«فَتَلْتُ لِهَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ، تَعْنِي الْقَلَائِدَ، قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ.»…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٧٠٤

الحديث رقم ١٧٠٤ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب تقليد الغنم.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «فتلت لهدي النبي ﷺ، تعني القلائد، قبل أن…

«فَتَلْتُ لِهَدْيِ النَّبِيِّ ، تَعْنِي الْقَلَائِدَ، قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ.»

بَابُ الْقَلَائِدِ مِنَ الْعِهْنِ

سند حديث: ١٧٠٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا…

١٧٠٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

شرح حديث: «فتلت لهدي النبي ﷺ، تعني القلائد، قبل أن…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

نُحِر الهدي» لأنَّ ذلك إنَّما يكون في البدن، وإنَّما «الغنم» في رواية الأسود هذه، ولانفراده بها نزلت على حذف مضافٍ، أي: من صوف الغنم؛ كما قال في الأخرى [خ¦١٧٠٥]: «من عِهْنٍ» والعِهْن: الصُّوف، لكن جاء في بعض روايات حديث الأسود هذا [خ¦١٧٠٢]: «كنَّا نقلِّد الشَّاة» وهذا يرفع التَّأويل. انتهى. قال أبو عبد الله الأُبِّيُّ: وأحاديث الباب ظاهرةٌ (١) في تقليد الغنم. انتهى. وقال المنذريُّ: والإعلال بتفرُّد الأسود عن عائشة ليس بعلَّةٍ لأنَّه ثقةٌ حافظٌ لا يضرُّه التَّفرُّد، وقد وقع الاتِّفاق على أنَّها لا تُشعَر لضعفها، ولأنَّ الإشعار لا يظهر فيها لكثرة شعرها وصوفها، فتُقلَّد بما لا يضعفها كالخيوط المفتولة ونحوها.

١٧٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) المذكور (٢) قال: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ (٣)) ابن أبي زائدة (عَنْ عَامِرٍ) هو الشَّعبيُّ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: فَتَلْتُ لِهَدْيِ النَّبِيِّ -تَعْنِي) عائشة: (القَلَائِدَ- قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ) ولفظ: «الهدي» شاملٌ للغنم وغيرها، فالغنم فرد من أفراد ما يُهدَى، وقد ثبت أنَّه أهدى الإبل وأهدى البقر، فمن ادَّعى اختصاص الإبل بالتَّقليد فعليه البيان.

(١١١) (بابُ القَلَائِدِ مِنَ العِهْنِ) بكسر العين وسكون الهاء آخره نونٌ: الصُّوف أو المصبوغ ألوانًا أو الأحمر.

١٧٠٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بسكون الميم بعد فتح العين ابن بحرٍ الصَّيرفيُّ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

عشر طَرِيقا كلهَا فِي بَيَان حجَّة من قَالَ: لَا يجب على من بعث بِهَدي أَن يتجرد عَن ثِيَابه وَلَا يتْرك شَيْء مِمَّا يتْركهُ الْمحرم إلَاّ بِدُخُولِهِ فِي الْإِحْرَام، إِمَّا بِحَجّ وَإِمَّا بِعُمْرَة، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ مستقصىً فِي: بَاب من أشعر وقلد بِذِي الحليفة، وَقد ذكرنَا أَنهم ردوا قَول ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِيمَا ذهب إِلَيْهِ من قَوْله: (إِن من بعث بهديه إِلَى مَكَّة وَأقَام هُوَ، فَإِنَّهُ يلْزمه أَن يجْتَنب مَا يجتنبه الْمحرم حَتَّى ينْحَر هَدْيه) . وَقَالَ ابْن التِّين: خَالف ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي هَذَا جَمِيع الْفُقَهَاء، واحتجت عَائِشَة بِفعل رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَمَا روته فِي ذَلِك يجب أَن يُصَار إِلَيْهِ، وَلَعَلَّ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَجَعَ عَنهُ. انْتهى قلت: ابْن عَبَّاس لم ينْفَرد بذلك، بل ثَبت ذَلِك عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. مِنْهُم: ابْن عمر رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن ابْن علية عَن أَيُّوب وَابْن الْمُنْذر من طَرِيق ابْن جريج عَن نَافِع عَن ابْن عمر، كَانَ إِذا بعث بِالْهَدْي يمسك عَمَّا يمسك عَنهُ الْمحرم إلَاّ أَنه لَا يُلَبِّي. وَمِنْهُم: قيس بن سعد بن عبَادَة، أخرج سعيد بن مَنْصُور من طَرِيق سعيد بن الْمسيب عَنهُ نَحْو ذَلِك. وروى ابْن أبي شيبَة من طَرِيق مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن عَن عمر، وَعلي رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّهُمَا قَالَا فِي الرجل يُرْسل ببدنته: إِنَّه يمسك عَمَّا يمسك عَنهُ الْمحرم، وَهَذَا مُنْقَطع. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا وَجه رد عَائِشَة على ابْن عَبَّاس؟ قلت: حَاصله أَن ابْن عَبَّاس قَالَ ذَلِك قِيَاسا للتوكيل فِي أَمر الْهَدْي على الْمُبَاشرَة لَهُ، فَقَالَت لَهُ عَائِشَة: لَا اعْتِبَار للْقِيَاس فِي مُقَابلَة السّنة الظَّاهِرَة. انْتهى. قلت: لَا نسلم أَن ابْن عَبَّاس قَالَ ذَلِك، قِيَاسا، بل الظَّاهِر أَنه إِنَّمَا قَالَه لقِيَام دَلِيل من السّنة عِنْده، وَلم يقل ابْن عَبَّاس هَذَا وَحده، كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن، ألَا يرى أَن جمَاعَة من التَّابِعين وهم: الشّعبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَمُحَمّد بن سِيرِين وَمُجاهد وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَسَعِيد بن جُبَير وافقوا ابْن عَبَّاس فِيمَا ذهب إِلَيْهِ من ذَلِك؟ وَاحْتج لَهُم الطَّحَاوِيّ فِي ذَلِك من حَدِيث جَابر بن عبد الله، قَالَ: كنت عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جَالِسا فقد قَمِيصه حَتَّى أخرجه من رجلَيْهِ، فَنظر الْقَوْم إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: إِنِّي أمرت ببدني الَّتِي بعثت بهَا أَن تقلد الْيَوْم وتشعر على مَكَان كَذَا وَكَذَا، فَلبِست قَمِيصِي ونسيت، فَلم أكن لأخرج قَمِيصِي من رَأْسِي، وَكَانَ بعث ببدنة وَأقَام بِالْمَدِينَةِ، وَإِسْنَاده حسن، وَأخرجه أَبُو عمر أَيْضا.

وَفِي هَذَا الحَدِيث من الْفَوَائِد: تنَاول الْكَبِير الشَّيْء بِنَفسِهِ، وَإِن كَانَ لَهُ من يَكْفِيهِ إِذا كَانَ مِمَّا يهتم بِهِ، وَلَا سِيمَا مَا كَانَ من إِقَامَة الشَّرَائِع وَأُمُور الدّيانَة. وَفِيه: رد بعض الْعلمَاء على بعض. وَفِيه: رد الِاجْتِهَاد بِالنَّصِّ. وَفِيه: أَن الأَصْل فِي أَفعَال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم التأسي حَتَّى تثبت الخصوصية.

٠١١ - (بابُ تَقْلِيدِ الْغَنَمِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَقْلِيد الْغنم.

١٠٧١ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا الأعْمَشُ عنْ إبْراهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ أهْدَي النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَرَّةً غنَما..

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن من لَوَازِم الْهَدْي التَّقْلِيد شرعا، وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالْأسود ابْن يزِيد.

وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن يحيى بن يحيى وَأبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي كريب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن هناد عَن وَكِيع. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن هناد وَعَن ابْن بشار وَعَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن ابْن أبي شيبَة وَعَن عَليّ بن مُحَمَّد. وَاحْتج الشَّافِعِي بِهَذَا الحَدِيث على أَن الْغنم تقلد، وَبِه قَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَابْن حبيب، وَقَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة: لَا تقلد لِأَنَّهَا تضعف عَن التَّقْلِيد. وَقَالَ أَبُو عمر: احْتج من لم يره بِأَن الشَّارِع إِنَّمَا حج حجَّة وَاحِدَة لم يهد فِيهَا غنما، وأنكروا حَدِيث الْأسود الَّذِي فِي البُخَارِيّ فِي تَقْلِيد الْغنم، قَالُوا هُوَ حَدِيث لَا يعرفهُ أهل بَيت عَائِشَة. وَقَالَ بَعضهم: مَا أَدْرِي مَا وَجه الْحجَّة مِنْهُ، لِأَن حَدِيث الْبَاب دلّ على أَنه أرسلها وَأقَام، فَكَانَ ذَلِك قبل حجَّته قطعا، فَلَا تعَارض بَين الْفِعْل وَالتّرْك، لِأَن مُجَرّد التّرْك لَا يدل على نسخ الْجَوَاز، ثمَّ من الَّذِي صرح بِهِ من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، بِأَنَّهُ لم يكن فِي هداياه فِي حجَّته غنم حَتَّى يسوغ الِاحْتِجَاج بذلك؟ انْتهى قلت: الْهَدْي الَّذِي أرسل بِهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْغنم

لَيْسَ هدي الْإِحْرَام، وَلِهَذَا أَقَامَ حَلَالا بعد إرْسَاله، وَلم ينْقل أَنه أهْدى غنما فِي إِحْرَامه. وَقَوله: فَلَا تعَارض بَين الْفِعْل وَالتّرْك كَلَام واهٍ، لِأَن من ادّعى التَّعَارُض بَينهمَا والتعارض تقَابل الحجتين، وَهَهُنَا الْفِعْل لم يُوجد، فَكيف يتَصَوَّر التَّعَارُض حَتَّى يحْتَاج إِلَى دَفعه. وَقَوله: ثمَّ من الَّذِي صرح من الصَّحَابَة ... إِلَى آخِره، يرد بِأَن يُقَال من الَّذِي صرح مِنْهُم بِأَنَّهُ كَانَ فِي هداياه فِي حجَّته غنم. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَالْحَنَفِيَّة فِي الأَصْل يَقُولُونَ لَيست الْغنم من الْهَدْي، فَالْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِم. قلت: هَذَا افتراء على الْحَنَفِيَّة، فَفِي أَي مَوضِع قَالَت الْحَنَفِيَّة: إِن الْغنم لَيست من الْهَدْي؟ بل كتبهمْ مشحونه بِأَن الْهَدْي اسْم لما يهدى من الْغنم إِلَى الْحرم ليتقرب بِهِ. قَالُوا: وَأَدْنَاهُ شَاة، لقَوْل ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: مَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي شَاة، وَعَن هَذَا قَالُوا: الْهَدْي إبل وبقر وغنم، ذكورها وإناثها، حَتَّى قَالُوا هَذَا بِالْإِجْمَاع، وَإِنَّمَا مَذْهَبهم أَن التَّقْلِيد فِي الْبَدنَة وَالْغنم لَيست من الْبَدنَة فَلَا تقلد لعدم التعارف بتقليدها، إِذْ لَو كَانَ تقليدها سنة لما تركوها، وَقَالُوا فِي الحَدِيث الْمَذْكُور: تفرد بِهِ الْأسود وَلم يذكرهُ غَيره على مَا ذكرنَا، وَادّعى صَاحب الْمَبْسُوط أَنه أثر شَاذ. فَإِن قلت: كَيفَ يُقَال: تركوها؟ وَقد ذكر ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) أَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: لقد رَأَيْت الْغنم يُؤْتى بهَا مقلدة؟ وَعَن أبي جَعْفَر: رَأَيْت الكباش مقلدة، وَعَن عبد الله بن عبيد بن عُمَيْر: أَن الشَّاة كَانَت تقلد، وَعَن عَطاء: رَأَيْت أُنَاسًا من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، يسوقون الْغنم مقلدة؟ قلت: لَيْسَ فِي ذَلِك كُله أَن التَّقْلِيد كَانَ فِي الْغنم الَّتِي سيقت فِي الْإِحْرَام، وَأَن أَصْحَابهَا كَانُوا محرمين، على أنَّا نقُول: إِنَّهُم مَا منعُوا الْجَوَاز، وَإِنَّمَا قَالُوا بِأَن التَّقْلِيد فِي الْغنم لَيْسَ بِسنة.

٢٠٧١ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ حدَّثنا الأعْمَشُ قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ عنِ الأسْوَدِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا قالَتْ كُنْتُ أفْتِلُ الْقَلائِدَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَيُقَلِّدُ الْغَنَمَ ويُقِيمُ فِي أهْلِهِ حَلَالاً..

هَذَا طَرِيق آخر للْحَدِيث الْمَذْكُور عَن أبي النُّعْمَان، بِضَم النُّون، وَهُوَ مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي عَن عبد الْوَاحِد بن زِيَاد، وَإِنَّمَا أرْدف الطَّرِيق السَّابِق بِهَذَا الطَّرِيق لِأَن فِيهِ تَصْرِيح الْأَعْمَش بِالتَّحْدِيثِ عَن إِبْرَاهِيم. وَفِي هَذَا الطَّرِيق أَيْضا زِيَادَة، وَهُوَ التَّقْلِيد، وَذكر إِقَامَته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي أَهله حَلَالا، وللحنفية أَن يحتجوا بِالزِّيَادَةِ الثَّانِيَة فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ من أَن تَقْلِيد الْغنم إِنَّمَا يكون إِذا كَانَ فِي الأحرام.

٣٠٧١ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا حَمَّادٌ قَالَ حدَّثنا منْصُورُ بنُ المُعْتَمِرِ قَالَ (ح) وحدَّثنا محَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخبرنَا سُفْيانُ عنْ مَنْصُورٍ عنْ إبْرَاهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ كنْتُ أفْتِلُ قَلائِدَ الْغَنَمُ لِلنَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فيَبْعَثُ بِهَا ثُمَّ يَمْكُثُ حَلَالاً..

هَذَانِ طَرِيقَانِ آخرَانِ: أَحدهمَا: عَن أبي النُّعْمَان الْمَذْكُور عَن حَمَّاد بن زيد عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر عَن إِبْرَاهِيم عَن الْأسود عَن عَائِشَة، وَالْآخر: عَن مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر عَن إِبْرَاهِيم.

وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن بنْدَار عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم عَن الْأسود عَن عَائِشَة، قَالَت: كنت أفتل قلائد هدي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كلهَا غنما، ثمَّ لَا يحرم. وَقَالَ بَعضهم: أرْدف رِوَايَة عبد الْوَاحِد بِرِوَايَة مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم استظهارا لرِوَايَة عبد الْوَاحِد، لما فِي حفظ عبد الْوَاحِد عِنْدهم، وَأَن كَانَ هُوَ عِنْده حجَّة.

٤٠٧١ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عَامِرٍ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ فتَلْتُ لِهَدْيِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَعْنِي الْقَلائِدَ قَبْلَ أنْ يُحْرِمَ..

هَذَا طَرِيق آخر لحَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور عَن أبي نعيم الْفضل بن دُكَيْن عَن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة عَن عَامر الشّعبِيّ عَن مَسْرُوق بن الأجدع عَنْهَا.

وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الضَّحَايَا عَن أَحْمد بن مُحَمَّد عَن عبد الله بن الْمُبَارك عَن إِسْمَاعِيل عَن

الشّعبِيّ، وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن سعيد بن مَنْصُور عَن هشيم عَن إِسْمَاعِيل بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير عَن أَبِيه عَن زَكَرِيَّا بِهِ، وَعَن أبي مُوسَى عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَن دَاوُد بن أبي هِنْد عَن الشّعبِيّ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن عَليّ عَن يحيى عَن إِسْمَاعِيل بِهِ. فَإِن قلت: هَذَا الحَدِيث لَا يدل ظَاهرا على كَون القلائد للغنم، فَلَا يُطَابق التَّرْجَمَة؟ قلت: لفظ الْهَدْي يتَنَاوَل الْغنم أَيْضا لِأَنَّهُ فَرد من أَفْرَاد مَا يهدى إِلَى الْحرم، وَأَيْضًا إرداف هَذَا الحَدِيث بِالْحَدِيثين السَّابِقين يدل على أَنه مثلهمَا فِي حكم تَقْلِيد الْغنم.

١١١ - (بابُ الْقَلائِدِ مِنَ الْعِهْنِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم القلائد من العهن، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْهَاء وَفِي آخِره نون: وَهُوَ الصُّوف الْمَصْبُوغ ألوانا. وَيُقَال: كل صوف عهن، والقطعة مِنْهُ عهنة، وَالْجمع عهون، ذكره فِي (الموعب) وَفِي (الْمُحكم) : الْمَصْبُوغ أَي لون كَانَ، وَقَالَ ابْن قرقول: هُوَ الْأَحْمَر من الصُّوف.

٥٠٧١ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَلِيٍّ قَالَ حدَّثنا مُعاذُ بنُ مُعَاذٍ قَالَ حدَّثنا ابنُ عَوْنٍ عنِ الْقَاسِمِ عنْ أمِّ المُؤمِنِينَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ فَتَلْتُ قَلائِدَه مِنْ عِهْنٍ كانَ عِنْدِي..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعَمْرو بن عَليّ بن كثير أَبُو حَفْص الصَّيْرَفِي الْبَصْرِيّ، ومعاذ بن معَاذ، بِضَم الْمِيم وَتَخْفِيف الْعين الْمُهْملَة وبالذال الْمُعْجَمَة فِي اللَّفْظَيْنِ: ابْن نصر بن حسان الْعَنْبَري التَّمِيمِي قَاضِي الْبَصْرَة، مَاتَ سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَة، وَابْن عون هُوَ عبد الله بن عون أرطبان مر فِي كتاب الْعلم.

وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن مُحَمَّد بن الْمثنى بأتم من البُخَارِيّ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن الْحسن بن مُحَمَّد الزَّعْفَرَانِي.

قَوْله: (عَن أم الْمُؤمنِينَ) ، هِيَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، بَينه أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) عَن يحيى بن حَكِيم عَن معَاذ، وَكَذَا فِي كتاب الْإِسْمَاعِيلِيّ من وَجه آخر عَن ابْن عون. قَوْله: (فتلت قلائدها) ، أَي: الْبدن أَو الْهَدَايَا. وَفِي رِوَايَة يحيى الْمَذْكُورَة: (أَنا فتلت تِلْكَ القلائد) ، وَرَوَاهُ مُسلم من وَجه آخر عَن ابْن عون مثله، وَزَاد: فَأصْبح فِينَا حَلَالا يَأْتِي مَا يَأْتِي الْحَلَال من أَهله.

وَفِيه: رد على من كره القلائد من الأوبار وَاخْتَارَ أَن يكون من نَبَات الأَرْض. وَهُوَ مَنْقُول عَن ربيعَة وَمَالك. وَقَالَ ابْن التِّين: لَعَلَّه أَرَادَ الأولى مَعَ القَوْل بِجَوَاز كَونهَا من الصُّوف.

٢١١ - (بابُ تَقْلِيدِ النَّعْلِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم تَقْلِيد الْهَدْي بالنعل، وَهُوَ الْحذاء، مؤنثه وتصغيرها نعيلة، تَقول: نعلت وانتعلت إِذا احتذيت، وَالْألف وَاللَّام فِيهِ للْجِنْس يتَنَاوَل الْوَاحِدَة وَمَا فَوْقهَا، وَفِي حكمهَا خلاف، فَعِنْدَ الثَّوْريّ: الشَّرْط نَعْلَانِ فِي التَّقْلِيد، وَعند غَيره: تجوز الْوَاحِدَة. وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يتَعَيَّن النَّعْل فِي التَّقْلِيد، بل كل مَا قَامَ مقَامهَا يجزىء، حَتَّى أذن الْإِدَاوَة والقطعة من المزادة. وَالْحكمَة فِيهِ أَنه إِشَارَة إِلَى السّفر وَالْجد فِيهِ. وَقيل: الْحِكْمَة فِيهِ أَن الْعَرَب تَعْتَد النَّعْل مركوبة لكَونهَا تَقِيّ عَن صَاحبهَا، وَتحمل عَنهُ وعر الطَّرِيق. فَكَانَ الَّذِي أهْدى وقلده بالنعل خرج عَن مركوبه لله تَعَالَى حَيَوَانا، وَغَيره فبالنظر إِلَى هَذَا يسْتَحبّ النَّعْلَانِ فِي التَّقْلِيد.

٦٠٧١ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ أخبرَنا عَبْدُ الأعْلَى بنُ عَبْدِ الأعْلَى عنْ مَعْمَرٍ عنْ يَحْيَى بنِ أبي كَثيرٍ عَن عِكْرَمَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ نبيَّ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَأى رجُلاً يَسُوقُ بَدَنةً قَالَ ارْكَبْهَا قَالَ إنَّهَا بَدَنَةً قَالَ ارْكَبْهَا قَالَ فَلَقَدْ رَأيْتُهُ رَاكِبَهَا يُسَايِرُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والنَّعْلُ فِي عُنُقِهَا.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

نُحِر الهدي» لأنَّ ذلك إنَّما يكون في البدن، وإنَّما «الغنم» في رواية الأسود هذه، ولانفراده بها نزلت على حذف مضافٍ، أي: من صوف الغنم؛ كما قال في الأخرى [خ¦١٧٠٥]: «من عِهْنٍ» والعِهْن: الصُّوف، لكن جاء في بعض روايات حديث الأسود هذا [خ¦١٧٠٢]: «كنَّا نقلِّد الشَّاة» وهذا يرفع التَّأويل. انتهى. قال أبو عبد الله الأُبِّيُّ: وأحاديث الباب ظاهرةٌ (١) في تقليد الغنم. انتهى. وقال المنذريُّ: والإعلال بتفرُّد الأسود عن عائشة ليس بعلَّةٍ لأنَّه ثقةٌ حافظٌ لا يضرُّه التَّفرُّد، وقد وقع الاتِّفاق على أنَّها لا تُشعَر لضعفها، ولأنَّ الإشعار لا يظهر فيها لكثرة شعرها وصوفها، فتُقلَّد بما لا يضعفها كالخيوط المفتولة ونحوها.

١٧٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) المذكور (٢) قال: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ (٣)) ابن أبي زائدة (عَنْ عَامِرٍ) هو الشَّعبيُّ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: فَتَلْتُ لِهَدْيِ النَّبِيِّ -تَعْنِي) عائشة: (القَلَائِدَ- قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ) ولفظ: «الهدي» شاملٌ للغنم وغيرها، فالغنم فرد من أفراد ما يُهدَى، وقد ثبت أنَّه أهدى الإبل وأهدى البقر، فمن ادَّعى اختصاص الإبل بالتَّقليد فعليه البيان.

(١١١) (بابُ القَلَائِدِ مِنَ العِهْنِ) بكسر العين وسكون الهاء آخره نونٌ: الصُّوف أو المصبوغ ألوانًا أو الأحمر.

١٧٠٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بسكون الميم بعد فتح العين ابن بحرٍ الصَّيرفيُّ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

عشر طَرِيقا كلهَا فِي بَيَان حجَّة من قَالَ: لَا يجب على من بعث بِهَدي أَن يتجرد عَن ثِيَابه وَلَا يتْرك شَيْء مِمَّا يتْركهُ الْمحرم إلَاّ بِدُخُولِهِ فِي الْإِحْرَام، إِمَّا بِحَجّ وَإِمَّا بِعُمْرَة، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ مستقصىً فِي: بَاب من أشعر وقلد بِذِي الحليفة، وَقد ذكرنَا أَنهم ردوا قَول ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِيمَا ذهب إِلَيْهِ من قَوْله: (إِن من بعث بهديه إِلَى مَكَّة وَأقَام هُوَ، فَإِنَّهُ يلْزمه أَن يجْتَنب مَا يجتنبه الْمحرم حَتَّى ينْحَر هَدْيه) . وَقَالَ ابْن التِّين: خَالف ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي هَذَا جَمِيع الْفُقَهَاء، واحتجت عَائِشَة بِفعل رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَمَا روته فِي ذَلِك يجب أَن يُصَار إِلَيْهِ، وَلَعَلَّ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَجَعَ عَنهُ. انْتهى قلت: ابْن عَبَّاس لم ينْفَرد بذلك، بل ثَبت ذَلِك عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. مِنْهُم: ابْن عمر رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن ابْن علية عَن أَيُّوب وَابْن الْمُنْذر من طَرِيق ابْن جريج عَن نَافِع عَن ابْن عمر، كَانَ إِذا بعث بِالْهَدْي يمسك عَمَّا يمسك عَنهُ الْمحرم إلَاّ أَنه لَا يُلَبِّي. وَمِنْهُم: قيس بن سعد بن عبَادَة، أخرج سعيد بن مَنْصُور من طَرِيق سعيد بن الْمسيب عَنهُ نَحْو ذَلِك. وروى ابْن أبي شيبَة من طَرِيق مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن عَن عمر، وَعلي رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّهُمَا قَالَا فِي الرجل يُرْسل ببدنته: إِنَّه يمسك عَمَّا يمسك عَنهُ الْمحرم، وَهَذَا مُنْقَطع. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا وَجه رد عَائِشَة على ابْن عَبَّاس؟ قلت: حَاصله أَن ابْن عَبَّاس قَالَ ذَلِك قِيَاسا للتوكيل فِي أَمر الْهَدْي على الْمُبَاشرَة لَهُ، فَقَالَت لَهُ عَائِشَة: لَا اعْتِبَار للْقِيَاس فِي مُقَابلَة السّنة الظَّاهِرَة. انْتهى. قلت: لَا نسلم أَن ابْن عَبَّاس قَالَ ذَلِك، قِيَاسا، بل الظَّاهِر أَنه إِنَّمَا قَالَه لقِيَام دَلِيل من السّنة عِنْده، وَلم يقل ابْن عَبَّاس هَذَا وَحده، كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن، ألَا يرى أَن جمَاعَة من التَّابِعين وهم: الشّعبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَمُحَمّد بن سِيرِين وَمُجاهد وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَسَعِيد بن جُبَير وافقوا ابْن عَبَّاس فِيمَا ذهب إِلَيْهِ من ذَلِك؟ وَاحْتج لَهُم الطَّحَاوِيّ فِي ذَلِك من حَدِيث جَابر بن عبد الله، قَالَ: كنت عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جَالِسا فقد قَمِيصه حَتَّى أخرجه من رجلَيْهِ، فَنظر الْقَوْم إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: إِنِّي أمرت ببدني الَّتِي بعثت بهَا أَن تقلد الْيَوْم وتشعر على مَكَان كَذَا وَكَذَا، فَلبِست قَمِيصِي ونسيت، فَلم أكن لأخرج قَمِيصِي من رَأْسِي، وَكَانَ بعث ببدنة وَأقَام بِالْمَدِينَةِ، وَإِسْنَاده حسن، وَأخرجه أَبُو عمر أَيْضا.

وَفِي هَذَا الحَدِيث من الْفَوَائِد: تنَاول الْكَبِير الشَّيْء بِنَفسِهِ، وَإِن كَانَ لَهُ من يَكْفِيهِ إِذا كَانَ مِمَّا يهتم بِهِ، وَلَا سِيمَا مَا كَانَ من إِقَامَة الشَّرَائِع وَأُمُور الدّيانَة. وَفِيه: رد بعض الْعلمَاء على بعض. وَفِيه: رد الِاجْتِهَاد بِالنَّصِّ. وَفِيه: أَن الأَصْل فِي أَفعَال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم التأسي حَتَّى تثبت الخصوصية.

٠١١ - (بابُ تَقْلِيدِ الْغَنَمِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَقْلِيد الْغنم.

١٠٧١ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا الأعْمَشُ عنْ إبْراهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ أهْدَي النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَرَّةً غنَما..

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن من لَوَازِم الْهَدْي التَّقْلِيد شرعا، وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالْأسود ابْن يزِيد.

وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن يحيى بن يحيى وَأبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي كريب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن هناد عَن وَكِيع. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن هناد وَعَن ابْن بشار وَعَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن ابْن أبي شيبَة وَعَن عَليّ بن مُحَمَّد. وَاحْتج الشَّافِعِي بِهَذَا الحَدِيث على أَن الْغنم تقلد، وَبِه قَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَابْن حبيب، وَقَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة: لَا تقلد لِأَنَّهَا تضعف عَن التَّقْلِيد. وَقَالَ أَبُو عمر: احْتج من لم يره بِأَن الشَّارِع إِنَّمَا حج حجَّة وَاحِدَة لم يهد فِيهَا غنما، وأنكروا حَدِيث الْأسود الَّذِي فِي البُخَارِيّ فِي تَقْلِيد الْغنم، قَالُوا هُوَ حَدِيث لَا يعرفهُ أهل بَيت عَائِشَة. وَقَالَ بَعضهم: مَا أَدْرِي مَا وَجه الْحجَّة مِنْهُ، لِأَن حَدِيث الْبَاب دلّ على أَنه أرسلها وَأقَام، فَكَانَ ذَلِك قبل حجَّته قطعا، فَلَا تعَارض بَين الْفِعْل وَالتّرْك، لِأَن مُجَرّد التّرْك لَا يدل على نسخ الْجَوَاز، ثمَّ من الَّذِي صرح بِهِ من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، بِأَنَّهُ لم يكن فِي هداياه فِي حجَّته غنم حَتَّى يسوغ الِاحْتِجَاج بذلك؟ انْتهى قلت: الْهَدْي الَّذِي أرسل بِهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْغنم

لَيْسَ هدي الْإِحْرَام، وَلِهَذَا أَقَامَ حَلَالا بعد إرْسَاله، وَلم ينْقل أَنه أهْدى غنما فِي إِحْرَامه. وَقَوله: فَلَا تعَارض بَين الْفِعْل وَالتّرْك كَلَام واهٍ، لِأَن من ادّعى التَّعَارُض بَينهمَا والتعارض تقَابل الحجتين، وَهَهُنَا الْفِعْل لم يُوجد، فَكيف يتَصَوَّر التَّعَارُض حَتَّى يحْتَاج إِلَى دَفعه. وَقَوله: ثمَّ من الَّذِي صرح من الصَّحَابَة ... إِلَى آخِره، يرد بِأَن يُقَال من الَّذِي صرح مِنْهُم بِأَنَّهُ كَانَ فِي هداياه فِي حجَّته غنم. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَالْحَنَفِيَّة فِي الأَصْل يَقُولُونَ لَيست الْغنم من الْهَدْي، فَالْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِم. قلت: هَذَا افتراء على الْحَنَفِيَّة، فَفِي أَي مَوضِع قَالَت الْحَنَفِيَّة: إِن الْغنم لَيست من الْهَدْي؟ بل كتبهمْ مشحونه بِأَن الْهَدْي اسْم لما يهدى من الْغنم إِلَى الْحرم ليتقرب بِهِ. قَالُوا: وَأَدْنَاهُ شَاة، لقَوْل ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: مَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي شَاة، وَعَن هَذَا قَالُوا: الْهَدْي إبل وبقر وغنم، ذكورها وإناثها، حَتَّى قَالُوا هَذَا بِالْإِجْمَاع، وَإِنَّمَا مَذْهَبهم أَن التَّقْلِيد فِي الْبَدنَة وَالْغنم لَيست من الْبَدنَة فَلَا تقلد لعدم التعارف بتقليدها، إِذْ لَو كَانَ تقليدها سنة لما تركوها، وَقَالُوا فِي الحَدِيث الْمَذْكُور: تفرد بِهِ الْأسود وَلم يذكرهُ غَيره على مَا ذكرنَا، وَادّعى صَاحب الْمَبْسُوط أَنه أثر شَاذ. فَإِن قلت: كَيفَ يُقَال: تركوها؟ وَقد ذكر ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) أَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: لقد رَأَيْت الْغنم يُؤْتى بهَا مقلدة؟ وَعَن أبي جَعْفَر: رَأَيْت الكباش مقلدة، وَعَن عبد الله بن عبيد بن عُمَيْر: أَن الشَّاة كَانَت تقلد، وَعَن عَطاء: رَأَيْت أُنَاسًا من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، يسوقون الْغنم مقلدة؟ قلت: لَيْسَ فِي ذَلِك كُله أَن التَّقْلِيد كَانَ فِي الْغنم الَّتِي سيقت فِي الْإِحْرَام، وَأَن أَصْحَابهَا كَانُوا محرمين، على أنَّا نقُول: إِنَّهُم مَا منعُوا الْجَوَاز، وَإِنَّمَا قَالُوا بِأَن التَّقْلِيد فِي الْغنم لَيْسَ بِسنة.

٢٠٧١ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ حدَّثنا الأعْمَشُ قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ عنِ الأسْوَدِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا قالَتْ كُنْتُ أفْتِلُ الْقَلائِدَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَيُقَلِّدُ الْغَنَمَ ويُقِيمُ فِي أهْلِهِ حَلَالاً..

هَذَا طَرِيق آخر للْحَدِيث الْمَذْكُور عَن أبي النُّعْمَان، بِضَم النُّون، وَهُوَ مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي عَن عبد الْوَاحِد بن زِيَاد، وَإِنَّمَا أرْدف الطَّرِيق السَّابِق بِهَذَا الطَّرِيق لِأَن فِيهِ تَصْرِيح الْأَعْمَش بِالتَّحْدِيثِ عَن إِبْرَاهِيم. وَفِي هَذَا الطَّرِيق أَيْضا زِيَادَة، وَهُوَ التَّقْلِيد، وَذكر إِقَامَته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي أَهله حَلَالا، وللحنفية أَن يحتجوا بِالزِّيَادَةِ الثَّانِيَة فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ من أَن تَقْلِيد الْغنم إِنَّمَا يكون إِذا كَانَ فِي الأحرام.

٣٠٧١ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا حَمَّادٌ قَالَ حدَّثنا منْصُورُ بنُ المُعْتَمِرِ قَالَ (ح) وحدَّثنا محَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخبرنَا سُفْيانُ عنْ مَنْصُورٍ عنْ إبْرَاهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ كنْتُ أفْتِلُ قَلائِدَ الْغَنَمُ لِلنَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فيَبْعَثُ بِهَا ثُمَّ يَمْكُثُ حَلَالاً..

هَذَانِ طَرِيقَانِ آخرَانِ: أَحدهمَا: عَن أبي النُّعْمَان الْمَذْكُور عَن حَمَّاد بن زيد عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر عَن إِبْرَاهِيم عَن الْأسود عَن عَائِشَة، وَالْآخر: عَن مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر عَن إِبْرَاهِيم.

وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن بنْدَار عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم عَن الْأسود عَن عَائِشَة، قَالَت: كنت أفتل قلائد هدي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كلهَا غنما، ثمَّ لَا يحرم. وَقَالَ بَعضهم: أرْدف رِوَايَة عبد الْوَاحِد بِرِوَايَة مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم استظهارا لرِوَايَة عبد الْوَاحِد، لما فِي حفظ عبد الْوَاحِد عِنْدهم، وَأَن كَانَ هُوَ عِنْده حجَّة.

٤٠٧١ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عَامِرٍ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ فتَلْتُ لِهَدْيِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَعْنِي الْقَلائِدَ قَبْلَ أنْ يُحْرِمَ..

هَذَا طَرِيق آخر لحَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور عَن أبي نعيم الْفضل بن دُكَيْن عَن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة عَن عَامر الشّعبِيّ عَن مَسْرُوق بن الأجدع عَنْهَا.

وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الضَّحَايَا عَن أَحْمد بن مُحَمَّد عَن عبد الله بن الْمُبَارك عَن إِسْمَاعِيل عَن

الشّعبِيّ، وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن سعيد بن مَنْصُور عَن هشيم عَن إِسْمَاعِيل بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير عَن أَبِيه عَن زَكَرِيَّا بِهِ، وَعَن أبي مُوسَى عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَن دَاوُد بن أبي هِنْد عَن الشّعبِيّ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن عَليّ عَن يحيى عَن إِسْمَاعِيل بِهِ. فَإِن قلت: هَذَا الحَدِيث لَا يدل ظَاهرا على كَون القلائد للغنم، فَلَا يُطَابق التَّرْجَمَة؟ قلت: لفظ الْهَدْي يتَنَاوَل الْغنم أَيْضا لِأَنَّهُ فَرد من أَفْرَاد مَا يهدى إِلَى الْحرم، وَأَيْضًا إرداف هَذَا الحَدِيث بِالْحَدِيثين السَّابِقين يدل على أَنه مثلهمَا فِي حكم تَقْلِيد الْغنم.

١١١ - (بابُ الْقَلائِدِ مِنَ الْعِهْنِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم القلائد من العهن، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْهَاء وَفِي آخِره نون: وَهُوَ الصُّوف الْمَصْبُوغ ألوانا. وَيُقَال: كل صوف عهن، والقطعة مِنْهُ عهنة، وَالْجمع عهون، ذكره فِي (الموعب) وَفِي (الْمُحكم) : الْمَصْبُوغ أَي لون كَانَ، وَقَالَ ابْن قرقول: هُوَ الْأَحْمَر من الصُّوف.

٥٠٧١ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَلِيٍّ قَالَ حدَّثنا مُعاذُ بنُ مُعَاذٍ قَالَ حدَّثنا ابنُ عَوْنٍ عنِ الْقَاسِمِ عنْ أمِّ المُؤمِنِينَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ فَتَلْتُ قَلائِدَه مِنْ عِهْنٍ كانَ عِنْدِي..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعَمْرو بن عَليّ بن كثير أَبُو حَفْص الصَّيْرَفِي الْبَصْرِيّ، ومعاذ بن معَاذ، بِضَم الْمِيم وَتَخْفِيف الْعين الْمُهْملَة وبالذال الْمُعْجَمَة فِي اللَّفْظَيْنِ: ابْن نصر بن حسان الْعَنْبَري التَّمِيمِي قَاضِي الْبَصْرَة، مَاتَ سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَة، وَابْن عون هُوَ عبد الله بن عون أرطبان مر فِي كتاب الْعلم.

وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن مُحَمَّد بن الْمثنى بأتم من البُخَارِيّ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن الْحسن بن مُحَمَّد الزَّعْفَرَانِي.

قَوْله: (عَن أم الْمُؤمنِينَ) ، هِيَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، بَينه أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) عَن يحيى بن حَكِيم عَن معَاذ، وَكَذَا فِي كتاب الْإِسْمَاعِيلِيّ من وَجه آخر عَن ابْن عون. قَوْله: (فتلت قلائدها) ، أَي: الْبدن أَو الْهَدَايَا. وَفِي رِوَايَة يحيى الْمَذْكُورَة: (أَنا فتلت تِلْكَ القلائد) ، وَرَوَاهُ مُسلم من وَجه آخر عَن ابْن عون مثله، وَزَاد: فَأصْبح فِينَا حَلَالا يَأْتِي مَا يَأْتِي الْحَلَال من أَهله.

وَفِيه: رد على من كره القلائد من الأوبار وَاخْتَارَ أَن يكون من نَبَات الأَرْض. وَهُوَ مَنْقُول عَن ربيعَة وَمَالك. وَقَالَ ابْن التِّين: لَعَلَّه أَرَادَ الأولى مَعَ القَوْل بِجَوَاز كَونهَا من الصُّوف.

٢١١ - (بابُ تَقْلِيدِ النَّعْلِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم تَقْلِيد الْهَدْي بالنعل، وَهُوَ الْحذاء، مؤنثه وتصغيرها نعيلة، تَقول: نعلت وانتعلت إِذا احتذيت، وَالْألف وَاللَّام فِيهِ للْجِنْس يتَنَاوَل الْوَاحِدَة وَمَا فَوْقهَا، وَفِي حكمهَا خلاف، فَعِنْدَ الثَّوْريّ: الشَّرْط نَعْلَانِ فِي التَّقْلِيد، وَعند غَيره: تجوز الْوَاحِدَة. وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يتَعَيَّن النَّعْل فِي التَّقْلِيد، بل كل مَا قَامَ مقَامهَا يجزىء، حَتَّى أذن الْإِدَاوَة والقطعة من المزادة. وَالْحكمَة فِيهِ أَنه إِشَارَة إِلَى السّفر وَالْجد فِيهِ. وَقيل: الْحِكْمَة فِيهِ أَن الْعَرَب تَعْتَد النَّعْل مركوبة لكَونهَا تَقِيّ عَن صَاحبهَا، وَتحمل عَنهُ وعر الطَّرِيق. فَكَانَ الَّذِي أهْدى وقلده بالنعل خرج عَن مركوبه لله تَعَالَى حَيَوَانا، وَغَيره فبالنظر إِلَى هَذَا يسْتَحبّ النَّعْلَانِ فِي التَّقْلِيد.

٦٠٧١ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ أخبرَنا عَبْدُ الأعْلَى بنُ عَبْدِ الأعْلَى عنْ مَعْمَرٍ عنْ يَحْيَى بنِ أبي كَثيرٍ عَن عِكْرَمَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ نبيَّ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَأى رجُلاً يَسُوقُ بَدَنةً قَالَ ارْكَبْهَا قَالَ إنَّهَا بَدَنَةً قَالَ ارْكَبْهَا قَالَ فَلَقَدْ رَأيْتُهُ رَاكِبَهَا يُسَايِرُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والنَّعْلُ فِي عُنُقِهَا.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 79%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده