الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥٦٠
الحديث رقم ١٥٦٠ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الله تعال الحج أشهر معلومات.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ التَّمَتُّعِ وَالْإِقْرَانِ وَالْإِفْرَادِ بِالْحَجِّ وَفَسْخِ الْحَجِّ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ
١٥٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ: حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَدَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ يَقْتَضِي أَنَّهُمَا يَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّهُ لَعَلَّهُ أَرَادَ إِبْطَالَ وَهَمِ مَنْ تَوَهَّمَ أَنَّهُ خَالَفَ السُّنَّةَ، حَيْثُ مَنَعَ مِنَ الْفَسْخِ، فَبَيَّنَ أَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ مُتَوَافِقَانِ عَلَى الْأَمْرِ بِالْإِتْمَامِ، وَأَنَّ الْفَسْخَ كَانَ خَاصًّا بِتِلْكَ السَّنَةِ لِإِبْطَالِ اعْتِقَادِ الْجَاهِلِيَّةِ أَنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَصِحُّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، انْتَهَى. وَأَمَّا إِذَا قُلْنَا: كَانَ قَارِنًا عَلَى مَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ، فَالْمُعْتَمَدُ مَا ذَكَرَ النَّوَوِيُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي بَيَانُ اخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ فِي كَيْفِيَّةِ التَّمَتُّعِ فِي بَابِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْإِحْرَامِ الْمُبْهَمِ وَأَنَّ الْمُحْرِمَ بِهِ يَصْرِفُهُ لِمَا شَاءَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَمَحِلُّ ذَلِكَ مَا إِذَا كَانَ الْوَقْتُ قَابِلًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَجَّ لَا يَنْعَقِدُ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ.
٣٣ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: أَشْهُرُ الْحَجِّ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحَجَّةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: مِنْ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُحْرِمَ بِالْحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.
وَكَرِهَ عُثْمَانُ ﵁ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ خُرَاسَانَ أَوْ كَرْمَانَ.
١٥٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ، سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَلَيَالِي الْحَجِّ وَحُرُمِ الْحَجِّ، فَنَزَلْنَا بِسَرِفَ. قَالَتْ: فَخَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ مَعَهُ هَدْيٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ فَلَا. قَالَتْ: فَالْآخِذُ بِهَا وَالتَّارِكُ لَهَا مِنْ أَصْحَابِهِ. قَالَتْ: فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَكَانُوا أَهْلَ قُوَّةٍ وَكَانَ مَعَهُمْ الْهَدْيُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الْعُمْرَةِ. قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ يَا هَنْتَاهُ؟ قُلْتُ: سَمِعْتُ قَوْلَكَ لِأَصْحَابِكَ فَمُنِعْتُ الْعُمْرَةَ. قَالَ: وَمَا شَأْنُكِ؟ قُلْتُ: لَا أُصَلِّي. قَالَ: فَلَا يَضِيرُكِ، إِنَّمَا أَنْتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكِ مَا كَتَبَ عَلَيْهِنَّ، فَكُونِي فِي حَجَّتِكِ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَكِيهَا. قَالَتْ: فَخَرَجْنَا فِي حَجَّتِهِ حَتَّى قَدِمْنَا مِنًى فَطَهَرْتُ، ثُمَّ خَرَجْتُ مِنْ مِنًى فَأَفَضْتُ بِالْبَيْتِ. قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجَتْ مَعَهُ فِي النَّفْرِ الْآخِرِ حَتَّى نَزَلَ الْمُحَصَّبَ وَنَزَلْنَا مَعَهُ، فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنْ الْحَرَمِ فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ افْرُغَا ثُمَّ ائْتِيَا هَا هُنَا، فَإِنِّي أَنْظُرُكُمَا حَتَّى تَأْتِيَانِي. قَالَتْ: فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ وَفَرَغْتُ مِنْ الطَّوَافِ، ثُمَّ جِئْتُهُ بِسَحَرَ فَقَالَ: هَلْ فَرَغْتُمْ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَآذَنَ بِالرَّحِيلِ فِي أَصْحَابِهِ، فَارْتَحَلَ النَّاسُ، فَمَرَّ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْمَدِينَةِ. ضَيْرِ: مِنْ ضَارَ يَضِيرُ ضَيْرًا، وَيُقَالُ: ضَارَ يَضُورُ ضَوْرًا، وَضَرَّ يَضُرُّ ضَرًّا.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - فِي الْحَجِّ، وَقَوْلِهِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ
لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾، قَالَ الْعُلَمَاءُ: تَقْدِيرُ قَوْلِهِ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾؛ أَيِ الْحَجُّ حَجُّ أَشْهُرٍ مَعْلُومَاتٍ أَوْ أَشْهُرُ الْحَجِّ أَوْ وَقْتُ الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ. وَقَالَ الْوَاحِدِيُّ: يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ إِضْمَارٍ، وَهُوَ أَنَّ الْأَشْهُرَ جُعِلَتْ نَفْسَ الْحَجِّ اتِّسَاعًا بِكَوْنِ الْحَجِّ يَقَعُ فِيهَا؛ كَقَوْلِهِمْ: لَيْلٌ نَائِمٌ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي الْمُهَذَّبِ: الْمُرَادُ وَقْتُ إِحْرَامِ الْحَجِّ، لِأَنَّ الْحَجَّ لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَشْهُرٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ وَقْتُ الْإِحْرَامِ بِهِ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِأَشْهُرِ الْحَجِّ ثَلَاثَةٌ أَوَّلُهَا شَوَّالٌ، لَكِنِ اخْتَلَفُوا: هَلْ هِيَ ثَلَاثَةٌ بِكَمَالِهَا؟ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَنُقِلَ عَنِ الْإِمْلَاءِ لِلشَّافِعِيِّ. أَوْ شَهْرَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ؛ وَهُوَ قَوْلُ الْبَاقِينَ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا؛ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَآخَرُونَ: عَشْرُ لَيَالٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَهَلْ يَدْخُلُ يَوْمُ النَّحْرِ أَوْ لَا؟ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ: نَعَمْ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمَشْهُورِ الْمُصَحَّحِ عَنْهُ: لَا. وَقَالَ بَعْضُ أَتْبَاعِهِ: تِسْعٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَلَا يَصِحُّ فِي يَوْمِ النَّحْرِ وَلَا فِي لَيْلَتِهِ، وَهُوَ شَاذٌّ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيْضًا فِي اعْتِبَارِ هَذِهِ الْأَشْهُرِ؛ هَلْ هُوَ عَلَى الشَّرْطِ أَوِ الِاسْتِحْبَابِ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٌ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ: هُوَ شَرْطٌ، فَلَا يَصِحُّ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ إِلَّا فِيهَا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَسَيَأْتِي اسْتِدْلَالُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِذَلِكَ فِي هَذَا الْبَابِ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْوُقُوفِ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى إِحْرَامِ الصَّلَاةِ، وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ انْقَلَبَ عُمْرَةً تُجْزِئُهُ عَنْ عُمْرَةِ الْفَرْضِ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَلَوْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْوَقْتِ انْقَلَبَ نفلا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ ظَانًّا دُخُولَ الْوَقْتِ، لَا عَالِمًا، فَاخْتَلَفَا مِنْ وَجْهَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: أَشْهُرُ الْحَجِّ. . . إِلَخْ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ وَرْقَاءَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْهُ قَالَ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾؛ شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ. وَالْإِسْنَادَانِ صَحِيحَانِ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَنِ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ - شَوَّالٍ، أَوْ ذِي الْقَعْدَةِ، أَوْ ذِي الْحِجَّةِ - قَبْلَ الْحَجِّ فَقَدِ اسْتَمْتَعَ، فَلَعَلَّهُ تَجَوَّزَ فِي إِطْلَاقِ ذِي الْحِجَّةِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. . . إِلَخْ) وَصَلَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَاكِمِ، عَنْ مِقْسَمٍ عَنْهُ قَالَ: لَا يُحْرِمُ بِالْحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِنَّ مِنْ سُنَّةِ الْحَجِّ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا يَصْلُحُ أَنْ يُحْرِمَ أَحَدٌ بِالْحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.
قَوْلُهُ: (وَكَرِهَ عُثْمَانُ ﵁ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ خُرَاسَانَ أَوْ كَرْمَانَ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ - هُوَ الْبَصْرِيُّ - أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ أَحْرَمَ مِنْ خُرَاسَانَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ لَامَهُ فِيمَا صَنَعَ وَكَرِهَهُ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: أَحْرَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ مِنْ خُرَاسَانَ فَقَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ، فَلَامَهُ وَقَالَ: غَزَوْتَ وَهَانَ عَلَيْكَ نُسُكُكَ. وَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ سَيَّارٍ فِي تَارِيخِ مَرْوَ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ خُرَاسَانَ قَالَ: لَأَجْعَلَنَّ شُكْرِي لِلَّهِ أَنْ أَخْرُجَ مِنْ مَوْضِعِي هَذَا مُحْرِمًا. فَأَحْرَمَ مِنْ نَيْسَابُورَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ لَامَهُ عَلَى مَا صَنَعَ. وَهَذِهِ أَسَانِيدٌ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا. وَرَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ فِي تَارِيخِهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي السَّنَةِ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا عُثْمَانُ، ومناسبة هَذَا الْأَثَرِ لِلَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ بَيْنَ خُرَاسَانَ وَمَكَّةَ أَكْثَرَ مِنْ مَسَافَةِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَيَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ أَحْرَمَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَكَرِهَ ذَلِكَ عُثْمَانُ، وَإِلَّا فَظَاهِرُهُ يَتَعَلَّقُ بِكَرَاهَةِ الْإِحْرَامِ قَبْلَ الْمِيقَاتِ فَيَكُونُ مِنْ مُتَعَلَّقِ الْمِيقَاتِ الْمَكَانِيِّ لَا الزَّمَانِيِّ.
ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ عُمْرَتِهَا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَشَاهِدُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ قَوْلُهَا:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٥٦٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح المُوحَّدة وتشديد الشِّين المعجمة المُلقَّب ببندارٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو بَكْرٍ) عبد الكبير بن عبد المجيد (الحَنَفِيُّ) قال: (حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ) بهمزةٍ مفتوحةٍ ففاءٍ ساكنةٍ ثمَّ حاءٍ مهملةٍ، و «حُمَيدٍ»: بضمِّ الحاء المهملة وفتح الميم الأنصاريُّ (قَالَ: سَمِعْتُ القَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ) أي: ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵁ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنَّها (قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ وَلَيَالِي الحَجِّ وَحُرُمِ الحَجِّ) بضمِّ الحاء والرَّاء، أي: أزمنته وأمكنته وحالاته، وهذا موضع التَّرجمة، فإنَّه يدلُّ على أنَّه كان مشهورًا عندهم معلومًا، وللأَصيليِّ فيما ذكره الزَّركشيُّ كعياضٍ: «وحرَم الحجِّ» بفتح الرَّاء جمع حرمةٍ، أي: ممنوعات الحجِّ ومُحرَّماته (فَنَزَلْنَا بِسَرِفَ) بفتح السِّين المهملة وكسر الرَّاء آخره فاءٌ غير منصرفٍ للعلميَّة والتَّأنيث: اسم بقعةٍ على عشرة أميالٍ من مكَّة (قَالَتْ) عائشة:
(فَخَرَجَ) ﷺ من قبَّته التي ضُرِبت له (إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ) لهم: (مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ مَعَهُ هَدْيٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا) أي: حجَّته (عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ) أي: العمرةَ (وَمَنْ كَانَ مَعَهُ الهَدْيُ فَلَا) يفعل، أي: لا يجعلها عمرةً، فحذف الفعل المجزوم بـ «لا» النَّاهية، ولـ «مسلمٍ»: قالت: قدم رسول الله ﷺ لأربعٍ مضين من ذي الحجَّة أو خمسٍ، فدخل عليَّ وهو غضبان، فقلت: من أغضبك؟ أدخله الله النَّار، قال: «أو ما شَعَُرتِ أنِّي أمرتُ النَّاس بأمرٍ، فإذا هم يتردَّدون».
وفي حديث جابرٍ عند البخاريِّ: فقال لهم: «أَحِلُّوا من إحرامكم، واجعلوا التي قَدِمْتُم بها متعةً» فقالوا: كيف نجعلها متعةً، وقد سمَّينا الحجَّ؟ فقال: «افعلوا ما أقول لكم، فلولا أنِّي سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتُكم، ولكن لا يحلُّ منِّي حرامٌ (١) حتَّى يبلغ الهدي مَحِلَّه» ففعلوا [خ¦١٥٦٨]، قال النَّوويُّ: هذا صريحٌ في أنَّه ﵊ أمرهم بفسخ الحجِّ إلى العمرة أمر عزيمةٍ وتحتيمٍ بخلاف قوله: «من لم يكن معه هديٌ، فأحبَّ أن يجعلها عمرةً فليفعل» قال العلماء: خيَّرهم أوَّلًا بين الفسخ وعدمه ملاطفةً وإيناسًا لهم (٢) بالعمرة في أشهر الحجِّ لأنَّهم كانوا يرونها من أفجر الفجور، ثمَّ حتَّم عليهم بعد ذلك الفسخَ، وأمرهم أمر عزيمةٍ وألزمهم إيَّاه، وكره تردُّدهم في قبول ذلك، ثمَّ قبلوه وفعلوه إلَّا من كان معه هديٌ.
(قَالَتْ) عائشة ﵂: (فَالآخِذُ بِهَا) بمدِّ الهمزة وكسر الخاء المعجمة والرَّفع على الابتداء (وَالتَّارِكُ لَهَا) عُطِفَ على سابقه، والضَّميران للعمرة، وخبرُ المبتدأ قولُها: (مِنْ أَصْحَابِهِ، قَالَتْ: فَأَمَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَرِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَكَانُوا أَهْلَ قُوَّةٍ، وَكَانَ مَعَهُمُ الهَدْيُ، فَلَمْ يَقْدِرُوا (٣) عَلَى العُمْرَةِ، قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي) جملةٌ حاليَّةٌ (فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ يَا هَنْتَاهْ؟) بفتح الهاء وسكون النُّون والهاء الأخيرة؛ كذا ضبطه (٤) في الفرع كأصله (٥)، ونسبه (٦)
السَّفاقسيُّ لرواية أبي ذرٍّ، وفي أخرى زيادة: فتح النُّون وضمِّ الهاء الأخيرة، والسُّكون فيها هو الأصل لأنَّها للسَّكت، لكنَّهم شبَّهوها بالضَّمائر وأثبتوها في الوصل وضمُّوها، ويُقال في التَّثنية: هنتان، وفي الجمع: هَناتٌ وهَنَوَاتٌ، وفي المُذكَّر: هَنٌ وهَنان وهَنون، ولك أن تلحقها الهاء لبيان الحركة فتقول: يا هَنَهْ، وأن تشبع الحركة فتصير ألفًا، فتقول: يا هناه، وقال الخليل: إذا دعوت امرأةً فكنَّيت عن اسمها قلت: يا هنة، فإذا وصلتها بالألف والهاء وقفت عندها في النِّداء فقلت: ياهنتاه، ولا يقال إلَّا في النداء، قِيلَ: ومعنى «يا هنتاه»: يا بلهاء، كأنَّها نُسِبت إلى قلَّة المعرفة بمكايد النِّساء (١) وشرورهنَّ، أو المعنى: يا هذه.
(قُلْتُ: سَمِعْتُ قَوْلَكَ لأَصْحَابِكَ، فَمُنِعْتُ العُمْرَةَ) أي: أعمالها من الطَّواف والسَّعي، وقد كانت قارنةً (قَالَ: وَمَا شَأْنُكِ؟ قُلْتُ: لَا أُصَلِّي) كَنَّتْ عن الحيض بالحكم الخاصِّ به؛ وهو امتناع الصَّلاة تأدُّبًا منها في الكناية لما في التَّصريح به من إخلالٍ ما بالأدب (٢)، ولهذا -والله أعلم- استمرَّ النِّساء إلى الآن على الكناية عن الحيض بحرمان الصَّلاة، أي: تحريمها، فظهر أثر أدبها ﵂ في بناتها المؤمنات، قاله ابن المُنيِّر.
(قَالَ) ﵊: (فَلَا يَضِيرُكِ) بكسر الضَّاد وتخفيف المُثنَّاة التَّحتيَّة مِنَ الضَّير؛ وهو الضَّرر، قال العينيُّ كالحافظ ابن حجرٍ: وفي رواية غير الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فلا يضرُّك» بتشديد الرَّاء من الضَّرر (إِنَّمَا أَنْتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ كَتَبَ اللهُ عَلَيْكِ مَا كَتَبَ عَلَيْهِنَّ) سلَّاها ﵊ بذلك وخفَّف همَّها، أي: إنَّك لست مختصَّةً بذلك، بل كلُّ بنات آدم يكون منهنَّ هذا (فَكُونِي فِي حَجَّتِكِ، فَعَسَى اللهُ أَنْ يَرْزُقَكِيهَا) مُفرِدةً كذا في «اليونينيَّة» وغيرها (٣) بياءٍ متولِّدةٍ من إشباع
كسرة الكاف، وهي في لسان المصريِّين (١) شائعةٌ (٢)، قاله في «المصابيح»، وفي البرماويِّ -كالكِرمانيِّ-: «يرزقكها» بغير ياءٍ، قالا: وفي بعضها: بإشباع كسرة الكاف ياءً، والضَّمير للعمرة.
(قَالَتْ: فَخَرَجْنَا فِي حَجَّتِهِ حَتَّى قَدِمْنَا مِنًى فَطَهَرْتُ) بالطَّاء المهملة (٣) وفتح الهاء، يوم السَّبت وهو يوم النَّحر في حجَّة الوداع، وكان ابتداء حيضها يوم السَّبت أيضًا لثلاثٍ خلون من ذي الحجَّة (ثُمَّ خَرَجْتُ مِنْ مِنًى، فَأَفَضْتُ بِالبَيْتِ) أي: طفت به طواف الإفاضة (قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجَْتُْ) بسكون الجيم وضمِّ التَّاء، وفي «اليونينيَّة»: بفتح الجيم وسكون التَّاء لا غير (٤) (مَعَهُ) ﵊ (فِي النَّفْرِ الآخِرِ) بإسكان الفاء: القوم ينفرون من منًى، و «الآخِر»: بكسر الخاء، وهو في اليوم الثَّالث عشر من ذي الحجَّة، وأمَّا النَّفر الأوَّل ففي ثاني عشره (حَتَّى نَزَلَ) ﵊ (المُحَصَّبَ) بضمِّ الميم وفتح الحاء والصَّاد المُشدَّدة المهملتين آخره مُوحَّدةٌ: موضعٌ متَّسعٌ بين مكَّة ومنًى، وسُمِّي به لاجتماع الحصباء (٥) فيه بحمل السَّيل لانهباطه، وهو الأبطح والبطحاء وخَيْفُ بني كنانة، وهو ما بين الجبلين إلى المقابر وليست المقابر منه، وفرَّق المحبُّ الطَّبريُّ بين الأبطح والبطحاء من حيث التَّذكير والتَّأنيث لا من حيث المكان، فقال: والأبطح: مسيلٌ واسعٌ فيه دقاق الحصى، فإذا أردت الوادي قلت: الأبطح، وإذا أردت البقعة قلت: البطحاء (وَنَزَلْنَا مَعَهُ) فيه (فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (فَقَالَ: اخْرُجْ) بضمِّ الرَّاء (بِأُخْتِكَ) عائشة (مِنَ الحَرَمِ) إلى أدنى الحلِّ لتجمع في النُّسك بين أرض الحلِّ والحرم كما يجمع الحاجُّ بينهما (فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ) أي: مكان العمرة التي كانت تريد حصولها منفردةً غير مندرجةٍ فمنعها الحيض منها، وقوله: «فلْتُهلَّ» بسكون اللَّام وضمِّ التَّاء من الإهلال وهو
الإحرام (ثُمَّ افْرُغَا) من العمرة، وظاهره: أنَّ عبد الرَّحمن اعتمر مع أخته (ثُمَّ ائْتِيَا هَهُنَا) أي: المُحصَّب (فَإِنِّي أَنْظُرُكُمَا) بضمِّ الظَّاء المعجمة؛ بمعنى رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «أنتظركما» بزيادة مُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ من الانتظار كما في قوله تعالى: ﴿انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] (حَتَّى تَأْتِيَانِي) وفي بعض الأصول: «تأتيانِ» بحذف الياء تخفيفًا وتخفيف النُّون وكسرة النُّون تدلُّ (١) على المحذوف (قَالَتْ: فَخَرَجْنَا) إلى التَّنعيم فأحرمنا بالعمرة (حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ) منها (وَفَرَغْتُ) أيضًا (مِنَ الطَّوَافِ) للوداع، وحُذِف ذلك للعلم به، فكلُّ واحدٍ من اللَّفظين مُسلَّطٌ على غير ما تسلَّط عليه الآخر، وهذا يردُّ على من زعم أنَّ الرَّاوي حرَّف (٢) اللَّفظ أو غلط فيه، وأنَّ الأصل: فرغت وفَرَغَ بلفظ الغائب؛ تعني: عائشة أخاها بدليل ما في أوَّل الحديث: «افرغا»، وما في آخره: «هل فرغتم؟» وأُجيب بأنَّه ليس الذي في أوَّله وآخره موجبًا لأن نقول: فرغت وفرغ، بل إنَّما عبَّرت عن حالها لا عن حاله، لكن قال الكِرمانيُّ -وتبعه البرماويُّ والعينيُّ-: إنَّه في بعضها: «فرغ» بلفظ الغائب، والله أعلم.
(ثُمَّ جِئْتُهُ بِسَحَرَ) قبيل الفجر الصَّادق، قال الزَّركشيُّ وغيره: بفتح الرَّاء، أي: من ذلك اليوم، فلا ينصرف للعلميَّة والعدل؛ نحو: جئته يوم الجمعة سَحَرَ. انتهى. قال في «المصابيح»: حكى الرَّضِيُّ خلافًا في صرفه مع إرادة التَّعيين لكن حكى أنَّ القول المشهور كونه غير منصرفٍ، وتحقيق العدل فيه هو أنَّ كل لفظِ جنسٍ أُطلِق وأُريد فردٌ مُعيَّنٌ من أفراده فلا بدَّ فيه من لام العهد، سواءٌ صار علمًا بالغلبة كالصَّعق والنَّجم، أو لا نحو: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦] أخذًا من استقراء لغتهم، فثبت في «سَحَرَ» بذلك عدلٌ مُحقَّقٌ، وقال أبو حيَّان: تعيينه أن يُراد من يومٍ بعينه، سواءٌ ذكرتَ ذلك اليومَ معه كجئتُك يوم الجمعة سحرَ، أو لم تذكره كجئتك سحرَ، وأنت تريد ذلك من يومٍ بعينه، وسواءٌ عرَّفْتَ ذلك اليوم -كما مرَّ- أو نكَّرته نحو: جئتك يومًا سحرَ (فَقَالَ) ﵊ لهما ومن معهما ممَّن اعتمر: (هَلْ فَرَغْتُم) من العمرة؟ أو قال لهما فقط على قول: إنَّ أقلَّ الجمع اثنان،
قالت عائشة: (فَقُلْتُ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «قلت»: (نَعَمْ) فرغنا منها (فَآذَنَ) بهمزةٍ ممدودةٍ فذالٍ معجمةٍ مفتوحةٍ مُخفَّفةٍ فنونٍ، أي: أعلمَ (بِالرَّحِيلِ فِي أَصْحَابِهِ) وقِيلَ: أذَّن بتشديد الذَّال (١) من غير مدٍّ (فَارْتَحَلَ النَّاسُ فَمَرَّ) ﵊ (٢) حال كونه (مُتَوَجِّهًا إِلَى المَدِينَةِ) ولمَّا كان في قوله: «لا يضيرك» روايتان هذه والثَّانية (٣): «فلا يضرُّك» أشار بقوله: (ضَيْرُ) الأجوف اليائيُّ إلى أنَّ مصدر «لايضيرك»: ضَيْرٌ، وأشار إلى أنَّ فيه لغتين: إحداهما أن يكون (مِنْ ضَارَ يَضِيرُ ضَيْرًا) من باب: باع يبيع بيعًا، وأشار إلى الثَّانية بقوله: (وَيُقَالُ: ضَارَ يَضُورُ ضَوْرًا) من باب: قال يقول قولًا، وأشار إلى الرِّواية الثانية بقوله: (وَضَرَّ يَضُرُّ ضَرًّا) بفتح العين في الماضي وضمِّها في المستقبل، وهذه الجملة من قوله: «ضير .... » إلى آخره ساقطةٌ في رواية أبي ذرٍّ.
وفي حديث الباب: التَّحديثُ والعنعنة والسَّماع والقول، ورواته الأوَّلان بصريَّان والأخيران مدنيَّان، وأخرجه البخاريُّ أيضًا ومسلمٌ في «الحج» [خ¦١٧٨٨]، وكذا النَّسائيُّ.
(٣٤) (بَابُ التَّمَتُّعِ) وهو «تَفَعُّلٌ» مِنَ المتاع، وهو المنفعة (٤) وما تمتَّعت به، يُقال: تمتَّعت بكذا واستمتعت به بمعنًى، والاسم منه المتعة؛ وهي (٥): أن يُحْرِم من على مسافة القصر من حرم مكَّة بعمرةٍ أوَّلًا من ميقات بلده في أشهر الحجِّ، ثمَّ يفرغ منها وينشئ حجًّا من مكَّة من عامها، ولم يَعُدْ لميقاتٍ من المواقيت ولا لمثله مسافةً، وسُمِّي تمتُّعًا لتمتُّع صاحبه بمحظورات الإحرام بينهما، وخرج بالقيود المذكورة: ما لو أحرم بالحجِّ أوَّلًا لقوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]
وما لو أحرم بالعمرة في غير أشهر الحجِّ وإن وقع أعمالها في أشهره لأنَّه لم يجمع بينهما في وقت الحجِّ (١)، فأشبه المفرد، وما لو أحرم في أشهر الحجِّ من الحرم، أو من دون مسافة القصر لأنَّه من حاضري المسجد الحرام، وقد قال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وما لو أحرم بها من مسافة القصر فأكثر من الحرم، ولم يحجَّ من عامها أو حجَّ من عامها، وعاد قبل إحرامه به أو بعده وقبل التَّلبُّس بنسكٍ إلى ميقاتٍ أو مثله مسافةً ولو أقرب ممَّا أحرم به بالعمرة، وهذه القيود المذكورة إنَّما هي قيودٌ للتَّمتُّع الموجب للدَّم، لا في صدق اسم التَّمتُّع.
(وَالإِقْرَانِ) أن يجمع بينهما في إحرامه فتندرج أفعال العمرة في أفعال الحجِّ، أو يحرم بالعمرة ثمَّ يدخل عليها الحجَّ قبل الشُّروع (٢) في الطَّواف، فلو أحرم بالحجِّ أوَّلًا ثمَّ أدخل عليه العمرة لم يصحَّ على أصحِّ قولي الشَّافعيِّ لأنَّه لا يستفيد به شيئًا، بخلاف إدخاله الحجَّ على العمرة يستفيد به الوقوف والرَّمي والمبيت، ولأنَّه (٣) يمتنع إدخال الضعيف على القويِّ، نعم صحَّح الإمام البلقينيُّ في «التَّدريب» القول الآخر، وجعله من أنواع (٤) القِرَان، فقال: والمختار جوازه لصحَّة ذلك من فعله ﷺ، وقد قال: «خذوا مناسككم عنِّي»، قال: ثمَّ يمتدُّ الجواز ما لم يَشْرَع في طواف القدوم على الأرجح. انتهى. وقوله: «الإِقْران» كذا في رواية أبي ذرٍّ بالهمزة المكسورة قبل القاف السَّاكنة، قال القاضي عياضٌ: وهو خطأٌ من حيث اللُّغة، وقال السَّفاقسيُّ: الإقران غير ظاهرٍ لأنَّ فعله ثلاثيٌّ، وصوابه: قَرَنَ، قال في «التَّنقيح»: لم يُسمَع في الحجِّ أَقْرَنَ ولا قَرَنٌ في المصدر منه، وإنَّما هو «قِرَانٌ» مصدر «قَرَنَ» بين الحجِّ والعمرة إذا جمع بينهما، قال (٥) في «المصابيح»: أراد تخطئة البخاريِّ لقصد (٦) المشاكلة بين الإقران
والإفراد؛ نحو: «ارجعن مأزوراتٍ غيرَ مأجوراتٍ». انتهى. ولأبي الوقت: «والقِران» (وَالإِفْرَادِ بِالحَجِّ) بأن يحجَّ ثمَّ يعتمر، أو يحرم بعمرةٍ في غير أشهر الحجِّ، أو فيها على دون مسافة القصر من الحرم، أو على مسافته منه ولم يحجَّ عام العمرة، أو يحجَّ عامها ويعود إلى ميقاتٍ، نعم ما سوى الأولى تمتُّعٌ لكن لا يوجب دمًا (وَفَسْخِ الحَجِّ) إلى العمرة، أي: قلبه عمرةً بأن يحرم به، ثمَّ يتحلَّل منه بعمل عمرةٍ (١) فيصير متمتِّعًا (لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ) وجوَّزه أحمد وطائفةٌ من أهل الظَّاهر، وقال مالكٌ والشَّافعيُّ وأبو حنيفة وجماهير العلماء من السَّلف والخلف: إنَّه خاصٌّ بالصَّحابة وبتلك السَّنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهليَّة من تحريم العمرة في أشهر الحجِّ، واعتقادهم أنَّ إيقاعها فيه من أفجر الفجور، ودليل التَّخصيص حديث الحارث بن بلالٍ عن أبيه المرويِّ عند أبي داود والنَّسائيِّ وابن ماجه قال: قلت: يا رسول الله، أرأيتَ فسخ الحجِّ إلى العمرة لنا خاصَّةً أم للنَّاس عامَّةً؟ فقال: «بل لكم خاصَّةً»، وأجاب القائلون بالأوَّل بأنَّ حديث الحارث بن بلالٍ ضعيفٌ، فإنَّ الدَّارقطنيَّ قال: إنَّه تفرَّد به عبد العزيز بن محمَّدٍ الدَّراورديُّ عنه، وقال أحمد: إنَّه لا يثبت، ولا نرويه عن الدَّراورديِّ، ولا يصحُّ حديثٌ في الفسخ أنَّه كان لهم خاصَّةً، وساق (٢) في «البخاريِّ» [خ¦١٥٦٣]: قال: شهدت عثمان وعليًّا ﵄ وعثمان ينهى عن المتعة، أي: عن فسخ الحجِّ إلى العمرة لأنَّه كان مخصوصًا بتلك السَّنة (٣)، وقال مرَّةً: حديث بلالٍ لا أقول به، لا نعرف هذا الرَّجل ولم يروه
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَدَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ يَقْتَضِي أَنَّهُمَا يَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّهُ لَعَلَّهُ أَرَادَ إِبْطَالَ وَهَمِ مَنْ تَوَهَّمَ أَنَّهُ خَالَفَ السُّنَّةَ، حَيْثُ مَنَعَ مِنَ الْفَسْخِ، فَبَيَّنَ أَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ مُتَوَافِقَانِ عَلَى الْأَمْرِ بِالْإِتْمَامِ، وَأَنَّ الْفَسْخَ كَانَ خَاصًّا بِتِلْكَ السَّنَةِ لِإِبْطَالِ اعْتِقَادِ الْجَاهِلِيَّةِ أَنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَصِحُّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، انْتَهَى. وَأَمَّا إِذَا قُلْنَا: كَانَ قَارِنًا عَلَى مَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ، فَالْمُعْتَمَدُ مَا ذَكَرَ النَّوَوِيُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي بَيَانُ اخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ فِي كَيْفِيَّةِ التَّمَتُّعِ فِي بَابِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْإِحْرَامِ الْمُبْهَمِ وَأَنَّ الْمُحْرِمَ بِهِ يَصْرِفُهُ لِمَا شَاءَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَمَحِلُّ ذَلِكَ مَا إِذَا كَانَ الْوَقْتُ قَابِلًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَجَّ لَا يَنْعَقِدُ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ.
٣٣ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: أَشْهُرُ الْحَجِّ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحَجَّةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: مِنْ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُحْرِمَ بِالْحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.
وَكَرِهَ عُثْمَانُ ﵁ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ خُرَاسَانَ أَوْ كَرْمَانَ.
١٥٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ، سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَلَيَالِي الْحَجِّ وَحُرُمِ الْحَجِّ، فَنَزَلْنَا بِسَرِفَ. قَالَتْ: فَخَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ مَعَهُ هَدْيٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ فَلَا. قَالَتْ: فَالْآخِذُ بِهَا وَالتَّارِكُ لَهَا مِنْ أَصْحَابِهِ. قَالَتْ: فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَكَانُوا أَهْلَ قُوَّةٍ وَكَانَ مَعَهُمْ الْهَدْيُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الْعُمْرَةِ. قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ يَا هَنْتَاهُ؟ قُلْتُ: سَمِعْتُ قَوْلَكَ لِأَصْحَابِكَ فَمُنِعْتُ الْعُمْرَةَ. قَالَ: وَمَا شَأْنُكِ؟ قُلْتُ: لَا أُصَلِّي. قَالَ: فَلَا يَضِيرُكِ، إِنَّمَا أَنْتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكِ مَا كَتَبَ عَلَيْهِنَّ، فَكُونِي فِي حَجَّتِكِ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَكِيهَا. قَالَتْ: فَخَرَجْنَا فِي حَجَّتِهِ حَتَّى قَدِمْنَا مِنًى فَطَهَرْتُ، ثُمَّ خَرَجْتُ مِنْ مِنًى فَأَفَضْتُ بِالْبَيْتِ. قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجَتْ مَعَهُ فِي النَّفْرِ الْآخِرِ حَتَّى نَزَلَ الْمُحَصَّبَ وَنَزَلْنَا مَعَهُ، فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنْ الْحَرَمِ فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ افْرُغَا ثُمَّ ائْتِيَا هَا هُنَا، فَإِنِّي أَنْظُرُكُمَا حَتَّى تَأْتِيَانِي. قَالَتْ: فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ وَفَرَغْتُ مِنْ الطَّوَافِ، ثُمَّ جِئْتُهُ بِسَحَرَ فَقَالَ: هَلْ فَرَغْتُمْ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَآذَنَ بِالرَّحِيلِ فِي أَصْحَابِهِ، فَارْتَحَلَ النَّاسُ، فَمَرَّ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْمَدِينَةِ. ضَيْرِ: مِنْ ضَارَ يَضِيرُ ضَيْرًا، وَيُقَالُ: ضَارَ يَضُورُ ضَوْرًا، وَضَرَّ يَضُرُّ ضَرًّا.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - فِي الْحَجِّ، وَقَوْلِهِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ
لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾، قَالَ الْعُلَمَاءُ: تَقْدِيرُ قَوْلِهِ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾؛ أَيِ الْحَجُّ حَجُّ أَشْهُرٍ مَعْلُومَاتٍ أَوْ أَشْهُرُ الْحَجِّ أَوْ وَقْتُ الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ. وَقَالَ الْوَاحِدِيُّ: يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ إِضْمَارٍ، وَهُوَ أَنَّ الْأَشْهُرَ جُعِلَتْ نَفْسَ الْحَجِّ اتِّسَاعًا بِكَوْنِ الْحَجِّ يَقَعُ فِيهَا؛ كَقَوْلِهِمْ: لَيْلٌ نَائِمٌ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي الْمُهَذَّبِ: الْمُرَادُ وَقْتُ إِحْرَامِ الْحَجِّ، لِأَنَّ الْحَجَّ لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَشْهُرٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ وَقْتُ الْإِحْرَامِ بِهِ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِأَشْهُرِ الْحَجِّ ثَلَاثَةٌ أَوَّلُهَا شَوَّالٌ، لَكِنِ اخْتَلَفُوا: هَلْ هِيَ ثَلَاثَةٌ بِكَمَالِهَا؟ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَنُقِلَ عَنِ الْإِمْلَاءِ لِلشَّافِعِيِّ. أَوْ شَهْرَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ؛ وَهُوَ قَوْلُ الْبَاقِينَ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا؛ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَآخَرُونَ: عَشْرُ لَيَالٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَهَلْ يَدْخُلُ يَوْمُ النَّحْرِ أَوْ لَا؟ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ: نَعَمْ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمَشْهُورِ الْمُصَحَّحِ عَنْهُ: لَا. وَقَالَ بَعْضُ أَتْبَاعِهِ: تِسْعٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَلَا يَصِحُّ فِي يَوْمِ النَّحْرِ وَلَا فِي لَيْلَتِهِ، وَهُوَ شَاذٌّ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيْضًا فِي اعْتِبَارِ هَذِهِ الْأَشْهُرِ؛ هَلْ هُوَ عَلَى الشَّرْطِ أَوِ الِاسْتِحْبَابِ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٌ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ: هُوَ شَرْطٌ، فَلَا يَصِحُّ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ إِلَّا فِيهَا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَسَيَأْتِي اسْتِدْلَالُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِذَلِكَ فِي هَذَا الْبَابِ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْوُقُوفِ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى إِحْرَامِ الصَّلَاةِ، وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ انْقَلَبَ عُمْرَةً تُجْزِئُهُ عَنْ عُمْرَةِ الْفَرْضِ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَلَوْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْوَقْتِ انْقَلَبَ نفلا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ ظَانًّا دُخُولَ الْوَقْتِ، لَا عَالِمًا، فَاخْتَلَفَا مِنْ وَجْهَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: أَشْهُرُ الْحَجِّ. . . إِلَخْ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ وَرْقَاءَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْهُ قَالَ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾؛ شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ. وَالْإِسْنَادَانِ صَحِيحَانِ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَنِ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ - شَوَّالٍ، أَوْ ذِي الْقَعْدَةِ، أَوْ ذِي الْحِجَّةِ - قَبْلَ الْحَجِّ فَقَدِ اسْتَمْتَعَ، فَلَعَلَّهُ تَجَوَّزَ فِي إِطْلَاقِ ذِي الْحِجَّةِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. . . إِلَخْ) وَصَلَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَاكِمِ، عَنْ مِقْسَمٍ عَنْهُ قَالَ: لَا يُحْرِمُ بِالْحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِنَّ مِنْ سُنَّةِ الْحَجِّ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا يَصْلُحُ أَنْ يُحْرِمَ أَحَدٌ بِالْحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.
قَوْلُهُ: (وَكَرِهَ عُثْمَانُ ﵁ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ خُرَاسَانَ أَوْ كَرْمَانَ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ - هُوَ الْبَصْرِيُّ - أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ أَحْرَمَ مِنْ خُرَاسَانَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ لَامَهُ فِيمَا صَنَعَ وَكَرِهَهُ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: أَحْرَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ مِنْ خُرَاسَانَ فَقَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ، فَلَامَهُ وَقَالَ: غَزَوْتَ وَهَانَ عَلَيْكَ نُسُكُكَ. وَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ سَيَّارٍ فِي تَارِيخِ مَرْوَ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ خُرَاسَانَ قَالَ: لَأَجْعَلَنَّ شُكْرِي لِلَّهِ أَنْ أَخْرُجَ مِنْ مَوْضِعِي هَذَا مُحْرِمًا. فَأَحْرَمَ مِنْ نَيْسَابُورَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ لَامَهُ عَلَى مَا صَنَعَ. وَهَذِهِ أَسَانِيدٌ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا. وَرَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ فِي تَارِيخِهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي السَّنَةِ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا عُثْمَانُ، ومناسبة هَذَا الْأَثَرِ لِلَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ بَيْنَ خُرَاسَانَ وَمَكَّةَ أَكْثَرَ مِنْ مَسَافَةِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَيَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ أَحْرَمَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَكَرِهَ ذَلِكَ عُثْمَانُ، وَإِلَّا فَظَاهِرُهُ يَتَعَلَّقُ بِكَرَاهَةِ الْإِحْرَامِ قَبْلَ الْمِيقَاتِ فَيَكُونُ مِنْ مُتَعَلَّقِ الْمِيقَاتِ الْمَكَانِيِّ لَا الزَّمَانِيِّ.
ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ عُمْرَتِهَا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَشَاهِدُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ قَوْلُهَا:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٥٦٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح المُوحَّدة وتشديد الشِّين المعجمة المُلقَّب ببندارٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو بَكْرٍ) عبد الكبير بن عبد المجيد (الحَنَفِيُّ) قال: (حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ) بهمزةٍ مفتوحةٍ ففاءٍ ساكنةٍ ثمَّ حاءٍ مهملةٍ، و «حُمَيدٍ»: بضمِّ الحاء المهملة وفتح الميم الأنصاريُّ (قَالَ: سَمِعْتُ القَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ) أي: ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵁ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنَّها (قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ وَلَيَالِي الحَجِّ وَحُرُمِ الحَجِّ) بضمِّ الحاء والرَّاء، أي: أزمنته وأمكنته وحالاته، وهذا موضع التَّرجمة، فإنَّه يدلُّ على أنَّه كان مشهورًا عندهم معلومًا، وللأَصيليِّ فيما ذكره الزَّركشيُّ كعياضٍ: «وحرَم الحجِّ» بفتح الرَّاء جمع حرمةٍ، أي: ممنوعات الحجِّ ومُحرَّماته (فَنَزَلْنَا بِسَرِفَ) بفتح السِّين المهملة وكسر الرَّاء آخره فاءٌ غير منصرفٍ للعلميَّة والتَّأنيث: اسم بقعةٍ على عشرة أميالٍ من مكَّة (قَالَتْ) عائشة:
(فَخَرَجَ) ﷺ من قبَّته التي ضُرِبت له (إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ) لهم: (مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ مَعَهُ هَدْيٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا) أي: حجَّته (عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ) أي: العمرةَ (وَمَنْ كَانَ مَعَهُ الهَدْيُ فَلَا) يفعل، أي: لا يجعلها عمرةً، فحذف الفعل المجزوم بـ «لا» النَّاهية، ولـ «مسلمٍ»: قالت: قدم رسول الله ﷺ لأربعٍ مضين من ذي الحجَّة أو خمسٍ، فدخل عليَّ وهو غضبان، فقلت: من أغضبك؟ أدخله الله النَّار، قال: «أو ما شَعَُرتِ أنِّي أمرتُ النَّاس بأمرٍ، فإذا هم يتردَّدون».
وفي حديث جابرٍ عند البخاريِّ: فقال لهم: «أَحِلُّوا من إحرامكم، واجعلوا التي قَدِمْتُم بها متعةً» فقالوا: كيف نجعلها متعةً، وقد سمَّينا الحجَّ؟ فقال: «افعلوا ما أقول لكم، فلولا أنِّي سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتُكم، ولكن لا يحلُّ منِّي حرامٌ (١) حتَّى يبلغ الهدي مَحِلَّه» ففعلوا [خ¦١٥٦٨]، قال النَّوويُّ: هذا صريحٌ في أنَّه ﵊ أمرهم بفسخ الحجِّ إلى العمرة أمر عزيمةٍ وتحتيمٍ بخلاف قوله: «من لم يكن معه هديٌ، فأحبَّ أن يجعلها عمرةً فليفعل» قال العلماء: خيَّرهم أوَّلًا بين الفسخ وعدمه ملاطفةً وإيناسًا لهم (٢) بالعمرة في أشهر الحجِّ لأنَّهم كانوا يرونها من أفجر الفجور، ثمَّ حتَّم عليهم بعد ذلك الفسخَ، وأمرهم أمر عزيمةٍ وألزمهم إيَّاه، وكره تردُّدهم في قبول ذلك، ثمَّ قبلوه وفعلوه إلَّا من كان معه هديٌ.
(قَالَتْ) عائشة ﵂: (فَالآخِذُ بِهَا) بمدِّ الهمزة وكسر الخاء المعجمة والرَّفع على الابتداء (وَالتَّارِكُ لَهَا) عُطِفَ على سابقه، والضَّميران للعمرة، وخبرُ المبتدأ قولُها: (مِنْ أَصْحَابِهِ، قَالَتْ: فَأَمَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَرِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَكَانُوا أَهْلَ قُوَّةٍ، وَكَانَ مَعَهُمُ الهَدْيُ، فَلَمْ يَقْدِرُوا (٣) عَلَى العُمْرَةِ، قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي) جملةٌ حاليَّةٌ (فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ يَا هَنْتَاهْ؟) بفتح الهاء وسكون النُّون والهاء الأخيرة؛ كذا ضبطه (٤) في الفرع كأصله (٥)، ونسبه (٦)
السَّفاقسيُّ لرواية أبي ذرٍّ، وفي أخرى زيادة: فتح النُّون وضمِّ الهاء الأخيرة، والسُّكون فيها هو الأصل لأنَّها للسَّكت، لكنَّهم شبَّهوها بالضَّمائر وأثبتوها في الوصل وضمُّوها، ويُقال في التَّثنية: هنتان، وفي الجمع: هَناتٌ وهَنَوَاتٌ، وفي المُذكَّر: هَنٌ وهَنان وهَنون، ولك أن تلحقها الهاء لبيان الحركة فتقول: يا هَنَهْ، وأن تشبع الحركة فتصير ألفًا، فتقول: يا هناه، وقال الخليل: إذا دعوت امرأةً فكنَّيت عن اسمها قلت: يا هنة، فإذا وصلتها بالألف والهاء وقفت عندها في النِّداء فقلت: ياهنتاه، ولا يقال إلَّا في النداء، قِيلَ: ومعنى «يا هنتاه»: يا بلهاء، كأنَّها نُسِبت إلى قلَّة المعرفة بمكايد النِّساء (١) وشرورهنَّ، أو المعنى: يا هذه.
(قُلْتُ: سَمِعْتُ قَوْلَكَ لأَصْحَابِكَ، فَمُنِعْتُ العُمْرَةَ) أي: أعمالها من الطَّواف والسَّعي، وقد كانت قارنةً (قَالَ: وَمَا شَأْنُكِ؟ قُلْتُ: لَا أُصَلِّي) كَنَّتْ عن الحيض بالحكم الخاصِّ به؛ وهو امتناع الصَّلاة تأدُّبًا منها في الكناية لما في التَّصريح به من إخلالٍ ما بالأدب (٢)، ولهذا -والله أعلم- استمرَّ النِّساء إلى الآن على الكناية عن الحيض بحرمان الصَّلاة، أي: تحريمها، فظهر أثر أدبها ﵂ في بناتها المؤمنات، قاله ابن المُنيِّر.
(قَالَ) ﵊: (فَلَا يَضِيرُكِ) بكسر الضَّاد وتخفيف المُثنَّاة التَّحتيَّة مِنَ الضَّير؛ وهو الضَّرر، قال العينيُّ كالحافظ ابن حجرٍ: وفي رواية غير الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فلا يضرُّك» بتشديد الرَّاء من الضَّرر (إِنَّمَا أَنْتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ كَتَبَ اللهُ عَلَيْكِ مَا كَتَبَ عَلَيْهِنَّ) سلَّاها ﵊ بذلك وخفَّف همَّها، أي: إنَّك لست مختصَّةً بذلك، بل كلُّ بنات آدم يكون منهنَّ هذا (فَكُونِي فِي حَجَّتِكِ، فَعَسَى اللهُ أَنْ يَرْزُقَكِيهَا) مُفرِدةً كذا في «اليونينيَّة» وغيرها (٣) بياءٍ متولِّدةٍ من إشباع
كسرة الكاف، وهي في لسان المصريِّين (١) شائعةٌ (٢)، قاله في «المصابيح»، وفي البرماويِّ -كالكِرمانيِّ-: «يرزقكها» بغير ياءٍ، قالا: وفي بعضها: بإشباع كسرة الكاف ياءً، والضَّمير للعمرة.
(قَالَتْ: فَخَرَجْنَا فِي حَجَّتِهِ حَتَّى قَدِمْنَا مِنًى فَطَهَرْتُ) بالطَّاء المهملة (٣) وفتح الهاء، يوم السَّبت وهو يوم النَّحر في حجَّة الوداع، وكان ابتداء حيضها يوم السَّبت أيضًا لثلاثٍ خلون من ذي الحجَّة (ثُمَّ خَرَجْتُ مِنْ مِنًى، فَأَفَضْتُ بِالبَيْتِ) أي: طفت به طواف الإفاضة (قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجَْتُْ) بسكون الجيم وضمِّ التَّاء، وفي «اليونينيَّة»: بفتح الجيم وسكون التَّاء لا غير (٤) (مَعَهُ) ﵊ (فِي النَّفْرِ الآخِرِ) بإسكان الفاء: القوم ينفرون من منًى، و «الآخِر»: بكسر الخاء، وهو في اليوم الثَّالث عشر من ذي الحجَّة، وأمَّا النَّفر الأوَّل ففي ثاني عشره (حَتَّى نَزَلَ) ﵊ (المُحَصَّبَ) بضمِّ الميم وفتح الحاء والصَّاد المُشدَّدة المهملتين آخره مُوحَّدةٌ: موضعٌ متَّسعٌ بين مكَّة ومنًى، وسُمِّي به لاجتماع الحصباء (٥) فيه بحمل السَّيل لانهباطه، وهو الأبطح والبطحاء وخَيْفُ بني كنانة، وهو ما بين الجبلين إلى المقابر وليست المقابر منه، وفرَّق المحبُّ الطَّبريُّ بين الأبطح والبطحاء من حيث التَّذكير والتَّأنيث لا من حيث المكان، فقال: والأبطح: مسيلٌ واسعٌ فيه دقاق الحصى، فإذا أردت الوادي قلت: الأبطح، وإذا أردت البقعة قلت: البطحاء (وَنَزَلْنَا مَعَهُ) فيه (فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (فَقَالَ: اخْرُجْ) بضمِّ الرَّاء (بِأُخْتِكَ) عائشة (مِنَ الحَرَمِ) إلى أدنى الحلِّ لتجمع في النُّسك بين أرض الحلِّ والحرم كما يجمع الحاجُّ بينهما (فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ) أي: مكان العمرة التي كانت تريد حصولها منفردةً غير مندرجةٍ فمنعها الحيض منها، وقوله: «فلْتُهلَّ» بسكون اللَّام وضمِّ التَّاء من الإهلال وهو
الإحرام (ثُمَّ افْرُغَا) من العمرة، وظاهره: أنَّ عبد الرَّحمن اعتمر مع أخته (ثُمَّ ائْتِيَا هَهُنَا) أي: المُحصَّب (فَإِنِّي أَنْظُرُكُمَا) بضمِّ الظَّاء المعجمة؛ بمعنى رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «أنتظركما» بزيادة مُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ من الانتظار كما في قوله تعالى: ﴿انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] (حَتَّى تَأْتِيَانِي) وفي بعض الأصول: «تأتيانِ» بحذف الياء تخفيفًا وتخفيف النُّون وكسرة النُّون تدلُّ (١) على المحذوف (قَالَتْ: فَخَرَجْنَا) إلى التَّنعيم فأحرمنا بالعمرة (حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ) منها (وَفَرَغْتُ) أيضًا (مِنَ الطَّوَافِ) للوداع، وحُذِف ذلك للعلم به، فكلُّ واحدٍ من اللَّفظين مُسلَّطٌ على غير ما تسلَّط عليه الآخر، وهذا يردُّ على من زعم أنَّ الرَّاوي حرَّف (٢) اللَّفظ أو غلط فيه، وأنَّ الأصل: فرغت وفَرَغَ بلفظ الغائب؛ تعني: عائشة أخاها بدليل ما في أوَّل الحديث: «افرغا»، وما في آخره: «هل فرغتم؟» وأُجيب بأنَّه ليس الذي في أوَّله وآخره موجبًا لأن نقول: فرغت وفرغ، بل إنَّما عبَّرت عن حالها لا عن حاله، لكن قال الكِرمانيُّ -وتبعه البرماويُّ والعينيُّ-: إنَّه في بعضها: «فرغ» بلفظ الغائب، والله أعلم.
(ثُمَّ جِئْتُهُ بِسَحَرَ) قبيل الفجر الصَّادق، قال الزَّركشيُّ وغيره: بفتح الرَّاء، أي: من ذلك اليوم، فلا ينصرف للعلميَّة والعدل؛ نحو: جئته يوم الجمعة سَحَرَ. انتهى. قال في «المصابيح»: حكى الرَّضِيُّ خلافًا في صرفه مع إرادة التَّعيين لكن حكى أنَّ القول المشهور كونه غير منصرفٍ، وتحقيق العدل فيه هو أنَّ كل لفظِ جنسٍ أُطلِق وأُريد فردٌ مُعيَّنٌ من أفراده فلا بدَّ فيه من لام العهد، سواءٌ صار علمًا بالغلبة كالصَّعق والنَّجم، أو لا نحو: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦] أخذًا من استقراء لغتهم، فثبت في «سَحَرَ» بذلك عدلٌ مُحقَّقٌ، وقال أبو حيَّان: تعيينه أن يُراد من يومٍ بعينه، سواءٌ ذكرتَ ذلك اليومَ معه كجئتُك يوم الجمعة سحرَ، أو لم تذكره كجئتك سحرَ، وأنت تريد ذلك من يومٍ بعينه، وسواءٌ عرَّفْتَ ذلك اليوم -كما مرَّ- أو نكَّرته نحو: جئتك يومًا سحرَ (فَقَالَ) ﵊ لهما ومن معهما ممَّن اعتمر: (هَلْ فَرَغْتُم) من العمرة؟ أو قال لهما فقط على قول: إنَّ أقلَّ الجمع اثنان،
قالت عائشة: (فَقُلْتُ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «قلت»: (نَعَمْ) فرغنا منها (فَآذَنَ) بهمزةٍ ممدودةٍ فذالٍ معجمةٍ مفتوحةٍ مُخفَّفةٍ فنونٍ، أي: أعلمَ (بِالرَّحِيلِ فِي أَصْحَابِهِ) وقِيلَ: أذَّن بتشديد الذَّال (١) من غير مدٍّ (فَارْتَحَلَ النَّاسُ فَمَرَّ) ﵊ (٢) حال كونه (مُتَوَجِّهًا إِلَى المَدِينَةِ) ولمَّا كان في قوله: «لا يضيرك» روايتان هذه والثَّانية (٣): «فلا يضرُّك» أشار بقوله: (ضَيْرُ) الأجوف اليائيُّ إلى أنَّ مصدر «لايضيرك»: ضَيْرٌ، وأشار إلى أنَّ فيه لغتين: إحداهما أن يكون (مِنْ ضَارَ يَضِيرُ ضَيْرًا) من باب: باع يبيع بيعًا، وأشار إلى الثَّانية بقوله: (وَيُقَالُ: ضَارَ يَضُورُ ضَوْرًا) من باب: قال يقول قولًا، وأشار إلى الرِّواية الثانية بقوله: (وَضَرَّ يَضُرُّ ضَرًّا) بفتح العين في الماضي وضمِّها في المستقبل، وهذه الجملة من قوله: «ضير .... » إلى آخره ساقطةٌ في رواية أبي ذرٍّ.
وفي حديث الباب: التَّحديثُ والعنعنة والسَّماع والقول، ورواته الأوَّلان بصريَّان والأخيران مدنيَّان، وأخرجه البخاريُّ أيضًا ومسلمٌ في «الحج» [خ¦١٧٨٨]، وكذا النَّسائيُّ.
(٣٤) (بَابُ التَّمَتُّعِ) وهو «تَفَعُّلٌ» مِنَ المتاع، وهو المنفعة (٤) وما تمتَّعت به، يُقال: تمتَّعت بكذا واستمتعت به بمعنًى، والاسم منه المتعة؛ وهي (٥): أن يُحْرِم من على مسافة القصر من حرم مكَّة بعمرةٍ أوَّلًا من ميقات بلده في أشهر الحجِّ، ثمَّ يفرغ منها وينشئ حجًّا من مكَّة من عامها، ولم يَعُدْ لميقاتٍ من المواقيت ولا لمثله مسافةً، وسُمِّي تمتُّعًا لتمتُّع صاحبه بمحظورات الإحرام بينهما، وخرج بالقيود المذكورة: ما لو أحرم بالحجِّ أوَّلًا لقوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]
وما لو أحرم بالعمرة في غير أشهر الحجِّ وإن وقع أعمالها في أشهره لأنَّه لم يجمع بينهما في وقت الحجِّ (١)، فأشبه المفرد، وما لو أحرم في أشهر الحجِّ من الحرم، أو من دون مسافة القصر لأنَّه من حاضري المسجد الحرام، وقد قال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وما لو أحرم بها من مسافة القصر فأكثر من الحرم، ولم يحجَّ من عامها أو حجَّ من عامها، وعاد قبل إحرامه به أو بعده وقبل التَّلبُّس بنسكٍ إلى ميقاتٍ أو مثله مسافةً ولو أقرب ممَّا أحرم به بالعمرة، وهذه القيود المذكورة إنَّما هي قيودٌ للتَّمتُّع الموجب للدَّم، لا في صدق اسم التَّمتُّع.
(وَالإِقْرَانِ) أن يجمع بينهما في إحرامه فتندرج أفعال العمرة في أفعال الحجِّ، أو يحرم بالعمرة ثمَّ يدخل عليها الحجَّ قبل الشُّروع (٢) في الطَّواف، فلو أحرم بالحجِّ أوَّلًا ثمَّ أدخل عليه العمرة لم يصحَّ على أصحِّ قولي الشَّافعيِّ لأنَّه لا يستفيد به شيئًا، بخلاف إدخاله الحجَّ على العمرة يستفيد به الوقوف والرَّمي والمبيت، ولأنَّه (٣) يمتنع إدخال الضعيف على القويِّ، نعم صحَّح الإمام البلقينيُّ في «التَّدريب» القول الآخر، وجعله من أنواع (٤) القِرَان، فقال: والمختار جوازه لصحَّة ذلك من فعله ﷺ، وقد قال: «خذوا مناسككم عنِّي»، قال: ثمَّ يمتدُّ الجواز ما لم يَشْرَع في طواف القدوم على الأرجح. انتهى. وقوله: «الإِقْران» كذا في رواية أبي ذرٍّ بالهمزة المكسورة قبل القاف السَّاكنة، قال القاضي عياضٌ: وهو خطأٌ من حيث اللُّغة، وقال السَّفاقسيُّ: الإقران غير ظاهرٍ لأنَّ فعله ثلاثيٌّ، وصوابه: قَرَنَ، قال في «التَّنقيح»: لم يُسمَع في الحجِّ أَقْرَنَ ولا قَرَنٌ في المصدر منه، وإنَّما هو «قِرَانٌ» مصدر «قَرَنَ» بين الحجِّ والعمرة إذا جمع بينهما، قال (٥) في «المصابيح»: أراد تخطئة البخاريِّ لقصد (٦) المشاكلة بين الإقران
والإفراد؛ نحو: «ارجعن مأزوراتٍ غيرَ مأجوراتٍ». انتهى. ولأبي الوقت: «والقِران» (وَالإِفْرَادِ بِالحَجِّ) بأن يحجَّ ثمَّ يعتمر، أو يحرم بعمرةٍ في غير أشهر الحجِّ، أو فيها على دون مسافة القصر من الحرم، أو على مسافته منه ولم يحجَّ عام العمرة، أو يحجَّ عامها ويعود إلى ميقاتٍ، نعم ما سوى الأولى تمتُّعٌ لكن لا يوجب دمًا (وَفَسْخِ الحَجِّ) إلى العمرة، أي: قلبه عمرةً بأن يحرم به، ثمَّ يتحلَّل منه بعمل عمرةٍ (١) فيصير متمتِّعًا (لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ) وجوَّزه أحمد وطائفةٌ من أهل الظَّاهر، وقال مالكٌ والشَّافعيُّ وأبو حنيفة وجماهير العلماء من السَّلف والخلف: إنَّه خاصٌّ بالصَّحابة وبتلك السَّنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهليَّة من تحريم العمرة في أشهر الحجِّ، واعتقادهم أنَّ إيقاعها فيه من أفجر الفجور، ودليل التَّخصيص حديث الحارث بن بلالٍ عن أبيه المرويِّ عند أبي داود والنَّسائيِّ وابن ماجه قال: قلت: يا رسول الله، أرأيتَ فسخ الحجِّ إلى العمرة لنا خاصَّةً أم للنَّاس عامَّةً؟ فقال: «بل لكم خاصَّةً»، وأجاب القائلون بالأوَّل بأنَّ حديث الحارث بن بلالٍ ضعيفٌ، فإنَّ الدَّارقطنيَّ قال: إنَّه تفرَّد به عبد العزيز بن محمَّدٍ الدَّراورديُّ عنه، وقال أحمد: إنَّه لا يثبت، ولا نرويه عن الدَّراورديِّ، ولا يصحُّ حديثٌ في الفسخ أنَّه كان لهم خاصَّةً، وساق (٢) في «البخاريِّ» [خ¦١٥٦٣]: قال: شهدت عثمان وعليًّا ﵄ وعثمان ينهى عن المتعة، أي: عن فسخ الحجِّ إلى العمرة لأنَّه كان مخصوصًا بتلك السَّنة (٣)، وقال مرَّةً: حديث بلالٍ لا أقول به، لا نعرف هذا الرَّجل ولم يروه