«رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ».

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٧٤٣

الحديث رقم ١٧٤٣ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب هل يبيت أصحاب السقاية أو غيرهم بمكة ليالي منى.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٧٤٣ في صحيح البخاري

«رَخَّصَ النَّبِيُّ ».

إسناد حديث رقم ١٧٤٣ من صحيح البخاري

١٧٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٧٤٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْحَدِيثَ، وَنَحْوُهُ لِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ، فَهَذَا الْحَدِيثُ - الَّذِي وَقَعَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ خَطَبَ بِهِ يَوْمَ النَّحْرِ - قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ خَطَبَ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الَّتِي وَرَدَتْ عَنِ الصَّحَابَةِ بِتَصْرِيحِهِمْ أَنَّهُ خَطَبَ يَوْمَ النَّحْرِ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ، فَمِنْهَا حَدِيثُ الْهِرْمَاسِ بْنِ زِيَادٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَلَفْظُهُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ يَخْطُبُ النَّاسَ عَلَى نَاقَتِهِ الْجَدْعَاءِ يَوْمَ الْأَضْحَى، وَحَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ: سَمِعْتُ خُطْبَةَ النَّبِيِّ بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ. أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَحَدِيثُ مَعَاذٍ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَنَحْنُ بِمِنًى. أَخْرَجَهُ. (١). وَحَدِيثُ رَافِعِ بْنِ عَمْرٍو: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَخْطُبُ النَّاسَ بِمِنًى حِينَ ارْتَفَعَ الضُّحَى. أَخْرَجَهُ. (٢). وَأَخْرَجَ مِنْ مُرْسَلِ مَسْرُوقٍ: أَنَّ النَّبِيَّ خَطَبَ يَوْمَ النَّحْرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٣٣ - بَاب هَلْ يَبِيتُ أَصْحَابُ السِّقَايَةِ أَوْ غَيْرُهُمْ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى

١٧٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ : رَخَّصَ النَّبِيُّ . . . ح.

١٧٤٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ النَّبِيَّ أَذِنَ. . . ح.

١٧٤٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ الْعَبَّاسَ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ لِيَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ. تَابَعَهُ أَبُو أُسَامَةَ وَعُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ وَأَبُو ضَمْرَةَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ هَلْ يَبِيتُ أَصْحَابُ السِّقَايَةِ أَوْ غَيْرُهُمْ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى) مَقْصُودُهُ بِالْغَيْرِ مَنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ مِنْ مَرَضٍ أَوْ شُغْلٍ كَالْحَطَّابِينَ وَالرِّعَاءِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ.

قَوْلُهُ: (رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ كَذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَأَحَالَ بِهِ عَلَى مَا بَعْدَهُ، وَلَفْظُهُ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ الْمَذْكُورِ فِي الْإِسْنَادِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ رَخَّصَ لِلْعَبَّاسِ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ أَيَّامَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ.

قَوْلُهُ فِي طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ (أَنَّ النَّبِيَّ أَذِنَ) كَذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ أَيْضًا وَأَحَالَ بِهِ عَلَى مَا بَعْدَهُ، وَلَفْظُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ الْمَذْكُورِ فِي الْإِسْنَادِ: أَذِنَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ السِّقَايَةِ.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ أَبُو أُسَامَةَ) أَيْ: تَابَعَ ابْنَ نُمَيْرٍ، وَصَلَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُبيْدِ اللَّهِ، وَلَفْظُهُ مِثْلُ رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ.

قَوْلُهُ: (وَعَقَبَةُ بْنُ خَالِدٍ) وَصَلَهُ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (وَأَبُو ضَمْرَةَ) يَعْنِي: أَنَسَ بْنَ عِيَاضٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي: بَابِ سِقَايَةِ الْحَاجِّ فِي أَثْنَاءِ أَبْوَابِ الطَّوَافِ، وَلَفْظُهُ مِثْلُ رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ، وَالنُّكْتَةُ فِي اسْتِظْهَارِ الْبُخَارِيِّ بِهَذِهِ الْمُتَابَعَاتِ بَعْدَ إِيرَادِهِ لَهُ مِنْ ثَلَاثَةِ طُرُقٍ لِشَكٍّ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ فِي وَصْلِهِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

التَّوديع عند الرَّحيل، والاسم: الوَداع؛ بالفتح وقال في «القاموس»: وهو تخليف المسافر النَّاس خافضين، وهم يودِّعونه إذا سافر تفاؤلًا بالدَّعة التي يصير إليها إذا قفل، أي: يتركونه وسفره.

(١٣٣) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين: (هَلْ يَبِيتُ أَصْحَابُ السِّقَايَةِ) سقاية العبَّاس أو غيرها (أَوْ غَيْرُهُمْ) ممَّن له عذرٌ من مرضٍ أو شغلٍ كالحطَّابين والرِّعاء (بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى؟) بنصب «لياليَ» على الظَّرفيَّة، والباء في «بمكَّة» تتعلَّق (٢) بقوله: «يبيت».

١٧٤٣ - ١٧٤٤ - ١٧٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ) بتصغير: «عبد»، المعروف بابن أبي عبادٍ، القرشيُّ التَّيميُّ مولاهم المدنيُّ، وقيل: الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ) الهمدانيُّ الكوفيُّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بن عمر العمريِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر بن الخطَّاب (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ) قال: (رَخَّصَ النَّبِيُّ ) أي (٣): في البيتوتة ليالي منًى بمكَّة لأهل السِّقاية، فالمفعول محذوفٌ، واقتصر عليه ليحيل على ما بعده، ولفظه عند الإسماعيليِّ من طريق إبراهيم بن موسى عن عيسى بن يونس المذكور: أنَّ رسول الله رخَّص للعبَّاس أن يبيت بمكَّة أيَّام منًى من أجل سقايته.

وقد أخرج المؤلِّف هذا الحديث في «باب سقاية العبَّاس» [خ¦١٦٣٤].

وبه قال: (حَدَّثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ مُوسَى) البلخيُّ المُلقَّب بخَتٍّ؛ بفتح الخاء المعجمة وتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة، قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) البرسانيُّ البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) العمريُّ (٢) (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (: أَنَّ النَّبِيَّ أَذِنَ) كذا اقتصر عليه أيضًا، وأحال به على ما بعده، ولفظه عند أحمد في «مُسنَده» عن محمَّد بن (٣) بكرٍ البرسانيِّ: أذن للعبَّاس بن عبد المطَّلب أن يبيت بمكَّة ليالي منًى من أجل السِّقاية.

وبه قال: «ح»: ((٤) حَدَّثَنَا) ولأبي الوقت: «وحدَّثني» بالواو والإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) بضمِّ النُّون وفتح الميم الهَمْدانيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) عبدُ الله قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) العمريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ العَبَّاسَ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ لِيَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ) المعروفة بالمسجد الحرام (فَأَذِنَ) (لَهُ) في المبيت.

(تَابَعَهُ) أي: تابع محمَّدَ بن عبد الله بن نُمَيرٍ (أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة اللَّيثيُّ، فيما أخرجه مسلمٌ (وَعُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ) أبو مسعودٍ السَّكونيُّ ممَّا أخرجه ابن أبي شيبة في «مُسنَده» عنه (وَأَبُو ضَمْرَةَ) بفتح الضَّاد المعجمة وسكون الميم أنس بن عياضٍ، ممَّا أخرجه المؤلِّف في «باب سقاية الحاجِّ» [خ¦١٦٣٤] قال في «الفتح»: والنُّكتة في استظهار البخاريِّ بهذه المتابعات بعد إيراده له من ثلاث طرقٍ لشكٍّ وقع في رواية يحيى بن سعيدٍ القطَّان في وصله، فقد أخرجه أحمد عن يحيى عن (٥) عبيد الله عن نافعٍ قال: ولا أعلمه إلَّا عن ابن عمر، قال الإسماعيليُّ: وقد وصله أيضًا بغير شكٍّ موسى بن عقبة والدَّراورديُّ وعليُّ بن مسهرٍ ومحمَّد ابن فليحٍ، كلُّهم عن عبيد الله، وأرسله ابن المبارك عن عبيد الله، قال الحافظ ابن حجرٍ: والظَّاهر: أنَّ عبيد الله ربَّما كان يشكُّ في وصله

بدليل رواية يحيى بن سعيدٍ القطَّان، وكأنَّه كان في أكثر أحواله يجزم بوصله بدليل رواية الجماعة. انتهى.

وفي الحديث: دليلٌ على وجوب المبيت ليالي أيَّام التَّشريق بمنًى لأنَّه رخَّص للعبَّاس في ترك المبيت لأجل سقايته، فدلَّ على أنَّه لا يجوز لغيره لأنَّ التَّعبير بالرُّخصة يقتضي أنَّ مقابلها عزيمةٌ، وأنَّ الإذن وقع للعلَّة المذكورة، وإذا لم توجد العلَّة المذكورة أو ما في معناها لم يحصل الإذن، وهذا مذهب الشَّافعيَّة، وقال به من الحنابلة صاحب «الرِّعايتين» و «الحاويين» والمراد: مبيت (١) معظم اللَّيل كما لو حلف لا يبيت بمكانٍ لا يحنث إلَّا بمبيته معظم اللَّيل، وإنَّما اكتفى بساعةٍ في نصفه الثَّاني بمزدلفة -كما سبق- لأنَّ نصَّ الشَّافعيِّ وقع فيها بخصوصها إذ بقيَّة المناسك يدخل وقتها بالنِّصف، وهي كثيرةٌ مُشِقَّةٌ (٢)، فسُومِح (٣) في التَّخفيف لأجلها، وفي قول الشَّافعيِّ (٤) وروايةٍ عن أحمد (٥): قال المرداويُّ: وهو الصَّحيح من المذهب، وقطع به ابن أبي موسى في «الإرشاد»، والقاضي في «الخلاف»، وابن عقيلٍ في «الفصول»، وأبو الخطَّاب في «الهداية»، وهو مذهب الحنفيَّة: أنَّه سنَّةٌ، واستدلُّوا بأنَّه لو كان واجبًا لما رخَّص للعبَّاس فيه، ووجوب الدَّم بتركه مبنيٌّ على هذا الخلاف، فيجب بتركه دمٌ عند الشَّافعيَّة كنظيره في ترك مبيت مزدلفة (٦)، وفي ترك مبيت اللَّيلة الواحدة من ليالي منًى يجب مُدٌّ، واللَّيلتين مُدَّان من الطَّعام، وفي ترك الثَّلاث مع ليلة مزدلفة دمان لاختلاف المبيتين مكانًا، ويسقط المبيت بمنًى ومزدلفة والدَّم عن أهل السِّقاية، سواءٌ كانوا من آل العبَّاس أم من غيرهم مطلقًا، سواءٌ أخرجوا قبل الغروب أو بعده، ولو كانت السِّقاية مُحدَثةً كما صحَّحه النَّوويُّ ونقله الرَّافعيُّ عن البغويِّ، ونُقِل المنعُ عن ابن كجٍّ، قال في «المهمَّات»: والصَّحيح: المنع، فقد نقله صاحبا «الحاوي» و «البحر» وغيرهما عن نصِّ الشَّافعيِّ، وهو

المشهور كما أشعر به كلام الرَّافعيِّ، وذكر الأذرعيُّ نحوه، وما صحَّحه النَّوويُّ -كما قال (١) الزَّركشيُّ- هو (٢) ما نصَّ عليه الشَّافعيُّ من إلحاق الخائف على نفسٍ (٣) أو نحوها كما (٤) يأتي قريبًا -إن شاء الله تعالى- قال في «الفتح»: والمعروف عن أحمد: اختصاص العبَّاس بذلك، وعليه اقتصر صاحب «المغني»، لكن قال في «التَّنقيح»: وإن دفع من مزدلفة غير سقاةٍ ورعاةٍ قبل نصف اللَّيل فعليه دمٌ إن لم يعد نصًّا إليها ليلًا ولو بعد نصفه. انتهى. ومقتضاه: العموم، وكذا يسقط المبيت بها (٥) والرَّمي عن الرِّعاء -بكسر الرَّاء والمدِّ- إن خرجوا منها قبل الغروب لأنَّه رخَّص لرعاء الإبل أن يتركوا المبيت. رواه التِّرمذيُّ، وقال: حسنٌ صحيحٌ، وقِيس بمنًى مزدلفة، فإن لم يخرجوا قبل الغروب -بأن كانوا بهما بعده- لزمهم مبيت تلك اللَّيلة والرَّمي من الغد، وصورة الخروج قبل الغروب من مزدلفة: أن يأتيها قبل الغروب، ثمَّ يخرج منها حينئذٍ على خلاف العادة، وإنَّما لم يقيِّد الخروج قبل الغروب في حقِّ أهل السِّقاية أيضًا لأنَّ عملهم باللَّيل بخلاف الرَّعي، وألحق بأهل السِّقاية أيضًا الخائف على نفسٍ، أو مالٍ، أو فوت أمرٍ يطلبه؛ كآبقٍ، أو ضياع مريضٍ، وكذا من اشتغل بتدارك الحجِّ بأن انتهى إلى عرفة ليلة النَّحر، واشتغل بالوقوف بها عن مبيت مزدلفة لاشتغاله بالأهمِّ، وكذا من أفاض من عرفة إلى مكَّة ليطوف للإفاضة بعد نصف اللَّيل ففاته المبيت لاشتغاله بالطَّواف كاشتغاله بالوقوف، وقال المالكيَّة: ويلزم المبيت بمنًى لياليها الثَّلاث، والمتعجِّل ليلتين، وقال ابن حبيبٍ عن ابن الماجشون، وابن عبد الحكم عن مالكٍ: من أقام بمكَّة أكثر ليله (٦) ثمَّ أتى منًى فبات فيها باقي ليله فلا شيء عليه إلَّا أن يبيت ليلةً كاملةً فيلزمه (٧) الدَّم، ولو كان له عذرٌ من مرضٍ أو غيره لم يسقط عنه الدَّم، حكاه الباجي، وما حكاه عن ابن عبد الحكم وابن حبيبٍ خلاف ما في «المُدوَّنة»، والمشهور: لزوم الدَّم إذا بات بغير منًى جُلَّ ليله، وقال المرداويُّ من

الحنابلة في «تنقيحه»: وفي ترك مبيت ليلةٍ دمٌ، وقال في «شرح المقنع»: فيه ما في حلق شعره؛ وهو مدٌّ من طعامٍ، قال: وهو إحدى الرِّوايات؛ لأنَّها ليست نسكًا بمفردها بخلاف المبيت بمزدلفة، قاله القاضي وغيره، وقال: لا تختلف الرِّواية أنَّه لا يجب دمٌ.

(١٣٤) (بابُ) وقت (رَمْيِ الجِمَارِ) واحدها: جمرةٌ، وهي في الأصل: النَّار المتَّقدة والحصاة، وواحدة جمرات المناسك، وهي المرادة هنا، وهي ثلاثٌ: الجمرة الأولى والوسطى وجمرة العقبة، يُرمَين بالجمار، قاله في «القاموس»، وقال القَرافيُّ من المالكيَّة: الجمار: اسمٌ للحصى لا للمكان، والجمرة: اسمٌ للحصاة، وإنَّما سُمِّي الموضع جمرةً باسم ما جاوره؛ وهو اجتماع الحصى فيه، والأولى منها: هي التي إلى (١) مسجد الخيف أقرب، ومن بابِه الكبيرِ إليها ألفُ ذراعٍ ومئتا ذراعٍ وأربعةٌ وخمسون ذراعًا وسُدُسُ ذراعٍ، ومنها إلى الجمرة الوسطى مئتا ذراعٍ وخمسةٌ وسبعون ذراعًا، ومن الوسطى إلى جمرة العقبة مئتا ذراعٍ وثمانية أذرعٍ، كلُّ ذلك بذراع الحديد.

(وَقَالَ جَابِرٌ) هو ابن عبد الله الأنصاريُّ، ممَّا وصله مسلمٌ: (رَمَى النَّبِيُّ ) أي: رمى (٢) جمرة العقبة (يَوْمَ النَّحْرِ ضُحىً) بالتَّنوين على أنَّه مصروفٌ (٣)، وهو مذهب نحاة البصرة، سواءٌ قصد التَّعريف أو التَّنكير، قال في «الصِّحاح»: تقول: لقيته ضحًى، وضحَى إذا أردت به ضحى يومك لم تنوِّنه، وقال في «القاموس»: الضَّحْوُ والضَّحوة والضَّحِيَّة كـ «عشيَّةٍ»: ارتفاع النَّهار، والضُّحى: فُوَيقه، ويُذكَّر ويُصغَّر (٤): ضُحَيًّا؛ بلا هاءٍ، والضَّحاء بالمدِّ: إذا قَرُبَ (٥) انتصاف النهار، وبالضَّمِّ والقصر: الشَّمس، وأتيتُك ضحوةً: ضُحًى، وأضحى: صار فيها. انتهى. ويدخل وقت الرَّمي يوم النَّحر بنصف ليلة النَّحر لما روى أبو داود بإسنادٍ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْحَدِيثَ، وَنَحْوُهُ لِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ، فَهَذَا الْحَدِيثُ - الَّذِي وَقَعَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ خَطَبَ بِهِ يَوْمَ النَّحْرِ - قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ خَطَبَ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الَّتِي وَرَدَتْ عَنِ الصَّحَابَةِ بِتَصْرِيحِهِمْ أَنَّهُ خَطَبَ يَوْمَ النَّحْرِ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ، فَمِنْهَا حَدِيثُ الْهِرْمَاسِ بْنِ زِيَادٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَلَفْظُهُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ يَخْطُبُ النَّاسَ عَلَى نَاقَتِهِ الْجَدْعَاءِ يَوْمَ الْأَضْحَى، وَحَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ: سَمِعْتُ خُطْبَةَ النَّبِيِّ بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ. أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَحَدِيثُ مَعَاذٍ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَنَحْنُ بِمِنًى. أَخْرَجَهُ. (١). وَحَدِيثُ رَافِعِ بْنِ عَمْرٍو: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَخْطُبُ النَّاسَ بِمِنًى حِينَ ارْتَفَعَ الضُّحَى. أَخْرَجَهُ. (٢). وَأَخْرَجَ مِنْ مُرْسَلِ مَسْرُوقٍ: أَنَّ النَّبِيَّ خَطَبَ يَوْمَ النَّحْرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٣٣ - بَاب هَلْ يَبِيتُ أَصْحَابُ السِّقَايَةِ أَوْ غَيْرُهُمْ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى

١٧٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ : رَخَّصَ النَّبِيُّ . . . ح.

١٧٤٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ النَّبِيَّ أَذِنَ. . . ح.

١٧٤٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ الْعَبَّاسَ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ لِيَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ. تَابَعَهُ أَبُو أُسَامَةَ وَعُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ وَأَبُو ضَمْرَةَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ هَلْ يَبِيتُ أَصْحَابُ السِّقَايَةِ أَوْ غَيْرُهُمْ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى) مَقْصُودُهُ بِالْغَيْرِ مَنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ مِنْ مَرَضٍ أَوْ شُغْلٍ كَالْحَطَّابِينَ وَالرِّعَاءِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ.

قَوْلُهُ: (رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ كَذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَأَحَالَ بِهِ عَلَى مَا بَعْدَهُ، وَلَفْظُهُ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ الْمَذْكُورِ فِي الْإِسْنَادِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ رَخَّصَ لِلْعَبَّاسِ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ أَيَّامَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ.

قَوْلُهُ فِي طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ (أَنَّ النَّبِيَّ أَذِنَ) كَذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ أَيْضًا وَأَحَالَ بِهِ عَلَى مَا بَعْدَهُ، وَلَفْظُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ الْمَذْكُورِ فِي الْإِسْنَادِ: أَذِنَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ السِّقَايَةِ.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ أَبُو أُسَامَةَ) أَيْ: تَابَعَ ابْنَ نُمَيْرٍ، وَصَلَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُبيْدِ اللَّهِ، وَلَفْظُهُ مِثْلُ رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ.

قَوْلُهُ: (وَعَقَبَةُ بْنُ خَالِدٍ) وَصَلَهُ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (وَأَبُو ضَمْرَةَ) يَعْنِي: أَنَسَ بْنَ عِيَاضٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي: بَابِ سِقَايَةِ الْحَاجِّ فِي أَثْنَاءِ أَبْوَابِ الطَّوَافِ، وَلَفْظُهُ مِثْلُ رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ، وَالنُّكْتَةُ فِي اسْتِظْهَارِ الْبُخَارِيِّ بِهَذِهِ الْمُتَابَعَاتِ بَعْدَ إِيرَادِهِ لَهُ مِنْ ثَلَاثَةِ طُرُقٍ لِشَكٍّ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ فِي وَصْلِهِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

التَّوديع عند الرَّحيل، والاسم: الوَداع؛ بالفتح وقال في «القاموس»: وهو تخليف المسافر النَّاس خافضين، وهم يودِّعونه إذا سافر تفاؤلًا بالدَّعة التي يصير إليها إذا قفل، أي: يتركونه وسفره.

(١٣٣) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين: (هَلْ يَبِيتُ أَصْحَابُ السِّقَايَةِ) سقاية العبَّاس أو غيرها (أَوْ غَيْرُهُمْ) ممَّن له عذرٌ من مرضٍ أو شغلٍ كالحطَّابين والرِّعاء (بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى؟) بنصب «لياليَ» على الظَّرفيَّة، والباء في «بمكَّة» تتعلَّق (٢) بقوله: «يبيت».

١٧٤٣ - ١٧٤٤ - ١٧٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ) بتصغير: «عبد»، المعروف بابن أبي عبادٍ، القرشيُّ التَّيميُّ مولاهم المدنيُّ، وقيل: الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ) الهمدانيُّ الكوفيُّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بن عمر العمريِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر بن الخطَّاب (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ) قال: (رَخَّصَ النَّبِيُّ ) أي (٣): في البيتوتة ليالي منًى بمكَّة لأهل السِّقاية، فالمفعول محذوفٌ، واقتصر عليه ليحيل على ما بعده، ولفظه عند الإسماعيليِّ من طريق إبراهيم بن موسى عن عيسى بن يونس المذكور: أنَّ رسول الله رخَّص للعبَّاس أن يبيت بمكَّة أيَّام منًى من أجل سقايته.

وقد أخرج المؤلِّف هذا الحديث في «باب سقاية العبَّاس» [خ¦١٦٣٤].

وبه قال: (حَدَّثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ مُوسَى) البلخيُّ المُلقَّب بخَتٍّ؛ بفتح الخاء المعجمة وتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة، قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) البرسانيُّ البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) العمريُّ (٢) (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (: أَنَّ النَّبِيَّ أَذِنَ) كذا اقتصر عليه أيضًا، وأحال به على ما بعده، ولفظه عند أحمد في «مُسنَده» عن محمَّد بن (٣) بكرٍ البرسانيِّ: أذن للعبَّاس بن عبد المطَّلب أن يبيت بمكَّة ليالي منًى من أجل السِّقاية.

وبه قال: «ح»: ((٤) حَدَّثَنَا) ولأبي الوقت: «وحدَّثني» بالواو والإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) بضمِّ النُّون وفتح الميم الهَمْدانيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) عبدُ الله قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) العمريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ العَبَّاسَ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ لِيَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ) المعروفة بالمسجد الحرام (فَأَذِنَ) (لَهُ) في المبيت.

(تَابَعَهُ) أي: تابع محمَّدَ بن عبد الله بن نُمَيرٍ (أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة اللَّيثيُّ، فيما أخرجه مسلمٌ (وَعُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ) أبو مسعودٍ السَّكونيُّ ممَّا أخرجه ابن أبي شيبة في «مُسنَده» عنه (وَأَبُو ضَمْرَةَ) بفتح الضَّاد المعجمة وسكون الميم أنس بن عياضٍ، ممَّا أخرجه المؤلِّف في «باب سقاية الحاجِّ» [خ¦١٦٣٤] قال في «الفتح»: والنُّكتة في استظهار البخاريِّ بهذه المتابعات بعد إيراده له من ثلاث طرقٍ لشكٍّ وقع في رواية يحيى بن سعيدٍ القطَّان في وصله، فقد أخرجه أحمد عن يحيى عن (٥) عبيد الله عن نافعٍ قال: ولا أعلمه إلَّا عن ابن عمر، قال الإسماعيليُّ: وقد وصله أيضًا بغير شكٍّ موسى بن عقبة والدَّراورديُّ وعليُّ بن مسهرٍ ومحمَّد ابن فليحٍ، كلُّهم عن عبيد الله، وأرسله ابن المبارك عن عبيد الله، قال الحافظ ابن حجرٍ: والظَّاهر: أنَّ عبيد الله ربَّما كان يشكُّ في وصله

بدليل رواية يحيى بن سعيدٍ القطَّان، وكأنَّه كان في أكثر أحواله يجزم بوصله بدليل رواية الجماعة. انتهى.

وفي الحديث: دليلٌ على وجوب المبيت ليالي أيَّام التَّشريق بمنًى لأنَّه رخَّص للعبَّاس في ترك المبيت لأجل سقايته، فدلَّ على أنَّه لا يجوز لغيره لأنَّ التَّعبير بالرُّخصة يقتضي أنَّ مقابلها عزيمةٌ، وأنَّ الإذن وقع للعلَّة المذكورة، وإذا لم توجد العلَّة المذكورة أو ما في معناها لم يحصل الإذن، وهذا مذهب الشَّافعيَّة، وقال به من الحنابلة صاحب «الرِّعايتين» و «الحاويين» والمراد: مبيت (١) معظم اللَّيل كما لو حلف لا يبيت بمكانٍ لا يحنث إلَّا بمبيته معظم اللَّيل، وإنَّما اكتفى بساعةٍ في نصفه الثَّاني بمزدلفة -كما سبق- لأنَّ نصَّ الشَّافعيِّ وقع فيها بخصوصها إذ بقيَّة المناسك يدخل وقتها بالنِّصف، وهي كثيرةٌ مُشِقَّةٌ (٢)، فسُومِح (٣) في التَّخفيف لأجلها، وفي قول الشَّافعيِّ (٤) وروايةٍ عن أحمد (٥): قال المرداويُّ: وهو الصَّحيح من المذهب، وقطع به ابن أبي موسى في «الإرشاد»، والقاضي في «الخلاف»، وابن عقيلٍ في «الفصول»، وأبو الخطَّاب في «الهداية»، وهو مذهب الحنفيَّة: أنَّه سنَّةٌ، واستدلُّوا بأنَّه لو كان واجبًا لما رخَّص للعبَّاس فيه، ووجوب الدَّم بتركه مبنيٌّ على هذا الخلاف، فيجب بتركه دمٌ عند الشَّافعيَّة كنظيره في ترك مبيت مزدلفة (٦)، وفي ترك مبيت اللَّيلة الواحدة من ليالي منًى يجب مُدٌّ، واللَّيلتين مُدَّان من الطَّعام، وفي ترك الثَّلاث مع ليلة مزدلفة دمان لاختلاف المبيتين مكانًا، ويسقط المبيت بمنًى ومزدلفة والدَّم عن أهل السِّقاية، سواءٌ كانوا من آل العبَّاس أم من غيرهم مطلقًا، سواءٌ أخرجوا قبل الغروب أو بعده، ولو كانت السِّقاية مُحدَثةً كما صحَّحه النَّوويُّ ونقله الرَّافعيُّ عن البغويِّ، ونُقِل المنعُ عن ابن كجٍّ، قال في «المهمَّات»: والصَّحيح: المنع، فقد نقله صاحبا «الحاوي» و «البحر» وغيرهما عن نصِّ الشَّافعيِّ، وهو

المشهور كما أشعر به كلام الرَّافعيِّ، وذكر الأذرعيُّ نحوه، وما صحَّحه النَّوويُّ -كما قال (١) الزَّركشيُّ- هو (٢) ما نصَّ عليه الشَّافعيُّ من إلحاق الخائف على نفسٍ (٣) أو نحوها كما (٤) يأتي قريبًا -إن شاء الله تعالى- قال في «الفتح»: والمعروف عن أحمد: اختصاص العبَّاس بذلك، وعليه اقتصر صاحب «المغني»، لكن قال في «التَّنقيح»: وإن دفع من مزدلفة غير سقاةٍ ورعاةٍ قبل نصف اللَّيل فعليه دمٌ إن لم يعد نصًّا إليها ليلًا ولو بعد نصفه. انتهى. ومقتضاه: العموم، وكذا يسقط المبيت بها (٥) والرَّمي عن الرِّعاء -بكسر الرَّاء والمدِّ- إن خرجوا منها قبل الغروب لأنَّه رخَّص لرعاء الإبل أن يتركوا المبيت. رواه التِّرمذيُّ، وقال: حسنٌ صحيحٌ، وقِيس بمنًى مزدلفة، فإن لم يخرجوا قبل الغروب -بأن كانوا بهما بعده- لزمهم مبيت تلك اللَّيلة والرَّمي من الغد، وصورة الخروج قبل الغروب من مزدلفة: أن يأتيها قبل الغروب، ثمَّ يخرج منها حينئذٍ على خلاف العادة، وإنَّما لم يقيِّد الخروج قبل الغروب في حقِّ أهل السِّقاية أيضًا لأنَّ عملهم باللَّيل بخلاف الرَّعي، وألحق بأهل السِّقاية أيضًا الخائف على نفسٍ، أو مالٍ، أو فوت أمرٍ يطلبه؛ كآبقٍ، أو ضياع مريضٍ، وكذا من اشتغل بتدارك الحجِّ بأن انتهى إلى عرفة ليلة النَّحر، واشتغل بالوقوف بها عن مبيت مزدلفة لاشتغاله بالأهمِّ، وكذا من أفاض من عرفة إلى مكَّة ليطوف للإفاضة بعد نصف اللَّيل ففاته المبيت لاشتغاله بالطَّواف كاشتغاله بالوقوف، وقال المالكيَّة: ويلزم المبيت بمنًى لياليها الثَّلاث، والمتعجِّل ليلتين، وقال ابن حبيبٍ عن ابن الماجشون، وابن عبد الحكم عن مالكٍ: من أقام بمكَّة أكثر ليله (٦) ثمَّ أتى منًى فبات فيها باقي ليله فلا شيء عليه إلَّا أن يبيت ليلةً كاملةً فيلزمه (٧) الدَّم، ولو كان له عذرٌ من مرضٍ أو غيره لم يسقط عنه الدَّم، حكاه الباجي، وما حكاه عن ابن عبد الحكم وابن حبيبٍ خلاف ما في «المُدوَّنة»، والمشهور: لزوم الدَّم إذا بات بغير منًى جُلَّ ليله، وقال المرداويُّ من

الحنابلة في «تنقيحه»: وفي ترك مبيت ليلةٍ دمٌ، وقال في «شرح المقنع»: فيه ما في حلق شعره؛ وهو مدٌّ من طعامٍ، قال: وهو إحدى الرِّوايات؛ لأنَّها ليست نسكًا بمفردها بخلاف المبيت بمزدلفة، قاله القاضي وغيره، وقال: لا تختلف الرِّواية أنَّه لا يجب دمٌ.

(١٣٤) (بابُ) وقت (رَمْيِ الجِمَارِ) واحدها: جمرةٌ، وهي في الأصل: النَّار المتَّقدة والحصاة، وواحدة جمرات المناسك، وهي المرادة هنا، وهي ثلاثٌ: الجمرة الأولى والوسطى وجمرة العقبة، يُرمَين بالجمار، قاله في «القاموس»، وقال القَرافيُّ من المالكيَّة: الجمار: اسمٌ للحصى لا للمكان، والجمرة: اسمٌ للحصاة، وإنَّما سُمِّي الموضع جمرةً باسم ما جاوره؛ وهو اجتماع الحصى فيه، والأولى منها: هي التي إلى (١) مسجد الخيف أقرب، ومن بابِه الكبيرِ إليها ألفُ ذراعٍ ومئتا ذراعٍ وأربعةٌ وخمسون ذراعًا وسُدُسُ ذراعٍ، ومنها إلى الجمرة الوسطى مئتا ذراعٍ وخمسةٌ وسبعون ذراعًا، ومن الوسطى إلى جمرة العقبة مئتا ذراعٍ وثمانية أذرعٍ، كلُّ ذلك بذراع الحديد.

(وَقَالَ جَابِرٌ) هو ابن عبد الله الأنصاريُّ، ممَّا وصله مسلمٌ: (رَمَى النَّبِيُّ ) أي: رمى (٢) جمرة العقبة (يَوْمَ النَّحْرِ ضُحىً) بالتَّنوين على أنَّه مصروفٌ (٣)، وهو مذهب نحاة البصرة، سواءٌ قصد التَّعريف أو التَّنكير، قال في «الصِّحاح»: تقول: لقيته ضحًى، وضحَى إذا أردت به ضحى يومك لم تنوِّنه، وقال في «القاموس»: الضَّحْوُ والضَّحوة والضَّحِيَّة كـ «عشيَّةٍ»: ارتفاع النَّهار، والضُّحى: فُوَيقه، ويُذكَّر ويُصغَّر (٤): ضُحَيًّا؛ بلا هاءٍ، والضَّحاء بالمدِّ: إذا قَرُبَ (٥) انتصاف النهار، وبالضَّمِّ والقصر: الشَّمس، وأتيتُك ضحوةً: ضُحًى، وأضحى: صار فيها. انتهى. ويدخل وقت الرَّمي يوم النَّحر بنصف ليلة النَّحر لما روى أبو داود بإسنادٍ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل