الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥٣١
الحديث رقم ١٥٣١ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ذات عرق لأهل العراق.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابٌ:
١٥٣١ - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مُهَلِّ أَهْلِ الْيَمَنِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَقَدْ سَبَقَ مَا فِيهِ.
(تَكْمِيلٌ): حَكَى الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سُئِلَ فِي أَيِّ سَنَةٍ وَقَّتَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَوَاقِيتَ؟ فَقَالَ: عَامَ حَجَّ، انْتَهَى. وَقَدْ سَبَقَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الْعِلْمِ بِلَفْظِ أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ؟
١٣ - بَاب ذَاتُ عِرْقٍ لِأهْلِ الْعِرَاقِ
١٥٣١ - حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ الْمِصْرَانِ أَتَوْا عُمَرَ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا وَهُوَ جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا، وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا قَرْنًا شَقَّ عَلَيْنَا. قَالَ: فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ. فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ.
قَوْلُهُ: (بَابُ ذَاتِ عِرْقٍ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ) هِيَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا قَافٌ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ فِيهِ عِرْقًا؛ وَهُوَ الْجَبَلُ الصَّغِيرُ، وَهِيَ أَرْضٌ سَبِخَةٌ تُنْبِتُ الطَّرْفَاءَ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ، وَالْمَسَافَةُ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا، وَهُوَ الْحَدُّ الْفَاصِلُ بَيْنَ نَجْدٍ وَتِهَامَةَ.
قَوْلُهُ: (لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ الْمِصْرَانِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ فُتِحَ عَلَى الْبِنَاءِ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: لَمَّا فَتَحَ هَذَيْنِ الْمِصْرَيْنِ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالتَّاءِ عَلَى حَذْفِ الْفَاعِلِ، وَالتَّقْدِيرُ: لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ. وَكَذَا ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ وَبِهِ جَزَمَ عِيَاضٌ. وَأَمَّا ابْنُ مَالِكٍ فَقَالَ: تَنَازَعَ فَتَحَ وَأَتَوْا، وَهُوَ عَلَى إِعْمَالِ الثَّانِي وَإِسْنَادِ الْأَوَّلِ إِلَى ضَمِيرِ عُمَرَ. وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ مُخْتَصَرًا، وَزَادَ فِي الْإِسْنَادِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ حَدَّ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ. وَالْمِصْرَانِ تَثْنِيَةُ مِصْرَ، وَالْمُرَادُ بِهِمَا الْكُوفَةُ وَالْبَصْرَةُ، وَهُمَا سُرَّتَا الْعِرَاقِ. وَالْمُرَادُ بِفَتْحِهِمَا غَلَبَةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَكَانِ أَرْضِهِمَا، وَإِلَّا فَهُمَا مِنْ تَمْصِيرِ الْمُسْلِمِينَ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ جَوْرٌ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا رَاءٌ؛ أَيْ مَيْلٌ. وَالْجَوْرُ الْمَيْلُ عَنِ الْقَصْدِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾
قَوْلُهُ: (فَانْظُرُوا حَذْوَهَا)؛ أَيِ اعْتَبِرُوا مَا يُقَابِلُ الْمِيقَاتَ مِنَ الْأَرْضِ الَّتِي تَسْلُكُونَهَا مِنْ غَيْرِ مَيْلٍ فَاجْعَلُوهُ مِيقَاتًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّ عُمَرَ حَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ بِاجْتِهَادٍ مِنْهُ، وَقَدْ رَوَى الشَّافِعِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الشَّعْثَاءِ قَالَ: لَمْ يُوَقِّتْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ شَيْئًا، فَاتَّخَذَ النَّاسُ بِحِيَالِ قَرْنٍ ذَاتَ عِرْقٍ. وَرَوَى أَحْمَدُ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَغَيْرِهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فَذَكَرَ حَدِيثَ الْمَوَاقِيتِ وَزَادَ فِيهِ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَآثَرَ النَّاسُ ذَاتَ عِرْقٍ عَلَى قَرْنٍ. وَلَهُ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ صَدَقَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فَذَكَرَ حَدِيثَ الْمَوَاقِيتِ؛ قَالَ: فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: فَأَيْنَ الْعِرَاقُ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ عِرَاقٌ. وَسَيَأْتِي فِي الِاعْتِصَامِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمْ يَكُنْ عِرَاقٌ يَوْمَئِذٍ، وَوَقَعَ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ لِلدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ قَرْنًا. قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: قَالَ لِي بَعْضُهُمْ: إِنَّ مَالِكًا مَحَاهُ مِنْ كِتَابِهِ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ. قُلْتُ: وَالْإِسْنَادُ إِلَيْهِ ثِقَاتٌ أَثْبَاتٌ، وَأَخْرَجَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ، وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا، وَحَدِيثُ الْبَابِ يَرُدُّهُ.
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ قَالَ: لَمْ يُوَقِّتْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ عِرْقٍ، وَلَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ أَهْلُ الْمَشْرِقِ وَقَالَ فِي الْأُمِّ: لَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ حَدَّ ذَاتَ عِرْقٍ، وَإِنَّمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ النَّاسَ. وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِيقَاتَ ذَاتِ عِرْقٍ لَيْسَ
مَنْصُوصًا، وَبِهِ قَطَعَ الْغَزَالِيُّ، وَالرَّافِعِيُّ فِي شَرْحِ الْمُسْنَدِ وَالنَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَكَذَا وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ لِمَالِكٍ، وَصَحَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَجُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ وَالرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَالنَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّهُ مَنْصُوصٌ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ إِلَّا أَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِي رَفْعِهِ؛ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَسْأَلُ عَنِ الْمُهَلِّ، فَقَالَ: سَمِعْتُ - أَحْسِبُهُ رُفِعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَذَكَرَهُ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي مُسْتَخْرَجِهِ بِلَفْظِ: فَقَالَ: سَمِعْتُ، أَحْسَبُهُ يُرِيدُ النَّبِيَّ ﷺ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ، وَابنِ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ؛ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، فَلَمْ يَشُكَّا فِي رَفْعِهِ.
وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَفِي حَدِيثِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو السَّهْمِيِّ كِلَاهُمَا عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْحَدِيثِ أَصْلًا، فَلَعَلَّ مَنْ قَالَ إِنَّهُ غَيْرُ مَنْصُوصٍ لَمْ يَبْلُغْهُ أَوْ رَأَى ضَعْفَ الْحَدِيثِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ طَرِيقٍ لَا يَخْلُو عَنْ مَقَالٍ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: رُوِيَتْ فِي ذَاتِ عِرْقٍ أَخْبَارٌ لَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْهَا عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَمْ نَجِدْ فِي ذَاتِ عِرْقٍ حَدِيثًا ثَابِتًا، انْتَهَى. لَكِنَّ الْحَدِيثَ بِمَجْمُوعِ الطُّرُقِ يَقْوَى كَمَا ذَكَرْنَا، وَأَمَّا إِعْلَالُ مَنْ أَعَلَّهُ بِأَنَّ الْعِرَاقَ لَمْ تَكُنْ فُتِحَتْ يَوْمَئِذٍ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هِيَ غَفْلَةٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ الْمَوَاقِيتَ لِأَهْلِ النَّوَاحِي قَبْلَ الْفُتُوحِ، لَكِنَّهُ عَلِمَ أَنَّهَا سَتُفْتَحُ، فَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، انْتَهَى. وَبِهَذَا أَجَابَ الْمَاوَرْدِيُّ وَآخَرُونَ، لَكِنْ يَظْهَرُ لِي أَنَّ مُرَادَ مِنْ قَالَ لَمْ يَكُنِ الْعِرَاقُ يَوْمَئِذٍ؛ أَيْ لَمْ يَكُنْ فِي تِلْكَ الْجِهَةِ نَاسٌ مُسْلِمُونَ، وَالسَّبَبُ فِي قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ ذَلِكَ أَنَّهُ رَوَى الْحَدِيثَ بِلَفْظِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ؟ فَأَجَابَهُ. وَكُلُّ جِهَةٍ عَيَّنَهَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ كَانَ مِنْ قِبَلِهَا نَاسٌ مُسْلِمُونَ بِخِلَافِ الْمَشْرِقِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ، فَقَدْ تَفَرَّدَ بِهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَإِنْ كَانَ حَفِظَهُ فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ جَابِرٍ وَغَيْرِهِ بِأَجْوِبَةٍ، مِنْهَا أَنَّ ذَاتَ عِرْقٍ مِيقَاتُ الْوُجُوبِ، وَالْعَقِيقَ مِيقَاتُ الِاسْتِحْبَابِ؛ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ. وَمِنْهَا أَنَّ الْعَقِيقَ مِيقَاتٌ لِبَعْضِ الْعِرَاقِيِّينَ وَهُمْ أَهْلُ الْمَدَائِنِ، وَالْآخَرُ مِيقَاتٌ لِأَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَقَعَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ لِأَنَسٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. وَمِنْهَا أَنَّ ذَاتَ عِرْقٍ كَانَتْ أَوَّلًا فِي مَوْضِعِ الْعَقِيقِ الْآنَ ثُمَّ حُوِّلَتْ وَقُرِّبَتْ إِلَى مَكَّةَ، فَعَلَى هَذَا فَذَاتُ عِرْقٍ وَالْعَقِيقُ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَيَتَعَيَّنُ الْإِحْرَامُ مِنَ الْعَقِيقِ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، وَإِنَّمَا قَالُوا: يُسْتَحَبُّ احْتِيَاطًا. وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ أَنَّهُ كَانَ يُحْرِمُ مِنَ الرَّبَذَةِ؛ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَخُصَيْفٌ الْجَزَرِيُّ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَهُوَ أَشْبَهُ فِي النَّظَرِ إِنْ كَانَتْ ذَاتُ عِرْقٍ غَيْرَ مَنْصُوصَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّهَا تُحَاذِي ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَذَاتُ عِرْقٍ بَعْدَهَا، وَالْحُكْمُ فِيمَنْ لَيْسَ لَهُ مِيقَاتٌ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَوَّلِ مِيقَاتٍ يُحَاذِيهِ، لَكِنْ لَمَّا سَنَّ عُمَرُ ذَاتَ عِرْقٍ وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ الْعَمَلُ كَانَ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ.
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ لَيْسَ لَهُ مِيقَاتٌ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ إِذَا حَاذَى مِيقَاتًا مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ الْخَمْسَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهَا مُحِيطَةٌ بِالْحَرَمِ، فَذُو الْحُلَيْفَةِ شَامِيَّةٌ، وَيَلَمْلَمُ يَمَانِيَةٌ، فَهِيَ مُقَابِلُهَا، وَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا أَقْرَبَ إِلَى مَكَّةَ مِنَ الْأُخْرَى، وَقَرْنٌ شَرْقِيَّةٌ، وَالْجُحْفَةُ غَرْبِيَّةٌ، فَهِيَ مُقَابِلُهَا، وَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا كَذَلِكَ، وَذَاتُ عِرْقٍ تُحَاذِي قَرْنًا، فَعَلَى هَذَا فَلَا تَخْلُو بُقْعَةٌ مِنْ بِقَاعِ الْأَرْضِ مِنْ أَنْ تُحَاذِيَ مِيقَاتًا مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ، فَبَطَلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَنْ لَيْسَ لَهُ مِيقَاتٌ وَلَا يُحَاذِي مِيقَاتًا هَلْ يُحْرِمُ مِنْ مِقْدَارٍ أَبْعَدَ مِنَ الْمَوَاقِيتِ أَوْ أَقْرَبَهَا؟ ثُمَّ حَكَى فِيهِ خِلَافًا، وَالْفَرْضُ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ لَا تَتَحَقَّقُ لِمَا قُلْتُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَائِلُهُ فَرَضَهُ فِيمَنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى الْمُحَاذَاةِ كَمَنْ يَجْهَلُهَا، وَقَدْ نَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُحْرِمَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ اعْتِبَارًا بِقَوْلِ عُمَرَ هَذَا فِي تَوْقِيتِهِ ذَاتَ عِرْقِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ عُمَرَ إِنَّمَا حَدَّهَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وهذا الحديث وإنَّ أطلق فيه أن ميقات أهل اليمن يلملم، لكنَّ المراد أنَّه ميقات تهامة خاصَّةً، فإنَّ نجد اليمن ميقات أهلها ميقات نجد الحجاز بدليل أنَّ ميقات أهل نجدٍ قرنٌ، فأطلق اليمن وأُريد بعضه وهو تهامة منه خاصَّةً (هُنَّ) أي: المواقيت (لأَهْلِهِنَّ) أي: أهل (١) البلاد المذكورة (وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهِنَّ) أي: المواقيت (مِنْ غَيْرِهِمْ) بضمير (٢) جماعة المُذكَّرين، ولأبي ذرٍّ: «من غيرهنَّ» بضمير جماعة المُؤنَّثات (مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ) أي: دون ما ذكر، وإلَّا فحقُّ الإشارة هنا أن تكون جمعًا لتطابق المشار إليه (فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ) النُّسك أو نحوه (حَتَّى أَهْلُِ مَكَّةَ) ينشئون النُّسك (مِنْ مَكَّةَ) برفع «أهلُ» على أنَّ «حتَّى» ابتدائيَّةٌ، وبجرِّه على أنَّها جارَّةٌ.
(١٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (ذَاتُ عِرْقٍ) بكسر العين وسكون الرَّاء آخره قافٌ: ميقاتٌ (لأَهْلِ العِرَاقِ).
١٥٣١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنِي (٣)) بالإفراد (عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ) بضمِّ الميم وسكون السِّين المهملة (٤)، ابن سعيدٍ (٥) الطُّوسيُّ، سكن بغداد (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) بضمِّ النُّون وفتح الميم مُصغَّرًا، قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بتصغير «عبد» ابن عمر (٦) بن حفص بن عاصم (٧)
بن عمر بن الخطَّاب (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ) عبد الله (١) (ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (﵄ قَالَ: لَمَّا (٢) فُتِحَ هَذَانِ المِصْرَانِ) بضمِّ فاء «فُتِح» (٣) مبنيًّا للمفعول و «هذان»: نائبٌ عن الفاعل، و «المصران» -البصرة والكوفة-: صفةٌ له، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فَتَحَ هذين المصرين»، بفتح الفاء مبنيًّا للفاعل، و «هذين المصرين» بالنَّصب على حذف الفاعل، أي: لمَّا (٤) فتح الله، وكذا ثبت في رواية أبي نُعيمٍ في «مُستخرَجه»، وجزم به عياضٌ (أَتَوْا عُمَرَ) ﵁ (فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَدَّ لأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا وَهُوَ جَوْرٌ) بفتح الجيم وسكون الواو ثمَّ راءٌ، أي: مائلٌ (عَنْ طَرِيقِنَا، وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا قَرْنًا شَقَّ عَلَيْنَا، قَالَ) عمر: (فَانْظُرُوا حَذْوَهَا) بفتح الحاء المهملة وسكون الذَّال المعجمة وفتح الواو، أي: ما يحاذيها (مِنْ طَرِيقِكُمْ) التي تسلكونها إلى مكَّة من غير ميلٍ فاجعلوها (٥) ميقاتًا (٦) (فَحَدَّ لَهُمْ) عمر ﵁ (ذَاتَ عِرْقٍ) وهو الجبل الصَّغير، وقِيلَ: العِرق من الأرض: السَّبخة تُنبِت الطَّرفاء، وبينها وبين مكَّة اثنان وأربعون ميلًا باجتهاده، ويؤيِّده رواية الشَّافعيِّ من طريق أبي الشَّعثاء قال: لم يوقِّت (٧) رسول الله ﷺ لأهل المشرق شيئًا،
فاتَّخذ بحيال قَرْنٍ ذاتَ عِرْقٍ. انتهى. نعم روى مسلمٌ في «صحيحه» عن أبي الزُّبير: أنَّه سمع جابر بن عبد الله يُسأَل عن المُهَلِّ، فقال: سمعت -أحسبه رَفَعَ الحديث إلى رسول الله ﷺ … فذكر الحديث، وفيه: «ومُهَلُّ أهل العراق ذات عِرْقٍ» لكن قال النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»: إنَّه غير ثابتٍ لعدم جزمه برفعه، وأُجيب بأنَّ قوله: «أحسبه» معناه: أظنُّه، والظَّنُّ في باب الرِّواية يتنزَّل (١) منزلة اليقين، وليس ذلك قادحًا في رفعه، وأيضًا فلو لم يصرِّح برفعه لا يقينًا ولا ظنًّا فهو مُنزَّلٌ منزلة المرفوع (٢) لأنَّ هذا لا يُقال من قِبَل الرَّأي، وإنَّما يُؤخَذ توقيفًا من الشَّارع، لا سيَّما وقد ضمَّه جابرٌ إلى المواقيت المنصوص عليها يقينًا باتِّفاقٍ، وقد أخرجه أحمد من رواية ابن لهيعة، وابن ماجه من رواية إبراهيم بن يزيد، كلاهما عن أبي الزُّبير فلم يشكَّا في رفعه (٣)، ووقع في حديث عائشة عند أبي داود والنَّسائيِّ بإسنادٍ صحيحٍ -كما قاله النَّوويُّ-: «أنَّ رسول الله ﷺ وقَّت لأهل العراق ذات عرقٍ»، لكنَّ الإمام أحمد كان ينكر على أفلح بن حُمَيْدٍ هذا الحديث. نعم قال ابن عديٍّ: قد حدَّث عنه ثقات النَّاس، وهو عندي صالحٌ، وأحاديثه مستقيمةٌ كلُّها، وصحَّحه الذَّهبيُّ، وقال العراقيُّ: إنَّ إسناده جيِّدٌ، وروى أحمد والدَّارقطنيُّ من حديث الحجَّاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه قال: «وقَّت رسول الله ﷺ … » فذكر الحديث، وفيه: وقال: «لأهل العراق ذات عِرْقٍ»، فهذه الأحاديث وإن كان في كلٍّ منها ضعفٌ فمجموعها لا يقصر عن درجة الاحتجاج به، وأمَّا ما أخرجه أبو داود والتِّرمذيُّ عن ابن عبَّاسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ وقَّت لأهل المشرق العقيق» فقد تفرَّد به يزيد بن أبي زيادٍ، وهو ضعيفٌ باتِّفاق المحدِّثين (٤) وإن كان حَفِظَهُ فقد يُجمَع بينه وبين بقيَّة الأحاديث في التَّوقيت من ذات عرقٍ بأنَّ ذات عرقٍ ميقات الإيجاب، والعقيق ميقات الاستحباب، فالإحرام منه أفضل وأحوط لأنَّه أبعد من (٥) ذات عرقٍ، فإن جاوزه وأحرم من ذات
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مُهَلِّ أَهْلِ الْيَمَنِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَقَدْ سَبَقَ مَا فِيهِ.
(تَكْمِيلٌ): حَكَى الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سُئِلَ فِي أَيِّ سَنَةٍ وَقَّتَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَوَاقِيتَ؟ فَقَالَ: عَامَ حَجَّ، انْتَهَى. وَقَدْ سَبَقَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الْعِلْمِ بِلَفْظِ أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ؟
١٣ - بَاب ذَاتُ عِرْقٍ لِأهْلِ الْعِرَاقِ
١٥٣١ - حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ الْمِصْرَانِ أَتَوْا عُمَرَ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا وَهُوَ جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا، وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا قَرْنًا شَقَّ عَلَيْنَا. قَالَ: فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ. فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ.
قَوْلُهُ: (بَابُ ذَاتِ عِرْقٍ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ) هِيَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا قَافٌ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ فِيهِ عِرْقًا؛ وَهُوَ الْجَبَلُ الصَّغِيرُ، وَهِيَ أَرْضٌ سَبِخَةٌ تُنْبِتُ الطَّرْفَاءَ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ، وَالْمَسَافَةُ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا، وَهُوَ الْحَدُّ الْفَاصِلُ بَيْنَ نَجْدٍ وَتِهَامَةَ.
قَوْلُهُ: (لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ الْمِصْرَانِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ فُتِحَ عَلَى الْبِنَاءِ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: لَمَّا فَتَحَ هَذَيْنِ الْمِصْرَيْنِ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالتَّاءِ عَلَى حَذْفِ الْفَاعِلِ، وَالتَّقْدِيرُ: لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ. وَكَذَا ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ وَبِهِ جَزَمَ عِيَاضٌ. وَأَمَّا ابْنُ مَالِكٍ فَقَالَ: تَنَازَعَ فَتَحَ وَأَتَوْا، وَهُوَ عَلَى إِعْمَالِ الثَّانِي وَإِسْنَادِ الْأَوَّلِ إِلَى ضَمِيرِ عُمَرَ. وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ مُخْتَصَرًا، وَزَادَ فِي الْإِسْنَادِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ حَدَّ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ. وَالْمِصْرَانِ تَثْنِيَةُ مِصْرَ، وَالْمُرَادُ بِهِمَا الْكُوفَةُ وَالْبَصْرَةُ، وَهُمَا سُرَّتَا الْعِرَاقِ. وَالْمُرَادُ بِفَتْحِهِمَا غَلَبَةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَكَانِ أَرْضِهِمَا، وَإِلَّا فَهُمَا مِنْ تَمْصِيرِ الْمُسْلِمِينَ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ جَوْرٌ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا رَاءٌ؛ أَيْ مَيْلٌ. وَالْجَوْرُ الْمَيْلُ عَنِ الْقَصْدِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾
قَوْلُهُ: (فَانْظُرُوا حَذْوَهَا)؛ أَيِ اعْتَبِرُوا مَا يُقَابِلُ الْمِيقَاتَ مِنَ الْأَرْضِ الَّتِي تَسْلُكُونَهَا مِنْ غَيْرِ مَيْلٍ فَاجْعَلُوهُ مِيقَاتًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّ عُمَرَ حَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ بِاجْتِهَادٍ مِنْهُ، وَقَدْ رَوَى الشَّافِعِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الشَّعْثَاءِ قَالَ: لَمْ يُوَقِّتْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ شَيْئًا، فَاتَّخَذَ النَّاسُ بِحِيَالِ قَرْنٍ ذَاتَ عِرْقٍ. وَرَوَى أَحْمَدُ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَغَيْرِهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فَذَكَرَ حَدِيثَ الْمَوَاقِيتِ وَزَادَ فِيهِ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَآثَرَ النَّاسُ ذَاتَ عِرْقٍ عَلَى قَرْنٍ. وَلَهُ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ صَدَقَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فَذَكَرَ حَدِيثَ الْمَوَاقِيتِ؛ قَالَ: فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: فَأَيْنَ الْعِرَاقُ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ عِرَاقٌ. وَسَيَأْتِي فِي الِاعْتِصَامِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمْ يَكُنْ عِرَاقٌ يَوْمَئِذٍ، وَوَقَعَ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ لِلدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ قَرْنًا. قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: قَالَ لِي بَعْضُهُمْ: إِنَّ مَالِكًا مَحَاهُ مِنْ كِتَابِهِ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ. قُلْتُ: وَالْإِسْنَادُ إِلَيْهِ ثِقَاتٌ أَثْبَاتٌ، وَأَخْرَجَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ، وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا، وَحَدِيثُ الْبَابِ يَرُدُّهُ.
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ قَالَ: لَمْ يُوَقِّتْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ عِرْقٍ، وَلَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ أَهْلُ الْمَشْرِقِ وَقَالَ فِي الْأُمِّ: لَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ حَدَّ ذَاتَ عِرْقٍ، وَإِنَّمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ النَّاسَ. وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِيقَاتَ ذَاتِ عِرْقٍ لَيْسَ
مَنْصُوصًا، وَبِهِ قَطَعَ الْغَزَالِيُّ، وَالرَّافِعِيُّ فِي شَرْحِ الْمُسْنَدِ وَالنَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَكَذَا وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ لِمَالِكٍ، وَصَحَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَجُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ وَالرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَالنَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّهُ مَنْصُوصٌ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ إِلَّا أَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِي رَفْعِهِ؛ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَسْأَلُ عَنِ الْمُهَلِّ، فَقَالَ: سَمِعْتُ - أَحْسِبُهُ رُفِعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَذَكَرَهُ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي مُسْتَخْرَجِهِ بِلَفْظِ: فَقَالَ: سَمِعْتُ، أَحْسَبُهُ يُرِيدُ النَّبِيَّ ﷺ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ، وَابنِ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ؛ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، فَلَمْ يَشُكَّا فِي رَفْعِهِ.
وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَفِي حَدِيثِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو السَّهْمِيِّ كِلَاهُمَا عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْحَدِيثِ أَصْلًا، فَلَعَلَّ مَنْ قَالَ إِنَّهُ غَيْرُ مَنْصُوصٍ لَمْ يَبْلُغْهُ أَوْ رَأَى ضَعْفَ الْحَدِيثِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ طَرِيقٍ لَا يَخْلُو عَنْ مَقَالٍ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: رُوِيَتْ فِي ذَاتِ عِرْقٍ أَخْبَارٌ لَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْهَا عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَمْ نَجِدْ فِي ذَاتِ عِرْقٍ حَدِيثًا ثَابِتًا، انْتَهَى. لَكِنَّ الْحَدِيثَ بِمَجْمُوعِ الطُّرُقِ يَقْوَى كَمَا ذَكَرْنَا، وَأَمَّا إِعْلَالُ مَنْ أَعَلَّهُ بِأَنَّ الْعِرَاقَ لَمْ تَكُنْ فُتِحَتْ يَوْمَئِذٍ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هِيَ غَفْلَةٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ الْمَوَاقِيتَ لِأَهْلِ النَّوَاحِي قَبْلَ الْفُتُوحِ، لَكِنَّهُ عَلِمَ أَنَّهَا سَتُفْتَحُ، فَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، انْتَهَى. وَبِهَذَا أَجَابَ الْمَاوَرْدِيُّ وَآخَرُونَ، لَكِنْ يَظْهَرُ لِي أَنَّ مُرَادَ مِنْ قَالَ لَمْ يَكُنِ الْعِرَاقُ يَوْمَئِذٍ؛ أَيْ لَمْ يَكُنْ فِي تِلْكَ الْجِهَةِ نَاسٌ مُسْلِمُونَ، وَالسَّبَبُ فِي قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ ذَلِكَ أَنَّهُ رَوَى الْحَدِيثَ بِلَفْظِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ؟ فَأَجَابَهُ. وَكُلُّ جِهَةٍ عَيَّنَهَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ كَانَ مِنْ قِبَلِهَا نَاسٌ مُسْلِمُونَ بِخِلَافِ الْمَشْرِقِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ، فَقَدْ تَفَرَّدَ بِهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَإِنْ كَانَ حَفِظَهُ فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ جَابِرٍ وَغَيْرِهِ بِأَجْوِبَةٍ، مِنْهَا أَنَّ ذَاتَ عِرْقٍ مِيقَاتُ الْوُجُوبِ، وَالْعَقِيقَ مِيقَاتُ الِاسْتِحْبَابِ؛ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ. وَمِنْهَا أَنَّ الْعَقِيقَ مِيقَاتٌ لِبَعْضِ الْعِرَاقِيِّينَ وَهُمْ أَهْلُ الْمَدَائِنِ، وَالْآخَرُ مِيقَاتٌ لِأَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَقَعَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ لِأَنَسٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. وَمِنْهَا أَنَّ ذَاتَ عِرْقٍ كَانَتْ أَوَّلًا فِي مَوْضِعِ الْعَقِيقِ الْآنَ ثُمَّ حُوِّلَتْ وَقُرِّبَتْ إِلَى مَكَّةَ، فَعَلَى هَذَا فَذَاتُ عِرْقٍ وَالْعَقِيقُ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَيَتَعَيَّنُ الْإِحْرَامُ مِنَ الْعَقِيقِ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، وَإِنَّمَا قَالُوا: يُسْتَحَبُّ احْتِيَاطًا. وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ أَنَّهُ كَانَ يُحْرِمُ مِنَ الرَّبَذَةِ؛ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَخُصَيْفٌ الْجَزَرِيُّ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَهُوَ أَشْبَهُ فِي النَّظَرِ إِنْ كَانَتْ ذَاتُ عِرْقٍ غَيْرَ مَنْصُوصَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّهَا تُحَاذِي ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَذَاتُ عِرْقٍ بَعْدَهَا، وَالْحُكْمُ فِيمَنْ لَيْسَ لَهُ مِيقَاتٌ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَوَّلِ مِيقَاتٍ يُحَاذِيهِ، لَكِنْ لَمَّا سَنَّ عُمَرُ ذَاتَ عِرْقٍ وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ الْعَمَلُ كَانَ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ.
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ لَيْسَ لَهُ مِيقَاتٌ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ إِذَا حَاذَى مِيقَاتًا مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ الْخَمْسَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهَا مُحِيطَةٌ بِالْحَرَمِ، فَذُو الْحُلَيْفَةِ شَامِيَّةٌ، وَيَلَمْلَمُ يَمَانِيَةٌ، فَهِيَ مُقَابِلُهَا، وَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا أَقْرَبَ إِلَى مَكَّةَ مِنَ الْأُخْرَى، وَقَرْنٌ شَرْقِيَّةٌ، وَالْجُحْفَةُ غَرْبِيَّةٌ، فَهِيَ مُقَابِلُهَا، وَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا كَذَلِكَ، وَذَاتُ عِرْقٍ تُحَاذِي قَرْنًا، فَعَلَى هَذَا فَلَا تَخْلُو بُقْعَةٌ مِنْ بِقَاعِ الْأَرْضِ مِنْ أَنْ تُحَاذِيَ مِيقَاتًا مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ، فَبَطَلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَنْ لَيْسَ لَهُ مِيقَاتٌ وَلَا يُحَاذِي مِيقَاتًا هَلْ يُحْرِمُ مِنْ مِقْدَارٍ أَبْعَدَ مِنَ الْمَوَاقِيتِ أَوْ أَقْرَبَهَا؟ ثُمَّ حَكَى فِيهِ خِلَافًا، وَالْفَرْضُ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ لَا تَتَحَقَّقُ لِمَا قُلْتُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَائِلُهُ فَرَضَهُ فِيمَنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى الْمُحَاذَاةِ كَمَنْ يَجْهَلُهَا، وَقَدْ نَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُحْرِمَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ اعْتِبَارًا بِقَوْلِ عُمَرَ هَذَا فِي تَوْقِيتِهِ ذَاتَ عِرْقِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ عُمَرَ إِنَّمَا حَدَّهَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وهذا الحديث وإنَّ أطلق فيه أن ميقات أهل اليمن يلملم، لكنَّ المراد أنَّه ميقات تهامة خاصَّةً، فإنَّ نجد اليمن ميقات أهلها ميقات نجد الحجاز بدليل أنَّ ميقات أهل نجدٍ قرنٌ، فأطلق اليمن وأُريد بعضه وهو تهامة منه خاصَّةً (هُنَّ) أي: المواقيت (لأَهْلِهِنَّ) أي: أهل (١) البلاد المذكورة (وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهِنَّ) أي: المواقيت (مِنْ غَيْرِهِمْ) بضمير (٢) جماعة المُذكَّرين، ولأبي ذرٍّ: «من غيرهنَّ» بضمير جماعة المُؤنَّثات (مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ) أي: دون ما ذكر، وإلَّا فحقُّ الإشارة هنا أن تكون جمعًا لتطابق المشار إليه (فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ) النُّسك أو نحوه (حَتَّى أَهْلُِ مَكَّةَ) ينشئون النُّسك (مِنْ مَكَّةَ) برفع «أهلُ» على أنَّ «حتَّى» ابتدائيَّةٌ، وبجرِّه على أنَّها جارَّةٌ.
(١٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (ذَاتُ عِرْقٍ) بكسر العين وسكون الرَّاء آخره قافٌ: ميقاتٌ (لأَهْلِ العِرَاقِ).
١٥٣١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنِي (٣)) بالإفراد (عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ) بضمِّ الميم وسكون السِّين المهملة (٤)، ابن سعيدٍ (٥) الطُّوسيُّ، سكن بغداد (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) بضمِّ النُّون وفتح الميم مُصغَّرًا، قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بتصغير «عبد» ابن عمر (٦) بن حفص بن عاصم (٧)
بن عمر بن الخطَّاب (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ) عبد الله (١) (ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (﵄ قَالَ: لَمَّا (٢) فُتِحَ هَذَانِ المِصْرَانِ) بضمِّ فاء «فُتِح» (٣) مبنيًّا للمفعول و «هذان»: نائبٌ عن الفاعل، و «المصران» -البصرة والكوفة-: صفةٌ له، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فَتَحَ هذين المصرين»، بفتح الفاء مبنيًّا للفاعل، و «هذين المصرين» بالنَّصب على حذف الفاعل، أي: لمَّا (٤) فتح الله، وكذا ثبت في رواية أبي نُعيمٍ في «مُستخرَجه»، وجزم به عياضٌ (أَتَوْا عُمَرَ) ﵁ (فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَدَّ لأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا وَهُوَ جَوْرٌ) بفتح الجيم وسكون الواو ثمَّ راءٌ، أي: مائلٌ (عَنْ طَرِيقِنَا، وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا قَرْنًا شَقَّ عَلَيْنَا، قَالَ) عمر: (فَانْظُرُوا حَذْوَهَا) بفتح الحاء المهملة وسكون الذَّال المعجمة وفتح الواو، أي: ما يحاذيها (مِنْ طَرِيقِكُمْ) التي تسلكونها إلى مكَّة من غير ميلٍ فاجعلوها (٥) ميقاتًا (٦) (فَحَدَّ لَهُمْ) عمر ﵁ (ذَاتَ عِرْقٍ) وهو الجبل الصَّغير، وقِيلَ: العِرق من الأرض: السَّبخة تُنبِت الطَّرفاء، وبينها وبين مكَّة اثنان وأربعون ميلًا باجتهاده، ويؤيِّده رواية الشَّافعيِّ من طريق أبي الشَّعثاء قال: لم يوقِّت (٧) رسول الله ﷺ لأهل المشرق شيئًا،
فاتَّخذ بحيال قَرْنٍ ذاتَ عِرْقٍ. انتهى. نعم روى مسلمٌ في «صحيحه» عن أبي الزُّبير: أنَّه سمع جابر بن عبد الله يُسأَل عن المُهَلِّ، فقال: سمعت -أحسبه رَفَعَ الحديث إلى رسول الله ﷺ … فذكر الحديث، وفيه: «ومُهَلُّ أهل العراق ذات عِرْقٍ» لكن قال النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»: إنَّه غير ثابتٍ لعدم جزمه برفعه، وأُجيب بأنَّ قوله: «أحسبه» معناه: أظنُّه، والظَّنُّ في باب الرِّواية يتنزَّل (١) منزلة اليقين، وليس ذلك قادحًا في رفعه، وأيضًا فلو لم يصرِّح برفعه لا يقينًا ولا ظنًّا فهو مُنزَّلٌ منزلة المرفوع (٢) لأنَّ هذا لا يُقال من قِبَل الرَّأي، وإنَّما يُؤخَذ توقيفًا من الشَّارع، لا سيَّما وقد ضمَّه جابرٌ إلى المواقيت المنصوص عليها يقينًا باتِّفاقٍ، وقد أخرجه أحمد من رواية ابن لهيعة، وابن ماجه من رواية إبراهيم بن يزيد، كلاهما عن أبي الزُّبير فلم يشكَّا في رفعه (٣)، ووقع في حديث عائشة عند أبي داود والنَّسائيِّ بإسنادٍ صحيحٍ -كما قاله النَّوويُّ-: «أنَّ رسول الله ﷺ وقَّت لأهل العراق ذات عرقٍ»، لكنَّ الإمام أحمد كان ينكر على أفلح بن حُمَيْدٍ هذا الحديث. نعم قال ابن عديٍّ: قد حدَّث عنه ثقات النَّاس، وهو عندي صالحٌ، وأحاديثه مستقيمةٌ كلُّها، وصحَّحه الذَّهبيُّ، وقال العراقيُّ: إنَّ إسناده جيِّدٌ، وروى أحمد والدَّارقطنيُّ من حديث الحجَّاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه قال: «وقَّت رسول الله ﷺ … » فذكر الحديث، وفيه: وقال: «لأهل العراق ذات عِرْقٍ»، فهذه الأحاديث وإن كان في كلٍّ منها ضعفٌ فمجموعها لا يقصر عن درجة الاحتجاج به، وأمَّا ما أخرجه أبو داود والتِّرمذيُّ عن ابن عبَّاسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ وقَّت لأهل المشرق العقيق» فقد تفرَّد به يزيد بن أبي زيادٍ، وهو ضعيفٌ باتِّفاق المحدِّثين (٤) وإن كان حَفِظَهُ فقد يُجمَع بينه وبين بقيَّة الأحاديث في التَّوقيت من ذات عرقٍ بأنَّ ذات عرقٍ ميقات الإيجاب، والعقيق ميقات الاستحباب، فالإحرام منه أفضل وأحوط لأنَّه أبعد من (٥) ذات عرقٍ، فإن جاوزه وأحرم من ذات