«خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَلَيَالِي الْحَجِّ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥٦٠

الحديث رقم ١٥٦٠ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الله تعال الحج أشهر معلومات.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في أشهر الحج، وليالي…

«خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَلَيَالِي الْحَجِّ، وَحُرُمِ الْحَجِّ، فَنَزَلْنَا بِسَرِفَ، قَالَتْ: فَخَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ فَلَا. قَالَتْ: فَالْآخِذُ بِهَا وَالتَّارِكُ لَهَا مِنْ أَصْحَابِهِ، قَالَتْ: فَأَمَّا رَسُولُ اللهِ وَرِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَكَانُوا أَهْلَ قُوَّةٍ، وَكَانَ مَعَهُمُ الْهَدْيُ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الْعُمْرَةِ، قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ يَا هَنْتَاهْ قُلْتُ: سَمِعْتُ قَوْلَكَ لِأَصْحَابِكَ، فَمُنِعْتُ الْعُمْرَةَ، قَالَ: وَمَا شَأْنُكِ. قُلْتُ: لَا أُصَلِّي، قَالَ: فَلَا يَضِيرُكِ، إِنَّمَا أَنْتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ، كَتَبَ اللهُ عَلَيْكِ مَا كَتَبَ عَلَيْهِنَّ، فَكُونِي فِي حَجَّتِكِ، فَعَسَى اللهُ أَنْ يَرْزُقَكِيهَا. قَالَتْ: فَخَرَجْنَا فِي حَجَّتِهِ حَتَّى قَدِمْنَا مِنًى، فَطَهَرْتُ، ثُمَّ خَرَجْتُ مِنْ مِنًى، فَأَفَضْتُ بِالْبَيْتِ، قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجَتْ مَعَهُ فِي النَّفْرِ الْآخِرِ، حَتَّى نَزَلَ الْمُحَصَّبَ، وَنَزَلْنَا مَعَهُ، فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنَ الْحَرَمِ، فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ افْرُغَا، ثُمَّ ائْتِيَا هَا هُنَا، فَإِنِّي أَنْظُرُكُمَا حَتَّى تَأْتِيَانِي. قَالَتْ: فَخَرَجْنَا، حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ، وَفَرَغْتُ مِنَ الطَّوَافِ، ثُمَّ جِئْتُهُ بِسَحَرَ، فَقَالَ: هَلْ فَرَغْتُمْ. فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَآذَنَ بِالرَّحِيلِ فِي أَصْحَابِهِ، فَارْتَحَلَ النَّاسُ، فَمَرَّ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْمَدِينَةِ» ضَيْر مِنْ ضَارَ يَضِيرُ ضَيْرًا، وَيُقَالُ: ضَارَ يَضُورُ ضَوْرًا، وَضَرَّ يَضُرُّ ضَرًّا.

سند حديث: ١٥٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ…

١٥٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ: حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في أشهر الحج، وليالي…

معنى حديث عائشة رضي الله عنها : "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نَذْكُرُ إلا الحج".
أي: من المدينة وكان خروجه صلى الله عليه وسلم يوم السَبت لخمس ليالٍ بَقَيْنَ من ذي القِعدة بعد أن صلى بها الظهر أربع ركعات، ثم سَار إلى ذي الحليفة فَصَلى بها العصر ركعتين.
"لا نَذْكُرُ إلا الحج".
وفي رواية :"لا نَرَى إلا الحج". لكن جاء عنها في حديث آخر صحيح: "فمنَّا من أهَلَّ بِعمرة، ومنَّا من أهَلَّ بحج، وكنت ممن أَهَلَّ بِعمرة"، وعلى هذا يكون قولها رضي الله عنها : "لا نَذْكر إلا الحج"، وقولها: "لا نَرى إلا الحج" لا يخلو من الأحوال التالية:
الحال الأولى: تريد بذلك فريضة الحج من حيث الأصل، لا بيان نوع النُّسك الذي أحرموا به.
الحال الثانية: تريد بذلك عند خروجهم وقبل وصولهم إلى الميقات، والدخول في الإحرام.
الحال الثالثة : تريد بذلك حال غيرها من الصحابة، ولم تقصد نفسها.
"حتى جِئْنَا سَرِف".
يعني: حتى وصلوا موضِعا يُقال له: "سَرِفُ"، وهو مَوضع قريب من مكة.
"فَطَمِثْتُ" يعني: حاضت رضي الله عنها .
"فدخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبْكِي، فقال: «ما يُبْكِيك؟» فقلت: والله، لوَدِدْتُ أنَّي لم أكُن خرجت العَام".
لما حصل معها ما حصل بَكَت رضي الله عنها وتَمَنَّت أنها لم تحج معهم هذه السَّنة؛ ظنا منها أنها لما حاضت قد تنقطع عن أعمال الحج، ويفوتها بذلك الخير.
" قال: «ما لك؟ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟»".
أي: حِضْت .
" قلت: نعم، قال: «هذا شيء كَتَبه الله على بَنَات آدم»".
أي: أن الحيض أمْر مُقَدَّر ومكتوب على بنات آدم، فليس خاصًا بك وليس بيدك؛ فلا داعي للبكاء.
"افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تَطُوفي بالبيت حتى تَطْهُري".
فأخبرها النبي صلى الله عليه وسلم بأن الحيض لا يمنعها من المضي في نسكها، ولا يُخِلُّ بإحرامها، وأنها تفعل ما يفعله الحاج: من الوقوف بعرفة ومنى ومزدلفة ورمي الجماروسائر أفعال الحج غير الطواف، فإنها تمتنع منه حتى تَطْهر من حيضها وتغتسل.
"قالت: فلمَّا قَدمت مكة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه «اجْعَلُوها عُمرة»".
تعني لما قَدِم النبي صلى الله عليه وسلم مكة أمَر من لم يسوقوا الهدي أن يجعلوا إحرامهم عمرة، فمن أحرم بالحج ولم يكن ساق الهدي فإنه يَقْلب إحرامه بالحج عمرة، فيطوف ويسعى ويقصر، ثم هو قد حَلَّ من إحرامه، وفي رواية أخرى لمسلم: "فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يَحِلَّ منَّا من لم يكن معه هدى، قال: فقلنا: حِلُّ ماذا؟ قال: "الحِلُّ كُلُّه".
"قالت: فأحَلَّ الناس إلا من كان معه الهَدْي، قالت: فكان الهَدْي مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وذَوِي اليَسَارَة".
تعني أن من لم يكن معه الهدي حلُّوا من إحرامهم بعد أن طافوا وسعوا وقصروا، وبقي النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما ومن ساق الهدي ممن وسَّعَ الله عليهم بقوا على إحرامهم؛ لأنهم ساقوا الهدي ومن ساق الهدي لم يَجز له فسخ إحرامه إلى عمرة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : "لولا أني سُقْتُ الهَدْي، لفعلت مثل الذي أمَرْتُكم به".
"قالت: ثم أهَلُّوا حين راحُوا".
تعني أن الذين طافوا وسعوا وقصروا، أهلوا بالحج حين راحُوا إلى منى وذلك يوم التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحِجة.
"قالت: فلمَّا كان يوم النَّحر طَهَرْت".
أي: أنها طَهَرت من حيضها يوم النحر، وهو يوم العاشر من ذِي الحِجَّة، سُمي بذلك؛ لنَحر الأضاحي فيه.
"فأمَرَني رسول الله صلى الله عليه وسلم فَأَفَضْتُ".
أي: بعد أن طَهَرت من حيضها رضي الله عنها يوم النَّحر أمَرَها النبي صلى الله عليه وسلم بأداء طواف الإفاضة فَفَعَلت.
"قالت: فَأُتِيَنَا بِلَحم بَقَر، فقلت: ما هذا؟".
يعني: أُرسل لها ولمن معها من النساء لحم بقر، ثم إنها سَألت عنه.
"فقالوا: أَهْدَى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن نِسَائه البَقر".
أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم نَحَر عن كل واحدة من نسائه بقرة.
"فلمَّا كانت ليلة الحَصْبَةِ".
يعني لمَّا كانت ليلة النزول من منى، وهي الليلة التي بعد أيام التشريق وسميت بذلك؛ لأنهم نَفَروا من منى فنزلوا في المُحَصَّب وباتوا به، وفي البخاري : "أن النبي صلى الله عليه وسلم رقَد رقْدَةً في المُحصَّب، ثم ركِبَ إلى البيت فطاف به".
"قلت: يا رسول الله، يرجع الناس بِحَجَّة وعُمرة وأرجع بِحَجَّة؟".
أي يرجعون بحج منفرد وعمرة منفردة؛ لأنهم كانوا متمتعين، وأرجع أنا وليس لي عمرة منفردة؛ لأنها كانت قارنة، والعمرة في القران داخلة في الحج بالنية، وفي رواية لمسلم "أيرجع الناس بأجرين وأرجع بأجر؟"، فهي أرادت أن يكون لها عمرة منفردة عن الحج، كما حصل لسائر أمهات المؤمنين وغيرهن من الصحابة الذين فسخوا الحج إلى العمرة، وأتموا العمرة وتحللوا منها قبل يوم التروية، ثم أحرموا بالحج من مكة يوم التروية، فحصل لهم عمرة منفردة وحجة منفردة، وأما عائشة فإنما حصل لها عمرة مندرجة في حجة بالقران، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم يوم النفر يسعك طوافك لحجك وعمرتك، أي: وقد تما وحسبا لك جميعا، فأبت وأرادت عمرة منفردة كما حصل لباقي الناس.
"قالت: فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر، فَأَرْدَفَنِي على جَمَلِه".
أي : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما بأن يخرج بها إلى التَّنْعِيم؛ لتأتي منه بعمرة، حتى تكون مثل بقية الناس، فأردفَها رضي الله عنه خَلفه كما في رواية مسلم الأخرى.
"قالت: فإني لأذْكُر، وأنا جَارية حَدِيثَةُ السِّن، أَنْعَسُ فيُصِيب وجْهِي مُؤْخِرَة الرَّحْل".
أي: عندما أردفها عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه خلفه، وسار بها إلى التنعيم كانت تَنْعَس حتى أنها رأسها يسقط من شِدَّة النُّعاس، فيضرب في مؤخرة الرَّحْل.
"حتى جِئْنَا إلى التَّنْعِيم، فَأَهْلَلْتُ منها بِعُمْرة؛ جزاء بِعُمْرَة الناس التي اعْتَمَرُوا".
أي لما وصلا إلى التنعيم، أهلت رضي الله عنها بعمرة مستقلة بأعمالها مقام عمرة الناس التي اعتمروها أولا.
وفي رواية في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها بعد أن أدَّت العمرة : "هذه مكان عمرتك" أي: هذه العمرة مكان العمرة التي كنت تريدين حصولها منفردة غير مندرجة مع الحج، فمنعك الحيض من القيام بها.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • مشروعية خروج النساء للحج متى ما توفرت شروطه، ومنها المحرم.
  • جواز السفر يوم السبت، وكانت أكثر أسفاره -صلى الله عليه وسلم- يوم الخميس.
  • جواز استعمال: "لو" إذا لم يترتب عليها محذور شرعي، ويؤكده قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت" الحديث.
  • حرص عائشة -رضي الله عنها- على إكمال الطاعة على أفضل وجه، ولهذا تمنت أنها لم تحج معهم تلك السَّنة، ظنًّا منها أنها لن تكمل نسكها؛ بسبب حيضها.
  • تسمية الحيض نفاساً.
  • أنه ينبغي تَسْلِية المُصَاب بذكر ما كان مثل مُصيبته أو أشد.
  • أن دم الحيض دم طبيعة بخلاف من قال أنه دَم عقوبة عُوقبت به نساء بني إسرائيل، والحديث يرده؛ لأنه قال: "كتبه الله على بنات آدم".
  • أن ما قُدِّر على بَني آدم رجالهم ونِسَائهم لا يمكن تخلُّفه بحال من الأحوال.
  • صحة جميع أعمال الحج من الحائض والنفساء: من الوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، ورمي الجمار، والمبيت بمنى، والسعي بين الصفا والمروة.
  • إدخال الحج على العمرة؛ لأن عائشة -رضي الله عنها- أحرمت بعمرة وعندما حاضَت مُنعت من الطواف لأداء العمرة؛ فأدخلت الحج على العمرة، فصارت قارنة.
  • أن جميع أعمال الحج لا تُشترط لها الطهارة من الحَدَث الأكبر عدا الطواف بالبيت.
  • اشتراط الطهارة من الحدث الأكبر للطواف؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري) فدل ذلك على أن الطهارة شرط لصحة الطواف.
  • لا تشترط الطهارة للإحرام، فيصح أن يحرم الإنسان وهو على غير طهارة، والأفضل أن يكون على طهارة إن أمكن ذلك.
  • أن الحائض ممنوعة من دخول المسجد.
  • قَلْب الإحرام بالحج إلى عمرة؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (اجْعَلُوها عُمرة) وكان ذلك واجبًا على الصحابة -رضي الله عنهم- في ذلك العام.
  • أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان قارنا في حَجَّته.
  • أن أبا بَكر وعمر وجمع من الصحابة -رضي الله عنهم- المَيْسُوِرين منهم قَرَنوا بين الحج والعُمرة.
  • أن الأفضل في حق من كان بمكة أن يُحرم بالحج يوم التروية ولا يُقَدِّمه عليه؛ لقولها -رضي الله عنها-: "أحرموا حين راحُوا"، ورواحهم كان يوم الثامن، وهو يوم التروية.
  • استحباب المُبادرة بطواف الإفاضة يوم النَّحَر.
  • لا حرج في السؤال عمَّا خَفِي أمره؛ لأن عائشة -رضي الله عنها- سألت عن اللحم الذي أرسل لها؛ لجهلها بحاله.
  • جواز إهداء البقر.
  • وجوب الهَدي على القَارن؛ لأن عائشة -رضي الله عنها- حَجَّت قارنة وأهدى عنها -عليه الصلاة والسلام-.
  • لا يلزم الزوج أن يهدي زوجته، وما فعله -صلى الله عليه وسلم- مع نسائه، فهذا من كريم خلقه، وحسن عشرته.
  • نزوله -صلى الله عليه وسلم- المُحَصَّب؛ لكونه أسمح لخروجه، ولا علاقة له بالمناسك إلا من جهة التخفيف على الحجيج.
  • دليل على جواز الإرْدَاف إذا كانت الدَّابة مُطيقة، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بذلك .
  • جواز إردَاف الرجل المرأة إذا كانت من محارمه والخلوة بها.
  • وجوب خروج المكي ومن أخذ حكمه من مكة، إذا أراد أن يحرم بعمرة، فيخرج إلى أدنى الحِل، سواء كان التنعيم أو غيره.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في أشهر الحج، وليالي…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَدَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ يَقْتَضِي أَنَّهُمَا يَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّهُ لَعَلَّهُ أَرَادَ إِبْطَالَ وَهَمِ مَنْ تَوَهَّمَ أَنَّهُ خَالَفَ السُّنَّةَ، حَيْثُ مَنَعَ مِنَ الْفَسْخِ، فَبَيَّنَ أَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ مُتَوَافِقَانِ عَلَى الْأَمْرِ بِالْإِتْمَامِ، وَأَنَّ الْفَسْخَ كَانَ خَاصًّا بِتِلْكَ السَّنَةِ لِإِبْطَالِ اعْتِقَادِ الْجَاهِلِيَّةِ أَنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَصِحُّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، انْتَهَى. وَأَمَّا إِذَا قُلْنَا: كَانَ قَارِنًا عَلَى مَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ، فَالْمُعْتَمَدُ مَا ذَكَرَ النَّوَوِيُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي بَيَانُ اخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ فِي كَيْفِيَّةِ التَّمَتُّعِ فِي بَابِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْإِحْرَامِ الْمُبْهَمِ وَأَنَّ الْمُحْرِمَ بِهِ يَصْرِفُهُ لِمَا شَاءَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَمَحِلُّ ذَلِكَ مَا إِذَا كَانَ الْوَقْتُ قَابِلًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَجَّ لَا يَنْعَقِدُ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ.

٣٣ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:

﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : أَشْهُرُ الْحَجِّ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحَجَّةِ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مِنْ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُحْرِمَ بِالْحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.

وَكَرِهَ عُثْمَانُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ خُرَاسَانَ أَوْ كَرْمَانَ.

١٥٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ، سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَلَيَالِي الْحَجِّ وَحُرُمِ الْحَجِّ، فَنَزَلْنَا بِسَرِفَ. قَالَتْ: فَخَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ مَعَهُ هَدْيٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ فَلَا. قَالَتْ: فَالْآخِذُ بِهَا وَالتَّارِكُ لَهَا مِنْ أَصْحَابِهِ. قَالَتْ: فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ وَرِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَكَانُوا أَهْلَ قُوَّةٍ وَكَانَ مَعَهُمْ الْهَدْيُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الْعُمْرَةِ. قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ يَا هَنْتَاهُ؟ قُلْتُ: سَمِعْتُ قَوْلَكَ لِأَصْحَابِكَ فَمُنِعْتُ الْعُمْرَةَ. قَالَ: وَمَا شَأْنُكِ؟ قُلْتُ: لَا أُصَلِّي. قَالَ: فَلَا يَضِيرُكِ، إِنَّمَا أَنْتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكِ مَا كَتَبَ عَلَيْهِنَّ، فَكُونِي فِي حَجَّتِكِ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَكِيهَا. قَالَتْ: فَخَرَجْنَا فِي حَجَّتِهِ حَتَّى قَدِمْنَا مِنًى فَطَهَرْتُ، ثُمَّ خَرَجْتُ مِنْ مِنًى فَأَفَضْتُ بِالْبَيْتِ. قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجَتْ مَعَهُ فِي النَّفْرِ الْآخِرِ حَتَّى نَزَلَ الْمُحَصَّبَ وَنَزَلْنَا مَعَهُ، فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنْ الْحَرَمِ فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ افْرُغَا ثُمَّ ائْتِيَا هَا هُنَا، فَإِنِّي أَنْظُرُكُمَا حَتَّى تَأْتِيَانِي. قَالَتْ: فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ وَفَرَغْتُ مِنْ الطَّوَافِ، ثُمَّ جِئْتُهُ بِسَحَرَ فَقَالَ: هَلْ فَرَغْتُمْ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَآذَنَ بِالرَّحِيلِ فِي أَصْحَابِهِ، فَارْتَحَلَ النَّاسُ، فَمَرَّ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْمَدِينَةِ. ضَيْرِ: مِنْ ضَارَ يَضِيرُ ضَيْرًا، وَيُقَالُ: ضَارَ يَضُورُ ضَوْرًا، وَضَرَّ يَضُرُّ ضَرًّا.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - فِي الْحَجِّ، وَقَوْلِهِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ

لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾، قَالَ الْعُلَمَاءُ: تَقْدِيرُ قَوْلِهِ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾؛ أَيِ الْحَجُّ حَجُّ أَشْهُرٍ مَعْلُومَاتٍ أَوْ أَشْهُرُ الْحَجِّ أَوْ وَقْتُ الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ. وَقَالَ الْوَاحِدِيُّ: يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ إِضْمَارٍ، وَهُوَ أَنَّ الْأَشْهُرَ جُعِلَتْ نَفْسَ الْحَجِّ اتِّسَاعًا بِكَوْنِ الْحَجِّ يَقَعُ فِيهَا؛ كَقَوْلِهِمْ: لَيْلٌ نَائِمٌ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي الْمُهَذَّبِ: الْمُرَادُ وَقْتُ إِحْرَامِ الْحَجِّ، لِأَنَّ الْحَجَّ لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَشْهُرٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ وَقْتُ الْإِحْرَامِ بِهِ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِأَشْهُرِ الْحَجِّ ثَلَاثَةٌ أَوَّلُهَا شَوَّالٌ، لَكِنِ اخْتَلَفُوا: هَلْ هِيَ ثَلَاثَةٌ بِكَمَالِهَا؟ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَنُقِلَ عَنِ الْإِمْلَاءِ لِلشَّافِعِيِّ. أَوْ شَهْرَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ؛ وَهُوَ قَوْلُ الْبَاقِينَ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا؛ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَآخَرُونَ: عَشْرُ لَيَالٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَهَلْ يَدْخُلُ يَوْمُ النَّحْرِ أَوْ لَا؟ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ: نَعَمْ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمَشْهُورِ الْمُصَحَّحِ عَنْهُ: لَا. وَقَالَ بَعْضُ أَتْبَاعِهِ: تِسْعٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَلَا يَصِحُّ فِي يَوْمِ النَّحْرِ وَلَا فِي لَيْلَتِهِ، وَهُوَ شَاذٌّ.

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيْضًا فِي اعْتِبَارِ هَذِهِ الْأَشْهُرِ؛ هَلْ هُوَ عَلَى الشَّرْطِ أَوِ الِاسْتِحْبَابِ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٌ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ: هُوَ شَرْطٌ، فَلَا يَصِحُّ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ إِلَّا فِيهَا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَسَيَأْتِي اسْتِدْلَالُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِذَلِكَ فِي هَذَا الْبَابِ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْوُقُوفِ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى إِحْرَامِ الصَّلَاةِ، وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ انْقَلَبَ عُمْرَةً تُجْزِئُهُ عَنْ عُمْرَةِ الْفَرْضِ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَلَوْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْوَقْتِ انْقَلَبَ نفلا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ ظَانًّا دُخُولَ الْوَقْتِ، لَا عَالِمًا، فَاخْتَلَفَا مِنْ وَجْهَيْنِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : أَشْهُرُ الْحَجِّ. . . إِلَخْ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ وَرْقَاءَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْهُ قَالَ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾؛ شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ. وَالْإِسْنَادَانِ صَحِيحَانِ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَنِ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ - شَوَّالٍ، أَوْ ذِي الْقَعْدَةِ، أَوْ ذِي الْحِجَّةِ - قَبْلَ الْحَجِّ فَقَدِ اسْتَمْتَعَ، فَلَعَلَّهُ تَجَوَّزَ فِي إِطْلَاقِ ذِي الْحِجَّةِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. . . إِلَخْ) وَصَلَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَاكِمِ، عَنْ مِقْسَمٍ عَنْهُ قَالَ: لَا يُحْرِمُ بِالْحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِنَّ مِنْ سُنَّةِ الْحَجِّ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا يَصْلُحُ أَنْ يُحْرِمَ أَحَدٌ بِالْحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.

قَوْلُهُ: (وَكَرِهَ عُثْمَانُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ خُرَاسَانَ أَوْ كَرْمَانَ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ - هُوَ الْبَصْرِيُّ - أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ أَحْرَمَ مِنْ خُرَاسَانَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ لَامَهُ فِيمَا صَنَعَ وَكَرِهَهُ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: أَحْرَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ مِنْ خُرَاسَانَ فَقَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ، فَلَامَهُ وَقَالَ: غَزَوْتَ وَهَانَ عَلَيْكَ نُسُكُكَ. وَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ سَيَّارٍ فِي تَارِيخِ مَرْوَ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ خُرَاسَانَ قَالَ: لَأَجْعَلَنَّ شُكْرِي لِلَّهِ أَنْ أَخْرُجَ مِنْ مَوْضِعِي هَذَا مُحْرِمًا. فَأَحْرَمَ مِنْ نَيْسَابُورَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ لَامَهُ عَلَى مَا صَنَعَ. وَهَذِهِ أَسَانِيدٌ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا. وَرَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ فِي تَارِيخِهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي السَّنَةِ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا عُثْمَانُ، ومناسبة هَذَا الْأَثَرِ لِلَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ بَيْنَ خُرَاسَانَ وَمَكَّةَ أَكْثَرَ مِنْ مَسَافَةِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَيَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ أَحْرَمَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَكَرِهَ ذَلِكَ عُثْمَانُ، وَإِلَّا فَظَاهِرُهُ يَتَعَلَّقُ بِكَرَاهَةِ الْإِحْرَامِ قَبْلَ الْمِيقَاتِ فَيَكُونُ مِنْ مُتَعَلَّقِ الْمِيقَاتِ الْمَكَانِيِّ لَا الزَّمَانِيِّ.

ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ عُمْرَتِهَا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَشَاهِدُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ قَوْلُهَا:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٥٦٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح المُوحَّدة وتشديد الشِّين المعجمة المُلقَّب ببندارٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو بَكْرٍ) عبد الكبير بن عبد المجيد (الحَنَفِيُّ) قال: (حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ) بهمزةٍ مفتوحةٍ ففاءٍ ساكنةٍ ثمَّ حاءٍ مهملةٍ، و «حُمَيدٍ»: بضمِّ الحاء المهملة وفتح الميم الأنصاريُّ (قَالَ: سَمِعْتُ القَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ) أي: ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ ) أنَّها (قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ وَلَيَالِي الحَجِّ وَحُرُمِ الحَجِّ) بضمِّ الحاء والرَّاء، أي: أزمنته وأمكنته وحالاته، وهذا موضع التَّرجمة، فإنَّه يدلُّ على أنَّه كان مشهورًا عندهم معلومًا، وللأَصيليِّ فيما ذكره الزَّركشيُّ كعياضٍ: «وحرَم الحجِّ» بفتح الرَّاء جمع حرمةٍ، أي: ممنوعات الحجِّ ومُحرَّماته (فَنَزَلْنَا بِسَرِفَ) بفتح السِّين المهملة وكسر الرَّاء آخره فاءٌ غير منصرفٍ للعلميَّة والتَّأنيث: اسم بقعةٍ على عشرة أميالٍ من مكَّة (قَالَتْ) عائشة:

(فَخَرَجَ) من قبَّته التي ضُرِبت له (إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ) لهم: (مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ مَعَهُ هَدْيٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا) أي: حجَّته (عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ) أي: العمرةَ (وَمَنْ كَانَ مَعَهُ الهَدْيُ فَلَا) يفعل، أي: لا يجعلها عمرةً، فحذف الفعل المجزوم بـ «لا» النَّاهية، ولـ «مسلمٍ»: قالت: قدم رسول الله لأربعٍ مضين من ذي الحجَّة أو خمسٍ، فدخل عليَّ وهو غضبان، فقلت: من أغضبك؟ أدخله الله النَّار، قال: «أو ما شَعَُرتِ أنِّي أمرتُ النَّاس بأمرٍ، فإذا هم يتردَّدون».

وفي حديث جابرٍ عند البخاريِّ: فقال لهم: «أَحِلُّوا من إحرامكم، واجعلوا التي قَدِمْتُم بها متعةً» فقالوا: كيف نجعلها متعةً، وقد سمَّينا الحجَّ؟ فقال: «افعلوا ما أقول لكم، فلولا أنِّي سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتُكم، ولكن لا يحلُّ منِّي حرامٌ (١) حتَّى يبلغ الهدي مَحِلَّه» ففعلوا [خ¦١٥٦٨]، قال النَّوويُّ: هذا صريحٌ في أنَّه أمرهم بفسخ الحجِّ إلى العمرة أمر عزيمةٍ وتحتيمٍ بخلاف قوله: «من لم يكن معه هديٌ، فأحبَّ أن يجعلها عمرةً فليفعل» قال العلماء: خيَّرهم أوَّلًا بين الفسخ وعدمه ملاطفةً وإيناسًا لهم (٢) بالعمرة في أشهر الحجِّ لأنَّهم كانوا يرونها من أفجر الفجور، ثمَّ حتَّم عليهم بعد ذلك الفسخَ، وأمرهم أمر عزيمةٍ وألزمهم إيَّاه، وكره تردُّدهم في قبول ذلك، ثمَّ قبلوه وفعلوه إلَّا من كان معه هديٌ.

(قَالَتْ) عائشة : (فَالآخِذُ بِهَا) بمدِّ الهمزة وكسر الخاء المعجمة والرَّفع على الابتداء (وَالتَّارِكُ لَهَا) عُطِفَ على سابقه، والضَّميران للعمرة، وخبرُ المبتدأ قولُها: (مِنْ أَصْحَابِهِ، قَالَتْ: فَأَمَّا رَسُولُ اللهِ وَرِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَكَانُوا أَهْلَ قُوَّةٍ، وَكَانَ مَعَهُمُ الهَدْيُ، فَلَمْ يَقْدِرُوا (٣) عَلَى العُمْرَةِ، قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ وَأَنَا أَبْكِي) جملةٌ حاليَّةٌ (فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ يَا هَنْتَاهْ؟) بفتح الهاء وسكون النُّون والهاء الأخيرة؛ كذا ضبطه (٤) في الفرع كأصله (٥)، ونسبه (٦)

السَّفاقسيُّ لرواية أبي ذرٍّ، وفي أخرى زيادة: فتح النُّون وضمِّ الهاء الأخيرة، والسُّكون فيها هو الأصل لأنَّها للسَّكت، لكنَّهم شبَّهوها بالضَّمائر وأثبتوها في الوصل وضمُّوها، ويُقال في التَّثنية: هنتان، وفي الجمع: هَناتٌ وهَنَوَاتٌ، وفي المُذكَّر: هَنٌ وهَنان وهَنون، ولك أن تلحقها الهاء لبيان الحركة فتقول: يا هَنَهْ، وأن تشبع الحركة فتصير ألفًا، فتقول: يا هناه، وقال الخليل: إذا دعوت امرأةً فكنَّيت عن اسمها قلت: يا هنة، فإذا وصلتها بالألف والهاء وقفت عندها في النِّداء فقلت: ياهنتاه، ولا يقال إلَّا في النداء، قِيلَ: ومعنى «يا هنتاه»: يا بلهاء، كأنَّها نُسِبت إلى قلَّة المعرفة بمكايد النِّساء (١) وشرورهنَّ، أو المعنى: يا هذه.

(قُلْتُ: سَمِعْتُ قَوْلَكَ لأَصْحَابِكَ، فَمُنِعْتُ العُمْرَةَ) أي: أعمالها من الطَّواف والسَّعي، وقد كانت قارنةً (قَالَ: وَمَا شَأْنُكِ؟ قُلْتُ: لَا أُصَلِّي) كَنَّتْ عن الحيض بالحكم الخاصِّ به؛ وهو امتناع الصَّلاة تأدُّبًا منها في الكناية لما في التَّصريح به من إخلالٍ ما بالأدب (٢)، ولهذا -والله أعلم- استمرَّ النِّساء إلى الآن على الكناية عن الحيض بحرمان الصَّلاة، أي: تحريمها، فظهر أثر أدبها في بناتها المؤمنات، قاله ابن المُنيِّر.

(قَالَ) : (فَلَا يَضِيرُكِ) بكسر الضَّاد وتخفيف المُثنَّاة التَّحتيَّة مِنَ الضَّير؛ وهو الضَّرر، قال العينيُّ كالحافظ ابن حجرٍ: وفي رواية غير الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فلا يضرُّك» بتشديد الرَّاء من الضَّرر (إِنَّمَا أَنْتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ كَتَبَ اللهُ عَلَيْكِ مَا كَتَبَ عَلَيْهِنَّ) سلَّاها بذلك وخفَّف همَّها، أي: إنَّك لست مختصَّةً بذلك، بل كلُّ بنات آدم يكون منهنَّ هذا (فَكُونِي فِي حَجَّتِكِ، فَعَسَى اللهُ أَنْ يَرْزُقَكِيهَا) مُفرِدةً كذا في «اليونينيَّة» وغيرها (٣) بياءٍ متولِّدةٍ من إشباع

كسرة الكاف، وهي في لسان المصريِّين (١) شائعةٌ (٢)، قاله في «المصابيح»، وفي البرماويِّ -كالكِرمانيِّ-: «يرزقكها» بغير ياءٍ، قالا: وفي بعضها: بإشباع كسرة الكاف ياءً، والضَّمير للعمرة.

(قَالَتْ: فَخَرَجْنَا فِي حَجَّتِهِ حَتَّى قَدِمْنَا مِنًى فَطَهَرْتُ) بالطَّاء المهملة (٣) وفتح الهاء، يوم السَّبت وهو يوم النَّحر في حجَّة الوداع، وكان ابتداء حيضها يوم السَّبت أيضًا لثلاثٍ خلون من ذي الحجَّة (ثُمَّ خَرَجْتُ مِنْ مِنًى، فَأَفَضْتُ بِالبَيْتِ) أي: طفت به طواف الإفاضة (قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجَْتُْ) بسكون الجيم وضمِّ التَّاء، وفي «اليونينيَّة»: بفتح الجيم وسكون التَّاء لا غير (٤) (مَعَهُ) (فِي النَّفْرِ الآخِرِ) بإسكان الفاء: القوم ينفرون من منًى، و «الآخِر»: بكسر الخاء، وهو في اليوم الثَّالث عشر من ذي الحجَّة، وأمَّا النَّفر الأوَّل ففي ثاني عشره (حَتَّى نَزَلَ) (المُحَصَّبَ) بضمِّ الميم وفتح الحاء والصَّاد المُشدَّدة المهملتين آخره مُوحَّدةٌ: موضعٌ متَّسعٌ بين مكَّة ومنًى، وسُمِّي به لاجتماع الحصباء (٥) فيه بحمل السَّيل لانهباطه، وهو الأبطح والبطحاء وخَيْفُ بني كنانة، وهو ما بين الجبلين إلى المقابر وليست المقابر منه، وفرَّق المحبُّ الطَّبريُّ بين الأبطح والبطحاء من حيث التَّذكير والتَّأنيث لا من حيث المكان، فقال: والأبطح: مسيلٌ واسعٌ فيه دقاق الحصى، فإذا أردت الوادي قلت: الأبطح، وإذا أردت البقعة قلت: البطحاء (وَنَزَلْنَا مَعَهُ) فيه (فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (فَقَالَ: اخْرُجْ) بضمِّ الرَّاء (بِأُخْتِكَ) عائشة (مِنَ الحَرَمِ) إلى أدنى الحلِّ لتجمع في النُّسك بين أرض الحلِّ والحرم كما يجمع الحاجُّ بينهما (فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ) أي: مكان العمرة التي كانت تريد حصولها منفردةً غير مندرجةٍ فمنعها الحيض منها، وقوله: «فلْتُهلَّ» بسكون اللَّام وضمِّ التَّاء من الإهلال وهو

الإحرام (ثُمَّ افْرُغَا) من العمرة، وظاهره: أنَّ عبد الرَّحمن اعتمر مع أخته (ثُمَّ ائْتِيَا هَهُنَا) أي: المُحصَّب (فَإِنِّي أَنْظُرُكُمَا) بضمِّ الظَّاء المعجمة؛ بمعنى رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «أنتظركما» بزيادة مُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ من الانتظار كما في قوله تعالى: ﴿انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] (حَتَّى تَأْتِيَانِي) وفي بعض الأصول: «تأتيانِ» بحذف الياء تخفيفًا وتخفيف النُّون وكسرة النُّون تدلُّ (١) على المحذوف (قَالَتْ: فَخَرَجْنَا) إلى التَّنعيم فأحرمنا بالعمرة (حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ) منها (وَفَرَغْتُ) أيضًا (مِنَ الطَّوَافِ) للوداع، وحُذِف ذلك للعلم به، فكلُّ واحدٍ من اللَّفظين مُسلَّطٌ على غير ما تسلَّط عليه الآخر، وهذا يردُّ على من زعم أنَّ الرَّاوي حرَّف (٢) اللَّفظ أو غلط فيه، وأنَّ الأصل: فرغت وفَرَغَ بلفظ الغائب؛ تعني: عائشة أخاها بدليل ما في أوَّل الحديث: «افرغا»، وما في آخره: «هل فرغتم؟» وأُجيب بأنَّه ليس الذي في أوَّله وآخره موجبًا لأن نقول: فرغت وفرغ، بل إنَّما عبَّرت عن حالها لا عن حاله، لكن قال الكِرمانيُّ -وتبعه البرماويُّ والعينيُّ-: إنَّه في بعضها: «فرغ» بلفظ الغائب، والله أعلم.

(ثُمَّ جِئْتُهُ بِسَحَرَ) قبيل الفجر الصَّادق، قال الزَّركشيُّ وغيره: بفتح الرَّاء، أي: من ذلك اليوم، فلا ينصرف للعلميَّة والعدل؛ نحو: جئته يوم الجمعة سَحَرَ. انتهى. قال في «المصابيح»: حكى الرَّضِيُّ خلافًا في صرفه مع إرادة التَّعيين لكن حكى أنَّ القول المشهور كونه غير منصرفٍ، وتحقيق العدل فيه هو أنَّ كل لفظِ جنسٍ أُطلِق وأُريد فردٌ مُعيَّنٌ من أفراده فلا بدَّ فيه من لام العهد، سواءٌ صار علمًا بالغلبة كالصَّعق والنَّجم، أو لا نحو: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦] أخذًا من استقراء لغتهم، فثبت في «سَحَرَ» بذلك عدلٌ مُحقَّقٌ، وقال أبو حيَّان: تعيينه أن يُراد من يومٍ بعينه، سواءٌ ذكرتَ ذلك اليومَ معه كجئتُك يوم الجمعة سحرَ، أو لم تذكره كجئتك سحرَ، وأنت تريد ذلك من يومٍ بعينه، وسواءٌ عرَّفْتَ ذلك اليوم -كما مرَّ- أو نكَّرته نحو: جئتك يومًا سحرَ (فَقَالَ) لهما ومن معهما ممَّن اعتمر: (هَلْ فَرَغْتُم) من العمرة؟ أو قال لهما فقط على قول: إنَّ أقلَّ الجمع اثنان،

قالت عائشة: (فَقُلْتُ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «قلت»: (نَعَمْ) فرغنا منها (فَآذَنَ) بهمزةٍ ممدودةٍ فذالٍ معجمةٍ مفتوحةٍ مُخفَّفةٍ فنونٍ، أي: أعلمَ (بِالرَّحِيلِ فِي أَصْحَابِهِ) وقِيلَ: أذَّن بتشديد الذَّال (١) من غير مدٍّ (فَارْتَحَلَ النَّاسُ فَمَرَّ) (٢) حال كونه (مُتَوَجِّهًا إِلَى المَدِينَةِ) ولمَّا كان في قوله: «لا يضيرك» روايتان هذه والثَّانية (٣): «فلا يضرُّك» أشار بقوله: (ضَيْرُ) الأجوف اليائيُّ إلى أنَّ مصدر «لايضيرك»: ضَيْرٌ، وأشار إلى أنَّ فيه لغتين: إحداهما أن يكون (مِنْ ضَارَ يَضِيرُ ضَيْرًا) من باب: باع يبيع بيعًا، وأشار إلى الثَّانية بقوله: (وَيُقَالُ: ضَارَ يَضُورُ ضَوْرًا) من باب: قال يقول قولًا، وأشار إلى الرِّواية الثانية بقوله: (وَضَرَّ يَضُرُّ ضَرًّا) بفتح العين في الماضي وضمِّها في المستقبل، وهذه الجملة من قوله: «ضير .... » إلى آخره ساقطةٌ في رواية أبي ذرٍّ.

وفي حديث الباب: التَّحديثُ والعنعنة والسَّماع والقول، ورواته الأوَّلان بصريَّان والأخيران مدنيَّان، وأخرجه البخاريُّ أيضًا ومسلمٌ في «الحج» [خ¦١٧٨٨]، وكذا النَّسائيُّ.

(٣٤) (بَابُ التَّمَتُّعِ) وهو «تَفَعُّلٌ» مِنَ المتاع، وهو المنفعة (٤) وما تمتَّعت به، يُقال: تمتَّعت بكذا واستمتعت به بمعنًى، والاسم منه المتعة؛ وهي (٥): أن يُحْرِم من على مسافة القصر من حرم مكَّة بعمرةٍ أوَّلًا من ميقات بلده في أشهر الحجِّ، ثمَّ يفرغ منها وينشئ حجًّا من مكَّة من عامها، ولم يَعُدْ لميقاتٍ من المواقيت ولا لمثله مسافةً، وسُمِّي تمتُّعًا لتمتُّع صاحبه بمحظورات الإحرام بينهما، وخرج بالقيود المذكورة: ما لو أحرم بالحجِّ أوَّلًا لقوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]

وما لو أحرم بالعمرة في غير أشهر الحجِّ وإن وقع أعمالها في أشهره لأنَّه لم يجمع بينهما في وقت الحجِّ (١)، فأشبه المفرد، وما لو أحرم في أشهر الحجِّ من الحرم، أو من دون مسافة القصر لأنَّه من حاضري المسجد الحرام، وقد قال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وما لو أحرم بها من مسافة القصر فأكثر من الحرم، ولم يحجَّ من عامها أو حجَّ من عامها، وعاد قبل إحرامه به أو بعده وقبل التَّلبُّس بنسكٍ إلى ميقاتٍ أو مثله مسافةً ولو أقرب ممَّا أحرم به بالعمرة، وهذه القيود المذكورة إنَّما هي قيودٌ للتَّمتُّع الموجب للدَّم، لا في صدق اسم التَّمتُّع.

(وَالإِقْرَانِ) أن يجمع بينهما في إحرامه فتندرج أفعال العمرة في أفعال الحجِّ، أو يحرم بالعمرة ثمَّ يدخل عليها الحجَّ قبل الشُّروع (٢) في الطَّواف، فلو أحرم بالحجِّ أوَّلًا ثمَّ أدخل عليه العمرة لم يصحَّ على أصحِّ قولي الشَّافعيِّ لأنَّه لا يستفيد به شيئًا، بخلاف إدخاله الحجَّ على العمرة يستفيد به الوقوف والرَّمي والمبيت، ولأنَّه (٣) يمتنع إدخال الضعيف على القويِّ، نعم صحَّح الإمام البلقينيُّ في «التَّدريب» القول الآخر، وجعله من أنواع (٤) القِرَان، فقال: والمختار جوازه لصحَّة ذلك من فعله ، وقد قال: «خذوا مناسككم عنِّي»، قال: ثمَّ يمتدُّ الجواز ما لم يَشْرَع في طواف القدوم على الأرجح. انتهى. وقوله: «الإِقْران» كذا في رواية أبي ذرٍّ بالهمزة المكسورة قبل القاف السَّاكنة، قال القاضي عياضٌ: وهو خطأٌ من حيث اللُّغة، وقال السَّفاقسيُّ: الإقران غير ظاهرٍ لأنَّ فعله ثلاثيٌّ، وصوابه: قَرَنَ، قال في «التَّنقيح»: لم يُسمَع في الحجِّ أَقْرَنَ ولا قَرَنٌ في المصدر منه، وإنَّما هو «قِرَانٌ» مصدر «قَرَنَ» بين الحجِّ والعمرة إذا جمع بينهما، قال (٥) في «المصابيح»: أراد تخطئة البخاريِّ لقصد (٦) المشاكلة بين الإقران

والإفراد؛ نحو: «ارجعن مأزوراتٍ غيرَ مأجوراتٍ». انتهى. ولأبي الوقت: «والقِران» (وَالإِفْرَادِ بِالحَجِّ) بأن يحجَّ ثمَّ يعتمر، أو يحرم بعمرةٍ في غير أشهر الحجِّ، أو فيها على دون مسافة القصر من الحرم، أو على مسافته منه ولم يحجَّ عام العمرة، أو يحجَّ عامها ويعود إلى ميقاتٍ، نعم ما سوى الأولى تمتُّعٌ لكن لا يوجب دمًا (وَفَسْخِ الحَجِّ) إلى العمرة، أي: قلبه عمرةً بأن يحرم به، ثمَّ يتحلَّل منه بعمل عمرةٍ (١) فيصير متمتِّعًا (لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ) وجوَّزه أحمد وطائفةٌ من أهل الظَّاهر، وقال مالكٌ والشَّافعيُّ وأبو حنيفة وجماهير العلماء من السَّلف والخلف: إنَّه خاصٌّ بالصَّحابة وبتلك السَّنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهليَّة من تحريم العمرة في أشهر الحجِّ، واعتقادهم أنَّ إيقاعها فيه من أفجر الفجور، ودليل التَّخصيص حديث الحارث بن بلالٍ عن أبيه المرويِّ عند أبي داود والنَّسائيِّ وابن ماجه قال: قلت: يا رسول الله، أرأيتَ فسخ الحجِّ إلى العمرة لنا خاصَّةً أم للنَّاس عامَّةً؟ فقال: «بل لكم خاصَّةً»، وأجاب القائلون بالأوَّل بأنَّ حديث الحارث بن بلالٍ ضعيفٌ، فإنَّ الدَّارقطنيَّ قال: إنَّه تفرَّد به عبد العزيز بن محمَّدٍ الدَّراورديُّ عنه، وقال أحمد: إنَّه لا يثبت، ولا نرويه عن الدَّراورديِّ، ولا يصحُّ حديثٌ في الفسخ أنَّه كان لهم خاصَّةً، وساق (٢) في «البخاريِّ» [خ¦١٥٦٣]: قال: شهدت عثمان وعليًّا وعثمان ينهى عن المتعة، أي: عن فسخ الحجِّ إلى العمرة لأنَّه كان مخصوصًا بتلك السَّنة (٣)، وقال مرَّةً: حديث بلالٍ لا أقول به، لا نعرف هذا الرَّجل ولم يروه

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

ضَيْرَ مِنْ ضارَ يَضِيرُ ضَيْرا ويُقَالُ ضار يَضُورُ ضَوْرا وضَرَّ يَضُرُّ ضَرَّا

لما كَانَت رِوَايَتَانِ فِي قَوْله: (فَلَا يضيرك) إِحْدَاهمَا: (فَلَا يضيرك) وَالْأُخْرَى: (فَلَا يَضرك) أَشَارَ بقوله: (ضير) بالأجوف اليائي إِلَى أَن مصدر: لَا يضيرك، ضير وَأَشَارَ إِلَى أَن فِيهِ لغتين إِحْدَاهمَا: (ضار يضير) من: بَاب بَاعَ يَبِيع، وَالْأُخْرَى: ضار يضور) من بَاب، قَالَ يَقُول، وَأَشَارَ إِلَى الرِّوَايَة الثَّانِيَة بقوله: (وضر يضر ضرا) من: بَاب فعل يفعل، بِفَتْح الْعين فِي الْمَاضِي، وَضمّهَا فِي الْمُسْتَقْبل، وضرا مصدره بِضَم الضَّاد، وَيَجِيء أَيْضا مصدره ضَرَرا بِفتْحَتَيْنِ. وَفِي (الْمطَالع) : الضَّرَر والضير والضر والضر والضرار كل ذَلِك بِمَعْنى قلت: وَفِي الحَدِيث: (لَا ضَرَر وَلَا ضرار) ، فعلى مَا ذكره يكون هَذَا للتَّأْكِيد، وَفرق بَعضهم بَينهمَا فَقَالَ: الضَّرَر وَمَا تضر بِهِ صَاحبك مِمَّا تنْتَفع أَنْت بِهِ، والضرار أَن تضره من غير أَن تَنْفَع نَفسك، وَمَتى قرن بالنفع لم يكن فِيهِ إلَاّ الضّر والضر لَا ضير.

٤٣ - (بابُ التَّمَتُّعِ وَالإقْرَانِ وَالإفرَادِ بِالحَجِّ وفَسْخِ الحَجِّ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التَّمَتُّع، وَهُوَ أَن يحرم بِالْعُمْرَةِ فِي أشهر الْحَج، ثمَّ بعد الْفَرَاغ مِنْهَا يحرم بِالْحَجِّ فِي تِلْكَ السّنة. قَوْله: (والإقران) ، بِكَسْر الْهمزَة من أقرن بَين الْعمرَة وَالْحج، وَهُوَ أَن يحرم بهما بِأَن يَقُول: لبيْك بِعُمْرَة وَحجَّة مَعًا، وَهَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر، يَعْنِي بِكَسْر الْهمزَة فِي أَوله، قَالَ عِيَاض: وَهُوَ خطأ من حَيْثُ اللُّغَة. وَفِي (الْمطَالع) : الْقرن فِي الْحَج جمعه بَين الْحَج وَالْعمْرَة فِي الْإِحْرَام، يُقَال مِنْهُ: قرن، وَلَا يُقَال: أقرن. قلت: رُوِيَ عَنهُ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَنه نهى عَن الْقرَان إلَاّ أَن يسْتَأْذن أحدكُم صَاحبه. قَالَ ابْن الْأَثِير: ويروى عَن الإقران فَإِذا روى الإقران فِي كَلَام الفصيح كَيفَ يُقَال إِنَّه غلط؟ وَكَيف يُقَال يُقَال مِنْهُ: قرن، وَلَا يُقَال: أقرن؟ فالقران من الثلاثي والإقران من الْمَزِيد، من قرن يقرن من: بَاب ضرب يضْرب، قَالَه ابْن التِّين: وَفِي (الْمُحكم) و (الصِّحَاح) من: بَاب نصر ينصر. قَوْله: (والإفراد بِالْحَجِّ) ، وَهُوَ الْإِحْرَام بِالْحَجِّ وَحده. قَوْله: (وَفسخ الْحَج) هُوَ أَن يحرم بِالْحَجِّ ثمَّ يتَحَلَّل مِنْهُ بِعَمَل عمْرَة فَيصير مُتَمَتِّعا، أما الْقرَان والإفراد بِالْحَجِّ فَلَا خلاف فِي جوازهما، وَأما فسخ الْحَج فَفِي جَوَازه خلاف، وَقَالَ بَعضهم: وَظَاهر تصرف المُصَنّف إِجَازَته، فَإِن تَقْدِير التَّرْجَمَة: بَاب مَشْرُوعِيَّة التَّمَتُّع ... إِلَى آخِره. قلت: لَا نسلم هَذَا التَّقْدِير، بل الظَّاهِر أَن التَّقْدِير فِي بَيَان التَّمَتُّع. . إِلَى آخِره، وَهُوَ أَعم مِمَّا ذكره قَوْله: (لمن لم يكن مَعَه هدي) ، قيد بِهِ لِأَن من سَاق الْهَدْي مَعَه لَا يجوز لَهُ فسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة.

١٦٥١ - حدَّثنا عُثْمَانُ قَالَ حدَّثنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ إبْرَاهِيمَ عَنِ الأسْوَدِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ خَرَجْنَا مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا نُرَي إلَاّ أنَّهُ الحَج فَلَمَّا قَدِمْنَا تَطَوَّفْنَا بِالْبَيْتِ فأمرَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَنْ لَمْ يَكُنْ ساقَ الهَدْيَ أنْ يُحِلَّ فَحَلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ ساقَ الهَدْيَ وَنِسَاؤُهُ لَمْ يَسُقْنَ فأحْلَلْنَ قالَتْ عائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا فَحِضْتُ فَلَمْ أطُفْ بِالبَيْتِ فَلَمَّا كانَتْ لَيْلَةُ الحَصْبَةِ قالَتْ يَا رسولَ الله يَرْجِعُ النَّاسُ بِعُمْرَةٍ وحَجَّةٍ وأرْجِعُ أَنا بِحَجَّةٍ قَالَ وَما طُفْتُ لَيَالي قَدِمْنَا مَكَّةَ قُلْتُ لَا قَالَ فاذْهَبِي مَعَ أخِيكِ إلَى التَّنْعِيمِ فأهِلِّي بِعُمْرَةٍ ثُمَّ مَوْعِدُكِ كذَا وكَذَا قالَتْ صَفِيَّةُ مَا أُرَانِي إلَاّ حابَسْتَهُمْ قَالَ عَقْرَى حَلُقَى أوْ مَا طُفْتُ يَوْمَ النَّحْرِ قالَتْ قُلْتُ بَلَى قَالَ لَا بَأسَ انْفِرِي قالَتْ عائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا فَلَقِيَنِي النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهْوَ مُصْعِدٌ مِنْ مَكَّةَ وَأنَا منْهَبِطَةٌ عَلَيْهَا أوْ أنَا مُصْعِدَةٌ وَهْوَ مُنْهَبِطٌ مِنْهَا..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي الْجُزْء الْأَخير مِنْهَا، وَهُوَ قَوْله: (وَفسخ الْحَج لمن لم يكن مَعَه هدي) فِي قَوْله: (فَأمر النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم،

من لم يكن سَاق الْهَدْي أَن يحل) أَي: من الْحَج إِلَى الْعمرَة، وَهَذَا هُوَ فسخ الْحَج.

وَرِجَاله قد ذكرُوا فِي: بَاب من سَأَلَ، فِي كتاب الْعلم، وَعُثْمَان هُوَ ابْن أبي شيبَة، وَجَرِير، بِفَتْح الْجِيم: ابْن عبد الحميد، وَمَنْصُور بن الْمُعْتَمِر، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَالْأسود بن يزِيد خَال إِبْرَاهِيم وَكلهمْ كوفيون.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن أبي النُّعْمَان عَن أبي عوَانَة عَن جرير، وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن زُهَيْر بن حَرْب وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، كِلَاهُمَا عَن جرير بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن قدامَة عَن جرير بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (خرجنَا مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، وَكَانَ خُرُوجهمْ فِي أشهر الْحَج كَمَا قد بَينه فِي الحَدِيث الَّذِي مضى فِي الْبَاب السَّابِق. قَوْله: (وَلَا نرى) ، بِضَم النُّون أَي: وَلَا نظن، وَقَالَ ابْن التِّين: ضَبطه بَعضهم بِفَتْح النُّون وَبَعْضهمْ بضَمهَا، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: كَانَ هَذَا قبل أَن يعلمن بِأَحْكَام الْإِحْرَام وأنواعه، وَقيل: يحْتَمل أَن ذَلِك كَانَ اعتقادها من قبل أَن تهل ثمَّ أهلت بِعُمْرَة، وَيحْتَمل أَن تُرِيدُ بقولِهَا: لَا نرى حِكَايَة عَن فعل غَيرهَا من الصَّحَابَة، وهم كَانُوا لَا يعْرفُونَ غَيره، وَزعم عِيَاض أَنَّهَا كَانَت أَحرمت بِالْحَجِّ ثمَّ أَحرمت بِالْعُمْرَةِ، ثمَّ أَحرمت بِالْحَجِّ، وَيدل على أَن المُرَاد بقولِهَا: لَا نرى إلَاّ الْحَج، من فعل غَيرهَا، قَوْله: (فَلَمَّا قدمنَا تطوفنا بِالْبَيْتِ) ، تَعْنِي بذلك: النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالنَّاس غَيرهَا لِأَنَّهَا لم تطف بِالْبَيْتِ فِي ذَلِك الْوَقْت لأجل حَيْضهَا، وَفِي رِوَايَة أبي الْأسود عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة: (خرجنَا مَعَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مهلين بِالْحَجِّ) وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق الْقَاسِم عَنْهَا: (لَا تذكر إلَاّ الْحَج) وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ أَيْضا كَذَلِك، وَقد مَضَت فِي كتاب الْحيض، وَله أَيْضا من هَذَا الْوَجْه: (لبينا بِالْحَجِّ) ، وَظَاهر هَذَا يَقْتَضِي أَن عَائِشَة كَانَت مَعَ الصَّحَابَة أَولا محرمين بِالْحَجِّ، لَكِن فِي رِوَايَة عُرْوَة عَنْهَا هُنَا: (فمنا من أهل بِعُمْرَة، وَمنا من أهل بِحَجّ وَعمرَة، وَمنا من أهل بِالْحَجِّ) . فَإِن قلت: مَا وَجه هَذَا؟ قلت: يحمل الأول على أَنَّهَا ذكرت مَا كَانُوا يعهدونه من ترك الاعتمار فِي أشهر الْحَج فَيخْرجُونَ لَا يعْرفُونَ إلَاّ الْحَج، قَالَت: مهلين بِالْحَجِّ، وَلَا نرى إلَاّ أَنه الْحَج، ثمَّ بَين لَهُم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وُجُوه الْإِحْرَام وَجوز لَهُم الاعتمار فِي أشهر الْحَج. فَإِن قلت: قد مر فِي كتاب الْحيض أَنَّهَا قَالَت: أَهلَلْت مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حجَّة الْوَدَاع، فَكنت فِيمَن تمنع وَلم يسق الْهَدْي؟ قلت: الْجَواب عَنهُ مَا قَالَه عِيَاض الَّذِي قد ذَكرْنَاهُ آنِفا، وَكَذَلِكَ الْجَواب عَن قَوْلهَا: وَكنت مِمَّن أهل بِعُمْرَة، وَقد مضى فِي كتاب الْحيض، وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي، وَادّعى إِسْمَاعِيل القَاضِي وَغَيره أَن هَذَا غلط من عُرْوَة وَأَن الصَّوَاب رِوَايَة الْأسود وَالقَاسِم وَعُرْوَة عَنْهَا أَنَّهَا أهلت بِالْحَجِّ مُفردا، ورد عَلَيْهِ بِأَن قَول عُرْوَة صَرِيح أَنَّهَا أهلت بِعُمْرَة، وَقَول الْأسود وَغَيره عَنْهَا: لَا نرى إلَاّ الْحَج، فَلَيْسَ بِصَرِيح فِي إهلالها بِحَجّ مُفْرد، فالجمع بَينهمَا بِمَا ذَكرْنَاهُ، فَلَا يحْتَاج إِلَى تغليط عُرْوَة وَهُوَ أعلم النَّاس بحديثها. قَوْله: (أَن يحل أَي: بِأَن يحل من الْحَج، وَهُوَ بِضَم الْيَاء من الْإِحْلَال، وَهُوَ الْخُرُوج من الْإِحْرَام، قَالَ الْكرْمَانِي: ويروى بِأَن يحل، بِفَتْح الْيَاء أَي: يصير حَلَالا، وَالْأول يُنَاسب قَوْلهَا: فأحللن، وَالثَّانِي: يُنَاسب قَوْلهَا: فَحل فَإِن قلت: قَوْله: (فَأمر النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) الْفَاء فِيهِ تَقْتَضِي التعقيب، فتدل على أَن الْأَمر كَانَ بعد الطّواف مَعَ أَنه قد سبق الْأَمر بِهَذَا؟ قلت: أجَاب الْكرْمَانِي أَنه قَالَ مرَّتَيْنِ: قبل الْقدوم وَبعده، فَالثَّانِي تكْرَار للْأولِ وتأكيد لَهُ. قَوْله: ونساؤه لم يسقن) أَي: نسَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يسقن الْهَدْي، فَلذَلِك أحللن قَوْله: (فَلم أطف) قَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا منَاف لقَوْله: (تطوفنا) ، ثمَّ أجَاب بقوله: المُرَاد بِلَفْظ الْجمع الصَّحَابَة، وَهَذَا تَخْصِيص لذَلِك الْعَام. قلت: قد ذكرنَا أَنَّهَا تَعْنِي النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَصْحَابه، لِأَنَّهَا لم تطف وَلم تدخل نَفسهَا فيهم، فَكيف يكون تَخْصِيصًا لذَلِك الْعَام؟ ثمَّ قَالَ أَيْضا: فَكيف صَحَّ حَجهَا بِدُونِ الطّواف؟ فَأجَاب بِأَنَّهُ لَيْسَ المُرَاد طواف ركن الْحَج، بِدَلِيل قَوْلهَا فِي حَدِيث الْبَاب السَّابِق: (ثمَّ خرجت من منى فأفضت بِالْبَيْتِ) . قَوْله: (لَيْلَة الحصبة) أَي: اللَّيْلَة الَّتِي بعد ليَالِي التَّشْرِيق الَّتِي ينزل الْحجَّاج فِيهَا فِي المحصب، وَالْمَشْهُور فِي الحصبة سُكُون الصَّاد، وَجَاء فتحهَا وَكسرهَا، وَهِي أَرض ذَات حَصى. قَوْله: (وأرجع أَنا بِحجَّة) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (وأرجع لي بِحجَّة) ، قَالَ الْكرْمَانِي: فَمَا قَول من قَالَ: إِنَّهَا كَانَت قارنة؟ فَأجَاب بقوله: إِنَّهُم يرجعُونَ بِحَجّ مُنْفَرد وارجع لَيْسَ لي عمْرَة مُنْفَرِدَة؟ قَوْله: (قَالَت صَفِيَّة) هِيَ أم الْمُؤمنِينَ، سبقت فِي: بَاب الْمَرْأَة تحيض بعد الْإِفَاضَة. قَوْله: (مَا أَرَانِي) أَي: مَا أَظن نَفسِي إلَاّ حابسة الْقَوْم عَن التَّوَجُّه إِلَى الْمَدِينَة، لِأَنِّي حِضْت وَمَا طفت بِالْبَيْتِ، فلعلهم بسببي

يتوقفون إِلَى زمَان طوافي بعد الطَّهَارَة، وَإسْنَاد الْحَبْس إِلَيْهَا على سَبِيل الْمجَاز. قَوْله: (عقري حلقي) قَالَ أَبُو عبيد: مَعْنَاهُ عقرهَا الله وأصابها وجع فِي حلقها، هَذَا على مَا يرويهِ المحدثون، وَالصَّوَاب: عقرا وحلقا أَي: مصدرين بِالتَّنْوِينِ فيهمَا، وَقيل لَهُ لِمَ لَا يجوز: فعلى؟ قَالَ: لِأَن: فعلى، يَجِيء نعتا، وَلم يَجِيء فِي الدُّعَاء، وَهَذَا دُعَاء. وَقَالَ صَاحب (الْمُحكم) : مَعْنَاهُ عقرهَا الله وَحلق شعرهَا أَو أَصَابَهَا فِي حلقها بالوجع، فعقرى هَهُنَا مصدر كدعوى، وَقيل: مَعْنَاهُ تعقر قَومهَا وتحلقهم بشؤمها، وَهُوَ جمع عقير، وَهُوَ مثل: جريح وجرحى لفظا وَمعنى. وَقيل: عقرى عَاقِر لَا تَلد، وحلقى أَي مشؤمة. قَالَ الْأَصْمَعِي: يُقَال: أَصبَحت أمه حالقا أَي ثاكلاً، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وعَلى الْأَقْوَال كلهَا هِيَ كلمة اتسعت فِيهَا الْعَرَب فَصَارَت تلفظها وَلَا تُرِيدُ بهَا حَقِيقَة مَعْنَاهَا الَّتِي وضعت لَهُ: كتربت يَدَاهُ، وقاتله الله. قَالَ: إِن الْمُحدثين يَرْوُونَهُ بِالْألف الَّتِي هِيَ ألف التَّأْنِيث، ويكتبونه بِالْيَاءِ، وَلَا ينونونه. وَقيل: مَعْنَاهُ مشؤمة مؤذية. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: يُقَال ذَلِك لأمر يعجب مِنْهُ، وَيُقَال: إمرأة حالق إِذا حلقت قَومهَا بشؤمها. وَقَالَ الدَّاودِيّ: يُرِيد: أَنْت طَوِيلَة اللِّسَان لما كَلمته بِمَا يكره، وَهُوَ مَأْخُوذ من الْحلق الَّذِي يخرج مِنْهُ الْكَلَام. قَوْله: (انفري) ، بِكَسْر الْفَاء أَي: ارجعي واذهبي، إِذْ لَا حَاجَة لَك إِلَى طواف الْوَدَاع لِأَنَّهُ سَاقِط عَن الْحَائِض. قَوْله: (فلقيني النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) إِلَى آخِره الْوَاو فِي قَوْله: (وَهُوَ مصعد) للْحَال، وَكَذَا الْوَاو فِي قَوْله: (وَأَنا منهبطة) ، إِنَّمَا حكت الْأَمر على وَجهه، وَشك الْمُحدث أَي الْكَلِمَتَيْنِ قَالَت، وَإِنَّمَا لقيها وَهُوَ يُرِيد المحصب وَهُوَ يهْبط إِلَى مَكَّة، والمصعد فِي اللُّغَة المبتدىء فِي السّير، والصاعد الراقي إِلَى الْأَعْلَى من الْأَسْفَل.

ذكر فَوَائِد فِيهِ: ذكر الْحَج والتمتع، فالحج إِذا ذكر مُطلقًا يتَنَاوَل الْمُفْرد وَغَيره من التَّمَتُّع وَالْقُرْآن، والتمتع الْجمع بَين الْحَج وَالْعمْرَة، يتَحَلَّل بَينهمَا إِن لم يكن سائقا للهدي. قَالَ ابْن سَيّده: الْمُتْعَة ضم الْعمرَة إِلَى الْحَج، وَقد تمتّع واستمتع، وَقَالَ الْقَزاز فِي (جَامعه) : الْمُتْعَة هُوَ أَن يدْخل الرجل مَكَّة فِي أشهر الْحَج بِعُمْرَة، ثمَّ يُقيم فِيهَا حَتَّى يحجّ وَقد خرج من إِحْرَامه، وتمتع بِالنسَاء وَالطّيب. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: التَّمَتُّع الترفق بأَدَاء النُّسُكَيْنِ على وَجه الصِّحَّة فِي سفرة وَاحِدَة من غير أَن يلم بأَهْله إلماما صَحِيحا، وَلِهَذَا لم يتَحَقَّق من الْمَكِّيّ، وَقيل: سمي تمتعا لأَنهم يتمتعون بِالنسَاء وَالطّيب بَين الْعمرَة وَالْحج، قَالَه عَطاء وَآخَرُونَ، والمحرمون عشرَة: مُفْرد بِالْحَجِّ. مُفْرد بِالْعُمْرَةِ. قَارن متمتع. مُطلق. مُتَطَوّع بِحَجّ: مُتَطَوّع بِعُمْرَة. مُتَطَوّع بقران. متمتع. مُطلق. مُعَلّق يَعْنِي: كإحرام فلَان، وَالْكل جَائِز عِنْد أهل الْعلم كَافَّة إلَاّ مَا رُوِيَ عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر وَعُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّهُمَا كَانَا ينهيان عَن التَّمَتُّع، وَقيل: كَانَ نهي تَنْزِيه، وَقيل: إِنَّمَا نهينَا عَن فسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة، لِأَن ذَلِك كَانَ خَاصّا بالصحابة، وَذهب أَحْمد إِلَى جَوَاز فسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة، وَقد استقصينا الْكَلَام فِي الْأَفْضَل من الْإِفْرَاد والتمتع وَالْقرَان عَن قريب.

٢٦٥١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ أبي الأسْوَدِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ ابنِ نَوْفَلٍ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّهَا قالَتْ خرَجْنَا مَعَ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أهَلَّ بِعُمْرَةٍ ومِنَّا مَنْ أهَلَّ بحَجَّةٍ عمْرَة ومِنَّا مَنْ أهَلَّ بِالحَجِّ وَأهَلَّ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالحجِّ فأمَّا مَنْ أهَلَّ بِالحَجِّ أوْ جَمَعَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كانَ يَوْمُ النَّحْرِ..

هَذَا وَجه آخر من حَدِيث عَائِشَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً. قَالَ الْكرْمَانِي: قَالَت عَائِشَة: لَا نرى إلَاّ أَنه الْحَج، فَكيف أهلوا بِالْعُمْرَةِ؟ وَأجَاب بقوله: ذَلِك الظَّن كَانَ عِنْد الْخُرُوج، وَأما الانقسام إِلَى هَذِه الثَّلَاثَة من التَّمَتُّع وَالْقرَان والإفراد فَهُوَ بعد ذَلِك. قلت: قد ذكرنَا فِي هَذَا عَن قريب بِأَحْسَن من هَذَا وأبسط، وَقد ذكرنَا أَن الرِّوَايَات عَن عَائِشَة مُخْتَلفَة فِيمَا أَحرمت بِهِ، حَتَّى قَالَ مَالك: لَيْسَ الْعَمَل عندنَا على حَدِيث عُرْوَة عَن عَائِشَة قَدِيما وَلَا حَدِيثا، وَقَالَ أَبُو عمر: الْأَحَادِيث عَنْهَا مضطربة.

٢٦٥١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ أبي الأسْوَدِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ ابنِ نَوْفَلٍ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّهَا قالَتْ خرَجْنَا مَعَ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أهَلَّ بِعُمْرَةٍ ومِنَّا مَنْ أهَلَّ بحَجَّةٍ عمْرَة ومِنَّا مَنْ أهَلَّ بِالحَجِّ وَأهَلَّ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالحجِّ فأمَّا مَنْ أهَلَّ بِالحَجِّ أوْ جَمَعَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كانَ يَوْمُ النَّحْرِ..

هَذَا وَجه آخر من حَدِيث عَائِشَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً. قَالَ الْكرْمَانِي: قَالَت عَائِشَة: لَا نرى إلَاّ أَنه الْحَج، فَكيف أهلوا بِالْعُمْرَةِ؟ وَأجَاب بقوله: ذَلِك الظَّن كَانَ عِنْد الْخُرُوج، وَأما الانقسام إِلَى هَذِه الثَّلَاثَة من التَّمَتُّع وَالْقرَان والإفراد فَهُوَ بعد ذَلِك. قلت: قد ذكرنَا فِي هَذَا عَن قريب بِأَحْسَن من هَذَا وأبسط، وَقد ذكرنَا أَن الرِّوَايَات عَن عَائِشَة مُخْتَلفَة فِيمَا أَحرمت بِهِ، حَتَّى قَالَ مَالك: لَيْسَ الْعَمَل عندنَا على حَدِيث عُرْوَة عَن عَائِشَة قَدِيما وَلَا حَدِيثا، وَقَالَ أَبُو عمر: الْأَحَادِيث عَنْهَا مضطربة.

٣٦٥١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حأقنا غُنْدُرٌ حدَّثنا شُعْبَةُ عنِ الحَكَمِ عنْ عَلِيِّ بنِ حُسَيْن

ٍ عَنْ مَرْوَانَ بنِ الْحَكَمِ قَالَ شَهِدْتُ عُثْمَانَ وعلِيّا رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وعُثْمَانُ يَنْهَى عنِ المُتْعَةِ وَأنْ يُجْمَعَ بَينَهُما فلَمَّا رَأى عَليٌّ أهَلَّ بهمَا لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وحَجَّةٍ قَالَ مَا كُنْتْ لأِدَعَ سُنَّةَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِقَوْلِ أحَدٍ.

(الحَدِيث ٣٦٥١ طرفه فِي: ٩٦٥١) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أهل بهما) ، أَي: بِالْعُمْرَةِ وَالْحج، وَهَذَا هُوَ القِران، وغندر هُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَالْحكم بِفتْحَتَيْنِ هُوَ ابْن عتيبة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الثَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: الْفَقِيه الْكُوفِي، وَعلي بن الْحُسَيْن هُوَ زين العابدين. وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (شهِدت عُثْمَان وعليا) كَانَ شُهُوده إيَّاهُمَا بعسفان على مَا يَأْتِي. قَوْله: (وَعُثْمَان) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (عَن الْمُتْعَة) اخْتلفُوا فِي الْمُتْعَة الَّتِي نهى عَنْهَا. فَقيل: هِيَ فسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة لِأَنَّهُ كَانَ مَخْصُوصًا بِتِلْكَ السّنة الَّتِي حج فِيهَا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَانَ تَحْقِيقا مَا عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّة من منع الْعمرَة فِي أشهر الْحَج، وَقيل: هُوَ التَّمَتُّع الْمَشْهُور، وَالنَّهْي للتنزيه ترغيبا للإفراد. قَوْله: (وَأَن يجمع بَينهمَا) أَي: بَين الْعمرَة وَالْحج، قَالَ الْكرْمَانِي: أَي الْقرَان، ثمَّ قَالَ: مَا المُرَاد مِنْهُ؟ ثمَّ أجَاب: بِأَنَّهُ قَالَ ابْن عبد الْبر: القِران أَيْضا نوع من التَّمَتُّع لِأَنَّهُ تمتّع بِسُقُوط سَفَره للنسك الآخر من بَلَده، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن تكون الْوَاو فِي قَوْله: (وَأَن يجمع بَينهمَا) ، عاطفة فَيكون النَّهْي عَن التَّمَتُّع وَالْقرَان مَعًا، وَيحْتَمل إِن تكون تفسيرية، وَذَلِكَ لِأَن السّلف كَانُوا يطلقون على الْقرَان تمتعا. انْتهى. قلت: الْوَاو هُنَا عاطفة قطعا، وَلَا إِجْمَال فِي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ حَتَّى يُقَال: إِنَّهَا تفسيرية، وَهُوَ قد رد على نَفسه كَلَامه بقوله: إِن السّلف كَانُوا يطلقون على الْقرَان تمتعا، فَإِذا كَانَ كَذَلِك يكون عطف التَّمَتُّع على الْمُتْعَة، وَهُوَ غير جَائِز. قَوْله: (فَلَمَّا رأى عَليّ) مَفْعُوله مَحْذُوف تَقْدِيره: فَلَمَّا رأى عَليّ النَّهْي (أهل بهما) أَي: بِالْعُمْرَةِ وَالْحج. وَقَوله: (إهل) جَوَاب لما، وَفِي رِوَايَة سعيد بن الْمسيب: (فَقَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَا تُرِيدُ إِلَى أَن تنهي عَن أَمر فعله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) . وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (إلَاّ أَن تنْهى) ، بِحرف الِاسْتِثْنَاء، وَفِي رِوَايَة مُسلم من هَذَا الْوَجْه زِيَادَة، وَهِي: (فَقَالَ عُثْمَان: إِنِّي لَا أَسْتَطِيع أَن أدعك) . قَوْله: (لبيْك بِعُمْرَة وَحجَّة) مقول لمقدر، وَالتَّقْدِير: أهل بهما حَال كَونه قَائِلا: لبيْك. قَوْله: (قَالَ: مَا كنت) أَي: قَالَ عَليّ، وَهُوَ اسْتِئْنَاف كَأَن قَائِلا يَقُول: لِمَ خَالفه، فَقَالَ: مَا كنت ... إِلَى آخِره، وَحَاصِله أَنه مُجْتَهد لَا يجوز عَلَيْهِ أَن يُقَلّد مُجْتَهدا آخر، لَا سِيمَا مَعَ وجود السّنة، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ والإسماعيلي: (فَقَالَ عُثْمَان: تَرَ أَنِّي أنهى النَّاس وَأَنت تَفْعَلهُ؟ فَقَالَ: مَا كنت لأدع) ، أَي: لأترك، اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: إِشَاعَة الْعَالم مَا عِنْده من الْعلم وإظهاره ومناظرته وُلَاة الْأُمُور وَغَيرهم فِي تَحْقِيقه لمن قوي على ذَلِك لقصد منا صِحَة الْمُسلمين. وَفِيه: الْبَيَان بِالْفِعْلِ مَعَ القَوْل، لِأَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَمر وَفعل مَا نَهَاهُ عَنهُ عُثْمَان: وَفِيه: مَا كَانَ عَلَيْهِ عُثْمَان من الْحلم أَنه لَا يلوم مخالفه. وَفِيه: أَن الْقَوْم لم يَكُونُوا يسكتون عَن قَول يرَوْنَ أَن غَيره أمثل مِنْهُ إلَاّ بَينُوهُ. وَفِيه: أَن طَاعَة الإِمَام إِنَّمَا تجب فِي الْمَعْرُوف، وَفِيه: أَن مُعظم الْقَصْد الَّذِي بوب عَلَيْهِ هُوَ مَشْرُوعِيَّة الْمُتْعَة لجَمِيع النَّاس. فَإِن قلت: رُوِيَ عَن أبي ذَر أَنه قَالَ: كَانَت مُتْعَة الْحَج لأَصْحَاب مُحَمَّد، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، خَاصَّة فِي (صَحِيح مُسلم) ؟ قلت: قَالُوا: هَذَا قَول صَحَابِيّ يُخَالف الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع، وَقَول من هُوَ خير مِنْهُ. أما الْكتاب فَقَوله تَعَالَى: {فَمن تمتّع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج} (الْبَقَرَة: ٦٩١) . وَهَذَا عَام، وَأجْمع الْمُسلمُونَ على إِبَاحَة التَّمَتُّع فِي جَمِيع الْأَعْصَار، وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي فَضله. وَأما السّنة، فَحَدِيث سراقَة: (الْمُتْعَة لنا خَاصَّة أَو هِيَ لِلْأَبَد؟ قَالَ: بل هِيَ لِلْأَبَد) . وَحَدِيث جَابر الْمَذْكُور فِي (صَحِيح مُسلم) فِي صفة الْحَج نَحْو هَذَا، وَمَعْنَاهُ: أهل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا لَا يجيزون التَّمَتُّع، وَلَا يرَوْنَ الْعمرَة فِي أشهر الْحَج، فجوزا، فبيَّن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَن الله قد شرع الْعمرَة فِي أشهر الْحَج، وَجوز الْمُتْعَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور من قَول طَاوُوس، وَزَاد فِيهِ: (فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَام أَمر النَّاس أَن يعتمروا فِي أشهر الْحَج، فَدخلت الْعمرَة فِي أشهر الْحَج إِلَى يَوْم الْقِيَامَة) ، وَقد خَالف أَبَا ذَر عَليّ وَسعد وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَعمْرَان بن حُصَيْن وَسَائِر الصَّحَابَة وَسَائِر الْمُسلمين، قَالَ عمرَان: تَمَتعنَا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَنزل فِيهِ الْقُرْآن وَلم ينهنا عَنهُ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلم ينسخها شَيْء، فَقَالَ فِيهَا رجل بِرَأْيهِ مَا شَاءَ، مُتَّفق عَلَيْهِ.

وَقَالَ سعد بن أبي وَقاص: (فعلناها مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَعْنِي: الْمُتْعَة، وَهَذَا يَعْنِي الَّذِي نهى عَنْهَا يَوْمئِذٍ كَافِر بالعرش، يَعْنِي بيُوت مَكَّة) رَوَاهُ مُسلم. فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد عَن سعيد بن الْمسيب أَن رجلا من الصَّحَابَة أَتَى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَشهد عِنْده أَنه سمع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ينْهَى عَن الْمُتْعَة قبل الْحَج؟ قلت: أُجِيب عَن هَذَا بِأَنَّهُ حَالَة مُخَالفَة للْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع، كَحَدِيث أبي ذَر، بل هُوَ أدنى حَالا مِنْهُ، فَإِن فِي إِسْنَاده مقَالا. فَإِن قلت: قد نهى عَنْهَا عمر وَعُثْمَان وَمُعَاوِيَة قلت: قد أنكر عَلَيْكُم عُلَمَاء الصَّحَابَة وخالفوهم فِي فعلهَا، وَالْحق مَعَ المنكرين عَلَيْهِم دونهم.

٤٦٥١ - حدَّثنا مُوسى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا وُهَيْبٌ حدَّثنا ابنُ طَاوُوسٍ عَنْ أبِيهِ عَن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ كانُوا يَرَوْنَ أنَّ العُمْرَةَ فِي أشْهُرِ الحَجِّ من أفْجَرِ الْفُجُورَ فِي الأرْضِ ويَجْعَلُونَ المُحَرَّمَ صَفرا ويَقُولونَ إذَا بَرَأ الدَّبَرْ وعَفا الأثَرْ وانْسَلَخَ صَفَرْ حلَّتِ العُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرْ. قَدِمَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأصْحابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مُهِلِّينَ بالْحَجِّ فأمَرَهُمْ أنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً فتعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ فَقالُوا يَا رسُولَ الله أيُّ الحلِّ قَالَ حِل كُلّهُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَأَمرهمْ أَن يجعلوها عمْرَة) ، وَهِي فسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة، وَرِجَال الحَدِيث قد تقدمُوا غير مرّة، ووهيب مصغر وهب ابْن خَالِد، وَابْن طَاوُوس هُوَ عبد الله، يروي عَن أَبِيه طَاوُوس.

وَأخرجه ابخاري أَيْضا فِي أَيَّام الْجَاهِلِيَّة عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن مُحَمَّد بن حَاتِم. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عبد الْأَعْلَى.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (كَانُوا) أَي: أهل الْجَاهِلِيَّة. قَوْله: (يرَوْنَ) ، أَي: يَعْتَقِدُونَ أَن الْعمرَة إِلَى آخِره، وروى دَاوُد (عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: وَالله مَا أعمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعَائِشَة فِي ذِي الْحجَّة إلَاّ ليقطع بذلك أَمر أهل الشّرك، فَإِن هَذَا الْحَيّ من قُرَيْش من دَان دينهم كَانُوا يَقُولُونَ: إِذا عَفا الْأَثر وبرأ الدبر وَدخل صفر فقد حلت الْعمرَة لمن اعْتَمر، وَكَانَ يحرمُونَ الْعمرَة حَتَّى يَنْسَلِخ ذُو الْحجَّة وَالْمحرم) . وَرَوَاهُ ابْن حبَان أَيْضا، فَفِي هَذَا تعْيين الْقَائِلين الْمَذْكُورين فِي قَوْله: وَيَقُولُونَ: قَوْله: (من أفجر الْفُجُور) ، أَي: من أعظم الذُّنُوب، وَهَذَا من تحكماتهم الْبَاطِلَة الْمَأْخُوذَة من غير أصل، والفجور: الانبعاث فِي المعاضي، يُقَال: فجر يفجر فجورا من: بَاب نصر ينصر. قَوْله: (ويجعلون الْمحرم صفرا) أَي: يجْعَلُونَ الصفر من الْأَشْهر الْحرم، وَلَا يجْعَلُونَ الْمحرم مِنْهَا. قَوْله: (صفر) قَالَ بَعضهم: كَذَا هُوَ فِي جَمِيع الْأُصُول من الصَّحِيحَيْنِ، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) قَوْله: (صفرا) هُوَ الصَّحِيح لِأَنَّهُ مَصْرُوف بِلَا خلاف، وَوَقع فِي مُسلم، رَحمَه الله تَعَالَى: صفر بِغَيْر ألف. قلت: هَذَا يرد مَا قَالَه بَعضهم، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : قَوْله: صفر، كَذَا هُوَ بِغَيْر ألف فِي أصل الدمياطي، رَحمَه الله تَعَالَى. وَفِي مُسلم: الصَّوَاب صفرا بِالْألف. وَقَالَ النَّوَوِيّ: كَانَ يَنْبَغِي أَن يكْتب بِالْألف، وَلَكِن على تَقْدِير حذفهَا لَا بُد من قِرَاءَته مَنْصُوبًا لِأَنَّهُ منصرف. وَقَالَ الْكرْمَانِي: اللُّغَة الربيعية أَنهم يَكْتُبُونَ الْمَنْصُوب بِلَا ألف. وَقَالَ: وتقرأ هَذِه الْأَلْفَاظ كلهَا سَاكِنة الآخر مَوْقُوفا عَلَيْهَا، لِأَن مُرَادهم السجع. وَفِي (الْمُحكم) وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَة لَا يصرفهُ، فَقيل لَهُ: لِمَ لم تصرفْهُ؟ لِأَن النَّحْوِيين قد أَجمعُوا على صرفه وَقَالُوا لَا يمْنَع الْحَرْف من الصّرْف إلَاّ العلتان فَأخْبرنَا بالعلتين فِيهِ؟ فَقَالَ: نعم، العلتان الْمعرفَة والساعة. وَقَالَ: أَبُو عمر الْمُطَرز، يرى أَن الْأَزْمِنَة كلهَا سَاعَات، والساعات مُؤَنّثَة، وَقَالَ عِيَاض: قيل صفر دَاء يكون فِي الْبَطن كالحيات إِذا اشْتَدَّ جوع الْإِنْسَان عضه، وَقَالَ رؤبة: هِيَ حَيَّة تلتوي فِي الْبَطن، وَهِي أعدى من الجرب عِنْد الْعَرَب قلت: هَذَا الْمَعْنى فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا صفر، وَهَهُنَا غير مُنَاسِب، وَقَالَ النَّوَوِيّ: قَالَت الْعلمَاء: المُرَاد الْإِخْبَار عَن النسيء الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّة، فَكَانُوا يسمون الْمحرم صفرا، ويحلونه، ويؤخرون تَحْرِيم الْمحرم إِلَى نفس صفر، لِئَلَّا يتوالى عَلَيْهِم ثَلَاثَة أشهر مُحرمَة، فيضيق عَلَيْهِم فِيهَا مَا اعتادوه من الْمُقَاتلَة والغارة والنهب، فضللهم الله فِي ذَلِك فَقَالَ: {إِنَّمَا النسيء زِيَادَة فِي الْكفْر يضل بِهِ الَّذين كفرُوا} (التَّوْبَة: ٧٣) . وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ، النسيء، هُوَ تَأْخِير حُرْمَة الشَّهْر إِلَى شهر آخر وَرُبمَا زادوا فِي عدد الشَّهْر فيجعلونها ثَلَاثَة عشر أَو أَرْبَعَة عشر ليتسع لَهُم الْوَقْت، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: إِن الْعَرَب كَانُوا يؤخرون الْمحرم إِلَى صفر، وَهُوَ النسيء الْمَذْكُور فِي الْقُرْآن، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا النسيء زِيَادَة فِي الْكفْر} (التَّوْبَة: ٧٣) . وَقَالَ الْكَلْبِيّ: أول من نسأ القلمّس واسْمه: حُذَيْفَة

ابْن عبيد الْكِنَانِي، ثمَّ ابْنه عباد، ثمَّ ابْنه قلع بن عباد، ثمَّ أُميَّة بن قلع، ثمَّ عَوْف بن أُميَّة، ثمَّ جُنَادَة بن أُميَّة وَعَلِيهِ قَامَ الْإِسْلَام. وَقيل: أول من نسأ نعيم بن ثَعْلَبَة، ثمَّ جُنَادَة، وَهُوَ الَّذِي أدْركهُ سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَقيل: مَالك بن كنَانَة، وَقيل: عَمْرو بن طَيء. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: الصفران شَهْرَان من السّنة سمي أَحدهمَا فِي الْإِسْلَام: الْمحرم، وَفِي (الْمُحكم) : قَالَ بَعضهم: سمي صفرا لأَنهم كَانُوا يمتارون الطَّعَام فِيهِ من الْمَوَاضِع، وَقَالَ بَعضهم: سمي بذلك لإصفار مَكَّة من أَهلهَا إِذا سافروا، وروى عَن رؤبة أَنه قَالَ: سموا الشَّهْر صفرا لأَنهم كَانُوا يغزون فِيهِ الْقَبَائِل فيتركون من لقوا صفرا من الْمَتَاع، وَذَلِكَ إِذا كَانَ صفر بعدالمحرم، فَقَالُوا: صفر النَّاس منَّا صفرا، فَإِذا جَمَعُوهُ مَعَ الْمحرم قَالُوا: صفران وَالْجمع أصفار. وَقَالَ الْقَزاز: قَالُوا إِنَّمَا سموا الشَّهْر صفرا لأَنهم كَانُوا يخلون الْبيُوت فِيهِ لخروجهم إِلَى الْبِلَاد، يُقَال لَهَا الصفرية، يمتارون مِنْهَا. وَقيل: لأَنهم كَانُوا يخرجُون إِلَى الْغَارة فَتبقى بُيُوتهم صفرا، وَفِي الْعلم الْمَشْهُور لأبي الْخطاب: الْعَرَب تَقول: صفر وصفران وصفارين وأصفار. قَالَ: وَقيل: إِن الْعَرَب كَانُوا يزِيدُونَ فِي كل أَربع سِنِين شهرا يسمونه صفرا الثَّانِي، فَتكون السّنة ثَلَاثَة عشر شهرا، وَلذَلِك قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (السّنة اثْنَي عشر شهرا) وَكَانُوا يَتَطَيَّرُونَ بِهِ وَيَقُولُونَ: (إِن الْأُمُور فِيهِ منغلقة، والآفات فِيهِ وَاقعَة. قَوْله: (إِذا برأَ الدبر) ، برأَ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة مَعْنَاهُ: إِذا أَفَاق، والدبر، بِفَتْح الدَّال وَالْبَاء الْمُوَحدَة ثمَّ الرَّاء، وَهُوَ مَا يتأثر فِي ظهر الْإِبِل بِسَبَب اصطكاك القتب وَالْحمل عَلَيْهَا فِي السّفر. وَقَالَ الْخطابِيّ: يحْتَمل أَن يَكُونُوا أَرَادوا برْء الدبر فِي ظهر الْإِبِل إِذا انصرفت من الْحَج. وَقَالَ ابْن سَيّده: الْجمع أدبار، ودبر دبرا، فَهُوَ دبر وَأدبر، وَالْأُنْثَى: دبرة ودبراء، وإبل دبراء، وَقد أدبرها الْحمل، قَالَ عِيَاض: وَقيل: هُوَ أَن يقرح خف الْبَعِير. قَوْله: (وَعَفا الْأَثر) أَي: ذهب أثر الدبر، يُقَال: عَفا الشَّيْء بِمَعْنى درس، وَوَقع فِي (سنَن أبي دَاوُد) وَعَفا الْوَبر: يَعْنِي كثر وبر الْإِبِل الَّذِي حلقته رحال الْحَاج، وَعفى من الأضداد، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْمَعْرُوف فِي عَامَّة الرِّوَايَات: عَفا الْوَبر يَعْنِي بِالْوَاو كَمَا فِي رِوَايَة أبي دَاوُد، قَالَ تَعَالَى: {حَتَّى عفوا وَقَالُوا} (الْأَعْرَاف: ٥٩) . أَي: كَثُرُوا. قَوْله: (حلت الْعمرَة) أَي: صَار الْإِحْرَام بِالْعُمْرَةِ لمن أَرَادَ أَن يحرم بهَا جَائِزا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَا وَجه تعلق انسلاخ صفر بالاعتمار فِي أشهر الْحَج الَّذِي هُوَ الْمَقْصُود من الحَدِيث، وَالْمحرم وصفر ليسَا من أشهر الْحَج؟ فَأجَاب بقوله: لما سموا الْمحرم صفرا. وَكَانَ من جملَة تصرفاتهم فعل السّنة ثَلَاثَة عشر شهرا، صَار صفر على هَذَا التَّقْدِير آخر السّنة وَآخر أشهر الْحَج، إِذْ لَا برْء فِي أقل من هَذِه الْمدَّة غَالِبا. وَأما ذكر انسلاخ صفر الَّذِي من الْأَشْهر الْحرم بزعمهم فلأجل أَنه لَو وَقع قتال فِي الطَّرِيق، وَفِي مَكَّة لقدروا على الْمُقَاتلَة، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِذا انْقَضى شهر الْحَج وأثره، والشهر الْحَرَام، جَازَ الاعتمار، أَو يُرَاد بالصفر الْمحرم، وَيكون إِذا انْسَلَخَ صفر كالبيان وَالْبدل لقَوْله: (إِذا برأَ الدبر) فَإِن الْغَالِب أَن البرى لَا يحصل من أثر سفر الْحَج إلَاّ فِي هَذِه الْمدَّة، وَهِي مَا بَين أَرْبَعِينَ يَوْمًا إِلَى خمسين، وَنَحْوه. قَوْله: (قدم النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، كَذَا وَقع فِي هَذِه الرِّوَايَة، وَوَقع فِي رِوَايَة عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن وهيب فِي أَيَّام الْجَاهِلِيَّة بِلَفْظ: فَقدم، بِزِيَادَة فَاء الْعَطف، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق بهز بن أَسد والإسماعيلي من طَرِيق إِبْرَاهِيم بن الْحجَّاج، كِلَاهُمَا عَن وهيب وَهُوَ الْوَجْه. قَوْله: (صَبِيحَة رَابِعَة) أَي: لَيْلَة رَابِعَة من ذِي الْحجَّة، وَهِي يَوْم الْأَحَد. قَوْله: (مهلِّين) نصب على الْحَال، أَي: حَال كَونهم مهلين بِالْحَجِّ، وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن الْحجَّاج: وهم يلبون بِالْحَجِّ، وَهَذِه الرِّوَايَة تفسر قَوْله: مهلين، قَوْله: (فتعاظم ذَلِك) أَي: الاعتمار فِي أشهر الْحَج، وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن الْحجَّاج: فَكبر ذَلِك عِنْدهم، أَرَادَ أَنه تعاظم عِنْدهم مُخَالفَة الْعِبَادَة الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا من تَأْخِير الْعمرَة عَن أشهر الْحَج. قَوْله: (أَي الْحل) مَعْنَاهُ: أَي شَيْء من الْأَشْيَاء يحل علينا، لِأَنَّهُ قَالَ: اعتمروا وَأَحلُّوا، فَقَالَ: حل كُله، يَعْنِي جَمِيع مَا يحرم على الْمحرم حَتَّى الْجِمَاع، وَذَلِكَ تَمام الْحل، كَأَنَّهُمْ يعْرفُونَ أَن لِلْحَجِّ تحليلين، فأرادوا بَيَان ذَلِك بقَوْلهمْ: أَي الْحل، فَبين لَهُم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْحل كُله، لِأَن الْعمرَة لَيْسَ لَهَا إلَاّ تحلل وَاحِد، وَوَقع فِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: (أَي الْحل نحل؟ قَالَ: الْحل كُله) .

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: فسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة الَّذِي بوب عَلَيْهِ. وَفِيه: اسْتِحْبَاب دُخُول مَكَّة نَهَارا، وَهُوَ الْمَرْوِيّ عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَبِه قَالَ عَطاء وَالنَّخَعِيّ وَإِسْحَاق وَابْن الْمُنْذر، وَهُوَ أصح الْوَجْهَيْنِ لأَصْحَاب الشَّافِعِي، وَالْوَجْه الثَّانِي: دُخُولهَا لَيْلًا وَنَهَارًا سَوَاء لَا فَضِيلَة لأَحَدهمَا على الآخر، وَهُوَ قَول طَاوُوس وَالثَّوْري، وَعَن عَائِشَة وَسَعِيد بن جُبَير وَعمر بن عبد الْعَزِيز: دُخُولهَا لَيْلًا أفضل من النَّهَار. وَقَالَ مَالك: يسْتَحبّ دُخُولهَا نَهَارا، فَمن جاءها لَيْلًا فَلَا بَأْس بِهِ. قَالَ: وَكَانَ عمر بن

عبد الْعَزِيز يدخلهَا لطواف الزِّيَارَة لَيْلًا. وَفِيه: حجَّة لمن قَالَ: كَانَ حج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُفردا، وَمن قَالَ: كَانَ قَارنا لَا يلْزم من إهلاله بِالْحَجِّ أَن لَا يكون أَدخل عَلَيْهِ الْعمرَة.

٥٦٥١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قَالَ حدَّثنا غُنْدَرٌ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ قَيْسِ بنِ مُسْلِمٍ عنُ طَارق بنِ شِهَابٍ عنْ أبِي مُوسى ارضي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَدِمْتُ عَلى النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأمَرَهُ بِالحِلِّ..

هَذَا الحَدِيث أوردهُ هُنَا مُخْتَصرا، وَقد مضى بِتَمَامِهِ فِي: بَاب من أهلَّ فِي زمن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كإهلال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

وَأخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن يُوسُف عَن سُفْيَان عَن قيس بن مُسلم إِلَى آخِره، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مَبْسُوطا. قَوْله: (فَأمره بِالْحلِّ) ، رِوَايَة الْكشميهني على الِالْتِفَات، وَفِي رِوَايَة غَيره: (فَأمرنِي بِالْحلِّ) .

٦٦٥١ - حدَّثنا إسْمَاعيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ (ح) وَحدثنَا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرَنَا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ عنْ حَفْصَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا زوْجَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنَّها قالَتْ يَا رسولَ الله مَا شأنُ النَّاسِ حَلّزا بِعُمْرَةٍ ولَمْ تَحْلِلْ أنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ قَالَ إنِّي لَبَّدْتُ رأسِي وقَلَّدْتُ هَدْيِي فَلَا أحِلُّ حتَّى أنْحَرَ..

هَذَانِ طَرِيقَانِ: أَحدهمَا: عَن سُلَيْمَان بن أبي أويس واسْمه عبد الله الأصبحي الْمدنِي، ابْن أُخْت مَالك بن أنس، يروي عَن مَالك عَن نَافِع. وَالْآخر: عَن عبد الله بن يُوسُف التنيسِي عَن مَالك عَن نَافِع، وَفِيه رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصحابية عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَرِوَايَة الْأَخ عَن أُخْته لِأَن حَفْصَة بنت عمر بن الْخطاب، وَعبد الله بن عمر أَخُوهَا.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ فِي موضِعين: فِي الْحَج عَن عبد الله بن يُوسُف، وَفِيه، وَفِي اللبَاس عَن إِسْمَاعِيل، وَفِي الْحَج أَيْضا عَن مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد، وَفِي الْمَغَازِي عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر، وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي عَن مَالك بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عبيد الله بن سعيد وَعَن مُحَمَّد ابْن سَلمَة: وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (حلوا بِعُمْرَة) ، لم يَقع لَفْظَة بِعُمْرَة فِي رِوَايَة مُسلم، وَقَالَ أَبُو عمر: زعم بعض النَّاس أَنه لم يقل أحد فِي هَذَا الحَدِيث: عَن نَافِع، وَلم تحلل أَنْت عَن عمرتك إلَاّ مَالك وَحده، قَالَ: وَهَذِه اللَّفْظَة قَالَهَا عَن نَافِع جمَاعَة مِنْهُم عبيد الله بن عمر، وَأَيوب بن أبي تَمِيمَة، وهما وَمَالك حفاظ أَصْحَاب نَافِع. وَقَالَ أَبُو عمر: لما لم يكن لأحد من الْعلمَاء سَبِيل إِلَى الْأَخْذ بِكُل مَا تعَارض وتدافع من الْآثَار فِي هَذَا الْبَاب، وَلم يكن بُد من الْمصير إِلَى وَجه وَاحِد مِنْهَا صَار كل وَاحِد إِلَى مَا صَحَّ عِنْده بمبلغ اجْتِهَاده، وَقَالَ السفاقسي فِي قَوْلهَا: (مَا شَأْن النَّاس حلوا وَلم تحلل أَنْت من عمرتك؟) يحْتَمل أَن تُرِيدُ، من حجتك، لِأَن مَعْنَاهُمَا مُتَقَارب، يُقَال: حج الرجل الْبَيْت إِذا قَصده، فعبرت بِأَحَدِهِمَا عَن الآخر، وَإِن كَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا يَقع على نوع مَخْصُوص من الْقَصْد والنسك. وَقيل: إِنَّهَا لما سمعته يَأْمر النَّاس بسرف بِفَسْخ الْحَج فِي الْعمرَة ظنت أَنه فسخ الْحَج فِيهَا، وَقيل: اعتقدت أَنه كَانَ مُعْتَمِرًا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: قَوْلهَا وَقَول ابْن عَبَّاس: من عمرتك، أَي: بعمرتك، كَمَا قَالَ تَعَالَى {يَحْفَظُونَهُ من أَمر الله} أَي: بِأَمْر الله، عبر بِالْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ عَن الْقرن لِأَنَّهَا السَّابِقَة فِي إِحْرَام الْقَارِن قولا وَنِيَّة، وَلَا سِيمَا على مَا ظهر من حَدِيث ابْن عمر: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ مُفردا. قَوْله: (وَلم تملك) بِكَسْر اللَّام الأولى أَي لم تحل وَفك فِيهِ الْإِدْغَام وَقد غلم أَن فِي مثل هَذَا الْمَوْضُوع يجوز الْوَجْهَانِ الْإِدْغَام وفكه قَوْله: (لبدت) ، بِكَسْر اللَّام الْمُوَحدَة من التلبيد، وَهُوَ أَن يَجْعَل الْمحرم فِي رَأسه شَيْئا من الصمغ ليجتمع الشّعْر، وَلِئَلَّا يَقع فِيهِ الْقمل. قَوْله: (وقلدت) من تَقْلِيد الْهَدْي، وَهُوَ تَعْلِيق شَيْء فِي عنق الْهَدْي من النعم ليعلم أَنه هدي، قَوْله: (حَتَّى أنحر) أَي: الْهَدْي.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن من سَاق الْهَدْي لَا يتَحَلَّل من عمل الْعمرَة حَتَّى يهلَّ بِالْحَجِّ ويفرغ مِنْهُ. وَفِيه: أَنه لَا يحل حَتَّى ينْحَر هَدْيه، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأحمد. وَفِيه: اسْتِحْبَاب التلبيد والتقليد. وَفِيه: دَلِيل أَنه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ قَارنا لِأَن ثمَّة عمْرَة. قَالَ الْكرْمَانِي: فَمَا دخل التلبيد فِي الْإِحْلَال وَعَدَمه؟ ثمَّ أجَاب بقوله: الْغَرَض بَيَان: أَنِّي مستعد من أول الْأَمر بِأَن يَدُوم إحرامي إِلَى أَن يبلغ الْهَدْي مَحَله.

٧٦٥١ - حدَّثنا آدمُ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ أخبرَنا أبُو جَمْرَةَ نَصْرُ بنُ عِمْرَانَ الضُّبَعِيُّ قَالَ تَمَتَّعْتُ فنَهَانِي ناسٌ فسألْتُ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فأمرَنِي فرَأيْتُ فِي المَنامِ كأنَّ رجُلاً يَقُولْ لِي حَجٌّ مَبْرُورٌ وعُمْرَةٌ مُتَقَبِّلَةٌ فأخبرْتُ ابنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ سُنَّةُ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لي أقِمْ عِنْدِي فأجْعَلَ لَكَ سَهْما مِنْ مَالِي قَالَ شُعْبَةُ فقُلْتُ لِمَ فَقَالَ لِلرُّؤيَا الَّتِي رأيْتُ.

(الحَدِيث ٧٦٥١ طرفه فِي: ٨٨٦١) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَأمرنِي) ، أَي: ابْن عَبَّاس أَمرنِي بالتمتع.

وَرِجَاله قد ذكرُوا، وَأَبُو جَمْرَة، بِالْجِيم وبالراء: اسْمه نصر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة: الضبعِي، بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقد مر فِي: بَاب أَدَاء الْخمس من الْإِيمَان.

وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور. وَأخرجه مُسلم عَن ابْن الْمثنى وَابْن بشار، كِلَاهُمَا عَن غنْدر بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فَأمرنِي) ، أَي: فَأمرنِي ابْن عَبَّاس بالتمتع، وَكَانَت هَذِه الْقَضِيَّة فِي زمن عبد الله بن الزبير، وَكَانَ ينْهَى عَن التَّمَتُّع كَمَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث ابْن الزبير عَنهُ، وَعَن جَابر، وَنقل ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن الزبير: أَنه كَانَ لَا يرى التَّمَتُّع إلَاّ للمحصر، وَوَافَقَهُ عَلْقَمَة وَإِبْرَاهِيم، وَقَالَ الْجُمْهُور: لَا اخْتِصَاص بذلك للمحصر. قَوْله: (حج مبرور) ارْتِفَاع حج على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هَذَا حج، ومبرور، صفته أَي: مَقْبُول، وَفِي رِوَايَة أَحْمد وَمُسلم من طَرِيق غنْدر (عَن شُعْبَة: فَأتيت ابْن عَبَّاس فَسَأَلته عَن ذَلِك، فَأمرنِي بهَا ثمَّ انْطَلَقت إِلَى الْبَيْت فَأَتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي فَقَالَ: عمْرَة متقبلة وَحج مبرور. قَالَ: فَأتيت ابْن عَبَّاس فَأَخْبَرته بِالَّذِي رَأَيْت، فَقَالَ: الله أكبر الله أكبر سنة أبي الْقَاسِم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) . قَوْله: (سنة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) كَلَام إضافي مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، تَقْدِيره: هَذِه سنة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَيجوز فِيهِ النصب على تَقْدِير: وَافَقت سنة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَقَوله: (فَقَالَ لي) أَي: قَالَ لي ابْن عَبَّاس. قَوْله: (فأجعل لَك) أَي: فَأَنا أجعَل لَك، ويروى: وَأَجْعَل لَك، بِالْوَاو الَّتِي تدل على الْحَال، ويروى: اجْعَل، بِدُونِ الْفَاء وَالْوَاو. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بَعْضهَا: إجعل، بِالنّصب. قلت: وَجهه أَن يكون مَنْصُوبًا بِأَن الْمقدرَة أَي: بِأَن أجعَل لَك، وَيجوز الْجَزْم بِأَن يكون جَوَابا لِلْأَمْرِ، قَوْله: (سَهْما) ، أَي: نَصِيبا. قَوْله: (قَالَ شُعْبَة: فَقلت) ، يَعْنِي لأبي جَمْرَة. قَوْله: (لِمَ؟) اسْتِفْهَام عَن سَبَب ذَلِك. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: أَبُو جَمْرَة. قَوْله: (للرؤيا) أَي: لأجل الرُّؤْيَا الْمَذْكُورَة الَّتِي رَأَيْت، وَهُوَ بِلَفْظ الْمُتَكَلّم، وَسَببه أَن الرُّؤْيَا الصَّالِحَة جُزْء من سِتَّة وَأَرْبَعين جُزْءا من النُّبُوَّة.

وَفِيه: مَا كَانُوا عَلَيْهِ من التعاون على الْبر وَالتَّقوى، وحمدهم لمن يفعل الْخَيْر، فخشي أَبُو جَمْرَة من تمتعه هبوط الْأجر وَنقص الثَّوَاب للْجمع بَينهمَا فِي سفر وَاحِد، وإحرام وَاحِد، وَكَانَ الَّذين أمروا بِالْإِفْرَادِ إِنَّمَا أَمرُوهُ بِفعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي خَاصَّة نَفسه لينفرد الْحَج وَحده، ويخلص عمله من اشْتِرَاك فِيهِ، فَأرَاهُ الله الرُّؤْيَا ليعرفه أَن حجه مبرور وعمرته متقبلة، وَلذَلِك قَالَ ابْن عَبَّاس: أقِم عِنْدِي ليقص على النَّاس هَذِه الرُّؤْيَا المبينة لحَال التَّمَتُّع. وَفِيه: دَلِيل الرُّؤْيَا الصادقة شاهدة على أُمُور الْيَقَظَة، وَكَيف لَا وَهُوَ جُزْء من سِتَّة وَأَرْبَعين جُزْءا من النُّبُوَّة؟ وَفِيه: أَن الْعَالم يجوز لَهُ أَخذ الْأُجْرَة على الْعلم.

٨٦٥١ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا أبُو شِهابٍ قَالَ قَدِمْتُ مُتَمَتِّعا مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ فدَخَلْنَا قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِثَلاثَةِ أيَّامٍ فَقَالَ لي أناسٌ مِنْ أهْلِ مَكَّةَ تَصيرُ الآنَ حَجَّتُكَ مَكّيَّةً فَدَخَلْتُ عَلَى عَطاءٍ أسْتَفْتِيهِ فَقَالَ حدَّثني جابرُ بنُ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُمَا أنَّهُ حَجَّ مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمَ ساقَ البُدْنَ معَهُ وقَدْ

أهَلُّوا بِالْحَجِّ مُفْرَدا فَقَالَ لَهُمْ أحِلُّوا منْ إحْرَامِكُمْ بِطَوَافِ البَيْتِ وبَيْنَ الصَّفا وَالمَرْوَةِ وقَصِّرُوا ثمَّ أقِيمُوا حَلالاً حَتَّى إذَا كانَ يَوْمَ الترْوِيةِ فأهِلُّوا بِالحَجِّ وَاجْعَلُوا الَّتِي قَدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَةً فَقالُوا كَيْفَ نَجْعَلُها مُتْعَةً وقَدْ سَمَّيْنا الحَجَّ فَقَالَ افْعَلُوا مَا أمرْتُكُمْ فَلَوْلَا أنِّي سُقْتُ الهَدْيَ لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي أمَرْتُكُمْ ولاكِنْ لَا يَحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدُيُ مَحِلَّهُ فَفَعَلُوا..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو نعيم، بِضَم النُّون: هُوَ الْفضل بن دُكَيْن، وَأَبُو شهَاب الْأَكْبَر الحناط، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد النُّون، واسْمه مُوسَى بن نَافِع الْهُذلِيّ الْكُوفِي، وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير عَن أبي نعيم بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مُتَمَتِّعا) حَال من الضَّمِير الَّذِي فِي قدمت. قَوْله: (بِعُمْرَة) أَيْضا حَال، أَي: ملتبسا بِعُمْرَة. قَوْله: (مَكِّيَّة) أَي: قَليلَة الثَّوَاب لقلَّة مشقتها، وَقَالَ ابْن بطال: مَعْنَاهُ أَنَّك تنشيء حجك من مَكَّة كَمَا ينشيء أهل مَكَّة مِنْهَا، فيفوتك فضل الْإِحْرَام من الْمِيقَات وَقَوله: (حجتك مَكِّيَّة) ، هَكَذَا هُوَ رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: (حجا مكيا) . قَوْله: (على عَطاء) ، هُوَ عَطاء بن أبي رَبَاح الْمَكِّيّ. قَوْله: (استفتيه) ، من الْأَحْوَال الْمقدرَة. قَوْله: (يَوْم سَاق الْبدن) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَضم الدَّال وسكونها، جمع بَدَنَة، وَذَلِكَ فِي حجَّة الْوَدَاع. وَفِي رِوَايَة مُسلم بِلَفْظ: (عَام سَاق الْهَدْي) . قَوْله: (وَقد أهلوا بِالْحَجِّ مُفردا) بِفَتْح الرَّاء وبكسرها، قَالَ الْكرْمَانِي: بِاعْتِبَار كل وَاحِد. قلت: لَا ضَرُورَة فِي كَونه حَالا من الْحَج، وَمَا قَالَه بالتأويل. قَوْله: (فَقَالَ لَهُم) أَي: قَالَ لَهُم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أحلُّوا من إحرامكم بِالطّوافِ، أَي: اجعلوا حَجكُمْ عمْرَة وتحللوا مِنْهَا بِالطّوافِ وَالسَّعْي، أَو التَّقْدِير: اجعلوا إحرامكم عمْرَة ثمَّ أحلُّوا مِنْهُ بِالطّوافِ. قَوْله: (وَبَين الصَّفَا والمروة) أَي: وبالسعي بَين الصَّفَا والمروة، وَهَذَا معنى فسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة، وَقَالَ ابْن التِّين: هَذَا الحَدِيث أبين مَا فِي هَذِه من فسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة. قَوْله: (وَقصرُوا) أَمرهم بالتقصير لأَنهم يهلون بعد قَلِيل بِالْحَجِّ، وَأخر الْحلق لِأَن بَين دُخُولهمْ وَبَين يَوْم التَّرويَة أَرْبَعَة أَيَّام فَقَط. قَوْله: (حَلَالا) ، نصب على الْحَال بِمَعْنى: محلين. قَوْله: (وَاجْعَلُوا الَّتِي) أَي: الْحجَّة المفردة الَّتِي أهللتم بهَا (مُتْعَة) أَي: عمْرَة، وَأطلق على الْعمرَة: مُتْعَة، مجَازًا، والعلاقة بَينهمَا ظَاهِرَة. قَوْله: (وَلَكِن لَا يحل مني حرَام) ، بِكَسْر حاء يحل، وَالْمعْنَى: لَا يحل مني مَا حرم عَليّ، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم: (لَا يحل مني حَرَامًا) ، بِالنّصب على المفعولية، لَكِن بِضَم الْيَاء فِي: لَا يحل، وفاعله مَحْذُوف، وَتَقْدِيره: لَا يحل طول الْمكْث، وَنَحْو ذَلِك مني شَيْئا حَرَامًا (حَتَّى يبلغ الْهَدْي مَحَله) وَهُوَ منى، فينحر فِيهِ.

قالَ أبُو عَبْدُ الله أبُو شِهَابٍ لَيْسَ لَهُ مُسْنَدٌ إلَاّ هاذَا

أَبُو عبد الله: هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، أَي لم يرو أَبُو شهَاب حَدِيثا مَرْفُوعا إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَقيل: المُرَاد لَيْسَ لَهُ مُسْند عَن عَطاء إلَاّ هَذَا لَا مُطلقًا. قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) كَأَنَّهُ يَقُول: من كَانَ هَكَذَا لَا يَجْعَل حَدِيثه أصلا من أصُول الْعلم، وَهَذَا طرف من حَدِيث جَابر بن عبد الله الَّذِي رَوَاهُ مطولا جدا، وَلأبي بكر إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر عَلَيْهِ كتاب سَمَّاهُ: (التَّخْيِير) استنبط مِنْهُ مائَة نوع ونيفا وَخمسين نوعا من وُجُوه الْعلم، وَالْبُخَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ذكر جلّ حَدِيث جَابر الَّذِي انْفَرد بِهِ مُسلم، رَحمَه الله تَعَالَى، فِي مَوَاضِع مُتَفَرِّقَة. وَمن فَوَائِد هَذِه الْقطعَة الَّتِي سَاقهَا البُخَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: التَّقْصِير للمعتمر ليتوفر السّفر للحلاق يَوْم النَّحْر.

٩٦٥١ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا حَجَّاجُ بنُ مُحَمَّدٍ الأعْوَرُ عنْ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بنِ مُرَّةَ عَن سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ قَالَ اخْتَلَفَ عليٌّ وعثمانُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وهُمَا بِعُسْفَانَ فِي المُتْعَةِ فَقَالَ عَليٌّ مَا تُرِيدُ إلَاّ أنْ تَنْتَهي عَن أمْرٍ فَعلَهُ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فَلَمَّا رَى ذلِكَ عَلِيٌّ أهَلَّ بِهِما جَمِيعا.

(انْظُر الحَدِيث ٣٦٥١) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة.

قَوْله: (وهم بعسفان) ، جملَة حَالية أَي: كائنان بعسفان، وَهُوَ بِضَم الْعين وَسُكُون السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ وبالفاء وَبعد الْألف نون: وَهِي قَرْيَة جَامِعَة بهَا مِنْبَر على سِتَّة وَثَلَاثِينَ ميلًا من مَكَّة، وَيُقَال: على

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَدَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ يَقْتَضِي أَنَّهُمَا يَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّهُ لَعَلَّهُ أَرَادَ إِبْطَالَ وَهَمِ مَنْ تَوَهَّمَ أَنَّهُ خَالَفَ السُّنَّةَ، حَيْثُ مَنَعَ مِنَ الْفَسْخِ، فَبَيَّنَ أَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ مُتَوَافِقَانِ عَلَى الْأَمْرِ بِالْإِتْمَامِ، وَأَنَّ الْفَسْخَ كَانَ خَاصًّا بِتِلْكَ السَّنَةِ لِإِبْطَالِ اعْتِقَادِ الْجَاهِلِيَّةِ أَنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَصِحُّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، انْتَهَى. وَأَمَّا إِذَا قُلْنَا: كَانَ قَارِنًا عَلَى مَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ، فَالْمُعْتَمَدُ مَا ذَكَرَ النَّوَوِيُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي بَيَانُ اخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ فِي كَيْفِيَّةِ التَّمَتُّعِ فِي بَابِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْإِحْرَامِ الْمُبْهَمِ وَأَنَّ الْمُحْرِمَ بِهِ يَصْرِفُهُ لِمَا شَاءَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَمَحِلُّ ذَلِكَ مَا إِذَا كَانَ الْوَقْتُ قَابِلًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَجَّ لَا يَنْعَقِدُ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ.

٣٣ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:

﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : أَشْهُرُ الْحَجِّ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحَجَّةِ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مِنْ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُحْرِمَ بِالْحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.

وَكَرِهَ عُثْمَانُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ خُرَاسَانَ أَوْ كَرْمَانَ.

١٥٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ، سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَلَيَالِي الْحَجِّ وَحُرُمِ الْحَجِّ، فَنَزَلْنَا بِسَرِفَ. قَالَتْ: فَخَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ مَعَهُ هَدْيٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ فَلَا. قَالَتْ: فَالْآخِذُ بِهَا وَالتَّارِكُ لَهَا مِنْ أَصْحَابِهِ. قَالَتْ: فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ وَرِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَكَانُوا أَهْلَ قُوَّةٍ وَكَانَ مَعَهُمْ الْهَدْيُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الْعُمْرَةِ. قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ يَا هَنْتَاهُ؟ قُلْتُ: سَمِعْتُ قَوْلَكَ لِأَصْحَابِكَ فَمُنِعْتُ الْعُمْرَةَ. قَالَ: وَمَا شَأْنُكِ؟ قُلْتُ: لَا أُصَلِّي. قَالَ: فَلَا يَضِيرُكِ، إِنَّمَا أَنْتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكِ مَا كَتَبَ عَلَيْهِنَّ، فَكُونِي فِي حَجَّتِكِ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَكِيهَا. قَالَتْ: فَخَرَجْنَا فِي حَجَّتِهِ حَتَّى قَدِمْنَا مِنًى فَطَهَرْتُ، ثُمَّ خَرَجْتُ مِنْ مِنًى فَأَفَضْتُ بِالْبَيْتِ. قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجَتْ مَعَهُ فِي النَّفْرِ الْآخِرِ حَتَّى نَزَلَ الْمُحَصَّبَ وَنَزَلْنَا مَعَهُ، فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنْ الْحَرَمِ فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ افْرُغَا ثُمَّ ائْتِيَا هَا هُنَا، فَإِنِّي أَنْظُرُكُمَا حَتَّى تَأْتِيَانِي. قَالَتْ: فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ وَفَرَغْتُ مِنْ الطَّوَافِ، ثُمَّ جِئْتُهُ بِسَحَرَ فَقَالَ: هَلْ فَرَغْتُمْ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَآذَنَ بِالرَّحِيلِ فِي أَصْحَابِهِ، فَارْتَحَلَ النَّاسُ، فَمَرَّ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْمَدِينَةِ. ضَيْرِ: مِنْ ضَارَ يَضِيرُ ضَيْرًا، وَيُقَالُ: ضَارَ يَضُورُ ضَوْرًا، وَضَرَّ يَضُرُّ ضَرًّا.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - فِي الْحَجِّ، وَقَوْلِهِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ

لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾، قَالَ الْعُلَمَاءُ: تَقْدِيرُ قَوْلِهِ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾؛ أَيِ الْحَجُّ حَجُّ أَشْهُرٍ مَعْلُومَاتٍ أَوْ أَشْهُرُ الْحَجِّ أَوْ وَقْتُ الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ. وَقَالَ الْوَاحِدِيُّ: يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ إِضْمَارٍ، وَهُوَ أَنَّ الْأَشْهُرَ جُعِلَتْ نَفْسَ الْحَجِّ اتِّسَاعًا بِكَوْنِ الْحَجِّ يَقَعُ فِيهَا؛ كَقَوْلِهِمْ: لَيْلٌ نَائِمٌ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي الْمُهَذَّبِ: الْمُرَادُ وَقْتُ إِحْرَامِ الْحَجِّ، لِأَنَّ الْحَجَّ لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَشْهُرٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ وَقْتُ الْإِحْرَامِ بِهِ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِأَشْهُرِ الْحَجِّ ثَلَاثَةٌ أَوَّلُهَا شَوَّالٌ، لَكِنِ اخْتَلَفُوا: هَلْ هِيَ ثَلَاثَةٌ بِكَمَالِهَا؟ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَنُقِلَ عَنِ الْإِمْلَاءِ لِلشَّافِعِيِّ. أَوْ شَهْرَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ؛ وَهُوَ قَوْلُ الْبَاقِينَ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا؛ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَآخَرُونَ: عَشْرُ لَيَالٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَهَلْ يَدْخُلُ يَوْمُ النَّحْرِ أَوْ لَا؟ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ: نَعَمْ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمَشْهُورِ الْمُصَحَّحِ عَنْهُ: لَا. وَقَالَ بَعْضُ أَتْبَاعِهِ: تِسْعٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَلَا يَصِحُّ فِي يَوْمِ النَّحْرِ وَلَا فِي لَيْلَتِهِ، وَهُوَ شَاذٌّ.

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيْضًا فِي اعْتِبَارِ هَذِهِ الْأَشْهُرِ؛ هَلْ هُوَ عَلَى الشَّرْطِ أَوِ الِاسْتِحْبَابِ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٌ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ: هُوَ شَرْطٌ، فَلَا يَصِحُّ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ إِلَّا فِيهَا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَسَيَأْتِي اسْتِدْلَالُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِذَلِكَ فِي هَذَا الْبَابِ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْوُقُوفِ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى إِحْرَامِ الصَّلَاةِ، وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ انْقَلَبَ عُمْرَةً تُجْزِئُهُ عَنْ عُمْرَةِ الْفَرْضِ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَلَوْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْوَقْتِ انْقَلَبَ نفلا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ ظَانًّا دُخُولَ الْوَقْتِ، لَا عَالِمًا، فَاخْتَلَفَا مِنْ وَجْهَيْنِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : أَشْهُرُ الْحَجِّ. . . إِلَخْ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ وَرْقَاءَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْهُ قَالَ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾؛ شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ. وَالْإِسْنَادَانِ صَحِيحَانِ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَنِ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ - شَوَّالٍ، أَوْ ذِي الْقَعْدَةِ، أَوْ ذِي الْحِجَّةِ - قَبْلَ الْحَجِّ فَقَدِ اسْتَمْتَعَ، فَلَعَلَّهُ تَجَوَّزَ فِي إِطْلَاقِ ذِي الْحِجَّةِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. . . إِلَخْ) وَصَلَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَاكِمِ، عَنْ مِقْسَمٍ عَنْهُ قَالَ: لَا يُحْرِمُ بِالْحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِنَّ مِنْ سُنَّةِ الْحَجِّ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا يَصْلُحُ أَنْ يُحْرِمَ أَحَدٌ بِالْحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.

قَوْلُهُ: (وَكَرِهَ عُثْمَانُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ خُرَاسَانَ أَوْ كَرْمَانَ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ - هُوَ الْبَصْرِيُّ - أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ أَحْرَمَ مِنْ خُرَاسَانَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ لَامَهُ فِيمَا صَنَعَ وَكَرِهَهُ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: أَحْرَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ مِنْ خُرَاسَانَ فَقَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ، فَلَامَهُ وَقَالَ: غَزَوْتَ وَهَانَ عَلَيْكَ نُسُكُكَ. وَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ سَيَّارٍ فِي تَارِيخِ مَرْوَ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ خُرَاسَانَ قَالَ: لَأَجْعَلَنَّ شُكْرِي لِلَّهِ أَنْ أَخْرُجَ مِنْ مَوْضِعِي هَذَا مُحْرِمًا. فَأَحْرَمَ مِنْ نَيْسَابُورَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ لَامَهُ عَلَى مَا صَنَعَ. وَهَذِهِ أَسَانِيدٌ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا. وَرَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ فِي تَارِيخِهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي السَّنَةِ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا عُثْمَانُ، ومناسبة هَذَا الْأَثَرِ لِلَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ بَيْنَ خُرَاسَانَ وَمَكَّةَ أَكْثَرَ مِنْ مَسَافَةِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَيَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ أَحْرَمَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَكَرِهَ ذَلِكَ عُثْمَانُ، وَإِلَّا فَظَاهِرُهُ يَتَعَلَّقُ بِكَرَاهَةِ الْإِحْرَامِ قَبْلَ الْمِيقَاتِ فَيَكُونُ مِنْ مُتَعَلَّقِ الْمِيقَاتِ الْمَكَانِيِّ لَا الزَّمَانِيِّ.

ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ عُمْرَتِهَا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَشَاهِدُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ قَوْلُهَا:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٥٦٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح المُوحَّدة وتشديد الشِّين المعجمة المُلقَّب ببندارٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو بَكْرٍ) عبد الكبير بن عبد المجيد (الحَنَفِيُّ) قال: (حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ) بهمزةٍ مفتوحةٍ ففاءٍ ساكنةٍ ثمَّ حاءٍ مهملةٍ، و «حُمَيدٍ»: بضمِّ الحاء المهملة وفتح الميم الأنصاريُّ (قَالَ: سَمِعْتُ القَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ) أي: ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ ) أنَّها (قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ وَلَيَالِي الحَجِّ وَحُرُمِ الحَجِّ) بضمِّ الحاء والرَّاء، أي: أزمنته وأمكنته وحالاته، وهذا موضع التَّرجمة، فإنَّه يدلُّ على أنَّه كان مشهورًا عندهم معلومًا، وللأَصيليِّ فيما ذكره الزَّركشيُّ كعياضٍ: «وحرَم الحجِّ» بفتح الرَّاء جمع حرمةٍ، أي: ممنوعات الحجِّ ومُحرَّماته (فَنَزَلْنَا بِسَرِفَ) بفتح السِّين المهملة وكسر الرَّاء آخره فاءٌ غير منصرفٍ للعلميَّة والتَّأنيث: اسم بقعةٍ على عشرة أميالٍ من مكَّة (قَالَتْ) عائشة:

(فَخَرَجَ) من قبَّته التي ضُرِبت له (إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ) لهم: (مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ مَعَهُ هَدْيٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا) أي: حجَّته (عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ) أي: العمرةَ (وَمَنْ كَانَ مَعَهُ الهَدْيُ فَلَا) يفعل، أي: لا يجعلها عمرةً، فحذف الفعل المجزوم بـ «لا» النَّاهية، ولـ «مسلمٍ»: قالت: قدم رسول الله لأربعٍ مضين من ذي الحجَّة أو خمسٍ، فدخل عليَّ وهو غضبان، فقلت: من أغضبك؟ أدخله الله النَّار، قال: «أو ما شَعَُرتِ أنِّي أمرتُ النَّاس بأمرٍ، فإذا هم يتردَّدون».

وفي حديث جابرٍ عند البخاريِّ: فقال لهم: «أَحِلُّوا من إحرامكم، واجعلوا التي قَدِمْتُم بها متعةً» فقالوا: كيف نجعلها متعةً، وقد سمَّينا الحجَّ؟ فقال: «افعلوا ما أقول لكم، فلولا أنِّي سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتُكم، ولكن لا يحلُّ منِّي حرامٌ (١) حتَّى يبلغ الهدي مَحِلَّه» ففعلوا [خ¦١٥٦٨]، قال النَّوويُّ: هذا صريحٌ في أنَّه أمرهم بفسخ الحجِّ إلى العمرة أمر عزيمةٍ وتحتيمٍ بخلاف قوله: «من لم يكن معه هديٌ، فأحبَّ أن يجعلها عمرةً فليفعل» قال العلماء: خيَّرهم أوَّلًا بين الفسخ وعدمه ملاطفةً وإيناسًا لهم (٢) بالعمرة في أشهر الحجِّ لأنَّهم كانوا يرونها من أفجر الفجور، ثمَّ حتَّم عليهم بعد ذلك الفسخَ، وأمرهم أمر عزيمةٍ وألزمهم إيَّاه، وكره تردُّدهم في قبول ذلك، ثمَّ قبلوه وفعلوه إلَّا من كان معه هديٌ.

(قَالَتْ) عائشة : (فَالآخِذُ بِهَا) بمدِّ الهمزة وكسر الخاء المعجمة والرَّفع على الابتداء (وَالتَّارِكُ لَهَا) عُطِفَ على سابقه، والضَّميران للعمرة، وخبرُ المبتدأ قولُها: (مِنْ أَصْحَابِهِ، قَالَتْ: فَأَمَّا رَسُولُ اللهِ وَرِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَكَانُوا أَهْلَ قُوَّةٍ، وَكَانَ مَعَهُمُ الهَدْيُ، فَلَمْ يَقْدِرُوا (٣) عَلَى العُمْرَةِ، قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ وَأَنَا أَبْكِي) جملةٌ حاليَّةٌ (فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ يَا هَنْتَاهْ؟) بفتح الهاء وسكون النُّون والهاء الأخيرة؛ كذا ضبطه (٤) في الفرع كأصله (٥)، ونسبه (٦)

السَّفاقسيُّ لرواية أبي ذرٍّ، وفي أخرى زيادة: فتح النُّون وضمِّ الهاء الأخيرة، والسُّكون فيها هو الأصل لأنَّها للسَّكت، لكنَّهم شبَّهوها بالضَّمائر وأثبتوها في الوصل وضمُّوها، ويُقال في التَّثنية: هنتان، وفي الجمع: هَناتٌ وهَنَوَاتٌ، وفي المُذكَّر: هَنٌ وهَنان وهَنون، ولك أن تلحقها الهاء لبيان الحركة فتقول: يا هَنَهْ، وأن تشبع الحركة فتصير ألفًا، فتقول: يا هناه، وقال الخليل: إذا دعوت امرأةً فكنَّيت عن اسمها قلت: يا هنة، فإذا وصلتها بالألف والهاء وقفت عندها في النِّداء فقلت: ياهنتاه، ولا يقال إلَّا في النداء، قِيلَ: ومعنى «يا هنتاه»: يا بلهاء، كأنَّها نُسِبت إلى قلَّة المعرفة بمكايد النِّساء (١) وشرورهنَّ، أو المعنى: يا هذه.

(قُلْتُ: سَمِعْتُ قَوْلَكَ لأَصْحَابِكَ، فَمُنِعْتُ العُمْرَةَ) أي: أعمالها من الطَّواف والسَّعي، وقد كانت قارنةً (قَالَ: وَمَا شَأْنُكِ؟ قُلْتُ: لَا أُصَلِّي) كَنَّتْ عن الحيض بالحكم الخاصِّ به؛ وهو امتناع الصَّلاة تأدُّبًا منها في الكناية لما في التَّصريح به من إخلالٍ ما بالأدب (٢)، ولهذا -والله أعلم- استمرَّ النِّساء إلى الآن على الكناية عن الحيض بحرمان الصَّلاة، أي: تحريمها، فظهر أثر أدبها في بناتها المؤمنات، قاله ابن المُنيِّر.

(قَالَ) : (فَلَا يَضِيرُكِ) بكسر الضَّاد وتخفيف المُثنَّاة التَّحتيَّة مِنَ الضَّير؛ وهو الضَّرر، قال العينيُّ كالحافظ ابن حجرٍ: وفي رواية غير الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فلا يضرُّك» بتشديد الرَّاء من الضَّرر (إِنَّمَا أَنْتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ كَتَبَ اللهُ عَلَيْكِ مَا كَتَبَ عَلَيْهِنَّ) سلَّاها بذلك وخفَّف همَّها، أي: إنَّك لست مختصَّةً بذلك، بل كلُّ بنات آدم يكون منهنَّ هذا (فَكُونِي فِي حَجَّتِكِ، فَعَسَى اللهُ أَنْ يَرْزُقَكِيهَا) مُفرِدةً كذا في «اليونينيَّة» وغيرها (٣) بياءٍ متولِّدةٍ من إشباع

كسرة الكاف، وهي في لسان المصريِّين (١) شائعةٌ (٢)، قاله في «المصابيح»، وفي البرماويِّ -كالكِرمانيِّ-: «يرزقكها» بغير ياءٍ، قالا: وفي بعضها: بإشباع كسرة الكاف ياءً، والضَّمير للعمرة.

(قَالَتْ: فَخَرَجْنَا فِي حَجَّتِهِ حَتَّى قَدِمْنَا مِنًى فَطَهَرْتُ) بالطَّاء المهملة (٣) وفتح الهاء، يوم السَّبت وهو يوم النَّحر في حجَّة الوداع، وكان ابتداء حيضها يوم السَّبت أيضًا لثلاثٍ خلون من ذي الحجَّة (ثُمَّ خَرَجْتُ مِنْ مِنًى، فَأَفَضْتُ بِالبَيْتِ) أي: طفت به طواف الإفاضة (قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجَْتُْ) بسكون الجيم وضمِّ التَّاء، وفي «اليونينيَّة»: بفتح الجيم وسكون التَّاء لا غير (٤) (مَعَهُ) (فِي النَّفْرِ الآخِرِ) بإسكان الفاء: القوم ينفرون من منًى، و «الآخِر»: بكسر الخاء، وهو في اليوم الثَّالث عشر من ذي الحجَّة، وأمَّا النَّفر الأوَّل ففي ثاني عشره (حَتَّى نَزَلَ) (المُحَصَّبَ) بضمِّ الميم وفتح الحاء والصَّاد المُشدَّدة المهملتين آخره مُوحَّدةٌ: موضعٌ متَّسعٌ بين مكَّة ومنًى، وسُمِّي به لاجتماع الحصباء (٥) فيه بحمل السَّيل لانهباطه، وهو الأبطح والبطحاء وخَيْفُ بني كنانة، وهو ما بين الجبلين إلى المقابر وليست المقابر منه، وفرَّق المحبُّ الطَّبريُّ بين الأبطح والبطحاء من حيث التَّذكير والتَّأنيث لا من حيث المكان، فقال: والأبطح: مسيلٌ واسعٌ فيه دقاق الحصى، فإذا أردت الوادي قلت: الأبطح، وإذا أردت البقعة قلت: البطحاء (وَنَزَلْنَا مَعَهُ) فيه (فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (فَقَالَ: اخْرُجْ) بضمِّ الرَّاء (بِأُخْتِكَ) عائشة (مِنَ الحَرَمِ) إلى أدنى الحلِّ لتجمع في النُّسك بين أرض الحلِّ والحرم كما يجمع الحاجُّ بينهما (فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ) أي: مكان العمرة التي كانت تريد حصولها منفردةً غير مندرجةٍ فمنعها الحيض منها، وقوله: «فلْتُهلَّ» بسكون اللَّام وضمِّ التَّاء من الإهلال وهو

الإحرام (ثُمَّ افْرُغَا) من العمرة، وظاهره: أنَّ عبد الرَّحمن اعتمر مع أخته (ثُمَّ ائْتِيَا هَهُنَا) أي: المُحصَّب (فَإِنِّي أَنْظُرُكُمَا) بضمِّ الظَّاء المعجمة؛ بمعنى رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «أنتظركما» بزيادة مُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ من الانتظار كما في قوله تعالى: ﴿انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] (حَتَّى تَأْتِيَانِي) وفي بعض الأصول: «تأتيانِ» بحذف الياء تخفيفًا وتخفيف النُّون وكسرة النُّون تدلُّ (١) على المحذوف (قَالَتْ: فَخَرَجْنَا) إلى التَّنعيم فأحرمنا بالعمرة (حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ) منها (وَفَرَغْتُ) أيضًا (مِنَ الطَّوَافِ) للوداع، وحُذِف ذلك للعلم به، فكلُّ واحدٍ من اللَّفظين مُسلَّطٌ على غير ما تسلَّط عليه الآخر، وهذا يردُّ على من زعم أنَّ الرَّاوي حرَّف (٢) اللَّفظ أو غلط فيه، وأنَّ الأصل: فرغت وفَرَغَ بلفظ الغائب؛ تعني: عائشة أخاها بدليل ما في أوَّل الحديث: «افرغا»، وما في آخره: «هل فرغتم؟» وأُجيب بأنَّه ليس الذي في أوَّله وآخره موجبًا لأن نقول: فرغت وفرغ، بل إنَّما عبَّرت عن حالها لا عن حاله، لكن قال الكِرمانيُّ -وتبعه البرماويُّ والعينيُّ-: إنَّه في بعضها: «فرغ» بلفظ الغائب، والله أعلم.

(ثُمَّ جِئْتُهُ بِسَحَرَ) قبيل الفجر الصَّادق، قال الزَّركشيُّ وغيره: بفتح الرَّاء، أي: من ذلك اليوم، فلا ينصرف للعلميَّة والعدل؛ نحو: جئته يوم الجمعة سَحَرَ. انتهى. قال في «المصابيح»: حكى الرَّضِيُّ خلافًا في صرفه مع إرادة التَّعيين لكن حكى أنَّ القول المشهور كونه غير منصرفٍ، وتحقيق العدل فيه هو أنَّ كل لفظِ جنسٍ أُطلِق وأُريد فردٌ مُعيَّنٌ من أفراده فلا بدَّ فيه من لام العهد، سواءٌ صار علمًا بالغلبة كالصَّعق والنَّجم، أو لا نحو: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦] أخذًا من استقراء لغتهم، فثبت في «سَحَرَ» بذلك عدلٌ مُحقَّقٌ، وقال أبو حيَّان: تعيينه أن يُراد من يومٍ بعينه، سواءٌ ذكرتَ ذلك اليومَ معه كجئتُك يوم الجمعة سحرَ، أو لم تذكره كجئتك سحرَ، وأنت تريد ذلك من يومٍ بعينه، وسواءٌ عرَّفْتَ ذلك اليوم -كما مرَّ- أو نكَّرته نحو: جئتك يومًا سحرَ (فَقَالَ) لهما ومن معهما ممَّن اعتمر: (هَلْ فَرَغْتُم) من العمرة؟ أو قال لهما فقط على قول: إنَّ أقلَّ الجمع اثنان،

قالت عائشة: (فَقُلْتُ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «قلت»: (نَعَمْ) فرغنا منها (فَآذَنَ) بهمزةٍ ممدودةٍ فذالٍ معجمةٍ مفتوحةٍ مُخفَّفةٍ فنونٍ، أي: أعلمَ (بِالرَّحِيلِ فِي أَصْحَابِهِ) وقِيلَ: أذَّن بتشديد الذَّال (١) من غير مدٍّ (فَارْتَحَلَ النَّاسُ فَمَرَّ) (٢) حال كونه (مُتَوَجِّهًا إِلَى المَدِينَةِ) ولمَّا كان في قوله: «لا يضيرك» روايتان هذه والثَّانية (٣): «فلا يضرُّك» أشار بقوله: (ضَيْرُ) الأجوف اليائيُّ إلى أنَّ مصدر «لايضيرك»: ضَيْرٌ، وأشار إلى أنَّ فيه لغتين: إحداهما أن يكون (مِنْ ضَارَ يَضِيرُ ضَيْرًا) من باب: باع يبيع بيعًا، وأشار إلى الثَّانية بقوله: (وَيُقَالُ: ضَارَ يَضُورُ ضَوْرًا) من باب: قال يقول قولًا، وأشار إلى الرِّواية الثانية بقوله: (وَضَرَّ يَضُرُّ ضَرًّا) بفتح العين في الماضي وضمِّها في المستقبل، وهذه الجملة من قوله: «ضير .... » إلى آخره ساقطةٌ في رواية أبي ذرٍّ.

وفي حديث الباب: التَّحديثُ والعنعنة والسَّماع والقول، ورواته الأوَّلان بصريَّان والأخيران مدنيَّان، وأخرجه البخاريُّ أيضًا ومسلمٌ في «الحج» [خ¦١٧٨٨]، وكذا النَّسائيُّ.

(٣٤) (بَابُ التَّمَتُّعِ) وهو «تَفَعُّلٌ» مِنَ المتاع، وهو المنفعة (٤) وما تمتَّعت به، يُقال: تمتَّعت بكذا واستمتعت به بمعنًى، والاسم منه المتعة؛ وهي (٥): أن يُحْرِم من على مسافة القصر من حرم مكَّة بعمرةٍ أوَّلًا من ميقات بلده في أشهر الحجِّ، ثمَّ يفرغ منها وينشئ حجًّا من مكَّة من عامها، ولم يَعُدْ لميقاتٍ من المواقيت ولا لمثله مسافةً، وسُمِّي تمتُّعًا لتمتُّع صاحبه بمحظورات الإحرام بينهما، وخرج بالقيود المذكورة: ما لو أحرم بالحجِّ أوَّلًا لقوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]

وما لو أحرم بالعمرة في غير أشهر الحجِّ وإن وقع أعمالها في أشهره لأنَّه لم يجمع بينهما في وقت الحجِّ (١)، فأشبه المفرد، وما لو أحرم في أشهر الحجِّ من الحرم، أو من دون مسافة القصر لأنَّه من حاضري المسجد الحرام، وقد قال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وما لو أحرم بها من مسافة القصر فأكثر من الحرم، ولم يحجَّ من عامها أو حجَّ من عامها، وعاد قبل إحرامه به أو بعده وقبل التَّلبُّس بنسكٍ إلى ميقاتٍ أو مثله مسافةً ولو أقرب ممَّا أحرم به بالعمرة، وهذه القيود المذكورة إنَّما هي قيودٌ للتَّمتُّع الموجب للدَّم، لا في صدق اسم التَّمتُّع.

(وَالإِقْرَانِ) أن يجمع بينهما في إحرامه فتندرج أفعال العمرة في أفعال الحجِّ، أو يحرم بالعمرة ثمَّ يدخل عليها الحجَّ قبل الشُّروع (٢) في الطَّواف، فلو أحرم بالحجِّ أوَّلًا ثمَّ أدخل عليه العمرة لم يصحَّ على أصحِّ قولي الشَّافعيِّ لأنَّه لا يستفيد به شيئًا، بخلاف إدخاله الحجَّ على العمرة يستفيد به الوقوف والرَّمي والمبيت، ولأنَّه (٣) يمتنع إدخال الضعيف على القويِّ، نعم صحَّح الإمام البلقينيُّ في «التَّدريب» القول الآخر، وجعله من أنواع (٤) القِرَان، فقال: والمختار جوازه لصحَّة ذلك من فعله ، وقد قال: «خذوا مناسككم عنِّي»، قال: ثمَّ يمتدُّ الجواز ما لم يَشْرَع في طواف القدوم على الأرجح. انتهى. وقوله: «الإِقْران» كذا في رواية أبي ذرٍّ بالهمزة المكسورة قبل القاف السَّاكنة، قال القاضي عياضٌ: وهو خطأٌ من حيث اللُّغة، وقال السَّفاقسيُّ: الإقران غير ظاهرٍ لأنَّ فعله ثلاثيٌّ، وصوابه: قَرَنَ، قال في «التَّنقيح»: لم يُسمَع في الحجِّ أَقْرَنَ ولا قَرَنٌ في المصدر منه، وإنَّما هو «قِرَانٌ» مصدر «قَرَنَ» بين الحجِّ والعمرة إذا جمع بينهما، قال (٥) في «المصابيح»: أراد تخطئة البخاريِّ لقصد (٦) المشاكلة بين الإقران

والإفراد؛ نحو: «ارجعن مأزوراتٍ غيرَ مأجوراتٍ». انتهى. ولأبي الوقت: «والقِران» (وَالإِفْرَادِ بِالحَجِّ) بأن يحجَّ ثمَّ يعتمر، أو يحرم بعمرةٍ في غير أشهر الحجِّ، أو فيها على دون مسافة القصر من الحرم، أو على مسافته منه ولم يحجَّ عام العمرة، أو يحجَّ عامها ويعود إلى ميقاتٍ، نعم ما سوى الأولى تمتُّعٌ لكن لا يوجب دمًا (وَفَسْخِ الحَجِّ) إلى العمرة، أي: قلبه عمرةً بأن يحرم به، ثمَّ يتحلَّل منه بعمل عمرةٍ (١) فيصير متمتِّعًا (لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ) وجوَّزه أحمد وطائفةٌ من أهل الظَّاهر، وقال مالكٌ والشَّافعيُّ وأبو حنيفة وجماهير العلماء من السَّلف والخلف: إنَّه خاصٌّ بالصَّحابة وبتلك السَّنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهليَّة من تحريم العمرة في أشهر الحجِّ، واعتقادهم أنَّ إيقاعها فيه من أفجر الفجور، ودليل التَّخصيص حديث الحارث بن بلالٍ عن أبيه المرويِّ عند أبي داود والنَّسائيِّ وابن ماجه قال: قلت: يا رسول الله، أرأيتَ فسخ الحجِّ إلى العمرة لنا خاصَّةً أم للنَّاس عامَّةً؟ فقال: «بل لكم خاصَّةً»، وأجاب القائلون بالأوَّل بأنَّ حديث الحارث بن بلالٍ ضعيفٌ، فإنَّ الدَّارقطنيَّ قال: إنَّه تفرَّد به عبد العزيز بن محمَّدٍ الدَّراورديُّ عنه، وقال أحمد: إنَّه لا يثبت، ولا نرويه عن الدَّراورديِّ، ولا يصحُّ حديثٌ في الفسخ أنَّه كان لهم خاصَّةً، وساق (٢) في «البخاريِّ» [خ¦١٥٦٣]: قال: شهدت عثمان وعليًّا وعثمان ينهى عن المتعة، أي: عن فسخ الحجِّ إلى العمرة لأنَّه كان مخصوصًا بتلك السَّنة (٣)، وقال مرَّةً: حديث بلالٍ لا أقول به، لا نعرف هذا الرَّجل ولم يروه

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

ضَيْرَ مِنْ ضارَ يَضِيرُ ضَيْرا ويُقَالُ ضار يَضُورُ ضَوْرا وضَرَّ يَضُرُّ ضَرَّا

لما كَانَت رِوَايَتَانِ فِي قَوْله: (فَلَا يضيرك) إِحْدَاهمَا: (فَلَا يضيرك) وَالْأُخْرَى: (فَلَا يَضرك) أَشَارَ بقوله: (ضير) بالأجوف اليائي إِلَى أَن مصدر: لَا يضيرك، ضير وَأَشَارَ إِلَى أَن فِيهِ لغتين إِحْدَاهمَا: (ضار يضير) من: بَاب بَاعَ يَبِيع، وَالْأُخْرَى: ضار يضور) من بَاب، قَالَ يَقُول، وَأَشَارَ إِلَى الرِّوَايَة الثَّانِيَة بقوله: (وضر يضر ضرا) من: بَاب فعل يفعل، بِفَتْح الْعين فِي الْمَاضِي، وَضمّهَا فِي الْمُسْتَقْبل، وضرا مصدره بِضَم الضَّاد، وَيَجِيء أَيْضا مصدره ضَرَرا بِفتْحَتَيْنِ. وَفِي (الْمطَالع) : الضَّرَر والضير والضر والضر والضرار كل ذَلِك بِمَعْنى قلت: وَفِي الحَدِيث: (لَا ضَرَر وَلَا ضرار) ، فعلى مَا ذكره يكون هَذَا للتَّأْكِيد، وَفرق بَعضهم بَينهمَا فَقَالَ: الضَّرَر وَمَا تضر بِهِ صَاحبك مِمَّا تنْتَفع أَنْت بِهِ، والضرار أَن تضره من غير أَن تَنْفَع نَفسك، وَمَتى قرن بالنفع لم يكن فِيهِ إلَاّ الضّر والضر لَا ضير.

٤٣ - (بابُ التَّمَتُّعِ وَالإقْرَانِ وَالإفرَادِ بِالحَجِّ وفَسْخِ الحَجِّ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التَّمَتُّع، وَهُوَ أَن يحرم بِالْعُمْرَةِ فِي أشهر الْحَج، ثمَّ بعد الْفَرَاغ مِنْهَا يحرم بِالْحَجِّ فِي تِلْكَ السّنة. قَوْله: (والإقران) ، بِكَسْر الْهمزَة من أقرن بَين الْعمرَة وَالْحج، وَهُوَ أَن يحرم بهما بِأَن يَقُول: لبيْك بِعُمْرَة وَحجَّة مَعًا، وَهَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر، يَعْنِي بِكَسْر الْهمزَة فِي أَوله، قَالَ عِيَاض: وَهُوَ خطأ من حَيْثُ اللُّغَة. وَفِي (الْمطَالع) : الْقرن فِي الْحَج جمعه بَين الْحَج وَالْعمْرَة فِي الْإِحْرَام، يُقَال مِنْهُ: قرن، وَلَا يُقَال: أقرن. قلت: رُوِيَ عَنهُ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَنه نهى عَن الْقرَان إلَاّ أَن يسْتَأْذن أحدكُم صَاحبه. قَالَ ابْن الْأَثِير: ويروى عَن الإقران فَإِذا روى الإقران فِي كَلَام الفصيح كَيفَ يُقَال إِنَّه غلط؟ وَكَيف يُقَال يُقَال مِنْهُ: قرن، وَلَا يُقَال: أقرن؟ فالقران من الثلاثي والإقران من الْمَزِيد، من قرن يقرن من: بَاب ضرب يضْرب، قَالَه ابْن التِّين: وَفِي (الْمُحكم) و (الصِّحَاح) من: بَاب نصر ينصر. قَوْله: (والإفراد بِالْحَجِّ) ، وَهُوَ الْإِحْرَام بِالْحَجِّ وَحده. قَوْله: (وَفسخ الْحَج) هُوَ أَن يحرم بِالْحَجِّ ثمَّ يتَحَلَّل مِنْهُ بِعَمَل عمْرَة فَيصير مُتَمَتِّعا، أما الْقرَان والإفراد بِالْحَجِّ فَلَا خلاف فِي جوازهما، وَأما فسخ الْحَج فَفِي جَوَازه خلاف، وَقَالَ بَعضهم: وَظَاهر تصرف المُصَنّف إِجَازَته، فَإِن تَقْدِير التَّرْجَمَة: بَاب مَشْرُوعِيَّة التَّمَتُّع ... إِلَى آخِره. قلت: لَا نسلم هَذَا التَّقْدِير، بل الظَّاهِر أَن التَّقْدِير فِي بَيَان التَّمَتُّع. . إِلَى آخِره، وَهُوَ أَعم مِمَّا ذكره قَوْله: (لمن لم يكن مَعَه هدي) ، قيد بِهِ لِأَن من سَاق الْهَدْي مَعَه لَا يجوز لَهُ فسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة.

١٦٥١ - حدَّثنا عُثْمَانُ قَالَ حدَّثنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ إبْرَاهِيمَ عَنِ الأسْوَدِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ خَرَجْنَا مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا نُرَي إلَاّ أنَّهُ الحَج فَلَمَّا قَدِمْنَا تَطَوَّفْنَا بِالْبَيْتِ فأمرَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَنْ لَمْ يَكُنْ ساقَ الهَدْيَ أنْ يُحِلَّ فَحَلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ ساقَ الهَدْيَ وَنِسَاؤُهُ لَمْ يَسُقْنَ فأحْلَلْنَ قالَتْ عائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا فَحِضْتُ فَلَمْ أطُفْ بِالبَيْتِ فَلَمَّا كانَتْ لَيْلَةُ الحَصْبَةِ قالَتْ يَا رسولَ الله يَرْجِعُ النَّاسُ بِعُمْرَةٍ وحَجَّةٍ وأرْجِعُ أَنا بِحَجَّةٍ قَالَ وَما طُفْتُ لَيَالي قَدِمْنَا مَكَّةَ قُلْتُ لَا قَالَ فاذْهَبِي مَعَ أخِيكِ إلَى التَّنْعِيمِ فأهِلِّي بِعُمْرَةٍ ثُمَّ مَوْعِدُكِ كذَا وكَذَا قالَتْ صَفِيَّةُ مَا أُرَانِي إلَاّ حابَسْتَهُمْ قَالَ عَقْرَى حَلُقَى أوْ مَا طُفْتُ يَوْمَ النَّحْرِ قالَتْ قُلْتُ بَلَى قَالَ لَا بَأسَ انْفِرِي قالَتْ عائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا فَلَقِيَنِي النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهْوَ مُصْعِدٌ مِنْ مَكَّةَ وَأنَا منْهَبِطَةٌ عَلَيْهَا أوْ أنَا مُصْعِدَةٌ وَهْوَ مُنْهَبِطٌ مِنْهَا..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي الْجُزْء الْأَخير مِنْهَا، وَهُوَ قَوْله: (وَفسخ الْحَج لمن لم يكن مَعَه هدي) فِي قَوْله: (فَأمر النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم،

من لم يكن سَاق الْهَدْي أَن يحل) أَي: من الْحَج إِلَى الْعمرَة، وَهَذَا هُوَ فسخ الْحَج.

وَرِجَاله قد ذكرُوا فِي: بَاب من سَأَلَ، فِي كتاب الْعلم، وَعُثْمَان هُوَ ابْن أبي شيبَة، وَجَرِير، بِفَتْح الْجِيم: ابْن عبد الحميد، وَمَنْصُور بن الْمُعْتَمِر، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَالْأسود بن يزِيد خَال إِبْرَاهِيم وَكلهمْ كوفيون.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن أبي النُّعْمَان عَن أبي عوَانَة عَن جرير، وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن زُهَيْر بن حَرْب وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، كِلَاهُمَا عَن جرير بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن قدامَة عَن جرير بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (خرجنَا مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، وَكَانَ خُرُوجهمْ فِي أشهر الْحَج كَمَا قد بَينه فِي الحَدِيث الَّذِي مضى فِي الْبَاب السَّابِق. قَوْله: (وَلَا نرى) ، بِضَم النُّون أَي: وَلَا نظن، وَقَالَ ابْن التِّين: ضَبطه بَعضهم بِفَتْح النُّون وَبَعْضهمْ بضَمهَا، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: كَانَ هَذَا قبل أَن يعلمن بِأَحْكَام الْإِحْرَام وأنواعه، وَقيل: يحْتَمل أَن ذَلِك كَانَ اعتقادها من قبل أَن تهل ثمَّ أهلت بِعُمْرَة، وَيحْتَمل أَن تُرِيدُ بقولِهَا: لَا نرى حِكَايَة عَن فعل غَيرهَا من الصَّحَابَة، وهم كَانُوا لَا يعْرفُونَ غَيره، وَزعم عِيَاض أَنَّهَا كَانَت أَحرمت بِالْحَجِّ ثمَّ أَحرمت بِالْعُمْرَةِ، ثمَّ أَحرمت بِالْحَجِّ، وَيدل على أَن المُرَاد بقولِهَا: لَا نرى إلَاّ الْحَج، من فعل غَيرهَا، قَوْله: (فَلَمَّا قدمنَا تطوفنا بِالْبَيْتِ) ، تَعْنِي بذلك: النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالنَّاس غَيرهَا لِأَنَّهَا لم تطف بِالْبَيْتِ فِي ذَلِك الْوَقْت لأجل حَيْضهَا، وَفِي رِوَايَة أبي الْأسود عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة: (خرجنَا مَعَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مهلين بِالْحَجِّ) وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق الْقَاسِم عَنْهَا: (لَا تذكر إلَاّ الْحَج) وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ أَيْضا كَذَلِك، وَقد مَضَت فِي كتاب الْحيض، وَله أَيْضا من هَذَا الْوَجْه: (لبينا بِالْحَجِّ) ، وَظَاهر هَذَا يَقْتَضِي أَن عَائِشَة كَانَت مَعَ الصَّحَابَة أَولا محرمين بِالْحَجِّ، لَكِن فِي رِوَايَة عُرْوَة عَنْهَا هُنَا: (فمنا من أهل بِعُمْرَة، وَمنا من أهل بِحَجّ وَعمرَة، وَمنا من أهل بِالْحَجِّ) . فَإِن قلت: مَا وَجه هَذَا؟ قلت: يحمل الأول على أَنَّهَا ذكرت مَا كَانُوا يعهدونه من ترك الاعتمار فِي أشهر الْحَج فَيخْرجُونَ لَا يعْرفُونَ إلَاّ الْحَج، قَالَت: مهلين بِالْحَجِّ، وَلَا نرى إلَاّ أَنه الْحَج، ثمَّ بَين لَهُم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وُجُوه الْإِحْرَام وَجوز لَهُم الاعتمار فِي أشهر الْحَج. فَإِن قلت: قد مر فِي كتاب الْحيض أَنَّهَا قَالَت: أَهلَلْت مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حجَّة الْوَدَاع، فَكنت فِيمَن تمنع وَلم يسق الْهَدْي؟ قلت: الْجَواب عَنهُ مَا قَالَه عِيَاض الَّذِي قد ذَكرْنَاهُ آنِفا، وَكَذَلِكَ الْجَواب عَن قَوْلهَا: وَكنت مِمَّن أهل بِعُمْرَة، وَقد مضى فِي كتاب الْحيض، وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي، وَادّعى إِسْمَاعِيل القَاضِي وَغَيره أَن هَذَا غلط من عُرْوَة وَأَن الصَّوَاب رِوَايَة الْأسود وَالقَاسِم وَعُرْوَة عَنْهَا أَنَّهَا أهلت بِالْحَجِّ مُفردا، ورد عَلَيْهِ بِأَن قَول عُرْوَة صَرِيح أَنَّهَا أهلت بِعُمْرَة، وَقَول الْأسود وَغَيره عَنْهَا: لَا نرى إلَاّ الْحَج، فَلَيْسَ بِصَرِيح فِي إهلالها بِحَجّ مُفْرد، فالجمع بَينهمَا بِمَا ذَكرْنَاهُ، فَلَا يحْتَاج إِلَى تغليط عُرْوَة وَهُوَ أعلم النَّاس بحديثها. قَوْله: (أَن يحل أَي: بِأَن يحل من الْحَج، وَهُوَ بِضَم الْيَاء من الْإِحْلَال، وَهُوَ الْخُرُوج من الْإِحْرَام، قَالَ الْكرْمَانِي: ويروى بِأَن يحل، بِفَتْح الْيَاء أَي: يصير حَلَالا، وَالْأول يُنَاسب قَوْلهَا: فأحللن، وَالثَّانِي: يُنَاسب قَوْلهَا: فَحل فَإِن قلت: قَوْله: (فَأمر النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) الْفَاء فِيهِ تَقْتَضِي التعقيب، فتدل على أَن الْأَمر كَانَ بعد الطّواف مَعَ أَنه قد سبق الْأَمر بِهَذَا؟ قلت: أجَاب الْكرْمَانِي أَنه قَالَ مرَّتَيْنِ: قبل الْقدوم وَبعده، فَالثَّانِي تكْرَار للْأولِ وتأكيد لَهُ. قَوْله: ونساؤه لم يسقن) أَي: نسَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يسقن الْهَدْي، فَلذَلِك أحللن قَوْله: (فَلم أطف) قَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا منَاف لقَوْله: (تطوفنا) ، ثمَّ أجَاب بقوله: المُرَاد بِلَفْظ الْجمع الصَّحَابَة، وَهَذَا تَخْصِيص لذَلِك الْعَام. قلت: قد ذكرنَا أَنَّهَا تَعْنِي النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَصْحَابه، لِأَنَّهَا لم تطف وَلم تدخل نَفسهَا فيهم، فَكيف يكون تَخْصِيصًا لذَلِك الْعَام؟ ثمَّ قَالَ أَيْضا: فَكيف صَحَّ حَجهَا بِدُونِ الطّواف؟ فَأجَاب بِأَنَّهُ لَيْسَ المُرَاد طواف ركن الْحَج، بِدَلِيل قَوْلهَا فِي حَدِيث الْبَاب السَّابِق: (ثمَّ خرجت من منى فأفضت بِالْبَيْتِ) . قَوْله: (لَيْلَة الحصبة) أَي: اللَّيْلَة الَّتِي بعد ليَالِي التَّشْرِيق الَّتِي ينزل الْحجَّاج فِيهَا فِي المحصب، وَالْمَشْهُور فِي الحصبة سُكُون الصَّاد، وَجَاء فتحهَا وَكسرهَا، وَهِي أَرض ذَات حَصى. قَوْله: (وأرجع أَنا بِحجَّة) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (وأرجع لي بِحجَّة) ، قَالَ الْكرْمَانِي: فَمَا قَول من قَالَ: إِنَّهَا كَانَت قارنة؟ فَأجَاب بقوله: إِنَّهُم يرجعُونَ بِحَجّ مُنْفَرد وارجع لَيْسَ لي عمْرَة مُنْفَرِدَة؟ قَوْله: (قَالَت صَفِيَّة) هِيَ أم الْمُؤمنِينَ، سبقت فِي: بَاب الْمَرْأَة تحيض بعد الْإِفَاضَة. قَوْله: (مَا أَرَانِي) أَي: مَا أَظن نَفسِي إلَاّ حابسة الْقَوْم عَن التَّوَجُّه إِلَى الْمَدِينَة، لِأَنِّي حِضْت وَمَا طفت بِالْبَيْتِ، فلعلهم بسببي

يتوقفون إِلَى زمَان طوافي بعد الطَّهَارَة، وَإسْنَاد الْحَبْس إِلَيْهَا على سَبِيل الْمجَاز. قَوْله: (عقري حلقي) قَالَ أَبُو عبيد: مَعْنَاهُ عقرهَا الله وأصابها وجع فِي حلقها، هَذَا على مَا يرويهِ المحدثون، وَالصَّوَاب: عقرا وحلقا أَي: مصدرين بِالتَّنْوِينِ فيهمَا، وَقيل لَهُ لِمَ لَا يجوز: فعلى؟ قَالَ: لِأَن: فعلى، يَجِيء نعتا، وَلم يَجِيء فِي الدُّعَاء، وَهَذَا دُعَاء. وَقَالَ صَاحب (الْمُحكم) : مَعْنَاهُ عقرهَا الله وَحلق شعرهَا أَو أَصَابَهَا فِي حلقها بالوجع، فعقرى هَهُنَا مصدر كدعوى، وَقيل: مَعْنَاهُ تعقر قَومهَا وتحلقهم بشؤمها، وَهُوَ جمع عقير، وَهُوَ مثل: جريح وجرحى لفظا وَمعنى. وَقيل: عقرى عَاقِر لَا تَلد، وحلقى أَي مشؤمة. قَالَ الْأَصْمَعِي: يُقَال: أَصبَحت أمه حالقا أَي ثاكلاً، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وعَلى الْأَقْوَال كلهَا هِيَ كلمة اتسعت فِيهَا الْعَرَب فَصَارَت تلفظها وَلَا تُرِيدُ بهَا حَقِيقَة مَعْنَاهَا الَّتِي وضعت لَهُ: كتربت يَدَاهُ، وقاتله الله. قَالَ: إِن الْمُحدثين يَرْوُونَهُ بِالْألف الَّتِي هِيَ ألف التَّأْنِيث، ويكتبونه بِالْيَاءِ، وَلَا ينونونه. وَقيل: مَعْنَاهُ مشؤمة مؤذية. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: يُقَال ذَلِك لأمر يعجب مِنْهُ، وَيُقَال: إمرأة حالق إِذا حلقت قَومهَا بشؤمها. وَقَالَ الدَّاودِيّ: يُرِيد: أَنْت طَوِيلَة اللِّسَان لما كَلمته بِمَا يكره، وَهُوَ مَأْخُوذ من الْحلق الَّذِي يخرج مِنْهُ الْكَلَام. قَوْله: (انفري) ، بِكَسْر الْفَاء أَي: ارجعي واذهبي، إِذْ لَا حَاجَة لَك إِلَى طواف الْوَدَاع لِأَنَّهُ سَاقِط عَن الْحَائِض. قَوْله: (فلقيني النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) إِلَى آخِره الْوَاو فِي قَوْله: (وَهُوَ مصعد) للْحَال، وَكَذَا الْوَاو فِي قَوْله: (وَأَنا منهبطة) ، إِنَّمَا حكت الْأَمر على وَجهه، وَشك الْمُحدث أَي الْكَلِمَتَيْنِ قَالَت، وَإِنَّمَا لقيها وَهُوَ يُرِيد المحصب وَهُوَ يهْبط إِلَى مَكَّة، والمصعد فِي اللُّغَة المبتدىء فِي السّير، والصاعد الراقي إِلَى الْأَعْلَى من الْأَسْفَل.

ذكر فَوَائِد فِيهِ: ذكر الْحَج والتمتع، فالحج إِذا ذكر مُطلقًا يتَنَاوَل الْمُفْرد وَغَيره من التَّمَتُّع وَالْقُرْآن، والتمتع الْجمع بَين الْحَج وَالْعمْرَة، يتَحَلَّل بَينهمَا إِن لم يكن سائقا للهدي. قَالَ ابْن سَيّده: الْمُتْعَة ضم الْعمرَة إِلَى الْحَج، وَقد تمتّع واستمتع، وَقَالَ الْقَزاز فِي (جَامعه) : الْمُتْعَة هُوَ أَن يدْخل الرجل مَكَّة فِي أشهر الْحَج بِعُمْرَة، ثمَّ يُقيم فِيهَا حَتَّى يحجّ وَقد خرج من إِحْرَامه، وتمتع بِالنسَاء وَالطّيب. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: التَّمَتُّع الترفق بأَدَاء النُّسُكَيْنِ على وَجه الصِّحَّة فِي سفرة وَاحِدَة من غير أَن يلم بأَهْله إلماما صَحِيحا، وَلِهَذَا لم يتَحَقَّق من الْمَكِّيّ، وَقيل: سمي تمتعا لأَنهم يتمتعون بِالنسَاء وَالطّيب بَين الْعمرَة وَالْحج، قَالَه عَطاء وَآخَرُونَ، والمحرمون عشرَة: مُفْرد بِالْحَجِّ. مُفْرد بِالْعُمْرَةِ. قَارن متمتع. مُطلق. مُتَطَوّع بِحَجّ: مُتَطَوّع بِعُمْرَة. مُتَطَوّع بقران. متمتع. مُطلق. مُعَلّق يَعْنِي: كإحرام فلَان، وَالْكل جَائِز عِنْد أهل الْعلم كَافَّة إلَاّ مَا رُوِيَ عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر وَعُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّهُمَا كَانَا ينهيان عَن التَّمَتُّع، وَقيل: كَانَ نهي تَنْزِيه، وَقيل: إِنَّمَا نهينَا عَن فسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة، لِأَن ذَلِك كَانَ خَاصّا بالصحابة، وَذهب أَحْمد إِلَى جَوَاز فسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة، وَقد استقصينا الْكَلَام فِي الْأَفْضَل من الْإِفْرَاد والتمتع وَالْقرَان عَن قريب.

٢٦٥١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ أبي الأسْوَدِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ ابنِ نَوْفَلٍ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّهَا قالَتْ خرَجْنَا مَعَ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أهَلَّ بِعُمْرَةٍ ومِنَّا مَنْ أهَلَّ بحَجَّةٍ عمْرَة ومِنَّا مَنْ أهَلَّ بِالحَجِّ وَأهَلَّ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالحجِّ فأمَّا مَنْ أهَلَّ بِالحَجِّ أوْ جَمَعَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كانَ يَوْمُ النَّحْرِ..

هَذَا وَجه آخر من حَدِيث عَائِشَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً. قَالَ الْكرْمَانِي: قَالَت عَائِشَة: لَا نرى إلَاّ أَنه الْحَج، فَكيف أهلوا بِالْعُمْرَةِ؟ وَأجَاب بقوله: ذَلِك الظَّن كَانَ عِنْد الْخُرُوج، وَأما الانقسام إِلَى هَذِه الثَّلَاثَة من التَّمَتُّع وَالْقرَان والإفراد فَهُوَ بعد ذَلِك. قلت: قد ذكرنَا فِي هَذَا عَن قريب بِأَحْسَن من هَذَا وأبسط، وَقد ذكرنَا أَن الرِّوَايَات عَن عَائِشَة مُخْتَلفَة فِيمَا أَحرمت بِهِ، حَتَّى قَالَ مَالك: لَيْسَ الْعَمَل عندنَا على حَدِيث عُرْوَة عَن عَائِشَة قَدِيما وَلَا حَدِيثا، وَقَالَ أَبُو عمر: الْأَحَادِيث عَنْهَا مضطربة.

٢٦٥١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ أبي الأسْوَدِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ ابنِ نَوْفَلٍ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّهَا قالَتْ خرَجْنَا مَعَ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أهَلَّ بِعُمْرَةٍ ومِنَّا مَنْ أهَلَّ بحَجَّةٍ عمْرَة ومِنَّا مَنْ أهَلَّ بِالحَجِّ وَأهَلَّ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالحجِّ فأمَّا مَنْ أهَلَّ بِالحَجِّ أوْ جَمَعَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كانَ يَوْمُ النَّحْرِ..

هَذَا وَجه آخر من حَدِيث عَائِشَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً. قَالَ الْكرْمَانِي: قَالَت عَائِشَة: لَا نرى إلَاّ أَنه الْحَج، فَكيف أهلوا بِالْعُمْرَةِ؟ وَأجَاب بقوله: ذَلِك الظَّن كَانَ عِنْد الْخُرُوج، وَأما الانقسام إِلَى هَذِه الثَّلَاثَة من التَّمَتُّع وَالْقرَان والإفراد فَهُوَ بعد ذَلِك. قلت: قد ذكرنَا فِي هَذَا عَن قريب بِأَحْسَن من هَذَا وأبسط، وَقد ذكرنَا أَن الرِّوَايَات عَن عَائِشَة مُخْتَلفَة فِيمَا أَحرمت بِهِ، حَتَّى قَالَ مَالك: لَيْسَ الْعَمَل عندنَا على حَدِيث عُرْوَة عَن عَائِشَة قَدِيما وَلَا حَدِيثا، وَقَالَ أَبُو عمر: الْأَحَادِيث عَنْهَا مضطربة.

٣٦٥١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حأقنا غُنْدُرٌ حدَّثنا شُعْبَةُ عنِ الحَكَمِ عنْ عَلِيِّ بنِ حُسَيْن

ٍ عَنْ مَرْوَانَ بنِ الْحَكَمِ قَالَ شَهِدْتُ عُثْمَانَ وعلِيّا رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وعُثْمَانُ يَنْهَى عنِ المُتْعَةِ وَأنْ يُجْمَعَ بَينَهُما فلَمَّا رَأى عَليٌّ أهَلَّ بهمَا لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وحَجَّةٍ قَالَ مَا كُنْتْ لأِدَعَ سُنَّةَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِقَوْلِ أحَدٍ.

(الحَدِيث ٣٦٥١ طرفه فِي: ٩٦٥١) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أهل بهما) ، أَي: بِالْعُمْرَةِ وَالْحج، وَهَذَا هُوَ القِران، وغندر هُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَالْحكم بِفتْحَتَيْنِ هُوَ ابْن عتيبة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الثَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: الْفَقِيه الْكُوفِي، وَعلي بن الْحُسَيْن هُوَ زين العابدين. وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (شهِدت عُثْمَان وعليا) كَانَ شُهُوده إيَّاهُمَا بعسفان على مَا يَأْتِي. قَوْله: (وَعُثْمَان) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (عَن الْمُتْعَة) اخْتلفُوا فِي الْمُتْعَة الَّتِي نهى عَنْهَا. فَقيل: هِيَ فسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة لِأَنَّهُ كَانَ مَخْصُوصًا بِتِلْكَ السّنة الَّتِي حج فِيهَا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَانَ تَحْقِيقا مَا عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّة من منع الْعمرَة فِي أشهر الْحَج، وَقيل: هُوَ التَّمَتُّع الْمَشْهُور، وَالنَّهْي للتنزيه ترغيبا للإفراد. قَوْله: (وَأَن يجمع بَينهمَا) أَي: بَين الْعمرَة وَالْحج، قَالَ الْكرْمَانِي: أَي الْقرَان، ثمَّ قَالَ: مَا المُرَاد مِنْهُ؟ ثمَّ أجَاب: بِأَنَّهُ قَالَ ابْن عبد الْبر: القِران أَيْضا نوع من التَّمَتُّع لِأَنَّهُ تمتّع بِسُقُوط سَفَره للنسك الآخر من بَلَده، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن تكون الْوَاو فِي قَوْله: (وَأَن يجمع بَينهمَا) ، عاطفة فَيكون النَّهْي عَن التَّمَتُّع وَالْقرَان مَعًا، وَيحْتَمل إِن تكون تفسيرية، وَذَلِكَ لِأَن السّلف كَانُوا يطلقون على الْقرَان تمتعا. انْتهى. قلت: الْوَاو هُنَا عاطفة قطعا، وَلَا إِجْمَال فِي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ حَتَّى يُقَال: إِنَّهَا تفسيرية، وَهُوَ قد رد على نَفسه كَلَامه بقوله: إِن السّلف كَانُوا يطلقون على الْقرَان تمتعا، فَإِذا كَانَ كَذَلِك يكون عطف التَّمَتُّع على الْمُتْعَة، وَهُوَ غير جَائِز. قَوْله: (فَلَمَّا رأى عَليّ) مَفْعُوله مَحْذُوف تَقْدِيره: فَلَمَّا رأى عَليّ النَّهْي (أهل بهما) أَي: بِالْعُمْرَةِ وَالْحج. وَقَوله: (إهل) جَوَاب لما، وَفِي رِوَايَة سعيد بن الْمسيب: (فَقَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَا تُرِيدُ إِلَى أَن تنهي عَن أَمر فعله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) . وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (إلَاّ أَن تنْهى) ، بِحرف الِاسْتِثْنَاء، وَفِي رِوَايَة مُسلم من هَذَا الْوَجْه زِيَادَة، وَهِي: (فَقَالَ عُثْمَان: إِنِّي لَا أَسْتَطِيع أَن أدعك) . قَوْله: (لبيْك بِعُمْرَة وَحجَّة) مقول لمقدر، وَالتَّقْدِير: أهل بهما حَال كَونه قَائِلا: لبيْك. قَوْله: (قَالَ: مَا كنت) أَي: قَالَ عَليّ، وَهُوَ اسْتِئْنَاف كَأَن قَائِلا يَقُول: لِمَ خَالفه، فَقَالَ: مَا كنت ... إِلَى آخِره، وَحَاصِله أَنه مُجْتَهد لَا يجوز عَلَيْهِ أَن يُقَلّد مُجْتَهدا آخر، لَا سِيمَا مَعَ وجود السّنة، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ والإسماعيلي: (فَقَالَ عُثْمَان: تَرَ أَنِّي أنهى النَّاس وَأَنت تَفْعَلهُ؟ فَقَالَ: مَا كنت لأدع) ، أَي: لأترك، اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: إِشَاعَة الْعَالم مَا عِنْده من الْعلم وإظهاره ومناظرته وُلَاة الْأُمُور وَغَيرهم فِي تَحْقِيقه لمن قوي على ذَلِك لقصد منا صِحَة الْمُسلمين. وَفِيه: الْبَيَان بِالْفِعْلِ مَعَ القَوْل، لِأَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَمر وَفعل مَا نَهَاهُ عَنهُ عُثْمَان: وَفِيه: مَا كَانَ عَلَيْهِ عُثْمَان من الْحلم أَنه لَا يلوم مخالفه. وَفِيه: أَن الْقَوْم لم يَكُونُوا يسكتون عَن قَول يرَوْنَ أَن غَيره أمثل مِنْهُ إلَاّ بَينُوهُ. وَفِيه: أَن طَاعَة الإِمَام إِنَّمَا تجب فِي الْمَعْرُوف، وَفِيه: أَن مُعظم الْقَصْد الَّذِي بوب عَلَيْهِ هُوَ مَشْرُوعِيَّة الْمُتْعَة لجَمِيع النَّاس. فَإِن قلت: رُوِيَ عَن أبي ذَر أَنه قَالَ: كَانَت مُتْعَة الْحَج لأَصْحَاب مُحَمَّد، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، خَاصَّة فِي (صَحِيح مُسلم) ؟ قلت: قَالُوا: هَذَا قَول صَحَابِيّ يُخَالف الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع، وَقَول من هُوَ خير مِنْهُ. أما الْكتاب فَقَوله تَعَالَى: {فَمن تمتّع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج} (الْبَقَرَة: ٦٩١) . وَهَذَا عَام، وَأجْمع الْمُسلمُونَ على إِبَاحَة التَّمَتُّع فِي جَمِيع الْأَعْصَار، وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي فَضله. وَأما السّنة، فَحَدِيث سراقَة: (الْمُتْعَة لنا خَاصَّة أَو هِيَ لِلْأَبَد؟ قَالَ: بل هِيَ لِلْأَبَد) . وَحَدِيث جَابر الْمَذْكُور فِي (صَحِيح مُسلم) فِي صفة الْحَج نَحْو هَذَا، وَمَعْنَاهُ: أهل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا لَا يجيزون التَّمَتُّع، وَلَا يرَوْنَ الْعمرَة فِي أشهر الْحَج، فجوزا، فبيَّن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَن الله قد شرع الْعمرَة فِي أشهر الْحَج، وَجوز الْمُتْعَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور من قَول طَاوُوس، وَزَاد فِيهِ: (فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَام أَمر النَّاس أَن يعتمروا فِي أشهر الْحَج، فَدخلت الْعمرَة فِي أشهر الْحَج إِلَى يَوْم الْقِيَامَة) ، وَقد خَالف أَبَا ذَر عَليّ وَسعد وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَعمْرَان بن حُصَيْن وَسَائِر الصَّحَابَة وَسَائِر الْمُسلمين، قَالَ عمرَان: تَمَتعنَا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَنزل فِيهِ الْقُرْآن وَلم ينهنا عَنهُ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلم ينسخها شَيْء، فَقَالَ فِيهَا رجل بِرَأْيهِ مَا شَاءَ، مُتَّفق عَلَيْهِ.

وَقَالَ سعد بن أبي وَقاص: (فعلناها مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَعْنِي: الْمُتْعَة، وَهَذَا يَعْنِي الَّذِي نهى عَنْهَا يَوْمئِذٍ كَافِر بالعرش، يَعْنِي بيُوت مَكَّة) رَوَاهُ مُسلم. فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد عَن سعيد بن الْمسيب أَن رجلا من الصَّحَابَة أَتَى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَشهد عِنْده أَنه سمع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ينْهَى عَن الْمُتْعَة قبل الْحَج؟ قلت: أُجِيب عَن هَذَا بِأَنَّهُ حَالَة مُخَالفَة للْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع، كَحَدِيث أبي ذَر، بل هُوَ أدنى حَالا مِنْهُ، فَإِن فِي إِسْنَاده مقَالا. فَإِن قلت: قد نهى عَنْهَا عمر وَعُثْمَان وَمُعَاوِيَة قلت: قد أنكر عَلَيْكُم عُلَمَاء الصَّحَابَة وخالفوهم فِي فعلهَا، وَالْحق مَعَ المنكرين عَلَيْهِم دونهم.

٤٦٥١ - حدَّثنا مُوسى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا وُهَيْبٌ حدَّثنا ابنُ طَاوُوسٍ عَنْ أبِيهِ عَن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ كانُوا يَرَوْنَ أنَّ العُمْرَةَ فِي أشْهُرِ الحَجِّ من أفْجَرِ الْفُجُورَ فِي الأرْضِ ويَجْعَلُونَ المُحَرَّمَ صَفرا ويَقُولونَ إذَا بَرَأ الدَّبَرْ وعَفا الأثَرْ وانْسَلَخَ صَفَرْ حلَّتِ العُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرْ. قَدِمَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأصْحابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مُهِلِّينَ بالْحَجِّ فأمَرَهُمْ أنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً فتعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ فَقالُوا يَا رسُولَ الله أيُّ الحلِّ قَالَ حِل كُلّهُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَأَمرهمْ أَن يجعلوها عمْرَة) ، وَهِي فسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة، وَرِجَال الحَدِيث قد تقدمُوا غير مرّة، ووهيب مصغر وهب ابْن خَالِد، وَابْن طَاوُوس هُوَ عبد الله، يروي عَن أَبِيه طَاوُوس.

وَأخرجه ابخاري أَيْضا فِي أَيَّام الْجَاهِلِيَّة عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن مُحَمَّد بن حَاتِم. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عبد الْأَعْلَى.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (كَانُوا) أَي: أهل الْجَاهِلِيَّة. قَوْله: (يرَوْنَ) ، أَي: يَعْتَقِدُونَ أَن الْعمرَة إِلَى آخِره، وروى دَاوُد (عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: وَالله مَا أعمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعَائِشَة فِي ذِي الْحجَّة إلَاّ ليقطع بذلك أَمر أهل الشّرك، فَإِن هَذَا الْحَيّ من قُرَيْش من دَان دينهم كَانُوا يَقُولُونَ: إِذا عَفا الْأَثر وبرأ الدبر وَدخل صفر فقد حلت الْعمرَة لمن اعْتَمر، وَكَانَ يحرمُونَ الْعمرَة حَتَّى يَنْسَلِخ ذُو الْحجَّة وَالْمحرم) . وَرَوَاهُ ابْن حبَان أَيْضا، فَفِي هَذَا تعْيين الْقَائِلين الْمَذْكُورين فِي قَوْله: وَيَقُولُونَ: قَوْله: (من أفجر الْفُجُور) ، أَي: من أعظم الذُّنُوب، وَهَذَا من تحكماتهم الْبَاطِلَة الْمَأْخُوذَة من غير أصل، والفجور: الانبعاث فِي المعاضي، يُقَال: فجر يفجر فجورا من: بَاب نصر ينصر. قَوْله: (ويجعلون الْمحرم صفرا) أَي: يجْعَلُونَ الصفر من الْأَشْهر الْحرم، وَلَا يجْعَلُونَ الْمحرم مِنْهَا. قَوْله: (صفر) قَالَ بَعضهم: كَذَا هُوَ فِي جَمِيع الْأُصُول من الصَّحِيحَيْنِ، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) قَوْله: (صفرا) هُوَ الصَّحِيح لِأَنَّهُ مَصْرُوف بِلَا خلاف، وَوَقع فِي مُسلم، رَحمَه الله تَعَالَى: صفر بِغَيْر ألف. قلت: هَذَا يرد مَا قَالَه بَعضهم، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : قَوْله: صفر، كَذَا هُوَ بِغَيْر ألف فِي أصل الدمياطي، رَحمَه الله تَعَالَى. وَفِي مُسلم: الصَّوَاب صفرا بِالْألف. وَقَالَ النَّوَوِيّ: كَانَ يَنْبَغِي أَن يكْتب بِالْألف، وَلَكِن على تَقْدِير حذفهَا لَا بُد من قِرَاءَته مَنْصُوبًا لِأَنَّهُ منصرف. وَقَالَ الْكرْمَانِي: اللُّغَة الربيعية أَنهم يَكْتُبُونَ الْمَنْصُوب بِلَا ألف. وَقَالَ: وتقرأ هَذِه الْأَلْفَاظ كلهَا سَاكِنة الآخر مَوْقُوفا عَلَيْهَا، لِأَن مُرَادهم السجع. وَفِي (الْمُحكم) وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَة لَا يصرفهُ، فَقيل لَهُ: لِمَ لم تصرفْهُ؟ لِأَن النَّحْوِيين قد أَجمعُوا على صرفه وَقَالُوا لَا يمْنَع الْحَرْف من الصّرْف إلَاّ العلتان فَأخْبرنَا بالعلتين فِيهِ؟ فَقَالَ: نعم، العلتان الْمعرفَة والساعة. وَقَالَ: أَبُو عمر الْمُطَرز، يرى أَن الْأَزْمِنَة كلهَا سَاعَات، والساعات مُؤَنّثَة، وَقَالَ عِيَاض: قيل صفر دَاء يكون فِي الْبَطن كالحيات إِذا اشْتَدَّ جوع الْإِنْسَان عضه، وَقَالَ رؤبة: هِيَ حَيَّة تلتوي فِي الْبَطن، وَهِي أعدى من الجرب عِنْد الْعَرَب قلت: هَذَا الْمَعْنى فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا صفر، وَهَهُنَا غير مُنَاسِب، وَقَالَ النَّوَوِيّ: قَالَت الْعلمَاء: المُرَاد الْإِخْبَار عَن النسيء الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّة، فَكَانُوا يسمون الْمحرم صفرا، ويحلونه، ويؤخرون تَحْرِيم الْمحرم إِلَى نفس صفر، لِئَلَّا يتوالى عَلَيْهِم ثَلَاثَة أشهر مُحرمَة، فيضيق عَلَيْهِم فِيهَا مَا اعتادوه من الْمُقَاتلَة والغارة والنهب، فضللهم الله فِي ذَلِك فَقَالَ: {إِنَّمَا النسيء زِيَادَة فِي الْكفْر يضل بِهِ الَّذين كفرُوا} (التَّوْبَة: ٧٣) . وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ، النسيء، هُوَ تَأْخِير حُرْمَة الشَّهْر إِلَى شهر آخر وَرُبمَا زادوا فِي عدد الشَّهْر فيجعلونها ثَلَاثَة عشر أَو أَرْبَعَة عشر ليتسع لَهُم الْوَقْت، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: إِن الْعَرَب كَانُوا يؤخرون الْمحرم إِلَى صفر، وَهُوَ النسيء الْمَذْكُور فِي الْقُرْآن، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا النسيء زِيَادَة فِي الْكفْر} (التَّوْبَة: ٧٣) . وَقَالَ الْكَلْبِيّ: أول من نسأ القلمّس واسْمه: حُذَيْفَة

ابْن عبيد الْكِنَانِي، ثمَّ ابْنه عباد، ثمَّ ابْنه قلع بن عباد، ثمَّ أُميَّة بن قلع، ثمَّ عَوْف بن أُميَّة، ثمَّ جُنَادَة بن أُميَّة وَعَلِيهِ قَامَ الْإِسْلَام. وَقيل: أول من نسأ نعيم بن ثَعْلَبَة، ثمَّ جُنَادَة، وَهُوَ الَّذِي أدْركهُ سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَقيل: مَالك بن كنَانَة، وَقيل: عَمْرو بن طَيء. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: الصفران شَهْرَان من السّنة سمي أَحدهمَا فِي الْإِسْلَام: الْمحرم، وَفِي (الْمُحكم) : قَالَ بَعضهم: سمي صفرا لأَنهم كَانُوا يمتارون الطَّعَام فِيهِ من الْمَوَاضِع، وَقَالَ بَعضهم: سمي بذلك لإصفار مَكَّة من أَهلهَا إِذا سافروا، وروى عَن رؤبة أَنه قَالَ: سموا الشَّهْر صفرا لأَنهم كَانُوا يغزون فِيهِ الْقَبَائِل فيتركون من لقوا صفرا من الْمَتَاع، وَذَلِكَ إِذا كَانَ صفر بعدالمحرم، فَقَالُوا: صفر النَّاس منَّا صفرا، فَإِذا جَمَعُوهُ مَعَ الْمحرم قَالُوا: صفران وَالْجمع أصفار. وَقَالَ الْقَزاز: قَالُوا إِنَّمَا سموا الشَّهْر صفرا لأَنهم كَانُوا يخلون الْبيُوت فِيهِ لخروجهم إِلَى الْبِلَاد، يُقَال لَهَا الصفرية، يمتارون مِنْهَا. وَقيل: لأَنهم كَانُوا يخرجُون إِلَى الْغَارة فَتبقى بُيُوتهم صفرا، وَفِي الْعلم الْمَشْهُور لأبي الْخطاب: الْعَرَب تَقول: صفر وصفران وصفارين وأصفار. قَالَ: وَقيل: إِن الْعَرَب كَانُوا يزِيدُونَ فِي كل أَربع سِنِين شهرا يسمونه صفرا الثَّانِي، فَتكون السّنة ثَلَاثَة عشر شهرا، وَلذَلِك قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (السّنة اثْنَي عشر شهرا) وَكَانُوا يَتَطَيَّرُونَ بِهِ وَيَقُولُونَ: (إِن الْأُمُور فِيهِ منغلقة، والآفات فِيهِ وَاقعَة. قَوْله: (إِذا برأَ الدبر) ، برأَ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة مَعْنَاهُ: إِذا أَفَاق، والدبر، بِفَتْح الدَّال وَالْبَاء الْمُوَحدَة ثمَّ الرَّاء، وَهُوَ مَا يتأثر فِي ظهر الْإِبِل بِسَبَب اصطكاك القتب وَالْحمل عَلَيْهَا فِي السّفر. وَقَالَ الْخطابِيّ: يحْتَمل أَن يَكُونُوا أَرَادوا برْء الدبر فِي ظهر الْإِبِل إِذا انصرفت من الْحَج. وَقَالَ ابْن سَيّده: الْجمع أدبار، ودبر دبرا، فَهُوَ دبر وَأدبر، وَالْأُنْثَى: دبرة ودبراء، وإبل دبراء، وَقد أدبرها الْحمل، قَالَ عِيَاض: وَقيل: هُوَ أَن يقرح خف الْبَعِير. قَوْله: (وَعَفا الْأَثر) أَي: ذهب أثر الدبر، يُقَال: عَفا الشَّيْء بِمَعْنى درس، وَوَقع فِي (سنَن أبي دَاوُد) وَعَفا الْوَبر: يَعْنِي كثر وبر الْإِبِل الَّذِي حلقته رحال الْحَاج، وَعفى من الأضداد، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْمَعْرُوف فِي عَامَّة الرِّوَايَات: عَفا الْوَبر يَعْنِي بِالْوَاو كَمَا فِي رِوَايَة أبي دَاوُد، قَالَ تَعَالَى: {حَتَّى عفوا وَقَالُوا} (الْأَعْرَاف: ٥٩) . أَي: كَثُرُوا. قَوْله: (حلت الْعمرَة) أَي: صَار الْإِحْرَام بِالْعُمْرَةِ لمن أَرَادَ أَن يحرم بهَا جَائِزا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَا وَجه تعلق انسلاخ صفر بالاعتمار فِي أشهر الْحَج الَّذِي هُوَ الْمَقْصُود من الحَدِيث، وَالْمحرم وصفر ليسَا من أشهر الْحَج؟ فَأجَاب بقوله: لما سموا الْمحرم صفرا. وَكَانَ من جملَة تصرفاتهم فعل السّنة ثَلَاثَة عشر شهرا، صَار صفر على هَذَا التَّقْدِير آخر السّنة وَآخر أشهر الْحَج، إِذْ لَا برْء فِي أقل من هَذِه الْمدَّة غَالِبا. وَأما ذكر انسلاخ صفر الَّذِي من الْأَشْهر الْحرم بزعمهم فلأجل أَنه لَو وَقع قتال فِي الطَّرِيق، وَفِي مَكَّة لقدروا على الْمُقَاتلَة، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِذا انْقَضى شهر الْحَج وأثره، والشهر الْحَرَام، جَازَ الاعتمار، أَو يُرَاد بالصفر الْمحرم، وَيكون إِذا انْسَلَخَ صفر كالبيان وَالْبدل لقَوْله: (إِذا برأَ الدبر) فَإِن الْغَالِب أَن البرى لَا يحصل من أثر سفر الْحَج إلَاّ فِي هَذِه الْمدَّة، وَهِي مَا بَين أَرْبَعِينَ يَوْمًا إِلَى خمسين، وَنَحْوه. قَوْله: (قدم النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، كَذَا وَقع فِي هَذِه الرِّوَايَة، وَوَقع فِي رِوَايَة عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن وهيب فِي أَيَّام الْجَاهِلِيَّة بِلَفْظ: فَقدم، بِزِيَادَة فَاء الْعَطف، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق بهز بن أَسد والإسماعيلي من طَرِيق إِبْرَاهِيم بن الْحجَّاج، كِلَاهُمَا عَن وهيب وَهُوَ الْوَجْه. قَوْله: (صَبِيحَة رَابِعَة) أَي: لَيْلَة رَابِعَة من ذِي الْحجَّة، وَهِي يَوْم الْأَحَد. قَوْله: (مهلِّين) نصب على الْحَال، أَي: حَال كَونهم مهلين بِالْحَجِّ، وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن الْحجَّاج: وهم يلبون بِالْحَجِّ، وَهَذِه الرِّوَايَة تفسر قَوْله: مهلين، قَوْله: (فتعاظم ذَلِك) أَي: الاعتمار فِي أشهر الْحَج، وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن الْحجَّاج: فَكبر ذَلِك عِنْدهم، أَرَادَ أَنه تعاظم عِنْدهم مُخَالفَة الْعِبَادَة الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا من تَأْخِير الْعمرَة عَن أشهر الْحَج. قَوْله: (أَي الْحل) مَعْنَاهُ: أَي شَيْء من الْأَشْيَاء يحل علينا، لِأَنَّهُ قَالَ: اعتمروا وَأَحلُّوا، فَقَالَ: حل كُله، يَعْنِي جَمِيع مَا يحرم على الْمحرم حَتَّى الْجِمَاع، وَذَلِكَ تَمام الْحل، كَأَنَّهُمْ يعْرفُونَ أَن لِلْحَجِّ تحليلين، فأرادوا بَيَان ذَلِك بقَوْلهمْ: أَي الْحل، فَبين لَهُم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْحل كُله، لِأَن الْعمرَة لَيْسَ لَهَا إلَاّ تحلل وَاحِد، وَوَقع فِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: (أَي الْحل نحل؟ قَالَ: الْحل كُله) .

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: فسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة الَّذِي بوب عَلَيْهِ. وَفِيه: اسْتِحْبَاب دُخُول مَكَّة نَهَارا، وَهُوَ الْمَرْوِيّ عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَبِه قَالَ عَطاء وَالنَّخَعِيّ وَإِسْحَاق وَابْن الْمُنْذر، وَهُوَ أصح الْوَجْهَيْنِ لأَصْحَاب الشَّافِعِي، وَالْوَجْه الثَّانِي: دُخُولهَا لَيْلًا وَنَهَارًا سَوَاء لَا فَضِيلَة لأَحَدهمَا على الآخر، وَهُوَ قَول طَاوُوس وَالثَّوْري، وَعَن عَائِشَة وَسَعِيد بن جُبَير وَعمر بن عبد الْعَزِيز: دُخُولهَا لَيْلًا أفضل من النَّهَار. وَقَالَ مَالك: يسْتَحبّ دُخُولهَا نَهَارا، فَمن جاءها لَيْلًا فَلَا بَأْس بِهِ. قَالَ: وَكَانَ عمر بن

عبد الْعَزِيز يدخلهَا لطواف الزِّيَارَة لَيْلًا. وَفِيه: حجَّة لمن قَالَ: كَانَ حج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُفردا، وَمن قَالَ: كَانَ قَارنا لَا يلْزم من إهلاله بِالْحَجِّ أَن لَا يكون أَدخل عَلَيْهِ الْعمرَة.

٥٦٥١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قَالَ حدَّثنا غُنْدَرٌ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ قَيْسِ بنِ مُسْلِمٍ عنُ طَارق بنِ شِهَابٍ عنْ أبِي مُوسى ارضي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَدِمْتُ عَلى النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأمَرَهُ بِالحِلِّ..

هَذَا الحَدِيث أوردهُ هُنَا مُخْتَصرا، وَقد مضى بِتَمَامِهِ فِي: بَاب من أهلَّ فِي زمن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كإهلال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

وَأخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن يُوسُف عَن سُفْيَان عَن قيس بن مُسلم إِلَى آخِره، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مَبْسُوطا. قَوْله: (فَأمره بِالْحلِّ) ، رِوَايَة الْكشميهني على الِالْتِفَات، وَفِي رِوَايَة غَيره: (فَأمرنِي بِالْحلِّ) .

٦٦٥١ - حدَّثنا إسْمَاعيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ (ح) وَحدثنَا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرَنَا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ عنْ حَفْصَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا زوْجَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنَّها قالَتْ يَا رسولَ الله مَا شأنُ النَّاسِ حَلّزا بِعُمْرَةٍ ولَمْ تَحْلِلْ أنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ قَالَ إنِّي لَبَّدْتُ رأسِي وقَلَّدْتُ هَدْيِي فَلَا أحِلُّ حتَّى أنْحَرَ..

هَذَانِ طَرِيقَانِ: أَحدهمَا: عَن سُلَيْمَان بن أبي أويس واسْمه عبد الله الأصبحي الْمدنِي، ابْن أُخْت مَالك بن أنس، يروي عَن مَالك عَن نَافِع. وَالْآخر: عَن عبد الله بن يُوسُف التنيسِي عَن مَالك عَن نَافِع، وَفِيه رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصحابية عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَرِوَايَة الْأَخ عَن أُخْته لِأَن حَفْصَة بنت عمر بن الْخطاب، وَعبد الله بن عمر أَخُوهَا.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ فِي موضِعين: فِي الْحَج عَن عبد الله بن يُوسُف، وَفِيه، وَفِي اللبَاس عَن إِسْمَاعِيل، وَفِي الْحَج أَيْضا عَن مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد، وَفِي الْمَغَازِي عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر، وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي عَن مَالك بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عبيد الله بن سعيد وَعَن مُحَمَّد ابْن سَلمَة: وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (حلوا بِعُمْرَة) ، لم يَقع لَفْظَة بِعُمْرَة فِي رِوَايَة مُسلم، وَقَالَ أَبُو عمر: زعم بعض النَّاس أَنه لم يقل أحد فِي هَذَا الحَدِيث: عَن نَافِع، وَلم تحلل أَنْت عَن عمرتك إلَاّ مَالك وَحده، قَالَ: وَهَذِه اللَّفْظَة قَالَهَا عَن نَافِع جمَاعَة مِنْهُم عبيد الله بن عمر، وَأَيوب بن أبي تَمِيمَة، وهما وَمَالك حفاظ أَصْحَاب نَافِع. وَقَالَ أَبُو عمر: لما لم يكن لأحد من الْعلمَاء سَبِيل إِلَى الْأَخْذ بِكُل مَا تعَارض وتدافع من الْآثَار فِي هَذَا الْبَاب، وَلم يكن بُد من الْمصير إِلَى وَجه وَاحِد مِنْهَا صَار كل وَاحِد إِلَى مَا صَحَّ عِنْده بمبلغ اجْتِهَاده، وَقَالَ السفاقسي فِي قَوْلهَا: (مَا شَأْن النَّاس حلوا وَلم تحلل أَنْت من عمرتك؟) يحْتَمل أَن تُرِيدُ، من حجتك، لِأَن مَعْنَاهُمَا مُتَقَارب، يُقَال: حج الرجل الْبَيْت إِذا قَصده، فعبرت بِأَحَدِهِمَا عَن الآخر، وَإِن كَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا يَقع على نوع مَخْصُوص من الْقَصْد والنسك. وَقيل: إِنَّهَا لما سمعته يَأْمر النَّاس بسرف بِفَسْخ الْحَج فِي الْعمرَة ظنت أَنه فسخ الْحَج فِيهَا، وَقيل: اعتقدت أَنه كَانَ مُعْتَمِرًا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: قَوْلهَا وَقَول ابْن عَبَّاس: من عمرتك، أَي: بعمرتك، كَمَا قَالَ تَعَالَى {يَحْفَظُونَهُ من أَمر الله} أَي: بِأَمْر الله، عبر بِالْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ عَن الْقرن لِأَنَّهَا السَّابِقَة فِي إِحْرَام الْقَارِن قولا وَنِيَّة، وَلَا سِيمَا على مَا ظهر من حَدِيث ابْن عمر: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ مُفردا. قَوْله: (وَلم تملك) بِكَسْر اللَّام الأولى أَي لم تحل وَفك فِيهِ الْإِدْغَام وَقد غلم أَن فِي مثل هَذَا الْمَوْضُوع يجوز الْوَجْهَانِ الْإِدْغَام وفكه قَوْله: (لبدت) ، بِكَسْر اللَّام الْمُوَحدَة من التلبيد، وَهُوَ أَن يَجْعَل الْمحرم فِي رَأسه شَيْئا من الصمغ ليجتمع الشّعْر، وَلِئَلَّا يَقع فِيهِ الْقمل. قَوْله: (وقلدت) من تَقْلِيد الْهَدْي، وَهُوَ تَعْلِيق شَيْء فِي عنق الْهَدْي من النعم ليعلم أَنه هدي، قَوْله: (حَتَّى أنحر) أَي: الْهَدْي.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن من سَاق الْهَدْي لَا يتَحَلَّل من عمل الْعمرَة حَتَّى يهلَّ بِالْحَجِّ ويفرغ مِنْهُ. وَفِيه: أَنه لَا يحل حَتَّى ينْحَر هَدْيه، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأحمد. وَفِيه: اسْتِحْبَاب التلبيد والتقليد. وَفِيه: دَلِيل أَنه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ قَارنا لِأَن ثمَّة عمْرَة. قَالَ الْكرْمَانِي: فَمَا دخل التلبيد فِي الْإِحْلَال وَعَدَمه؟ ثمَّ أجَاب بقوله: الْغَرَض بَيَان: أَنِّي مستعد من أول الْأَمر بِأَن يَدُوم إحرامي إِلَى أَن يبلغ الْهَدْي مَحَله.

٧٦٥١ - حدَّثنا آدمُ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ أخبرَنا أبُو جَمْرَةَ نَصْرُ بنُ عِمْرَانَ الضُّبَعِيُّ قَالَ تَمَتَّعْتُ فنَهَانِي ناسٌ فسألْتُ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فأمرَنِي فرَأيْتُ فِي المَنامِ كأنَّ رجُلاً يَقُولْ لِي حَجٌّ مَبْرُورٌ وعُمْرَةٌ مُتَقَبِّلَةٌ فأخبرْتُ ابنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ سُنَّةُ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لي أقِمْ عِنْدِي فأجْعَلَ لَكَ سَهْما مِنْ مَالِي قَالَ شُعْبَةُ فقُلْتُ لِمَ فَقَالَ لِلرُّؤيَا الَّتِي رأيْتُ.

(الحَدِيث ٧٦٥١ طرفه فِي: ٨٨٦١) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَأمرنِي) ، أَي: ابْن عَبَّاس أَمرنِي بالتمتع.

وَرِجَاله قد ذكرُوا، وَأَبُو جَمْرَة، بِالْجِيم وبالراء: اسْمه نصر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة: الضبعِي، بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقد مر فِي: بَاب أَدَاء الْخمس من الْإِيمَان.

وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور. وَأخرجه مُسلم عَن ابْن الْمثنى وَابْن بشار، كِلَاهُمَا عَن غنْدر بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فَأمرنِي) ، أَي: فَأمرنِي ابْن عَبَّاس بالتمتع، وَكَانَت هَذِه الْقَضِيَّة فِي زمن عبد الله بن الزبير، وَكَانَ ينْهَى عَن التَّمَتُّع كَمَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث ابْن الزبير عَنهُ، وَعَن جَابر، وَنقل ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن الزبير: أَنه كَانَ لَا يرى التَّمَتُّع إلَاّ للمحصر، وَوَافَقَهُ عَلْقَمَة وَإِبْرَاهِيم، وَقَالَ الْجُمْهُور: لَا اخْتِصَاص بذلك للمحصر. قَوْله: (حج مبرور) ارْتِفَاع حج على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هَذَا حج، ومبرور، صفته أَي: مَقْبُول، وَفِي رِوَايَة أَحْمد وَمُسلم من طَرِيق غنْدر (عَن شُعْبَة: فَأتيت ابْن عَبَّاس فَسَأَلته عَن ذَلِك، فَأمرنِي بهَا ثمَّ انْطَلَقت إِلَى الْبَيْت فَأَتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي فَقَالَ: عمْرَة متقبلة وَحج مبرور. قَالَ: فَأتيت ابْن عَبَّاس فَأَخْبَرته بِالَّذِي رَأَيْت، فَقَالَ: الله أكبر الله أكبر سنة أبي الْقَاسِم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) . قَوْله: (سنة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) كَلَام إضافي مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، تَقْدِيره: هَذِه سنة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَيجوز فِيهِ النصب على تَقْدِير: وَافَقت سنة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَقَوله: (فَقَالَ لي) أَي: قَالَ لي ابْن عَبَّاس. قَوْله: (فأجعل لَك) أَي: فَأَنا أجعَل لَك، ويروى: وَأَجْعَل لَك، بِالْوَاو الَّتِي تدل على الْحَال، ويروى: اجْعَل، بِدُونِ الْفَاء وَالْوَاو. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بَعْضهَا: إجعل، بِالنّصب. قلت: وَجهه أَن يكون مَنْصُوبًا بِأَن الْمقدرَة أَي: بِأَن أجعَل لَك، وَيجوز الْجَزْم بِأَن يكون جَوَابا لِلْأَمْرِ، قَوْله: (سَهْما) ، أَي: نَصِيبا. قَوْله: (قَالَ شُعْبَة: فَقلت) ، يَعْنِي لأبي جَمْرَة. قَوْله: (لِمَ؟) اسْتِفْهَام عَن سَبَب ذَلِك. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: أَبُو جَمْرَة. قَوْله: (للرؤيا) أَي: لأجل الرُّؤْيَا الْمَذْكُورَة الَّتِي رَأَيْت، وَهُوَ بِلَفْظ الْمُتَكَلّم، وَسَببه أَن الرُّؤْيَا الصَّالِحَة جُزْء من سِتَّة وَأَرْبَعين جُزْءا من النُّبُوَّة.

وَفِيه: مَا كَانُوا عَلَيْهِ من التعاون على الْبر وَالتَّقوى، وحمدهم لمن يفعل الْخَيْر، فخشي أَبُو جَمْرَة من تمتعه هبوط الْأجر وَنقص الثَّوَاب للْجمع بَينهمَا فِي سفر وَاحِد، وإحرام وَاحِد، وَكَانَ الَّذين أمروا بِالْإِفْرَادِ إِنَّمَا أَمرُوهُ بِفعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي خَاصَّة نَفسه لينفرد الْحَج وَحده، ويخلص عمله من اشْتِرَاك فِيهِ، فَأرَاهُ الله الرُّؤْيَا ليعرفه أَن حجه مبرور وعمرته متقبلة، وَلذَلِك قَالَ ابْن عَبَّاس: أقِم عِنْدِي ليقص على النَّاس هَذِه الرُّؤْيَا المبينة لحَال التَّمَتُّع. وَفِيه: دَلِيل الرُّؤْيَا الصادقة شاهدة على أُمُور الْيَقَظَة، وَكَيف لَا وَهُوَ جُزْء من سِتَّة وَأَرْبَعين جُزْءا من النُّبُوَّة؟ وَفِيه: أَن الْعَالم يجوز لَهُ أَخذ الْأُجْرَة على الْعلم.

٨٦٥١ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا أبُو شِهابٍ قَالَ قَدِمْتُ مُتَمَتِّعا مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ فدَخَلْنَا قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِثَلاثَةِ أيَّامٍ فَقَالَ لي أناسٌ مِنْ أهْلِ مَكَّةَ تَصيرُ الآنَ حَجَّتُكَ مَكّيَّةً فَدَخَلْتُ عَلَى عَطاءٍ أسْتَفْتِيهِ فَقَالَ حدَّثني جابرُ بنُ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُمَا أنَّهُ حَجَّ مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمَ ساقَ البُدْنَ معَهُ وقَدْ

أهَلُّوا بِالْحَجِّ مُفْرَدا فَقَالَ لَهُمْ أحِلُّوا منْ إحْرَامِكُمْ بِطَوَافِ البَيْتِ وبَيْنَ الصَّفا وَالمَرْوَةِ وقَصِّرُوا ثمَّ أقِيمُوا حَلالاً حَتَّى إذَا كانَ يَوْمَ الترْوِيةِ فأهِلُّوا بِالحَجِّ وَاجْعَلُوا الَّتِي قَدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَةً فَقالُوا كَيْفَ نَجْعَلُها مُتْعَةً وقَدْ سَمَّيْنا الحَجَّ فَقَالَ افْعَلُوا مَا أمرْتُكُمْ فَلَوْلَا أنِّي سُقْتُ الهَدْيَ لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي أمَرْتُكُمْ ولاكِنْ لَا يَحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدُيُ مَحِلَّهُ فَفَعَلُوا..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو نعيم، بِضَم النُّون: هُوَ الْفضل بن دُكَيْن، وَأَبُو شهَاب الْأَكْبَر الحناط، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد النُّون، واسْمه مُوسَى بن نَافِع الْهُذلِيّ الْكُوفِي، وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير عَن أبي نعيم بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مُتَمَتِّعا) حَال من الضَّمِير الَّذِي فِي قدمت. قَوْله: (بِعُمْرَة) أَيْضا حَال، أَي: ملتبسا بِعُمْرَة. قَوْله: (مَكِّيَّة) أَي: قَليلَة الثَّوَاب لقلَّة مشقتها، وَقَالَ ابْن بطال: مَعْنَاهُ أَنَّك تنشيء حجك من مَكَّة كَمَا ينشيء أهل مَكَّة مِنْهَا، فيفوتك فضل الْإِحْرَام من الْمِيقَات وَقَوله: (حجتك مَكِّيَّة) ، هَكَذَا هُوَ رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: (حجا مكيا) . قَوْله: (على عَطاء) ، هُوَ عَطاء بن أبي رَبَاح الْمَكِّيّ. قَوْله: (استفتيه) ، من الْأَحْوَال الْمقدرَة. قَوْله: (يَوْم سَاق الْبدن) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَضم الدَّال وسكونها، جمع بَدَنَة، وَذَلِكَ فِي حجَّة الْوَدَاع. وَفِي رِوَايَة مُسلم بِلَفْظ: (عَام سَاق الْهَدْي) . قَوْله: (وَقد أهلوا بِالْحَجِّ مُفردا) بِفَتْح الرَّاء وبكسرها، قَالَ الْكرْمَانِي: بِاعْتِبَار كل وَاحِد. قلت: لَا ضَرُورَة فِي كَونه حَالا من الْحَج، وَمَا قَالَه بالتأويل. قَوْله: (فَقَالَ لَهُم) أَي: قَالَ لَهُم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أحلُّوا من إحرامكم بِالطّوافِ، أَي: اجعلوا حَجكُمْ عمْرَة وتحللوا مِنْهَا بِالطّوافِ وَالسَّعْي، أَو التَّقْدِير: اجعلوا إحرامكم عمْرَة ثمَّ أحلُّوا مِنْهُ بِالطّوافِ. قَوْله: (وَبَين الصَّفَا والمروة) أَي: وبالسعي بَين الصَّفَا والمروة، وَهَذَا معنى فسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة، وَقَالَ ابْن التِّين: هَذَا الحَدِيث أبين مَا فِي هَذِه من فسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة. قَوْله: (وَقصرُوا) أَمرهم بالتقصير لأَنهم يهلون بعد قَلِيل بِالْحَجِّ، وَأخر الْحلق لِأَن بَين دُخُولهمْ وَبَين يَوْم التَّرويَة أَرْبَعَة أَيَّام فَقَط. قَوْله: (حَلَالا) ، نصب على الْحَال بِمَعْنى: محلين. قَوْله: (وَاجْعَلُوا الَّتِي) أَي: الْحجَّة المفردة الَّتِي أهللتم بهَا (مُتْعَة) أَي: عمْرَة، وَأطلق على الْعمرَة: مُتْعَة، مجَازًا، والعلاقة بَينهمَا ظَاهِرَة. قَوْله: (وَلَكِن لَا يحل مني حرَام) ، بِكَسْر حاء يحل، وَالْمعْنَى: لَا يحل مني مَا حرم عَليّ، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم: (لَا يحل مني حَرَامًا) ، بِالنّصب على المفعولية، لَكِن بِضَم الْيَاء فِي: لَا يحل، وفاعله مَحْذُوف، وَتَقْدِيره: لَا يحل طول الْمكْث، وَنَحْو ذَلِك مني شَيْئا حَرَامًا (حَتَّى يبلغ الْهَدْي مَحَله) وَهُوَ منى، فينحر فِيهِ.

قالَ أبُو عَبْدُ الله أبُو شِهَابٍ لَيْسَ لَهُ مُسْنَدٌ إلَاّ هاذَا

أَبُو عبد الله: هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، أَي لم يرو أَبُو شهَاب حَدِيثا مَرْفُوعا إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَقيل: المُرَاد لَيْسَ لَهُ مُسْند عَن عَطاء إلَاّ هَذَا لَا مُطلقًا. قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) كَأَنَّهُ يَقُول: من كَانَ هَكَذَا لَا يَجْعَل حَدِيثه أصلا من أصُول الْعلم، وَهَذَا طرف من حَدِيث جَابر بن عبد الله الَّذِي رَوَاهُ مطولا جدا، وَلأبي بكر إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر عَلَيْهِ كتاب سَمَّاهُ: (التَّخْيِير) استنبط مِنْهُ مائَة نوع ونيفا وَخمسين نوعا من وُجُوه الْعلم، وَالْبُخَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ذكر جلّ حَدِيث جَابر الَّذِي انْفَرد بِهِ مُسلم، رَحمَه الله تَعَالَى، فِي مَوَاضِع مُتَفَرِّقَة. وَمن فَوَائِد هَذِه الْقطعَة الَّتِي سَاقهَا البُخَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: التَّقْصِير للمعتمر ليتوفر السّفر للحلاق يَوْم النَّحْر.

٩٦٥١ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا حَجَّاجُ بنُ مُحَمَّدٍ الأعْوَرُ عنْ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بنِ مُرَّةَ عَن سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ قَالَ اخْتَلَفَ عليٌّ وعثمانُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وهُمَا بِعُسْفَانَ فِي المُتْعَةِ فَقَالَ عَليٌّ مَا تُرِيدُ إلَاّ أنْ تَنْتَهي عَن أمْرٍ فَعلَهُ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فَلَمَّا رَى ذلِكَ عَلِيٌّ أهَلَّ بِهِما جَمِيعا.

(انْظُر الحَدِيث ٣٦٥١) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة.

قَوْله: (وهم بعسفان) ، جملَة حَالية أَي: كائنان بعسفان، وَهُوَ بِضَم الْعين وَسُكُون السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ وبالفاء وَبعد الْألف نون: وَهِي قَرْيَة جَامِعَة بهَا مِنْبَر على سِتَّة وَثَلَاثِينَ ميلًا من مَكَّة، وَيُقَال: على

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19 / 29.5
الإضاءة 81%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
اللهم صل على محمد