«دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْبَيْتَ، هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَبِلَال�…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥٩٨

الحديث رقم ١٥٩٨ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إغلاق البيت ويصلي في أي نواحي البيت شاء.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٥٩٨ في صحيح البخاري

«دَخَلَ رَسُولُ اللهِ الْبَيْتَ، هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَبِلَالٌ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا فَتَحُوا، كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ، فَلَقِيتُ بِلَالًا، فَسَأَلْتُهُ: هَلْ صَلَّى فِيهِ

⦗١٥٠⦘

رَسُولُ اللهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ، بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ».

بَابُ الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ

إسناد حديث رقم ١٥٩٨ من صحيح البخاري

١٥٩٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٥٩٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

ذَلِكَ عُمَرُ لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، فَخَشِيَ عُمَرُ أَنْ يَظُنَّ الْجُهَّالُ أَنَّ اسْتِلَامَ الْحَجَرِ مِنْ بَابِ تَعْظِيمِ بَعْضِ الْأَحْجَارِ كَمَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَفْعَلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَرَادَ عُمَرُ أَنْ يُعَلِّمَ النَّاسَ أَنَّ اسْتِلَامَهُ اتِّبَاعٌ لِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ، لَا لِأَنَّ الْحَجَرَ يَنْفَعُ وَيَضُرُّ بِذَاتِهِ كَمَا كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَعْتَقِدُهُ فِي الْأَوْثَانِ، وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: حَدِيثُ عُمَرَ هَذَا يَرُدُّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ الْحَجَرَ يَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ يُصَافِحُ بِهَا عِبَادُهُ، وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ جَارِحَةٌ، وَإِنَّمَا شُرِعَ تَقْبِيلُهُ اخْتِيَارًا لِيُعْلَمَ بِالْمُشَاهَدَةِ طَاعَةُ مَنْ يُطِيعُ، وَذَلِكَ شَبِيهٌ بِقِصَّةِ إِبْلِيسَ حَيْثُ أُمِرَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَى أَنَّهُ يَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ أَنَّ مَنْ صَافَحَهُ فِي الْأَرْضِ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ، وَجَرَتِ الْعَادَةُ بِأَنَّ الْعَهْدَ يَعْقِدُهُ الْمَلِكُ بِالْمُصَافَحَةِ لِمَنْ يُرِيدُ مُوَالَاتَهُ وَالِاخْتِصَاصَ بِهِ، فَخَاطَبَهُمْ بِمَا يَعْهَدُونَهُ. وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ مَلِكٍ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِ الْوَافِدُ قَبَّلَ يَمِينَهُ، فَلَمَّا كَانَ الْحَاجُّ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ يُسَنُّ لَهُ تَقْبِيلُهُ نُزِّلَ مَنْزِلَةَ يَمِينِ الْمَلِكِ، وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى.

وَفِي قَوْلِ عُمَرَ هَذَا التَّسْلِيمُ لِلشَّارِعِ فِي أُمُورِ الدِّينِ، وَحُسْنُ الِاتِّبَاعِ فِيمَا لَمْ يَكْشِفْ عَنْ مَعَانِيهَا، وَهُوَ قَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ فِي اتِّبَاعِ النَّبِيِّ فِيمَا يَفْعَلُهُ وَلَوْ لَمْ يَعْلَمِ الْحِكْمَةَ فِيهِ، وَفِيهِ دَفْعُ مَا وَقَعَ لِبَعْضِ الْجُهَّالِ مِنْ أَنَّ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ خَاصَّةً تَرْجِعُ إِلَى ذَاتِهِ، وَفِيهِ بَيَانُ السُّنَنِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَأَنَّ الْإِمَامَ إِذَا خَشِيَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ فِعْلِهِ فَسَادَ اعْتِقَادٍ أَنْ يُبَادِرَ إِلَى بَيَانِ الْأَمْرِ وَيُوَضِّحَ ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى التَّقْبِيلِ وَالِاسْتِلَامِ بَعْدَ تِسْعَةِ أَبْوَابٍ. قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: فِيهِ كَرَاهَةُ تَقْبِيلِ مَا لَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِتَقْبِيلِهِ، وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: وَمَهْمَا قَبَّلَ مِنَ الْبَيْتِ فَحَسَنٌ، فَلَمْ يُرِدْ بِهِ الِاسْتِحْبَابَ، لِأَنَّ الْمُبَاحَ مِنْ جُمْلَةِ الْحَسَنِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ.

(تَكْمِيلٌ): اعْتَرَضَ بَعْضُ الْمُلْحِدِينَ عَلَى الْحَدِيثِ الْمَاضِي، فَقَالَ: كَيْفَ سَوَّدَتْهُ خَطَايَا الْمُشْرِكِينَ، وَلَمْ تُبَيِّضْهُ طَاعَاتُ أَهْلِ التَّوْحِيدِ؟ وَأُجِيبَ بِمَا قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَكَانَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَجْرَى اللَّهُ الْعَادَةَ بِأَنَّ السَّوَادَ يَصْبُغُ، وَلَا يَنْصَبِغُ عَلَى الْعَكْسِ مِنَ الْبَيَاضِ. وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: فِي بَقَائِهِ أَسْوَدَ عِبْرَةٌ لِمَنْ لَهُ بَصِيرَةٌ، فَإِنَّ الْخَطَايَا إِذَا أَثَّرَتْ فِي الْحَجَرِ الصَّلْدِ فَتَأْثِيرُهَا فِي الْقَلْبِ أَشَدُّ. قَالَ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّمَا غَيَّرَهُ بِالسَّوَادِ لِئَلَّا يَنْظُرَ أَهْلُ الدُّنْيَا إِلَى زِينَةِ الْجَنَّةِ، فَإِنْ ثَبَتَ، فَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ. قُلْتُ: أَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي فَضَائِلِ مَكَّةَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٥١ - بَاب إِغْلَاقِ الْبَيْتِ، وَيُصَلِّي فِي أَيِّ نَوَاحِي الْبَيْتِ شَاءَ

١٥٩٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ الْبَيْتَ هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِلَالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا فَتَحُوا كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ فَلَقِيتُ بِلَالًا فَسَأَلْتُهُ: هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ، بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ

قَوْلُهُ: (بَابُ إِغْلَاقِ الْبَيْتِ، وَيُصَلِّي فِي أَيِّ نَوَاحِي الْبَيْتِ شَاءَ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ بِلَالٍ فِي صَلَاةِ النَّبِيِّ فِي الْكَعْبَةِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يُغَايِرُ التَّرْجَمَةَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى التَّخْيِيرِ، وَالْفِعْلُ الْمَذْكُورُ يَدُلُّ عَلَى التَّعْيِينِ.

وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ حَمَلَ صَلَاةَ النَّبِيِّ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِعَيْنِهِ عَلَى سَبِيلِ الِاتِّفَاقِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْقَصْدِ لِزِيَادَةِ فَضْلٍ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ عَلَى غَيْرِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ لَيْسَ حَتْمًا، وَإِنْ كَانَتِ الصَّلَاةُ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ الَّتِي اخْتَارَهَا النَّبِيُّ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهَا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ مِنْ تَصْرِيحِ ابْنِ عُمَرَ بِنَصِّ التَّرْجَمَةِ مَعَ كَوْنِهِ كَانَ يَقْصِدُ الْمَكَانَ الَّذِي صَلَّى فِيهِ النَّبِيُّ لِيُصَلِّيَ فِيهِ لِفَضْلِهِ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى الْحِكْمَةِ فِي إِغْلَاقِ الْبَابِ حِينَئِذٍ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ دَعْوَى ابْنِ بَطَّالٍ الْحِكْمَةَ فِيهِ لِئَلَّا يَظُنَّ النَّاسُ أَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ، وَهُوَ مَعَ ضَعْفِهِ

مُنْتَقَضٌ بِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ إِخْفَاءَ ذَلِكَ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ بِلَالٌ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ، وَإِثْبَاتُ الْحُكْمِ بِذَلِكَ يَكْفِي فِيهِ فِعْلُ الْوَاحِدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ هَذَا فِي بَابِ الْغَلْقِ لِلْكَعْبَةِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَظَاهِرُ التَّرْجَمَةِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلصَّلَاةِ فِي جَمِيعِ الْجَوَانِبِ إِغْلَاقُ الْبَابِ لِيَصِيرَ مُسْتَقْبِلًا فِي حَالِ الصَّلَاةِ غَيْرَ الْفَضَاءِ، وَالْمَحْكِيُّ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ الْجَوَازُ مُطْلَقًا، وَعَنِ الشَّافِعِيَّةِ وَجْهٌ مِثْلُهُ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ لِلْبَابِ عَتَبَةٌ بِأَيِّ قَدْرٍ كَانَتْ، وَوَجْهٌ يَشْتَرِطُ أَنْ يَكُونَ قَدْرَ قَامَةِ الْمُصَلِّي، وَوَجْهٌ يَشْتَرِطُ أَنْ يَكُونَ قَدْرَ مُؤَخَّرِ الرِّجْلِ، وَهُوَ الْمُصَحَّحُ عِنْدَهُمْ، وَفِي الصَّلَاةِ فَوْقَ ظَهْرِ الْكَعْبَةِ نَظِيرُ هَذَا الْخِلَافِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِ الشَّارِحِينَ إِنَّ قَوْلَهُ: وَيُصَلِّي فِي أَيِّ نَوَاحِي الْبَيْتِ شَاءَ. يُعَكِّرُ عَلَى الشَّافِعِيَّةِ فِيمَا إِذَا كَانَ الْبَيْتُ مَفْتُوحًا فَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ جَعَلَهُ حَيْثُ يُغْلَقُ الْبَابُ، وَبَعْدَ الْغَلْقِ لَا تَوَقُّفَ عِنْدَهُمْ فِي الصِّحَّةِ.

قَوْلُهُ: (دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ الْبَيْتَ) كَانَ ذَلِكَ فِي عَامِ الْفَتْحِ كَمَا وَقَعَ مُبَيَّنًا مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ بِزِيَادَةِ فَوَائِدَ، وَلَفْظُهُ: أَقْبَلَ النَّبِيُّ يَوْمَ الْفَتْحِ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ عَلَى رَاحِلَتِهِ. وَفِي رِوَايَةِ فُلَيْحٍ، عَنْ نَافِعٍ الْآتِيَةِ فِي الْمَغَازِي: وَهُوَ مُرْدِفٌ أُسَامَةَ - يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ - عَلَى الْقَصْوَاءِ، ثُمَّ اتَّفَقَا وَمَعَهُ بِلَالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ حَتَّى أَنَاخَ فِي الْمَسْجِدِ. وَفِي رِوَايَةِ فُلَيْحٍ: عِنْدَ الْبَيْتِ، وَقَالَ لِعُثْمَانَ ائْتِنَا بِالْمِفْتَاحِ، فَجَاءَهُ بِالْمِفْتَاحِ فَفَتْحَ لَهُ الْبَابَ فَدَخَلَ. وَلِمُسْلِمٍ، وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ: ثُمَّ دَعَا عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ بِالْمِفْتَاحِ، فَذَهَبَ إِلَى أُمِّهِ، فَأَبَتْ أَنْ تُعْطِيَهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَتُعْطِينِهِ أَوْ لَأُخْرِجَنَّ هَذَا السَّيْفَ مِنْ صُلْبِي، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ أَعْطَتْهُ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَفَتَحَ الْبَابَ فَظَهَرَ مِنْ رِوَايَةِ فُلَيْحٍ أَنَّ فَاعِلَ فَتَحَ هُوَ عُثْمَانُ الْمَذْكُورُ، لَكِنْ رَوَى الْفَاكِهِيُّ - مِنْ طَرِيقٍ ضَعِيفَةٍ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ بَنُو أَبِي طَلْحَةَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ فَتْحَ الْكَعْبَةِ غَيْرَهُمْ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ الْمِفْتَاحَ فَفَتَحَهَا بِيَدِهِ.

وَعُثْمَانُ الْمَذْكُورُ هُوَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ، وَيُقَالُ لَهُ: الْحَجَبِيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ، وَلِآلِ بَيْتِهِ الْحَجَبَةُ لِحَجْبِهِمُ الْكَعْبَةَ، وَيُعْرَفُونَ الْآنَ بِالشَّيْبِيِّينَ نِسْبَةً إِلَى شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ عُثْمَانَ هَذَا لَا وَلَدُهُ، وَلَهُ أَيْضًا صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ، وَاسْمُ أُمِّ عُثْمَانَ الْمَذْكُورَةِ سُلَافَةُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَالتَّخْفِيفِ وَالْفَاءِ.

قَوْلُهُ: (هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِلَالٌ، وَعُثْمَانُ) زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى: وَلَمْ يَدْخُلْهَا مَعَهُمْ أَحَدٌ وَوَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ: وَمَعَهُ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، وَأُسَامَةُ، وَبِلَالٌ، وَعُثْمَانُ. زَادَ الْفَضْلَ. وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: حَدَّثَنِي أَخِي الْفَضْلُ - وَكَانَ مَعَهُ حِينَ دَخَلَهَا - أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ فِي الْكَعْبَةِ. وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ بَعْدَ بَابَيْنِ.

قَوْلُهُ: (فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ) زَادَ فِي رِوَايَةِ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ: مِنْ دَاخِلٍ وَزَادَ يُونُسُ: فَمَكَثَ نَهَارًا طَوِيلًا. وَفِي رِوَايَةِ فُلَيْحٍ: زَمَانًا بَدَلَ نَهَارًا، وَفِي رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ نَافِعٍ الَّتِي مَضَتْ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ: فَأَطَالَ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ: فَمَكَثَ فِيهَا مَلِيًّا. وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ: فَأَجَافُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ طَوِيلًا. وَمِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ: فَمَكَثَ فِيهَا سَاعَةً. وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: فَوَجَدْتُ شَيْئًا فَذَهَبْتُ ثُمَّ جِئْتُ سَرِيعًا، فَوَجَدْتُ النَّبِيَّ خَارِجًا مِنْهَا. وَوَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ بِلَفْظِ: فَأَغْلَقَاهَا عَلَيْهِ. وَالضَّمِيرُ لِعُثْمَانَ، وَبِلَالٍ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ: فَأَجَافَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ الْبَابَ. وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ عُثْمَانَ هُوَ الْمُبَاشِرُ لِذَلِكَ، لِأَنَّهُ مِنْ وَظِيفَتِهِ، وَلَعَلَّ بِلَالًا سَاعَدَهُ فِي ذَلِكَ. وَرِوَايَةُ الْجَمْعِ يَدْخُلُ فِيهَا الْآمِرُ بِذَلِكَ وَالرَّاضِي بِهِ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا فَتَحُوا كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ) فِي رِوَايَةِ فُلَيْحٍ: ثُمَّ خَرَجَ فَابْتَدَرَ النَّاسُ الدُّخُولَ فَسَبَقْتُهُمْ. وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ: وَكُنْتُ رَجُلًا شَابًّا قَوِيًّا فَبَادَرْتُ النَّاسَ فَبَدَرْتُهُمْ. وَفِي رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ: كُنْتُ أَوَّلَ النَّاسِ وَلَجَ عَلَى أَثَرِهِ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ: فَرَقِيتُ الدَّرَجَةَ

فَدَخَلْتُ الْبَيْتَ. وَفِي رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ الْمَاضِيَةِ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: وَأَجِدُ بِلَالًا قَائِمًا بَيْنَ الْبَابَيْنِ. وَأَفَادَ الْأَزْرَقِيُّ فِي كِتَابِ مَكَّةَ أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ كَانَ عَلَى الْبَابِ يَذُبُّ عَنْهُ النَّاسَ، وَكَأَنَّهُ جَاءَ بَعْدَ مَا دَخَلَ النَّبِيُّ وَأَغْلَقَ.

قَوْلُهُ: (فَلَقِيتُ بِلَالًا فَسَأَلْتُهُ) زَادَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ الْمَاضِيَةِ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ: مَا صَنَعَ؟. وَفِي رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ، وَيُونُسَ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِ نَافِعٍ: فَسَأَلْتُ بِلَالًا أَيْنَ صَلَّى؟. اخْتَصَرُوا أَوَّلَ السُّؤَالِ، وَثَبَتَ فِي رِوَايَةِ سَالِمٍ هَذِهِ حَيْثُ قَالَ: هَلْ صَلَّى فِيهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ، وَابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: فَقُلْتُ: أَصَلَّى النَّبِيُّ فِي الْكَعْبَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ فَظَهَرَ أَنَّهُ اسْتَثْبَتَ أَوَّلًا، هَلْ صَلَّى أَمْ لَا، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ مَوْضِعِ صَلَاتِهِ مِنَ الْبَيْتِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَأَخْبَرَنِي بِلَالٌ أَوْ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ وَالْمَحْفُوظُ أَنَّهُ سَأَلَ بِلَالًا كَمَا فِي رِوَايَةِ الْجُمْهُورِ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ سَأَلَ بِلَالًا، وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِينَ خَرَجَا: أَيْنَ صَلَّى النَّبِيُّ فِيهِ؟ فَقَالَا عَلَى جِهَتِهِ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ نَحْوَهُ، وَلِأَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ أَنَّهُ صَلَّى فِيهِ هَهُنَا. وَلِمُسْلِمٍ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: فَقُلْتُ: أَيْنَ صَلَّى النَّبِيُّ ؟ فَقَالُوا. . . . فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ ابْتَدَأَ بِلَالًا بِالسُّؤَالِ كَمَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ، ثُمَّ أَرَادَ زِيَادَةَ الِاسْتِثْبَاتِ فِي مَكَانِ الصَّلَاةِ، فَسَأَلَ عُثْمَانَ أَيْضًا وَأُسَامَةَ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُمْ كَمْ صَلَّى.

بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ جَزْمِ عِيَاضٍ بِوَهْمِ الرِّوَايَةِ الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا مِنْ عِنْدِ مُسْلِمٍ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى بَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ، وَلَا يُعَارِضُ قِصَّتَهُ مَعَ قِصَّةِ أُسَامَةَ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ لَمْ يُصَلِّ فِيهِ، وَلَكِنَّهُ كَبَّرَ فِي نَوَاحِيهِ. فَإِنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ أُسَامَةَ حَيْثُ أَثْبَتَهَا اعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ، وَحَيْثُ نَفَاهَا أَرَادَ مَا فِي عِلْمِهِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَرَهُ حِينَ صَلَّى. وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَسْطٍ فِيهِ بَعْدَ بَابَيْنِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ) فِي رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ: بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ. وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ: جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: عَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي بَابِ الصَّلَاةِ بَيْنَ السَّوَارِي بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ، لَكِنْ نَذْكُرُ هُنَا مَا لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ: فَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ فُلَيْحٍ الْآتِيَةِ فِي الْمَغَازِي: بَيْنَ ذَيْنِكَ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ، وَكَانَ الْبَيْتُ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ سَطْرَيْنِ، صَلَّى بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ مِنَ السَّطْرِ الْمُقَدَّمِ، وَجَعَلَ بَابَ الْبَيْتِ خَلْفَ ظَهْرِهِ. وَقَالَ فِي آخِرِ رِوَايَتِهِ: وَعِنْدَ الْمَكَانِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَرْمَرَةٌ حَمْرَاءُ. وَكُلُّ هَذَا إِخْبَارٌ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ الْبَيْتُ قَبْلَ أَنْ يُهْدَمَ وَيُبْنَى فِي زَمَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَأَمَّا الْآنَ فَقَدْ بَيَّنَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ نَافِعٍ كَمَا فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ أَنَّ بَيْنَ مَوْقِفِهِ وَبَيْنَ الْجِدَارِ الَّذِي اسْتَقْبَلَهُ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ، وَجَزَمَ بِرَفْعِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِنِ مَهْدِيٍّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْغَرَائِبِ مِنْ طَرِيقِهِ وَطَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ وَغَيْرِهِمَا عَنْهُ وَلَفْظُهُ: وَصَلَّى وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ. وَكَذَا أَخْرَجَهَا أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ نَافِعٍ، وَهَذَا فِيهِ الْجَزْمُ بِثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ، لَكِنْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ: نَحْوٍ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ. وَهِيَ مُوَافِقَةٌ لِرِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ.

وَفِي كِتَابِ مَكَّةَ لِلْأَزْرَقِيِّ، وَالْفَاكِهِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ: أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَقَالَ: اجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْجِدَارِ ذِرَاعَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً. فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ الِاتِّبَاعَ فِي ذَلِكَ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ ثَلَاثَةَ أَذْرُعٍ، فَإِنَّهُ تَقَعُ قَدَمَاهُ فِي مَكَانِ قَدَمَيْهِ إِنْ كَانَتْ ثَلَاثَةَ أَذْرُعٍ سَوَاءً، وَتَقَعُ رُكْبَتَاهُ أَوْ يَدَاهُ وَوَجْهُهُ إِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا مِقْدَارُ صَلَاتِهِ

حِينَئِذٍ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ، وَأَشَرْتُ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَ رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَبَيْنَ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: نَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى، وَإِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ رِوَايَةَ مُجَاهِدٍ غَلَطٌ بِمَا فِيهِ مَقْنَعٌ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ: رِوَايَةُ الصَّاحِبِ عَنِ الصَّاحِبِ، وَسُؤَالُ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْأَفْضَلِ وَالِاكْتِفَاءِ بِهِ، وَالْحُجَّةُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَلَا يُقَالُ: هُوَ أَيْضًا خَبَرٌ وَاحدٌ، فَكَيْفَ يُحْتَجُّ لِلشَّيْءِ بِنَفْسِهِ؟ لِأَنَّا نَقُولُ: هُوَ فَرْدٌ يَنْضَمُّ إِلَى نَظَائِرَ مِثْلِهِ يُوجِبُ الْعِلْمَ بِذَلِكَ، وَفِيهِ اخْتِصَاصُ السَّابِقِ بِالْبُقْعَةِ الْفَاضِلَةِ، وَفِيهِ السُّؤَالُ عَنِ الْعِلْمِ وَالْحِرْصِ فِيهِ، وَفَضِيلَةُ ابْنِ عُمَرَ لِشِدَّةِ حِرْصِهِ عَلَى تَتَبُّعِ آثَارِ النَّبِيِّ لِيَعْمَلَ بِهَا، وَفِيهِ أَنَّ الْفَاضِلَ مِنَ الصَّحَابَةِ قَدْ كَانَ يَغِيبُ عَنِ النَّبِيِّ فِي بَعْضِ الْمَشَاهِدِ الْفَاضِلَةِ، وَيَحْضُرُهُ مَنْ هُوَ دُونَهُ فَيَطَّلِعَ عَلَى مَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ، لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ وَغَيْرَهُمَا مِمَّنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ بِلَالٍ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ لَمْ يُشَارِكُوهُمْ فِي ذَلِكَ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِيمَا مَضَى عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ إِلَى الْمَقَامِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، وَعَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ بَيْنَ السَّوَارِي فِي غَيْرِ الْجَمَاعَةِ، وَعَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْأَبْوَابِ وَالْغَلْقِ لِلْمَسَاجِدِ، وَفِيهِ أَنَّ السُّتْرَةَ إِنَّمَا تُشْرَعُ حَيْثُ يُخْشَى الْمُرُورُ فَإِنَّهُ صَلَّى بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ وَلَمْ يُصَلِّ إِلَى أَحَدِهِمَا، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لِلِاكْتِفَاءِ بِالْقُرْبِ مِنَ الْجِدَارِ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ مُصَلَّاهُ وَالْجِدَارِ نَحْوُ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ، وَبِذَلِكَ تَرْجَمَ لَهُ النَّسَائِيُّ عَلَى أَنَّ حَدَّ الدُّنُوِّ مِنَ السُّتْرَةِ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ قَوْلَ الْعُلَمَاءِ: تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ

الطَّوَافُ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ دَاخِلِ الْكَعْبَةِ لِكَوْنِهِ جَاءَ فَأَنَاخَ عِنْدَ الْبَيْتِ فَدَخَلَهُ، فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، فَكَانَتْ تِلْكَ الصَّلَاةُ إِمَّا لِكَوْنِ الْكَعْبَةِ كَالْمَسْجِدِ الْمُسْتَقِلِّ أَوْ هُوَ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ الْعَامِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ دُخُولِ الْكَعْبَةِ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا مَنْ دَخَلَ الْبَيْتَ دَخَلَ فِي حَسَنَةٍ وَخَرَجَ مَغْفُورًا لَهُ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمِّلِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَمَحَلُّ اسْتِحْبَابِهِ مَا لَمْ يُؤْذِ أَحَدًا بِدُخُولِهِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ دُخُولَ الْبَيْتِ لَيْسَ مِنَ الْحَجِّ فِي شَيْءٍ، وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ دُخُولَ الْبَيْتِ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ، وَرَدَّهُ بِأَنَّ النَّبِيَّ إِنَّمَا دَخَلَهُ عَامَ الْفَتْحِ وَلَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ مُحْرِمًا، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ هُوَ وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ عِنْدَهَا وَهُوَ قَرِيرُ الْعَيْنِ، ثُمَّ رَجَعَ وَهُوَ كَئِيبٌ، فَقَالَ: دَخَلْتُ الْكَعْبَةَ فَأَخَافُ أَنْ أَكُونَ شَقَقْتُ عَلَى أُمَّتِي.

فَقَدْ يُتَمَسَّكُ بِهِ لِصَاحِبِ هَذَا الْقَوْلِ الْمَحْكِيِّ لِكَوْنِ عَائِشَةَ لَمْ تَكُنْ مَعَهُ فِي الْفَتْحِ وَلَا فِي عُمْرَتِهِ، بَلْ سَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْكَعْبَةِ فِي عُمْرَتِهِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْقِصَّةَ كَانَتْ فِي حَجَّتِهِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْبَيْهَقِيُّ، وَإِنَّمَا لَمْ يَدْخُلْ فِي عُمْرَتِهِ لِمَا كَانَ فِي الْبَيْتِ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالصُّوَرِ كَمَا سَيَأْتِي، وَكَانَ إِذْ ذَاكَ لَا يُتَمَكَّنُ مِنْ إِزَالَتِهَا، بِخِلَافِ عَامِ الْفَتْحِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَالَ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ رُجُوعِهِ، فَلَيْسَ فِي السِّيَاقِ مَا يَمْنَعُ ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي النَّقْلُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلِ الْكَعْبَةَ فِي حَجَّتِهِ. وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي النَّفْلِ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ الْفَرْضُ إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِقْبَالِ لِلْمُقِيمِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا تَصِحُّ الصَّلَاةَ دَاخِلَهَا مُطْلَقًا، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ اسْتِدْبَارُ بَعْضِهَا، وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِاسْتِقْبَالِهَا فَيُحْمَلُ عَلَى اسْتِقْبَالِ جَمِيعِهَا، وَقَالَ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ وَالطَّبَرِيِّ، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ مَنْعُ صَلَاةِ الْفَرْضِ دَاخِلَهَا، وَوُجُوبُ الْإِعَادَةِ، وَعَنِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ الْإِجْزَاءُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَابْنُ الْعَرَبِيِّ.

وَعَنِ ابْنِ حَبِيبٍ يُعِيدُ أَبَدًا، وَعَنْ أَصْبَغَ إِنْ كَانَ مُتَعَمِّدًا، وَأَطْلَقَ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ مَالِكٍ جَوَازَ النَّوَافِلِ، وَقَيَّدَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بِغَيْرِ الرَّوَاتِبِ، وَمَا تُشَرَعُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ، وَفِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ لِابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ: كَرِهَ مَالِكٌ الْفَرْضَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٥٩٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين أبو رجاء الثَّقفيُّ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمٍ) هو ابن عبد الله بن عمر ابن الخطَّاب القرشيِّ العدويِّ (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله (أَنَّهُ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ البَيْتَ) الحرام عام الفتح (هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِلَالٌ) المؤذِّن (وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ) الحجبيُّ، زاد النَّسائيُّ: «ومعه الفضل بن عبَّاسٍ» فيكونون أربعةً (فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ) أي: الباب من داخلٍ كما عند أبي عَوانة، وزاد يونس: «فمكث نهارًا طويلًا» وفي رواية فليح: «زمانًا» بدل: «نهارًا»، ولـ «مسلمٍ»: «فمكث فيها مليًّا»، وفي روايةٍ له أيضًا: «فمكث فيها ساعةً» (فَلَمَّا فَتَحُوا) الباب (كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ) أي: دخل (فَلَقِيتُ بِلَالًا) بكسر القاف، زاد في رواية مجاهدٍ السَّابقة في أوائل «الصَّلاة» عن ابن عمر: «وأجد بلالًا قائمًا بين البابين» [خ¦٣٩٧] (فَسَأَلْتُهُ) أي: بلالًا (هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ) صلَّى فيه (بَيْنَ العَمُودَيْنِ اليَمَانِيَيْنِ) بتخفيف الياء لأنَّهم جعلوا الألف بدل إحدى ياءي النِّسبة، وجوَّز سيبويه التَّشديد، وفي رواية مالكٍ عن نافعٍ: «جعل عمودًا عن يمينه وعمودًا عن يساره» وفي رواية فُليح في «المغازي» [خ¦٤٤٠٠]: «بين ذينك العمودين المُقدَّمين، وكان البيت على ستَّة أعمدةٍ سطرين، صلَّى بين العمودين من السَّطر المُقدَّم، وجعل باب البيت خلف ظهره» وقال في آخر روايته: «وعند المكان الذي صلَّى فيه مرمرةٌ حمراءُ» وكلُّ هذا إخبارٌ عمَّا كان عليه البيت قبل أن يُهدَم ويُبنَى في زمن ابن الزُّبير، فأمَّا الآن فقد بيَّن موسى بن عقبة في روايته عن نافعٍ -كما في الباب الذي يليه-: «أنَّ بين موقفه وبين الجدار الذي استقبله قريبًا من ثلاثة أذرعٍ» [خ¦١٥٩٩] وسيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى.

وموضع التَّرجمة من الحديث قوله: «فأغلقوا عليهم»، لكن استُشكِل قوله في التَّرجمة: «ويصلِّي في أيِّ نواحي البيت شاء» فإنَّه يدلُّ على التَّخيير، وفي الحديث: أنَّه صلَّى بين اليمانيين، وهو يدلُّ على التَّعيين، وأُجيب بأنَّ صلاته في ذلك الموضع لم تكن قصدًا، بل وقعت اتِّفاقًا.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

ذَلِكَ عُمَرُ لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، فَخَشِيَ عُمَرُ أَنْ يَظُنَّ الْجُهَّالُ أَنَّ اسْتِلَامَ الْحَجَرِ مِنْ بَابِ تَعْظِيمِ بَعْضِ الْأَحْجَارِ كَمَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَفْعَلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَرَادَ عُمَرُ أَنْ يُعَلِّمَ النَّاسَ أَنَّ اسْتِلَامَهُ اتِّبَاعٌ لِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ، لَا لِأَنَّ الْحَجَرَ يَنْفَعُ وَيَضُرُّ بِذَاتِهِ كَمَا كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَعْتَقِدُهُ فِي الْأَوْثَانِ، وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: حَدِيثُ عُمَرَ هَذَا يَرُدُّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ الْحَجَرَ يَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ يُصَافِحُ بِهَا عِبَادُهُ، وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ جَارِحَةٌ، وَإِنَّمَا شُرِعَ تَقْبِيلُهُ اخْتِيَارًا لِيُعْلَمَ بِالْمُشَاهَدَةِ طَاعَةُ مَنْ يُطِيعُ، وَذَلِكَ شَبِيهٌ بِقِصَّةِ إِبْلِيسَ حَيْثُ أُمِرَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَى أَنَّهُ يَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ أَنَّ مَنْ صَافَحَهُ فِي الْأَرْضِ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ، وَجَرَتِ الْعَادَةُ بِأَنَّ الْعَهْدَ يَعْقِدُهُ الْمَلِكُ بِالْمُصَافَحَةِ لِمَنْ يُرِيدُ مُوَالَاتَهُ وَالِاخْتِصَاصَ بِهِ، فَخَاطَبَهُمْ بِمَا يَعْهَدُونَهُ. وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ مَلِكٍ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِ الْوَافِدُ قَبَّلَ يَمِينَهُ، فَلَمَّا كَانَ الْحَاجُّ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ يُسَنُّ لَهُ تَقْبِيلُهُ نُزِّلَ مَنْزِلَةَ يَمِينِ الْمَلِكِ، وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى.

وَفِي قَوْلِ عُمَرَ هَذَا التَّسْلِيمُ لِلشَّارِعِ فِي أُمُورِ الدِّينِ، وَحُسْنُ الِاتِّبَاعِ فِيمَا لَمْ يَكْشِفْ عَنْ مَعَانِيهَا، وَهُوَ قَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ فِي اتِّبَاعِ النَّبِيِّ فِيمَا يَفْعَلُهُ وَلَوْ لَمْ يَعْلَمِ الْحِكْمَةَ فِيهِ، وَفِيهِ دَفْعُ مَا وَقَعَ لِبَعْضِ الْجُهَّالِ مِنْ أَنَّ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ خَاصَّةً تَرْجِعُ إِلَى ذَاتِهِ، وَفِيهِ بَيَانُ السُّنَنِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَأَنَّ الْإِمَامَ إِذَا خَشِيَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ فِعْلِهِ فَسَادَ اعْتِقَادٍ أَنْ يُبَادِرَ إِلَى بَيَانِ الْأَمْرِ وَيُوَضِّحَ ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى التَّقْبِيلِ وَالِاسْتِلَامِ بَعْدَ تِسْعَةِ أَبْوَابٍ. قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: فِيهِ كَرَاهَةُ تَقْبِيلِ مَا لَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِتَقْبِيلِهِ، وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: وَمَهْمَا قَبَّلَ مِنَ الْبَيْتِ فَحَسَنٌ، فَلَمْ يُرِدْ بِهِ الِاسْتِحْبَابَ، لِأَنَّ الْمُبَاحَ مِنْ جُمْلَةِ الْحَسَنِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ.

(تَكْمِيلٌ): اعْتَرَضَ بَعْضُ الْمُلْحِدِينَ عَلَى الْحَدِيثِ الْمَاضِي، فَقَالَ: كَيْفَ سَوَّدَتْهُ خَطَايَا الْمُشْرِكِينَ، وَلَمْ تُبَيِّضْهُ طَاعَاتُ أَهْلِ التَّوْحِيدِ؟ وَأُجِيبَ بِمَا قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَكَانَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَجْرَى اللَّهُ الْعَادَةَ بِأَنَّ السَّوَادَ يَصْبُغُ، وَلَا يَنْصَبِغُ عَلَى الْعَكْسِ مِنَ الْبَيَاضِ. وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: فِي بَقَائِهِ أَسْوَدَ عِبْرَةٌ لِمَنْ لَهُ بَصِيرَةٌ، فَإِنَّ الْخَطَايَا إِذَا أَثَّرَتْ فِي الْحَجَرِ الصَّلْدِ فَتَأْثِيرُهَا فِي الْقَلْبِ أَشَدُّ. قَالَ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّمَا غَيَّرَهُ بِالسَّوَادِ لِئَلَّا يَنْظُرَ أَهْلُ الدُّنْيَا إِلَى زِينَةِ الْجَنَّةِ، فَإِنْ ثَبَتَ، فَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ. قُلْتُ: أَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي فَضَائِلِ مَكَّةَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٥١ - بَاب إِغْلَاقِ الْبَيْتِ، وَيُصَلِّي فِي أَيِّ نَوَاحِي الْبَيْتِ شَاءَ

١٥٩٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ الْبَيْتَ هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِلَالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا فَتَحُوا كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ فَلَقِيتُ بِلَالًا فَسَأَلْتُهُ: هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ، بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ

قَوْلُهُ: (بَابُ إِغْلَاقِ الْبَيْتِ، وَيُصَلِّي فِي أَيِّ نَوَاحِي الْبَيْتِ شَاءَ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ بِلَالٍ فِي صَلَاةِ النَّبِيِّ فِي الْكَعْبَةِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يُغَايِرُ التَّرْجَمَةَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى التَّخْيِيرِ، وَالْفِعْلُ الْمَذْكُورُ يَدُلُّ عَلَى التَّعْيِينِ.

وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ حَمَلَ صَلَاةَ النَّبِيِّ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِعَيْنِهِ عَلَى سَبِيلِ الِاتِّفَاقِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْقَصْدِ لِزِيَادَةِ فَضْلٍ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ عَلَى غَيْرِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ لَيْسَ حَتْمًا، وَإِنْ كَانَتِ الصَّلَاةُ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ الَّتِي اخْتَارَهَا النَّبِيُّ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهَا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ مِنْ تَصْرِيحِ ابْنِ عُمَرَ بِنَصِّ التَّرْجَمَةِ مَعَ كَوْنِهِ كَانَ يَقْصِدُ الْمَكَانَ الَّذِي صَلَّى فِيهِ النَّبِيُّ لِيُصَلِّيَ فِيهِ لِفَضْلِهِ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى الْحِكْمَةِ فِي إِغْلَاقِ الْبَابِ حِينَئِذٍ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ دَعْوَى ابْنِ بَطَّالٍ الْحِكْمَةَ فِيهِ لِئَلَّا يَظُنَّ النَّاسُ أَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ، وَهُوَ مَعَ ضَعْفِهِ

مُنْتَقَضٌ بِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ إِخْفَاءَ ذَلِكَ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ بِلَالٌ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ، وَإِثْبَاتُ الْحُكْمِ بِذَلِكَ يَكْفِي فِيهِ فِعْلُ الْوَاحِدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ هَذَا فِي بَابِ الْغَلْقِ لِلْكَعْبَةِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَظَاهِرُ التَّرْجَمَةِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلصَّلَاةِ فِي جَمِيعِ الْجَوَانِبِ إِغْلَاقُ الْبَابِ لِيَصِيرَ مُسْتَقْبِلًا فِي حَالِ الصَّلَاةِ غَيْرَ الْفَضَاءِ، وَالْمَحْكِيُّ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ الْجَوَازُ مُطْلَقًا، وَعَنِ الشَّافِعِيَّةِ وَجْهٌ مِثْلُهُ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ لِلْبَابِ عَتَبَةٌ بِأَيِّ قَدْرٍ كَانَتْ، وَوَجْهٌ يَشْتَرِطُ أَنْ يَكُونَ قَدْرَ قَامَةِ الْمُصَلِّي، وَوَجْهٌ يَشْتَرِطُ أَنْ يَكُونَ قَدْرَ مُؤَخَّرِ الرِّجْلِ، وَهُوَ الْمُصَحَّحُ عِنْدَهُمْ، وَفِي الصَّلَاةِ فَوْقَ ظَهْرِ الْكَعْبَةِ نَظِيرُ هَذَا الْخِلَافِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِ الشَّارِحِينَ إِنَّ قَوْلَهُ: وَيُصَلِّي فِي أَيِّ نَوَاحِي الْبَيْتِ شَاءَ. يُعَكِّرُ عَلَى الشَّافِعِيَّةِ فِيمَا إِذَا كَانَ الْبَيْتُ مَفْتُوحًا فَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ جَعَلَهُ حَيْثُ يُغْلَقُ الْبَابُ، وَبَعْدَ الْغَلْقِ لَا تَوَقُّفَ عِنْدَهُمْ فِي الصِّحَّةِ.

قَوْلُهُ: (دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ الْبَيْتَ) كَانَ ذَلِكَ فِي عَامِ الْفَتْحِ كَمَا وَقَعَ مُبَيَّنًا مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ بِزِيَادَةِ فَوَائِدَ، وَلَفْظُهُ: أَقْبَلَ النَّبِيُّ يَوْمَ الْفَتْحِ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ عَلَى رَاحِلَتِهِ. وَفِي رِوَايَةِ فُلَيْحٍ، عَنْ نَافِعٍ الْآتِيَةِ فِي الْمَغَازِي: وَهُوَ مُرْدِفٌ أُسَامَةَ - يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ - عَلَى الْقَصْوَاءِ، ثُمَّ اتَّفَقَا وَمَعَهُ بِلَالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ حَتَّى أَنَاخَ فِي الْمَسْجِدِ. وَفِي رِوَايَةِ فُلَيْحٍ: عِنْدَ الْبَيْتِ، وَقَالَ لِعُثْمَانَ ائْتِنَا بِالْمِفْتَاحِ، فَجَاءَهُ بِالْمِفْتَاحِ فَفَتْحَ لَهُ الْبَابَ فَدَخَلَ. وَلِمُسْلِمٍ، وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ: ثُمَّ دَعَا عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ بِالْمِفْتَاحِ، فَذَهَبَ إِلَى أُمِّهِ، فَأَبَتْ أَنْ تُعْطِيَهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَتُعْطِينِهِ أَوْ لَأُخْرِجَنَّ هَذَا السَّيْفَ مِنْ صُلْبِي، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ أَعْطَتْهُ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَفَتَحَ الْبَابَ فَظَهَرَ مِنْ رِوَايَةِ فُلَيْحٍ أَنَّ فَاعِلَ فَتَحَ هُوَ عُثْمَانُ الْمَذْكُورُ، لَكِنْ رَوَى الْفَاكِهِيُّ - مِنْ طَرِيقٍ ضَعِيفَةٍ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ بَنُو أَبِي طَلْحَةَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ فَتْحَ الْكَعْبَةِ غَيْرَهُمْ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ الْمِفْتَاحَ فَفَتَحَهَا بِيَدِهِ.

وَعُثْمَانُ الْمَذْكُورُ هُوَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ، وَيُقَالُ لَهُ: الْحَجَبِيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ، وَلِآلِ بَيْتِهِ الْحَجَبَةُ لِحَجْبِهِمُ الْكَعْبَةَ، وَيُعْرَفُونَ الْآنَ بِالشَّيْبِيِّينَ نِسْبَةً إِلَى شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ عُثْمَانَ هَذَا لَا وَلَدُهُ، وَلَهُ أَيْضًا صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ، وَاسْمُ أُمِّ عُثْمَانَ الْمَذْكُورَةِ سُلَافَةُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَالتَّخْفِيفِ وَالْفَاءِ.

قَوْلُهُ: (هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِلَالٌ، وَعُثْمَانُ) زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى: وَلَمْ يَدْخُلْهَا مَعَهُمْ أَحَدٌ وَوَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ: وَمَعَهُ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، وَأُسَامَةُ، وَبِلَالٌ، وَعُثْمَانُ. زَادَ الْفَضْلَ. وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: حَدَّثَنِي أَخِي الْفَضْلُ - وَكَانَ مَعَهُ حِينَ دَخَلَهَا - أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ فِي الْكَعْبَةِ. وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ بَعْدَ بَابَيْنِ.

قَوْلُهُ: (فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ) زَادَ فِي رِوَايَةِ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ: مِنْ دَاخِلٍ وَزَادَ يُونُسُ: فَمَكَثَ نَهَارًا طَوِيلًا. وَفِي رِوَايَةِ فُلَيْحٍ: زَمَانًا بَدَلَ نَهَارًا، وَفِي رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ نَافِعٍ الَّتِي مَضَتْ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ: فَأَطَالَ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ: فَمَكَثَ فِيهَا مَلِيًّا. وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ: فَأَجَافُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ طَوِيلًا. وَمِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ: فَمَكَثَ فِيهَا سَاعَةً. وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: فَوَجَدْتُ شَيْئًا فَذَهَبْتُ ثُمَّ جِئْتُ سَرِيعًا، فَوَجَدْتُ النَّبِيَّ خَارِجًا مِنْهَا. وَوَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ بِلَفْظِ: فَأَغْلَقَاهَا عَلَيْهِ. وَالضَّمِيرُ لِعُثْمَانَ، وَبِلَالٍ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ: فَأَجَافَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ الْبَابَ. وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ عُثْمَانَ هُوَ الْمُبَاشِرُ لِذَلِكَ، لِأَنَّهُ مِنْ وَظِيفَتِهِ، وَلَعَلَّ بِلَالًا سَاعَدَهُ فِي ذَلِكَ. وَرِوَايَةُ الْجَمْعِ يَدْخُلُ فِيهَا الْآمِرُ بِذَلِكَ وَالرَّاضِي بِهِ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا فَتَحُوا كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ) فِي رِوَايَةِ فُلَيْحٍ: ثُمَّ خَرَجَ فَابْتَدَرَ النَّاسُ الدُّخُولَ فَسَبَقْتُهُمْ. وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ: وَكُنْتُ رَجُلًا شَابًّا قَوِيًّا فَبَادَرْتُ النَّاسَ فَبَدَرْتُهُمْ. وَفِي رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ: كُنْتُ أَوَّلَ النَّاسِ وَلَجَ عَلَى أَثَرِهِ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ: فَرَقِيتُ الدَّرَجَةَ

فَدَخَلْتُ الْبَيْتَ. وَفِي رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ الْمَاضِيَةِ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: وَأَجِدُ بِلَالًا قَائِمًا بَيْنَ الْبَابَيْنِ. وَأَفَادَ الْأَزْرَقِيُّ فِي كِتَابِ مَكَّةَ أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ كَانَ عَلَى الْبَابِ يَذُبُّ عَنْهُ النَّاسَ، وَكَأَنَّهُ جَاءَ بَعْدَ مَا دَخَلَ النَّبِيُّ وَأَغْلَقَ.

قَوْلُهُ: (فَلَقِيتُ بِلَالًا فَسَأَلْتُهُ) زَادَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ الْمَاضِيَةِ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ: مَا صَنَعَ؟. وَفِي رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ، وَيُونُسَ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِ نَافِعٍ: فَسَأَلْتُ بِلَالًا أَيْنَ صَلَّى؟. اخْتَصَرُوا أَوَّلَ السُّؤَالِ، وَثَبَتَ فِي رِوَايَةِ سَالِمٍ هَذِهِ حَيْثُ قَالَ: هَلْ صَلَّى فِيهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ، وَابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: فَقُلْتُ: أَصَلَّى النَّبِيُّ فِي الْكَعْبَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ فَظَهَرَ أَنَّهُ اسْتَثْبَتَ أَوَّلًا، هَلْ صَلَّى أَمْ لَا، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ مَوْضِعِ صَلَاتِهِ مِنَ الْبَيْتِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَأَخْبَرَنِي بِلَالٌ أَوْ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ وَالْمَحْفُوظُ أَنَّهُ سَأَلَ بِلَالًا كَمَا فِي رِوَايَةِ الْجُمْهُورِ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ سَأَلَ بِلَالًا، وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِينَ خَرَجَا: أَيْنَ صَلَّى النَّبِيُّ فِيهِ؟ فَقَالَا عَلَى جِهَتِهِ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ نَحْوَهُ، وَلِأَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ أَنَّهُ صَلَّى فِيهِ هَهُنَا. وَلِمُسْلِمٍ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: فَقُلْتُ: أَيْنَ صَلَّى النَّبِيُّ ؟ فَقَالُوا. . . . فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ ابْتَدَأَ بِلَالًا بِالسُّؤَالِ كَمَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ، ثُمَّ أَرَادَ زِيَادَةَ الِاسْتِثْبَاتِ فِي مَكَانِ الصَّلَاةِ، فَسَأَلَ عُثْمَانَ أَيْضًا وَأُسَامَةَ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُمْ كَمْ صَلَّى.

بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ جَزْمِ عِيَاضٍ بِوَهْمِ الرِّوَايَةِ الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا مِنْ عِنْدِ مُسْلِمٍ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى بَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ، وَلَا يُعَارِضُ قِصَّتَهُ مَعَ قِصَّةِ أُسَامَةَ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ لَمْ يُصَلِّ فِيهِ، وَلَكِنَّهُ كَبَّرَ فِي نَوَاحِيهِ. فَإِنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ أُسَامَةَ حَيْثُ أَثْبَتَهَا اعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ، وَحَيْثُ نَفَاهَا أَرَادَ مَا فِي عِلْمِهِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَرَهُ حِينَ صَلَّى. وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَسْطٍ فِيهِ بَعْدَ بَابَيْنِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ) فِي رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ: بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ. وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ: جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: عَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي بَابِ الصَّلَاةِ بَيْنَ السَّوَارِي بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ، لَكِنْ نَذْكُرُ هُنَا مَا لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ: فَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ فُلَيْحٍ الْآتِيَةِ فِي الْمَغَازِي: بَيْنَ ذَيْنِكَ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ، وَكَانَ الْبَيْتُ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ سَطْرَيْنِ، صَلَّى بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ مِنَ السَّطْرِ الْمُقَدَّمِ، وَجَعَلَ بَابَ الْبَيْتِ خَلْفَ ظَهْرِهِ. وَقَالَ فِي آخِرِ رِوَايَتِهِ: وَعِنْدَ الْمَكَانِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَرْمَرَةٌ حَمْرَاءُ. وَكُلُّ هَذَا إِخْبَارٌ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ الْبَيْتُ قَبْلَ أَنْ يُهْدَمَ وَيُبْنَى فِي زَمَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَأَمَّا الْآنَ فَقَدْ بَيَّنَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ نَافِعٍ كَمَا فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ أَنَّ بَيْنَ مَوْقِفِهِ وَبَيْنَ الْجِدَارِ الَّذِي اسْتَقْبَلَهُ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ، وَجَزَمَ بِرَفْعِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِنِ مَهْدِيٍّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْغَرَائِبِ مِنْ طَرِيقِهِ وَطَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ وَغَيْرِهِمَا عَنْهُ وَلَفْظُهُ: وَصَلَّى وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ. وَكَذَا أَخْرَجَهَا أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ نَافِعٍ، وَهَذَا فِيهِ الْجَزْمُ بِثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ، لَكِنْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ: نَحْوٍ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ. وَهِيَ مُوَافِقَةٌ لِرِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ.

وَفِي كِتَابِ مَكَّةَ لِلْأَزْرَقِيِّ، وَالْفَاكِهِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ: أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَقَالَ: اجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْجِدَارِ ذِرَاعَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً. فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ الِاتِّبَاعَ فِي ذَلِكَ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ ثَلَاثَةَ أَذْرُعٍ، فَإِنَّهُ تَقَعُ قَدَمَاهُ فِي مَكَانِ قَدَمَيْهِ إِنْ كَانَتْ ثَلَاثَةَ أَذْرُعٍ سَوَاءً، وَتَقَعُ رُكْبَتَاهُ أَوْ يَدَاهُ وَوَجْهُهُ إِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا مِقْدَارُ صَلَاتِهِ

حِينَئِذٍ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ، وَأَشَرْتُ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَ رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَبَيْنَ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: نَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى، وَإِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ رِوَايَةَ مُجَاهِدٍ غَلَطٌ بِمَا فِيهِ مَقْنَعٌ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ: رِوَايَةُ الصَّاحِبِ عَنِ الصَّاحِبِ، وَسُؤَالُ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْأَفْضَلِ وَالِاكْتِفَاءِ بِهِ، وَالْحُجَّةُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَلَا يُقَالُ: هُوَ أَيْضًا خَبَرٌ وَاحدٌ، فَكَيْفَ يُحْتَجُّ لِلشَّيْءِ بِنَفْسِهِ؟ لِأَنَّا نَقُولُ: هُوَ فَرْدٌ يَنْضَمُّ إِلَى نَظَائِرَ مِثْلِهِ يُوجِبُ الْعِلْمَ بِذَلِكَ، وَفِيهِ اخْتِصَاصُ السَّابِقِ بِالْبُقْعَةِ الْفَاضِلَةِ، وَفِيهِ السُّؤَالُ عَنِ الْعِلْمِ وَالْحِرْصِ فِيهِ، وَفَضِيلَةُ ابْنِ عُمَرَ لِشِدَّةِ حِرْصِهِ عَلَى تَتَبُّعِ آثَارِ النَّبِيِّ لِيَعْمَلَ بِهَا، وَفِيهِ أَنَّ الْفَاضِلَ مِنَ الصَّحَابَةِ قَدْ كَانَ يَغِيبُ عَنِ النَّبِيِّ فِي بَعْضِ الْمَشَاهِدِ الْفَاضِلَةِ، وَيَحْضُرُهُ مَنْ هُوَ دُونَهُ فَيَطَّلِعَ عَلَى مَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ، لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ وَغَيْرَهُمَا مِمَّنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ بِلَالٍ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ لَمْ يُشَارِكُوهُمْ فِي ذَلِكَ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِيمَا مَضَى عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ إِلَى الْمَقَامِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، وَعَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ بَيْنَ السَّوَارِي فِي غَيْرِ الْجَمَاعَةِ، وَعَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْأَبْوَابِ وَالْغَلْقِ لِلْمَسَاجِدِ، وَفِيهِ أَنَّ السُّتْرَةَ إِنَّمَا تُشْرَعُ حَيْثُ يُخْشَى الْمُرُورُ فَإِنَّهُ صَلَّى بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ وَلَمْ يُصَلِّ إِلَى أَحَدِهِمَا، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لِلِاكْتِفَاءِ بِالْقُرْبِ مِنَ الْجِدَارِ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ مُصَلَّاهُ وَالْجِدَارِ نَحْوُ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ، وَبِذَلِكَ تَرْجَمَ لَهُ النَّسَائِيُّ عَلَى أَنَّ حَدَّ الدُّنُوِّ مِنَ السُّتْرَةِ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ قَوْلَ الْعُلَمَاءِ: تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ

الطَّوَافُ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ دَاخِلِ الْكَعْبَةِ لِكَوْنِهِ جَاءَ فَأَنَاخَ عِنْدَ الْبَيْتِ فَدَخَلَهُ، فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، فَكَانَتْ تِلْكَ الصَّلَاةُ إِمَّا لِكَوْنِ الْكَعْبَةِ كَالْمَسْجِدِ الْمُسْتَقِلِّ أَوْ هُوَ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ الْعَامِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ دُخُولِ الْكَعْبَةِ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا مَنْ دَخَلَ الْبَيْتَ دَخَلَ فِي حَسَنَةٍ وَخَرَجَ مَغْفُورًا لَهُ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمِّلِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَمَحَلُّ اسْتِحْبَابِهِ مَا لَمْ يُؤْذِ أَحَدًا بِدُخُولِهِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ دُخُولَ الْبَيْتِ لَيْسَ مِنَ الْحَجِّ فِي شَيْءٍ، وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ دُخُولَ الْبَيْتِ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ، وَرَدَّهُ بِأَنَّ النَّبِيَّ إِنَّمَا دَخَلَهُ عَامَ الْفَتْحِ وَلَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ مُحْرِمًا، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ هُوَ وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ عِنْدَهَا وَهُوَ قَرِيرُ الْعَيْنِ، ثُمَّ رَجَعَ وَهُوَ كَئِيبٌ، فَقَالَ: دَخَلْتُ الْكَعْبَةَ فَأَخَافُ أَنْ أَكُونَ شَقَقْتُ عَلَى أُمَّتِي.

فَقَدْ يُتَمَسَّكُ بِهِ لِصَاحِبِ هَذَا الْقَوْلِ الْمَحْكِيِّ لِكَوْنِ عَائِشَةَ لَمْ تَكُنْ مَعَهُ فِي الْفَتْحِ وَلَا فِي عُمْرَتِهِ، بَلْ سَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْكَعْبَةِ فِي عُمْرَتِهِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْقِصَّةَ كَانَتْ فِي حَجَّتِهِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْبَيْهَقِيُّ، وَإِنَّمَا لَمْ يَدْخُلْ فِي عُمْرَتِهِ لِمَا كَانَ فِي الْبَيْتِ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالصُّوَرِ كَمَا سَيَأْتِي، وَكَانَ إِذْ ذَاكَ لَا يُتَمَكَّنُ مِنْ إِزَالَتِهَا، بِخِلَافِ عَامِ الْفَتْحِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَالَ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ رُجُوعِهِ، فَلَيْسَ فِي السِّيَاقِ مَا يَمْنَعُ ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي النَّقْلُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلِ الْكَعْبَةَ فِي حَجَّتِهِ. وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي النَّفْلِ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ الْفَرْضُ إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِقْبَالِ لِلْمُقِيمِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا تَصِحُّ الصَّلَاةَ دَاخِلَهَا مُطْلَقًا، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ اسْتِدْبَارُ بَعْضِهَا، وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِاسْتِقْبَالِهَا فَيُحْمَلُ عَلَى اسْتِقْبَالِ جَمِيعِهَا، وَقَالَ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ وَالطَّبَرِيِّ، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ مَنْعُ صَلَاةِ الْفَرْضِ دَاخِلَهَا، وَوُجُوبُ الْإِعَادَةِ، وَعَنِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ الْإِجْزَاءُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَابْنُ الْعَرَبِيِّ.

وَعَنِ ابْنِ حَبِيبٍ يُعِيدُ أَبَدًا، وَعَنْ أَصْبَغَ إِنْ كَانَ مُتَعَمِّدًا، وَأَطْلَقَ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ مَالِكٍ جَوَازَ النَّوَافِلِ، وَقَيَّدَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بِغَيْرِ الرَّوَاتِبِ، وَمَا تُشَرَعُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ، وَفِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ لِابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ: كَرِهَ مَالِكٌ الْفَرْضَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٥٩٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين أبو رجاء الثَّقفيُّ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمٍ) هو ابن عبد الله بن عمر ابن الخطَّاب القرشيِّ العدويِّ (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله (أَنَّهُ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ البَيْتَ) الحرام عام الفتح (هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِلَالٌ) المؤذِّن (وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ) الحجبيُّ، زاد النَّسائيُّ: «ومعه الفضل بن عبَّاسٍ» فيكونون أربعةً (فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ) أي: الباب من داخلٍ كما عند أبي عَوانة، وزاد يونس: «فمكث نهارًا طويلًا» وفي رواية فليح: «زمانًا» بدل: «نهارًا»، ولـ «مسلمٍ»: «فمكث فيها مليًّا»، وفي روايةٍ له أيضًا: «فمكث فيها ساعةً» (فَلَمَّا فَتَحُوا) الباب (كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ) أي: دخل (فَلَقِيتُ بِلَالًا) بكسر القاف، زاد في رواية مجاهدٍ السَّابقة في أوائل «الصَّلاة» عن ابن عمر: «وأجد بلالًا قائمًا بين البابين» [خ¦٣٩٧] (فَسَأَلْتُهُ) أي: بلالًا (هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ) صلَّى فيه (بَيْنَ العَمُودَيْنِ اليَمَانِيَيْنِ) بتخفيف الياء لأنَّهم جعلوا الألف بدل إحدى ياءي النِّسبة، وجوَّز سيبويه التَّشديد، وفي رواية مالكٍ عن نافعٍ: «جعل عمودًا عن يمينه وعمودًا عن يساره» وفي رواية فُليح في «المغازي» [خ¦٤٤٠٠]: «بين ذينك العمودين المُقدَّمين، وكان البيت على ستَّة أعمدةٍ سطرين، صلَّى بين العمودين من السَّطر المُقدَّم، وجعل باب البيت خلف ظهره» وقال في آخر روايته: «وعند المكان الذي صلَّى فيه مرمرةٌ حمراءُ» وكلُّ هذا إخبارٌ عمَّا كان عليه البيت قبل أن يُهدَم ويُبنَى في زمن ابن الزُّبير، فأمَّا الآن فقد بيَّن موسى بن عقبة في روايته عن نافعٍ -كما في الباب الذي يليه-: «أنَّ بين موقفه وبين الجدار الذي استقبله قريبًا من ثلاثة أذرعٍ» [خ¦١٥٩٩] وسيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى.

وموضع التَّرجمة من الحديث قوله: «فأغلقوا عليهم»، لكن استُشكِل قوله في التَّرجمة: «ويصلِّي في أيِّ نواحي البيت شاء» فإنَّه يدلُّ على التَّخيير، وفي الحديث: أنَّه صلَّى بين اليمانيين، وهو يدلُّ على التَّعيين، وأُجيب بأنَّ صلاته في ذلك الموضع لم تكن قصدًا، بل وقعت اتِّفاقًا.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد