«دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ، مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ»…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥٨٠

الحديث رقم ١٥٨٠ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من أين يخرج من مكة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٥٨٠ في صحيح البخاري

«دَخَلَ النَّبِيُّ عَامَ الْفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ، مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ» وَكَانَ عُرْوَةُ أَكْثَرَ مَا يَدْخُلُ مِنْ كَدَاءٍ، وَكَانَ أَقْرَبَهُمَا إِلَى مَنْزِلِهِ.

إسناد حديث رقم ١٥٨٠ من صحيح البخاري

١٥٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٥٨٠: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

لأنَّه رأى أنَّ (١) ذلك ليس بلازمٍ حتمٍ فلذلك كان يسوِّي بينهما في الدُّخول، ويكثر من الدُّخول من الأخرى لكونها أقرب إلى منزله.

وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٢٩٠].

١٥٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) الحجبيُّ (٢) البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حَاتِمٌ) بالحاء المهملة والمُثنَّاة الفوقيَّة المكسورة ابن إسماعيل الكوفيُّ، سكن المدينة (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ) أبيه (عُرْوَةَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ) مكة (عَامَ الفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ، وَكَانَ عُرْوَةُ أَكْثَرَ مَا يَدْخُلُ مِنْ كَدَاءٍ) بفتح الكاف والمدِّ والتَّنوين في الأوَّل والثَّاني، قال النَّوويُّ: وأكثر دخول عروة من كَداءٍ؛ بالمدِّ. انتهى. ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «من كُدَى» بالضَّمِّ والقصر من غير تنوين، وقال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه كذلك للجميع (وَكَانَ أَقْرَبَهُمَا إِلَى مَنْزِلِهِ) وهذا الحديث -كما قاله الحافظ في «الفتح» - اختُلِف في وصله وإرساله على (٣) هشام بن عروة، وأورد البخاريُّ الوجهين مشيرًا إلى أنَّ رواية الإرسال لا تقدح في رواية الوصل لأنَّ الذي وصله حافظٌ وهو ابن عُيَيْنَة، وقد تابعه ثقتان -يعني: عَمْرًا وحاتمًا المذكورين- ثمَّ أورد المؤلِّف طريقًا آخر (٤) من مراسيل عروة، فقال بالسَّند السَّابق أوَّل هذا الكتاب إليه:

١٥٨١ - (حَدَّثَنَا مُوسَى) بن إسماعيل المنقريُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو وفتح الهاء ابن

خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروة أنَّه قال: (دَخَلَ النَّبِيُّ ) مكَّة (عَامَ الفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ) بالفتح والمدِّ مُنوَّنًا (وَكَانَ عُرْوَةُ يَدْخُلُ مِنْهُمَا) أي: من «كَداءٍ» -بالفتح- و «كُدًى» -بالضَّمِّ- (كِلَيْهِمَا) بكافٍ مكسورةٍ ولامٍ مفتوحةٍ فمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ، وللأَصيليِّ: «كلاهما» بالألف على لغة من أعربه بالحركات المُقدَّرة في الأحوال الثَّلاث (وَأَكْثَرُ) بالرَّفع، ولأبي ذرٍّ: «وكان أكثرَ»؛ بالنَّصب، خبر «كان» الزَّائدة عنده (مَا يَدْخُلُ) وفي بعض النُّسخ: «وأكثر ما كان يدخل» (مِنْ كَدَاءٍ) بالفتح والمدِّ والتَّنوين، ولأبي ذرٍّ: «كُدَا» (١) بالضَّمِّ والقصر من غير تنوينٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّها كذلك للجميع (أَقْرَبِهِمَا إِلَى مَنْزِلِهِ) بجرِّ «أقرب»: بيانٌ أو بدلٌ من «كداءٍ»، والأرجح أنَّ دخوله من أعلى مكَّة وخروجه من أسفلها كان قصدًا ليُتأسَّى به فيه، فيكون سنَّةً لكلِّ داخلٍ، وحينئذٍ فالآتي من غير طريق المدينة يُؤمَر بالتَّعريج إليها ليدخل منها، وهذا ما صحَّحه النَّوويُّ في «الرَّوضة» و «المجموع» لمَا قاله الشَّيخ أبو محمَّدٍ الجوينيُّ: إنَّه عرَّج إليها قصدًا، وحكى الرَّافعيُّ عن الأصحاب تخصيصه بالآتي من طريق المدينة للمشقَّة، وأنَّ دخوله منها كان اتِّفاقًا.

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (كَدَاءٌ وَكُدًا) بالفتح والمدِّ والتَّنوين في الأوَّل، والضَّمِّ والقصر والتَّنوين في الثاني (٢)، وفي نسخةٍ: «بتركه» (مَوْضِعَانِ) كذا ثبت هذا القول للمُستملي، وسقط لغيره، وهو أَولى لأنَّه ليس في سياقه كبير فائدةٍ كما لا يخفى.

(٤٢) (بابُ) بيان (فَضْلِ مَكَّةَ) زادها الله تعالى شرفًا ورزقنا العَود إليها على أحسن حالٍ بمنِّه

وكرمه (وَ) في (بُنْيَانِهَا) أي: الكعبة (وَقَوْلِهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على سابقه، أي: في بيان تفسير قوله تعالى: (﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ﴾) أي: الكعبة (﴿مَثَابَةً لِّلنَّاسِ﴾) من ثاب القوم إلى الموضع إذا رجعوا إليه، أي: جعلنا البيت مرجعًا ومعادًا يأتونه كلَّ عامٍ ويرجعون إليه، فلا يقضون منه (١) وطرًا، أو موضع ثوابٍ يُثابون بحجِّه واعتماره (﴿وَأَمْناً﴾) من المشركين أبدًا، فإنَّهم لا يتعرَّضون لأهل مكَّة ويتعرَّضون لمن حولها، أو لا يُؤاخَذ (٢) الجاني الملتجئ إليه كما هو مذهب أبي حنيفة ، وقِيلَ: يأمن الحاجُّ من عذاب الآخرة من حيث إنَّ الحجَّ يَجُبُّ ما قبله (﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾) مقام إبراهيم: الحجر المعروف أو المسجد الحرام أو الحرم أو مشاعر الحجِّ، وقد صحَّ أنَّ عمر قال: يا رسول الله، هذا مقام أبينا إبراهيم؟ قال: «نعم»، قال: أفلا نتَّخذه مُصلًّى، فأنزل الله: ﴿وَاتَّخِذُواْ﴾ … إلى آخره، وهو عطفٌ على: ﴿اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ﴾ أو على معنى ﴿مَثَابَةً﴾ أي: ثوبوا إليه واتَّخذوا، أو مُقدَّرٌ بـ «قلنا» أي: وقلنا: اتَّخذوا منه موضع صلاةٍ أو مُدَّعى، والأمر للاستحباب بالاتِّفاق (﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾) أمرناهما (﴿أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾) أي: بأن طهِّرا، وهو بمعنى: الوحي، عُدِّي بـ «إلى» يريد: طهِّراه من الأوثان والأنجاس، وما لا يليق به وأخلصاه (﴿لِلطَّائِفِينَ﴾) حوله (﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾) المقيمين عنده أو المعتكفين فيه (﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾) جمع راكعٍ وساجدٍ، أي: المصلِّين، واستُدِلَّ به على جواز صلاة الفرض والنَّفل داخل البيت خلافًا لمالكٍ في الفرض (﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هََذَا﴾) البلد أو المكان (﴿بَلَدًا آمِنًا﴾) أي (٣): ذا أمنٍ كقوله تعالى: ﴿فَهُوَ (٤) فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] أو آمنًا أهله كقولك (٥): ليلٌ نائمٌ (﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾) فاستجاب الله تعالى دعاءه بأن بعث الله تعالى جبريل حتَّى اقتلع الطَّائف من موضع الأردن، ثمَّ طاف

بها (١) حول الكعبة، فسُمِّيت الطَّائف، قاله المفسِّرون (﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾) أُبدِل ﴿مَنْ آمَنَ﴾ من ﴿أَهْلَهُ﴾ بدل البعض للتَّخصيص (﴿قَالَ وَمَن كَفَرَ﴾) عُطِف على ﴿مَنْ آمَنَ﴾ وهو من كلام الله تعالى، نبَّه الله سبحانه أنَّ الرِّزق عامٌّ دنيويٌّ يعمُّ المؤمن والكافر لا كالإمامة والتَّقدُّم في الدِّين، أو مبتدأٌ تضمَّن معنى الشَّرط (﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً﴾) خبره، و ﴿قَلِيلاً﴾: نُصِب بالمصدر، والكفر وإن لم يكن سبب التَّمتُّع لكنَّه سببُ تقليله بأن يجعله مقصورًا بحظوظ الدُّنيا غير متوسِّلٍ به إلى نيل الثَّواب ولذلك عطف عليه (﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾) أي: ألجئه إليه (﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾) أي: العذابُ، فحذف (٢) المخصوص بالذَّمِّ (﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ﴾) الأساس (﴿مِنَ الْبَيْتِ﴾) ورفعُها: البناءُ عليها، وظاهره أنَّه كان مُؤسَّسًا قبل إبراهيم، ويحتمل أن يكون المراد بالرَّفع نقلَها من مكانها إلى مكان البيت (﴿وَإِسْمَاعِيلُ﴾) كان يناوله الحجارة، يقولان: (﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾) بناءَ البيت (﴿إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ﴾) لدعائنا (﴿الْعَلِيمُ﴾) بنيَّاتنا (٣) (﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾) مخلصَين لك منقادَين (﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنَا﴾) أي: واجعل بعض ذرِّيَّتنا (٤) (﴿أُمَّةً﴾) جماعةً (﴿مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾) خاضعةً مخلصةً، وإنَّما خصَّا الذَّرِّيَّة بالدُّعاء لأنَّهم أحقُّ بالشَّفقة، ولأنَّهم إذا صلحوا صلح بهم الأتباع، وخصَّا بعضهم لِما أُعلِما أنَّ في ذرِّيَّتهما ظَلَمةً، وعلما أنَّ الحكمة الإلهيَّة لا تقتضي الاتِّفاق على الإخلاص والإقبال الكليِّ على الله، فإنَّه ممَّا يشوِّش المعاش، ولذلك قِيلَ: لولا الحمقى لخربت الدُّنيا، قاله القاضي (﴿وَأَرِنَا﴾) قال البيضاويُّ: مِنْ رأى بمعنى: أبصر أو عرف، ولذلك لم يتجاوز مفعولين، وقال أبو حيَّان: أي: بصِّرنا (٥) إن كانت

من «رأى» البصريَّة، والتَّعدِّي هنا إلى اثنين ظاهرٌ لأنَّه منقولٌ بالهمزة من المتعدِّي إلى واحدٍ، وإن كانت من رؤية القلب فالمنقول أنَّها تتعدَّى إلى اثنين، فإذا (١) دخلت عليها همزة النَّقل تعدَّت إلى ثلاثةٍ، وليس هنا إلَّا اثنان (٢)، فوجب أن يعتقد أنَّها من رؤية العين، وقد جعلها الزَّمخشريُّ من رؤية القلب، وشرحها بقوله: عرف، فهي عنده تأتي (٣) بمعنى: عرف، أي: تكون قلبيَّةً وتتعدَّى إلى واحدٍ، ثمَّ أُدخِلت همزة النَّقل فتعدَّت إلى اثنين، ويحتاج ذلك إلى سماعٍ من كلام العرب. انتهى.

(﴿مَنَاسِكَنَا﴾) متعبَّداتنا في الحجِّ أو مذابحنا، وروى عبد بن حميدٍ عن أبي مِجْلَزٍ قال: لمَّا فرغ إبراهيم من البيت أتاه جبريل، فأراه الطَّواف بالبيت سبعًا، قال: وأحسبه بين الصَّفا والمروة، ثمَّ أتى به عرفة، فقال: أعرفت؟ قال: نعم، قال: فمن ثَمَّ سُمِّيت عرفاتٍ، ثمَّ أتى به جَمْعًا، فقال: ههنا يجمع (٤) النَّاسُ الصَّلاةَ، ثمَّ أتى به منًى، فعرض لهما الشَّيطان، فأخذ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

لأنَّه رأى أنَّ (١) ذلك ليس بلازمٍ حتمٍ فلذلك كان يسوِّي بينهما في الدُّخول، ويكثر من الدُّخول من الأخرى لكونها أقرب إلى منزله.

وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٢٩٠].

١٥٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) الحجبيُّ (٢) البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حَاتِمٌ) بالحاء المهملة والمُثنَّاة الفوقيَّة المكسورة ابن إسماعيل الكوفيُّ، سكن المدينة (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ) أبيه (عُرْوَةَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ) مكة (عَامَ الفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ، وَكَانَ عُرْوَةُ أَكْثَرَ مَا يَدْخُلُ مِنْ كَدَاءٍ) بفتح الكاف والمدِّ والتَّنوين في الأوَّل والثَّاني، قال النَّوويُّ: وأكثر دخول عروة من كَداءٍ؛ بالمدِّ. انتهى. ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «من كُدَى» بالضَّمِّ والقصر من غير تنوين، وقال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه كذلك للجميع (وَكَانَ أَقْرَبَهُمَا إِلَى مَنْزِلِهِ) وهذا الحديث -كما قاله الحافظ في «الفتح» - اختُلِف في وصله وإرساله على (٣) هشام بن عروة، وأورد البخاريُّ الوجهين مشيرًا إلى أنَّ رواية الإرسال لا تقدح في رواية الوصل لأنَّ الذي وصله حافظٌ وهو ابن عُيَيْنَة، وقد تابعه ثقتان -يعني: عَمْرًا وحاتمًا المذكورين- ثمَّ أورد المؤلِّف طريقًا آخر (٤) من مراسيل عروة، فقال بالسَّند السَّابق أوَّل هذا الكتاب إليه:

١٥٨١ - (حَدَّثَنَا مُوسَى) بن إسماعيل المنقريُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو وفتح الهاء ابن

خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروة أنَّه قال: (دَخَلَ النَّبِيُّ ) مكَّة (عَامَ الفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ) بالفتح والمدِّ مُنوَّنًا (وَكَانَ عُرْوَةُ يَدْخُلُ مِنْهُمَا) أي: من «كَداءٍ» -بالفتح- و «كُدًى» -بالضَّمِّ- (كِلَيْهِمَا) بكافٍ مكسورةٍ ولامٍ مفتوحةٍ فمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ، وللأَصيليِّ: «كلاهما» بالألف على لغة من أعربه بالحركات المُقدَّرة في الأحوال الثَّلاث (وَأَكْثَرُ) بالرَّفع، ولأبي ذرٍّ: «وكان أكثرَ»؛ بالنَّصب، خبر «كان» الزَّائدة عنده (مَا يَدْخُلُ) وفي بعض النُّسخ: «وأكثر ما كان يدخل» (مِنْ كَدَاءٍ) بالفتح والمدِّ والتَّنوين، ولأبي ذرٍّ: «كُدَا» (١) بالضَّمِّ والقصر من غير تنوينٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّها كذلك للجميع (أَقْرَبِهِمَا إِلَى مَنْزِلِهِ) بجرِّ «أقرب»: بيانٌ أو بدلٌ من «كداءٍ»، والأرجح أنَّ دخوله من أعلى مكَّة وخروجه من أسفلها كان قصدًا ليُتأسَّى به فيه، فيكون سنَّةً لكلِّ داخلٍ، وحينئذٍ فالآتي من غير طريق المدينة يُؤمَر بالتَّعريج إليها ليدخل منها، وهذا ما صحَّحه النَّوويُّ في «الرَّوضة» و «المجموع» لمَا قاله الشَّيخ أبو محمَّدٍ الجوينيُّ: إنَّه عرَّج إليها قصدًا، وحكى الرَّافعيُّ عن الأصحاب تخصيصه بالآتي من طريق المدينة للمشقَّة، وأنَّ دخوله منها كان اتِّفاقًا.

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (كَدَاءٌ وَكُدًا) بالفتح والمدِّ والتَّنوين في الأوَّل، والضَّمِّ والقصر والتَّنوين في الثاني (٢)، وفي نسخةٍ: «بتركه» (مَوْضِعَانِ) كذا ثبت هذا القول للمُستملي، وسقط لغيره، وهو أَولى لأنَّه ليس في سياقه كبير فائدةٍ كما لا يخفى.

(٤٢) (بابُ) بيان (فَضْلِ مَكَّةَ) زادها الله تعالى شرفًا ورزقنا العَود إليها على أحسن حالٍ بمنِّه

وكرمه (وَ) في (بُنْيَانِهَا) أي: الكعبة (وَقَوْلِهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على سابقه، أي: في بيان تفسير قوله تعالى: (﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ﴾) أي: الكعبة (﴿مَثَابَةً لِّلنَّاسِ﴾) من ثاب القوم إلى الموضع إذا رجعوا إليه، أي: جعلنا البيت مرجعًا ومعادًا يأتونه كلَّ عامٍ ويرجعون إليه، فلا يقضون منه (١) وطرًا، أو موضع ثوابٍ يُثابون بحجِّه واعتماره (﴿وَأَمْناً﴾) من المشركين أبدًا، فإنَّهم لا يتعرَّضون لأهل مكَّة ويتعرَّضون لمن حولها، أو لا يُؤاخَذ (٢) الجاني الملتجئ إليه كما هو مذهب أبي حنيفة ، وقِيلَ: يأمن الحاجُّ من عذاب الآخرة من حيث إنَّ الحجَّ يَجُبُّ ما قبله (﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾) مقام إبراهيم: الحجر المعروف أو المسجد الحرام أو الحرم أو مشاعر الحجِّ، وقد صحَّ أنَّ عمر قال: يا رسول الله، هذا مقام أبينا إبراهيم؟ قال: «نعم»، قال: أفلا نتَّخذه مُصلًّى، فأنزل الله: ﴿وَاتَّخِذُواْ﴾ … إلى آخره، وهو عطفٌ على: ﴿اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ﴾ أو على معنى ﴿مَثَابَةً﴾ أي: ثوبوا إليه واتَّخذوا، أو مُقدَّرٌ بـ «قلنا» أي: وقلنا: اتَّخذوا منه موضع صلاةٍ أو مُدَّعى، والأمر للاستحباب بالاتِّفاق (﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾) أمرناهما (﴿أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾) أي: بأن طهِّرا، وهو بمعنى: الوحي، عُدِّي بـ «إلى» يريد: طهِّراه من الأوثان والأنجاس، وما لا يليق به وأخلصاه (﴿لِلطَّائِفِينَ﴾) حوله (﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾) المقيمين عنده أو المعتكفين فيه (﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾) جمع راكعٍ وساجدٍ، أي: المصلِّين، واستُدِلَّ به على جواز صلاة الفرض والنَّفل داخل البيت خلافًا لمالكٍ في الفرض (﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هََذَا﴾) البلد أو المكان (﴿بَلَدًا آمِنًا﴾) أي (٣): ذا أمنٍ كقوله تعالى: ﴿فَهُوَ (٤) فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] أو آمنًا أهله كقولك (٥): ليلٌ نائمٌ (﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾) فاستجاب الله تعالى دعاءه بأن بعث الله تعالى جبريل حتَّى اقتلع الطَّائف من موضع الأردن، ثمَّ طاف

بها (١) حول الكعبة، فسُمِّيت الطَّائف، قاله المفسِّرون (﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾) أُبدِل ﴿مَنْ آمَنَ﴾ من ﴿أَهْلَهُ﴾ بدل البعض للتَّخصيص (﴿قَالَ وَمَن كَفَرَ﴾) عُطِف على ﴿مَنْ آمَنَ﴾ وهو من كلام الله تعالى، نبَّه الله سبحانه أنَّ الرِّزق عامٌّ دنيويٌّ يعمُّ المؤمن والكافر لا كالإمامة والتَّقدُّم في الدِّين، أو مبتدأٌ تضمَّن معنى الشَّرط (﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً﴾) خبره، و ﴿قَلِيلاً﴾: نُصِب بالمصدر، والكفر وإن لم يكن سبب التَّمتُّع لكنَّه سببُ تقليله بأن يجعله مقصورًا بحظوظ الدُّنيا غير متوسِّلٍ به إلى نيل الثَّواب ولذلك عطف عليه (﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾) أي: ألجئه إليه (﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾) أي: العذابُ، فحذف (٢) المخصوص بالذَّمِّ (﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ﴾) الأساس (﴿مِنَ الْبَيْتِ﴾) ورفعُها: البناءُ عليها، وظاهره أنَّه كان مُؤسَّسًا قبل إبراهيم، ويحتمل أن يكون المراد بالرَّفع نقلَها من مكانها إلى مكان البيت (﴿وَإِسْمَاعِيلُ﴾) كان يناوله الحجارة، يقولان: (﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾) بناءَ البيت (﴿إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ﴾) لدعائنا (﴿الْعَلِيمُ﴾) بنيَّاتنا (٣) (﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾) مخلصَين لك منقادَين (﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنَا﴾) أي: واجعل بعض ذرِّيَّتنا (٤) (﴿أُمَّةً﴾) جماعةً (﴿مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾) خاضعةً مخلصةً، وإنَّما خصَّا الذَّرِّيَّة بالدُّعاء لأنَّهم أحقُّ بالشَّفقة، ولأنَّهم إذا صلحوا صلح بهم الأتباع، وخصَّا بعضهم لِما أُعلِما أنَّ في ذرِّيَّتهما ظَلَمةً، وعلما أنَّ الحكمة الإلهيَّة لا تقتضي الاتِّفاق على الإخلاص والإقبال الكليِّ على الله، فإنَّه ممَّا يشوِّش المعاش، ولذلك قِيلَ: لولا الحمقى لخربت الدُّنيا، قاله القاضي (﴿وَأَرِنَا﴾) قال البيضاويُّ: مِنْ رأى بمعنى: أبصر أو عرف، ولذلك لم يتجاوز مفعولين، وقال أبو حيَّان: أي: بصِّرنا (٥) إن كانت

من «رأى» البصريَّة، والتَّعدِّي هنا إلى اثنين ظاهرٌ لأنَّه منقولٌ بالهمزة من المتعدِّي إلى واحدٍ، وإن كانت من رؤية القلب فالمنقول أنَّها تتعدَّى إلى اثنين، فإذا (١) دخلت عليها همزة النَّقل تعدَّت إلى ثلاثةٍ، وليس هنا إلَّا اثنان (٢)، فوجب أن يعتقد أنَّها من رؤية العين، وقد جعلها الزَّمخشريُّ من رؤية القلب، وشرحها بقوله: عرف، فهي عنده تأتي (٣) بمعنى: عرف، أي: تكون قلبيَّةً وتتعدَّى إلى واحدٍ، ثمَّ أُدخِلت همزة النَّقل فتعدَّت إلى اثنين، ويحتاج ذلك إلى سماعٍ من كلام العرب. انتهى.

(﴿مَنَاسِكَنَا﴾) متعبَّداتنا في الحجِّ أو مذابحنا، وروى عبد بن حميدٍ عن أبي مِجْلَزٍ قال: لمَّا فرغ إبراهيم من البيت أتاه جبريل، فأراه الطَّواف بالبيت سبعًا، قال: وأحسبه بين الصَّفا والمروة، ثمَّ أتى به عرفة، فقال: أعرفت؟ قال: نعم، قال: فمن ثَمَّ سُمِّيت عرفاتٍ، ثمَّ أتى به جَمْعًا، فقال: ههنا يجمع (٤) النَّاسُ الصَّلاةَ، ثمَّ أتى به منًى، فعرض لهما الشَّيطان، فأخذ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله