«قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٦٠٢

الحديث رقم ١٦٠٢ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب كيف كان بدء الرمل.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «قدم رسول الله ﷺ وأصحابه، فقال المشركون: إنه…

«قَدِمَ رَسُولُ اللهِ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ وَقَدْ وَهَنَهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ».

سند حديث: ١٦٠٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ…

١٦٠٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «قدم رسول الله ﷺ وأصحابه، فقال المشركون: إنه…

جاء النبي صلى الله عليه وسلم سنة ست من الهجرة إلى مكة معتمرًا، ومعه كثير من أصحابه، فخرج لقتاله وصده عن البيت كفار قريش، فحصل بينهم صلح، من مواده أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يرجعون في ذلك العام، ويأتون في العام القابل معتمرين، ويقيمون في مكة ثلاثة أيام، فجاءوا في السنة السابعة لعمرة القضاء. فقال المشركون، بعضهم لبعض -تشفيا وشماتة-: إنه سيقدم عليكم قوم قد وهنتهم وأضعفتهم حمى يثرب.
فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم قولهم، أراد أن يرد قولهم ويغيظهم، فأمر أصحابه أن يسرعوا إلا فيما بين الركن اليماني والركن الذي فيه الحجر الأسود فيمشوا، رفقًا بهم وشفقة عليهم، حين يكونوا بين الركنين لا يراهم المشركون، الذين تسلقوا جبل "قعيقعان" لينظروا إلى المسلمين وهم يطوفون فغاظهم ذلك حتى قالوا: إن هم إلا كالغزلان، فكان هذا الرمل سنة متبعة في طواف القادم إلى مكة، تذكرا لواقع سلفنا الماضين، وتأسيًا بهم في مواقفهم الحميدة، ومصابرتهم الشديدة، وما قاموا به من جليل الأعمال، لنصرة الدين، وإعلاء كلمة الله، رزقنا الله اتباعهم واقتفاء أثرهم.
والمشي بين الركنين وترك الرمل منسوخ؛ لنه في حجة الوداع رمل من الحجر إلى الحجر، روى مسلم عن جابر وابن عمر رضي الله عنهم «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل من الحجر إلى الحجر ثلاثًا، ومشى أربعًا».

الفوائد المستفادة من الحديث

  • أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، رملوا في الأشواط الثلاثة الأول ماعدا ما بين الركنين، فقد رخص لهم في تركه، إبقاء عليهم، وذلك في عمرة القضاء.
  • استحباب الرمل في كل طواف وقع بعد قدوم، سواء أكان لنسك أم لا ففي صحيح مسلم: "كان ذلك إذا طاف الطواف الأول".
  • إظهار القوة والجلد أمام أعداء الدين، إغاظة لهم، وتوهينا لعزمهم، وفتا في أعضادهم.
  • من الحكمة في الرمل الآن تذكر حال سلفنا الصالح، في كثير من مناسك الحج، كالسعي، ورمي الجمار والهدي وغيرها.
  • الرمل مختص بالرجال دون النساء، لأنه مطلوب منهن الستر.
  • لو فات الرمل في الثلاثة الأول، فإنه لا يقضيه، لأن المطلوب في الأربعة الباقية، المشي، فلا يخلف هيئتهن، فتكون سنة فات محلها.
  • جواز حِكاية قول الغير، وإن كان خلاف المشروع، في قوله: "وهنتهم حمى يثرب".
  • شدة عداوة المشركين للمسلمين، وإظهار الشماتة بهم.
  • شفقة النبي -صلى الله عليه وسلم- على أمته.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «قدم رسول الله ﷺ وأصحابه، فقال المشركون: إنه…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَوْدِهِ. انْتَهَى. وَهُوَ مُفَرَّعٌ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ عَامَ الْفَتْحِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَقَدْ رَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ مَكَّةَ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ - وَهُوَ تَابِعِيٌّ، وَأَبُوهُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ، وَزْنُ عَظِيمَةٍ - قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ الْكَعْبَةَ، وَدَخَلَ مَعَهُ بِلَالٌ، وَجَلَسَ أُسَامَةُ عَلَى الْبَابِ، فَلَمَّا خَرَجَ وَجَدَ أُسَامَةَ قَدِ احْتَبَى، فَأَخَذَ بِحَبْوَتِهِ فَحَلَّهَا، الْحَدِيثَ.

فَلَعَلَّهُ احْتَبَى فَاسْتَرَاحَ فَنَعَسَ، فَلَمْ يُشَاهِدْ صَلَاتَهُ، فَلَمَّا سُئِلَ عَنْهَا نَفَاهَا مُسْتَصْحِبًا لِلنَّفْيِ لِقِصَرِ زَمَنِ احْتِبَائِهِ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ إِنَّمَا نَفَى رُؤْيَتَهُ لَا مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِغَيْرِ تَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَذَلِكَ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: حَمْلُ الصَّلَاةِ الْمُثْبَتَةِ عَلَى اللُّغَوِيَّةِ، وَالْمَنْفِيَّةِ عَلَى الشَّرْعِيَّةِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ مَنْ يَكْرَهُ الصَّلَاةَ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ فَرْضًا وَنَفْلًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ، وَيَرُدُّ هَذَا الْحَمْلَ مَا تَقَدَّمَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ مِنْ تَعْيِينِ قَدْرِ الصَّلَاةِ، فَظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الشَّرْعِيَّةُ لَا مُجَرَّدَ الدُّعَاءِ. ثَانِيهَا، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يُمْكِنُ حَمْلُ الْإِثْبَاتِ عَلَى التَّطَوُّعِ، وَالنَّفْيِ عَلَى الْفَرْضِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهَا. ثَالِثُهَا: قَالَ الْمُهَلَّبُ شَارِحُ الْبُخَارِيِّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ دُخُولُ الْبَيْتِ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ، صَلَّى فِي إِحْدَاهُمَا وَلَمْ يُصَلِّ فِي الْأُخْرَى.

وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: الْأَشْبَهُ عِنْدِي فِي الْجَمْعِ أَنْ يُجْعَلَ الْخَبَرَانِ فِي وَقْتَيْنِ، فَيُقَالُ: لَمَّا دَخَلَ الْكَعْبَةَ فِي الْفَتْحِ صَلَّى فِيهَا عَلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ، عَنْ بِلَالٍ، وَيُجْعَلُ نَفْيُ ابْنِ عَبَّاسٍ الصَّلَاةَ فِي الْكَعْبَةِ فِي حَجَّتِهِ الَّتِي حَجَّ فِيهَا، لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ نَفَاهَا وَأَسْنَدَهُ إِلَى أُسَامَةَ، وَابْنَ عُمَرَ أَثْبَتَهَا وَأَسْنَدَ إِثْبَاتَهُ إِلَى بِلَالٍ وَإِلَى أُسَامَةَ أَيْضًا، فَإِذَا حُمِلَ الْخَبَرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا بَطَلَ التَّعَارُضُ، وَهَذَا جَمْعٌ حَسَنٌ، لَكِنْ تَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ دَخَلَ فِي يَوْمِ الْفَتْحِ لَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَى الْأَزْرَقِيُّ فِي كِتَابِ مَكَّةَ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ إِنَّمَا دَخَلَ الْكَعْبَةَ مَرَّةً وَاحِدَةً عَامَ الْفَتْحِ، ثُمَّ حَجَّ فَلَمْ يَدْخُلْهَا، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ دَخَلَهَا عَامَ الْفَتْحِ مَرَّتَيْنِ وَيَكُونَ الْمُرَادُ بِالْوَاحِدَةِ الَّتِي فِي خَبَرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَحْدَةُ السَّفَرِ لَا الدُّخُولُ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقٍ ضَعِيفَةٍ مَا يَشْهَدُ لِهَذَا الْجَمْعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُؤَيِّدُ الْجَمْعَ الْأَوَّلَ مَا أَخْرَجَهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ مَكَّةَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: كَيْفَ أُصَلِّي فِي الْكَعْبَةِ؟ قَالَ: كَمَا تُصَلِّي فِي الْجِنَازَةِ، تُسَبِّحُ وَتُكَبِّرُ، وَلَا تَرْكَعُ وَلَا تَسْجُدُ، ثُمَّ عِنْدَ أَرْكَانِ الْبَيْتِ سَبِّحْ وَكَبِّرْ وَتَضَرَّعْ وَاسْتَغْفِرْ، وَلَا تَرْكَعْ وَلَا تَسْجُدْ. وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ.

قَوْلُهُ: (وَفِيهِ الْآلِهَةُ) أَيِ الْأَصْنَامُ، وَأُطْلِقَ عَلَيْهَا الْآلِهَةُ بِاعْتِبَارِ مَا كَانُوا يَزْعُمُونَ، وَفِي جَوَازِ إِطْلَاقِ ذَلِكَ وَقْفَةٌ، وَالَّذِي يَظْهَرُ كَرَاهَتُهُ، وَكَانَتْ تَمَاثِيلُ عَلَى صُوَرٍ شَتَّى، فَامْتَنَعَ النَّبِيُّ مِنْ دُخُولِ الْبَيْتِ وَهِيَ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ عَلَى بَاطِلٍ، وَلِأَنَّهُ لَا يُحِبُّ فِرَاقَ الْمَلَائِكَةِ، وَهِيَ لَا تَدْخُلُ مَا فِيهِ صُورَةٌ.

قَوْلُهُ: (الْأَزْلَامُ) سَيَأْتِي شَرْحُهَا مُبَيَّنًا حَيْثُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ.

قَوْلُهُ: (أَمْ وَاللَّهِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِبَعْضِهِمْ: أَمَا بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ.

قَوْلُهُ: (لَقَدْ عَلِمُوا) قِيلَ: وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْلَمُونَ اسْمَ أَوَّلِ مَنْ أَحْدَثَ الِاسْتِقْسَامَ بِهَا، وَهُوَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ، وَكَانَتْ نِسْبَتُهُمْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَوَلَدِهِ الِاسْتِقْسَامَ بِهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِمَا لِتَقَدُّمِهِمَا عَلَى عَمْرٍو.

٥٥ - كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الرَّمَلِ؟

١٦٠٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ وَقَدْ وَهَنَهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ. فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٦٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ بمعجمةٍ ثمَّ مهملةٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -هُوَ ابْنُ زَيْدٍ- عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) بضمِّ الجيم وفتح المُوحَّدة الكوفيِّ الأسديِّ، قُتِل بين يدي الحجَّاج سنة خمسٍ وتسعين ومئةٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ وَأَصْحَابُهُ) في عمرة القضيَّة (١) سنة سبعٍ (فَقَالَ المُشْرِكُونَ) من قريشٍ: (إنَّهُ) أي: النَّبيّ (يَقْدَمُ) بفتح الدَّال مضارع «قدِم» بكسرها، أي: يَرِدُ (عَلَيْكُمْ، و) الحال أنَّه (قَدْ) بالقاف والدَّال (وَهَنَهُمْ) ولابن السَّكن: «(٢) قد وهنهم (٣)» بحذف حرف العطف، وهاء «وهَنهم» مفتوحةٌ، والضَّمير للصَّحابة، أي: أضعفهم (حُمَّى يَثْرِبَ) بفتح المُوحَّدة غير منصرفٍ، اسم المدينة الشَّريفة في الجاهليَّة و «حُمَّى» (٤): رُفِع على الفاعليَّة، ولأبي ذرٍّ: «إنَّه يقدم عليكم وفدٌ» بالفاء والرَّفع، فاعل «يقدم» أي: جماعةٌ، وحينئذٍ يكون قوله: «وهنهم حُمَّى يثرب» في موضع رفعٍ صفةٌ لـ «وفد»، وضمير «إنَّه» ضمير الشَّأن (فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ أَنْ يَرْمُلُوا) بضمِّ الميم مضارع «رَمَل» بفتحها (الأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ) لِيُرِي المشركين (٥) قوَّتهم بهذا الفعل لأنَّه أقطع في تكذيبهم وأبلغ في نكايتهم؛ ولذا قالوا -كما في «مسلمٍ» -: هؤلاء الذين زعمتم أنَّ الحُمَّى وَهَنَتْهُم، هؤلاء (٦) أجلد من كذا وكذا، و «الأشواط»: جمع شَوطٍ، بفتح الشِّين، والمراد به هنا: الطَّوفة حول الكعبة -زادها الله تعالى شرفًا- وهو منصوبٌ على الظَّرفيَّة (وَ) أمرهم (أَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ) اليمانيين حيث لا يراهم المشركون لأنَّهم كانوا ممَّا يلي الحجر من قبل قُعَيْقِعَان، وهذا منسوخٌ بما يأتي إن شاء الله تعالى.

قال ابن عبَّاسٍ: (وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ) أي: من أن يأمرهم، فحُذِف الجارُّ لعدم

اللَّبس، وموضع «أن» وتاليها بعد حذفه جرٌّ أو نصبٌ؛ قولان (أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا) أي: بأن يرملوا، فحُذِف الجارُّ كذلك، أو: لا حَذْفَ أصلًا لأنَّه يُقال: أمرته بكذا أو أمرته كذا (١)، أي: لم يمنعه أن يأمرهم بالرَّمَل في الطَّوفات كلِّها (إِلَّا الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ) بكسر الهمزة وسكون المُوحَّدة وبالقاف ممدودًا، مصدر «أبقى عليه» إذا رفق به، وهو مرفوعٌ، فاعل «لم يمنعه»، لكنَّ الإبقاء لا يناسب أن يكون هو الذي منعه من ذلك؛ إذ الإبقاء معناه الرِّفق كما في «الصِّحاح»، فلا بدَّ من تأويله بإرادةٍ ونحوها، أي: لم يمنعه من الأمر بالرَّمل (٢) في الأربعة إلَّا إرادته الإبقاء عليهم، فلم يأمرهم به، وهم لا يفعلون شيئًا إلَّا بأمره، وقول الزَّركشيِّ -وتبعه العينيُّ كالحافظ ابن حجرٍ-: ويجوز النَّصب على أنَّه مفعولٌ لأجله، ويكون في: «يمنعهم» ضميرٌ عائدٌ إلى النَّبيِّ هو فاعله، تعقَّبه في «المصابيح» بأنَّ تجويز (٣) النَّصب مبنيٌّ على أن يكون في لفظ حديث البخاريِّ: «لم يمنعهم» وليس كذلك، إنَّما فيه: «لم يمنعه» فرفع الإبقاء متعيِّنٌ لأنَّه الفاعل، وهذا الذي قاله الزَّركشيُّ وقع للقرطبيِّ في «شرح مسلمٍ»، وفي الحديث: «ولم يمنعهم» فجوَّز فيه الوجهين وهو ظاهرٌ، لكنَّ نقله إلى ما في البخاريِّ غير متأتٍّ.

وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٢٥٦]، ومسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ في «الحجِّ».

(٥٦) (بابُ اسْتِلَامِ الحَجَرِ الأَسْوَدِ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ، وَيَرْمُلُ ثَلَاثًا) أي: ثلاث مرَّاتٍ، و «أوَّلَ»: نُصِب على الظَّرفيَّة، و «الاستلام»: افتعالٌ (٤) من السِّلام -بكسر السِّين-: وهي الحجارة قاله ابن قتيبة، فلمَّا (٥) كان لمسًا للحجر قِيلَ له: استلامٌ، أو من السَّلام -بفتحها-: وهو التَّحيَّة،

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

يفعل، وَإِن خرج الآخر أعَاد الضَّرْب حَتَّى يخرج لَهُ: إفعل، أَو: لَا تفعل. فَكَانَت سَبْعَة على صفة وَاحِدَة مَكْتُوب عَلَيْهَا: لَا. نعم، مِنْهُم، من غَيرهم، ملصق، الْعقل، فضل الْعقل، وَكَانَ بيد السادن فَإِذا أَرَادوا خُرُوجًا أَو تزويجا أَو حَاجَة ضرب السادن، فَإِن خرج: نعم، ذهب، فَإِن خرج: لَا، كف، وَإِن شكوا فِي نسب أَتَوا بِهِ إِلَى الصَّنَم، فَضرب بِتِلْكَ الثَّلَاثَة الَّتِي هِيَ: مِنْهُم، من غَيرهم، ملصق، فَإِن خرج: مِنْهُم، كَانَ من أوسطهم نسبا، وَإِن خرج: من غَيرهم، كَانَ حليفا، وَإِن خرج ملصق لم يكن لَهُ نسب وَلَا حلف، وَإِذا جنى أحد جِنَايَة وَاخْتلفُوا على من الْعقل، ضربوا فَإِن خرج: الْعقل، على من ضربه عَلَيْهِ عقل وبرىء الْآخرُونَ، وَكَانُوا إِذا عقلوا الْعقل وَفضل الشَّيْء مِنْهُ وَاخْتلفُوا فِيهِ أَتَوا السادن فَضرب، فعلى من وَجب أَدَّاهُ، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: كَانَت الْجَاهِلِيَّة يتخذون الأقلام ويكتبون على بَعْضهَا: نهاني رَبِّي، وعَلى بَعْضهَا: أَمرنِي رَبِّي، وعَلى بَعْضهَا، نعم، وعَلى بَعْضهَا: لَا، فَإِذا أَرَادَ أحدهم سفرا أَو غَيره دفعوها إِلَى بَعضهم حَتَّى يقبضهَا، فَإِن خرج الْقدح الَّذِي عَلَيْهِ: أَمرنِي رَبِّي، مضى، أَو: نهاني، كف.

والاستقسام مَا قسم لَهُ من أَمر يزعمه، وَقيل: كَانَ إِذا أَرَادَ أحدهم أمرا أَدخل يَده فِي الْوِعَاء الَّذِي فِيهِ الأقلام فَأخْرج مِنْهَا زلما وَعمل بِمَا عَلَيْهِ، وَقيل: الأزلام حَصى بيض كَانُوا يضْربُونَ بهَا، والاستقسام استفعال من قسم الرزق والحاجات، وَذَلِكَ طلب أحدهم بالأزلام على مَا قسم لَهُ فِي حَاجته الَّتِي يلتمسها من نجاح أَو حرمَان، وأبطل الرب تَعَالَى ذَلِك، وَأخْبر أَنه فسق لأَنهم كَانَ يستقسمون عِنْد ألهتهم الَّتِي يعتقدونها، وَيَقُولُونَ: يَا إل هُنَا أخرج الْحق فِي ذَلِك، ثمَّ يعْملُونَ بِمَا خرج فِيهِ، فَكَانَ ذَلِك كفرا بِاللَّه تَعَالَى لإضافتهم مَا يكون من ذَلِك من صَوَاب أَو خطأ إِلَى أَنه من قسم آلِهَتهم الَّتِي لَا تضر وَلَا تَنْفَع، وَأخْبر الشَّارِع عَن إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَنَّهُمَا لم يَكُونَا يفوضان أمورهما إلَاّ إِلَى الله الَّذِي لَا يخفى عَلَيْهِ علم مَا كَانَ، وَمَا هُوَ كَائِن، لِأَن الْآلهَة لَا تضر وَلَا تَنْفَع، وَلذَلِك قَالَ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لقد علمُوا أَنهم لم يستقسما بهَا قطّ) . لأَنهم قد علمُوا أَن أباءهم أحدثوها، وَكَانَ فيهم بَقِيَّة من دين إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مِنْهَا: الْخِتَان، وَتَحْرِيم ذَوَات الْمَحَارِم إلَاّ امْرَأَة الْأَب، وَالْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ.

قَوْله: (قَاتلهم الله) أَي: لعنهم الله. قَالَ التَّيْمِيّ: يَعْنِي قَاتل الله الْمُشْركين الَّذين صوروا صُورَة إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، ونسبوا إِلَيْهِمَا الضَّرْب بِالْقداحِ، وَكَانَا بريئين من ذَلِك، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْء أحدثه الْكفَّار الَّذين غيروا دين إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ السَّلَام، وأحدثوا أحداثا. قَوْله: (أما وَالله) . وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: أم وَالله، وَحذف الْألف مِنْهُ للتَّخْفِيف، وَكلمَة: أما، لافتتاح الْكَلَام. قَوْله: (قد علمُوا) ويروى: (لقد علمُوا) ، بِزِيَادَة اللَّام لزِيَادَة التَّأْكِيد، قيل: وَجه ذَلِك أَنهم كَانُوا يعلمُونَ إسم أول من أحدث الاستقسام بالأزلام، وَهُوَ عَمْرو بن لحي، فَكَانَت نسبتهم الاستقسام بالأزلام إِلَى إِبْرَاهِيم وَولده إِسْمَاعِيل عَلَيْهِمَا السَّلَام، افتراء عَلَيْهِمَا. قَوْله: (لم يستقسما) أَي: إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام. قَوْله: (بهَا) ، أَي: بالأزلام، ويروى: بهما، مثنى، وَهُوَ بِاعْتِبَار أَن الأزلام على نَوْعَيْنِ: خير وَشر، وَقد ذكرنَا أَن الاستقسام طلب الْقسم، يَعْنِي: طلب معرفَة مَا قسم لَهُ وَمَا لم يقسم لَهُ بالأزلام، وَكَذَا معرفَة مَا أَمر بِهِ وَمَا نهي عَنهُ، وَقيل: هُوَ قسمهم الْجَزُور على الْأَنْصِبَاء الْمَعْلُومَة. قَوْله: (فَدخل الْبَيْت) أَي: فَدخل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْكَعْبَة، (فَكبر فِي نواحيه) أَي: فِي جَوَانِب الْبَيْت: (وَلم يصل فِيهِ) صَلَاة. فَهَذَا ابْن عَبَّاس نفى الصَّلَاة وَأثبت التَّكْبِير، وبلال أثبت الصَّلَاة وَلم يتَعَرَّض للتكبير، وَقد ذكرنَا وَجه ذَلِك مستقصىً فِي: بَاب إغلاق الْبَيْت، وَهَذَا البُخَارِيّ صحّح حَدِيث ابْن عَبَّاس مَعَ كَونه يرى تَقْدِيم حَدِيث بِلَال فِي إِثْبَات الصَّلَاة. فَإِن قلت: كَيفَ وَجه هَذَا يُصَحِّحهُ ويتركه؟ قلت: لم يتْرك لَا حَدِيث ابْن عَبَّاس، وَلَا حَدِيث بِلَال، وَترْجم هُنَا بِحَدِيث ابْن عَبَّاس لأجل الزِّيَادَة فِيهِ، وَهُوَ التَّكْبِير فِي نواحي الْبَيْت، وَلكنه قدم حَدِيث ابْن عَبَّاس لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَنه لم يكن مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمئِذٍ، وَإِنَّا أسْند نفي الصَّلَاة تَارَة لأسامة وَتارَة لِأَخِيهِ الْفضل، مَعَ أَنه لم يثبت كَون الْفضل مَعَهم إِلَّا فِي رِوَايَة شَاذَّة. وَالْوَجْه الآخر: إِن قَول الْمُثبت يرحج لِأَن فِيهِ زِيَادَة الْعلم، وَالله تَعَالَى أعلم.

٥٥ - (بابٌ كَيفَ كانَ بَدْءُ الرَّمَلِ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ كَيْفيَّة ابْتِدَاء مَشْرُوعِيَّة الرمل فِي الطّواف، والرمل، بِفَتْح الرَّاء وَالْمِيم: هُوَ سرعَة الْمَشْي مَعَ تقَارب

فِي الخطوة. وَفِي (الْمُحكم) : رمل يرمل رملاً ورملاً: إِذا مَشى دون الْعَدو. قَالَ الْقَزاز: هُوَ الْعَدو الشَّديد. وَفِي الجمهرة: شَبيه بالهرولة وَفِي (الصِّحَاح) : هُوَ الهرولة، وَفِي (المغيث) هُوَ الخبب، وَقيل: هُوَ أَن يهز مَنْكِبه وَلَا يسْرع الْعَدو، وَفِي (كتاب المسالك) لِابْنِ الْعَرَبِيّ: هُوَ مَأْخُوذ من التحرك، وَهُوَ أَن يُحَرك الْمَاشِي مَنْكِبَيْه لشدَّة الْحَرَكَة فِي مَشْيه.

٢٠٦١ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا حَمَّادٌ هُوَ ابنُ زَيْدٍ عنْ أيُّوبَ عَنْ سَعيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ قَدِمَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأصْحَابُهُ فَقَالَ المُشْرِكُونَ إنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُم وقَدْ وهَنَهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ فأمَرَهُمُ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنْ يَرْمُلُوا الأشْوَاطَ الثَّلاثَةَ وأنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ ولَمْ يَمْنَعْهُ أنْ يأمُرَهُمْ أنْ يَرْمُلُوا الأشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّا الإبْقَاءُ عَلَيْهِمْ.

(الحَدِيث ٢٠٦١ طرفه فِي: ٦٥٢٤) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِيهِ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر القادمين مَعَه إِلَى مَكَّة أَن يرملوا، وَكَانَ هَذَا هُوَ ابْتِدَاء مَشْرُوعِيَّة الرمل، وَرِجَاله قد تكرروا.

وَأعَاد البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي الْمَغَازِي عَن سُلَيْمَان بن حَرْب أَيْضا. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان لوبن.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قدم رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَصْحَابه) أَي: مَكَّة. قَوْله: (فَقَالَ الْمُشْركُونَ إِنَّه يقدم عَلَيْكُم) بِفَتْح الدَّال، وَالضَّمِير فِي: أَنه، يرجع إِلَى رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفِي: وهنهم، لأَصْحَابه، وَله وَجه آخر يَأْتِي بَيَانه عَن قريب، وَفِي لفظ مُسلم: (فَقَالَ الْمُشْركُونَ: هَؤُلَاءِ الَّذين زعمتم أَن الْحمى وهنتهم، هَؤُلَاءِ أجلد من كَذَا وَكَذَا) . وَفِي لفظ للْبُخَارِيّ: (وَالْمُشْرِكُونَ من جبل قعيقعان) ، وَفِي لفظ لمُسلم: (وَكَانُوا يحسدونه) ، وَفِي لفظ: (وَكَانَ أهل مَكَّة قوما حسدا) ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (يقدم عَلَيْكُم قوم عُرَاة، فَأطلع الله نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على مَا قَالُوا، فَأَمرهمْ أَن يرملوا وَأَن يمشوا) . وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه: (قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأَصْحَابه حِين أَرَادوا دُخُول مَكَّة فِي عمرته بعد الْحُدَيْبِيَة: إِن قومكم غَدا سيرونكم، فليرونكم جلدا. فَلَمَّا دخلُوا الْمَسْجِد الْحَرَام استلموا الرُّكْن ورملوا وَهُوَ مَعَهم) ، وللطبراني عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: من شَاءَ فليرمل وَمن شَاءَ فَلَا يرمل، إِنَّمَا أَمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالرمل ليرى الْمُشْركُونَ قوته، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ فِي (تهذيبه) : لما اعْتَمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بلغه أَن أهل مَكَّة يَقُولُونَ: إِن بِأَصْحَابِهِ هزالًا. فَقَالَ لَهُم حِين قدم: شدوا مآزركم وأعضادكم، وارملوا حَتَّى يَقُول قومكم: إِن بكم قُوَّة، قَالَ ثمَّ حج رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلم يرمل، قَالُوا: وَإِنَّمَا رمل فِي عمْرَة الْعقبَة، وَفِي إِسْنَاده حجاج بن أَرْطَاة، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَصْحَابه اعتمروا من جعرانة، يَعْنِي فِي عمْرَة الْقَضَاء، فرملوا بِالْبَيْتِ وَجعلُوا أرديتهم تَحت آباطهم، ثمَّ قدموها على عواتقهم الْيُسْرَى، وَفِي لفظ: (كَانُوا إِذا بلغُوا الرُّكْن الْيَمَانِيّ وتغيبوا من قُرَيْش مَشوا، ثمَّ إِذا اطلعوا عَلَيْهِم يرملون، تَقول قُرَيْش: كَأَنَّهُمْ الغزلان) . قَوْله: (قد وهنهم) ويروى (وَقد وهنهم) بواو الْعَطف، وحرف التَّقْرِيب، وَالْجُمْلَة حَالية، وَهَذَا بِحرف الْعَطف وبحذفها رِوَايَة ابْن السكن. وَقَالَ ابْن قرقول: رِوَايَة الكافة بِالْفَاءِ، وَهُوَ الصَّوَاب يَعْنِي: وَفد بِمَعْنى الْجَمَاعَة القادمين، فعلى هَذَا يكون ارتفاعه على أَنه فَاعل. قَوْله: (يقدم) ، وَيكون قَوْله وهنهم فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا تكون صفة لوفد، وعَلى هَذَا يكون الضَّمِير فِي قَوْله (إِنَّه يقدم) ، ضمير الشان، وعَلى رِوَايَة ابْن السكن: يرجع إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا ذكرنَا عَن قريب، ويروى: وهنهم، بِالتَّشْدِيدِ من التوهين. وَقَوله: (حمى يثرب) بِالرَّفْع فَاعله، والوهن الضعْف، يُقَال: وَهن يهن مثل: وعد، ووهن ورم، والواهن الضَّعِيف فِي قوته لَا بَطش عِنْده، وَعَن صَاحب (الْعين) : الوهن الضعْف فِي الْعَمَل وَالْأَمر، وَكَذَلِكَ فِي الْعظم، وهَنَ الشَّيْء وأوهنه، والوهن بِفَتْح الْهَاء لُغَة فِي الوهن بالتسكين، وَرجل واهن فِي الْأَمر وَالْعَمَل، وموهون فِي الْعظم وَالْبدن، وَعَن ابْن دُرَيْد: وَهن يوهن. قَوْله: (يثرب) اسْم مَدِينَة الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْجَاهِلِيَّة. قَوْله: (أَن يرملوا) ، بِضَم الْمِيم أَي: وَأَن يرملوا، و: أَن، مَصْدَرِيَّة، وَالتَّقْدِير: يَأْمُرهُم بالرمل. قَوْله: (الأشواط) جمع شوط، بِفَتْح الشين وَهُوَ الطلق، وَهُوَ مَأْخُوذ من قَوْلهم: جرى الْفرس شوطا إِذا بلغ مجْرَاه، ثمَّ عَاد، فَكل من أَتَى موضعا ثمَّ انْصَرف عَنهُ فَهُوَ شوط، وَالْمرَاد هَهُنَا: الطوفة حول الْكَعْبَة، وانتصاب الأشواط على الظّرْف. قَوْله: (وَأَن يمشوا) ، عطف على قَوْله: (أَن يرملوا) . قَوْله: (مَا بَين الرُّكْنَيْنِ) أَي: اليمانيين. قَوْله: (إلَاّ الْإِبْقَاء) ، بِكَسْر الْهمزَة وبالباء الْمُوَحدَة وَالْقَاف، وَهُوَ الرِّفْق

والشفقة، أَي: لم يمنعهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من أَمرهم بالرمل فِي الْكل إلَاّ الرِّفْق بهم، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: روينَاهُ بِالرَّفْع على أَنه فَاعل يمنعهُم، وَيجوز النصب على أَن يكون مَفْعُولا من أَجله.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: الرمل فِي الطّواف. وَاخْتلف الْعلمَاء فِيهِ: هَل هُوَ سنة من سنَن الْحَج لَا يجوز تَركهَا؟ أَو لَيْسَ بِسنة لِأَنَّهُ كَانَ لعِلَّة وَقد زَالَت، فَمن شَاءَ فعله اخْتِيَارا؟ فَروِيَ عَن عمر وَابْن مَسْعُود وَابْن عمر: أَنه سنة، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد. وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَ بِسنة، فَمن شَاءَ فعله وَمن شَاءَ تَركه، روى ذَلِك عَن جمَاعَة من التَّابِعين مِنْهُم طَاوُوس وَعَطَاء وَالْحسن وَالقَاسِم وَسَالم، وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَجُمْهُور الْعلمَاء، على أَن الرمل من الْحجر إِلَى الْحجر، وَفِي (التَّوْضِيح) : ثمَّ الْجُمْهُور على أَنه يستوعب الْبَيْت بالرمل، وَفِي قَول: لَا يرمل بَين الرُّكْنَيْنِ اليمانيين، وَالْمَرْأَة لَا ترمل بِالْإِجْمَاع لِأَنَّهُ يقْدَح فِي السّتْر وَلَيْسَت من أهل الْجلد وَلَا تهرول أَيْضا بَين الصَّفَا والمروة فِي السَّعْي، وَرَوَاهُ الشَّافِعِي عَن ابْن عمر وَعَائِشَة وَجَمَاعَة، فَإِن ترك الرمل فِي الطّواف والهرولة فِي السَّعْي بَين الصَّفَا والمروة، ثمَّ ذكر وَهُوَ قريب، فَمرَّة قَالَ مَالك: يُعِيد، وَمرَّة قَالَ: لَا يُعِيد، وَبِه قَالَ ابْن الْقَاسِم، وَاخْتلف أَيْضا هَل عَلَيْهِ دم أم لَا. وَفِيه: جَوَاز تَسْمِيَة الطوفة شوطا. وَنقل عَن الشَّافِعِي كَرَاهَته. وَفِي (الْأُم) : قَالَ الشَّافِعِي: لَا يُقَال شوط وَلَا دور، وَعَن مُجَاهِد: لَا تَقولُوا شوطا وَلَا شوطين، وَلَكِن قُولُوا: دورا اودورين. وَفِيه: مَا يُؤْخَذ جَوَاز إِظْهَار الْقُوَّة بالعدة وَالسِّلَاح وَنَحْو ذَلِك للْكفَّار إرهابا لَهُم، وَلَا يعد ذَلِك من الرِّيَاء. وَفِيه: جَوَاز المعاريض بِالْفِعْلِ، كَمَا يجوز بالْقَوْل، وَرُبمَا يكون بِالْفِعْلِ أولى.

٦٥ - (بابُ اسْتِلَامِ الحَجَرِ الأسْوَدِ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ أوَّلَ مَا يَطُوفُ ويَرْمُلُ ثَلاثا)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان استلام الْحجر الْأسود، والاستلام هُوَ الْمسْح بِالْيَدِ، مُشْتَقّ من السَّلَام الَّذِي هُوَ التَّحِيَّة. وَقيل: من السَّلَام بِكَسْر السِّين، وَهُوَ الْحِجَارَة. وَقَالَ ابْن سيدة: اسْتَلم الْحجر واستلأمه، بِالْهَمْزَةِ، أَي: قبله أَو اعتنقه، وَلَيْسَ أَصله الْهَمْز، وَيُقَال استلمت الْحجر إِذْ لمسته. كَمَا يُقَال: اكتحلت من الكهل، وَفِي (الْجَامِع) وَقيل: هُوَ استفعل من اللأمة، واللأمة هِيَ الدرْع وَالسِّلَاح وَإِنَّمَا يلبس اللامة ليمتنع بهَا من الْأَعْدَاء، فَكَانَ هَذَا إِذا لمس الْحجر فقد تحصن من الْعَذَاب. قَوْله: (أول) ، مَنْصُوب على الظّرْف، ظرف للاستلام. قَوْله: (ثَلَاثًا) أَي: ثَلَاث مَرَّات.

٣٠٦١ - حدَّثنا أصْبَغُ بنُ الفَرَجِ قَالَ أخْبَرَنِي ابنُ وَهْبٍ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابٍ عَنْ سالِمٍ عنْ أبيهِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ رَأيْتُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ إذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الأسْوَدَ أوَّلَ مَا يَطُوفُ يَخُبُّ ثَلاثَةَ أطْوَافٍ مِنَ السَّبْعِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة جدا لِأَن مَعْنَاهُ معنى التَّرْجَمَة سَوَاء، وَابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ، وَيُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَسَالم بن عبد الله بن عمر يروي عَن أَبِيه عبد الله.

وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن أبي الظَّاهِر. وحرملة، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أبي الطَّاهِر وَسليمَان بن دَاوُد، كلهم عَن ابْن وهب بِهِ.

قَوْله: (إِذا اسْتَلم) ظرف لَا شَرط، وَبدل عَن قَوْله: (حِين يقدم) . قَوْله: (أول) ، نصب على الظّرْف مُضَاف إِلَى كلمة: مَا، المصدرية. قَوْله: (يخب) فِي مَحل النصب على أَنه مفعول ثَان لقَوْله: (رَأَيْت) ، وَهُوَ بِفَتْح يَاء المضارعة وَكسر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: من الخبب، وَهُوَ ضرب من الْعَدو. وَقيل: خب الْفرس إِذا نقل أيامنه وإياسره جَمِيعًا. وَقيل: هُوَ أَن يراوح بَين يَدَيْهِ، وَقيل: الخبب السرعة، وَقد خبت الدَّابَّة تخب خببا وخبيبا وأخبت وَقد أخبها ذكره ابْن سَيّده. وَفِي (الْمُنْتَهى) يُقَال: خب خبيبا وأخبه صَاحبه إخبابا. وَفِي (الجمهرة) وأخببته أَنا، وَفِي الْكِفَايَة لأبي إِسْحَاق الأجداني: إِذا ارْتَفع سير الْبَعِير حَتَّى يكون عدوا يراوح بَين يَدَيْهِ، فَذَلِك الخبب. قَوْله: (ثَلَاثَة) ، وَإِن كَانَ مُبْهما، لَكِن الْمَقْصُود مِنْهُ الثَّلَاثَة الأول. قَوْله: (من السَّبع) أَي: الطوفات السَّبع، ويروى: السَّبْعَة، بِاعْتِبَار الأطواف. وَقَالَت النُّحَاة: إِذا كَانَ الْمُمَيز غير مَذْكُور جَازَ فِي الْعدَد التَّذْكِير والتأنيث.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَوْدِهِ. انْتَهَى. وَهُوَ مُفَرَّعٌ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ عَامَ الْفَتْحِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَقَدْ رَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ مَكَّةَ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ - وَهُوَ تَابِعِيٌّ، وَأَبُوهُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ، وَزْنُ عَظِيمَةٍ - قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ الْكَعْبَةَ، وَدَخَلَ مَعَهُ بِلَالٌ، وَجَلَسَ أُسَامَةُ عَلَى الْبَابِ، فَلَمَّا خَرَجَ وَجَدَ أُسَامَةَ قَدِ احْتَبَى، فَأَخَذَ بِحَبْوَتِهِ فَحَلَّهَا، الْحَدِيثَ.

فَلَعَلَّهُ احْتَبَى فَاسْتَرَاحَ فَنَعَسَ، فَلَمْ يُشَاهِدْ صَلَاتَهُ، فَلَمَّا سُئِلَ عَنْهَا نَفَاهَا مُسْتَصْحِبًا لِلنَّفْيِ لِقِصَرِ زَمَنِ احْتِبَائِهِ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ إِنَّمَا نَفَى رُؤْيَتَهُ لَا مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِغَيْرِ تَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَذَلِكَ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: حَمْلُ الصَّلَاةِ الْمُثْبَتَةِ عَلَى اللُّغَوِيَّةِ، وَالْمَنْفِيَّةِ عَلَى الشَّرْعِيَّةِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ مَنْ يَكْرَهُ الصَّلَاةَ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ فَرْضًا وَنَفْلًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ، وَيَرُدُّ هَذَا الْحَمْلَ مَا تَقَدَّمَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ مِنْ تَعْيِينِ قَدْرِ الصَّلَاةِ، فَظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الشَّرْعِيَّةُ لَا مُجَرَّدَ الدُّعَاءِ. ثَانِيهَا، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يُمْكِنُ حَمْلُ الْإِثْبَاتِ عَلَى التَّطَوُّعِ، وَالنَّفْيِ عَلَى الْفَرْضِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهَا. ثَالِثُهَا: قَالَ الْمُهَلَّبُ شَارِحُ الْبُخَارِيِّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ دُخُولُ الْبَيْتِ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ، صَلَّى فِي إِحْدَاهُمَا وَلَمْ يُصَلِّ فِي الْأُخْرَى.

وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: الْأَشْبَهُ عِنْدِي فِي الْجَمْعِ أَنْ يُجْعَلَ الْخَبَرَانِ فِي وَقْتَيْنِ، فَيُقَالُ: لَمَّا دَخَلَ الْكَعْبَةَ فِي الْفَتْحِ صَلَّى فِيهَا عَلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ، عَنْ بِلَالٍ، وَيُجْعَلُ نَفْيُ ابْنِ عَبَّاسٍ الصَّلَاةَ فِي الْكَعْبَةِ فِي حَجَّتِهِ الَّتِي حَجَّ فِيهَا، لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ نَفَاهَا وَأَسْنَدَهُ إِلَى أُسَامَةَ، وَابْنَ عُمَرَ أَثْبَتَهَا وَأَسْنَدَ إِثْبَاتَهُ إِلَى بِلَالٍ وَإِلَى أُسَامَةَ أَيْضًا، فَإِذَا حُمِلَ الْخَبَرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا بَطَلَ التَّعَارُضُ، وَهَذَا جَمْعٌ حَسَنٌ، لَكِنْ تَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ دَخَلَ فِي يَوْمِ الْفَتْحِ لَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَى الْأَزْرَقِيُّ فِي كِتَابِ مَكَّةَ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ إِنَّمَا دَخَلَ الْكَعْبَةَ مَرَّةً وَاحِدَةً عَامَ الْفَتْحِ، ثُمَّ حَجَّ فَلَمْ يَدْخُلْهَا، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ دَخَلَهَا عَامَ الْفَتْحِ مَرَّتَيْنِ وَيَكُونَ الْمُرَادُ بِالْوَاحِدَةِ الَّتِي فِي خَبَرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَحْدَةُ السَّفَرِ لَا الدُّخُولُ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقٍ ضَعِيفَةٍ مَا يَشْهَدُ لِهَذَا الْجَمْعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُؤَيِّدُ الْجَمْعَ الْأَوَّلَ مَا أَخْرَجَهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ مَكَّةَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: كَيْفَ أُصَلِّي فِي الْكَعْبَةِ؟ قَالَ: كَمَا تُصَلِّي فِي الْجِنَازَةِ، تُسَبِّحُ وَتُكَبِّرُ، وَلَا تَرْكَعُ وَلَا تَسْجُدُ، ثُمَّ عِنْدَ أَرْكَانِ الْبَيْتِ سَبِّحْ وَكَبِّرْ وَتَضَرَّعْ وَاسْتَغْفِرْ، وَلَا تَرْكَعْ وَلَا تَسْجُدْ. وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ.

قَوْلُهُ: (وَفِيهِ الْآلِهَةُ) أَيِ الْأَصْنَامُ، وَأُطْلِقَ عَلَيْهَا الْآلِهَةُ بِاعْتِبَارِ مَا كَانُوا يَزْعُمُونَ، وَفِي جَوَازِ إِطْلَاقِ ذَلِكَ وَقْفَةٌ، وَالَّذِي يَظْهَرُ كَرَاهَتُهُ، وَكَانَتْ تَمَاثِيلُ عَلَى صُوَرٍ شَتَّى، فَامْتَنَعَ النَّبِيُّ مِنْ دُخُولِ الْبَيْتِ وَهِيَ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ عَلَى بَاطِلٍ، وَلِأَنَّهُ لَا يُحِبُّ فِرَاقَ الْمَلَائِكَةِ، وَهِيَ لَا تَدْخُلُ مَا فِيهِ صُورَةٌ.

قَوْلُهُ: (الْأَزْلَامُ) سَيَأْتِي شَرْحُهَا مُبَيَّنًا حَيْثُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ.

قَوْلُهُ: (أَمْ وَاللَّهِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِبَعْضِهِمْ: أَمَا بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ.

قَوْلُهُ: (لَقَدْ عَلِمُوا) قِيلَ: وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْلَمُونَ اسْمَ أَوَّلِ مَنْ أَحْدَثَ الِاسْتِقْسَامَ بِهَا، وَهُوَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ، وَكَانَتْ نِسْبَتُهُمْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَوَلَدِهِ الِاسْتِقْسَامَ بِهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِمَا لِتَقَدُّمِهِمَا عَلَى عَمْرٍو.

٥٥ - كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الرَّمَلِ؟

١٦٠٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ وَقَدْ وَهَنَهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ. فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٦٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ بمعجمةٍ ثمَّ مهملةٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -هُوَ ابْنُ زَيْدٍ- عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) بضمِّ الجيم وفتح المُوحَّدة الكوفيِّ الأسديِّ، قُتِل بين يدي الحجَّاج سنة خمسٍ وتسعين ومئةٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ وَأَصْحَابُهُ) في عمرة القضيَّة (١) سنة سبعٍ (فَقَالَ المُشْرِكُونَ) من قريشٍ: (إنَّهُ) أي: النَّبيّ (يَقْدَمُ) بفتح الدَّال مضارع «قدِم» بكسرها، أي: يَرِدُ (عَلَيْكُمْ، و) الحال أنَّه (قَدْ) بالقاف والدَّال (وَهَنَهُمْ) ولابن السَّكن: «(٢) قد وهنهم (٣)» بحذف حرف العطف، وهاء «وهَنهم» مفتوحةٌ، والضَّمير للصَّحابة، أي: أضعفهم (حُمَّى يَثْرِبَ) بفتح المُوحَّدة غير منصرفٍ، اسم المدينة الشَّريفة في الجاهليَّة و «حُمَّى» (٤): رُفِع على الفاعليَّة، ولأبي ذرٍّ: «إنَّه يقدم عليكم وفدٌ» بالفاء والرَّفع، فاعل «يقدم» أي: جماعةٌ، وحينئذٍ يكون قوله: «وهنهم حُمَّى يثرب» في موضع رفعٍ صفةٌ لـ «وفد»، وضمير «إنَّه» ضمير الشَّأن (فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ أَنْ يَرْمُلُوا) بضمِّ الميم مضارع «رَمَل» بفتحها (الأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ) لِيُرِي المشركين (٥) قوَّتهم بهذا الفعل لأنَّه أقطع في تكذيبهم وأبلغ في نكايتهم؛ ولذا قالوا -كما في «مسلمٍ» -: هؤلاء الذين زعمتم أنَّ الحُمَّى وَهَنَتْهُم، هؤلاء (٦) أجلد من كذا وكذا، و «الأشواط»: جمع شَوطٍ، بفتح الشِّين، والمراد به هنا: الطَّوفة حول الكعبة -زادها الله تعالى شرفًا- وهو منصوبٌ على الظَّرفيَّة (وَ) أمرهم (أَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ) اليمانيين حيث لا يراهم المشركون لأنَّهم كانوا ممَّا يلي الحجر من قبل قُعَيْقِعَان، وهذا منسوخٌ بما يأتي إن شاء الله تعالى.

قال ابن عبَّاسٍ: (وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ) أي: من أن يأمرهم، فحُذِف الجارُّ لعدم

اللَّبس، وموضع «أن» وتاليها بعد حذفه جرٌّ أو نصبٌ؛ قولان (أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا) أي: بأن يرملوا، فحُذِف الجارُّ كذلك، أو: لا حَذْفَ أصلًا لأنَّه يُقال: أمرته بكذا أو أمرته كذا (١)، أي: لم يمنعه أن يأمرهم بالرَّمَل في الطَّوفات كلِّها (إِلَّا الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ) بكسر الهمزة وسكون المُوحَّدة وبالقاف ممدودًا، مصدر «أبقى عليه» إذا رفق به، وهو مرفوعٌ، فاعل «لم يمنعه»، لكنَّ الإبقاء لا يناسب أن يكون هو الذي منعه من ذلك؛ إذ الإبقاء معناه الرِّفق كما في «الصِّحاح»، فلا بدَّ من تأويله بإرادةٍ ونحوها، أي: لم يمنعه من الأمر بالرَّمل (٢) في الأربعة إلَّا إرادته الإبقاء عليهم، فلم يأمرهم به، وهم لا يفعلون شيئًا إلَّا بأمره، وقول الزَّركشيِّ -وتبعه العينيُّ كالحافظ ابن حجرٍ-: ويجوز النَّصب على أنَّه مفعولٌ لأجله، ويكون في: «يمنعهم» ضميرٌ عائدٌ إلى النَّبيِّ هو فاعله، تعقَّبه في «المصابيح» بأنَّ تجويز (٣) النَّصب مبنيٌّ على أن يكون في لفظ حديث البخاريِّ: «لم يمنعهم» وليس كذلك، إنَّما فيه: «لم يمنعه» فرفع الإبقاء متعيِّنٌ لأنَّه الفاعل، وهذا الذي قاله الزَّركشيُّ وقع للقرطبيِّ في «شرح مسلمٍ»، وفي الحديث: «ولم يمنعهم» فجوَّز فيه الوجهين وهو ظاهرٌ، لكنَّ نقله إلى ما في البخاريِّ غير متأتٍّ.

وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٢٥٦]، ومسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ في «الحجِّ».

(٥٦) (بابُ اسْتِلَامِ الحَجَرِ الأَسْوَدِ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ، وَيَرْمُلُ ثَلَاثًا) أي: ثلاث مرَّاتٍ، و «أوَّلَ»: نُصِب على الظَّرفيَّة، و «الاستلام»: افتعالٌ (٤) من السِّلام -بكسر السِّين-: وهي الحجارة قاله ابن قتيبة، فلمَّا (٥) كان لمسًا للحجر قِيلَ له: استلامٌ، أو من السَّلام -بفتحها-: وهو التَّحيَّة،

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

يفعل، وَإِن خرج الآخر أعَاد الضَّرْب حَتَّى يخرج لَهُ: إفعل، أَو: لَا تفعل. فَكَانَت سَبْعَة على صفة وَاحِدَة مَكْتُوب عَلَيْهَا: لَا. نعم، مِنْهُم، من غَيرهم، ملصق، الْعقل، فضل الْعقل، وَكَانَ بيد السادن فَإِذا أَرَادوا خُرُوجًا أَو تزويجا أَو حَاجَة ضرب السادن، فَإِن خرج: نعم، ذهب، فَإِن خرج: لَا، كف، وَإِن شكوا فِي نسب أَتَوا بِهِ إِلَى الصَّنَم، فَضرب بِتِلْكَ الثَّلَاثَة الَّتِي هِيَ: مِنْهُم، من غَيرهم، ملصق، فَإِن خرج: مِنْهُم، كَانَ من أوسطهم نسبا، وَإِن خرج: من غَيرهم، كَانَ حليفا، وَإِن خرج ملصق لم يكن لَهُ نسب وَلَا حلف، وَإِذا جنى أحد جِنَايَة وَاخْتلفُوا على من الْعقل، ضربوا فَإِن خرج: الْعقل، على من ضربه عَلَيْهِ عقل وبرىء الْآخرُونَ، وَكَانُوا إِذا عقلوا الْعقل وَفضل الشَّيْء مِنْهُ وَاخْتلفُوا فِيهِ أَتَوا السادن فَضرب، فعلى من وَجب أَدَّاهُ، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: كَانَت الْجَاهِلِيَّة يتخذون الأقلام ويكتبون على بَعْضهَا: نهاني رَبِّي، وعَلى بَعْضهَا: أَمرنِي رَبِّي، وعَلى بَعْضهَا، نعم، وعَلى بَعْضهَا: لَا، فَإِذا أَرَادَ أحدهم سفرا أَو غَيره دفعوها إِلَى بَعضهم حَتَّى يقبضهَا، فَإِن خرج الْقدح الَّذِي عَلَيْهِ: أَمرنِي رَبِّي، مضى، أَو: نهاني، كف.

والاستقسام مَا قسم لَهُ من أَمر يزعمه، وَقيل: كَانَ إِذا أَرَادَ أحدهم أمرا أَدخل يَده فِي الْوِعَاء الَّذِي فِيهِ الأقلام فَأخْرج مِنْهَا زلما وَعمل بِمَا عَلَيْهِ، وَقيل: الأزلام حَصى بيض كَانُوا يضْربُونَ بهَا، والاستقسام استفعال من قسم الرزق والحاجات، وَذَلِكَ طلب أحدهم بالأزلام على مَا قسم لَهُ فِي حَاجته الَّتِي يلتمسها من نجاح أَو حرمَان، وأبطل الرب تَعَالَى ذَلِك، وَأخْبر أَنه فسق لأَنهم كَانَ يستقسمون عِنْد ألهتهم الَّتِي يعتقدونها، وَيَقُولُونَ: يَا إل هُنَا أخرج الْحق فِي ذَلِك، ثمَّ يعْملُونَ بِمَا خرج فِيهِ، فَكَانَ ذَلِك كفرا بِاللَّه تَعَالَى لإضافتهم مَا يكون من ذَلِك من صَوَاب أَو خطأ إِلَى أَنه من قسم آلِهَتهم الَّتِي لَا تضر وَلَا تَنْفَع، وَأخْبر الشَّارِع عَن إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَنَّهُمَا لم يَكُونَا يفوضان أمورهما إلَاّ إِلَى الله الَّذِي لَا يخفى عَلَيْهِ علم مَا كَانَ، وَمَا هُوَ كَائِن، لِأَن الْآلهَة لَا تضر وَلَا تَنْفَع، وَلذَلِك قَالَ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لقد علمُوا أَنهم لم يستقسما بهَا قطّ) . لأَنهم قد علمُوا أَن أباءهم أحدثوها، وَكَانَ فيهم بَقِيَّة من دين إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مِنْهَا: الْخِتَان، وَتَحْرِيم ذَوَات الْمَحَارِم إلَاّ امْرَأَة الْأَب، وَالْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ.

قَوْله: (قَاتلهم الله) أَي: لعنهم الله. قَالَ التَّيْمِيّ: يَعْنِي قَاتل الله الْمُشْركين الَّذين صوروا صُورَة إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، ونسبوا إِلَيْهِمَا الضَّرْب بِالْقداحِ، وَكَانَا بريئين من ذَلِك، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْء أحدثه الْكفَّار الَّذين غيروا دين إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ السَّلَام، وأحدثوا أحداثا. قَوْله: (أما وَالله) . وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: أم وَالله، وَحذف الْألف مِنْهُ للتَّخْفِيف، وَكلمَة: أما، لافتتاح الْكَلَام. قَوْله: (قد علمُوا) ويروى: (لقد علمُوا) ، بِزِيَادَة اللَّام لزِيَادَة التَّأْكِيد، قيل: وَجه ذَلِك أَنهم كَانُوا يعلمُونَ إسم أول من أحدث الاستقسام بالأزلام، وَهُوَ عَمْرو بن لحي، فَكَانَت نسبتهم الاستقسام بالأزلام إِلَى إِبْرَاهِيم وَولده إِسْمَاعِيل عَلَيْهِمَا السَّلَام، افتراء عَلَيْهِمَا. قَوْله: (لم يستقسما) أَي: إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام. قَوْله: (بهَا) ، أَي: بالأزلام، ويروى: بهما، مثنى، وَهُوَ بِاعْتِبَار أَن الأزلام على نَوْعَيْنِ: خير وَشر، وَقد ذكرنَا أَن الاستقسام طلب الْقسم، يَعْنِي: طلب معرفَة مَا قسم لَهُ وَمَا لم يقسم لَهُ بالأزلام، وَكَذَا معرفَة مَا أَمر بِهِ وَمَا نهي عَنهُ، وَقيل: هُوَ قسمهم الْجَزُور على الْأَنْصِبَاء الْمَعْلُومَة. قَوْله: (فَدخل الْبَيْت) أَي: فَدخل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْكَعْبَة، (فَكبر فِي نواحيه) أَي: فِي جَوَانِب الْبَيْت: (وَلم يصل فِيهِ) صَلَاة. فَهَذَا ابْن عَبَّاس نفى الصَّلَاة وَأثبت التَّكْبِير، وبلال أثبت الصَّلَاة وَلم يتَعَرَّض للتكبير، وَقد ذكرنَا وَجه ذَلِك مستقصىً فِي: بَاب إغلاق الْبَيْت، وَهَذَا البُخَارِيّ صحّح حَدِيث ابْن عَبَّاس مَعَ كَونه يرى تَقْدِيم حَدِيث بِلَال فِي إِثْبَات الصَّلَاة. فَإِن قلت: كَيفَ وَجه هَذَا يُصَحِّحهُ ويتركه؟ قلت: لم يتْرك لَا حَدِيث ابْن عَبَّاس، وَلَا حَدِيث بِلَال، وَترْجم هُنَا بِحَدِيث ابْن عَبَّاس لأجل الزِّيَادَة فِيهِ، وَهُوَ التَّكْبِير فِي نواحي الْبَيْت، وَلكنه قدم حَدِيث ابْن عَبَّاس لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَنه لم يكن مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمئِذٍ، وَإِنَّا أسْند نفي الصَّلَاة تَارَة لأسامة وَتارَة لِأَخِيهِ الْفضل، مَعَ أَنه لم يثبت كَون الْفضل مَعَهم إِلَّا فِي رِوَايَة شَاذَّة. وَالْوَجْه الآخر: إِن قَول الْمُثبت يرحج لِأَن فِيهِ زِيَادَة الْعلم، وَالله تَعَالَى أعلم.

٥٥ - (بابٌ كَيفَ كانَ بَدْءُ الرَّمَلِ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ كَيْفيَّة ابْتِدَاء مَشْرُوعِيَّة الرمل فِي الطّواف، والرمل، بِفَتْح الرَّاء وَالْمِيم: هُوَ سرعَة الْمَشْي مَعَ تقَارب

فِي الخطوة. وَفِي (الْمُحكم) : رمل يرمل رملاً ورملاً: إِذا مَشى دون الْعَدو. قَالَ الْقَزاز: هُوَ الْعَدو الشَّديد. وَفِي الجمهرة: شَبيه بالهرولة وَفِي (الصِّحَاح) : هُوَ الهرولة، وَفِي (المغيث) هُوَ الخبب، وَقيل: هُوَ أَن يهز مَنْكِبه وَلَا يسْرع الْعَدو، وَفِي (كتاب المسالك) لِابْنِ الْعَرَبِيّ: هُوَ مَأْخُوذ من التحرك، وَهُوَ أَن يُحَرك الْمَاشِي مَنْكِبَيْه لشدَّة الْحَرَكَة فِي مَشْيه.

٢٠٦١ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا حَمَّادٌ هُوَ ابنُ زَيْدٍ عنْ أيُّوبَ عَنْ سَعيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ قَدِمَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأصْحَابُهُ فَقَالَ المُشْرِكُونَ إنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُم وقَدْ وهَنَهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ فأمَرَهُمُ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنْ يَرْمُلُوا الأشْوَاطَ الثَّلاثَةَ وأنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ ولَمْ يَمْنَعْهُ أنْ يأمُرَهُمْ أنْ يَرْمُلُوا الأشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّا الإبْقَاءُ عَلَيْهِمْ.

(الحَدِيث ٢٠٦١ طرفه فِي: ٦٥٢٤) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِيهِ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر القادمين مَعَه إِلَى مَكَّة أَن يرملوا، وَكَانَ هَذَا هُوَ ابْتِدَاء مَشْرُوعِيَّة الرمل، وَرِجَاله قد تكرروا.

وَأعَاد البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي الْمَغَازِي عَن سُلَيْمَان بن حَرْب أَيْضا. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان لوبن.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قدم رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَصْحَابه) أَي: مَكَّة. قَوْله: (فَقَالَ الْمُشْركُونَ إِنَّه يقدم عَلَيْكُم) بِفَتْح الدَّال، وَالضَّمِير فِي: أَنه، يرجع إِلَى رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفِي: وهنهم، لأَصْحَابه، وَله وَجه آخر يَأْتِي بَيَانه عَن قريب، وَفِي لفظ مُسلم: (فَقَالَ الْمُشْركُونَ: هَؤُلَاءِ الَّذين زعمتم أَن الْحمى وهنتهم، هَؤُلَاءِ أجلد من كَذَا وَكَذَا) . وَفِي لفظ للْبُخَارِيّ: (وَالْمُشْرِكُونَ من جبل قعيقعان) ، وَفِي لفظ لمُسلم: (وَكَانُوا يحسدونه) ، وَفِي لفظ: (وَكَانَ أهل مَكَّة قوما حسدا) ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (يقدم عَلَيْكُم قوم عُرَاة، فَأطلع الله نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على مَا قَالُوا، فَأَمرهمْ أَن يرملوا وَأَن يمشوا) . وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه: (قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأَصْحَابه حِين أَرَادوا دُخُول مَكَّة فِي عمرته بعد الْحُدَيْبِيَة: إِن قومكم غَدا سيرونكم، فليرونكم جلدا. فَلَمَّا دخلُوا الْمَسْجِد الْحَرَام استلموا الرُّكْن ورملوا وَهُوَ مَعَهم) ، وللطبراني عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: من شَاءَ فليرمل وَمن شَاءَ فَلَا يرمل، إِنَّمَا أَمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالرمل ليرى الْمُشْركُونَ قوته، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ فِي (تهذيبه) : لما اعْتَمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بلغه أَن أهل مَكَّة يَقُولُونَ: إِن بِأَصْحَابِهِ هزالًا. فَقَالَ لَهُم حِين قدم: شدوا مآزركم وأعضادكم، وارملوا حَتَّى يَقُول قومكم: إِن بكم قُوَّة، قَالَ ثمَّ حج رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلم يرمل، قَالُوا: وَإِنَّمَا رمل فِي عمْرَة الْعقبَة، وَفِي إِسْنَاده حجاج بن أَرْطَاة، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَصْحَابه اعتمروا من جعرانة، يَعْنِي فِي عمْرَة الْقَضَاء، فرملوا بِالْبَيْتِ وَجعلُوا أرديتهم تَحت آباطهم، ثمَّ قدموها على عواتقهم الْيُسْرَى، وَفِي لفظ: (كَانُوا إِذا بلغُوا الرُّكْن الْيَمَانِيّ وتغيبوا من قُرَيْش مَشوا، ثمَّ إِذا اطلعوا عَلَيْهِم يرملون، تَقول قُرَيْش: كَأَنَّهُمْ الغزلان) . قَوْله: (قد وهنهم) ويروى (وَقد وهنهم) بواو الْعَطف، وحرف التَّقْرِيب، وَالْجُمْلَة حَالية، وَهَذَا بِحرف الْعَطف وبحذفها رِوَايَة ابْن السكن. وَقَالَ ابْن قرقول: رِوَايَة الكافة بِالْفَاءِ، وَهُوَ الصَّوَاب يَعْنِي: وَفد بِمَعْنى الْجَمَاعَة القادمين، فعلى هَذَا يكون ارتفاعه على أَنه فَاعل. قَوْله: (يقدم) ، وَيكون قَوْله وهنهم فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا تكون صفة لوفد، وعَلى هَذَا يكون الضَّمِير فِي قَوْله (إِنَّه يقدم) ، ضمير الشان، وعَلى رِوَايَة ابْن السكن: يرجع إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا ذكرنَا عَن قريب، ويروى: وهنهم، بِالتَّشْدِيدِ من التوهين. وَقَوله: (حمى يثرب) بِالرَّفْع فَاعله، والوهن الضعْف، يُقَال: وَهن يهن مثل: وعد، ووهن ورم، والواهن الضَّعِيف فِي قوته لَا بَطش عِنْده، وَعَن صَاحب (الْعين) : الوهن الضعْف فِي الْعَمَل وَالْأَمر، وَكَذَلِكَ فِي الْعظم، وهَنَ الشَّيْء وأوهنه، والوهن بِفَتْح الْهَاء لُغَة فِي الوهن بالتسكين، وَرجل واهن فِي الْأَمر وَالْعَمَل، وموهون فِي الْعظم وَالْبدن، وَعَن ابْن دُرَيْد: وَهن يوهن. قَوْله: (يثرب) اسْم مَدِينَة الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْجَاهِلِيَّة. قَوْله: (أَن يرملوا) ، بِضَم الْمِيم أَي: وَأَن يرملوا، و: أَن، مَصْدَرِيَّة، وَالتَّقْدِير: يَأْمُرهُم بالرمل. قَوْله: (الأشواط) جمع شوط، بِفَتْح الشين وَهُوَ الطلق، وَهُوَ مَأْخُوذ من قَوْلهم: جرى الْفرس شوطا إِذا بلغ مجْرَاه، ثمَّ عَاد، فَكل من أَتَى موضعا ثمَّ انْصَرف عَنهُ فَهُوَ شوط، وَالْمرَاد هَهُنَا: الطوفة حول الْكَعْبَة، وانتصاب الأشواط على الظّرْف. قَوْله: (وَأَن يمشوا) ، عطف على قَوْله: (أَن يرملوا) . قَوْله: (مَا بَين الرُّكْنَيْنِ) أَي: اليمانيين. قَوْله: (إلَاّ الْإِبْقَاء) ، بِكَسْر الْهمزَة وبالباء الْمُوَحدَة وَالْقَاف، وَهُوَ الرِّفْق

والشفقة، أَي: لم يمنعهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من أَمرهم بالرمل فِي الْكل إلَاّ الرِّفْق بهم، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: روينَاهُ بِالرَّفْع على أَنه فَاعل يمنعهُم، وَيجوز النصب على أَن يكون مَفْعُولا من أَجله.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: الرمل فِي الطّواف. وَاخْتلف الْعلمَاء فِيهِ: هَل هُوَ سنة من سنَن الْحَج لَا يجوز تَركهَا؟ أَو لَيْسَ بِسنة لِأَنَّهُ كَانَ لعِلَّة وَقد زَالَت، فَمن شَاءَ فعله اخْتِيَارا؟ فَروِيَ عَن عمر وَابْن مَسْعُود وَابْن عمر: أَنه سنة، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد. وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَ بِسنة، فَمن شَاءَ فعله وَمن شَاءَ تَركه، روى ذَلِك عَن جمَاعَة من التَّابِعين مِنْهُم طَاوُوس وَعَطَاء وَالْحسن وَالقَاسِم وَسَالم، وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَجُمْهُور الْعلمَاء، على أَن الرمل من الْحجر إِلَى الْحجر، وَفِي (التَّوْضِيح) : ثمَّ الْجُمْهُور على أَنه يستوعب الْبَيْت بالرمل، وَفِي قَول: لَا يرمل بَين الرُّكْنَيْنِ اليمانيين، وَالْمَرْأَة لَا ترمل بِالْإِجْمَاع لِأَنَّهُ يقْدَح فِي السّتْر وَلَيْسَت من أهل الْجلد وَلَا تهرول أَيْضا بَين الصَّفَا والمروة فِي السَّعْي، وَرَوَاهُ الشَّافِعِي عَن ابْن عمر وَعَائِشَة وَجَمَاعَة، فَإِن ترك الرمل فِي الطّواف والهرولة فِي السَّعْي بَين الصَّفَا والمروة، ثمَّ ذكر وَهُوَ قريب، فَمرَّة قَالَ مَالك: يُعِيد، وَمرَّة قَالَ: لَا يُعِيد، وَبِه قَالَ ابْن الْقَاسِم، وَاخْتلف أَيْضا هَل عَلَيْهِ دم أم لَا. وَفِيه: جَوَاز تَسْمِيَة الطوفة شوطا. وَنقل عَن الشَّافِعِي كَرَاهَته. وَفِي (الْأُم) : قَالَ الشَّافِعِي: لَا يُقَال شوط وَلَا دور، وَعَن مُجَاهِد: لَا تَقولُوا شوطا وَلَا شوطين، وَلَكِن قُولُوا: دورا اودورين. وَفِيه: مَا يُؤْخَذ جَوَاز إِظْهَار الْقُوَّة بالعدة وَالسِّلَاح وَنَحْو ذَلِك للْكفَّار إرهابا لَهُم، وَلَا يعد ذَلِك من الرِّيَاء. وَفِيه: جَوَاز المعاريض بِالْفِعْلِ، كَمَا يجوز بالْقَوْل، وَرُبمَا يكون بِالْفِعْلِ أولى.

٦٥ - (بابُ اسْتِلَامِ الحَجَرِ الأسْوَدِ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ أوَّلَ مَا يَطُوفُ ويَرْمُلُ ثَلاثا)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان استلام الْحجر الْأسود، والاستلام هُوَ الْمسْح بِالْيَدِ، مُشْتَقّ من السَّلَام الَّذِي هُوَ التَّحِيَّة. وَقيل: من السَّلَام بِكَسْر السِّين، وَهُوَ الْحِجَارَة. وَقَالَ ابْن سيدة: اسْتَلم الْحجر واستلأمه، بِالْهَمْزَةِ، أَي: قبله أَو اعتنقه، وَلَيْسَ أَصله الْهَمْز، وَيُقَال استلمت الْحجر إِذْ لمسته. كَمَا يُقَال: اكتحلت من الكهل، وَفِي (الْجَامِع) وَقيل: هُوَ استفعل من اللأمة، واللأمة هِيَ الدرْع وَالسِّلَاح وَإِنَّمَا يلبس اللامة ليمتنع بهَا من الْأَعْدَاء، فَكَانَ هَذَا إِذا لمس الْحجر فقد تحصن من الْعَذَاب. قَوْله: (أول) ، مَنْصُوب على الظّرْف، ظرف للاستلام. قَوْله: (ثَلَاثًا) أَي: ثَلَاث مَرَّات.

٣٠٦١ - حدَّثنا أصْبَغُ بنُ الفَرَجِ قَالَ أخْبَرَنِي ابنُ وَهْبٍ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابٍ عَنْ سالِمٍ عنْ أبيهِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ رَأيْتُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ إذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الأسْوَدَ أوَّلَ مَا يَطُوفُ يَخُبُّ ثَلاثَةَ أطْوَافٍ مِنَ السَّبْعِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة جدا لِأَن مَعْنَاهُ معنى التَّرْجَمَة سَوَاء، وَابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ، وَيُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَسَالم بن عبد الله بن عمر يروي عَن أَبِيه عبد الله.

وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن أبي الظَّاهِر. وحرملة، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أبي الطَّاهِر وَسليمَان بن دَاوُد، كلهم عَن ابْن وهب بِهِ.

قَوْله: (إِذا اسْتَلم) ظرف لَا شَرط، وَبدل عَن قَوْله: (حِين يقدم) . قَوْله: (أول) ، نصب على الظّرْف مُضَاف إِلَى كلمة: مَا، المصدرية. قَوْله: (يخب) فِي مَحل النصب على أَنه مفعول ثَان لقَوْله: (رَأَيْت) ، وَهُوَ بِفَتْح يَاء المضارعة وَكسر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: من الخبب، وَهُوَ ضرب من الْعَدو. وَقيل: خب الْفرس إِذا نقل أيامنه وإياسره جَمِيعًا. وَقيل: هُوَ أَن يراوح بَين يَدَيْهِ، وَقيل: الخبب السرعة، وَقد خبت الدَّابَّة تخب خببا وخبيبا وأخبت وَقد أخبها ذكره ابْن سَيّده. وَفِي (الْمُنْتَهى) يُقَال: خب خبيبا وأخبه صَاحبه إخبابا. وَفِي (الجمهرة) وأخببته أَنا، وَفِي الْكِفَايَة لأبي إِسْحَاق الأجداني: إِذا ارْتَفع سير الْبَعِير حَتَّى يكون عدوا يراوح بَين يَدَيْهِ، فَذَلِك الخبب. قَوْله: (ثَلَاثَة) ، وَإِن كَانَ مُبْهما، لَكِن الْمَقْصُود مِنْهُ الثَّلَاثَة الأول. قَوْله: (من السَّبع) أَي: الطوفات السَّبع، ويروى: السَّبْعَة، بِاعْتِبَار الأطواف. وَقَالَت النُّحَاة: إِذا كَانَ الْمُمَيز غير مَذْكُور جَازَ فِي الْعدَد التَّذْكِير والتأنيث.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 80%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
لا إله إلا الله