«أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْدَفَ الْفَضْلَ، فَأَخْبَرَ الْفَضْلُ: أَنَّهُ لَمْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٦٨٥

الحديث رقم ١٦٨٥ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب التلبية والتكبير غداة النحر حين يرمي.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْدَفَ…

«أَنَّ النَّبِيَّ أَرْدَفَ الْفَضْلَ، فَأَخْبَرَ الْفَضْلُ: أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ».

إسناد حديث: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْدَفَ…

١٦٨٥ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ :

رواة الحديث: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْدَفَ…

شرح حديث: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْدَفَ…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَشْرِقْ ثَبِيرُ لَعَلَّنَا نُغِيرُ قَالَ الطَّبَرِيُّ: مَعْنَاهُ كَيْمَا نَدْفَعُ لِلنَّحْرِ وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ أَغَارَ الْفَرَسُ إِذَا أَسْرَعَ فِي عَدْوِهِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِسُكُونِ الرَّاءِ فِي (ثَبِيرُ) وَفِي (نُغِيرُ) لِإِرَادَةِ السَّجْعِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ) الْإِفَاضَةُ: الدَّفْعَةُ، قَالَهُ الْأَصْمَعِيُّ، وَمِنْهُ أَفَاضَ الْقَوْمُ فِي الْحَدِيثِ إِذَا دَفَعُوا فِيهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ أَفَاضَ عُمَرَ، فَيَكُونَ انْتِهَاءُ حَدِيثِهِ مَا قَبْلَ هَذَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ أَفَاضَ النَّبِيَّ لِعَطْفِهِ عَلَى قَوْلِهِ خَالَفَهُمْ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ شُعْبَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ فَأَفَاضَ وَفِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ فَخَالَفَهُمُ النَّبِيُّ فَأَفَاضَ وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ زَكَرِيَّا، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ بِسَنَدِهِ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ لَا يَنْفِرُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَرِهَ ذَلِكَ فَنَفَرَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.

وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ فَدَفَعَ لِقَدْرِ صَلَاةِ الْقَوْمِ الْمُسْفِرِينَ لِصَلَاةِ الْغَدَاةِ وَأَوْضَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ عِنْدَ مُسْلِمٍ ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي ذَلِكَ وَصَنِيعُ عُثْمَانَ بِمَا يُوَافِقُهُ، وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ سَأَلْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ: مَتَى دَفَعَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ جَمْعٍ؟ قَالَ: كَانْصِرَافِ الْقَوْمِ الْمُسْفِرِينَ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ: لَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ بِالْمُزْدَلِفَةِ غَدَا فَوَقَفَ عَلَى قُزَحَ وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ ثُمَّ قَالَ: هَذَا الْمَوْقِفُ وَكُلُّ الْمُزْدَلِفَةِ مَوْقِفٌ. حَتَّى إِذَا أَسْفَرَ دَفَعَ. وَأَصْلُهُ فِي التِّرْمِذِيِّ دُونَ قَوْلِهِ حَتَّى إِذَا أَسْفَرَ وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ، وَالطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ حَتَّى إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَكَانَتْ عَلَى رُءوسِ الْجِبَالِ كَأَنَّهَا الْعَمَائِمُ عَلَى رُءوسِ الرِّجَالِ دَفَعُوا، فَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ حِينَ أَسْفَرَ كُلُّ شَيْءٍ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ. وَلِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ حَدِيثِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ نَحْوُهُ.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضْلُ الدَّفْعِ مِنَ الْمَوْقِفِ بِالْمُزْدَلِفَةِ عِنْدَ الْإِسْفَارِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِيمَنْ دَفَعَ قَبْلَ الْفَجْرِ. وَنَقَلَ الطَّبَرِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَقِفْ فِيهِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَاتَهُ الْوُقُوفُ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَكَانَ الشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْأَخْبَارِ، وَكَانَ مَالِكٌ يَرَى أَنْ يَدْفَعَ قَبْلَ الْإسْفَارِ، وَاحْتَجَّ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بِأَنَّ النَّبِيَّ لَمْ يُعَجِّلِ الصَّلَاةَ مُغَلِّسًا إِلَّا لِيَدْفَعَ قَبْلَ الشَّمْسِ، فَكُلُّ مَنْ بَعُدَ دَفْعُهُ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ كَانَ أَوْلَى.

١٠١ - بَاب التَّلْبِيَةِ وَالتَّكْبِيرِ غَدَاةَ النَّحْرِ حِينَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ، وَالِارْتِدَافِ فِي السَّيْرِ

١٦٨٥ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ أَرْدَفَ الْفَضْلَ، فَأَخْبَرَ الْفَضْلُ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ.

١٦٨٦، ١٦٨٧ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ الْأَيْلِيِّ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ أَرْدَفَ الْفَضْلَ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى، قَالَ: فَكِلَاهُمَا قَالَا: لَمْ يَزَلْ النَّبِيُّ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ التَّلْبِيَةِ وَالتَّكْبِيرِ غَدَاةَ النَّحْرِ حَتَّى يَرْمِيَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ حِينَ يَرْمِي وَهُوَ أَصْوَبُ. قَالَ

الْكِرْمَانِيُّ: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ التَّكْبِيرِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَشَارَ إِلَى الذِّكْرِ الَّذِي فِي خِلَالِ التَّلْبِيَةِ وَأَرَادَ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ حِينَئِذٍ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَمْ يَزَلْ يَدُلُّ عَلَى إِدَامَةِ التَّلْبِيَةِ وَإِدَامَتُهَا تَدُلُّ عَلَى تَرْكِ مَا عَدَاهَا أَوْ هُوَ مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثٍ فِيهِ ذِكْرُ التَّكْبِيرِ. انْتَهَى.

وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُ فَعِنْدَ أَحْمَدَ، وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، والطَّحَاوِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فَمَا تَرَكَ التَّلْبِيَةَ حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ إِلَّا أَنْ يَخْلِطَهَا بِتَكْبِيرٍ.

قَوْلُهُ: (فَأَخْبَرَ الْفَضْلُ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ فَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ الْفَضْلَ أَخْبَرَهُ.

قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ (فَكِلَاهُمَا) أَيِ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَفِي ذِكْرِ أُسَامَةَ إِشْكَالٌ لِمَا تَقَدَّمَ فِي: بَابُ النُّزُولِ بَيْنَ عَرَفَةَ وَجَمْعٍ أَنَّ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ أَنَّ أُسَامَةَ قَالَ وَانْطَلَقْتُ أَنَا فِي سُبَّاقِ قُرَيْشٍ عَلَى رِجْلَيَّ لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُونَ أُسَامَةُ سَبَقَ إِلَى رَمْيِ الْجَمْرَةِ فَيَكُونَ إِخْبَارُهُ بِمِثْلِ مَا أَخْبَرَ بِهِ الْفَضْلُ مِنَ التَّلْبِيَةِ مُرْسَلًا، لَكِنْ لَا مَانِعَ أَنَّهُ يَرْجِعُ مَعَ النَّبِيِّ إِلَى الْجَمْرَةِ أَوْ يُقِيمُ بِهَا حَتَّى يَأْتِيَ النَّبِيُّ . وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَمِّ الْحُصَيْنِ قَالَتْ: فَرَأَيْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَبِلَالًا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَةِ النَّبِيِّ وَالْآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ يَسْتُرُهُ مِنَ الْحَرِّ حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ.

(تَنْبِيهٌ): زَادَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الْفَضْلِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: فَرَمَاهَا سَبْعَ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ. وَسَيَأْتِي هَذَا الْحُكْمُ بَعْدَ نَيِّفٍ وَثَلَاثِينَ بَابًا.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ التَّلْبِيَةَ تَسْتَمِرُّ إِلَى رَمْيِ الْجَمْرَةِ يَوْمَ النَّحْرِ وَبَعْدَهَا يَشْرَعُ الْحَاجُّ فِي التَّحَلُّلِ. وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ التَّلْبِيَةُ شِعَارُ الْحَجِّ فَإِنْ كُنْتَ حَاجًّا فَلَبِّ حَتَّى بَدْءِ حِلِّكَ، وَبَدْءُ حَلِّكَ أَنْ تَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ حَجَجْتُ مَعَ عُمَرَ إِحْدَى عَشْرَةَ حِجَّةً وَكَانَ يُلَبِّي حَتَّى يَرْمِيَ الْجَمْرَةَ وَبِاسْتِمْرَارِهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ وَأَتْبَاعُهُمْ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَقْطَعُ الْمُحْرِمُ التَّلْبِيَةَ إِذَا دَخَلَ الْحَرَمَ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ لَكِنْ كَانَ يُعَاوِدُ التَّلْبِيَةَ إِذَا خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى عَرَفَةَ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَقْطَعُهَا إِذَا رَاحَ إِلَى الْمَوْقِفِ رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْ عَائِشَةَ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَلِيٍّ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَقَيَّدَهُ بِزَوَالِ الشَّمْسِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مِثْلُهُ لَكِنْ قَالَ إِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ.

وَقَدْ رَوَى الطَّحَاوِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ حَجَجْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ فَلَمَّا أَفَاضَ إِلَى جَمْعٍ جَعَلَ يُلَبِّي فَقَالَ رَجُلٌ: أَعْرَابِيٌّ هَذَا؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَنَسِيَ النَّاسُ أَمْ ضَلُّوا وَأَشَارَ الطَّحَاوِيُّ إِلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ تَرْكُ التَّلْبِيَةِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ أَنَّهُ تَرَكَهَا لِلِاشْتِغَالِ بِغَيْرِهَا مِنَ الذِّكْرِ لَا عَلَى أَنَّهَا لَا تُشْرَعُ وَجَمَعَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا اخْتَلَفَ مِنَ الْآثَارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا هَلْ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَعَ رَمْيِ أَوَّلِ حَصَاةٍ أَوْ عِنْدَ تَمَامِ الرَّمْيِ؟ فَذَهَبَ إِلَى الْأَوَّلِ الْجُمْهُورُ، وَإِلَى الثَّانِي أَحْمَدُ وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَيَدُلُّ لَهُمْ مَا رَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الْفَضْلِ قَالَ: أَفَضْتُ مَعَ النَّبِيِّ مِنْ عَرَفَاتٍ فَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ ثُمَّ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ مَعَ آخِرِ حَصَاةٍ: قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُفَسِّرٌ لِمَا أُبْهِمَ فِي الرِّوَايَاتِ الْأُخْرَى وَأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ أَيْ أَتَمَّ رَمْيَهَا.

١٠٢ - بَاب ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(وَأَنَّ النَّبِيَّ ) بفتح همزة «أَنَّ» وفي بعض النُّسخ: بكسرها (خَالَفَهُمْ) فأفاض حين أسفر قبل طلوع الشَّمس (ثُمَّ أَفَاضَ) أي: النَّبيُّ ، أو ابن مسعودٍ (١)، والمعتمد الأوَّل لعطفه على قوله: «خالفهم»، وفي حديث جابرٍ الطَّويل عند مسلمٍ: فلم يزل واقفًا؛ أي (٢): عند المشعر الحرام حتَّى أسفر جدًّا فدفع (قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ) ولابن خزيمة عن ابن عبَّاسٍ: فدفع رسول الله حين أسفر كلُّ شيءٍ قبل أن تطلع الشَّمس، وهذا مذهب الشَّافعيِّ والجمهور، وقال مالكٌ في «المُدونَّة»: ولا يقف أحدٌ به، أي: بالمشعر الحرام إلى طلوع الفجر والإسفار، ولكن يدفع قبل ذلك، وإذا أسفر ولم يدفع الإمام دفع النَّاس وتركوه، واحتجَّ له بعض أصحابه بأنَّ النَّبيَّ (٣) لم يعجِّل الصَّلاة مغلسًا إلَّا ليدفع قبل الشَّمس، فكلَّما بَعُد دفعه من طلوع الشَّمس كان أَولى، وهذا موضع التَّرجمة.

(١٠١) (بابُ التَّلْبِيَةِ وَالتَّكْبِيرِ غَدَاةَ النَّحْرِ حِينَ يَرْمِي الجَمْرَةَ) أي: الكبرى، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «حتَّى» قال في «الفتح»: وهو (٤) أصوب (وَالاِرْتِدَافِ) بالجرِّ عطفًا على المجرور السَّابق؛ وهو الرُّكوب خلف الرَّاكب (فِي السَّيْرِ) من المزدلفة إلى منًى.

١٦٨٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم واللَّام بينهما معجمةٌ ساكنةٌ النَّبيل البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز الأمويُّ (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) عبد الله (: أَنَّ النَّبِيَّ) ولأبي الوقت: «أنَّ رسول الله» ( أَرْدَفَ الفَضْلَ) بن العبَّاس من المزدلفة إلى منًى (فَأَخْبَرَ الفَضْلُ) أخاه عبد الله (أَنَّهُ) (لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى الجَمْرَةَ) الكبرى؛ وهي جمرة العقبة.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

من الإغارة أَي: كَيْمَا ندفع ونفيض للنحر وَغَيره، وَذَلِكَ من قَوْلهم: أغار الْفرس إغارة الثَّعْلَب، وَذَلِكَ إِذا دفع وأسرع فِي دَفعه. وَقَالَ ابْن التِّين: وَضَبطه بَعضهم بِسُكُون الرَّاء فِي ثبير ونغير لإِرَادَة السجع. قلت: لِأَنَّهُ من محسنات الْكَلَام. قَوْله: (ثمَّ أَفَاضَ) ، يحْتَمل أَن يكون فَاعله عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَوَجهه أَن يكون: ثمَّ أَفَاضَ عطفا على قَوْله: (إِن الْمُشْركين لَا يفيضون حَتَّى تطلع الشَّمْس) وَفِيه بعد، وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ التَّرْكِيب أَن فَاعله هُوَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَنَّهُ عطف على قَوْله: (خالفهم) وَيُؤَيّد هَذَا مَا وَقع فِي رِوَايَة أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن شُعْبَة عِنْد التِّرْمِذِيّ: (فَأَفَاضَ) ، بِالْفَاءِ وَفِي رِوَايَة الثَّوْريّ: (فخالفهم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأَفَاضَ) ، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ من طَرِيق زَكَرِيَّا عَن أبي إِسْحَاق بِسَنَدِهِ: (كَانَ الْمُشْركُونَ لَا ينفرون حَتَّى تطلع الشَّمْس، وَأَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كره ذَلِك فنفر قبل طُلُوع الشَّمْس) ، وَله من رِوَايَة إِسْرَائِيل: فَدفع بِقدر صَلَاة الْقَوْم المسفرين لصَلَاة الْغَدَاة، وَأظْهر من ذَلِك وَأقوى للدلالة على أَنه النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر الطَّوِيل، وَفِيه: (ثمَّ ركب الْقَصْوَاء حَتَّى أَتَى الْمشعر الْحَرَام فَاسْتقْبل الْقبْلَة، فَدَعَا الله وَكبره وَهَلله وَوَحدهُ، فَلم يزل وَاقِفًا حَتَّى أَسْفر جدا فَدفع قبل أَن تطلع الشَّمْس) .

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: الْوُقُوف بِمُزْدَلِفَة، وَقد ذكرنَا أَنه إِذا ترك الْوُقُوف بهَا بعد الصُّبْح من غير عذر فَعَلَيهِ دم، وَإِن كَانَ بِعُذْر الزحام فتعجل السّير إِلَى منى فَلَا شَيْء عَلَيْهِ. وَفِيه: الْإِفَاضَة قبل طُلُوع الشَّمْس من يَوْم النَّحْر، وَاخْتلفُوا فِي الْوَقْت الْأَفْضَل للإفاضة، فَذهب الشَّافِعِي إِلَى أَنه إِنَّمَا يسْتَحبّ بعد كَمَال الْإِسْفَار، وَهُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور لحَدِيث جَابر الطَّوِيل. وَفِيه: (فَلم يزل وَاقِفًا حَتَّى أَسْفر جدا فَدفع قبل أَن تطلع الشَّمْس) ، وَذهب مَالك إِلَى اسْتِحْبَاب الْإِفَاضَة من الْمزْدَلِفَة قبل الْأَسْفَار) ، والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ، وروى ابْن خُزَيْمَة والطبري من طَرِيق عِكْرِمَة (عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يقفون بِالْمُزْدَلِفَةِ حَتَّى إِذا طلعت الشَّمْس فَكَانَت على رُؤُوس الْجبَال كَأَنَّهَا العمائم على رُؤُوس الرِّجَال دفعُوا فَدفع رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حِين أَسْفر كل شَيْء قبل أَن تطلع الشَّمْس) ، وروى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث الْمسور بن مخرمَة نَحوه.

١٠١ - (بابُ التَّلْبِيَةِ والتَّكْبِيرِ غَدَاةَ النَّحْرِ حِينَ يَرْمِي الجَمْرَةَ وَالارْتِدَافِ فِي السَّيْرِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التَّلْبِيَة وَالتَّكْبِير غَدَاة يَوْم النَّحْر حى يَرْمِي جَمْرَة الْعقبَة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (حَتَّى يَرْمِي جَمْرَة الْعقبَة) . قَوْله: (والارتداف) ، بِالْجَرِّ عطف على الْمَجْرُور فِيمَا قبله أَي: وَفِي بَيَان الإرتداف، وَهُوَ الرّكُوب خلف الرَّاكِب فِي السّير من مُزْدَلِفَة إِلَى منى، وَهَذِه التَّرْجَمَة مُشْتَمِلَة على ثَلَاثَة أَجزَاء: التَّلْبِيَة: وَهِي أَن يَقُول: لبيْك اللَّهُمَّ ... إِلَى آخِره، وَالتَّكْبِير: وَهُوَ أَن يكبر الله تَعَالَى، والارتداف: وَهُوَ الرّكُوب خلف الرَّاكِب. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَيْسَ فِي الحَدِيث ذكر التَّكْبِير، فَكيف دلَالَته عَلَيْهِ؟ ثمَّ أجَاب: بِأَن المُرَاد بِهِ الذّكر الَّذِي فِي خلال التَّلْبِيَة، وَهُوَ مُخْتَصر من الحَدِيث الَّذِي فِيهِ ذكر التَّكْبِير، أَو غَرَضه أَن يسْتَدلّ بِالْحَدِيثِ على أَن التَّكْبِير غير مَشْرُوع، إِذْ لفظ: (لم يزل) دَلِيل على إدامة التَّلْبِيَة. انْتهى. قلت: قَوْله: أَو غَرَضه ... إِلَى آخِره، فِيهِ بعد وَهُوَ عبارَة خشنة، وَالْجَوَاب الصَّحِيح فِيهِ: أَنه قد جرت عَادَة البُخَارِيّ أَنه إِذا ذكر تَرْجَمَة ذَات أَجزَاء وَلَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب، ذكر هَذِه الْأَجْزَاء كلهَا، وَلَكِن كَانَ حَدِيث آخر ذكر فِيهِ ذَلِك الْجُزْء الَّذِي لم يذكرهُ أَنه يُشِير إِلَيْهِ بِذكرِهِ فِي التَّرْجَمَة لينتهض الطَّالِب ويبحث عَنهُ، وَقد روى الطَّحَاوِيّ فَقَالَ: حَدثنَا فَهد، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن حميد الْكُوفِي، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن الْمُبَارك عَن الْحَارِث بن أبي ذئاب عَن مُجَاهِد (عَن عبد الله بن سَخْبَرَة، قَالَ: لبّى عبد الله وَهُوَ يتَوَجَّه فَقَالَ أنَاس: من هَذَا الْأَعرَابِي؟ فَالْتَفت إِلَيّ عبد الله فَقَالَ: ضلَّ الناسُ أم نسوا؟ وَالله مَا زَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُلَبِّي حَتَّى رمى جَمْرَة الْعقبَة إلَاّ أَن يخلط ذَلِك بتهليل أَو تَكْبِير) . وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث صَفْوَان بن عِيسَى: حَدثنَا الْحَارِث بن عبد الرَّحْمَن عَن مُجَاهِد عَن عبد الله بن سَخْبَرَة، قَالَ: غَدَوْت مَعَ عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ من منى إِلَى عَرَفَة، وَكَانَ رجلا آدم لَهُ ضفيرتان، عَلَيْهِ سحنة أهل الْبَادِيَة، وَكَانَ يُلَبِّي فَاجْتمع عَلَيْهِ الغوغاء، فَقَالُوا: يَا أَعْرَابِي، إِن هَذَا لَيْسَ بِيَوْم تَلْبِيَة إِنَّمَا هُوَ التَّكْبِير

فَالْتَفت إِلَيّ فَقَالَ: جهل النَّاس أم نسوا؟ وَالَّذِي بعث مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ، لقد خرجت مَعَه من منى إِلَى عَرَفَة فَمَا ترك التَّلْبِيَة حَتَّى رمى الْجَمْرَة إلَاّ أَن يخلطها بتكبير أَو تهليل.

٥٨٦١ - حدَّثنا أبُو عَاصِمٍ الضَّحاكُ بنُ مَخْلِدٍ قَالَ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ عَن عَطاءٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أرْدَفَ الْفَضلُ فأخْبرَ الفَضلُ أنَّهُ لَمْ يَزلْ يُلَبِّي حَتَّى رمَى الجَمْرَةَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي الجزءين مِنْهَا، وهما: الإرداف والتلبية، وَأما ذكر التَّكْبِير فِيهَا فَلَيْسَ لَهُ ذكر فِي هَذَا الحَدِيث، وَقد ذَكرْنَاهُ الْآن، وَقد ذكره البُخَارِيّ فِي: بَاب النُّزُول بَين عَرَفَة وَجمع. قَالَ كريب: فَأَخْبرنِي عبد الله بن عَبَّاس عَن الْفضل، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم يزل يُلَبِّي حَتَّى بلغ الْجَمْرَة. قَوْله: (فَأخْبر الْفضل) أَي: أخبر الْفضل ابْن عَبَّاس أَنه أَي: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق عِيسَى بن يُونُس عَن ابْن جريج عَن عَطاء: فَأَخْبرنِي ابْن عَبَّاس أَن الْفضل أخبرهُ، وَبَقِيَّة الْكَلَام قد مَضَت هُنَاكَ مستقصاة.

٧٨٦١ - حدَّثنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا وهْبُ بنُ جَرِيرٍ قَالَ حَدثنَا أبي عنْ يُونُسَ الأيْلِيِّ عنِ الزُهْرِيِّ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ أُسامَةَ بنَ زَيْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا كانَ رِدْفَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ عَرَفةَ إِلَى المُزْدَلِفةِ ثُمَّ أرْدَفَ الفَضْلَ مِنْ المُزْدَلِفةِ إِلَى مِنىً قَالَ فكِلاهُما قالَا لَمْ يَزلِ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي الإرداف والتلبية إِلَى رمي جَمْرَة الْعقبَة، وَهَذَا طَرِيق ثَان لحَدِيث ابْن عَبَّاس السَّابِق أخرجه عَن زُهَيْر، مصغر الزهر: ابْن حَرْب ضد الصُّلْح النَّسَائِيّ، بالنُّون وبالسين الْمُهْملَة، مَاتَ بِبَغْدَاد سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وروى عَنهُ مُسلم أَيْضا، ووهب بن جرير، بِفَتْح الْجِيم وَكسر الرَّاء: أَبُو الْعَبَّاس، وَهُوَ يروي عَن أَبِيه جرير بن حَازِم بن زيد أَبُو النَّضر الْبَصْرِيّ، وَيُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي، وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب، وَعبيد الله، بِضَم الْعين: ابْن عبد الله، بِالْفَتْح: ابْن عتبَة بن مَسْعُود أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة.

وَفِي هَذَا السَّنَد رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ. وَفِيه: ثَلَاثَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، يروي أحدهم وَهُوَ ابْن عَبَّاس عَن الآخرين وهما أُسَامَة بن زيد وَالْفضل بن عَبَّاس، وَهُوَ معنى قَوْله: (قَالَ فكلاهما قَالَا) أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس: فكلاهما، أَي: أُسَامَة وَالْفضل، قَالَا: لم يزل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُلَبِّي فِي أَوْقَات حجه حَتَّى رمى أَي: إِلَى أَن رمى جَمْرَة الْعقبَة يَوْم النَّحْر. فَإِن قلت: ذكر أُسَامَة فِي هَذَا فِيهِ إِشْكَال لِأَن مُسلما روى هَذَا الحَدِيث من رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن عقبَة قَالَ: (أَخْبرنِي كريب أَنه سَأَلَ أُسَامَة بن زيد: كَيفَ صَنَعْتُم حِين ردفت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَشِيَّة عَرَفَة؟) الحَدِيث بِطُولِهِ، وَفِيه: (حَتَّى جِئْنَا الْمزْدَلِفَة فَأَقَامَ الْمغرب ثمَّ أَنَاخَ النَّاس فِي مَنَازِلهمْ وَلم يحلوا حَتَّى أَقَامَ الْعشَاء الْآخِرَة فصلى ثمَّ حلوا، قلت: وَكَيف فَعلْتُمْ حِين أَصْبَحْتُم؟ قَالَ: ردفه الْفضل بن الْعَبَّاس وَانْطَلَقت أَنا فِي سباق قُرَيْش على رحلي) . فَمُقْتَضى هَذَا أَن يكون أُسَامَة قد سبق إِلَى رمي الْجَمْرَة، فَيكون إخْبَاره بِمثل مَا أخبر بِهِ الْفضل من التَّلْبِيَة مُرْسلا قلت: لَا مَانع من رُجُوعه إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وإتيانه مَعَه إِلَى الْجَمْرَة، أَو أَقَامَ بالجمرة حَتَّى أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ مُسلم أَيْضا من حَدِيث أم الْحصين، قَالَت: (فَرَأَيْت أُسَامَة بن زيد وبلالاً فِي حجَّة الْوَدَاع، وَأَحَدهمَا آخذ بِخِطَام نَاقَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالْآخر رَافع ثَوْبه يستره من الْحر حَتَّى رمى جَمْرَة الْعقبَة) . وَاحْتج بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور أَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وأصحابهم على اسْتِمْرَار التَّلْبِيَة إِلَى حِين رمى جَمْرَة الْعقبَة على مَا ذَكرْنَاهُ فِيمَا مضى مفصلا، وروى سعيد بن مَنْصُور من طَرِيق ابْن عَبَّاس، قَالَ: حججْت مَعَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِحْدَى عشرَة حجَّة، فَكَانَ يُلَبِّي حَتَّى يَرْمِي الْجَمْرَة. وَذكر الطَّحَاوِيّ أَن الْإِجْمَاع وَقع من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ على أَن التَّلْبِيَة لَا تقع إلَاّ مَعَ رمي جَمْرَة الْعقبَة، أما مَعَ أول حَصَاة، أَو بعد تَمامهَا على اخْتِلَاف فِيهِ. وَدَلِيل الْإِجْمَاع أَن عمر بن الْخطاب كَانَ يُلَبِّي غَدَاة الْمزْدَلِفَة بِحُضُور مَلأ من الصَّحَابَة وَغَيرهم، فَلم يُنكر عَلَيْهِ أحد مِنْهُم بذلك،

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَشْرِقْ ثَبِيرُ لَعَلَّنَا نُغِيرُ قَالَ الطَّبَرِيُّ: مَعْنَاهُ كَيْمَا نَدْفَعُ لِلنَّحْرِ وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ أَغَارَ الْفَرَسُ إِذَا أَسْرَعَ فِي عَدْوِهِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِسُكُونِ الرَّاءِ فِي (ثَبِيرُ) وَفِي (نُغِيرُ) لِإِرَادَةِ السَّجْعِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ) الْإِفَاضَةُ: الدَّفْعَةُ، قَالَهُ الْأَصْمَعِيُّ، وَمِنْهُ أَفَاضَ الْقَوْمُ فِي الْحَدِيثِ إِذَا دَفَعُوا فِيهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ أَفَاضَ عُمَرَ، فَيَكُونَ انْتِهَاءُ حَدِيثِهِ مَا قَبْلَ هَذَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ أَفَاضَ النَّبِيَّ لِعَطْفِهِ عَلَى قَوْلِهِ خَالَفَهُمْ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ شُعْبَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ فَأَفَاضَ وَفِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ فَخَالَفَهُمُ النَّبِيُّ فَأَفَاضَ وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ زَكَرِيَّا، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ بِسَنَدِهِ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ لَا يَنْفِرُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَرِهَ ذَلِكَ فَنَفَرَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.

وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ فَدَفَعَ لِقَدْرِ صَلَاةِ الْقَوْمِ الْمُسْفِرِينَ لِصَلَاةِ الْغَدَاةِ وَأَوْضَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ عِنْدَ مُسْلِمٍ ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي ذَلِكَ وَصَنِيعُ عُثْمَانَ بِمَا يُوَافِقُهُ، وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ سَأَلْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ: مَتَى دَفَعَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ جَمْعٍ؟ قَالَ: كَانْصِرَافِ الْقَوْمِ الْمُسْفِرِينَ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ: لَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ بِالْمُزْدَلِفَةِ غَدَا فَوَقَفَ عَلَى قُزَحَ وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ ثُمَّ قَالَ: هَذَا الْمَوْقِفُ وَكُلُّ الْمُزْدَلِفَةِ مَوْقِفٌ. حَتَّى إِذَا أَسْفَرَ دَفَعَ. وَأَصْلُهُ فِي التِّرْمِذِيِّ دُونَ قَوْلِهِ حَتَّى إِذَا أَسْفَرَ وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ، وَالطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ حَتَّى إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَكَانَتْ عَلَى رُءوسِ الْجِبَالِ كَأَنَّهَا الْعَمَائِمُ عَلَى رُءوسِ الرِّجَالِ دَفَعُوا، فَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ حِينَ أَسْفَرَ كُلُّ شَيْءٍ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ. وَلِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ حَدِيثِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ نَحْوُهُ.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضْلُ الدَّفْعِ مِنَ الْمَوْقِفِ بِالْمُزْدَلِفَةِ عِنْدَ الْإِسْفَارِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِيمَنْ دَفَعَ قَبْلَ الْفَجْرِ. وَنَقَلَ الطَّبَرِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَقِفْ فِيهِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَاتَهُ الْوُقُوفُ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَكَانَ الشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْأَخْبَارِ، وَكَانَ مَالِكٌ يَرَى أَنْ يَدْفَعَ قَبْلَ الْإسْفَارِ، وَاحْتَجَّ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بِأَنَّ النَّبِيَّ لَمْ يُعَجِّلِ الصَّلَاةَ مُغَلِّسًا إِلَّا لِيَدْفَعَ قَبْلَ الشَّمْسِ، فَكُلُّ مَنْ بَعُدَ دَفْعُهُ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ كَانَ أَوْلَى.

١٠١ - بَاب التَّلْبِيَةِ وَالتَّكْبِيرِ غَدَاةَ النَّحْرِ حِينَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ، وَالِارْتِدَافِ فِي السَّيْرِ

١٦٨٥ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ أَرْدَفَ الْفَضْلَ، فَأَخْبَرَ الْفَضْلُ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ.

١٦٨٦، ١٦٨٧ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ الْأَيْلِيِّ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ أَرْدَفَ الْفَضْلَ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى، قَالَ: فَكِلَاهُمَا قَالَا: لَمْ يَزَلْ النَّبِيُّ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ التَّلْبِيَةِ وَالتَّكْبِيرِ غَدَاةَ النَّحْرِ حَتَّى يَرْمِيَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ حِينَ يَرْمِي وَهُوَ أَصْوَبُ. قَالَ

الْكِرْمَانِيُّ: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ التَّكْبِيرِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَشَارَ إِلَى الذِّكْرِ الَّذِي فِي خِلَالِ التَّلْبِيَةِ وَأَرَادَ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ حِينَئِذٍ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَمْ يَزَلْ يَدُلُّ عَلَى إِدَامَةِ التَّلْبِيَةِ وَإِدَامَتُهَا تَدُلُّ عَلَى تَرْكِ مَا عَدَاهَا أَوْ هُوَ مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثٍ فِيهِ ذِكْرُ التَّكْبِيرِ. انْتَهَى.

وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُ فَعِنْدَ أَحْمَدَ، وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، والطَّحَاوِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فَمَا تَرَكَ التَّلْبِيَةَ حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ إِلَّا أَنْ يَخْلِطَهَا بِتَكْبِيرٍ.

قَوْلُهُ: (فَأَخْبَرَ الْفَضْلُ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ فَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ الْفَضْلَ أَخْبَرَهُ.

قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ (فَكِلَاهُمَا) أَيِ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَفِي ذِكْرِ أُسَامَةَ إِشْكَالٌ لِمَا تَقَدَّمَ فِي: بَابُ النُّزُولِ بَيْنَ عَرَفَةَ وَجَمْعٍ أَنَّ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ أَنَّ أُسَامَةَ قَالَ وَانْطَلَقْتُ أَنَا فِي سُبَّاقِ قُرَيْشٍ عَلَى رِجْلَيَّ لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُونَ أُسَامَةُ سَبَقَ إِلَى رَمْيِ الْجَمْرَةِ فَيَكُونَ إِخْبَارُهُ بِمِثْلِ مَا أَخْبَرَ بِهِ الْفَضْلُ مِنَ التَّلْبِيَةِ مُرْسَلًا، لَكِنْ لَا مَانِعَ أَنَّهُ يَرْجِعُ مَعَ النَّبِيِّ إِلَى الْجَمْرَةِ أَوْ يُقِيمُ بِهَا حَتَّى يَأْتِيَ النَّبِيُّ . وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَمِّ الْحُصَيْنِ قَالَتْ: فَرَأَيْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَبِلَالًا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَةِ النَّبِيِّ وَالْآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ يَسْتُرُهُ مِنَ الْحَرِّ حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ.

(تَنْبِيهٌ): زَادَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الْفَضْلِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: فَرَمَاهَا سَبْعَ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ. وَسَيَأْتِي هَذَا الْحُكْمُ بَعْدَ نَيِّفٍ وَثَلَاثِينَ بَابًا.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ التَّلْبِيَةَ تَسْتَمِرُّ إِلَى رَمْيِ الْجَمْرَةِ يَوْمَ النَّحْرِ وَبَعْدَهَا يَشْرَعُ الْحَاجُّ فِي التَّحَلُّلِ. وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ التَّلْبِيَةُ شِعَارُ الْحَجِّ فَإِنْ كُنْتَ حَاجًّا فَلَبِّ حَتَّى بَدْءِ حِلِّكَ، وَبَدْءُ حَلِّكَ أَنْ تَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ حَجَجْتُ مَعَ عُمَرَ إِحْدَى عَشْرَةَ حِجَّةً وَكَانَ يُلَبِّي حَتَّى يَرْمِيَ الْجَمْرَةَ وَبِاسْتِمْرَارِهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ وَأَتْبَاعُهُمْ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَقْطَعُ الْمُحْرِمُ التَّلْبِيَةَ إِذَا دَخَلَ الْحَرَمَ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ لَكِنْ كَانَ يُعَاوِدُ التَّلْبِيَةَ إِذَا خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى عَرَفَةَ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَقْطَعُهَا إِذَا رَاحَ إِلَى الْمَوْقِفِ رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْ عَائِشَةَ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَلِيٍّ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَقَيَّدَهُ بِزَوَالِ الشَّمْسِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مِثْلُهُ لَكِنْ قَالَ إِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ.

وَقَدْ رَوَى الطَّحَاوِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ حَجَجْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ فَلَمَّا أَفَاضَ إِلَى جَمْعٍ جَعَلَ يُلَبِّي فَقَالَ رَجُلٌ: أَعْرَابِيٌّ هَذَا؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَنَسِيَ النَّاسُ أَمْ ضَلُّوا وَأَشَارَ الطَّحَاوِيُّ إِلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ تَرْكُ التَّلْبِيَةِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ أَنَّهُ تَرَكَهَا لِلِاشْتِغَالِ بِغَيْرِهَا مِنَ الذِّكْرِ لَا عَلَى أَنَّهَا لَا تُشْرَعُ وَجَمَعَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا اخْتَلَفَ مِنَ الْآثَارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا هَلْ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَعَ رَمْيِ أَوَّلِ حَصَاةٍ أَوْ عِنْدَ تَمَامِ الرَّمْيِ؟ فَذَهَبَ إِلَى الْأَوَّلِ الْجُمْهُورُ، وَإِلَى الثَّانِي أَحْمَدُ وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَيَدُلُّ لَهُمْ مَا رَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الْفَضْلِ قَالَ: أَفَضْتُ مَعَ النَّبِيِّ مِنْ عَرَفَاتٍ فَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ ثُمَّ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ مَعَ آخِرِ حَصَاةٍ: قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُفَسِّرٌ لِمَا أُبْهِمَ فِي الرِّوَايَاتِ الْأُخْرَى وَأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ أَيْ أَتَمَّ رَمْيَهَا.

١٠٢ - بَاب ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(وَأَنَّ النَّبِيَّ ) بفتح همزة «أَنَّ» وفي بعض النُّسخ: بكسرها (خَالَفَهُمْ) فأفاض حين أسفر قبل طلوع الشَّمس (ثُمَّ أَفَاضَ) أي: النَّبيُّ ، أو ابن مسعودٍ (١)، والمعتمد الأوَّل لعطفه على قوله: «خالفهم»، وفي حديث جابرٍ الطَّويل عند مسلمٍ: فلم يزل واقفًا؛ أي (٢): عند المشعر الحرام حتَّى أسفر جدًّا فدفع (قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ) ولابن خزيمة عن ابن عبَّاسٍ: فدفع رسول الله حين أسفر كلُّ شيءٍ قبل أن تطلع الشَّمس، وهذا مذهب الشَّافعيِّ والجمهور، وقال مالكٌ في «المُدونَّة»: ولا يقف أحدٌ به، أي: بالمشعر الحرام إلى طلوع الفجر والإسفار، ولكن يدفع قبل ذلك، وإذا أسفر ولم يدفع الإمام دفع النَّاس وتركوه، واحتجَّ له بعض أصحابه بأنَّ النَّبيَّ (٣) لم يعجِّل الصَّلاة مغلسًا إلَّا ليدفع قبل الشَّمس، فكلَّما بَعُد دفعه من طلوع الشَّمس كان أَولى، وهذا موضع التَّرجمة.

(١٠١) (بابُ التَّلْبِيَةِ وَالتَّكْبِيرِ غَدَاةَ النَّحْرِ حِينَ يَرْمِي الجَمْرَةَ) أي: الكبرى، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «حتَّى» قال في «الفتح»: وهو (٤) أصوب (وَالاِرْتِدَافِ) بالجرِّ عطفًا على المجرور السَّابق؛ وهو الرُّكوب خلف الرَّاكب (فِي السَّيْرِ) من المزدلفة إلى منًى.

١٦٨٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم واللَّام بينهما معجمةٌ ساكنةٌ النَّبيل البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز الأمويُّ (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) عبد الله (: أَنَّ النَّبِيَّ) ولأبي الوقت: «أنَّ رسول الله» ( أَرْدَفَ الفَضْلَ) بن العبَّاس من المزدلفة إلى منًى (فَأَخْبَرَ الفَضْلُ) أخاه عبد الله (أَنَّهُ) (لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى الجَمْرَةَ) الكبرى؛ وهي جمرة العقبة.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

من الإغارة أَي: كَيْمَا ندفع ونفيض للنحر وَغَيره، وَذَلِكَ من قَوْلهم: أغار الْفرس إغارة الثَّعْلَب، وَذَلِكَ إِذا دفع وأسرع فِي دَفعه. وَقَالَ ابْن التِّين: وَضَبطه بَعضهم بِسُكُون الرَّاء فِي ثبير ونغير لإِرَادَة السجع. قلت: لِأَنَّهُ من محسنات الْكَلَام. قَوْله: (ثمَّ أَفَاضَ) ، يحْتَمل أَن يكون فَاعله عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَوَجهه أَن يكون: ثمَّ أَفَاضَ عطفا على قَوْله: (إِن الْمُشْركين لَا يفيضون حَتَّى تطلع الشَّمْس) وَفِيه بعد، وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ التَّرْكِيب أَن فَاعله هُوَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَنَّهُ عطف على قَوْله: (خالفهم) وَيُؤَيّد هَذَا مَا وَقع فِي رِوَايَة أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن شُعْبَة عِنْد التِّرْمِذِيّ: (فَأَفَاضَ) ، بِالْفَاءِ وَفِي رِوَايَة الثَّوْريّ: (فخالفهم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأَفَاضَ) ، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ من طَرِيق زَكَرِيَّا عَن أبي إِسْحَاق بِسَنَدِهِ: (كَانَ الْمُشْركُونَ لَا ينفرون حَتَّى تطلع الشَّمْس، وَأَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كره ذَلِك فنفر قبل طُلُوع الشَّمْس) ، وَله من رِوَايَة إِسْرَائِيل: فَدفع بِقدر صَلَاة الْقَوْم المسفرين لصَلَاة الْغَدَاة، وَأظْهر من ذَلِك وَأقوى للدلالة على أَنه النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر الطَّوِيل، وَفِيه: (ثمَّ ركب الْقَصْوَاء حَتَّى أَتَى الْمشعر الْحَرَام فَاسْتقْبل الْقبْلَة، فَدَعَا الله وَكبره وَهَلله وَوَحدهُ، فَلم يزل وَاقِفًا حَتَّى أَسْفر جدا فَدفع قبل أَن تطلع الشَّمْس) .

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: الْوُقُوف بِمُزْدَلِفَة، وَقد ذكرنَا أَنه إِذا ترك الْوُقُوف بهَا بعد الصُّبْح من غير عذر فَعَلَيهِ دم، وَإِن كَانَ بِعُذْر الزحام فتعجل السّير إِلَى منى فَلَا شَيْء عَلَيْهِ. وَفِيه: الْإِفَاضَة قبل طُلُوع الشَّمْس من يَوْم النَّحْر، وَاخْتلفُوا فِي الْوَقْت الْأَفْضَل للإفاضة، فَذهب الشَّافِعِي إِلَى أَنه إِنَّمَا يسْتَحبّ بعد كَمَال الْإِسْفَار، وَهُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور لحَدِيث جَابر الطَّوِيل. وَفِيه: (فَلم يزل وَاقِفًا حَتَّى أَسْفر جدا فَدفع قبل أَن تطلع الشَّمْس) ، وَذهب مَالك إِلَى اسْتِحْبَاب الْإِفَاضَة من الْمزْدَلِفَة قبل الْأَسْفَار) ، والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ، وروى ابْن خُزَيْمَة والطبري من طَرِيق عِكْرِمَة (عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يقفون بِالْمُزْدَلِفَةِ حَتَّى إِذا طلعت الشَّمْس فَكَانَت على رُؤُوس الْجبَال كَأَنَّهَا العمائم على رُؤُوس الرِّجَال دفعُوا فَدفع رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حِين أَسْفر كل شَيْء قبل أَن تطلع الشَّمْس) ، وروى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث الْمسور بن مخرمَة نَحوه.

١٠١ - (بابُ التَّلْبِيَةِ والتَّكْبِيرِ غَدَاةَ النَّحْرِ حِينَ يَرْمِي الجَمْرَةَ وَالارْتِدَافِ فِي السَّيْرِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التَّلْبِيَة وَالتَّكْبِير غَدَاة يَوْم النَّحْر حى يَرْمِي جَمْرَة الْعقبَة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (حَتَّى يَرْمِي جَمْرَة الْعقبَة) . قَوْله: (والارتداف) ، بِالْجَرِّ عطف على الْمَجْرُور فِيمَا قبله أَي: وَفِي بَيَان الإرتداف، وَهُوَ الرّكُوب خلف الرَّاكِب فِي السّير من مُزْدَلِفَة إِلَى منى، وَهَذِه التَّرْجَمَة مُشْتَمِلَة على ثَلَاثَة أَجزَاء: التَّلْبِيَة: وَهِي أَن يَقُول: لبيْك اللَّهُمَّ ... إِلَى آخِره، وَالتَّكْبِير: وَهُوَ أَن يكبر الله تَعَالَى، والارتداف: وَهُوَ الرّكُوب خلف الرَّاكِب. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَيْسَ فِي الحَدِيث ذكر التَّكْبِير، فَكيف دلَالَته عَلَيْهِ؟ ثمَّ أجَاب: بِأَن المُرَاد بِهِ الذّكر الَّذِي فِي خلال التَّلْبِيَة، وَهُوَ مُخْتَصر من الحَدِيث الَّذِي فِيهِ ذكر التَّكْبِير، أَو غَرَضه أَن يسْتَدلّ بِالْحَدِيثِ على أَن التَّكْبِير غير مَشْرُوع، إِذْ لفظ: (لم يزل) دَلِيل على إدامة التَّلْبِيَة. انْتهى. قلت: قَوْله: أَو غَرَضه ... إِلَى آخِره، فِيهِ بعد وَهُوَ عبارَة خشنة، وَالْجَوَاب الصَّحِيح فِيهِ: أَنه قد جرت عَادَة البُخَارِيّ أَنه إِذا ذكر تَرْجَمَة ذَات أَجزَاء وَلَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب، ذكر هَذِه الْأَجْزَاء كلهَا، وَلَكِن كَانَ حَدِيث آخر ذكر فِيهِ ذَلِك الْجُزْء الَّذِي لم يذكرهُ أَنه يُشِير إِلَيْهِ بِذكرِهِ فِي التَّرْجَمَة لينتهض الطَّالِب ويبحث عَنهُ، وَقد روى الطَّحَاوِيّ فَقَالَ: حَدثنَا فَهد، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن حميد الْكُوفِي، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن الْمُبَارك عَن الْحَارِث بن أبي ذئاب عَن مُجَاهِد (عَن عبد الله بن سَخْبَرَة، قَالَ: لبّى عبد الله وَهُوَ يتَوَجَّه فَقَالَ أنَاس: من هَذَا الْأَعرَابِي؟ فَالْتَفت إِلَيّ عبد الله فَقَالَ: ضلَّ الناسُ أم نسوا؟ وَالله مَا زَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُلَبِّي حَتَّى رمى جَمْرَة الْعقبَة إلَاّ أَن يخلط ذَلِك بتهليل أَو تَكْبِير) . وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث صَفْوَان بن عِيسَى: حَدثنَا الْحَارِث بن عبد الرَّحْمَن عَن مُجَاهِد عَن عبد الله بن سَخْبَرَة، قَالَ: غَدَوْت مَعَ عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ من منى إِلَى عَرَفَة، وَكَانَ رجلا آدم لَهُ ضفيرتان، عَلَيْهِ سحنة أهل الْبَادِيَة، وَكَانَ يُلَبِّي فَاجْتمع عَلَيْهِ الغوغاء، فَقَالُوا: يَا أَعْرَابِي، إِن هَذَا لَيْسَ بِيَوْم تَلْبِيَة إِنَّمَا هُوَ التَّكْبِير

فَالْتَفت إِلَيّ فَقَالَ: جهل النَّاس أم نسوا؟ وَالَّذِي بعث مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ، لقد خرجت مَعَه من منى إِلَى عَرَفَة فَمَا ترك التَّلْبِيَة حَتَّى رمى الْجَمْرَة إلَاّ أَن يخلطها بتكبير أَو تهليل.

٥٨٦١ - حدَّثنا أبُو عَاصِمٍ الضَّحاكُ بنُ مَخْلِدٍ قَالَ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ عَن عَطاءٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أرْدَفَ الْفَضلُ فأخْبرَ الفَضلُ أنَّهُ لَمْ يَزلْ يُلَبِّي حَتَّى رمَى الجَمْرَةَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي الجزءين مِنْهَا، وهما: الإرداف والتلبية، وَأما ذكر التَّكْبِير فِيهَا فَلَيْسَ لَهُ ذكر فِي هَذَا الحَدِيث، وَقد ذَكرْنَاهُ الْآن، وَقد ذكره البُخَارِيّ فِي: بَاب النُّزُول بَين عَرَفَة وَجمع. قَالَ كريب: فَأَخْبرنِي عبد الله بن عَبَّاس عَن الْفضل، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم يزل يُلَبِّي حَتَّى بلغ الْجَمْرَة. قَوْله: (فَأخْبر الْفضل) أَي: أخبر الْفضل ابْن عَبَّاس أَنه أَي: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق عِيسَى بن يُونُس عَن ابْن جريج عَن عَطاء: فَأَخْبرنِي ابْن عَبَّاس أَن الْفضل أخبرهُ، وَبَقِيَّة الْكَلَام قد مَضَت هُنَاكَ مستقصاة.

٧٨٦١ - حدَّثنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا وهْبُ بنُ جَرِيرٍ قَالَ حَدثنَا أبي عنْ يُونُسَ الأيْلِيِّ عنِ الزُهْرِيِّ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ أُسامَةَ بنَ زَيْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا كانَ رِدْفَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ عَرَفةَ إِلَى المُزْدَلِفةِ ثُمَّ أرْدَفَ الفَضْلَ مِنْ المُزْدَلِفةِ إِلَى مِنىً قَالَ فكِلاهُما قالَا لَمْ يَزلِ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي الإرداف والتلبية إِلَى رمي جَمْرَة الْعقبَة، وَهَذَا طَرِيق ثَان لحَدِيث ابْن عَبَّاس السَّابِق أخرجه عَن زُهَيْر، مصغر الزهر: ابْن حَرْب ضد الصُّلْح النَّسَائِيّ، بالنُّون وبالسين الْمُهْملَة، مَاتَ بِبَغْدَاد سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وروى عَنهُ مُسلم أَيْضا، ووهب بن جرير، بِفَتْح الْجِيم وَكسر الرَّاء: أَبُو الْعَبَّاس، وَهُوَ يروي عَن أَبِيه جرير بن حَازِم بن زيد أَبُو النَّضر الْبَصْرِيّ، وَيُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي، وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب، وَعبيد الله، بِضَم الْعين: ابْن عبد الله، بِالْفَتْح: ابْن عتبَة بن مَسْعُود أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة.

وَفِي هَذَا السَّنَد رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ. وَفِيه: ثَلَاثَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، يروي أحدهم وَهُوَ ابْن عَبَّاس عَن الآخرين وهما أُسَامَة بن زيد وَالْفضل بن عَبَّاس، وَهُوَ معنى قَوْله: (قَالَ فكلاهما قَالَا) أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس: فكلاهما، أَي: أُسَامَة وَالْفضل، قَالَا: لم يزل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُلَبِّي فِي أَوْقَات حجه حَتَّى رمى أَي: إِلَى أَن رمى جَمْرَة الْعقبَة يَوْم النَّحْر. فَإِن قلت: ذكر أُسَامَة فِي هَذَا فِيهِ إِشْكَال لِأَن مُسلما روى هَذَا الحَدِيث من رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن عقبَة قَالَ: (أَخْبرنِي كريب أَنه سَأَلَ أُسَامَة بن زيد: كَيفَ صَنَعْتُم حِين ردفت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَشِيَّة عَرَفَة؟) الحَدِيث بِطُولِهِ، وَفِيه: (حَتَّى جِئْنَا الْمزْدَلِفَة فَأَقَامَ الْمغرب ثمَّ أَنَاخَ النَّاس فِي مَنَازِلهمْ وَلم يحلوا حَتَّى أَقَامَ الْعشَاء الْآخِرَة فصلى ثمَّ حلوا، قلت: وَكَيف فَعلْتُمْ حِين أَصْبَحْتُم؟ قَالَ: ردفه الْفضل بن الْعَبَّاس وَانْطَلَقت أَنا فِي سباق قُرَيْش على رحلي) . فَمُقْتَضى هَذَا أَن يكون أُسَامَة قد سبق إِلَى رمي الْجَمْرَة، فَيكون إخْبَاره بِمثل مَا أخبر بِهِ الْفضل من التَّلْبِيَة مُرْسلا قلت: لَا مَانع من رُجُوعه إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وإتيانه مَعَه إِلَى الْجَمْرَة، أَو أَقَامَ بالجمرة حَتَّى أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ مُسلم أَيْضا من حَدِيث أم الْحصين، قَالَت: (فَرَأَيْت أُسَامَة بن زيد وبلالاً فِي حجَّة الْوَدَاع، وَأَحَدهمَا آخذ بِخِطَام نَاقَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالْآخر رَافع ثَوْبه يستره من الْحر حَتَّى رمى جَمْرَة الْعقبَة) . وَاحْتج بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور أَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وأصحابهم على اسْتِمْرَار التَّلْبِيَة إِلَى حِين رمى جَمْرَة الْعقبَة على مَا ذَكرْنَاهُ فِيمَا مضى مفصلا، وروى سعيد بن مَنْصُور من طَرِيق ابْن عَبَّاس، قَالَ: حججْت مَعَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِحْدَى عشرَة حجَّة، فَكَانَ يُلَبِّي حَتَّى يَرْمِي الْجَمْرَة. وَذكر الطَّحَاوِيّ أَن الْإِجْمَاع وَقع من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ على أَن التَّلْبِيَة لَا تقع إلَاّ مَعَ رمي جَمْرَة الْعقبَة، أما مَعَ أول حَصَاة، أَو بعد تَمامهَا على اخْتِلَاف فِيهِ. وَدَلِيل الْإِجْمَاع أَن عمر بن الْخطاب كَانَ يُلَبِّي غَدَاة الْمزْدَلِفَة بِحُضُور مَلأ من الصَّحَابَة وَغَيرهم، فَلم يُنكر عَلَيْهِ أحد مِنْهُم بذلك،

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 4.1 / 29.5
الإضاءة 18%
البدر بعد 11 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله