من مَكَّة إِلَى الْمِيقَات، وَاخْتلفُوا إِذا رَجَعَ: هَل عَلَيْهِ دم أم لَا؟ فَقَالَ مَالك وَالثَّوْري فِي رِوَايَة: لَا يسْقط عَنهُ الدَّم بِرُجُوعِهِ إِلَيْهِ محرما، وَهُوَ قَول ابْن الْمُبَارك. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِن رَجَعَ إِلَيْهِ فلبى فَلَا دم عَلَيْهِ بِرُجُوعِهِ إِلَيْهِ محرما، وَإِن لم يلب فَعَلَيهِ دم. وَقَالَ الثَّوْريّ فِي رِوَايَة، وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ: لَا دم عَلَيْهِ إِذا رَجَعَ إِلَى الْمِيقَات بعد إِحْرَامه على كل وَجه أَي: قبل أَن يطوف، فَإِن طَاف فالدم بَاقٍ، وَإِن رَجَعَ. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: الْإِحْرَام بِالْعُمْرَةِ لَا يلْزم أَن يكون من الْمَذْكُورَات، بل يَصح من الْجِعِرَّانَة، وَنَحْوهَا. قلت: هِيَ للمكي وَأما الآفاقي فَلَا يَصح لَهُ الْإِحْرَام بهَا إلَاّ من الْمَوَاضِع الْمَذْكُورَة.
٦ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: {وتَزَوَّدُوا فإنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} (الْبَقَرَة: ٧٩١) .)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التزود الْمَأْمُور بِهِ فِي قَول الله تَعَالَى: {وتزودوا} (الْبَقَرَة: ٧٩١) . وَإِنَّمَا أَمر بالتزود ليكف الَّذِي يحجّ وَجهه عَن النَّاس. قَالَ الْعَوْفِيّ: عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (كَانَ أنَاس يخرجُون من أَهْليهمْ لَيْسَ مَعَهم زَاد، يَقُولُونَ: نحجّ بَيت الله وَلَا يطعمنا؟ فَقَالَ الله: تزودوا مَا يكف وُجُوهكُم عَن النَّاس) وروى ابْن جرير وَابْن مرْدَوَيْه من حَدِيث عَمْرو بن عبد الْغفار عَن نَافِع عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: (كَانُوا إِذا أَحْرمُوا وَمَعَهُمْ أَزْوَادهم رموا بهَا واستأنفوا زادا آخر، فَأنْزل الله تَعَالَى: {وتزودوا فَإِن خير الزَّاد التَّقْوَى} (الْبَقَرَة: ٧٩١) . فنهوا عَن ذَلِك وَأمرُوا أَن يتزودوا الكعك والدقيق والسويق، ثمَّ لما أَمرهم بالزاد للسَّفر فِي الدُّنْيَا أرشدهم إِلَى زَاد الْآخِرَة، وَهُوَ اسْتِصْحَاب التَّقْوَى إِلَيْهَا، وَذكر أَنه خير من هَذَا وأنفع. قَالَ عَطاء الْخُرَاسَانِي: فِي قَوْله: {فَإِن خير الزَّاد التَّقْوَى} (الْبَقَرَة: ٧٩١) . يَعْنِي: زَاد الْآخِرَة، وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث قيس عَن جرير بن عبد الله عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (من تزَود فِي الدُّنْيَا يَنْفَعهُ فِي الْآخِرَة) . ثمَّ قَالَ: {واتقونِ يَا أولي الْأَلْبَاب} (الْبَقَرَة: ٧٩١) . يَقُول: اتَّقوا عقابي ونكالي وعذابي لمن خالفني، وَلم يأتمر بأَمْري يَا ذَوي الْعُقُول والأفهام.
٣٢٥١ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بِشْرٍ قَالَ حدَّثنا شَبابَةَ عنْ وَرْقَاءَ عَن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ عَن عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ كانَ أهْلُ اليَمَنِ يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ ويَقُولُونَ نَحْنُ المُتَوَكِّلُونَ فَإِذا قَدِمُوا المَدينةَ سًّلُوا النَّاسَ فأنْزلَ الله تَعَالَى وتَزَوَّدُوا فإنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يبين سَبَب نزُول الْآيَة الَّتِي ترْجم بهَا الْبَاب.
ذكر رِجَاله: وهم: سِتَّة: الأول: يحيى بن بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: أَبُو زَكَرِيَّا أحد عباد الله الصَّالِحين، مَاتَ سنة ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: شَبابَة، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعد الْألف بَاء أُخْرَى: ابْن سوار الْفَزارِيّ، مر فِي: بَاب الصَّلَاة على النُّفَسَاء، فِي كتاب الْحيض. الثَّالِث: وَرْقَاء مؤنث الأورق، ابْن عَمْرو بن كُلَيْب أَبُو بشر الْيَشْكُرِي، مر فِي: بَاب وضع المَاء فِي الْخَلَاء، الرَّابِع: عَمْرو، بِفَتْح الْعين: ابْن دِينَار، مر فِي: بَاب كتاب الْعلم. الْخَامِس: عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس. السَّادِس: عبد الله ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: إِن شَيْخه من أَفْرَاده وَإنَّهُ بلخي وَأَن شَبابَة مدائني وَأَن أصل وَرْقَاء من خوارزم، وَقيل؛ من الْكُوفَة، سكن الْمَدَائِن، وَأَن عَمْرو بن دِينَار مكي وَأَن عِكْرِمَة مدنِي وَأَصله من البربر.
ذكر من أخرجه غَيره أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحَج عَن أبي مَسْعُود أَحْمد بن الْفُرَات وَمُحَمّد بن عبد الله المخرمي، كِلَاهُمَا عَن شَبابَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير وَفِي التَّفْسِير عَن سعيد ابْن عبد الرَّحْمَن.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فَإِذا قدمُوا الْمَدِينَة) ، هَذِه رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فَإِذا
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَظَاهِرُهُ غُفْرَانُ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ وَالتَّبِعَاتِ، وَهُوَ مِنْ أَقْوَى الشَّوَاهِدِ لِحَدِيثِ الْعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ الْمُصَرِّحِ بِذَلِكَ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَلَمْ يَرْفُثْ مَعْطُوفٌ عَلَى الشَّرْطِ، وَجَوَابُهُ رَجَعَ؛ أَيْ صَارَ، وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ خَبَرٌ لَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا؛ أَيْ صَارَ مُشَابِهًا لِنَفْسِهِ فِي الْبَرَاءَةِ عَنِ الذُّنُوبِ فِي يَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ اهـ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ الْمَذْكُورَةِ: رَجَعَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ. وَذَكَرَ لَنَا بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الطِّيبِيَّ أَفَادَ أَنَّ الْحَدِيثَ إِنَّمَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ الْجِدَالُ، كَمَا ذُكِرَ فِي الْآيَةِ عَلَى طَرِيقِ الِاكْتِفَاءِ بِذِكْرِ الْبَعْضِ وَتَرْكِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِالْقَصْدِ، لِأَنَّ وُجُودَهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي تَرْكِ مَغْفِرَةِ ذُنُوبِ الْحَاجِّ إِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْمُجَادَلَةَ فِي أَحْكَامِ الْحَجِّ فِيمَا يَظْهَرُ مِنَ الْأَدِلَّةِ، أَوِ الْمُجَادَلَةَ بِطَرِيقِ التَّعْمِيمِ فَلَا يُؤَثِّرُ أَيْضًا، فَإِنَّ الْفَاحِشَ مِنْهَا دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الرَّفَثِ، وَالْحَسَنَ مِنْهَا ظَاهِرٌ فِي عَدَمِ التَّأْثِيرِ، وَالْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ لَا يُؤَثِّرُ أَيْضًا.
٥ - بَاب فَرْضِ مَوَاقِيتِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ
١٥٢٢ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَنَّهُ أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ فِي مَنْزِلِهِ وَلَهُ فُسْطَاطٌ وَسُرَادِقٌ فَسَأَلْتُهُ مِنْ أَيْنَ يَجُوزُ أَنْ أَعْتَمِرَ قَالَ: فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا وَلِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ فَرْضِ مَوَاقِيتِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ) الْمَوَاقِيتُ جَمْعُ مِيقَاتٍ، كَمَوَاعِيدَ وَمِيعَادٍ، وَمَعْنَى فَرَضَ قَدَّرَ أَوْ أَوْجَبَ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الْمُصَنِّفِ، وَأَنَّهُ لَا يُجِيزُ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مِنْ قِبَلِ الْمِيقَاتِ، وَيَزِيدُ ذَلِكَ وُضُوحًا مَا سَيَأْتِي بَعْدَ قَلِيلٍ، حَيْثُ قَالَ: مِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلَا يُهِلُّونَ قِبَلَ ذِي الْحُلَيْفَةِ. وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْجَوَازِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَقَدْ نُقِلَ عَنْ إِسْحَاقَ وَدَاوُدَ وَغَيْرِهِمَا عَدَمُ الْجَوَازِ، وَهُوَ ظَاهِرُ جَوَابِ ابْنِ عُمَرَ، وَيُؤَيِّدُهُ الْقِيَاسُ عَلَى الْمِيقَاتِ الزَّمَانِيِّ، فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّقَدُّمُ عَلَيْهِ، وَفَرَّقَ الْجُمْهُورُ بَيْنَ الزَّمَانِيِّ وَالْمَكَانِيِّ، فَلَمْ يُجِيزُوا التَّقَدُّمَ عَلَى الزَّمَانِيِّ، وَأَجَازُوا فِي الْمَكَانِيِّ، وَذَهَبَ طَائِفَةٌ كَالْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى تَرْجِيحِ التَّقَدُّمِ، وَقَالَ مَالِكٌ يُكْرَهُ، وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي تَرْجَمَةِ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ فِي قَوْلِهِ: وَكَرِهَ عُثْمَانُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ خُرَاسَانَ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُعْفِيُّ، وَرِجَالُ هَذَا الْإِسْنَادِ سِوَى ابْنِ عُمَرَ كُوفِيُّونَ، وَجُبَيْرٌ وَالِدُ زَيْدٍ - بِالْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرٌ - لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَفِي الرُّوَاةِ زَيْدُ بْنُ جَبِيرَةَ - بِفَتْحِ الْجِيمِ وَزِيَادَةِ هَاءٍ فِي آخِرِهِ - لَمْ يُخَرِّجْ لَهُ الْبُخَارِيُّ شَيْئًا.
قَوْلُهُ: (وَلَهُ فُسْطَاطٌ وَسُرَادِقُ) الْفُسْطَاطُ مَعْرُوفٌ وَهِيَ الْخَيْمَةُ، وَأَصْلُهُ عَمُودُ الْخِبَاءِ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ إِلَّا إِذَا كَانَتْ مِنْ قُطْنٍ، وَهُوَ أَيْضًا مِمَّا يُغَطَّى بِهِ صَحْنُ الدَّارِ مِنَ الشَّمْسِ وَغَيْرِهَا، وَكُلُّ مَا أَحَاطَ بِشَيْءٍ فَهُوَ سُرَادِقُ، وَمِنْهُ: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾
قَوْلُهُ: (فَسَأَلْتُهُ) فِيهِ الْتِفَاتٌ، لِأَنَّهُ قَالَ أَوَّلًا إِنَّهُ أَتَى ابْنَ عُمَرَ، فَكَانَ السِّيَاقُ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ فَسَأَلَهُ، لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَسَأَلْتُهُ.
قَوْلُهُ: (فَرَضَهَا) أَيْ قَدَّرَهَا وَعَيَّنَهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَوْجَبَهَا وَبِهِ يَتِمُّ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَرِينَةُ قَوْلِ السَّائِلِ: مِنْ أَيْنَ يَجُوزُ لِي. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْحَدِيثِ بَعْدَ بَابٍ.
٦ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾
١٥٢٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
واستُعير هنا للمكان اتِّساعًا، وقد لزم شرعًا تقديم الإحرام للآفاقيِّ على وصوله إلى البيت تعظيمًا للبيت وإجلالًا، كما تراه في الشَّاهد من ترجُّل الرَّاكب القاصد إلى عظيمٍ من الخلق إذا قرب من ساحته خضوعًا له، فلذا (١) لزم القاصد إلى بيت الله تعالى أن يحرم قبل الحلول بحضرته إجلالًا، فإنَّ الإحرام تشبُّهٌ (٢) بالأموات، وفي ضمن جَعْلِ نفسِه كالميِّت سلب اختياره، وإلقاء قياده متخلِّيًا عن نفسه فارغًا عن اعتبارها شيئًا من الأشياء.
١٥٢٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بن زياد بن درهمٍ النَّهديُّ قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هو ابن معاوية الجعفيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) (٣) بالإفراد (زَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ) بضمِّ الجيم وفتح المُوحَّدة الجُشَميُّ (أَنَّهُ أَتَى عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (﵄ فِي مَنْزِلِهِ وَلَهُ فُسْطَاطٌ) بيتٌ من شَعَرٍ ونحوه (وَسُرَادِقٌ) حول الفسطاط، وهو بضمِّ السِّين وكسر الدَّال: كلُّ ما أحاط بشيءٍ، ومنه: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩] أو هو الخيمة، أو لا يُقال لها ذلك إلَّا إذا كانت من قطنٍ، أو ما يُغطَّى به صحن الدَّار من الشَّمس وغيرها، قال في «عمدة القاري»: والظَّاهر أنَّ ابن عمر كان معه أهله، وأراد سترهم بذلك لا التَّفاخر (فَسَأَلْتُهُ) مقتضى السِّياق أن يقول: فسأله، لكنَّه وقع على سبيل
الالتفات، وللإسماعيليِّ: «فدخلت عليه فسألته»: (مِنْ أَيْنَ يَجُوزُ أَنْ أَعْتَمِرَ؟ قَالَ: فَرَضَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ) أي: قدَّرها أو بيَّنها (١) أو أوجبها، والضَّمير المنصوب للمواقيت للقرينة الحاليَّة (لأَهْلِ نَجْدٍ) ساكنيها، ومن سلك طريق سفرهم فمرَّ على ميقاتهم، و «نَجْد»: بفتح النُّون وسكون الجيم آخره دالٌ مهملةٌ: ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق، قاله في «الصِّحاح». وقال في «المشارق»: ما بين جرش إلى سواد الكوفة وَحَدُّه ممَّا يلي المغرب (٢) الحجاز، وعن يسار الكعبة اليمن قال: ونجدٌ كلُّها من عمل اليمامة، وقال في «النِّهاية»: النَّجد: ما ارتفع من الأرض، وهو اسمٌ خاصٌّ لما دون الحجاز ممَّا يلي العراق، قال في «القاموس»: النَّجد: ما أَشْرفَ من الأرض وما خالف الغور، أي: تِهامة وتُضَمُّ جيمُه مُذكَّرٌ (٣)، أعلاه تِهامة واليمن، وأسفله العراق والشَّام (٤)، وأوَّله من جهة الحجاز ذات عرقٍ (٥) (قَرْنًا) قال النَّوويُّ: على نحوٍ من (٦) مرحلتين من مكَّة، قال في «القاموس»: قريةٌ عند الطَّائف، أو اسم الوادي كلِّه، وغلط الجوهريُّ في تحريكه وفي نسبة أويسٍ القرنيِّ إليه لأنَّه منسوبٌ إلى قَرَنِ بن رَدْمان (٧) بن ناجية بن مرادٍ، أحد أجداده. انتهى. وثبت في «مسلمٍ» نحوه، لكن قال القابسيُّ: من سكَّن أراد الجبل، ومن فَتَحَ أراد الطَّريق الذي يقرب منه، ولأبي ذرٍّ: «مِنْ قَرْنٍ».
(وَلأَهْلِ المَدِينَةِ) يثربَ سكَّانِها، ومن سلك طريقهم فمرَّ على ميقاتهم (ذَا الحُلَيْفَةِ) بضمِّ الحاء المهملة وفتح اللَّام مُصغَّرًا: موضعٌ بُعْده من (٨) المدينة ميلٌ كما عند الرَّافعيِّ، لكن في «البسيط»: إنَّها على ستَّة أميالٍ، وصحَّحه في «المجموع»، وهو الذي قاله في «القاموس»، وقِيلَ:
سبعة، وفي «المهمَّات»: الصَّواب المعروف بالمشاهدة أنَّها على ثلاثة أميالٍ أو تزيد قليلًا.
(وَلأَهْلِ الشَّأْمِ) من العريش إلى بالِس، وقِيلَ: إلى الفرات، قاله النَّوويُّ، ومن سلك طريقهم (الجُحْفَةَ) بضمِّ الجيم وإسكان الحاء المهملة وفتح الفاء: قريةٌ (١) على ستَّة أميالٍ من البحر، وثماني مراحل من المدينة، ومن مكَّة خمس مراحل أو ستَّة أو ثلاثة، قال ابن الكلبيِّ: كان العماليق يسكنون يثرب، فوقع بينهم وبين بني عَبِيلٍ -بفتح المهملة وكسر المُوحَّدة؛ وهم إخوة عادٍ- حربٌ، فأخرجوهم من يثرب، فنزلوا مَهْيَعَةَ، فجاء سيلٌ فاجتحفهم، أي: استأصلهم، فسُمِّيت الجحفة، وهي الآن خربةٌ لا يصل إليها أحدٌ لوخمها، وإنَّما يُحْرِم النَّاس الآن من رابغ لكونها محاذيةً لها، وفي حديث عائشة عند النَّسائيِّ مرفوعًا: «ولأهل الشَّام (٢) ومصر الجحفة»، قال الوليُّ ابن العراقيِّ: وهذه زيادةٌ يجب الأخذ بها، وعليها العمل. وزاد نافعٌ في الباب الآتي بعد بابين -إن شاء الله تعالى-[خ¦١٥٢٥]: قال عبد الله: وبلغني أنَّ رسول الله ﷺ قال: «ويهلُّ أهل اليمن من يلملم»، وبقيَّة مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في محالِّها.
(٦) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُواْ﴾) أي: ما يكفُّ وجوهكم عن النَّاس، ولمَّا أمرهم بزاد الدُّنيا أرشدهم إلى زاد (٣) الآخرة فقال: (﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]).
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الرّطبَة إِذا أخرجت من قشرها، فَسُمي بذلك الْفَاسِق لِخُرُوجِهِ من الْخَيْر وانسلاخه مِنْهُ. وَقيل: الْفَاسِق الْجَائِز. قَالُوا: وَالْفِسْق والفسوق فِي الدّين اسْم إسلامي لم يسمع فِي الْجَاهِلِيَّة وَلَا يُوجد فِي أشعارهم، وَإِنَّمَا هُوَ مُحدث سمي بِهِ الْخَارِج عَن الطَّاعَة بعد نزُول الْقُرْآن الْعَظِيم. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: لم يسمع قطّ فِي كَلَام الْجَاهِلِيَّة وَلَا فِي شعرهم: فَاسق، وَهَذَا عَجِيب، وَهُوَ كَلَام عَرَبِيّ. قَوْله: (رَجَعَ كَيَوْم وَلدته أمه) أَي: رَجَعَ مشابها لنَفسِهِ فِي الْبَراء من الذُّنُوب فِي يَوْم وَلدته أمه، وَرجع بِمَعْنى: صَار، جَوَاب الشَّرْط. وَلَفظ: (كَيَوْم) يجوز فِيهِ الْبناء على الْفَتْح. فَإِن قلت: ذكر هُنَا الرَّفَث والفسوق وَلم يذكر الْجِدَال، كَمَا فِي الْقُرْآن؟ قلت: اعْتِمَادًا على الْآيَة، وَالله أعلم.
٥ - (بابُ فَرْضِ مَوَاقِيتِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فرض مَوَاقِيت الْحَج وَالْعمْرَة، وَالْفَرْض هُنَا يجوز أَن يكون بِمَعْنى التَّقْدِير، وَأَن يكون بِمَعْنى الْوُجُوب. وَقَالَ بَعضهم: الظَّاهِر بِمَعْنى الْوُجُوب وَهُوَ نَص البُخَارِيّ، وَاسْتدلَّ عَلَيْهِ بقوله فِي: بَاب مِيقَات أهل الْمَدِينَة: وَلَا يهلوا قبل ذِي الحليفة. قلت: قَوْله: (وَلَا يهلوا، قبل ذِي الحليفة) لَا يدل على عدم جَوَاز الإهلال من قبل ذِي الحليفة، لاحْتِمَال أَن يكون ذَلِك ترك الِاسْتِحْبَاب فِي الإهلال قبل ذِي الحليفة، وَأَن يكون معنى قَوْله: (وَلَا يهلوا) : وَلَا يسْتَحبّ لَهُم أَن يهلوا قبل ذِي الحليفة أَلا ترى أَن الْجُمْهُور جوزوا التَّقَدُّم على الْمَوَاقِيت، على أَن ابْن الْمُنْذر نقل الْإِجْمَاع على الْجَوَاز فِي التَّقَدُّم عَلَيْهَا. وَمذهب طَائِفَة من الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة: الْأَفْضَل فِي التَّقَدُّم، وَالْمَنْقُول عَن مَالك كَرَاهَة ذَلِك لَا يدل على أَنه يرى عدم الْجَوَاز، وَكَذَلِكَ الْمَنْقُول عَن عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه كره أَن يحرم من خُرَاسَان. فَإِن قلت: نقل عَن إِسْحَاق وَدَاوُد عدم الْجَوَاز. قلت: مخالفتهما لِلْجُمْهُورِ لَا تعْتَبر، وَلَئِن سلمنَا ذَلِك فَمن أَيْن علم أَن البُخَارِيّ مَعَهُمَا فِي ذَلِك؟ فَإِن قلت: تنصيصه فِي التَّرْجَمَة على لفظ الْفَرْض يدل على أَنه يرى ذَلِك. قلت: لَا نسلم لاحْتِمَال أَن يكون أَرَادَ بِالْفَرْضِ معنى التَّقْدِير، بل الرَّاجِح هَذَا لِأَنَّهُ وَقع فِي بعض النّسخ: بَاب فضل مَوَاقِيت الْحَج وَالْعمْرَة، وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَيُؤَيِّدهُ الْقيَاس على الْمِيقَات الزماني، فقد أَجمعُوا على أَنه لَا يجوز التَّقَدُّم عَلَيْهِ. قلت: لَا نسلم صِحَة هَذَا الْقيَاس لوُجُود الْفَارِق وَهُوَ أَن الْمِيقَات الزماني مَنْصُوص عَلَيْهِ بِالْقُرْآنِ، بِخِلَاف الْمِيقَات المكاني. ثمَّ إعلم أَن الْمَوَاقِيت جمع: مِيقَات، على وزن: مفعال، وَأَصله موقات قلبت الْوَاو يَاء لسكونها وانكسار مَا قبلهَا، من: وَقت الشَّيْء يقته، إِذا بَين حَده، وَكَذَا وقته يوقته، ثمَّ اتَّسع فِيهِ فَأطلق على الْمَكَان، فَقيل للموضع: مِيقَات، والميقات يُطلق على الزماني والمكاني، وَهَهُنَا المُرَاد المكاني.
٢٢٥١ - حدَّثنا مالِكُ بنُ إسْماعِيلَ قَالَ حدَّثنا زُهَيْرٌ قَالَ حدَّثني زَيْدُ بنُ جُبَيْرٍ أنَّهُ أَتَى عَبْدَ الله بنَ عُمَر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فِي مَنْزِلِهِ ولَهُ فُسْطَاطٌ وسُرادِقٌ فسَألْتُهُ مِنْ أيْنَ يَجُوزُ أنْ أعْتَمِر قَالَ فرَضَهَا رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنا وَلأِهلِ المَدينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ وَلأِهْلِ الشأمِ الجُحْفَةَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، فَإِن فِيهِ بَيَان تَوْقِيت لأهل هَذِه الْأَمَاكِن الثَّلَاثَة.
ذكر رِجَاله: وهم: أَرْبَعَة: الأول: مَالك بن إِسْمَاعِيل أَبُو غَسَّان، مر فِي: بَاب المَاء الَّذِي يغسل بِهِ شعر الْإِنْسَان. الثَّانِي: زُهَيْر، بِضَم الزَّاي وَفتح الْهَاء مصغر الزهر: ابْن مُعَاوِيَة الْجعْفِيّ، مر فِي: بَاب لَا يستنجي بروث. الثَّالِث: زيد بن جُبَير، بِضَم الْجِيم وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن حرمل الْجُشَمِي، من بني جشم بن مُعَاوِيَة. الرَّابِع: عبد الله بن عمر.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: السُّؤَال. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته الثَّلَاثَة كوفيون. وَفِيه: أَن زيد بن جُبَير لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَفِي الروَاة زيد بن جبيرَة، بِفَتْح الْجِيم وَزِيَادَة هَاء فِي آخِره، لم يخرج لَهُ البُخَارِيّ شَيْئا.
وَهَذَا الحَدِيث بِهَذَا الْوَجْه من أَفْرَاد البُخَارِيّ، رَحمَه الله.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَله فسطاط) ، هُوَ بَيت من شعر، وَفِيه سِتّ لُغَات: فسطاط وفستاط وفساط، بِالضَّمِّ وَالْكَسْر فِيهِنَّ، وَقد بسطنا الْكَلَام فِيهِ فِيمَا مضى. قَوْله: (وسرادق) ، هِيَ وَاحِدَة السرادقات الَّتِي تحد فَوق صحن الدَّار، وكل بَيت من كُرْسُف فَهُوَ سرادق، وكل مَا أحَاط بِشَيْء فَهُوَ سرادق، وَمِنْه: {وأحاط بهم سرادقها} (الْكَهْف: ٩) . وَقيل: السرادق مَا يَجْعَل حول الخباء بَينه وَبَينه فسحة كالحائط، وَنَحْوه، وَظَاهره أَن ابْن عمر كَانَ مَعَه أَهله وَأَرَادَ سترهم بذلك لَا للتفاخر. قَوْله: (فَسَأَلته) ، فِيهِ الْتِفَات لِأَنَّهُ قَالَ أَولا: إِنَّه أَتَى ابْن عمر، فَكَانَ السِّيَاق يَقْتَضِي أَن يَقُول: فَسَأَلَهُ، وَوَقع عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ: فَدخلت عَلَيْهِ فَسَأَلته. قَوْله: (فَرضهَا) ، أَي: قدرهَا وبيَّنها، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى الْمَوَاقِيت بِالْقَرِينَةِ الحالية، قَالَ بَعضهم: وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد: أوجبهَا، وَبِه يتم مُرَاد المُصَنّف، وَيُؤَيِّدهُ قرينَة قَول السَّائِل: من أَيْن يجوز؟ قلت: من أَيْن علم أَن البُخَارِيّ فرض الإهلال من مِيقَات من الْمَوَاقِيت حَتَّى يكون تَفْسِير قَوْله: فَرضهَا، بِمَعْنى: أوجبهَا حَتَّى يتم مُرَاده.
قَوْله: (لأهل نجد) ، النجد فِي اللُّغَة: مَا أشرف من الأَرْض واستوى، وَيجمع على: أنجد وأنجاد ونجود ونجد، بِضَمَّتَيْنِ. وَقَالَ الْقَزاز: سمي نجدا لعلوه. وَقيل: سمي بذلك لصلابة أرضه وَكَثْرَة حجارته وصعوبته، من قَوْلهم: رجل نجد إِذا كَانَ قَوِيا شَدِيدا. وَقيل: يُسمى نجد الْفَزع من يدْخلهُ لاستيحاشه واتصال فزع السالكين لَهُ، من قَوْلهم: رجل نجد، إِذا كَانَ فَزعًا، ونجد مُذَكّر. وَلَو أنثه أحد ورده على الْبَلَد لجَاز لَهُ ذَلِك، وَالْعرب تَقول: نجد ونجد، بِفَتْح النُّون وَضمّهَا. وَقَالَ الْكَلْبِيّ فِي (أَسمَاء الْبلدَانِ) : مَا بَين الْحجاز إِلَى الشَّام إِلَى العذيب إِلَى الطَّائِف، فالطائف من نجد وَأَرْض الْيَمَامَة والبحرين إِلَى عمان، وَقَالَ أَبُو عمر: نجد، مَا بَين جرش إِلَى سَواد الْكُوفَة، وحدَّه مِمَّا يَلِي الْمغرب: الْحجاز، وَعَن يسَار الْكَعْبَة الْيمن، ونجد كلهَا من عمل الْيَمَامَة. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: نجد مَا بَين العذيب إِلَى ذَات عرق وَإِلَى الْيَمَامَة وَإِلَى جبل طَيء وَإِلَى وجرة وَإِلَى الْيمن، وَالْمَدينَة لَا تهامية وَلَا نجدية، فَإِنَّهَا وفْق الْغَوْر وَدون نجد. وَقَالَ الْحَازِمِي: نجد: إسم للْأَرْض العريضة الَّتِي أَعْلَاهَا تهَامَة واليمن وَالْعراق وَالشَّام. وَقَالَ السكرِي: حد نجد ذَات عرق من نَاحيَة الْحجاز، كَمَا يَدُور الْجبَال مَعهَا إِلَى جبال الْمَدِينَة، وَمَا وَرَاء ذَلِك ذَات عرق إِلَى تهَامَة. وَقَالَ الْخطابِيّ نجد نَاحيَة الْمشرق، وَمن كَانَ بِالْمَدِينَةِ كَانَ نجده بادية الْعرَاق ونواحيها، وَهِي مشرق أَهلهَا. وَذكر فِي (الْمُنْتَهى) : نجد من بِلَاد الْعَرَب، وَهُوَ خلاف الْغَوْر أَعنِي: تهَامَة وكل مَا ارْتَفع من تهَامَة إِلَى أَرض الْعرَاق فَهُوَ نجد. قَوْله: (قرنا) بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الرَّاء، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: هُوَ بِفَتْحِهَا، وغلطوه، وَقَالَ الْقَابِسِيّ: من قَالَ بِالسُّكُونِ أَرَادَ الْجَبَل المشرف على الْموضع، وَمن قَالَ بِالْفَتْح أَرَادَ الطَّرِيق الَّذِي يعرف مِنْهُ، فَإِنَّهُ مَوضِع فِيهِ طرق مُتَفَرِّقَة. وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي (شرح الْمسند) : وَكَثِيرًا مَا يَجِيء فِي أَلْفَاظ الْفُقَهَاء وَغَيرهم بِفَتْحِهَا، وَلَيْسَ بِصَحِيح. وَقَالَ ابْن التِّين: روناه بِالسُّكُونِ، وَعَن الشَّيْخ أبي الْحسن أَن الصَّوَاب فتحهَا، وَعَن الشَّيْخ أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن: إِن قلت: قرن الْمنَازل، أسكنته، وَإِن قلت: قرنا، فتحت. قلت: لما قَالَه الْجَوْهَرِي بالفتج، وَمِنْه أويس الْقَرنِي، وَقَالَ النسابون: أُويس مَنْسُوب إِلَى قرن، بالفتج: اسْم قَبيلَة، وَهُوَ على يَوْم وَلَيْلَة من مَكَّة. وَقَالَ ابْن قرقول: هُوَ قرن الْمنَازل وَقرن الثعالب وَقرن غير مُضَاف، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض الرِّوَايَة كتبت بِدُونِ الْألف، فَهُوَ إِمَّا بِاعْتِبَار العلمية والتأنيث، وَإِمَّا على اللُّغَة الربيعية حَيْثُ يقفون على الْمنون بِالسُّكُونِ فَيكْتب بِدُونِ الْألف، لَكِن يقْرَأ بِالتَّنْوِينِ. انْتهى. قلت: على الْوَجْه الأول هُوَ غير منصرف للعلمية والتأنيث، فَلَا يقْرَأ بِالتَّنْوِينِ.
قَوْله: (ذَا الحليفة) أَي: عين لأهل الْمَدِينَة ذَا الحليفة، وَقد فسرناها عَن قريب. قَوْله: (وَلأَهل الشَّام الْجحْفَة) ، أَي: قدر الْجحْفَة، وَهِي بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة. وَقَالَ أَبُو عبيد: هِيَ قريبَة جَامِعَة بهَا مِنْبَر، بَينهَا وَبَين الْبَحْر سِتَّة أَمْيَال، وغدير خم على ثَلَاثَة أَمْيَال مِنْهَا، وَهِي مِيقَات المتوجهين من الشَّام ومصر وَالْمغْرب، وَهِي على ثَلَاثَة مراحل من مَكَّة أَو أَكثر، وعَلى ثَمَانِيَة مراحل من الْمَدِينَة، سميت بذلك لِأَن السُّيُول أجحفت بِمَا حولهَا. وَقَالَ الْكَلْبِيّ: أخرجت العماليق بني عبيل، وهم أخوة عَاد، من يثرب فنزلوا الْجحْفَة، وَكَانَ اسْمهَا: مهيعة، فَجَاءَهُمْ السَّيْل فأجحفتهم، فسميت الْجحْفَة، وَفِي كتاب (أَسمَاء الْبلدَانِ) : لِأَن سيل الجحاف نزل بهَا. فَذهب بِكَثِير من الْحَاج وبأمتعة النَّاس ورحالهم، فَمن ذَلِك سميت: الْجحْفَة. وَقَالَ أَبُو عبيد، وَقد سَمَّاهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مهيعة، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْهَاء وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَالْعين الْمُهْملَة، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: قَالَ بَعضهم
بِكَسْر الْهَاء. وَقَالَ ابْن حزم، رَحمَه الله تَعَالَى: الْجحْفَة مَا بَين الْمغرب وَالشمَال من مَكَّة، وَمِنْهَا إِلَى مَكَّة اثْنَان وَثَمَانُونَ ميلًا وَالله تَعَالَى أعلم.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: رد على عَطاء وَالنَّخَعِيّ وَالْحسن فِي زعمهم أَن لَا شَيْء على من ترك الْمِيقَات وَلم يحرم، وَهُوَ يُرِيد الْحَج وَالْعمْرَة، وَهُوَ شَاذ. وَنقل ابْن بطال عَن مَالك وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ أَنه يرجع من مَكَّة إِلَى الْمِيقَات، وَاخْتلفُوا إِذا رَجَعَ: هَل عَلَيْهِ دم أم لَا؟ فَقَالَ مَالك وَالثَّوْري فِي رِوَايَة: لَا يسْقط عَنهُ الدَّم بِرُجُوعِهِ إِلَيْهِ محرما، وَهُوَ قَول ابْن الْمُبَارك. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِن رَجَعَ إِلَيْهِ فلبى فَلَا دم عَلَيْهِ بِرُجُوعِهِ إِلَيْهِ محرما، وَإِن لم يلب فَعَلَيهِ دم. وَقَالَ الثَّوْريّ فِي رِوَايَة، وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ: لَا دم عَلَيْهِ إِذا رَجَعَ إِلَى الْمِيقَات بعد إِحْرَامه على كل وَجه أَي: قبل أَن يطوف، فَإِن طَاف فالدم بَاقٍ، وَإِن رَجَعَ. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: الْإِحْرَام بِالْعُمْرَةِ لَا يلْزم أَن يكون من الْمَذْكُورَات، بل يَصح من الْجِعِرَّانَة، وَنَحْوهَا. قلت: هِيَ للمكي وَأما الآفاقي فَلَا يَصح لَهُ الْإِحْرَام بهَا إلَاّ من الْمَوَاضِع الْمَذْكُورَة.
٦ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: {وتَزَوَّدُوا فإنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} (الْبَقَرَة: ٧٩١) .)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التزود الْمَأْمُور بِهِ فِي قَول الله تَعَالَى: {وتزودوا} (الْبَقَرَة: ٧٩١) . وَإِنَّمَا أَمر بالتزود ليكف الَّذِي يحجّ وَجهه عَن النَّاس. قَالَ الْعَوْفِيّ: عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (كَانَ أنَاس يخرجُون من أَهْليهمْ لَيْسَ مَعَهم زَاد، يَقُولُونَ: نحجّ بَيت الله وَلَا يطعمنا؟ فَقَالَ الله: تزودوا مَا يكف وُجُوهكُم عَن النَّاس) وروى ابْن جرير وَابْن مرْدَوَيْه من حَدِيث عَمْرو بن عبد الْغفار عَن نَافِع عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: (كَانُوا إِذا أَحْرمُوا وَمَعَهُمْ أَزْوَادهم رموا بهَا واستأنفوا زادا آخر، فَأنْزل الله تَعَالَى: {وتزودوا فَإِن خير الزَّاد التَّقْوَى} (الْبَقَرَة: ٧٩١) . فنهوا عَن ذَلِك وَأمرُوا أَن يتزودوا الكعك والدقيق والسويق، ثمَّ لما أَمرهم بالزاد للسَّفر فِي الدُّنْيَا أرشدهم إِلَى زَاد الْآخِرَة، وَهُوَ اسْتِصْحَاب التَّقْوَى إِلَيْهَا، وَذكر أَنه خير من هَذَا وأنفع. قَالَ عَطاء الْخُرَاسَانِي: فِي قَوْله: {فَإِن خير الزَّاد التَّقْوَى} (الْبَقَرَة: ٧٩١) . يَعْنِي: زَاد الْآخِرَة، وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث قيس عَن جرير بن عبد الله عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (من تزَود فِي الدُّنْيَا يَنْفَعهُ فِي الْآخِرَة) . ثمَّ قَالَ: {واتقونِ يَا أولي الْأَلْبَاب} (الْبَقَرَة: ٧٩١) . يَقُول: اتَّقوا عقابي ونكالي وعذابي لمن خالفني، وَلم يأتمر بأَمْري يَا ذَوي الْعُقُول والأفهام.
٣٢٥١ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بِشْرٍ قَالَ حدَّثنا شَبابَةَ عنْ وَرْقَاءَ عَن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ عَن عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ كانَ أهْلُ اليَمَنِ يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ ويَقُولُونَ نَحْنُ المُتَوَكِّلُونَ فَإِذا قَدِمُوا المَدينةَ سًّلُوا النَّاسَ فأنْزلَ الله تَعَالَى وتَزَوَّدُوا فإنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يبين سَبَب نزُول الْآيَة الَّتِي ترْجم بهَا الْبَاب.
ذكر رِجَاله: وهم: سِتَّة: الأول: يحيى بن بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: أَبُو زَكَرِيَّا أحد عباد الله الصَّالِحين، مَاتَ سنة ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: شَبابَة، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعد الْألف بَاء أُخْرَى: ابْن سوار الْفَزارِيّ، مر فِي: بَاب الصَّلَاة على النُّفَسَاء، فِي كتاب الْحيض. الثَّالِث: وَرْقَاء مؤنث الأورق، ابْن عَمْرو بن كُلَيْب أَبُو بشر الْيَشْكُرِي، مر فِي: بَاب وضع المَاء فِي الْخَلَاء، الرَّابِع: عَمْرو، بِفَتْح الْعين: ابْن دِينَار، مر فِي: بَاب كتاب الْعلم. الْخَامِس: عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس. السَّادِس: عبد الله ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: إِن شَيْخه من أَفْرَاده وَإنَّهُ بلخي وَأَن شَبابَة مدائني وَأَن أصل وَرْقَاء من خوارزم، وَقيل؛ من الْكُوفَة، سكن الْمَدَائِن، وَأَن عَمْرو بن دِينَار مكي وَأَن عِكْرِمَة مدنِي وَأَصله من البربر.
ذكر من أخرجه غَيره أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحَج عَن أبي مَسْعُود أَحْمد بن الْفُرَات وَمُحَمّد بن عبد الله المخرمي، كِلَاهُمَا عَن شَبابَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير وَفِي التَّفْسِير عَن سعيد ابْن عبد الرَّحْمَن.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فَإِذا قدمُوا الْمَدِينَة) ، هَذِه رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فَإِذا