«قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٦٠٢

الحديث رقم ١٦٠٢ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب كيف كان بدء الرمل.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٦٠٢ في صحيح البخاري

«قَدِمَ رَسُولُ اللهِ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ وَقَدْ وَهَنَهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ».

بَابُ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ وَيَرْمُلُ ثَلَاثًا

إسناد حديث رقم ١٦٠٢ من صحيح البخاري

١٦٠٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٦٠٢: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَوْدِهِ. انْتَهَى. وَهُوَ مُفَرَّعٌ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ عَامَ الْفَتْحِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَقَدْ رَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ مَكَّةَ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ - وَهُوَ تَابِعِيٌّ، وَأَبُوهُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ، وَزْنُ عَظِيمَةٍ - قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ الْكَعْبَةَ، وَدَخَلَ مَعَهُ بِلَالٌ، وَجَلَسَ أُسَامَةُ عَلَى الْبَابِ، فَلَمَّا خَرَجَ وَجَدَ أُسَامَةَ قَدِ احْتَبَى، فَأَخَذَ بِحَبْوَتِهِ فَحَلَّهَا، الْحَدِيثَ.

فَلَعَلَّهُ احْتَبَى فَاسْتَرَاحَ فَنَعَسَ، فَلَمْ يُشَاهِدْ صَلَاتَهُ، فَلَمَّا سُئِلَ عَنْهَا نَفَاهَا مُسْتَصْحِبًا لِلنَّفْيِ لِقِصَرِ زَمَنِ احْتِبَائِهِ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ إِنَّمَا نَفَى رُؤْيَتَهُ لَا مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِغَيْرِ تَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَذَلِكَ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: حَمْلُ الصَّلَاةِ الْمُثْبَتَةِ عَلَى اللُّغَوِيَّةِ، وَالْمَنْفِيَّةِ عَلَى الشَّرْعِيَّةِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ مَنْ يَكْرَهُ الصَّلَاةَ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ فَرْضًا وَنَفْلًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ، وَيَرُدُّ هَذَا الْحَمْلَ مَا تَقَدَّمَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ مِنْ تَعْيِينِ قَدْرِ الصَّلَاةِ، فَظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الشَّرْعِيَّةُ لَا مُجَرَّدَ الدُّعَاءِ. ثَانِيهَا، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يُمْكِنُ حَمْلُ الْإِثْبَاتِ عَلَى التَّطَوُّعِ، وَالنَّفْيِ عَلَى الْفَرْضِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهَا. ثَالِثُهَا: قَالَ الْمُهَلَّبُ شَارِحُ الْبُخَارِيِّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ دُخُولُ الْبَيْتِ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ، صَلَّى فِي إِحْدَاهُمَا وَلَمْ يُصَلِّ فِي الْأُخْرَى.

وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: الْأَشْبَهُ عِنْدِي فِي الْجَمْعِ أَنْ يُجْعَلَ الْخَبَرَانِ فِي وَقْتَيْنِ، فَيُقَالُ: لَمَّا دَخَلَ الْكَعْبَةَ فِي الْفَتْحِ صَلَّى فِيهَا عَلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ، عَنْ بِلَالٍ، وَيُجْعَلُ نَفْيُ ابْنِ عَبَّاسٍ الصَّلَاةَ فِي الْكَعْبَةِ فِي حَجَّتِهِ الَّتِي حَجَّ فِيهَا، لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ نَفَاهَا وَأَسْنَدَهُ إِلَى أُسَامَةَ، وَابْنَ عُمَرَ أَثْبَتَهَا وَأَسْنَدَ إِثْبَاتَهُ إِلَى بِلَالٍ وَإِلَى أُسَامَةَ أَيْضًا، فَإِذَا حُمِلَ الْخَبَرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا بَطَلَ التَّعَارُضُ، وَهَذَا جَمْعٌ حَسَنٌ، لَكِنْ تَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ دَخَلَ فِي يَوْمِ الْفَتْحِ لَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَى الْأَزْرَقِيُّ فِي كِتَابِ مَكَّةَ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ إِنَّمَا دَخَلَ الْكَعْبَةَ مَرَّةً وَاحِدَةً عَامَ الْفَتْحِ، ثُمَّ حَجَّ فَلَمْ يَدْخُلْهَا، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ دَخَلَهَا عَامَ الْفَتْحِ مَرَّتَيْنِ وَيَكُونَ الْمُرَادُ بِالْوَاحِدَةِ الَّتِي فِي خَبَرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَحْدَةُ السَّفَرِ لَا الدُّخُولُ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقٍ ضَعِيفَةٍ مَا يَشْهَدُ لِهَذَا الْجَمْعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُؤَيِّدُ الْجَمْعَ الْأَوَّلَ مَا أَخْرَجَهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ مَكَّةَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: كَيْفَ أُصَلِّي فِي الْكَعْبَةِ؟ قَالَ: كَمَا تُصَلِّي فِي الْجِنَازَةِ، تُسَبِّحُ وَتُكَبِّرُ، وَلَا تَرْكَعُ وَلَا تَسْجُدُ، ثُمَّ عِنْدَ أَرْكَانِ الْبَيْتِ سَبِّحْ وَكَبِّرْ وَتَضَرَّعْ وَاسْتَغْفِرْ، وَلَا تَرْكَعْ وَلَا تَسْجُدْ. وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ.

قَوْلُهُ: (وَفِيهِ الْآلِهَةُ) أَيِ الْأَصْنَامُ، وَأُطْلِقَ عَلَيْهَا الْآلِهَةُ بِاعْتِبَارِ مَا كَانُوا يَزْعُمُونَ، وَفِي جَوَازِ إِطْلَاقِ ذَلِكَ وَقْفَةٌ، وَالَّذِي يَظْهَرُ كَرَاهَتُهُ، وَكَانَتْ تَمَاثِيلُ عَلَى صُوَرٍ شَتَّى، فَامْتَنَعَ النَّبِيُّ مِنْ دُخُولِ الْبَيْتِ وَهِيَ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ عَلَى بَاطِلٍ، وَلِأَنَّهُ لَا يُحِبُّ فِرَاقَ الْمَلَائِكَةِ، وَهِيَ لَا تَدْخُلُ مَا فِيهِ صُورَةٌ.

قَوْلُهُ: (الْأَزْلَامُ) سَيَأْتِي شَرْحُهَا مُبَيَّنًا حَيْثُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ.

قَوْلُهُ: (أَمْ وَاللَّهِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِبَعْضِهِمْ: أَمَا بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ.

قَوْلُهُ: (لَقَدْ عَلِمُوا) قِيلَ: وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْلَمُونَ اسْمَ أَوَّلِ مَنْ أَحْدَثَ الِاسْتِقْسَامَ بِهَا، وَهُوَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ، وَكَانَتْ نِسْبَتُهُمْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَوَلَدِهِ الِاسْتِقْسَامَ بِهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِمَا لِتَقَدُّمِهِمَا عَلَى عَمْرٍو.

٥٥ - كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الرَّمَلِ؟

١٦٠٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ وَقَدْ وَهَنَهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ. فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٦٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ بمعجمةٍ ثمَّ مهملةٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -هُوَ ابْنُ زَيْدٍ- عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) بضمِّ الجيم وفتح المُوحَّدة الكوفيِّ الأسديِّ، قُتِل بين يدي الحجَّاج سنة خمسٍ وتسعين ومئةٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ وَأَصْحَابُهُ) في عمرة القضيَّة (١) سنة سبعٍ (فَقَالَ المُشْرِكُونَ) من قريشٍ: (إنَّهُ) أي: النَّبيّ (يَقْدَمُ) بفتح الدَّال مضارع «قدِم» بكسرها، أي: يَرِدُ (عَلَيْكُمْ، و) الحال أنَّه (قَدْ) بالقاف والدَّال (وَهَنَهُمْ) ولابن السَّكن: «(٢) قد وهنهم (٣)» بحذف حرف العطف، وهاء «وهَنهم» مفتوحةٌ، والضَّمير للصَّحابة، أي: أضعفهم (حُمَّى يَثْرِبَ) بفتح المُوحَّدة غير منصرفٍ، اسم المدينة الشَّريفة في الجاهليَّة و «حُمَّى» (٤): رُفِع على الفاعليَّة، ولأبي ذرٍّ: «إنَّه يقدم عليكم وفدٌ» بالفاء والرَّفع، فاعل «يقدم» أي: جماعةٌ، وحينئذٍ يكون قوله: «وهنهم حُمَّى يثرب» في موضع رفعٍ صفةٌ لـ «وفد»، وضمير «إنَّه» ضمير الشَّأن (فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ أَنْ يَرْمُلُوا) بضمِّ الميم مضارع «رَمَل» بفتحها (الأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ) لِيُرِي المشركين (٥) قوَّتهم بهذا الفعل لأنَّه أقطع في تكذيبهم وأبلغ في نكايتهم؛ ولذا قالوا -كما في «مسلمٍ» -: هؤلاء الذين زعمتم أنَّ الحُمَّى وَهَنَتْهُم، هؤلاء (٦) أجلد من كذا وكذا، و «الأشواط»: جمع شَوطٍ، بفتح الشِّين، والمراد به هنا: الطَّوفة حول الكعبة -زادها الله تعالى شرفًا- وهو منصوبٌ على الظَّرفيَّة (وَ) أمرهم (أَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ) اليمانيين حيث لا يراهم المشركون لأنَّهم كانوا ممَّا يلي الحجر من قبل قُعَيْقِعَان، وهذا منسوخٌ بما يأتي إن شاء الله تعالى.

قال ابن عبَّاسٍ: (وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ) أي: من أن يأمرهم، فحُذِف الجارُّ لعدم

اللَّبس، وموضع «أن» وتاليها بعد حذفه جرٌّ أو نصبٌ؛ قولان (أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا) أي: بأن يرملوا، فحُذِف الجارُّ كذلك، أو: لا حَذْفَ أصلًا لأنَّه يُقال: أمرته بكذا أو أمرته كذا (١)، أي: لم يمنعه أن يأمرهم بالرَّمَل في الطَّوفات كلِّها (إِلَّا الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ) بكسر الهمزة وسكون المُوحَّدة وبالقاف ممدودًا، مصدر «أبقى عليه» إذا رفق به، وهو مرفوعٌ، فاعل «لم يمنعه»، لكنَّ الإبقاء لا يناسب أن يكون هو الذي منعه من ذلك؛ إذ الإبقاء معناه الرِّفق كما في «الصِّحاح»، فلا بدَّ من تأويله بإرادةٍ ونحوها، أي: لم يمنعه من الأمر بالرَّمل (٢) في الأربعة إلَّا إرادته الإبقاء عليهم، فلم يأمرهم به، وهم لا يفعلون شيئًا إلَّا بأمره، وقول الزَّركشيِّ -وتبعه العينيُّ كالحافظ ابن حجرٍ-: ويجوز النَّصب على أنَّه مفعولٌ لأجله، ويكون في: «يمنعهم» ضميرٌ عائدٌ إلى النَّبيِّ هو فاعله، تعقَّبه في «المصابيح» بأنَّ تجويز (٣) النَّصب مبنيٌّ على أن يكون في لفظ حديث البخاريِّ: «لم يمنعهم» وليس كذلك، إنَّما فيه: «لم يمنعه» فرفع الإبقاء متعيِّنٌ لأنَّه الفاعل، وهذا الذي قاله الزَّركشيُّ وقع للقرطبيِّ في «شرح مسلمٍ»، وفي الحديث: «ولم يمنعهم» فجوَّز فيه الوجهين وهو ظاهرٌ، لكنَّ نقله إلى ما في البخاريِّ غير متأتٍّ.

وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٢٥٦]، ومسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ في «الحجِّ».

(٥٦) (بابُ اسْتِلَامِ الحَجَرِ الأَسْوَدِ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ، وَيَرْمُلُ ثَلَاثًا) أي: ثلاث مرَّاتٍ، و «أوَّلَ»: نُصِب على الظَّرفيَّة، و «الاستلام»: افتعالٌ (٤) من السِّلام -بكسر السِّين-: وهي الحجارة قاله ابن قتيبة، فلمَّا (٥) كان لمسًا للحجر قِيلَ له: استلامٌ، أو من السَّلام -بفتحها-: وهو التَّحيَّة،

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَوْدِهِ. انْتَهَى. وَهُوَ مُفَرَّعٌ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ عَامَ الْفَتْحِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَقَدْ رَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ مَكَّةَ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ - وَهُوَ تَابِعِيٌّ، وَأَبُوهُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ، وَزْنُ عَظِيمَةٍ - قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ الْكَعْبَةَ، وَدَخَلَ مَعَهُ بِلَالٌ، وَجَلَسَ أُسَامَةُ عَلَى الْبَابِ، فَلَمَّا خَرَجَ وَجَدَ أُسَامَةَ قَدِ احْتَبَى، فَأَخَذَ بِحَبْوَتِهِ فَحَلَّهَا، الْحَدِيثَ.

فَلَعَلَّهُ احْتَبَى فَاسْتَرَاحَ فَنَعَسَ، فَلَمْ يُشَاهِدْ صَلَاتَهُ، فَلَمَّا سُئِلَ عَنْهَا نَفَاهَا مُسْتَصْحِبًا لِلنَّفْيِ لِقِصَرِ زَمَنِ احْتِبَائِهِ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ إِنَّمَا نَفَى رُؤْيَتَهُ لَا مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِغَيْرِ تَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَذَلِكَ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: حَمْلُ الصَّلَاةِ الْمُثْبَتَةِ عَلَى اللُّغَوِيَّةِ، وَالْمَنْفِيَّةِ عَلَى الشَّرْعِيَّةِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ مَنْ يَكْرَهُ الصَّلَاةَ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ فَرْضًا وَنَفْلًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ، وَيَرُدُّ هَذَا الْحَمْلَ مَا تَقَدَّمَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ مِنْ تَعْيِينِ قَدْرِ الصَّلَاةِ، فَظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الشَّرْعِيَّةُ لَا مُجَرَّدَ الدُّعَاءِ. ثَانِيهَا، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يُمْكِنُ حَمْلُ الْإِثْبَاتِ عَلَى التَّطَوُّعِ، وَالنَّفْيِ عَلَى الْفَرْضِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهَا. ثَالِثُهَا: قَالَ الْمُهَلَّبُ شَارِحُ الْبُخَارِيِّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ دُخُولُ الْبَيْتِ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ، صَلَّى فِي إِحْدَاهُمَا وَلَمْ يُصَلِّ فِي الْأُخْرَى.

وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: الْأَشْبَهُ عِنْدِي فِي الْجَمْعِ أَنْ يُجْعَلَ الْخَبَرَانِ فِي وَقْتَيْنِ، فَيُقَالُ: لَمَّا دَخَلَ الْكَعْبَةَ فِي الْفَتْحِ صَلَّى فِيهَا عَلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ، عَنْ بِلَالٍ، وَيُجْعَلُ نَفْيُ ابْنِ عَبَّاسٍ الصَّلَاةَ فِي الْكَعْبَةِ فِي حَجَّتِهِ الَّتِي حَجَّ فِيهَا، لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ نَفَاهَا وَأَسْنَدَهُ إِلَى أُسَامَةَ، وَابْنَ عُمَرَ أَثْبَتَهَا وَأَسْنَدَ إِثْبَاتَهُ إِلَى بِلَالٍ وَإِلَى أُسَامَةَ أَيْضًا، فَإِذَا حُمِلَ الْخَبَرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا بَطَلَ التَّعَارُضُ، وَهَذَا جَمْعٌ حَسَنٌ، لَكِنْ تَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ دَخَلَ فِي يَوْمِ الْفَتْحِ لَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَى الْأَزْرَقِيُّ فِي كِتَابِ مَكَّةَ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ إِنَّمَا دَخَلَ الْكَعْبَةَ مَرَّةً وَاحِدَةً عَامَ الْفَتْحِ، ثُمَّ حَجَّ فَلَمْ يَدْخُلْهَا، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ دَخَلَهَا عَامَ الْفَتْحِ مَرَّتَيْنِ وَيَكُونَ الْمُرَادُ بِالْوَاحِدَةِ الَّتِي فِي خَبَرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَحْدَةُ السَّفَرِ لَا الدُّخُولُ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقٍ ضَعِيفَةٍ مَا يَشْهَدُ لِهَذَا الْجَمْعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُؤَيِّدُ الْجَمْعَ الْأَوَّلَ مَا أَخْرَجَهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ مَكَّةَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: كَيْفَ أُصَلِّي فِي الْكَعْبَةِ؟ قَالَ: كَمَا تُصَلِّي فِي الْجِنَازَةِ، تُسَبِّحُ وَتُكَبِّرُ، وَلَا تَرْكَعُ وَلَا تَسْجُدُ، ثُمَّ عِنْدَ أَرْكَانِ الْبَيْتِ سَبِّحْ وَكَبِّرْ وَتَضَرَّعْ وَاسْتَغْفِرْ، وَلَا تَرْكَعْ وَلَا تَسْجُدْ. وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ.

قَوْلُهُ: (وَفِيهِ الْآلِهَةُ) أَيِ الْأَصْنَامُ، وَأُطْلِقَ عَلَيْهَا الْآلِهَةُ بِاعْتِبَارِ مَا كَانُوا يَزْعُمُونَ، وَفِي جَوَازِ إِطْلَاقِ ذَلِكَ وَقْفَةٌ، وَالَّذِي يَظْهَرُ كَرَاهَتُهُ، وَكَانَتْ تَمَاثِيلُ عَلَى صُوَرٍ شَتَّى، فَامْتَنَعَ النَّبِيُّ مِنْ دُخُولِ الْبَيْتِ وَهِيَ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ عَلَى بَاطِلٍ، وَلِأَنَّهُ لَا يُحِبُّ فِرَاقَ الْمَلَائِكَةِ، وَهِيَ لَا تَدْخُلُ مَا فِيهِ صُورَةٌ.

قَوْلُهُ: (الْأَزْلَامُ) سَيَأْتِي شَرْحُهَا مُبَيَّنًا حَيْثُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ.

قَوْلُهُ: (أَمْ وَاللَّهِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِبَعْضِهِمْ: أَمَا بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ.

قَوْلُهُ: (لَقَدْ عَلِمُوا) قِيلَ: وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْلَمُونَ اسْمَ أَوَّلِ مَنْ أَحْدَثَ الِاسْتِقْسَامَ بِهَا، وَهُوَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ، وَكَانَتْ نِسْبَتُهُمْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَوَلَدِهِ الِاسْتِقْسَامَ بِهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِمَا لِتَقَدُّمِهِمَا عَلَى عَمْرٍو.

٥٥ - كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الرَّمَلِ؟

١٦٠٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ وَقَدْ وَهَنَهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ. فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٦٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ بمعجمةٍ ثمَّ مهملةٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -هُوَ ابْنُ زَيْدٍ- عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) بضمِّ الجيم وفتح المُوحَّدة الكوفيِّ الأسديِّ، قُتِل بين يدي الحجَّاج سنة خمسٍ وتسعين ومئةٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ وَأَصْحَابُهُ) في عمرة القضيَّة (١) سنة سبعٍ (فَقَالَ المُشْرِكُونَ) من قريشٍ: (إنَّهُ) أي: النَّبيّ (يَقْدَمُ) بفتح الدَّال مضارع «قدِم» بكسرها، أي: يَرِدُ (عَلَيْكُمْ، و) الحال أنَّه (قَدْ) بالقاف والدَّال (وَهَنَهُمْ) ولابن السَّكن: «(٢) قد وهنهم (٣)» بحذف حرف العطف، وهاء «وهَنهم» مفتوحةٌ، والضَّمير للصَّحابة، أي: أضعفهم (حُمَّى يَثْرِبَ) بفتح المُوحَّدة غير منصرفٍ، اسم المدينة الشَّريفة في الجاهليَّة و «حُمَّى» (٤): رُفِع على الفاعليَّة، ولأبي ذرٍّ: «إنَّه يقدم عليكم وفدٌ» بالفاء والرَّفع، فاعل «يقدم» أي: جماعةٌ، وحينئذٍ يكون قوله: «وهنهم حُمَّى يثرب» في موضع رفعٍ صفةٌ لـ «وفد»، وضمير «إنَّه» ضمير الشَّأن (فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ أَنْ يَرْمُلُوا) بضمِّ الميم مضارع «رَمَل» بفتحها (الأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ) لِيُرِي المشركين (٥) قوَّتهم بهذا الفعل لأنَّه أقطع في تكذيبهم وأبلغ في نكايتهم؛ ولذا قالوا -كما في «مسلمٍ» -: هؤلاء الذين زعمتم أنَّ الحُمَّى وَهَنَتْهُم، هؤلاء (٦) أجلد من كذا وكذا، و «الأشواط»: جمع شَوطٍ، بفتح الشِّين، والمراد به هنا: الطَّوفة حول الكعبة -زادها الله تعالى شرفًا- وهو منصوبٌ على الظَّرفيَّة (وَ) أمرهم (أَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ) اليمانيين حيث لا يراهم المشركون لأنَّهم كانوا ممَّا يلي الحجر من قبل قُعَيْقِعَان، وهذا منسوخٌ بما يأتي إن شاء الله تعالى.

قال ابن عبَّاسٍ: (وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ) أي: من أن يأمرهم، فحُذِف الجارُّ لعدم

اللَّبس، وموضع «أن» وتاليها بعد حذفه جرٌّ أو نصبٌ؛ قولان (أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا) أي: بأن يرملوا، فحُذِف الجارُّ كذلك، أو: لا حَذْفَ أصلًا لأنَّه يُقال: أمرته بكذا أو أمرته كذا (١)، أي: لم يمنعه أن يأمرهم بالرَّمَل في الطَّوفات كلِّها (إِلَّا الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ) بكسر الهمزة وسكون المُوحَّدة وبالقاف ممدودًا، مصدر «أبقى عليه» إذا رفق به، وهو مرفوعٌ، فاعل «لم يمنعه»، لكنَّ الإبقاء لا يناسب أن يكون هو الذي منعه من ذلك؛ إذ الإبقاء معناه الرِّفق كما في «الصِّحاح»، فلا بدَّ من تأويله بإرادةٍ ونحوها، أي: لم يمنعه من الأمر بالرَّمل (٢) في الأربعة إلَّا إرادته الإبقاء عليهم، فلم يأمرهم به، وهم لا يفعلون شيئًا إلَّا بأمره، وقول الزَّركشيِّ -وتبعه العينيُّ كالحافظ ابن حجرٍ-: ويجوز النَّصب على أنَّه مفعولٌ لأجله، ويكون في: «يمنعهم» ضميرٌ عائدٌ إلى النَّبيِّ هو فاعله، تعقَّبه في «المصابيح» بأنَّ تجويز (٣) النَّصب مبنيٌّ على أن يكون في لفظ حديث البخاريِّ: «لم يمنعهم» وليس كذلك، إنَّما فيه: «لم يمنعه» فرفع الإبقاء متعيِّنٌ لأنَّه الفاعل، وهذا الذي قاله الزَّركشيُّ وقع للقرطبيِّ في «شرح مسلمٍ»، وفي الحديث: «ولم يمنعهم» فجوَّز فيه الوجهين وهو ظاهرٌ، لكنَّ نقله إلى ما في البخاريِّ غير متأتٍّ.

وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٢٥٦]، ومسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ في «الحجِّ».

(٥٦) (بابُ اسْتِلَامِ الحَجَرِ الأَسْوَدِ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ، وَيَرْمُلُ ثَلَاثًا) أي: ثلاث مرَّاتٍ، و «أوَّلَ»: نُصِب على الظَّرفيَّة، و «الاستلام»: افتعالٌ (٤) من السِّلام -بكسر السِّين-: وهي الحجارة قاله ابن قتيبة، فلمَّا (٥) كان لمسًا للحجر قِيلَ له: استلامٌ، أو من السَّلام -بفتحها-: وهو التَّحيَّة،

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل