الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥٩٥
الحديث رقم ١٥٩٥ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب هدم الكعبة.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
١٥٩٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ الْأَخْنَسِ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
خِلَافَتِهِ فَصَادَفَ ذَلِكَ خِلَافَةَ ابْنِهُ يَزِيدَ، وَأَمَّا ابْنُ الزُّبَيْرِ فَكَأَنَّهُ كَسَاهَا ذَلِكَ بَعْدَ تَجْدِيدِ عِمَارَتِهَا فَأَوَّلِيَّتُهُ بِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ، لَكِنْ لَمْ يُدَاوِمْ عَلَى كِسْوَتِهَا الدِّيبَاجَ، فَلَمَّا كَسَاهَا الْحَجَّاجُ بِأَمْرِ عَبْدِ الْمَلِكِ اسْتَمَرَّ ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ دَاوَمَ عَلَى كِسْوَتِهَا الدِّيبَاجَ فِي كُلِّ سَنَةٍ. وَقَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ: أَوَّلُ مَنْ كَسَاهَا ذَلِكَ عَبْدُ الْمَلِكِ يُوَافِقُ الْقَوْلَ الْأَخِيرَ، فَإِنَّ الْحَجَّاجَ إِنَّمَا كَسَاهَا بِأَمْرِ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَقَوْلُ ابْنِ إِسْحَاقَ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ لَمْ يَكْسِيَا الْكَعْبَةَ، فِيهِ نَظَرٌ، لِمَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَنْزِعُهَا كُلَّ سَنَةٍ، لَكِنْ يُعَارِضُ ذَلِكَ مَا حَكَاهُ الْفَاكِهِيُّ عَنْ بَعْضِ الْمَكِّيِّينَ: أَنَّ شَيْبَةَ بْنَ عُثْمَانَ اسْتَأْذَنَ مُعَاوِيَةَ فِي تَجْرِيدِ الْكَعْبَةِ فَأَذِنَ لَهُ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ جَرَّدَهَا مِنَ الْخُلَفَاءِ. وَكَانَتْ كِسْوَتُهَا قَبْلَ ذَلِكَ تُطْرَحُ عَلَيْهَا شَيْئًا فَوْقَ شَيْءٍ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ سُؤَالُ شَيْبَةَ، لِعَائِشَةَ أَنَّهَا تَجْتَمِعُ عِنْدَهُمْ فَتَكْثُرُ. وَذَكَرَ الْأَزْرَقِيُّ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ ظَاهَرَ الْكَعْبَةَ بَيْنَ كِسْوَتَيْنِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ. وَذَكَرَ الْفَاكِهِيُّ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ كَسَاهَا الدِّيبَاجَ الْأَبْيَضَ الْمَأْمُونُ بْنُ الرَّشِيدِ، وَاسْتَمَرَّ بَعْدَهُ. وَكُسِيَتْ فِي أَيَّامِ الْفَاطِمِيِّينَ الدِّيبَاجَ الْأَبْيَضَ. وَكَسَاهَا مُحَمَّدُ بْنُ سُبُكْتَكِينَ دِيبَاجًا أَصْفَرَ، وَكَسَاهَا النَّاصِرُ الْعَبَّاسِيُّ دِيبَاجًا أَخْضَرَ، ثُمَّ كَسَاهَا دِيبَاجًا أَسْوَدَ، فَاسْتَمَرَّ إِلَى الْآنَ. وَلَمْ تَزَلِ الْمُلُوكُ يَتَدَاوَلُونَ كِسْوَتَهَا إِلَى أَنْ وَقَفَ عَلَيْهَا الصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ النَّاصِرِ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةِ قَرْيَةً مِنْ نَوَاحِي الْقَاهِرَةِ يُقَالُ لَهَا: بَيْسُوسُ، كَانَ اشْتَرَى الثُّلُثَيْنِ مِنْهَا مِنْ وَكِيلِ بَيْتِ الْمَالِ، ثُمَّ وَقَفَهَا كُلَّهَا عَلَى هَذِهِ الْجِهَةِ فَاسْتَمَرَّ، وَلَمْ تَزَلْ تُكْسَى مِنْ هَذَا الْوَقْفِ إِلَى سَلْطَنَةِ الْمَلِكِ الْمُؤَيَّدِ شَيْخِ سُلْطَانِ الْعَصْرِ، فَكَسَاهَا مِنْ عِنْدِهِ سَنَةً لِضَعْفِ وَقْفِهَا، ثُمَّ فَوَّضَ أَمْرَهَا إِلَى بَعْضِ أُمَنَائِهِ، وَهُوَ الْقَاضِي زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الْبَاسِطِ - بَسَطَ اللَّهُ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَعُمُرِهِ - فَبَالَغَ فِي تَحْسِينِهَا بِحَيْثُ يَعْجِزُ الْوَاصِفُ عَنْ صِفَةِ حُسْنِهَا، جَزَاهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ أَفْضَلَ الْمُجَازَاةِ.
وَحَاوَلَ مَلِكُ الشَّرْقِ شَاهْ روخ فِي سَلْطَنَةِ الْأَشْرَفِ بِرْسِبَاي أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ فَامْتَنَعَ، فَعَادَ رَاسِلُهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ أَنْ يَكْسُوَهَا مِنْ دَاخِلِهَا فَقَطْ فَأَبَى، فَعَادَ رَاسِلُهُ أَنْ يُرْسِلَ الْكِسْوَةَ إِلَيْهِ وَيُرْسِلَهَا إِلَى الْكَعْبَةِ وَيَكْسُوَهَا وَلَوْ يَوْمًا وَاحِدًا، وَاعْتَذَرَ بِأَنَّهُ نَذَرَ أَنْ يَكْسُوَهَا وَيُرِيدَ الْوَفَاءَ بِنَذْرِهِ، فَاسْتَفْتَى أَهْلَ الْعَصْرِ، فَتَوَقَّفْتُ عَنِ الْجَوَابِ، وَأَشَرْتُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ خُشِيَ مِنْهُ الْفِتْنَةُ فَيُجَابَ دَفْعًا لِلضَّرَرِ، وَتَسَرَّعَ جَمَاعَةٌ إِلَى عَدَمِ الْجَوَازِ، وَلَمْ يَسْتَنِدُوا إِلَى طَائِلٍ، بَلْ إِلَى مُوَافَقَةِ هَوَى السُّلْطَانِ، وَمَاتَ الْأَشْرَفُ عَلَى ذَلِكَ.
٤٩ - بَاب هَدْمِ الْكَعْبَةِ
قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ فَيُخْسَفُ بِهِمْ
١٥٩٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَخْنَسِ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كَأَنِّي بِهِ أَسْوَدَ أَفْحَجَ يَقْلَعُهَا حَجَرًا حَجَرًا.
١٥٩٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قال رسول الله ﷺ: "يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنْ الْحَبَشَةِ"
قَوْلُهُ: (بَابُ هَدْمِ الْكَعْبَةِ) أَيْ فِي آخِرِ الزَّمَانِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَتْ عَائِشَةُ) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ: قَالَتْ: بِحَذْفِ الْوَاوِ، وَهَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ مِنْ طَرِيقِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهَا بِلَفْظِ: يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ
هُنَاكَ، وَمُنَاسَبَتُهُ لِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ غَزْوَ الْكَعْبَةِ سَيَقَعُ، فَمَرَّةٌ يُهْلِكُهُمُ اللَّهُ قَبْلَ الْوُصُولِ إِلَيْهَا وَأُخْرَى يُمَكِّنُهُمْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ غَزْوَ الَّذِينَ يُخَرِّبُونَهُ مُتَأَخِّرٌ عَنِ الْأَوَّلَيْنِ.
قَوْلُهُ: (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَخْنَسِ) بِمُعْجَمَةٍ وَنُونٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ، وَزْنُ الْأَحْمَرِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بِالتَّصْغِيرِ كُوفِيٌّ، يُكَنَّى أَبَا مَالِكٍ.
قَوْلُهُ: (كَأَنِّي بِهِ) كَذَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ فِي الْحَدِيثِ شَيْئًا حُذِفَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْدَ أَبِي عُبَيْدٍ فِي غَرِيبُ الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: اسْتَكْثِرُوا مِنَ الطَّوَافِ بِهَذَا الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يُحَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ، فَكَأَنِّي بِرَجُلٍ مِنَ الْحَبَشَةِ أَصْلَعَ - أَوْ قَالَ: أَصْمَعَ - حَمْشِ السَّاقَيْنِ قَاعِدٍ عَلَيْهَا وَهِيَ تُهْدَمُ. وَرَوَاهُ الْفَاكِهِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَفْظُهُ: أَصْعَلَ بَدَلَ أَصْلَعَ، وَقَالَ: قَائِمًا عَلَيْهَا يَهْدِمُهَا بِمِسْحَاتِهِ. وَرَوَاهُ يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا.
قَوْلُهُ: (كَأَنِّي بِهِ أَسْوَدَ أَفْحَجَ) بِوَزْنِ أَفْعَلَ بِفَاءٍ، ثُمَّ حَاءٍ، ثُمَّ جِيمٍ، وَالْفَحَجُ تَبَاعُدُ مَا بَيْنَ السَّاقَيْنِ، قَالَ الطِّيبِيُّ وَفِي إِعْرَابِهِ أَوْجُهٌ: قِيلَ: هُوَ حَالٌ مِنْ خَبَرِ كَانَ، وَهُوَ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى الَّذِي أَشْبَهَ الْفِعْلَ، وَقِيلَ: هُمَا حَالَانِ مِنْ خَبَرِ كَانَ، وَذُو الْحَالِ إِمَّا الْمُسْتَقِرُّ الْمَرْفُوعُ أَوِ الْمَجْرُورُ، وَالثَّانِي أَشْبَهُ، أَوْ هُمَا بَدَلَانِ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ يَلْزَمُ إِضْمَارٌ قَبْلَ الذِّكْرِ، وَهُوَ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ كَقَوْلِكَ رَأَيْتُهُ رَجُلًا، وَقِيلَ: هُمَا مَنْصُوبَانِ عَلَى التَّمْيِيزِ. وَقَوْلُهُ: حَجَرًا حَجَرًا حَالٌ كَقَوْلِكَ: بَوَّبْتُهُ بَابًا بَابًا، وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ أَصْلَعَ أَوْ أَصْعَلَ أَوْ أَصْمَعَ الْأَصْلَعُ مَنْ ذَهَبَ شَعْرُ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ، وَالْأَصْعَلُ الصَّغِيرُ الرَّأْسِ، وَالْأَصْمَعُ الصَّغِيرُ الْأُذُنَيْنِ.
وَقَوْلُهُ: حَمْشِ السَّاقَيْنِ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَمِيمٍ سَاكِنَةٍ، ثُمَّ مُعْجَمَةٍ؛ أَيْ دَقِيقِ السَّاقَيْنِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ: ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (يَقْلَعُهَا حَجَرًا حَجَرًا) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَالْفَاكِهِيُّ فِي آخِرِهِ يَعْنِي الْكَعْبَةَ.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) كَذَا رَوَاهُ اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، وَتَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ، وَخَالَفَهُمَا ابْنُ الْمُبَارَكِ فَرَوَاهُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ: عَنْ سُحَيْمٍ مَوْلَى بَنِي زُهْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَوَاهُ الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَيَكُونُ لِلزُّهْرِيِّ فِيهِ شَيْخَانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قَوْلُهُ: (ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ) تَثْنِيَةُ سُوَيْقَةَ، وَهِيَ تَصْغِيرُ سَاقَ؛ أَيْ: لَهُ سَاقَانِ دَقِيقَانِ.
قَوْلُهُ: (مِنَ الْحَبَشَةِ) أَيْ: رَجُلٌ مِنَ الْحَبَشَةِ، وَوَقَعَ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ سَمْعَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ، وَلَفْظُهُ يُبَايَعُ لِلرَّجُلِ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، وَلَنْ يَسْتَحِلَّ هَذَا الْبَيْتَ إِلَّا أَهْلُهُ، فَإِذَا اسْتَحَلُّوهُ فَلَا تَسْأَلْ عَنْ هَلَكَةِ الْعَرَبِ، ثُمَّ تَجِيءُ الْحَبَشَةُ فَيُخَرِّبُونَهُ خَرَابًا لَا يَعْمُرُ بَعْدَهُ أَبَدًا، وَهُمُ الَّذِينَ يَسْتَخْرِجُونَ كَنْزَهُ وَلِأَبِي قُرَّةَ فِي السُّنَنِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا لَا يَسْتَخْرِجُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ إِلَّا ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ. وَنَحْوُهُ لِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَزَادَ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ عَنْهُ: فَيَسْلُبُهَا حِلْيَتَهَا، وَيُجَرِّدُهَا مِنْ كِسْوَتِهَا، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ أُصَيْلِعَ أُفَيْدِعَ يَضْرِبُ عَلَيْهَا بِمِسْحَاتِهِ أَوْ بِمِعْوَلِهِ. وَلِلْفَاكِهِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ نَحْوُهُ، وَزَادَ: قَالَ مُجَاهِدٌ: فَلَمَّا هَدَمَ ابْنُ الزُّبَيْرِ الْكَعْبَةَ جِئْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ هَلْ أَرَى الصِّفَةَ الَّتِي قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، فَلَمْ أَرَهَا. قِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ يُخَالِفُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾.
وَلِأَنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وَلَمْ يُمَكِّنْ أَصْحَابَهُ مِنْ تَخْرِيبِ الْكَعْبَةِ وَلَمْ تَكُنْ إِذْ ذَاكَ قِبْلَةً، فَكَيْفَ يُسَلِّطُ عَلَيْهَا الْحَبَشَةَ بَعْدَ أَنْ صَارَتْ قِبْلَةً لِلْمُسْلِمِينَ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ يَقَعُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قُرْبَ قِيَامِ السَّاعَةِ، حَيْثُ لَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ أَحَدٌ يَقُولُ: اللَّهُ اللَّهُ، كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: اللَّهُ اللَّهُ. وَلِهَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ سَمْعَانَ: لَا يَعْمُرُ بَعْدَهُ أَبَدًا. وَقَدْ وَقَعَ قَبْلَ ذَلِكَ فِيهِ مِنَ الْقِتَالِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٥٩٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بسكون الميم، ابن بحر بن كثيرٍ الباهليُّ الصَّيرفيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ الأَخْنَسِ) بخاءٍ معجمةٍ بعد همزةٍ مفتوحةٍ وآخره سينٌ مهملةٌ قبلها نونٌ مفتوحةٌ بوزن «الأحمر»، و «عُبَيد»: بالتَّصغير النَّخعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) بضمِّ الميم وفتح اللَّام وسكون التَّحتيَّة، هو عبد الله بن عبد الرَّحمن بن أبي مليكة، واسمه: زهيرٌ التَّيميُّ الأحول (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كَأَنِّي بِهِ) قال في «فتح الباري»: كذا في جميع الرِّوايات عن ابن عبَّاسٍ في هذا الحديث، والذي يظهر: أنَّ في الحديث شيئًا حُذِفَ، ويحتمل أن يكون هو ما وقع في حديث عليٍّ عند أبي عبيدٍ في «غريب الحديث»، من طريق أبي العالية عن عليٍّ قال: استكثروا من الطَّواف بهذا البيت قبل أن يُحال بينكم وبينه، فكأنِّي برجلٍ من الحبشة أصلع -أو قال: أصمع- حَمْش (١) السَّاقين قاعدٌ عليها وهي تُهدَم ورواه الفاكهيُّ من هذا الوجه، ولفظه: «أصعل» بدل «أصلع»، وقال: «قائمًا عليها يهدمها بمسحاته»، ورواه يحيى الحِمَّانيُّ في «مسنده» من وجهٍ آخر عن عليٍّ مرفوعًا. انتهى. وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه لا يحتاج إلى تقدير حذفٍ لأنَّه إنَّما يُقدَّر في موضعٍ يحتاج إليه للضَّرورة، ولا ضرورة هنا، قال: ودعواه الظُّهور غير ظاهرةٍ لأنَّه لا وجه في تقدير محذوفٍ لا حاجة هنا إليه بما جاء في أثرٍ عن صحابيٍّ، ولا يُقال: الأحاديث يفسِّر بعضها بعضًا لأنَّا نقول: هذا إنَّما يكون عند الاحتياج إليه، ولا احتياج هنا (٢) إلى ذلك، والضَّمير في «به» للقالع الآتي ذكره، وقوله: (أَسْوَدَ) نُصِب -كما في «اليونينيَّة» - على الذَّمِّ أو الاختصاص، وليس من (٣) شرط المنصوب على الاختصاص ألَّا يكون نكرةً، فقد قال الزَّمخشريُّ في قوله تعالى: ﴿قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]: إنَّه منصوبٌ على الاختصاص كذا
نقله البرماويُّ والعينيُّ وغيرهما كالكِرمانيِّ، وعبارة الزَّمخشريِّ: ويجوز أن يكون نصبًا على المدح، فإن قلت: أليس من حقِّ المنتصب على المدح أن يكون معرفةً؟ نحو: الحمد لله الحميدَ، «إنَّا -معشرَ (١) الأنبياء- لا نُورَث»:
إنَّا -بني نهشلٍ- لا نَدَّعي لأبٍ ...........................
قلت: قد جاء نكرةً في قول الهذليِّ (٢):
ويأوي إلى نسوةٍ عُطَّل … وشعثًا مراضيع مثلَ السَّعالي
انتهى.
وتعقَّبه أبو حيَّان فقال: في كلامه هذا تخليطٌ؛ وذلك أنَّه (٣) لم يفرِّق بين المنصوب على المدح أو الذَّمِّ أو التَّرحُّم وبين المنصوب على الاختصاص، وجعل حكمهما واحدًا، وأورد مثالًا من المنصوب على المدح؛ وهو: الحمد لله الحميدَ، ومثالين من المنصوب على الاختصاص؛ وهما: «إنَّا -معشر الأنبياء- لا نُورَث»:
إنَّا -بني نهشلٍ- لا ندَّعي لأبٍ ..........................
والذي ذكره النَّحويُّون أنَّ المنصوب على المدح أو الذَّمِّ أو التَّرحُّم قد يكون معرفةً وقبله معرفةٌ، يصلح أن يكون تابعًا لها، وقد لا يصلح، وقد يكون نكرةً كذلك، وقد يكون نكرةً وقبلها معرفةٌ، فلا يصلح أن يكون نعتًا لها؛ نحو قول النَّابغة:
أقارِعُ (٤) عَوفٍ لا أحاول غيرها … وجوهَ قرودٍ تبتغي من تُجادِعُ (٥)
فانتصب: «وجوهَ قرودٍ» على الذَّمِّ، وقبله معرفةٌ؛ وهو: أقارع عوفٍ، وأمَّا المنصوب على الاختصاص فنصُّوا على أنَّه لا يكون نكرةً ولا مبهمًا، ولا يكون إلَّا مُعرَّفًا بالألف واللَّام أو بالإضافة أو بالعلميَّة أو بـ «أيٍّ»، ولا يكون إلَّا بعد ضمير متكلِّمٍ مختصٍّ به أو مشاركٍ فيه، وربَّما أتى بعد ضميرٍ مخاطبٍ. انتهى. وأجاب تلميذه السَّمين بأنَّ الزَّمخشريَّ إنَّما أراد بالمنصوب على الاختصاص المنصوبَ على إضمار فعلٍ، سواءٌ كان من الاختصاص المُبوَّب له في النَّحو أم لا، وهذا اصطلاح أهل المعاني والبيان. انتهى. والأَولى أن يقول (١): الذي نصَّ عليه الزَّمخشريُّ النَّصب على المدح وأدخل فيه الاختصاص، فليُتأمَّل.
(أَفْحَجَ) بفتح الهمزة وسكون الفاء بعدها (٢) وفتح الحاء المهملة (٣) وبالجيم منصوبٌ، صفةٌ لسابقه، ويجوز أن يكون: «أسودَ أفحجَ» حالين متداخلين أو مترادفين من ضمير «به»، وبه قال التُّورْبشتيُّ والدَّماميني، وقال المظهريُّ: هما بدلان من الضَّمير المجرور، وفُتِحا لأنَّهما غير منصرفين، ويجوز إبدال المظهر من المضمر الغائب نحو: ضربته زيدًا، وقال الطِّيبيُّ: الضَّمير في «به» مبهمٌ يفسِّره ما بعده على أنَّه تمييزٌ كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢] فإنَّ ضمير: «هُنَّ» هو المبهم المُفسَّر بـ ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ وهو تمييزٌ كما قاله الزَّمخشريُّ، وفي بعض الأصول: «أسودُ أفحجُ» برفعهما على أنَّ «أسود» مبتدأٌ خبره: «يقلعها» (٤)، والجملة حالٌ بدون الواو، والضَّمير في «به» للبيت، أي: كأنِّي متلبِّسٌ به، أو «أسود» خبر مبتدأٍ محذوفٍ، والضَّمير في «به» للقالع، أي: كأنِّي بالقالع هو أسود، وقوله: «أفحج» خبرٌ بعد خبرٍ، قال في «القاموس»: فَحَجَ كـ «منع»: تكبَّر، وفي مشيته: تدانى صدورُ قدميه وتباعدَ عَقِباه، كـ «فَحَّجَ» وهو أَفْحَجُ، بَيِّنُ الفَحَجِ مُحرَّكةً، والتَّفحُّج: التَّفريج بين الرِّجلين.
(يَقْلَعُهَا) أي: يقلع الأسودُ الأفحجُ الكعبةَ حال كونها قلعًا (٥) (حَجَرًا حَجَرًا) نحو: بوَّبته
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
خِلَافَتِهِ فَصَادَفَ ذَلِكَ خِلَافَةَ ابْنِهُ يَزِيدَ، وَأَمَّا ابْنُ الزُّبَيْرِ فَكَأَنَّهُ كَسَاهَا ذَلِكَ بَعْدَ تَجْدِيدِ عِمَارَتِهَا فَأَوَّلِيَّتُهُ بِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ، لَكِنْ لَمْ يُدَاوِمْ عَلَى كِسْوَتِهَا الدِّيبَاجَ، فَلَمَّا كَسَاهَا الْحَجَّاجُ بِأَمْرِ عَبْدِ الْمَلِكِ اسْتَمَرَّ ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ دَاوَمَ عَلَى كِسْوَتِهَا الدِّيبَاجَ فِي كُلِّ سَنَةٍ. وَقَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ: أَوَّلُ مَنْ كَسَاهَا ذَلِكَ عَبْدُ الْمَلِكِ يُوَافِقُ الْقَوْلَ الْأَخِيرَ، فَإِنَّ الْحَجَّاجَ إِنَّمَا كَسَاهَا بِأَمْرِ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَقَوْلُ ابْنِ إِسْحَاقَ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ لَمْ يَكْسِيَا الْكَعْبَةَ، فِيهِ نَظَرٌ، لِمَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَنْزِعُهَا كُلَّ سَنَةٍ، لَكِنْ يُعَارِضُ ذَلِكَ مَا حَكَاهُ الْفَاكِهِيُّ عَنْ بَعْضِ الْمَكِّيِّينَ: أَنَّ شَيْبَةَ بْنَ عُثْمَانَ اسْتَأْذَنَ مُعَاوِيَةَ فِي تَجْرِيدِ الْكَعْبَةِ فَأَذِنَ لَهُ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ جَرَّدَهَا مِنَ الْخُلَفَاءِ. وَكَانَتْ كِسْوَتُهَا قَبْلَ ذَلِكَ تُطْرَحُ عَلَيْهَا شَيْئًا فَوْقَ شَيْءٍ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ سُؤَالُ شَيْبَةَ، لِعَائِشَةَ أَنَّهَا تَجْتَمِعُ عِنْدَهُمْ فَتَكْثُرُ. وَذَكَرَ الْأَزْرَقِيُّ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ ظَاهَرَ الْكَعْبَةَ بَيْنَ كِسْوَتَيْنِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ. وَذَكَرَ الْفَاكِهِيُّ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ كَسَاهَا الدِّيبَاجَ الْأَبْيَضَ الْمَأْمُونُ بْنُ الرَّشِيدِ، وَاسْتَمَرَّ بَعْدَهُ. وَكُسِيَتْ فِي أَيَّامِ الْفَاطِمِيِّينَ الدِّيبَاجَ الْأَبْيَضَ. وَكَسَاهَا مُحَمَّدُ بْنُ سُبُكْتَكِينَ دِيبَاجًا أَصْفَرَ، وَكَسَاهَا النَّاصِرُ الْعَبَّاسِيُّ دِيبَاجًا أَخْضَرَ، ثُمَّ كَسَاهَا دِيبَاجًا أَسْوَدَ، فَاسْتَمَرَّ إِلَى الْآنَ. وَلَمْ تَزَلِ الْمُلُوكُ يَتَدَاوَلُونَ كِسْوَتَهَا إِلَى أَنْ وَقَفَ عَلَيْهَا الصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ النَّاصِرِ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةِ قَرْيَةً مِنْ نَوَاحِي الْقَاهِرَةِ يُقَالُ لَهَا: بَيْسُوسُ، كَانَ اشْتَرَى الثُّلُثَيْنِ مِنْهَا مِنْ وَكِيلِ بَيْتِ الْمَالِ، ثُمَّ وَقَفَهَا كُلَّهَا عَلَى هَذِهِ الْجِهَةِ فَاسْتَمَرَّ، وَلَمْ تَزَلْ تُكْسَى مِنْ هَذَا الْوَقْفِ إِلَى سَلْطَنَةِ الْمَلِكِ الْمُؤَيَّدِ شَيْخِ سُلْطَانِ الْعَصْرِ، فَكَسَاهَا مِنْ عِنْدِهِ سَنَةً لِضَعْفِ وَقْفِهَا، ثُمَّ فَوَّضَ أَمْرَهَا إِلَى بَعْضِ أُمَنَائِهِ، وَهُوَ الْقَاضِي زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الْبَاسِطِ - بَسَطَ اللَّهُ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَعُمُرِهِ - فَبَالَغَ فِي تَحْسِينِهَا بِحَيْثُ يَعْجِزُ الْوَاصِفُ عَنْ صِفَةِ حُسْنِهَا، جَزَاهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ أَفْضَلَ الْمُجَازَاةِ.
وَحَاوَلَ مَلِكُ الشَّرْقِ شَاهْ روخ فِي سَلْطَنَةِ الْأَشْرَفِ بِرْسِبَاي أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ فَامْتَنَعَ، فَعَادَ رَاسِلُهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ أَنْ يَكْسُوَهَا مِنْ دَاخِلِهَا فَقَطْ فَأَبَى، فَعَادَ رَاسِلُهُ أَنْ يُرْسِلَ الْكِسْوَةَ إِلَيْهِ وَيُرْسِلَهَا إِلَى الْكَعْبَةِ وَيَكْسُوَهَا وَلَوْ يَوْمًا وَاحِدًا، وَاعْتَذَرَ بِأَنَّهُ نَذَرَ أَنْ يَكْسُوَهَا وَيُرِيدَ الْوَفَاءَ بِنَذْرِهِ، فَاسْتَفْتَى أَهْلَ الْعَصْرِ، فَتَوَقَّفْتُ عَنِ الْجَوَابِ، وَأَشَرْتُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ خُشِيَ مِنْهُ الْفِتْنَةُ فَيُجَابَ دَفْعًا لِلضَّرَرِ، وَتَسَرَّعَ جَمَاعَةٌ إِلَى عَدَمِ الْجَوَازِ، وَلَمْ يَسْتَنِدُوا إِلَى طَائِلٍ، بَلْ إِلَى مُوَافَقَةِ هَوَى السُّلْطَانِ، وَمَاتَ الْأَشْرَفُ عَلَى ذَلِكَ.
٤٩ - بَاب هَدْمِ الْكَعْبَةِ
قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ فَيُخْسَفُ بِهِمْ
١٥٩٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَخْنَسِ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كَأَنِّي بِهِ أَسْوَدَ أَفْحَجَ يَقْلَعُهَا حَجَرًا حَجَرًا.
١٥٩٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قال رسول الله ﷺ: "يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنْ الْحَبَشَةِ"
قَوْلُهُ: (بَابُ هَدْمِ الْكَعْبَةِ) أَيْ فِي آخِرِ الزَّمَانِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَتْ عَائِشَةُ) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ: قَالَتْ: بِحَذْفِ الْوَاوِ، وَهَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ مِنْ طَرِيقِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهَا بِلَفْظِ: يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ
هُنَاكَ، وَمُنَاسَبَتُهُ لِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ غَزْوَ الْكَعْبَةِ سَيَقَعُ، فَمَرَّةٌ يُهْلِكُهُمُ اللَّهُ قَبْلَ الْوُصُولِ إِلَيْهَا وَأُخْرَى يُمَكِّنُهُمْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ غَزْوَ الَّذِينَ يُخَرِّبُونَهُ مُتَأَخِّرٌ عَنِ الْأَوَّلَيْنِ.
قَوْلُهُ: (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَخْنَسِ) بِمُعْجَمَةٍ وَنُونٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ، وَزْنُ الْأَحْمَرِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بِالتَّصْغِيرِ كُوفِيٌّ، يُكَنَّى أَبَا مَالِكٍ.
قَوْلُهُ: (كَأَنِّي بِهِ) كَذَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ فِي الْحَدِيثِ شَيْئًا حُذِفَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْدَ أَبِي عُبَيْدٍ فِي غَرِيبُ الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: اسْتَكْثِرُوا مِنَ الطَّوَافِ بِهَذَا الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يُحَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ، فَكَأَنِّي بِرَجُلٍ مِنَ الْحَبَشَةِ أَصْلَعَ - أَوْ قَالَ: أَصْمَعَ - حَمْشِ السَّاقَيْنِ قَاعِدٍ عَلَيْهَا وَهِيَ تُهْدَمُ. وَرَوَاهُ الْفَاكِهِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَفْظُهُ: أَصْعَلَ بَدَلَ أَصْلَعَ، وَقَالَ: قَائِمًا عَلَيْهَا يَهْدِمُهَا بِمِسْحَاتِهِ. وَرَوَاهُ يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا.
قَوْلُهُ: (كَأَنِّي بِهِ أَسْوَدَ أَفْحَجَ) بِوَزْنِ أَفْعَلَ بِفَاءٍ، ثُمَّ حَاءٍ، ثُمَّ جِيمٍ، وَالْفَحَجُ تَبَاعُدُ مَا بَيْنَ السَّاقَيْنِ، قَالَ الطِّيبِيُّ وَفِي إِعْرَابِهِ أَوْجُهٌ: قِيلَ: هُوَ حَالٌ مِنْ خَبَرِ كَانَ، وَهُوَ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى الَّذِي أَشْبَهَ الْفِعْلَ، وَقِيلَ: هُمَا حَالَانِ مِنْ خَبَرِ كَانَ، وَذُو الْحَالِ إِمَّا الْمُسْتَقِرُّ الْمَرْفُوعُ أَوِ الْمَجْرُورُ، وَالثَّانِي أَشْبَهُ، أَوْ هُمَا بَدَلَانِ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ يَلْزَمُ إِضْمَارٌ قَبْلَ الذِّكْرِ، وَهُوَ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ كَقَوْلِكَ رَأَيْتُهُ رَجُلًا، وَقِيلَ: هُمَا مَنْصُوبَانِ عَلَى التَّمْيِيزِ. وَقَوْلُهُ: حَجَرًا حَجَرًا حَالٌ كَقَوْلِكَ: بَوَّبْتُهُ بَابًا بَابًا، وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ أَصْلَعَ أَوْ أَصْعَلَ أَوْ أَصْمَعَ الْأَصْلَعُ مَنْ ذَهَبَ شَعْرُ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ، وَالْأَصْعَلُ الصَّغِيرُ الرَّأْسِ، وَالْأَصْمَعُ الصَّغِيرُ الْأُذُنَيْنِ.
وَقَوْلُهُ: حَمْشِ السَّاقَيْنِ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَمِيمٍ سَاكِنَةٍ، ثُمَّ مُعْجَمَةٍ؛ أَيْ دَقِيقِ السَّاقَيْنِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ: ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (يَقْلَعُهَا حَجَرًا حَجَرًا) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَالْفَاكِهِيُّ فِي آخِرِهِ يَعْنِي الْكَعْبَةَ.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) كَذَا رَوَاهُ اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، وَتَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ، وَخَالَفَهُمَا ابْنُ الْمُبَارَكِ فَرَوَاهُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ: عَنْ سُحَيْمٍ مَوْلَى بَنِي زُهْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَوَاهُ الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَيَكُونُ لِلزُّهْرِيِّ فِيهِ شَيْخَانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قَوْلُهُ: (ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ) تَثْنِيَةُ سُوَيْقَةَ، وَهِيَ تَصْغِيرُ سَاقَ؛ أَيْ: لَهُ سَاقَانِ دَقِيقَانِ.
قَوْلُهُ: (مِنَ الْحَبَشَةِ) أَيْ: رَجُلٌ مِنَ الْحَبَشَةِ، وَوَقَعَ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ سَمْعَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ، وَلَفْظُهُ يُبَايَعُ لِلرَّجُلِ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، وَلَنْ يَسْتَحِلَّ هَذَا الْبَيْتَ إِلَّا أَهْلُهُ، فَإِذَا اسْتَحَلُّوهُ فَلَا تَسْأَلْ عَنْ هَلَكَةِ الْعَرَبِ، ثُمَّ تَجِيءُ الْحَبَشَةُ فَيُخَرِّبُونَهُ خَرَابًا لَا يَعْمُرُ بَعْدَهُ أَبَدًا، وَهُمُ الَّذِينَ يَسْتَخْرِجُونَ كَنْزَهُ وَلِأَبِي قُرَّةَ فِي السُّنَنِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا لَا يَسْتَخْرِجُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ إِلَّا ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ. وَنَحْوُهُ لِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَزَادَ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ عَنْهُ: فَيَسْلُبُهَا حِلْيَتَهَا، وَيُجَرِّدُهَا مِنْ كِسْوَتِهَا، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ أُصَيْلِعَ أُفَيْدِعَ يَضْرِبُ عَلَيْهَا بِمِسْحَاتِهِ أَوْ بِمِعْوَلِهِ. وَلِلْفَاكِهِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ نَحْوُهُ، وَزَادَ: قَالَ مُجَاهِدٌ: فَلَمَّا هَدَمَ ابْنُ الزُّبَيْرِ الْكَعْبَةَ جِئْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ هَلْ أَرَى الصِّفَةَ الَّتِي قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، فَلَمْ أَرَهَا. قِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ يُخَالِفُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾.
وَلِأَنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وَلَمْ يُمَكِّنْ أَصْحَابَهُ مِنْ تَخْرِيبِ الْكَعْبَةِ وَلَمْ تَكُنْ إِذْ ذَاكَ قِبْلَةً، فَكَيْفَ يُسَلِّطُ عَلَيْهَا الْحَبَشَةَ بَعْدَ أَنْ صَارَتْ قِبْلَةً لِلْمُسْلِمِينَ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ يَقَعُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قُرْبَ قِيَامِ السَّاعَةِ، حَيْثُ لَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ أَحَدٌ يَقُولُ: اللَّهُ اللَّهُ، كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: اللَّهُ اللَّهُ. وَلِهَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ سَمْعَانَ: لَا يَعْمُرُ بَعْدَهُ أَبَدًا. وَقَدْ وَقَعَ قَبْلَ ذَلِكَ فِيهِ مِنَ الْقِتَالِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٥٩٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بسكون الميم، ابن بحر بن كثيرٍ الباهليُّ الصَّيرفيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ الأَخْنَسِ) بخاءٍ معجمةٍ بعد همزةٍ مفتوحةٍ وآخره سينٌ مهملةٌ قبلها نونٌ مفتوحةٌ بوزن «الأحمر»، و «عُبَيد»: بالتَّصغير النَّخعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) بضمِّ الميم وفتح اللَّام وسكون التَّحتيَّة، هو عبد الله بن عبد الرَّحمن بن أبي مليكة، واسمه: زهيرٌ التَّيميُّ الأحول (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كَأَنِّي بِهِ) قال في «فتح الباري»: كذا في جميع الرِّوايات عن ابن عبَّاسٍ في هذا الحديث، والذي يظهر: أنَّ في الحديث شيئًا حُذِفَ، ويحتمل أن يكون هو ما وقع في حديث عليٍّ عند أبي عبيدٍ في «غريب الحديث»، من طريق أبي العالية عن عليٍّ قال: استكثروا من الطَّواف بهذا البيت قبل أن يُحال بينكم وبينه، فكأنِّي برجلٍ من الحبشة أصلع -أو قال: أصمع- حَمْش (١) السَّاقين قاعدٌ عليها وهي تُهدَم ورواه الفاكهيُّ من هذا الوجه، ولفظه: «أصعل» بدل «أصلع»، وقال: «قائمًا عليها يهدمها بمسحاته»، ورواه يحيى الحِمَّانيُّ في «مسنده» من وجهٍ آخر عن عليٍّ مرفوعًا. انتهى. وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه لا يحتاج إلى تقدير حذفٍ لأنَّه إنَّما يُقدَّر في موضعٍ يحتاج إليه للضَّرورة، ولا ضرورة هنا، قال: ودعواه الظُّهور غير ظاهرةٍ لأنَّه لا وجه في تقدير محذوفٍ لا حاجة هنا إليه بما جاء في أثرٍ عن صحابيٍّ، ولا يُقال: الأحاديث يفسِّر بعضها بعضًا لأنَّا نقول: هذا إنَّما يكون عند الاحتياج إليه، ولا احتياج هنا (٢) إلى ذلك، والضَّمير في «به» للقالع الآتي ذكره، وقوله: (أَسْوَدَ) نُصِب -كما في «اليونينيَّة» - على الذَّمِّ أو الاختصاص، وليس من (٣) شرط المنصوب على الاختصاص ألَّا يكون نكرةً، فقد قال الزَّمخشريُّ في قوله تعالى: ﴿قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]: إنَّه منصوبٌ على الاختصاص كذا
نقله البرماويُّ والعينيُّ وغيرهما كالكِرمانيِّ، وعبارة الزَّمخشريِّ: ويجوز أن يكون نصبًا على المدح، فإن قلت: أليس من حقِّ المنتصب على المدح أن يكون معرفةً؟ نحو: الحمد لله الحميدَ، «إنَّا -معشرَ (١) الأنبياء- لا نُورَث»:
إنَّا -بني نهشلٍ- لا نَدَّعي لأبٍ ...........................
قلت: قد جاء نكرةً في قول الهذليِّ (٢):
ويأوي إلى نسوةٍ عُطَّل … وشعثًا مراضيع مثلَ السَّعالي
انتهى.
وتعقَّبه أبو حيَّان فقال: في كلامه هذا تخليطٌ؛ وذلك أنَّه (٣) لم يفرِّق بين المنصوب على المدح أو الذَّمِّ أو التَّرحُّم وبين المنصوب على الاختصاص، وجعل حكمهما واحدًا، وأورد مثالًا من المنصوب على المدح؛ وهو: الحمد لله الحميدَ، ومثالين من المنصوب على الاختصاص؛ وهما: «إنَّا -معشر الأنبياء- لا نُورَث»:
إنَّا -بني نهشلٍ- لا ندَّعي لأبٍ ..........................
والذي ذكره النَّحويُّون أنَّ المنصوب على المدح أو الذَّمِّ أو التَّرحُّم قد يكون معرفةً وقبله معرفةٌ، يصلح أن يكون تابعًا لها، وقد لا يصلح، وقد يكون نكرةً كذلك، وقد يكون نكرةً وقبلها معرفةٌ، فلا يصلح أن يكون نعتًا لها؛ نحو قول النَّابغة:
أقارِعُ (٤) عَوفٍ لا أحاول غيرها … وجوهَ قرودٍ تبتغي من تُجادِعُ (٥)
فانتصب: «وجوهَ قرودٍ» على الذَّمِّ، وقبله معرفةٌ؛ وهو: أقارع عوفٍ، وأمَّا المنصوب على الاختصاص فنصُّوا على أنَّه لا يكون نكرةً ولا مبهمًا، ولا يكون إلَّا مُعرَّفًا بالألف واللَّام أو بالإضافة أو بالعلميَّة أو بـ «أيٍّ»، ولا يكون إلَّا بعد ضمير متكلِّمٍ مختصٍّ به أو مشاركٍ فيه، وربَّما أتى بعد ضميرٍ مخاطبٍ. انتهى. وأجاب تلميذه السَّمين بأنَّ الزَّمخشريَّ إنَّما أراد بالمنصوب على الاختصاص المنصوبَ على إضمار فعلٍ، سواءٌ كان من الاختصاص المُبوَّب له في النَّحو أم لا، وهذا اصطلاح أهل المعاني والبيان. انتهى. والأَولى أن يقول (١): الذي نصَّ عليه الزَّمخشريُّ النَّصب على المدح وأدخل فيه الاختصاص، فليُتأمَّل.
(أَفْحَجَ) بفتح الهمزة وسكون الفاء بعدها (٢) وفتح الحاء المهملة (٣) وبالجيم منصوبٌ، صفةٌ لسابقه، ويجوز أن يكون: «أسودَ أفحجَ» حالين متداخلين أو مترادفين من ضمير «به»، وبه قال التُّورْبشتيُّ والدَّماميني، وقال المظهريُّ: هما بدلان من الضَّمير المجرور، وفُتِحا لأنَّهما غير منصرفين، ويجوز إبدال المظهر من المضمر الغائب نحو: ضربته زيدًا، وقال الطِّيبيُّ: الضَّمير في «به» مبهمٌ يفسِّره ما بعده على أنَّه تمييزٌ كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢] فإنَّ ضمير: «هُنَّ» هو المبهم المُفسَّر بـ ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ وهو تمييزٌ كما قاله الزَّمخشريُّ، وفي بعض الأصول: «أسودُ أفحجُ» برفعهما على أنَّ «أسود» مبتدأٌ خبره: «يقلعها» (٤)، والجملة حالٌ بدون الواو، والضَّمير في «به» للبيت، أي: كأنِّي متلبِّسٌ به، أو «أسود» خبر مبتدأٍ محذوفٍ، والضَّمير في «به» للقالع، أي: كأنِّي بالقالع هو أسود، وقوله: «أفحج» خبرٌ بعد خبرٍ، قال في «القاموس»: فَحَجَ كـ «منع»: تكبَّر، وفي مشيته: تدانى صدورُ قدميه وتباعدَ عَقِباه، كـ «فَحَّجَ» وهو أَفْحَجُ، بَيِّنُ الفَحَجِ مُحرَّكةً، والتَّفحُّج: التَّفريج بين الرِّجلين.
(يَقْلَعُهَا) أي: يقلع الأسودُ الأفحجُ الكعبةَ حال كونها قلعًا (٥) (حَجَرًا حَجَرًا) نحو: بوَّبته