«أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥٤٩

الحديث رقم ١٥٤٩ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب التلبية.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن تلبية رسول الله ﷺ: لبيك اللهم لبيك، لبيك…

«أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ».

سند حديث: ١٥٤٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ…

١٥٤٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أن تلبية رسول الله ﷺ: لبيك اللهم لبيك، لبيك…

كانت تَلْبِيَةُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إذا أراد الدخول في نسك الحج أو العمرة أن يقول:

(لبيك اللهم لبيك) إجابة لازمة لك بعد إجابة فيما دعوتَنا من الإخلاص والتوحيد والحج وغيرها، (لبيك لا شريك لك لبيك) فأنت وحدك المُستحِق للعبادة لا شريك لك في ربوبيتك وألوهيتك وأسمائك وصفاتك، (إن الحمد) والشكر والثناء (والنعمة) منك وأنت معطيها (لك) تُصْرَف على كل حال، (والملك) كذلك لك، (لا شريك لك) فكلها لك وحدك.

وكان ابن عمر رضي الله عنهما يزيد فيها:

(لبيك لبيك وسعديك) أسعدني إسعادًا بعد إسعاد، (والخير بيديك) كلُّه ومِن فضلِك، (لبيك والرغباء إليك) والطلب والمسألة إلى مَن بيده الخير، (والعمل) لك فأنت المستحق للعبادة.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • مشروعية التلبية في الحج والعمرة، وتأكُّدُها فيه؛ لأنها شعاره الخاص، كالتكبير شِعَار الصلاة.
  • قال ابن المنير: وفي مشروعية التلبية تنبيهٌ على إكرام الله تعالى لعباده بأنَّ وفودَهم على بيته إنما كان باستدعاء منه سبحانه وتعالى.
  • الأفضل ملازمة تلبية النبي صلى الله عليه وسلم، ولا بأس بالزيادة لإقرار النبي عليه الصلاة والسلام له، قال ابن حجر: وهذا أعْدل الوجوه، فيفرد ما جاء مرفوعًا، وإذا اختار قول ما جاء موقوفًا أو أنشأه هو من قِبَل نفسِه مما يليق قاله على انفراده حتى لا يَختلط بالمرفوع، وهو شبيه بحال الدعاء في التشهد، فإنه قال فيه: ثم لِيَتَخَيَّر مِن المسألة والثناء ما شاء: أي بعد أن يَفْرُغ من المرفوع.
  • استحباب رفع الصوت بالتلبية، وهذا في حقِّ الرجل، أما المرأة فتَخفض صوتها خشية الفتنة.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أن تلبية رسول الله ﷺ: لبيك اللهم لبيك، لبيك…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بعاملٍ مُضمَرٍ، أي: أجبت (١) إجابةً بعد إجابةٍ (٢) إلى ما لا نهاية له، وكأنَّه من: ألبَّ بالمكان إذا أقام به، والكاف للإضافة، وقِيلَ: ليس هنا إضافةٌ، والكاف حرف خطابٍ، ومعناه -كما قال (٣) في «القاموس» -: أنا مقيمٌ على طاعتك إلبابًا بعد إلبابٍ، وإجابةً بعد إجابةٍ، أو معناه: اتِّجاهي وقصدي لك، من: داري تلبُّ دارَه، أي: تواجهها، أو معناه: محبَّتي لك، من (٤) امرأةٌ لَبَّةٌ: محبَّةٌ لزوجها، أو معناه: إخلاصي لك، من: حَسَبٌ لُبَابٌ؛ أي (٥): خالصٌ. انتهى. وقال أبو نصرٍ: معناه: أنا مُلَبٍّ بين يديك، أي: خاضعٌ، وقال ابن عبد البرِّ: ومعنى التَّلبية إجابةُ الله (٦) فيما فرض عليهم من حجِّ بيته، والإقامة على طاعته، فالمُحرِم بتلبيته مستجيبٌ (٧) لدعاء الله إيَّاه في إيجاب الحجِّ عليه، قِيلَ: هي إجابةٌ لقوله تعالى للخليل إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧] أي: بدعوة الحجِّ والأمر به (٨).

١٥٤٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (: أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ ) ولـ «مسلمٍ» عن ابن عمر: أنَّ رسول الله كان إذا استوت به راحلته قائمةً عند مسجد ذي الحليفة أَهَلَّ، فقال: (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ) (٩) أي: يا الله أجبناك فيما دعوتنا، وروى ابن أبي حاتمٍ

من طريق قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عبَّاسٍ قال: لمَّا فرغ إبراهيم من بناء البيت قيل له: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ (١)[الحج: ٢٧] قال: ربِّ؛ وما يبلغ صوتي؟ قال: أذِّن وعليَّ البلاغُ، قال: فنادى إبراهيم : يا أيُّها النَّاس كُتِبَ (٢) عليكم الحجُّ إلى البيت العتيق، فسمعه من (٣) بين السَّماء والأرض، ألا ترون النَّاس يجيئون من أقصى الأرض يلبُّون؟ ومن طريق ابن جريجٍ عن عطاءٍ عن ابن عبَّاسٍ وفيه: «فأجابوه بالتَّلبية من أصلاب الرِّجال وأرحام النِّساء، وأوَّل من أجابه أهل اليمن، فليس حاجٌّ يحجُّ من يومئذٍ إلى أن تقوم الساعة إلَّا من كان أجاب إبراهيم يومئذٍ» زاد غيره: «فمن لبَّى مرَّةً حجَّ مرَّةً، ومن لبَّى مرَّتين حجَّ مرَّتين، ومن لبَّى أكثر حجَّ بقدر تلبيته» وقد وقع في المرفوع تكرير لفظة: «لبَّيك» ثلاث مرَّاتٍ، وكذا في الموقوف إلَّا أنَّ في المرفوع الفصلَ بين الأولى والثَّانية بقوله: «اللَّهمَّ»، وقد نُقِل اتِّفاق الأدباء على أنَّ التَّكرير اللَّفظيَّ لا يُزاد على ثلاث مرَّاتٍ (لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، أَإِنَّ الحَمْدَ) بكسر الهمزة على الاستئناف، كأنَّه لمَّا قال: «لبَّيك» استأنف كلامًا آخر، فقال: إنَّ الحمد، وبالفتح على التَّعليل، كأنَّه قال: أجبتك لأنَّ الحمد والنِّعمة لك، والكسر أجود عند الجمهور، وحكاه الزَّمخشريُّ عن أبي حنيفة، وابن قدامة عن أحمد ابن حنبل، وابن عبد البرِّ عن اختيار أهل العربيَّة لأنَّه يقتضي أن تكون الإجابة مُطلَقةً غير مُعلَّلةٍ، فإنَّ الحمد والنِّعمة لله على كلِّ حالٍ، والفتح يدلُّ على التَّعليل، لكن قال في «اللَّامع» و «العمدة (٤)»: إنَّه إذا كُسِرَ صار للتَّعليل أيضًا من حيث إنَّه استئنافٌ جوابًا عن سؤالٍ عن العلَّة على ما قُرِّر في البيان، حتَّى إنَّ الإمام الرَّازي وأتباعه جعلوا «إنَّ» تفيد التَّعليل نفسها، ولكنَّه مردودٌ (وَالنِّعْمَةَُ لَكَ) بكسر النُّون: الإحسان والمنَّة مطلقًا، وبالنَّصب على الأشهر عطفًا على «الحمدَ»، ويجوز الرَّفع على الابتداء، والخبر محذوفٌ لدلالة خبر «إنَّ»، تقديره: إنَّ الحمد لك (٥) والنِّعمةُ مستقرَّةٌ لك،

وجوَّز ابن الأنباريِّ أن يكون الموجودُ خبرَ المبتدأ، وخبر «إنَّ» هو المحذوف (وَالمُلْكَُ) لك؛ بضمِّ الميم والنَّصب عطفًا على اسم «إن»، وبالرَّفع على الابتداء والخبر محذوفٌ لدلالة الخبر المتقدِّم، ويحتمل أن يكون تقديره: والمُلْكُ كذلك (لَا شَرِيكَ لَكَ) في ملكك، وروى النَّسائيُّ وابن ماجه وابن حبَّان في «صحيحه» والحاكم في «مُستدرَكه» عن أبي هريرة قال (١): «كان من تلبية النَّبيِّ : لبَّيك إله الحقِّ، لبَّيك»، وعند الحاكم عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ وقف بعرفاتٍ، فلمَّا قال: «لبَّيك اللَّهمَّ لبَّيك (٢)» قال (٣): «إنَّما الخير خير الآخرة»، وعند الدَّارقطنيِّ في «العلل» عن أنس بن مالكٍ أنَّه قال: «لبَّيك حجًّا حقًّا تعبُّدًا ورقًّا»، وزاد مسلمٌ في حديث الباب: (٤) قال نافعٌ: وكان عبد الله بن عمر يزيد فيها: «لبَّيك لبَّيك، لبَّيك وسعديك، والخير بيديك، لبَّيك (٥)، والرَّغباء إليك والعمل» ولم يذكر البخاريُّ هذه الزِّيادة (٦)، فهي من أفراد مسلمٍ خلافًا لما تُوهِمُه عبارة «جامع الأصول»، والحافظ المنذريُّ في «مختصر السُّنن»، والنَّوويُّ في «شرح المُهذَّب»، وقوله: «وسعديك» هو من «باب لبَّيك»، فيأتي فيه ما سبق من التَّثنية والإفراد، ومعناه: أسعدني إسعادًا بعد إسعادٍ، فالمصدر فيه (٧) مضافٌ للفاعل، وإن كان الأصل في معناه: أسعدك بالإجابة إسعادًا بعد إسعادٍ، على أنَّ المصدر فيه مضافٌ للمفعول (٨) لاستحالة ذلك هنا، وقِيلَ: المعنى: مساعدةً على طاعتك بعد مساعدةٍ، فيكون من المضاف للمنصوب، وقوله: «والرَّغباء» بفتح الرَّاء

والمدِّ، وبضمِّها مع القصر كالعَلاء والعُلا، وبالفتح مع القصر، ومعناه: الطَّلب والمسألة؛ يعني أنَّه تعالى هو المطلوب (١) المسؤول منه، فبيدِه جميع الأمور والعمل له سبحانه لأنَّه المستحقُّ للعبادة وحده، وفيه حذفٌ يحتمل أنَّ تقديره: «والعمل إليك» أي: إليك القصد به، والانتهاء به إليك لتجازي عليه، وأخرج ابن أبي شيبة من طريق المسور بن مخرمة قال: كانت تلبية عمر، فذكر مثل المرفوع، وزاد: «لبَّيك مرغوبًا (٢) ومرهوبًا إليك، ذا النَّعماء والفضل الحسن»، وهذا يدلُّ على جواز الزِّيادة على تلبية رسول الله بلا استحبابٍ ولا كراهةٍ، وهذا مذهب الأئمَّة الأربعة، لكن قال ابن عبد البرِّ: قال مالكٌ: أكره أن يزيد على تلبية رسول الله ، وينبغي أن يفرد ما رُوِي مرفوعًا، ثمَّ يقول الموقوف على انفراده حتَّى لا يختلط بالمرفوع. قال إمامنا الشَّافعيُّ رحمة الله عليه فيما حكاه عنه البيهقيُّ في «المعرفة»: ولا ضُيِّق على أحدٍ في مثل ما قال ابن عمر ولا غيره من تعظيم الله ودعائه مع (٣) التَّلبية، غير أنَّ الاختيار عندي أن يُفرِد ما رُوِي عن رسول الله من التَّلبية، وفي «سنن» أبي داود وابن ماجه عن جابرٍ قال: أهلَّ رسول الله فذكر التَّلبية، قال: «والنَّاس يزيدون (٤): ذا المعارج ونحوه من الكلام، والنَّبيُّ يسمع فلا يقول (٥) لهم شيئًا»، وفي «تاريخ مكَّة» للأزرقيِّ بسندٍ معضلٍ: أنَّ رسول الله قال: «لقد مرَّ بفجِّ الرَّوحاء سبعون نبيًّا، تلبيتهم شَتَّى، منهم يونس بن متَّى، وكان يونس يقول: لبَّيك فرَّاجَ الكَرْبِ لبَّيك، وكان موسى يقول: لبَّيك أنا عبدك لديك لبَّيك»، قال (٦): «وتلبية عيسى: أنا عبدك وابن أَمَتِك بِنْتِ عَبْدَيك»، واستحبَّ الشَّافعيَّة أن (٧) يصلِّي على النَّبيِّ بعد الفراغ من التَّلبية، ويسأل الله رضاه والجنَّة، ويتعوَّذ به من النَّار، واستأنسوا لذلك (٨) بما رواه الشَّافعيُّ والدَّارقطنيُّ والبيهقيُّ من

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٦٢ - (بابُ التَّلْبِيَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَيْفيَّة التَّلْبِيَة، وَهِي مصدر من لبَّى يُلَبِّي، وَأَصله: لبب على وزن: فعلل، لَا: فعل، فقلبت الْبَاء الثَّالِثَة يَاء استثقالاً لثلاث ياءات، ثمَّ قلبت ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَقَوْلهمْ لبّى يُلَبِّي، مُشْتَقّ من لفظ: لبيْك، كَمَا قَالُوا: حمدل وحوقل. قلت: هَذَا لَيْسَ بِصَحِيح، وَإِنَّمَا الصَّحِيح الَّذِي تَقْتَضِيه الْقَوَاعِد التصريفية أَن لفظ: لبّى، مُشْتَقّ من لفظ: التَّلْبِيَة، وَقِيَاس ذَلِك على: حمدل وحوقل، فِي غَايَة الْبعد من الْقَاعِدَة، لِأَن حمدل، لَفْظَة مَبْنِيَّة من: الْحَمد لله، وحوقل من: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، وَقيل فِيهِ: حولق، بِتَقْدِيم اللَّام على الْقَاف، وَمعنى التَّلْبِيَة الْإِجَابَة، فَإِذا قَالَ الرجل لمن دَعَاهُ: لبيْك، فَمَعْنَاه أجبْت لَك فِيمَا قلت: وَاخْتلف فِي لفظ: لبيْك، وَمَعْنَاهُ. أما لَفظه فتثنية عِنْد سِيبَوَيْهٍ يُرَاد بهَا التكثير فِي الْعدَد وَالْعود مرّة بعد مرّة، لَا أَنَّهَا لحقيقة التَّثْنِيَة بِحَيْثُ لَا يتَنَاوَل إلَاّ فردين! وَقَالَ يُونُس: هُوَ مُفْرد، وَالْيَاء فِيهِ كالياء فِي: لديك وَعَلَيْك وَإِلَيْك، يَعْنِي فِي انقلابها يَاء، لاتصالها بالضمير. وَأما مَعْنَاهُ فَقيل: مَعْنَاهُ إِجَابَة بعد إِجَابَة أَو إِجَابَة لَازِمَة. قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: وَمثله: حنانيك، أَي تحننا بعد تَحَنن، وَقيل: مَعْنَاهُ أَنا مُقيم على طَاعَتك إِقَامَة بعد إِقَامَة من ألبَّ بِالْمَكَانِ كَذَا، ولبَّ بِهِ إِذا أَقَامَ بِهِ وَلَزِمَه. وَقيل: مَعْنَاهُ إتجاهي إِلَيْك من قَوْلهم دَاري تلب بدارك، أَي: تواجهها. وَقيل: محبتي لَك من قَوْلهم: امْرَأَة لبة إِذا كَانَت محبَّة لزَوجهَا أَو عاطفة على وَلَدهَا. وَقيل: مَعْنَاهُ إخلاصي لَك، من قَوْلهم: حسب لباب، أَي: خَالص. وَقيل: قربا مِنْك من الإلباب وَهُوَ الْقرب. وَقيل: خاضعا لَك، وَالْأول مِنْهَا أظهر وَأشهر، لِأَن الْمحرم مُجيب لدعاء الله إِيَّاه فِي حج بَيته، وَعَن الْفراء: لبيْك، مَنْصُوب على الْمصدر، وَأَصله لبا لَك، فَثنى للتَّأْكِيد أَي إلبابا بعد إلباب، وَقَالَ عِيَاض: وَهَذِه إِجَابَة لإِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لقَوْله تَعَالَى: {وَأذن فِي النَّاس بِالْحَجِّ} (الْحَج: ٧٢) . والداعي هُوَ إِبْرَاهِيم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما دعى النَّاس إِلَى الْحَج على جبل أبي قبيس، وعَلى حجر الْمقَام. وَقيل: عِنْد ثنية كداء، وَزعم ابْن حزم أَن التَّلْبِيَة شَرِيعَة أَمر الله بهَا لَا عِلّة لَهَا إلَاّ قَوْله تَعَالَى: {وليبلوكم أَيّكُم أحسن عملا} (هود: ٧، الْملك: ٢) .

٩٤٥١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُف قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ تَلْبِيَةَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَة لَكَ وَالمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهَا فِي كَيْفيَّة التَّلْبِيَة، وَهَذِه الَّتِي رَوَاهَا ابْن عمر عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، هِيَ كَيْفيَّة التَّلْبِيَة، وَلم يتَعَرَّض البُخَارِيّ لحكم التَّلْبِيَة، وفيهَا أَقْوَال على مَا نذكرهُ عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي عَن مَالك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة عَن مَالك، وَالْكَلَام فِيهِ على وُجُوه.

الأول: فِي مَعْنَاهُ قَوْله: (لبيْك اللَّهُمَّ) ، يَعْنِي: يَا الله أجبناك فِيمَا دَعوتنَا. وَقيل: إِنَّهَا إِجَابَة للخليل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَقد روى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق قَابُوس بن أبي ظبْيَان عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: (لما فرغ إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ السَّلَام من بِنَاء الْبَيْت، قيل لَهُ: {وَأذن فِي النَّاس بِالْحَجِّ} (الْحَج: ٧٢) . قَالَ: رب وَمَا يبلغ صوتي؟ قَالَ: أذن وَعلي الْبَلَاغ. قَالَ: فَنَادَى إِبْرَاهِيم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: يَا أَيهَا النَّاس كتب عَلَيْكُم الْحَج إِلَى الْبَيْت الْعَتِيق، فَسَمعهُ من بَين السَّمَاء وَالْأَرْض، أَفلا ترَوْنَ النَّاس يجيئون من أقْصَى الأَرْض يلبون) ؟ وَمن طَرِيق ابْن جريج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس: وَفِيه: (وأجابوه بِالتَّلْبِيَةِ فِي أصلاب الرِّجَال وأرحام النِّسَاء وَأول من أَجَابَهُ أهل الْيمن، فَلَيْسَ حَاج يحجّ من يَوْمئِذٍ إِلَى أَن تقوم السَّاعَة إلَاّ من كَانَ أجَاب إِبْرَاهِيم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمئِذٍ) . قَوْله: (إِن الْحَمد) روى بِكَسْر الْهمزَة وَفتحهَا، أما وَجه الْكسر فعلى الِاسْتِئْنَاف، وَهُوَ ابْتِدَاء كَلَام، كَأَنَّهُ لما قَالَ: لبيْك، اسْتَأْنف كلَاما آخر فَقَالَ: إِن الْحَمد وَالنعْمَة لَك، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ مُحَمَّد بن الْحسن وَالْكسَائِيّ، رحمهمَا الله تَعَالَى. وَأما وَجه الْفَتْح فعلى التَّعْلِيل كَأَنَّهُ يَقُول: أَجَبْتُك، لِأَن الْحَمد وَالنعْمَة لَك، وَالْكَسْر أَجود عِنْد الْجُمْهُور، قَالَ ثَعْلَب: لِأَن من كسر جعل مَعْنَاهُ: إِن الْحَمد لَك على كل حَال، وَمن فتح قَالَ: مَعْنَاهُ، لبيْك لهَذَا السَّبَب. وَقَالَ الْخطابِيّ: لهج الْعَامَّة بِالْفَتْح، وَحَكَاهُ الزَّمَخْشَرِيّ عَن الشَّافِعِي، وَقَالَ ابْن عبد الْبر:

الْمَعْنى عِنْدِي وَاحِد، لِأَن من فتح أَرَادَ لبيْك لِأَن الْحَمد لَك على كل حَال، وَاعْترض عَلَيْهِ لِأَن التَّقْيِيد لَيْسَ فِي الْحَمد، وَإِنَّمَا هُوَ فِي التَّلْبِيَة. وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: الْكسر أَجود لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَن تكون الْإِجَابَة مُطلقَة غير معللة، وَأَن الْحَمد وَالنعْمَة لله على كل حَال، وَالْفَتْح يدل على التَّعْلِيل، فَكَأَنَّهُ يَقُول: أَجَبْتُك لهَذَا السَّبَب، وَالْأول أَعم وَأكْثر فَائِدَة. قَوْله: (وَالنعْمَة لَك) الْمَشْهُور فِيهِ النصب، قَالَ عِيَاض: وَيجوز فِيهِ الرّفْع على الِابْتِدَاء، وَيكون الْخَبَر محذوفا، وَالتَّقْدِير أَن الْحَمد لَك وَالنعْمَة مُسْتَقِرَّة لَك، نَقله عَن ابْن الْأَنْبَارِي. قَوْله: (وَالْملك) ، أَيْضا بِالنّصب على الْمَشْهُور، وَيجوز الرّفْع وَتَقْدِيره: وَالْملك كَذَلِك، وَالْملك بِضَم الْمِيم، وَالْفرق بَينه وَبَين الْملك بِكَسْر الْمِيم.

الْوَجْه الثَّانِي: أَن الْحِكْمَة فِي مَشْرُوعِيَّة التَّلْبِيَة هِيَ التَّنْبِيه على إكرام الله تَعَالَى لِعِبَادِهِ، بِأَن وفودهم على بَيته إِنَّمَا كَانَ باستدعاء مِنْهُ، عز وَجل، فَإِن قلت: لِمَ قرن الْحَمد بِالنعْمَةِ وأفرد الْملك؟ قلت: لِأَن الْحَمد مُتَعَلق بِالنعْمَةِ، وَلِهَذَا يُقَال: الْحَمد لله على نعمه، فَجمع بَينهمَا كَأَنَّهُ قَالَ: لَا حمد، إلَاّ لَك، لِأَنَّهُ لَا نعْمَة إلَاّ لَك وَأما الْملك، فَهُوَ معنى مُسْتَقل بِنَفسِهِ، ذكر لتحقيق: أَن النِّعْمَة كلهَا لله لِأَنَّهُ صَاحب الْملك.

الْوَجْه الثَّالِث: فِي حكم التَّلْبِيَة، فَفِيهِ أَرْبَعَة أَقْوَال، قد ذَكرنَاهَا فِي أَوَاخِر الْبَاب السَّابِق.

الْوَجْه الرَّابِع: فِي الزِّيَادَة على أَلْفَاظ التَّلْبِيَة المروية عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي الحَدِيث الْمَذْكُور. قَالَ أَبُو عمر: أجمع الْعلمَاء على القَوْل بِهَذِهِ التَّلْبِيَة، وَاخْتلفُوا فِي الزِّيَادَة فِيهَا، فَقَالَ مَالك: كره الزِّيَادَة فِيهَا على تَلْبِيَة رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقد رُوِيَ عَنهُ أَنه: لَا بَأْس أَن يُزَاد فِيهَا مَا كَانَ ابْن عمر يزِيدهُ، قلت: روى هَذِه مُسلم، قَالَ: حَدثنَا يحيى بن يحيى التَّمِيمِي، قَالَ: قَرَأت على مَالك عَن نَافِع عَن عبد الله بن عمر: أَن تَلْبِيَة رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك، لَا شريك لَك لبيْك، إِن الْحَمد وَالنعْمَة لَك وَالْملك، لَا شريك لَك. قَالَ: وَكَانَ عبد الله بن عمر يزِيد فِيهَا: لبيْك لبيْك، لبيْك وَسَعْديك، وَالْخَيْر بيديك، لبيْك وَالرغْبَاء إِلَيْك وَالْعَمَل. وَقَالَ الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَمُحَمّد بن الْحسن، لَهُ أَن يزِيد فِيهَا مَا شَاءَ وَأحب. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد وَأَبُو ثَوْر: لَا بَأْس بِالزِّيَادَةِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: قَالَ الشَّافِعِي: إِن زَاد فِي التَّلْبِيَة شَيْئا من تَعْظِيم الله تَعَالَى فَلَا بَأْس إِن شَاءَ الله، وَأحب إِلَيّ إِن يقْتَصر. وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَالشَّافِعِيّ، فِي قَول: لَا يَنْبَغِي أَن يُزَاد فِيهَا على تَلْبِيَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَذْكُورَة، وَإِلَيْهِ ذهب الطَّحَاوِيّ وَاخْتَارَهُ، وَقد زَاد جمَاعَة فِي التَّلْبِيَة، مِنْهُم: ابْن عمر، وَمِنْهُم أَبوهُ عمر بن الْخطاب، زَاد هَذِه الزِّيَادَة الَّتِي جَاءَت عَن ابْنه عبد الله بن عمر، وَلَعَلَّ عبد الله أَخذهَا من أَبِيه، فَإِنَّهُ رَوَاهَا عَنهُ كَمَا هُوَ مُتَّفق عَلَيْهِ، وَمِنْهُم ابْن مَسْعُود، فَروِيَ عَنهُ أَنه لبّى، فَقَالَ: لبيْك عدد الْحَصَى وَالتُّرَاب. وروى أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه من حَدِيث جَابر، قَالَ: أهلَّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَذكر التَّلْبِيَة، قَالَ: وَالنَّاس يزِيدُونَ: ذَا المعارج، وَنَحْوه من الْكَلَام وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يسمع فَلَا يَقُول لَهُم شَيْئا. وروى سعيد بن الْمَنْصُور فِي (سنَنه) بِإِسْنَادِهِ إِلَى الْأسود بن يزِيد أَنه كَانَ يَقُول: لبيْك غفار الذُّنُوب لبيْك. وَفِي (تَارِيخ مَكَّة) للأزرقي، صفة تَلْبِيَة جمَاعَة من الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم السَّلَام، رَوَاهُ من رِوَايَة عُثْمَان بن سَاج، قَالَ: أَخْبرنِي صَادِق أَنه بلغه أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لقد مر بفج الروحاء سَبْعُونَ نَبيا تلبيتهم شَتَّى، مِنْهُم يُونُس بن مَتى، وَكَانَ يُونُس يَقُول: لبيْك فراج الكرب لبيْك، وَكَانَ مُوسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: لبيْك أَنا عَبدك لديك لبيْك. قَالَ: وتلبية عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَام: أَنا عَبدك وَابْن أمتك بنت عبديك لبيْك، وروى الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من رِوَايَة دَاوُد بن أبي هِنْد عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وقف بِعَرَفَات، فَلَمَّا قَالَ: لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك، قَالَ إِنَّمَا الْخَيْر خير الْآخِرَة، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح وَلم يخرجَاهُ، وروى الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْعِلَل من رِوَايَة مُحَمَّد بن سِيرِين عَن يحيى بن سِيرِين عَن أنس بن سِيرِين عَن أنس بن مَالك أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لبيْك حجا حَقًا، تعبدا وَرقا. وَفِي هَذَا الحَدِيث نُكْتَة غَرِيبَة، وَهُوَ أَنه اجْتمع فِيهِ ثَلَاثَة أخوة يروي بَعضهم عَن بعض، وَلَا يعرف هَذَا فِي غير هَذَا الحَدِيث. قَوْله فِي حَدِيث مُسلم وَسَعْديك، مَعْنَاهُ: مساعدة لطاعتك بعد مساعدة. قَوْله: وَالرغْبَاء، قَالَ أَبُو الْمعَانِي فِي (الْمُنْتَهى) الرغب وَالرَّغْبَة والرغب، بِالتَّحْرِيكِ: إتساع الْإِرَادَة، ورغبت فِيهِ أوسعته إِرَادَة، وأرغبت لُغَة، والرغبى وَالرغْبَاء مثل: النعمى والنعماء، إسمان مِنْهُ إِذا فتحت مددت، وَإِذا ضممت قصرت. وَفِي (الْمُحكم) : الرغب والرغب والرغب وَالرَّغْبَة والرغبوت والرغبي والرغبا وَالرغْبَاء: الضراعة وَالْمَسْأَلَة، وَقد رغب إِلَيْهِ وَرغب إِلَيْهِ هُوَ عَن ابْن الْأَعرَابِي، ودعا الله رَغْبَة ورغبة. وَقيل: هِيَ الرغبى مثل سكرى. وَالْعَمَل فِيهِ حذف، تَقْدِيره: وَالْعَمَل إِلَيْك، أَي إِلَيْك الْقَصْد بِهِ، والانتهاء بِهِ إِلَيْك لنجازى عَلَيْهِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بعاملٍ مُضمَرٍ، أي: أجبت (١) إجابةً بعد إجابةٍ (٢) إلى ما لا نهاية له، وكأنَّه من: ألبَّ بالمكان إذا أقام به، والكاف للإضافة، وقِيلَ: ليس هنا إضافةٌ، والكاف حرف خطابٍ، ومعناه -كما قال (٣) في «القاموس» -: أنا مقيمٌ على طاعتك إلبابًا بعد إلبابٍ، وإجابةً بعد إجابةٍ، أو معناه: اتِّجاهي وقصدي لك، من: داري تلبُّ دارَه، أي: تواجهها، أو معناه: محبَّتي لك، من (٤) امرأةٌ لَبَّةٌ: محبَّةٌ لزوجها، أو معناه: إخلاصي لك، من: حَسَبٌ لُبَابٌ؛ أي (٥): خالصٌ. انتهى. وقال أبو نصرٍ: معناه: أنا مُلَبٍّ بين يديك، أي: خاضعٌ، وقال ابن عبد البرِّ: ومعنى التَّلبية إجابةُ الله (٦) فيما فرض عليهم من حجِّ بيته، والإقامة على طاعته، فالمُحرِم بتلبيته مستجيبٌ (٧) لدعاء الله إيَّاه في إيجاب الحجِّ عليه، قِيلَ: هي إجابةٌ لقوله تعالى للخليل إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧] أي: بدعوة الحجِّ والأمر به (٨).

١٥٤٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (: أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ ) ولـ «مسلمٍ» عن ابن عمر: أنَّ رسول الله كان إذا استوت به راحلته قائمةً عند مسجد ذي الحليفة أَهَلَّ، فقال: (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ) (٩) أي: يا الله أجبناك فيما دعوتنا، وروى ابن أبي حاتمٍ

من طريق قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عبَّاسٍ قال: لمَّا فرغ إبراهيم من بناء البيت قيل له: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ (١)[الحج: ٢٧] قال: ربِّ؛ وما يبلغ صوتي؟ قال: أذِّن وعليَّ البلاغُ، قال: فنادى إبراهيم : يا أيُّها النَّاس كُتِبَ (٢) عليكم الحجُّ إلى البيت العتيق، فسمعه من (٣) بين السَّماء والأرض، ألا ترون النَّاس يجيئون من أقصى الأرض يلبُّون؟ ومن طريق ابن جريجٍ عن عطاءٍ عن ابن عبَّاسٍ وفيه: «فأجابوه بالتَّلبية من أصلاب الرِّجال وأرحام النِّساء، وأوَّل من أجابه أهل اليمن، فليس حاجٌّ يحجُّ من يومئذٍ إلى أن تقوم الساعة إلَّا من كان أجاب إبراهيم يومئذٍ» زاد غيره: «فمن لبَّى مرَّةً حجَّ مرَّةً، ومن لبَّى مرَّتين حجَّ مرَّتين، ومن لبَّى أكثر حجَّ بقدر تلبيته» وقد وقع في المرفوع تكرير لفظة: «لبَّيك» ثلاث مرَّاتٍ، وكذا في الموقوف إلَّا أنَّ في المرفوع الفصلَ بين الأولى والثَّانية بقوله: «اللَّهمَّ»، وقد نُقِل اتِّفاق الأدباء على أنَّ التَّكرير اللَّفظيَّ لا يُزاد على ثلاث مرَّاتٍ (لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، أَإِنَّ الحَمْدَ) بكسر الهمزة على الاستئناف، كأنَّه لمَّا قال: «لبَّيك» استأنف كلامًا آخر، فقال: إنَّ الحمد، وبالفتح على التَّعليل، كأنَّه قال: أجبتك لأنَّ الحمد والنِّعمة لك، والكسر أجود عند الجمهور، وحكاه الزَّمخشريُّ عن أبي حنيفة، وابن قدامة عن أحمد ابن حنبل، وابن عبد البرِّ عن اختيار أهل العربيَّة لأنَّه يقتضي أن تكون الإجابة مُطلَقةً غير مُعلَّلةٍ، فإنَّ الحمد والنِّعمة لله على كلِّ حالٍ، والفتح يدلُّ على التَّعليل، لكن قال في «اللَّامع» و «العمدة (٤)»: إنَّه إذا كُسِرَ صار للتَّعليل أيضًا من حيث إنَّه استئنافٌ جوابًا عن سؤالٍ عن العلَّة على ما قُرِّر في البيان، حتَّى إنَّ الإمام الرَّازي وأتباعه جعلوا «إنَّ» تفيد التَّعليل نفسها، ولكنَّه مردودٌ (وَالنِّعْمَةَُ لَكَ) بكسر النُّون: الإحسان والمنَّة مطلقًا، وبالنَّصب على الأشهر عطفًا على «الحمدَ»، ويجوز الرَّفع على الابتداء، والخبر محذوفٌ لدلالة خبر «إنَّ»، تقديره: إنَّ الحمد لك (٥) والنِّعمةُ مستقرَّةٌ لك،

وجوَّز ابن الأنباريِّ أن يكون الموجودُ خبرَ المبتدأ، وخبر «إنَّ» هو المحذوف (وَالمُلْكَُ) لك؛ بضمِّ الميم والنَّصب عطفًا على اسم «إن»، وبالرَّفع على الابتداء والخبر محذوفٌ لدلالة الخبر المتقدِّم، ويحتمل أن يكون تقديره: والمُلْكُ كذلك (لَا شَرِيكَ لَكَ) في ملكك، وروى النَّسائيُّ وابن ماجه وابن حبَّان في «صحيحه» والحاكم في «مُستدرَكه» عن أبي هريرة قال (١): «كان من تلبية النَّبيِّ : لبَّيك إله الحقِّ، لبَّيك»، وعند الحاكم عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ وقف بعرفاتٍ، فلمَّا قال: «لبَّيك اللَّهمَّ لبَّيك (٢)» قال (٣): «إنَّما الخير خير الآخرة»، وعند الدَّارقطنيِّ في «العلل» عن أنس بن مالكٍ أنَّه قال: «لبَّيك حجًّا حقًّا تعبُّدًا ورقًّا»، وزاد مسلمٌ في حديث الباب: (٤) قال نافعٌ: وكان عبد الله بن عمر يزيد فيها: «لبَّيك لبَّيك، لبَّيك وسعديك، والخير بيديك، لبَّيك (٥)، والرَّغباء إليك والعمل» ولم يذكر البخاريُّ هذه الزِّيادة (٦)، فهي من أفراد مسلمٍ خلافًا لما تُوهِمُه عبارة «جامع الأصول»، والحافظ المنذريُّ في «مختصر السُّنن»، والنَّوويُّ في «شرح المُهذَّب»، وقوله: «وسعديك» هو من «باب لبَّيك»، فيأتي فيه ما سبق من التَّثنية والإفراد، ومعناه: أسعدني إسعادًا بعد إسعادٍ، فالمصدر فيه (٧) مضافٌ للفاعل، وإن كان الأصل في معناه: أسعدك بالإجابة إسعادًا بعد إسعادٍ، على أنَّ المصدر فيه مضافٌ للمفعول (٨) لاستحالة ذلك هنا، وقِيلَ: المعنى: مساعدةً على طاعتك بعد مساعدةٍ، فيكون من المضاف للمنصوب، وقوله: «والرَّغباء» بفتح الرَّاء

والمدِّ، وبضمِّها مع القصر كالعَلاء والعُلا، وبالفتح مع القصر، ومعناه: الطَّلب والمسألة؛ يعني أنَّه تعالى هو المطلوب (١) المسؤول منه، فبيدِه جميع الأمور والعمل له سبحانه لأنَّه المستحقُّ للعبادة وحده، وفيه حذفٌ يحتمل أنَّ تقديره: «والعمل إليك» أي: إليك القصد به، والانتهاء به إليك لتجازي عليه، وأخرج ابن أبي شيبة من طريق المسور بن مخرمة قال: كانت تلبية عمر، فذكر مثل المرفوع، وزاد: «لبَّيك مرغوبًا (٢) ومرهوبًا إليك، ذا النَّعماء والفضل الحسن»، وهذا يدلُّ على جواز الزِّيادة على تلبية رسول الله بلا استحبابٍ ولا كراهةٍ، وهذا مذهب الأئمَّة الأربعة، لكن قال ابن عبد البرِّ: قال مالكٌ: أكره أن يزيد على تلبية رسول الله ، وينبغي أن يفرد ما رُوِي مرفوعًا، ثمَّ يقول الموقوف على انفراده حتَّى لا يختلط بالمرفوع. قال إمامنا الشَّافعيُّ رحمة الله عليه فيما حكاه عنه البيهقيُّ في «المعرفة»: ولا ضُيِّق على أحدٍ في مثل ما قال ابن عمر ولا غيره من تعظيم الله ودعائه مع (٣) التَّلبية، غير أنَّ الاختيار عندي أن يُفرِد ما رُوِي عن رسول الله من التَّلبية، وفي «سنن» أبي داود وابن ماجه عن جابرٍ قال: أهلَّ رسول الله فذكر التَّلبية، قال: «والنَّاس يزيدون (٤): ذا المعارج ونحوه من الكلام، والنَّبيُّ يسمع فلا يقول (٥) لهم شيئًا»، وفي «تاريخ مكَّة» للأزرقيِّ بسندٍ معضلٍ: أنَّ رسول الله قال: «لقد مرَّ بفجِّ الرَّوحاء سبعون نبيًّا، تلبيتهم شَتَّى، منهم يونس بن متَّى، وكان يونس يقول: لبَّيك فرَّاجَ الكَرْبِ لبَّيك، وكان موسى يقول: لبَّيك أنا عبدك لديك لبَّيك»، قال (٦): «وتلبية عيسى: أنا عبدك وابن أَمَتِك بِنْتِ عَبْدَيك»، واستحبَّ الشَّافعيَّة أن (٧) يصلِّي على النَّبيِّ بعد الفراغ من التَّلبية، ويسأل الله رضاه والجنَّة، ويتعوَّذ به من النَّار، واستأنسوا لذلك (٨) بما رواه الشَّافعيُّ والدَّارقطنيُّ والبيهقيُّ من

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٦٢ - (بابُ التَّلْبِيَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَيْفيَّة التَّلْبِيَة، وَهِي مصدر من لبَّى يُلَبِّي، وَأَصله: لبب على وزن: فعلل، لَا: فعل، فقلبت الْبَاء الثَّالِثَة يَاء استثقالاً لثلاث ياءات، ثمَّ قلبت ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَقَوْلهمْ لبّى يُلَبِّي، مُشْتَقّ من لفظ: لبيْك، كَمَا قَالُوا: حمدل وحوقل. قلت: هَذَا لَيْسَ بِصَحِيح، وَإِنَّمَا الصَّحِيح الَّذِي تَقْتَضِيه الْقَوَاعِد التصريفية أَن لفظ: لبّى، مُشْتَقّ من لفظ: التَّلْبِيَة، وَقِيَاس ذَلِك على: حمدل وحوقل، فِي غَايَة الْبعد من الْقَاعِدَة، لِأَن حمدل، لَفْظَة مَبْنِيَّة من: الْحَمد لله، وحوقل من: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، وَقيل فِيهِ: حولق، بِتَقْدِيم اللَّام على الْقَاف، وَمعنى التَّلْبِيَة الْإِجَابَة، فَإِذا قَالَ الرجل لمن دَعَاهُ: لبيْك، فَمَعْنَاه أجبْت لَك فِيمَا قلت: وَاخْتلف فِي لفظ: لبيْك، وَمَعْنَاهُ. أما لَفظه فتثنية عِنْد سِيبَوَيْهٍ يُرَاد بهَا التكثير فِي الْعدَد وَالْعود مرّة بعد مرّة، لَا أَنَّهَا لحقيقة التَّثْنِيَة بِحَيْثُ لَا يتَنَاوَل إلَاّ فردين! وَقَالَ يُونُس: هُوَ مُفْرد، وَالْيَاء فِيهِ كالياء فِي: لديك وَعَلَيْك وَإِلَيْك، يَعْنِي فِي انقلابها يَاء، لاتصالها بالضمير. وَأما مَعْنَاهُ فَقيل: مَعْنَاهُ إِجَابَة بعد إِجَابَة أَو إِجَابَة لَازِمَة. قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: وَمثله: حنانيك، أَي تحننا بعد تَحَنن، وَقيل: مَعْنَاهُ أَنا مُقيم على طَاعَتك إِقَامَة بعد إِقَامَة من ألبَّ بِالْمَكَانِ كَذَا، ولبَّ بِهِ إِذا أَقَامَ بِهِ وَلَزِمَه. وَقيل: مَعْنَاهُ إتجاهي إِلَيْك من قَوْلهم دَاري تلب بدارك، أَي: تواجهها. وَقيل: محبتي لَك من قَوْلهم: امْرَأَة لبة إِذا كَانَت محبَّة لزَوجهَا أَو عاطفة على وَلَدهَا. وَقيل: مَعْنَاهُ إخلاصي لَك، من قَوْلهم: حسب لباب، أَي: خَالص. وَقيل: قربا مِنْك من الإلباب وَهُوَ الْقرب. وَقيل: خاضعا لَك، وَالْأول مِنْهَا أظهر وَأشهر، لِأَن الْمحرم مُجيب لدعاء الله إِيَّاه فِي حج بَيته، وَعَن الْفراء: لبيْك، مَنْصُوب على الْمصدر، وَأَصله لبا لَك، فَثنى للتَّأْكِيد أَي إلبابا بعد إلباب، وَقَالَ عِيَاض: وَهَذِه إِجَابَة لإِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لقَوْله تَعَالَى: {وَأذن فِي النَّاس بِالْحَجِّ} (الْحَج: ٧٢) . والداعي هُوَ إِبْرَاهِيم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما دعى النَّاس إِلَى الْحَج على جبل أبي قبيس، وعَلى حجر الْمقَام. وَقيل: عِنْد ثنية كداء، وَزعم ابْن حزم أَن التَّلْبِيَة شَرِيعَة أَمر الله بهَا لَا عِلّة لَهَا إلَاّ قَوْله تَعَالَى: {وليبلوكم أَيّكُم أحسن عملا} (هود: ٧، الْملك: ٢) .

٩٤٥١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُف قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ تَلْبِيَةَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَة لَكَ وَالمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهَا فِي كَيْفيَّة التَّلْبِيَة، وَهَذِه الَّتِي رَوَاهَا ابْن عمر عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، هِيَ كَيْفيَّة التَّلْبِيَة، وَلم يتَعَرَّض البُخَارِيّ لحكم التَّلْبِيَة، وفيهَا أَقْوَال على مَا نذكرهُ عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي عَن مَالك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة عَن مَالك، وَالْكَلَام فِيهِ على وُجُوه.

الأول: فِي مَعْنَاهُ قَوْله: (لبيْك اللَّهُمَّ) ، يَعْنِي: يَا الله أجبناك فِيمَا دَعوتنَا. وَقيل: إِنَّهَا إِجَابَة للخليل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَقد روى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق قَابُوس بن أبي ظبْيَان عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: (لما فرغ إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ السَّلَام من بِنَاء الْبَيْت، قيل لَهُ: {وَأذن فِي النَّاس بِالْحَجِّ} (الْحَج: ٧٢) . قَالَ: رب وَمَا يبلغ صوتي؟ قَالَ: أذن وَعلي الْبَلَاغ. قَالَ: فَنَادَى إِبْرَاهِيم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: يَا أَيهَا النَّاس كتب عَلَيْكُم الْحَج إِلَى الْبَيْت الْعَتِيق، فَسَمعهُ من بَين السَّمَاء وَالْأَرْض، أَفلا ترَوْنَ النَّاس يجيئون من أقْصَى الأَرْض يلبون) ؟ وَمن طَرِيق ابْن جريج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس: وَفِيه: (وأجابوه بِالتَّلْبِيَةِ فِي أصلاب الرِّجَال وأرحام النِّسَاء وَأول من أَجَابَهُ أهل الْيمن، فَلَيْسَ حَاج يحجّ من يَوْمئِذٍ إِلَى أَن تقوم السَّاعَة إلَاّ من كَانَ أجَاب إِبْرَاهِيم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمئِذٍ) . قَوْله: (إِن الْحَمد) روى بِكَسْر الْهمزَة وَفتحهَا، أما وَجه الْكسر فعلى الِاسْتِئْنَاف، وَهُوَ ابْتِدَاء كَلَام، كَأَنَّهُ لما قَالَ: لبيْك، اسْتَأْنف كلَاما آخر فَقَالَ: إِن الْحَمد وَالنعْمَة لَك، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ مُحَمَّد بن الْحسن وَالْكسَائِيّ، رحمهمَا الله تَعَالَى. وَأما وَجه الْفَتْح فعلى التَّعْلِيل كَأَنَّهُ يَقُول: أَجَبْتُك، لِأَن الْحَمد وَالنعْمَة لَك، وَالْكَسْر أَجود عِنْد الْجُمْهُور، قَالَ ثَعْلَب: لِأَن من كسر جعل مَعْنَاهُ: إِن الْحَمد لَك على كل حَال، وَمن فتح قَالَ: مَعْنَاهُ، لبيْك لهَذَا السَّبَب. وَقَالَ الْخطابِيّ: لهج الْعَامَّة بِالْفَتْح، وَحَكَاهُ الزَّمَخْشَرِيّ عَن الشَّافِعِي، وَقَالَ ابْن عبد الْبر:

الْمَعْنى عِنْدِي وَاحِد، لِأَن من فتح أَرَادَ لبيْك لِأَن الْحَمد لَك على كل حَال، وَاعْترض عَلَيْهِ لِأَن التَّقْيِيد لَيْسَ فِي الْحَمد، وَإِنَّمَا هُوَ فِي التَّلْبِيَة. وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: الْكسر أَجود لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَن تكون الْإِجَابَة مُطلقَة غير معللة، وَأَن الْحَمد وَالنعْمَة لله على كل حَال، وَالْفَتْح يدل على التَّعْلِيل، فَكَأَنَّهُ يَقُول: أَجَبْتُك لهَذَا السَّبَب، وَالْأول أَعم وَأكْثر فَائِدَة. قَوْله: (وَالنعْمَة لَك) الْمَشْهُور فِيهِ النصب، قَالَ عِيَاض: وَيجوز فِيهِ الرّفْع على الِابْتِدَاء، وَيكون الْخَبَر محذوفا، وَالتَّقْدِير أَن الْحَمد لَك وَالنعْمَة مُسْتَقِرَّة لَك، نَقله عَن ابْن الْأَنْبَارِي. قَوْله: (وَالْملك) ، أَيْضا بِالنّصب على الْمَشْهُور، وَيجوز الرّفْع وَتَقْدِيره: وَالْملك كَذَلِك، وَالْملك بِضَم الْمِيم، وَالْفرق بَينه وَبَين الْملك بِكَسْر الْمِيم.

الْوَجْه الثَّانِي: أَن الْحِكْمَة فِي مَشْرُوعِيَّة التَّلْبِيَة هِيَ التَّنْبِيه على إكرام الله تَعَالَى لِعِبَادِهِ، بِأَن وفودهم على بَيته إِنَّمَا كَانَ باستدعاء مِنْهُ، عز وَجل، فَإِن قلت: لِمَ قرن الْحَمد بِالنعْمَةِ وأفرد الْملك؟ قلت: لِأَن الْحَمد مُتَعَلق بِالنعْمَةِ، وَلِهَذَا يُقَال: الْحَمد لله على نعمه، فَجمع بَينهمَا كَأَنَّهُ قَالَ: لَا حمد، إلَاّ لَك، لِأَنَّهُ لَا نعْمَة إلَاّ لَك وَأما الْملك، فَهُوَ معنى مُسْتَقل بِنَفسِهِ، ذكر لتحقيق: أَن النِّعْمَة كلهَا لله لِأَنَّهُ صَاحب الْملك.

الْوَجْه الثَّالِث: فِي حكم التَّلْبِيَة، فَفِيهِ أَرْبَعَة أَقْوَال، قد ذَكرنَاهَا فِي أَوَاخِر الْبَاب السَّابِق.

الْوَجْه الرَّابِع: فِي الزِّيَادَة على أَلْفَاظ التَّلْبِيَة المروية عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي الحَدِيث الْمَذْكُور. قَالَ أَبُو عمر: أجمع الْعلمَاء على القَوْل بِهَذِهِ التَّلْبِيَة، وَاخْتلفُوا فِي الزِّيَادَة فِيهَا، فَقَالَ مَالك: كره الزِّيَادَة فِيهَا على تَلْبِيَة رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقد رُوِيَ عَنهُ أَنه: لَا بَأْس أَن يُزَاد فِيهَا مَا كَانَ ابْن عمر يزِيدهُ، قلت: روى هَذِه مُسلم، قَالَ: حَدثنَا يحيى بن يحيى التَّمِيمِي، قَالَ: قَرَأت على مَالك عَن نَافِع عَن عبد الله بن عمر: أَن تَلْبِيَة رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك، لَا شريك لَك لبيْك، إِن الْحَمد وَالنعْمَة لَك وَالْملك، لَا شريك لَك. قَالَ: وَكَانَ عبد الله بن عمر يزِيد فِيهَا: لبيْك لبيْك، لبيْك وَسَعْديك، وَالْخَيْر بيديك، لبيْك وَالرغْبَاء إِلَيْك وَالْعَمَل. وَقَالَ الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَمُحَمّد بن الْحسن، لَهُ أَن يزِيد فِيهَا مَا شَاءَ وَأحب. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد وَأَبُو ثَوْر: لَا بَأْس بِالزِّيَادَةِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: قَالَ الشَّافِعِي: إِن زَاد فِي التَّلْبِيَة شَيْئا من تَعْظِيم الله تَعَالَى فَلَا بَأْس إِن شَاءَ الله، وَأحب إِلَيّ إِن يقْتَصر. وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَالشَّافِعِيّ، فِي قَول: لَا يَنْبَغِي أَن يُزَاد فِيهَا على تَلْبِيَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَذْكُورَة، وَإِلَيْهِ ذهب الطَّحَاوِيّ وَاخْتَارَهُ، وَقد زَاد جمَاعَة فِي التَّلْبِيَة، مِنْهُم: ابْن عمر، وَمِنْهُم أَبوهُ عمر بن الْخطاب، زَاد هَذِه الزِّيَادَة الَّتِي جَاءَت عَن ابْنه عبد الله بن عمر، وَلَعَلَّ عبد الله أَخذهَا من أَبِيه، فَإِنَّهُ رَوَاهَا عَنهُ كَمَا هُوَ مُتَّفق عَلَيْهِ، وَمِنْهُم ابْن مَسْعُود، فَروِيَ عَنهُ أَنه لبّى، فَقَالَ: لبيْك عدد الْحَصَى وَالتُّرَاب. وروى أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه من حَدِيث جَابر، قَالَ: أهلَّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَذكر التَّلْبِيَة، قَالَ: وَالنَّاس يزِيدُونَ: ذَا المعارج، وَنَحْوه من الْكَلَام وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يسمع فَلَا يَقُول لَهُم شَيْئا. وروى سعيد بن الْمَنْصُور فِي (سنَنه) بِإِسْنَادِهِ إِلَى الْأسود بن يزِيد أَنه كَانَ يَقُول: لبيْك غفار الذُّنُوب لبيْك. وَفِي (تَارِيخ مَكَّة) للأزرقي، صفة تَلْبِيَة جمَاعَة من الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم السَّلَام، رَوَاهُ من رِوَايَة عُثْمَان بن سَاج، قَالَ: أَخْبرنِي صَادِق أَنه بلغه أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لقد مر بفج الروحاء سَبْعُونَ نَبيا تلبيتهم شَتَّى، مِنْهُم يُونُس بن مَتى، وَكَانَ يُونُس يَقُول: لبيْك فراج الكرب لبيْك، وَكَانَ مُوسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: لبيْك أَنا عَبدك لديك لبيْك. قَالَ: وتلبية عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَام: أَنا عَبدك وَابْن أمتك بنت عبديك لبيْك، وروى الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من رِوَايَة دَاوُد بن أبي هِنْد عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وقف بِعَرَفَات، فَلَمَّا قَالَ: لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك، قَالَ إِنَّمَا الْخَيْر خير الْآخِرَة، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح وَلم يخرجَاهُ، وروى الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْعِلَل من رِوَايَة مُحَمَّد بن سِيرِين عَن يحيى بن سِيرِين عَن أنس بن سِيرِين عَن أنس بن مَالك أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لبيْك حجا حَقًا، تعبدا وَرقا. وَفِي هَذَا الحَدِيث نُكْتَة غَرِيبَة، وَهُوَ أَنه اجْتمع فِيهِ ثَلَاثَة أخوة يروي بَعضهم عَن بعض، وَلَا يعرف هَذَا فِي غير هَذَا الحَدِيث. قَوْله فِي حَدِيث مُسلم وَسَعْديك، مَعْنَاهُ: مساعدة لطاعتك بعد مساعدة. قَوْله: وَالرغْبَاء، قَالَ أَبُو الْمعَانِي فِي (الْمُنْتَهى) الرغب وَالرَّغْبَة والرغب، بِالتَّحْرِيكِ: إتساع الْإِرَادَة، ورغبت فِيهِ أوسعته إِرَادَة، وأرغبت لُغَة، والرغبى وَالرغْبَاء مثل: النعمى والنعماء، إسمان مِنْهُ إِذا فتحت مددت، وَإِذا ضممت قصرت. وَفِي (الْمُحكم) : الرغب والرغب والرغب وَالرَّغْبَة والرغبوت والرغبي والرغبا وَالرغْبَاء: الضراعة وَالْمَسْأَلَة، وَقد رغب إِلَيْهِ وَرغب إِلَيْهِ هُوَ عَن ابْن الْأَعرَابِي، ودعا الله رَغْبَة ورغبة. وَقيل: هِيَ الرغبى مثل سكرى. وَالْعَمَل فِيهِ حذف، تَقْدِيره: وَالْعَمَل إِلَيْك، أَي إِلَيْك الْقَصْد بِهِ، والانتهاء بِهِ إِلَيْك لنجازى عَلَيْهِ.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.4 / 29.5
الإضاءة 77%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
سبحان الله