«قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَهُنَّ فِي غَسْلِ ابْنَتِهِ: ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٦٧

الحديث رقم ١٦٧ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب التيمن في الوضوء والغسل.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٦٧ في صحيح البخاري

«قَالَ النَّبِيُّ لَهُنَّ فِي غَسْلِ ابْنَتِهِ: ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا.»

إسناد حديث رقم ١٦٧ من صحيح البخاري

١٦٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٦٧: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عُبَيْدٌ كَانُوا يَسْتَلِمُونَ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا، وَقَدْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْ مُعَاوِيَةَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (السِّبْتِيَّةُ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ هِيَ الَّتِي لَا شَعْرَ فِيهَا، مُشْتَقَّةٌ مِنَ السَّبْتِ وَهُوَ الْحَلْقُ قَالَهُ فِي التَّهْذِيبِ، وَقِيلَ: السِّبْتُ جِلْدُ الْبَقَرِ الْمَدْبُوغِ بِالْقَرَظِ، وَقِيلَ بِالسُّبْتِ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَهُوَ نَبْتٌ يُدْبَغُ بِهِ قَالَهُ صَاحِبُ الْمُنْتَهَى، وَقَالَ الْهَرَوِيُّ: قِيلَ لَهَا سِبْتِيَّةٌ لِأَنَّهَا انْسَبَتَتْ بِالدِّبَاغِ؛ أَيْ: لَانَتْ بِهِ، يُقَالُ: رَطْبَةٌ مُنْسَبِتَةٌ؛ أَيْ: لَيِّنَةٌ.

قَوْلُهُ: (تُصْبَغُ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَحُكِيَ فَتْحُهَا وَكَسْرُهَا، وَهَلِ الْمُرَادُ صَبْغُ الثَّوْبِ أَوِ الشَّعْرِ؟ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (أَهَلَّ النَّاسُ)؛ أَيْ: رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ مِنْ أَوَّلِ ذِي الْحِجَّةِ.

قَوْلُهُ: (وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى كَانَ) وَلِمُسْلِمٍ حَتَّى يَكُونَ (يَوْمُ التَّرْوِيَةِ) أَيِ: الثَّامِنُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَمُرَادُهُ فَتُهِلُّ أَنْتَ حِينَئِذٍ. وَتَبَيَّنَ مِنْ جَوَابِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يُهِلُّ حَتَّى يَرْكَبَ قَاصِدًا إِلَى مِنًى، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا فِي الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (قال عَبْدُ اللَّهِ) أَيِ: ابْنُ عُمَرَ مُجِيبًا لِعُبَيْدٍ. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي اللِّبَاسِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ.

قَوْلُهُ: (الْيَمَانِيَيْنِ) تَثْنِيَةُ يَمَانٍ، وَالْمُرَادُ بِهِمَا الرُّكْنُ الْأَسْوَدُ وَالَّذِي يُسَامِتْهُ مِنْ مُقَابَلَةِ الصَّفَا، وَقِيلَ لِلْأَسْوَدِ يَمَانٌ تَغْلِيبًا.

قَوْلُهُ: (فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ) وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَالْبَاقِينَ فَأَنَا أُحِبُّ كَالَّتِي قَبْلَهَا، وَسَيَأْتِي بَاقِي الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٣١ - بَاب التَّيَمُّنِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغَسْلِ

١٦٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قال: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قال: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ، قال: النَّبِيُّ لَهُنَّ فِي غَسْلِ ابْنَتِهِ: ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا.

[الحديث ١٦٧ - أطرافه في: ١٢٦٣، ١٢٦٢، ١٢٦١، ١٢٦٠، ١٢٥٩، ١٢٥٨، ١٢٥٧، ١٢٥٦، ١٢٥٥، ١٢٥٤، ١٢٥]

١٦٨ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِي أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ "كَانَ النَّبِيُّ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطُهُورِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ"

[الحديث ١٦٨ - أطرافه في: ٥٩٢٦، ٥٨٥٤، ٥٣٨٠، ٤٢٦]

قَوْلُهُ (بَابُ التَّيَمُّنِ)؛ أَيْ: الِابْتِدَاءُ بِالْيَمِينِ.

قَوْلُهُ: (إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ، وَخَالِدٌ هُوَ الْحَذَّاءُ. وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (فِي غَسْلِ)؛ أَيْ: فِي صِفَةِ غَسْلِ ابْنَتِهِ زَيْنَبَ كَمَا سَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ مِنَ الْحَدِيثِ طَرَفًا لِيُبَيِّنَ بِهِ الْمُرَادَ بِقَوْلِ عَائِشَةَ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ؛ إِذْ هُوَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الِابْتِدَاءِ بِالْيَمِينِ وَتَعَاطِي الشَّيْءِ بِالْيَمِينِ وَالتَّبَرُّكِ وَقَصْدِ الْيَمِينِ، فَبَانَ بِحَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالطُّهُورِ الْأَوَّلُ.

قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ أَبِي) هُوَ سُلَيْمُ بْنُ أَسْوَدَ الْمُحَارِبِيُّ الْكُوفِيُّ أَبُو الشَّعْثَاءِ، مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ أَكْثَرَ مِنِ اسْمِهِ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ كَشَيْخِهِ مَسْرُوقٍ؛ فَهُمَا قَرِينَانِ كَمَا أَنَّ أَشْعَثَ، وَشُعْبَةَ قَرِينَانِ وَهُمَا مِنْ كِبَارِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ.

قَوْلُهُ: (كَانَ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنَ) قِيلَ: لِأَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الْفَأْلَ الْحَسَنَ إِذْ أَصْحَابُ الْيَمِينِ أَهْلُ الْجَنَّةِ. وَزَادَ الْمُصَنِّفُ فِي الصَّلَاةِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ شُعْبَةَ مَا اسْتَطَاعَ، فَنَبَّهَ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى ذَلِكَ مَا لَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ.

قَوْلُهُ: (فِي تَنَعُّلِهِ)؛ أَيْ: لُبْسِ نَعْلِهِ (وَتَرَجُّلِهِ)؛ أَيْ: تَرْجِيلِ شَعْرِهِ وَهُوَ تَسْرِيحُهُ وَدَهْنُهُ، قال: فِي الْمَشَارِقِ: رَجَّلَ شَعْرَهُ إِذَا مَشَّطَهُ بِمَاءٍ أَوْ دُهْنٍ لِيَلِينَ وَيُرْسِلَ الثَّائِرَ وَيَمُدَّ الْمُنْقَبِضَ، زَادَ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ شُعْبَةَ وَسِوَاكِهِ.

قَوْلُهُ: (فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ مِنَ الرُّوَاةِ بِغَيْرِ وَاوٍ، وَفِي

رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ وَهِيَ الَّتِي اعْتَمَدَهَا صَاحِبُ الْعُمْدَةِ، قال: الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هُوَ عَامٌّ مَخْصُوصٌ؛ لِأَنَّ دُخُولَ الْخَلَاءِ وَالْخُرُوجَ مِنَ الْمَسْجِدِ وَنَحْوَهُمَا يُبْدَأُ فِيهِمَا بِالْيَسَارِ، انْتَهَى.

وَتَأْكِيدُ الشَّأْنِ بِقَوْلِهِ كُلِّهِ يَدُلُّ عَلَى التَّعْمِيمِ؛ لِأَنَّ التَّأْكِيدَ يَرْفَعُ الْمَجَازَ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: حَقِيقَةُ الشَّأْنِ مَا كَانَ فِعْلًا مَقْصُودًا، وَمَا يُسْتَحَبُّ فِيهِ التَّيَاسُرُ لَيْسَ مِنَ الْأَفْعَالِ الْمَقْصُودَةِ، بَلْ هِيَ إِمَّا تُرُوكٌ وَإِمَّا غَيْرُ مَقْصُودَةٍ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى تَقْدِيرِ إِثْبَاتِ الْوَاوِ، وَأَمَّا عَلَى إِسْقَاطِهَا فَقَوْلُهُ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ يُعْجِبُهُ لَا بِالتَّيَمُّنِ، أَيْ يُعْجِبُهُ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ التَّيَمُّنَ فِي تَنَعُّلِهِ. . . إِلَخْ؛ أَيْ: لَا يَتْرُكُ ذَلِكَ سَفَرًا وَلَا حَضَرًا وَلَا فِي فَرَاغِهِ وَلَا شُغْلِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ فِي شَأْنِهِ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ فِي تَنَعُّلِهِ بِإِعَادَةِ الْعَامِلِ. قال: وَكَأَنَّهُ ذَكَرَ التَّنَعُّلَ لِتَعَلُّقِهِ بِالرِّجْلِ، وَالتَّرَجُّلَ لِتَعَلُّقِهِ بِالرَّأْسِ، وَالطُّهُورَ لِكَوْنِهِ مِفْتَاحَ أَبْوَابِ الْعِبَادَةِ، فَكَأَنَّهُ نَبَّهَ عَلَى جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ فَيَكُونُ كَبَدَلِ الْكُلِّ مِنَ الْكُلِّ. قُلْتُ: وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ بِتَقْدِيمِ قَوْلِهِ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ عَلَى قَوْلِهِ فِي تَنَعُّلِهِ. . . إِلَخْ وَعَلَيْهَا شَرَحَ الطِّيبِيُّ، وَجَمِيعُ مَا قَدَّمْنَاهُ مَبْنِيٌّ عَلَى ظَاهِرِ السِّيَاقِ الْوَارِدِ هُنَا، لَكِنْ بَيَّنَ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَطْعِمَةِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ شُعْبَةَ أَنَّ أَشْعَثَ شَيْخَهُ كَانَ يُحَدِّثُ بِهِ تَارَةً مُقْتَصِرًا عَلَى قَوْلِهِ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ وَتَارَةً عَلَى قَوْلِهِ فِي تَنَعُّلِهِ. . .

إِلَخْ، وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ أَنَّ عَائِشَةَ أَيْضًا كَانَتْ تُجْمِلُهُ تَارَةً وَتُبَيِّنُهُ أُخْرَى، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ أَصْلُ الْحَدِيثِ مَا ذُكِرَ مِنَ التَّنَعُّلِ وَغَيْرِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَحْوَصِ، وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ كِلَاهُمَا، عَنْ أَشْعَثَ بِدُونِ قَوْلِهِ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ، وَكَأَنَّ الرِّوَايَةَ الْمُقْتَصِرَةَ عَلَى فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ مِنَ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فِي طُهُورِهِ وَنَعْلِهِ بِفَتْحِ النُّونِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ؛ أَيْ: هَيْئَةِ تَنَعُّلِهِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاهَانَ فِي مُسْلِمٍ وَنَعَلِهِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ.

وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ الْبَدَاءَةِ بِشِقِّ الرَّأْسِ الْأَيْمَنِ فِي التَّرَجُّلِ وَالْغُسْلِ وَالْحَلْقِ، وَلَا يُقَالُ: هُوَ مِنْ بَابِ الْإِزَالَةِ فَيُبْدَأُ فِيهِ بِالْأَيْسَرِ، بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الْعِبَادَةِ وَالتَّزْيِينِ، وَقَدْ ثَبَتَ الِابْتِدَاءُ بِالشِّقِّ الْأَيْمَنِ فِي الْحَلْقِ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا، وَفِيهِ الْبَدَاءَةُ بِالرِّجْلِ الْيُمْنَى فِي التَّنَعُّلِ وَفِي إِزَالَتِهَا بِالْيُسْرَى، وَفِيهِ الْبَدَاءَةُ بِالْيَدِ الْيُمْنَى فِي الْوُضُوءِ وَكَذَا الرِّجْلُ، وَبِالشِّقِّ الْأَيْمَنُ فِي الْغُسْلِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الصَّلَاةِ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ وَفِي مَيْمَنَةِ الْمَسْجِدِ وَفِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِالْيَمِينِ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا، قال: النَّوَوِيُّ: قَاعِدَةُ الشَّرْعِ الْمُسْتَمِرَّةُ اسْتِحْبَابُ الْبَدَاءَةِ بِالْيَمِينِ فِي كُلِّ مَا كَانَ مِنْ بَابِ التَّكْرِيمِ وَالتَّزْيِينِ، وَمَا كَانَ بِضِدِّهِمَا اسْتُحِبَّ فِيهِ التَّيَاسُرُ.

قال: وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ تَقْدِيمَ الْيَمِينِ فِي الْوُضُوءِ سُنَّةٌ مَنْ خَالَفَهَا فَاتَهُ الْفَضْلُ وَتَمَّ وُضُوؤُهُ، انْتَهَى. وَمُرَادُهُ بِالْعُلَمَاءِ أَهْلُ السُّنَّةِ، وَإِلَّا فَمَذْهَبُ الشِّيعَةِ الْوُجُوبُ، وَغَلِطَ الْمُرْتَضَى مِنْهُمْ فَنَسَبَهُ لِلشَّافِعِيِّ، وَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ مِنْ قَوْلِهِ بِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ فِي الْيَدَيْنِ وَلَا فِي الرِّجْلَيْنِ لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْعُضْوِ الْوَاحِدِ، وَلِأَنَّهُمَا جُمِعَا فِي لَفْظِ الْقُرْآنِ، لَكِنْ يُشْكِلُ عَلَى أَصْحَابِهِ حُكْمُهُمْ عَلَى الْمَاءِ بِالِاسْتِعْمَالِ إِذَا انْتَقَلَ مِنْ يَدٍ إِلَى يَدٍ أُخْرَى، مَعَ قَوْلِهِمْ بِأَنَّ الْمَاءَ مَا دَامَ مُتَرَدِّدًا عَلَى الْعُضْوِ لَا يُسَمَّى مُسْتَعْمَلًا، وَفِي اسْتِدْلَالِهِمْ عَلَى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ بِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ فِي صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ أَنَّهُ تَوَضَّأَ مُنَكِّسًا، وَكَذَلِكَ لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ قَدَّمَ الْيُسْرَى عَلَى الْيُمْنَى.

وَوَقَعَ فِي الْبَيَانِ لِلْعِمْرَانِيِّ وَالتَّجْرِيدِ لِلْبَنْدَنِيجِيِّ نِسْبَةُ الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ إِلَى الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ مِنَ الشِّيعَةِ. وَفِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ مَا يُوهِمُ أَنَّ أَحْمَدَ، قال بِوُجُوبِهِ، وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ عَنْهُ، بَلْ قال الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ فِي الْمُغْنِي: لَا نَعْلَمُ فِي عَدَمِ الْوُجُوبِ خِلَافًا.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن عُلَية (قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ) الحذَّاء (عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ) الأنصاريَّة، أخت محمَّد بن سيرين (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) نُسَيْبَة، بضمِّ النُّون وفتح المُهمَلَة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، بنت كعبٍ أو بنت الحارث الأنصاريَّة، وكانت تغسل الموتى وتمرِّض المرضى، وشهدت خيبرَ (قَالَتْ: قَالَ رسول الله لَهُنَّ) أي: لأُمِّ عطيَّة ومَنْ معها (فِي غُسْلِ ابْنَتِهِ) زينب كما في «مسلمٍ»: (ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا).

وهذا الحديث من الخماسيَّات، ورواته كلُّهم بصريُّون، وفيه: رواية تابعيَّةٍ عن صحابيَّةٍ، والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه في «الجنائز» [خ¦١٢٥٥] بتمامه، واقتصر منه هنا على طرفٍ لبيان قول عائشة الآتي: «كان يعجبه التَّيمُّن» [خ¦١٦٨] إذ إنَّه لفظٌ مُشتَركٌ بين الابتداء باليمين وتعاطي الشَّيء باليمين، وأخرجه أيضًا مسلمٌ والنَّسائيُّ وابن ماجه جميعًا فيه.

١٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) الحوضيُّ البصريُّ، المُتوفَّى بالبصرة سنة خمسٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَشْعَثُ) بفتح الهمزة وسكون المُعجَمَة وفتح العَيْن (١) آخره مُثلَّثَةٌ (بْنُ سُلَيْمٍ) بالتَّصغير (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) سُلَيْمَ بن الأسود المُحاربيَّ -بضمِّ الميم- الكوفيَّ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع الكوفيُّ، أبو عائشة، أسلم قبل وفاته ، وأدرك الصَّدر الأوَّل من الصَّحابة (عَنْ عَائِشَةَ) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ) بالرَّفع على الفاعليَّة، أي: لحُسْنِه (فِي تَنَعُّلِهِ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والنُّون وتشديد العين المضمومة، أي: حال كونه لابسًا النَّعل، أي: الابتداء بلبس اليمين (وَ) في (تَرَجُّلِهِ) أي: الابتداء (٢)

بالشِّق الأيمن في تسريح رأسه ولحيته (وَ) في (طُهُورِهِ) بضمِّ الطَّاء؛ لأنَّ المُراد: تطهُّره (١)، وتُفتَح، أي: البداءة بالشِّق الأيمن في الغسل، وباليمنى (٢) في (٣) اليدين والرِّجلين على اليسرى، وفي «سنن أبي داود» من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إذا توضَّأتم فابدؤوا بميامنكم»، فإن قدَّم اليسرى كُرِهَ، نُصَّ عليه في «الأمِّ» ووضوؤه صحيحٌ، وأمَّا الكفَّان والخدَّان والأذنان (٤) فيطهران دفعةً واحدةً (وَ) كذا كان يعجبه التَّيمُّن (فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ) كذا في رواية أبي الوقت: «وفي» بواو العطف، وهو من عطف العامِّ على الخاصِّ، ولغيره: «في شأنه» بإسقاطها، وتأكيد الشَّأن بقوله: «كلِّه» يدلُّ على التَّعميم، فيدخل فيه نحو: لبس الثَّوب والسَّراويل والخفِّ، ودخول المسجد، والصَّلاة على ميمنة الإمام وميمنة المسجد، والأكل والشُّرب، والاكتحال، وتقليم الأظفار، وقصُّ الشَّارب، ونتف الإبط، وحلق الرَّأس، والخروج من الخلاء، وغير ذلك ممَّا في معناه، إلَّا ما خُصَّ بدليلٍ كدخول الخلاء، والخروج من المسجد، والامتخاط، والاستنجاء، وخلع الثَّوب، والسَّراويل، وغير ذلك، وإنَّما استُحِبَّ (٥) فيها التَّياسُر لأنَّه من باب الإزالة، والقاعدة: أنَّ كلَّ ما كان من باب التَّكريم والتَّزيُّن فباليمين، وإلَّا فباليسار، ولا (٦) يُقال: حلق الرَّأس من باب الإزالة فيبدأ فيه بالأيسر لأنَّه من باب التَّزيُّن، وقد ثبت الابتداء فيه بالأيمن، كما سيأتي إن شاء الله تعالى قريبًا، وفي رواية الأكثر: «في شأنه كلِّه» بحذف العاطف، وهو جائزٌ عند بعضهم حيث دلَّت عليه قرينةٌ، أو هو بدلٌ من الثَّلاثة السَّابقة بدل اشتمالٍ، والشَّرط في بدل الاشتمال: أن

يكون المُبدَل منه (١) مشتملًا على الثَّاني أو متقاضيًا له بوجهٍ مّا، وههنا كذلك على ما لا يخفى، وإذا لم يكنِ المُبدَل منه (٢) مشتملًا على الثَّاني يكون بدل الغلط، أو هو بدلُ كلٍّ من كلٍّ، كما نقله في «الفتح» عن الطِّيبيِّ، وعبارته: قال الطِّيبيُّ: قوله «في شأنه» بدلٌ من قوله: «في تنعُّله» بإعادة العامل، وكأنَّه ذكر التَّنعُّل لتعلُّقه بالرِّجل، والتَّرجُّل (٣) لتعلُّقه بالرَّأس، والطُّهور لكونه مفتاح أبواب العبادة، فكأنَّه نبَّه على جميع الأعضاء، فهو كبدل الكلِّ من الكلِّ، ثمَّ قال في «الفتح»: قلت: ووقع في رواية مسلمٍ بتقديم قوله: «في شأنه كلِّه (٤)» على قوله: «في تنعُّله … » إلى آخره، وعليها شرح الطِّيبيِّ، وكذا ذكره البرماويُّ ولم يعترضه، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ كلام الطِّيبيِّ ليس هو على رواية البخاريِّ، بل على رواية مسلمٍ، ولفظها: «كان رسول الله يحبُّ التَّيمُّن في شأنه كلِّه، في طهوره و (٥) ترجُّله وتنعُّله»، فقال الطِّيبيُّ في شرحه لذلك (٦): قوله: «في طُهوره وترجُّله وتنعُّله» بدلٌ من قوله: «في شأنه» بإعادة العامل، فكأنَّه ظنَّ أنَّ كلام الطِّيبيِّ في الرِّواية التي فيها ذكر الشَّأن متأخِّرًا كرواية البخاريِّ هنا. انتهى. وهو بدل كلٍّ من بعضٍ، وعليه قوله:

نضَّر اللهُ أَعظُمًا دَفَنوها … بِسِجِسْتانَ طَلْحة الطَّلحاتِ

أو يُقدِّر لفظ: يعجبه التَّيمُّن -كما مرَّ- فتكون الجملة بدلًا من الجملة، أو هو متعلِّقٌ بـ «يعجبه» لا بالتَّيمُّن، والتَّقدير: يعجبه في شأنه كلِّه التَّيمُّن في تنعُّله .... إلى آخره، أي: لا يترك ذلك في سفرٍ ولا حضرٍ، ولا في فراغه واشتغاله، قاله في «فتح الباري» كالكِرمانيِّ، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه يلزم منه أن يكون إعجابه التَّيمُّن في هذه الثَّلاث مخصوصةً في حالاته كلِّها، وليس كذلك، بل كان يعجبه التَّيمُّن في كلِّ الأشياء في جميع الحالات، ألا ترى أنَّه أكَّد الشَّأن بمؤكِّدٍ، والشَّأن بمعنى الحال، والمعنى: في جميع حالاته.

وفي هذا الحديث: الدَّلالة على شرف اليمين، وهو سداسيُّ الإسناد، ورواته ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه: رواية الابن عن الأب، وقرينين من أتباع التَّابعين: أشعث وشعبة، وآخَرَيْن من التَّابعين: سُلَيْمٌ ومسروقٌ (١)، والتَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٤٢٦] و «اللِّباس» [خ¦٥٨٥٤]، ومسلمٌ في «الطَّهارة»، وأبو داود في «اللِّباس»، والتِّرمذيُّ في (٢) آخر (٣) «الصَّلاة»، وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنَّسائيُّ في «الطَّهارة» و «الزِّينة»، وابن ماجه في «الطَّهارة».

(٣٢) هذا (بابُ التِمَاسِ الوَضُوءِ) بفتح الواو، أي: طلب الماء لأجل الوُضُوء -بالضَّمِّ- (إِذَا حَانَتِ الصَّلَاةُ) أي: قَرُبَ وقتُها (وَقَالَتْ) أمُّ المؤمنين (عَائِشَةُ) ممَّا أخرجه المؤلِّف من

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عُبَيْدٌ كَانُوا يَسْتَلِمُونَ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا، وَقَدْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْ مُعَاوِيَةَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (السِّبْتِيَّةُ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ هِيَ الَّتِي لَا شَعْرَ فِيهَا، مُشْتَقَّةٌ مِنَ السَّبْتِ وَهُوَ الْحَلْقُ قَالَهُ فِي التَّهْذِيبِ، وَقِيلَ: السِّبْتُ جِلْدُ الْبَقَرِ الْمَدْبُوغِ بِالْقَرَظِ، وَقِيلَ بِالسُّبْتِ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَهُوَ نَبْتٌ يُدْبَغُ بِهِ قَالَهُ صَاحِبُ الْمُنْتَهَى، وَقَالَ الْهَرَوِيُّ: قِيلَ لَهَا سِبْتِيَّةٌ لِأَنَّهَا انْسَبَتَتْ بِالدِّبَاغِ؛ أَيْ: لَانَتْ بِهِ، يُقَالُ: رَطْبَةٌ مُنْسَبِتَةٌ؛ أَيْ: لَيِّنَةٌ.

قَوْلُهُ: (تُصْبَغُ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَحُكِيَ فَتْحُهَا وَكَسْرُهَا، وَهَلِ الْمُرَادُ صَبْغُ الثَّوْبِ أَوِ الشَّعْرِ؟ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (أَهَلَّ النَّاسُ)؛ أَيْ: رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ مِنْ أَوَّلِ ذِي الْحِجَّةِ.

قَوْلُهُ: (وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى كَانَ) وَلِمُسْلِمٍ حَتَّى يَكُونَ (يَوْمُ التَّرْوِيَةِ) أَيِ: الثَّامِنُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَمُرَادُهُ فَتُهِلُّ أَنْتَ حِينَئِذٍ. وَتَبَيَّنَ مِنْ جَوَابِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يُهِلُّ حَتَّى يَرْكَبَ قَاصِدًا إِلَى مِنًى، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا فِي الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (قال عَبْدُ اللَّهِ) أَيِ: ابْنُ عُمَرَ مُجِيبًا لِعُبَيْدٍ. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي اللِّبَاسِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ.

قَوْلُهُ: (الْيَمَانِيَيْنِ) تَثْنِيَةُ يَمَانٍ، وَالْمُرَادُ بِهِمَا الرُّكْنُ الْأَسْوَدُ وَالَّذِي يُسَامِتْهُ مِنْ مُقَابَلَةِ الصَّفَا، وَقِيلَ لِلْأَسْوَدِ يَمَانٌ تَغْلِيبًا.

قَوْلُهُ: (فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ) وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَالْبَاقِينَ فَأَنَا أُحِبُّ كَالَّتِي قَبْلَهَا، وَسَيَأْتِي بَاقِي الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٣١ - بَاب التَّيَمُّنِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغَسْلِ

١٦٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قال: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قال: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ، قال: النَّبِيُّ لَهُنَّ فِي غَسْلِ ابْنَتِهِ: ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا.

[الحديث ١٦٧ - أطرافه في: ١٢٦٣، ١٢٦٢، ١٢٦١، ١٢٦٠، ١٢٥٩، ١٢٥٨، ١٢٥٧، ١٢٥٦، ١٢٥٥، ١٢٥٤، ١٢٥]

١٦٨ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِي أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ "كَانَ النَّبِيُّ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطُهُورِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ"

[الحديث ١٦٨ - أطرافه في: ٥٩٢٦، ٥٨٥٤، ٥٣٨٠، ٤٢٦]

قَوْلُهُ (بَابُ التَّيَمُّنِ)؛ أَيْ: الِابْتِدَاءُ بِالْيَمِينِ.

قَوْلُهُ: (إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ، وَخَالِدٌ هُوَ الْحَذَّاءُ. وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (فِي غَسْلِ)؛ أَيْ: فِي صِفَةِ غَسْلِ ابْنَتِهِ زَيْنَبَ كَمَا سَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ مِنَ الْحَدِيثِ طَرَفًا لِيُبَيِّنَ بِهِ الْمُرَادَ بِقَوْلِ عَائِشَةَ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ؛ إِذْ هُوَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الِابْتِدَاءِ بِالْيَمِينِ وَتَعَاطِي الشَّيْءِ بِالْيَمِينِ وَالتَّبَرُّكِ وَقَصْدِ الْيَمِينِ، فَبَانَ بِحَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالطُّهُورِ الْأَوَّلُ.

قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ أَبِي) هُوَ سُلَيْمُ بْنُ أَسْوَدَ الْمُحَارِبِيُّ الْكُوفِيُّ أَبُو الشَّعْثَاءِ، مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ أَكْثَرَ مِنِ اسْمِهِ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ كَشَيْخِهِ مَسْرُوقٍ؛ فَهُمَا قَرِينَانِ كَمَا أَنَّ أَشْعَثَ، وَشُعْبَةَ قَرِينَانِ وَهُمَا مِنْ كِبَارِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ.

قَوْلُهُ: (كَانَ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنَ) قِيلَ: لِأَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الْفَأْلَ الْحَسَنَ إِذْ أَصْحَابُ الْيَمِينِ أَهْلُ الْجَنَّةِ. وَزَادَ الْمُصَنِّفُ فِي الصَّلَاةِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ شُعْبَةَ مَا اسْتَطَاعَ، فَنَبَّهَ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى ذَلِكَ مَا لَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ.

قَوْلُهُ: (فِي تَنَعُّلِهِ)؛ أَيْ: لُبْسِ نَعْلِهِ (وَتَرَجُّلِهِ)؛ أَيْ: تَرْجِيلِ شَعْرِهِ وَهُوَ تَسْرِيحُهُ وَدَهْنُهُ، قال: فِي الْمَشَارِقِ: رَجَّلَ شَعْرَهُ إِذَا مَشَّطَهُ بِمَاءٍ أَوْ دُهْنٍ لِيَلِينَ وَيُرْسِلَ الثَّائِرَ وَيَمُدَّ الْمُنْقَبِضَ، زَادَ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ شُعْبَةَ وَسِوَاكِهِ.

قَوْلُهُ: (فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ مِنَ الرُّوَاةِ بِغَيْرِ وَاوٍ، وَفِي

رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ وَهِيَ الَّتِي اعْتَمَدَهَا صَاحِبُ الْعُمْدَةِ، قال: الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هُوَ عَامٌّ مَخْصُوصٌ؛ لِأَنَّ دُخُولَ الْخَلَاءِ وَالْخُرُوجَ مِنَ الْمَسْجِدِ وَنَحْوَهُمَا يُبْدَأُ فِيهِمَا بِالْيَسَارِ، انْتَهَى.

وَتَأْكِيدُ الشَّأْنِ بِقَوْلِهِ كُلِّهِ يَدُلُّ عَلَى التَّعْمِيمِ؛ لِأَنَّ التَّأْكِيدَ يَرْفَعُ الْمَجَازَ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: حَقِيقَةُ الشَّأْنِ مَا كَانَ فِعْلًا مَقْصُودًا، وَمَا يُسْتَحَبُّ فِيهِ التَّيَاسُرُ لَيْسَ مِنَ الْأَفْعَالِ الْمَقْصُودَةِ، بَلْ هِيَ إِمَّا تُرُوكٌ وَإِمَّا غَيْرُ مَقْصُودَةٍ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى تَقْدِيرِ إِثْبَاتِ الْوَاوِ، وَأَمَّا عَلَى إِسْقَاطِهَا فَقَوْلُهُ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ يُعْجِبُهُ لَا بِالتَّيَمُّنِ، أَيْ يُعْجِبُهُ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ التَّيَمُّنَ فِي تَنَعُّلِهِ. . . إِلَخْ؛ أَيْ: لَا يَتْرُكُ ذَلِكَ سَفَرًا وَلَا حَضَرًا وَلَا فِي فَرَاغِهِ وَلَا شُغْلِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ فِي شَأْنِهِ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ فِي تَنَعُّلِهِ بِإِعَادَةِ الْعَامِلِ. قال: وَكَأَنَّهُ ذَكَرَ التَّنَعُّلَ لِتَعَلُّقِهِ بِالرِّجْلِ، وَالتَّرَجُّلَ لِتَعَلُّقِهِ بِالرَّأْسِ، وَالطُّهُورَ لِكَوْنِهِ مِفْتَاحَ أَبْوَابِ الْعِبَادَةِ، فَكَأَنَّهُ نَبَّهَ عَلَى جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ فَيَكُونُ كَبَدَلِ الْكُلِّ مِنَ الْكُلِّ. قُلْتُ: وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ بِتَقْدِيمِ قَوْلِهِ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ عَلَى قَوْلِهِ فِي تَنَعُّلِهِ. . . إِلَخْ وَعَلَيْهَا شَرَحَ الطِّيبِيُّ، وَجَمِيعُ مَا قَدَّمْنَاهُ مَبْنِيٌّ عَلَى ظَاهِرِ السِّيَاقِ الْوَارِدِ هُنَا، لَكِنْ بَيَّنَ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَطْعِمَةِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ شُعْبَةَ أَنَّ أَشْعَثَ شَيْخَهُ كَانَ يُحَدِّثُ بِهِ تَارَةً مُقْتَصِرًا عَلَى قَوْلِهِ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ وَتَارَةً عَلَى قَوْلِهِ فِي تَنَعُّلِهِ. . .

إِلَخْ، وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ أَنَّ عَائِشَةَ أَيْضًا كَانَتْ تُجْمِلُهُ تَارَةً وَتُبَيِّنُهُ أُخْرَى، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ أَصْلُ الْحَدِيثِ مَا ذُكِرَ مِنَ التَّنَعُّلِ وَغَيْرِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَحْوَصِ، وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ كِلَاهُمَا، عَنْ أَشْعَثَ بِدُونِ قَوْلِهِ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ، وَكَأَنَّ الرِّوَايَةَ الْمُقْتَصِرَةَ عَلَى فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ مِنَ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فِي طُهُورِهِ وَنَعْلِهِ بِفَتْحِ النُّونِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ؛ أَيْ: هَيْئَةِ تَنَعُّلِهِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاهَانَ فِي مُسْلِمٍ وَنَعَلِهِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ.

وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ الْبَدَاءَةِ بِشِقِّ الرَّأْسِ الْأَيْمَنِ فِي التَّرَجُّلِ وَالْغُسْلِ وَالْحَلْقِ، وَلَا يُقَالُ: هُوَ مِنْ بَابِ الْإِزَالَةِ فَيُبْدَأُ فِيهِ بِالْأَيْسَرِ، بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الْعِبَادَةِ وَالتَّزْيِينِ، وَقَدْ ثَبَتَ الِابْتِدَاءُ بِالشِّقِّ الْأَيْمَنِ فِي الْحَلْقِ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا، وَفِيهِ الْبَدَاءَةُ بِالرِّجْلِ الْيُمْنَى فِي التَّنَعُّلِ وَفِي إِزَالَتِهَا بِالْيُسْرَى، وَفِيهِ الْبَدَاءَةُ بِالْيَدِ الْيُمْنَى فِي الْوُضُوءِ وَكَذَا الرِّجْلُ، وَبِالشِّقِّ الْأَيْمَنُ فِي الْغُسْلِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الصَّلَاةِ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ وَفِي مَيْمَنَةِ الْمَسْجِدِ وَفِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِالْيَمِينِ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا، قال: النَّوَوِيُّ: قَاعِدَةُ الشَّرْعِ الْمُسْتَمِرَّةُ اسْتِحْبَابُ الْبَدَاءَةِ بِالْيَمِينِ فِي كُلِّ مَا كَانَ مِنْ بَابِ التَّكْرِيمِ وَالتَّزْيِينِ، وَمَا كَانَ بِضِدِّهِمَا اسْتُحِبَّ فِيهِ التَّيَاسُرُ.

قال: وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ تَقْدِيمَ الْيَمِينِ فِي الْوُضُوءِ سُنَّةٌ مَنْ خَالَفَهَا فَاتَهُ الْفَضْلُ وَتَمَّ وُضُوؤُهُ، انْتَهَى. وَمُرَادُهُ بِالْعُلَمَاءِ أَهْلُ السُّنَّةِ، وَإِلَّا فَمَذْهَبُ الشِّيعَةِ الْوُجُوبُ، وَغَلِطَ الْمُرْتَضَى مِنْهُمْ فَنَسَبَهُ لِلشَّافِعِيِّ، وَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ مِنْ قَوْلِهِ بِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ فِي الْيَدَيْنِ وَلَا فِي الرِّجْلَيْنِ لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْعُضْوِ الْوَاحِدِ، وَلِأَنَّهُمَا جُمِعَا فِي لَفْظِ الْقُرْآنِ، لَكِنْ يُشْكِلُ عَلَى أَصْحَابِهِ حُكْمُهُمْ عَلَى الْمَاءِ بِالِاسْتِعْمَالِ إِذَا انْتَقَلَ مِنْ يَدٍ إِلَى يَدٍ أُخْرَى، مَعَ قَوْلِهِمْ بِأَنَّ الْمَاءَ مَا دَامَ مُتَرَدِّدًا عَلَى الْعُضْوِ لَا يُسَمَّى مُسْتَعْمَلًا، وَفِي اسْتِدْلَالِهِمْ عَلَى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ بِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ فِي صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ أَنَّهُ تَوَضَّأَ مُنَكِّسًا، وَكَذَلِكَ لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ قَدَّمَ الْيُسْرَى عَلَى الْيُمْنَى.

وَوَقَعَ فِي الْبَيَانِ لِلْعِمْرَانِيِّ وَالتَّجْرِيدِ لِلْبَنْدَنِيجِيِّ نِسْبَةُ الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ إِلَى الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ مِنَ الشِّيعَةِ. وَفِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ مَا يُوهِمُ أَنَّ أَحْمَدَ، قال بِوُجُوبِهِ، وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ عَنْهُ، بَلْ قال الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ فِي الْمُغْنِي: لَا نَعْلَمُ فِي عَدَمِ الْوُجُوبِ خِلَافًا.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن عُلَية (قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ) الحذَّاء (عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ) الأنصاريَّة، أخت محمَّد بن سيرين (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) نُسَيْبَة، بضمِّ النُّون وفتح المُهمَلَة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، بنت كعبٍ أو بنت الحارث الأنصاريَّة، وكانت تغسل الموتى وتمرِّض المرضى، وشهدت خيبرَ (قَالَتْ: قَالَ رسول الله لَهُنَّ) أي: لأُمِّ عطيَّة ومَنْ معها (فِي غُسْلِ ابْنَتِهِ) زينب كما في «مسلمٍ»: (ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا).

وهذا الحديث من الخماسيَّات، ورواته كلُّهم بصريُّون، وفيه: رواية تابعيَّةٍ عن صحابيَّةٍ، والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه في «الجنائز» [خ¦١٢٥٥] بتمامه، واقتصر منه هنا على طرفٍ لبيان قول عائشة الآتي: «كان يعجبه التَّيمُّن» [خ¦١٦٨] إذ إنَّه لفظٌ مُشتَركٌ بين الابتداء باليمين وتعاطي الشَّيء باليمين، وأخرجه أيضًا مسلمٌ والنَّسائيُّ وابن ماجه جميعًا فيه.

١٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) الحوضيُّ البصريُّ، المُتوفَّى بالبصرة سنة خمسٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَشْعَثُ) بفتح الهمزة وسكون المُعجَمَة وفتح العَيْن (١) آخره مُثلَّثَةٌ (بْنُ سُلَيْمٍ) بالتَّصغير (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) سُلَيْمَ بن الأسود المُحاربيَّ -بضمِّ الميم- الكوفيَّ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع الكوفيُّ، أبو عائشة، أسلم قبل وفاته ، وأدرك الصَّدر الأوَّل من الصَّحابة (عَنْ عَائِشَةَ) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ) بالرَّفع على الفاعليَّة، أي: لحُسْنِه (فِي تَنَعُّلِهِ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والنُّون وتشديد العين المضمومة، أي: حال كونه لابسًا النَّعل، أي: الابتداء بلبس اليمين (وَ) في (تَرَجُّلِهِ) أي: الابتداء (٢)

بالشِّق الأيمن في تسريح رأسه ولحيته (وَ) في (طُهُورِهِ) بضمِّ الطَّاء؛ لأنَّ المُراد: تطهُّره (١)، وتُفتَح، أي: البداءة بالشِّق الأيمن في الغسل، وباليمنى (٢) في (٣) اليدين والرِّجلين على اليسرى، وفي «سنن أبي داود» من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إذا توضَّأتم فابدؤوا بميامنكم»، فإن قدَّم اليسرى كُرِهَ، نُصَّ عليه في «الأمِّ» ووضوؤه صحيحٌ، وأمَّا الكفَّان والخدَّان والأذنان (٤) فيطهران دفعةً واحدةً (وَ) كذا كان يعجبه التَّيمُّن (فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ) كذا في رواية أبي الوقت: «وفي» بواو العطف، وهو من عطف العامِّ على الخاصِّ، ولغيره: «في شأنه» بإسقاطها، وتأكيد الشَّأن بقوله: «كلِّه» يدلُّ على التَّعميم، فيدخل فيه نحو: لبس الثَّوب والسَّراويل والخفِّ، ودخول المسجد، والصَّلاة على ميمنة الإمام وميمنة المسجد، والأكل والشُّرب، والاكتحال، وتقليم الأظفار، وقصُّ الشَّارب، ونتف الإبط، وحلق الرَّأس، والخروج من الخلاء، وغير ذلك ممَّا في معناه، إلَّا ما خُصَّ بدليلٍ كدخول الخلاء، والخروج من المسجد، والامتخاط، والاستنجاء، وخلع الثَّوب، والسَّراويل، وغير ذلك، وإنَّما استُحِبَّ (٥) فيها التَّياسُر لأنَّه من باب الإزالة، والقاعدة: أنَّ كلَّ ما كان من باب التَّكريم والتَّزيُّن فباليمين، وإلَّا فباليسار، ولا (٦) يُقال: حلق الرَّأس من باب الإزالة فيبدأ فيه بالأيسر لأنَّه من باب التَّزيُّن، وقد ثبت الابتداء فيه بالأيمن، كما سيأتي إن شاء الله تعالى قريبًا، وفي رواية الأكثر: «في شأنه كلِّه» بحذف العاطف، وهو جائزٌ عند بعضهم حيث دلَّت عليه قرينةٌ، أو هو بدلٌ من الثَّلاثة السَّابقة بدل اشتمالٍ، والشَّرط في بدل الاشتمال: أن

يكون المُبدَل منه (١) مشتملًا على الثَّاني أو متقاضيًا له بوجهٍ مّا، وههنا كذلك على ما لا يخفى، وإذا لم يكنِ المُبدَل منه (٢) مشتملًا على الثَّاني يكون بدل الغلط، أو هو بدلُ كلٍّ من كلٍّ، كما نقله في «الفتح» عن الطِّيبيِّ، وعبارته: قال الطِّيبيُّ: قوله «في شأنه» بدلٌ من قوله: «في تنعُّله» بإعادة العامل، وكأنَّه ذكر التَّنعُّل لتعلُّقه بالرِّجل، والتَّرجُّل (٣) لتعلُّقه بالرَّأس، والطُّهور لكونه مفتاح أبواب العبادة، فكأنَّه نبَّه على جميع الأعضاء، فهو كبدل الكلِّ من الكلِّ، ثمَّ قال في «الفتح»: قلت: ووقع في رواية مسلمٍ بتقديم قوله: «في شأنه كلِّه (٤)» على قوله: «في تنعُّله … » إلى آخره، وعليها شرح الطِّيبيِّ، وكذا ذكره البرماويُّ ولم يعترضه، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ كلام الطِّيبيِّ ليس هو على رواية البخاريِّ، بل على رواية مسلمٍ، ولفظها: «كان رسول الله يحبُّ التَّيمُّن في شأنه كلِّه، في طهوره و (٥) ترجُّله وتنعُّله»، فقال الطِّيبيُّ في شرحه لذلك (٦): قوله: «في طُهوره وترجُّله وتنعُّله» بدلٌ من قوله: «في شأنه» بإعادة العامل، فكأنَّه ظنَّ أنَّ كلام الطِّيبيِّ في الرِّواية التي فيها ذكر الشَّأن متأخِّرًا كرواية البخاريِّ هنا. انتهى. وهو بدل كلٍّ من بعضٍ، وعليه قوله:

نضَّر اللهُ أَعظُمًا دَفَنوها … بِسِجِسْتانَ طَلْحة الطَّلحاتِ

أو يُقدِّر لفظ: يعجبه التَّيمُّن -كما مرَّ- فتكون الجملة بدلًا من الجملة، أو هو متعلِّقٌ بـ «يعجبه» لا بالتَّيمُّن، والتَّقدير: يعجبه في شأنه كلِّه التَّيمُّن في تنعُّله .... إلى آخره، أي: لا يترك ذلك في سفرٍ ولا حضرٍ، ولا في فراغه واشتغاله، قاله في «فتح الباري» كالكِرمانيِّ، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه يلزم منه أن يكون إعجابه التَّيمُّن في هذه الثَّلاث مخصوصةً في حالاته كلِّها، وليس كذلك، بل كان يعجبه التَّيمُّن في كلِّ الأشياء في جميع الحالات، ألا ترى أنَّه أكَّد الشَّأن بمؤكِّدٍ، والشَّأن بمعنى الحال، والمعنى: في جميع حالاته.

وفي هذا الحديث: الدَّلالة على شرف اليمين، وهو سداسيُّ الإسناد، ورواته ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه: رواية الابن عن الأب، وقرينين من أتباع التَّابعين: أشعث وشعبة، وآخَرَيْن من التَّابعين: سُلَيْمٌ ومسروقٌ (١)، والتَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٤٢٦] و «اللِّباس» [خ¦٥٨٥٤]، ومسلمٌ في «الطَّهارة»، وأبو داود في «اللِّباس»، والتِّرمذيُّ في (٢) آخر (٣) «الصَّلاة»، وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنَّسائيُّ في «الطَّهارة» و «الزِّينة»، وابن ماجه في «الطَّهارة».

(٣٢) هذا (بابُ التِمَاسِ الوَضُوءِ) بفتح الواو، أي: طلب الماء لأجل الوُضُوء -بالضَّمِّ- (إِذَا حَانَتِ الصَّلَاةُ) أي: قَرُبَ وقتُها (وَقَالَتْ) أمُّ المؤمنين (عَائِشَةُ) ممَّا أخرجه المؤلِّف من

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد