الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٧٥
الحديث رقم ١٧٥ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا شرب الكلب من إناء أحدكم.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ مَنْ لَمْ يَرَ الْوُضُوءَ إِلَّا مِنَ الْمَخْرَجَيْنِ مِنَ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ. وَقَوْلُِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾
وَقَالَ عَطَاءٌ: فِيمَنْ يَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ الدُّودُ أَوْ مِنْ ذَكَرِهِ نَحْوُ الْقَمْلَةِ يُعِيدُ الْوُضُوءَ
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: إِذَا ضَحِكَ فِي الصَّلَاةِ أَعَادَ الصَّلَاةَ وَلَمْ يُعِدِ الْوُضُوءَ
وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ وَأَظْفَارِهِ أَوْ خَلَعَ خُفَّيْهِ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ، وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ فَرُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَنَزَفَهُ الدَّمُ فَرَكَعَ وَسَجَدَ وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ
وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ فِي جِرَاحَاتِهِمْ
وَقَالَ طَاوُسٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَعَطَاءٌ وَأَهْلُ الْحِجَازِ: لَيْسَ فِي الدَّمِ وُضُوءٌ، وَعَصَرَ ابْنُ عُمَرَ بَثْرَةً فَخَرَجَ مِنْهَا الدَّمُ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَبَزَقَ ابْنُ أَبِي أَوْفَى دَمًا فَمَضَى فِي صَلَاتِهِ
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَالْحَسَنُ فِيمَنْ يَحْتَجِمُ: لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا غَسْلُ مَحَاجِمِهِ.
١٧٥ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ ابْنِ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ غَلَقٌ. قال: وَيَبْعُدُ أَنْ تُتْرَكَ الْكِلَابُ تَنْتَابُ الْمَسْجِدَ حَتَّى تَمْتَهِنَهُ بِالْبَوْلِ فِيهِ.
وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ إِذَا قِيلَ بِطَهَارَتِهَا لَمْ يَمْتَنِعْ ذَلِكَ كَمَا فِي الْهِرَّةِ، وَالْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْحَالِ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ، ثُمَّ وَرَدَ الْأَمْرُ بِتَكْرِيمِ الْمَسَاجِدِ وَتَطْهِيرِهَا وَجَعْلِ الْأَبْوَابِ عَلَيْهَا، وَيُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ مَا زَادَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قال: كَانَ عُمَرُ يَقُولُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ اجْتَنِبُوا اللَّغْوَ فِي الْمَسْجِدِ، قال ابْنُ عُمَرَ: وَقَدْ كُنْتُ أَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَتِ الْكِلَابُ. . . إِلَخْ، فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ، ثُمَّ وَرَدَ الْأَمْرُ بِتَكْرِيمِ الْمَسْجِدِ حَتَّى مِنْ لَغْوِ الْكَلَامِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى طَهَارَةِ الْكَلْبِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ عَامًّا فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ لِأَنَّهُ اسْمٌ مُضَافٌ، لَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَا قَبْلَ الزَّمَنِ الَّذِي أُمِرَ فِيهِ بِصِيَانَةِ الْمَسْجِدِ، وَفِي قَوْلِهِ فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ مُبَالَغَةٌ لِدَلَالَتِهِ عَلَى نَفْيِ الْغَسْلِ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى، وَاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ ابْنُ بَطَّالٍ عَلَى طَهَارَةِ سُؤْرِهِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْكِلَابِ أَنْ تَتْبَعَ مَوَاضِعَ الْمَأْكُولِ، وَكَانَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ لَا بُيُوتَ لَهُمْ إِلَّا الْمَسْجِدَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَصِلَ لُعَابُهَا إِلَى بَعْضِ أَجْزَاءِ الْمَسْجِدِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ طَهَارَةَ الْمَسْجِدِ مُتَيَقَّنَةٌ وَمَا ذُكِرَ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَالْيَقِينُ لَا يُرْفَعُ بِالشَّكِّ. ثُمَّ إِنَّ دَلَالَتَهُ لَا تُعَارِضُ دَلَالَةَ مَنْطُوقِ الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي الْأَمْرِ بِالْغَسْلِ مِنْ وُلُوغِهِ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ تَطْهُرُ إِذَا لَاقَتْهَا النَّجَاسَةُ بِالْجَفَافِ، يَعْنِي أَنَّ قَوْلَهُ لَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ صَبِّ الْمَاءِ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى، فَلَوْلَا أَنَّ الْجَفَافَ يُفِيدُ تَطْهِيرَ الْأَرْضِ مَا تَرَكُوا ذَلِكَ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ.
(تَنْبِيهٌ): حَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ الشَّارِحِ أَنَّهُ أَبْدَلَ قَوْلَهُ يَرُشُّونَ بِلَفْظِ يَرْتَقِبُونَ بِإِسْكَانِ الرَّاءِ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ قَافٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ، وَفَسَّرَهُ بِأَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَخْشَوْنَ فَصُحِّفَ اللَّفْظُ، وَأَبْعَدَ فِي التَّفْسِيرِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الِارْتِقَابِ الِانْتِظَارُ، وَأَمَّا نَفْيُ الْخَوْفِ مِنْ نَفْيِ الِارْتِقَابِ فَهُوَ تَفْسِيرٌ بِبَعْضِ لَوَازِمِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٧٥ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ ابْنِ أَبِي السَّفَرِ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قال: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ فَقَتَلَ فَكُلْ، وَإِذَا أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ. قُلْتُ: أُرْسِلُ كَلْبِي فَأَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ، قال: فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى كَلْبٍ آخَرَ.
[الحديث ١٧٥ - أطرافه في: ٧٣٩٧، ٥٤٨٧، ٥٤٨٦، ٥٤٨٤، ٥٤٨٣، ٥٤٧٧، ٢٠٥٤]
قَوْلُهُ: (ابْنُ أَبِي السَّفَرِ) تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَةِ أَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَأَنَّ السَّفَرَ بِفَتْحِ الْفَاءِ، وَوَهِمَ مَنْ سَكَّنَهَا.
قَوْلُهُ: (عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ) أَيِ الطَّائِيُّ.
قَوْلُهُ: (سَأَلْتُ)؛ أَيْ: عَنْ حُكْمِ صَيْدِ الْكِلَابِ، وَحَذَفَ لَفْظَ السُّؤَالِ اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ الْجَوَابِ عَلَيْهِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى فِي الصَّيْدِ كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَإِنَّمَا سَاقَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ هُنَا لِيَسْتَدِلَّ بِهِ لِمَذْهَبِهِ فِي طَهَارَةِ سُؤْرِ الْكَلْبِ، وَمُطَابَقَتِهِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ قَوْلِهِ فِيهَا وَسُؤْرِ الْكِلَابِ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذِنَ لَهُ فِي أَكْلِ مَا صَادَهُ الْكَلْبُ وَلَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ بِغَسْلِ مَوْضِعِ فَمِهِ، وَمِنْ ثَمَّ قال مَالِكٌ: كَيْفَ يُؤْكَلُ صَيْدُهُ وَيَكُونُ لُعَابُهُ نَجِسًا؟ وَأَجَابَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِأَنَّ الْحَدِيثَ سِيقَ لِتَعْرِيفِ أَنَّ قَتْلَهُ ذَكَاتُهُ، وَلَيْسَ فِيهِ إِثْبَاتُ نَجَاسَةٍ وَلَا نَفْيُهَا. وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَهُ اغْسِلِ الدَّمَ إِذَا خَرَجَ مِنْ جُرْحٍ نَابِهُ، لَكِنَّهُ وَكَلَهُ إِلَى مَا تَقَرَّرَ عِنْدُهُ مِنْ وُجُوبِ غَسْلِ الدَّمِ، فَلَعَلَّهُ وَكَلَهُ أَيْضًا إِلَى مَا تَقَرَّرَ عِنْدُهُ مِنْ غَسْلِ مَا يُمَاسُّهُ
فَمُهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ السِّكِّينَ إِذَا سُقِيَتْ بِمَاءٍ نَجِسٍ وَذَبَحَ بِهَا نَجَّسَتِ الذَّبِيحَةَ، وَنَابُ الْكَلْبِ عِنْدَهُمْ نَجِسُ الْعَيْنِ، وَقَدْ وَافَقُونَا عَلَى أَنَّ ذَكَاتَهُ شَرْعِيَّةٌ لَا تُنَجِّسُ الْمُذَكَّى. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ الذَّبِيحَةَ لَا تَصِيرُ نَجِسَةً بِعَضِّ الْكَلْبِ ثُبُوتُ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهَا لَا تَصِيرُ مُتَنَجِّسَةً، فَمَا أَلْزَمَهُمْ بِهِ مِنَ التَّنَاقُضِ لَيْسَ بِلَازِمٍ، عَلَى أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ عِنْدَهُمْ خِلَافًا، وَالْمَشْهُورُ وُجُوبُ غَسْلِ الْمَعَضِّ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
٣٤ - بَاب مَنْ لَمْ يَرَ الْوُضُوءَ إِلَّا مِنْ الْمَخْرَجَيْنِ مِنْ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ. وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ وَقَالَ عَطَاءٌ فِيمَنْ يَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ الدُّودُ أَوْ مِنْ ذَكَرِهِ نَحْوُ الْقَمْلَةِ يُعِيدُ الْوُضُوءَ، وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: إِذَا ضَحِكَ فِي الصَّلَاةِ أَعَادَ الصَّلَاةَ وَلَمْ يُعِدْ الْوُضُوءَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ وَأَظْفَارِهِ أَوْ خَلَعَ خُفَّيْهِ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ. وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ فَرُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَنَزَفَهُ الدَّمُ، فَرَكَعَ وَسَجَدَ وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ فِي جِرَاحَاتِهِمْ. وَقَالَ طَاوُسٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَعَطَاءٌ وَأَهْلُ الْحِجَازِ: لَيْسَ فِي الدَّمِ وُضُوءٌ. وَعَصَرَ ابْنُ عُمَرَ بَثْرَةً فَخَرَجَ مِنْهَا الدَّمُ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. وَبَزَقَ ابْنُ أَبِي أَوْفَى دَمًا فَمَضَى فِي صَلَاتِهِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَالْحَسَنُ فِيمَنْ يَحْتَجِمُ: لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا غَسْلُ مَحَاجِمِهِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ لَمْ يَرَ الْوُضُوءَ إِلَّا مِنَ الْمَخْرَجَيْنِ) الِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغٌ، وَالْمَعْنَى مَنْ لَمْ يَرَ الْوُضُوءَ وَاجِبًا مِنَ الْخُرُوجِ مِنْ شَيْءٍ مِنْ مَخَارِجِ الْبَدَنِ إِلَّا مِنَ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى خِلَافِ مَنْ رَأَى الْوُضُوءَ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ غَيْرِهِمَا مِنَ الْبَدَنِ كَالْقَيْءِ وَالْحِجَامَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ نَوَاقِضَ الْوُضُوءِ الْمُعْتَبَرَةَ تَرْجِعُ إِلَى الْمَخْرَجَيْنِ: فَالنَّوْمُ مَظِنَّةُ خُرُوجِ الرِّيحِ، وَلَمْسُ الْمَرْأَةِ وَمَسُّ الذَّكَرِ مَظِنَّةُ خُرُوجِ الْمَذْيِ.
قَوْلُهُ: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ فَعَلَّقَ وُجُوبَ الْوُضُوءِ - أَوِ التَّيَمُّمَ عِنْدَ فَقَدِ الْمَاءِ - عَلَى الْمَجِيءِ مِنَ الْغَائِطِ، وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُطَمْئِنُ مِنَ الْأَرْضِ الَّذِي كَانُوا يَقْصِدُونَهُ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، فَهَذَا دَلِيلُ الْوُضُوءِ مِمَّا يَخْرُجُ مِنَ الْمَخْرَجَيْنِ. وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ دَلِيلُ الْوُضُوءِ مِنْ مُلَامَسَةِ النِّسَاءِ، وَفِي مَعْنَاهُ مَسُّ الذَّكَرِ مَعَ صِحَّةِ الْحَدِيثِ فِيهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَقَدْ صَحَّحَهُ مَالِكٌ وَجَمِيعُ مَنْ أَخْرَجَ الصَّحِيحَ غَيْرَ الشَّيْخَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَطَاءٌ) هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ. وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ بِنَحْوِهِ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَالْمُخَالِفُ فِي ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، قَالُوا: لَا يَنْقُضُ النَّادِرُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، قال: إِلَّا إِنْ حَصَلَ مَعَهُ تَلْوِيثٌ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ جَابِرٌ) هَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَهُوَ صَحِيحٌ مِنْ قَوْلِ جَابِرٍ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى مَرْفُوعًا لَكِنْ ضَعَّفَهَا.
وَالْمُخَالِفُ فِي ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، قَالُوا: يَنْقُضُ الضَّحِكُ إِذَا وَقَعَ دَاخِلَ الصَّلَاةِ لَا خَارِجَهَا. قال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ خَارِجَ الصَّلَاةِ، وَاخْتَلَفُوا إِذَا وَقَعَ فِيهَا، فَخَالَفَ مَنْ قال بِهِ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ، وَتَمَسَّكُوا بِحَدِيثٍ لَا يَصِحُّ، وَحَاشَا أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِينَ هُمْ خَيْرُ الْقُرُونِ أَنْ يَضْحَكُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، انْتَهَى. عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَأْخُذُوا بِعُمُومِ الْخَبَرِ الْمَرْوِيِّ فِي الضَّحِكِ بَلْ
خَصُّوهُ بِالْقَهْقَهَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ) أَيِ: ابْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَالتَّعْلِيقُ عَنْهُ لِلْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَالْمُخَالِفُ فِي ذَلِكَ مُجَاهِدٌ، وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، وَحَمَّادٌ قَالُوا: مَنْ قَصَّ أَظْفَارَهُ أَوْ جَزَّ شَارِبَهُ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ. وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ اسْتَقَرَّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ. وَأَمَّا التَّعْلِيقُ عَنْهُ لِلْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَطَاوُسٌ، وَقَتَادَةُ، وَعَطَاءٌ، وَبِهِ كَانَ يُفْتِي سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، وَدَاوُدُ، وَخَالَفَهُمُ الْجُمْهُورُ عَلَى قَوْلَيْنِ مُرَتَّبَيْنِ عَلَى إِيجَابِ الْمُوَالَاةِ وَعَدَمِهَا، فَمَنْ أَوْجَبَهَا، قال: يَجِبُ اسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ إِذَا طَالَ الْفَصْلُ، وَمَنْ لَمْ يُوجِبْهَا، قال: يَكْتَفِي بِغَسْلِ رِجْلَيْهِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ فِي الْمُوَطَّأِ (١): أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَبْتَدِئَ الْوُضُوءَ مِنْ أَوَّلِهِ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ: يَجِبُ الِاسْتِئْنَافُ وَإِنْ لَمْ تَجِبِ الْمُوَالَاةُ، وَعَنِ اللَّيْثِ عَكْسُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) وَصَلَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ عَنْهُ مَوْقُوفًا، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا، وَزَادَ أَوْ رِيحٍ.
قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ) وَصَلَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي، قال: حَدَّثَنِي صَدَقَةُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ عَقِيلِ بْنِ جَابِرٍ عَنْ أَبِيهِ مُطَوَّلًا. وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَشَيْخُهُ صَدَقَةُ ثِقَةٌ، وَعَقِيلٌ بِفَتْحِ الْعَيْنِ لَا أَعْرِفُ رَاوِيًا عَنْهُ غَيْرَ صَدَقَةَ، وَلِهَذَا لَمْ يَجْزِمْ بِهِ الْمُصَنِّفُ، أَوْ لِكَوْنِهِ اخْتَصَرَهُ، أَوْ لِلْخِلَافِ فِي ابْنِ إِسْحَاقَ.
قَوْلُهُ: (فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ) سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (فَرُمِيَ) بِضَمِّ الرَّاءِ.
قَوْلُهُ: (رَجُلٌ) تَبَيَّنَ مِنْ سِيَاقِ الْمَذْكُورِينَ سَبَبُ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَمُحَصَّلُهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَزَلَ بِشِعْبٍ، فَقَالَ: مَنْ يَحْرُسُنَا اللَّيْلَةَ؟ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَبَاتَا بِفَمِ الشِّعْبِ فَاقْتَسَمَا اللَّيْلَ لِلْحِرَاسَةِ، فَنَامَ الْمُهَاجِرِيُّ وَقَامَ الْأَنْصَارِيُّ يُصَلِّي، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْعَدُوِّ فَرَأَى الْأَنْصَارِيَّ، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ فَأَصَابَهُ فَنَزَعَهُ وَاسْتَمَرَّ فِي صَلَاتِهِ، ثُمَّ رَمَاهُ بِثَانٍ فَصَنَعَ كَذَلِكَ، ثُمَّ رَمَاهُ بِثَالِثٍ فَانْتَزَعَهُ وَرَكَعَ وَسَجَدَ وَقَضَى صَلَاتَهُ، ثُمَّ أَيْقَظَ رَفِيقَهُ. فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِ مِنَ الدِّمَاءِ، قال لَهُ: لِمَ لَا أَنْبَهْتَنِي أَوَّلَ مَا رَمَى؟ قال: كُنْتُ فِي سُورَةٍ فَأَحْبَبْتُ أَنْ لَا أَقْطَعَهَا.
وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَسَمَّى الْأَنْصَارِيَّ الْمَذْكُورَ عَبَّادَ بْنَ بِشْرٍ وَالْمُهَاجِرِيَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، وَالسُّورَةَ الْكَهْفَ.
قَوْلُهُ: (فَنَزَفَهُ)، قال ابْنُ طَرِيفٍ (٢) فِي الْأَفْعَالِ: يُقَالُ: نَزَفَهُ الدَّمُ وَأَنْزَفَهُ إِذَا سَالَ مِنْهُ كَثِيرًا حَتَّى يُضْعِفَهُ فَهُوَ نَزِيفٌ وَمَنْزُوفٌ. وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا الْحَدِيثِ الرَّدَّ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ فِي أَنَّ الدَّمَ السَّائِلَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ مَضَى فِي صَلَاتِهِ مَعَ وُجُودِ الدَّمِ فِي بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ وَاجْتِنَابُ النَّجَاسَةِ فِيهَا وَاجِبٌ؟ أَجَابَ الْخَطَّابِيُّ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الدَّمُ جَرَى مِنَ الْجِرَاحِ عَلَى سَبِيلِ الدَّفْقِ، بِحَيْثُ لَمْ يُصِبْ شَيْئًا مِنْ ظَاهِرِ بَدَنِهِ وَثِيَابِهِ، وَفِيهِ بُعْدُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الدَّمُ أَصَابَ الثَّوْبَ فَقَطْ فَنَزَعَهُ عَنْهُ وَلَمْ يَسِلْ عَلَى جِسْمِهِ إِلَّا قَدْرٌ يَسِيرٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ. ثُمَّ الْحُجَّةُ قَائِمَةٌ بِهِ عَلَى كَوْنِ خُرُوجِ الدَّمِ لَا يَنْقُضُ، وَلَوْ لَمْ يَظْهَرِ الْجَوَابُ عَنْ كَوْنِ الدَّمِ أَصَابَهُ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ كَانَ يَرَى أَنَّ خُرُوجَ الدَّمَ فِي الصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُهَا بِدَلِيلِ أَنَّهُ ذَكَرَ عَقِبَ هَذَا الْحَدِيثِ أَثَرَ الْحَسَنِ وَهُوَ الْبَصْرِيُّ، قال: مَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ فِي جِرَاحَاتِهِمْ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ عُمَرَ صَلَّى وَجُرْحُهُ يَنْبُعُ دَمًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ طَاوُسٌ) هُوَ ابْنُ كَيْسَانَ التَّابِعِيُّ الْمَشْهُورُ، وَأَثَرُهُ هَذَا وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَلَفْظُهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى فِي الدَّمِ وُضُوءًا، يَغْسِلُ عَنْهُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
أصل الإباحة، ثمَّ ورد الأمر بتكريم المساجد وتطهيرها وجعل الأبواب عليها، وبهذا الحديث استدلَّ الحنفيَّة على طهارة الأرض إذا أصابتها نجاسةٌ وجفَّت بالشَّمس أو الهواء وذهب أثرها، وعليه بَوَّب أبو داود حيث قال: «باب طهور الأرض إذا يبست».
ورجاله السِّتَّة ما بين بصريٍّ وأيليٍّ ومدنيٍّ، وفيه: تابعيٌّ عن تابعيٍّ، والقول والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه أبو داود والإسماعيليُّ وأبو نُعيمٍ.
١٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارث بن سَخْبَرة، بفتح المُهمَلَة وسكون المُعجَمَة وفتح المُوحَّدَة، النَّمريُّ الأزديُّ البصريُّ، أبو عمر الحوضيُّ، ثقةٌ ثَبْتٌ، عيبَ بأخذ الأجرة على الحديث، من كبار العاشرة، تُوفِّي سنة خمسٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ ابْنِ أَبِي السَّفَرِ) بفتح السِّين والفاء، عبد الله بن (١) سعيد بن يحمد (٢) -أو أحمد- الهمْدانيِّ الكوفيِّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) بفتح الشِّين المُعجَمة، واسمه: عامرٌ (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ) أي: ابن عبد الله بن سعد (٣) بن الحَشْرج، بفتح المُهمَلة وسكون المُعجَمة آخره جيمٌ، الصَّحابيِّ الشَّهير الطَّائيِّ، المُتوفَّى بالكوفة زمن المختار سنة ثمانٍ وستِّين، وقِيلَ: إنَّه عاش مئةً وثمانين سنةً، له في «البخاريِّ» سبعة أحاديث (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ) عن حكم صيد الكلاب، كما صرَّح به المؤلِّف في «كتاب الصَّيد» [خ¦٥٤٧٦] (فَقَالَ) وفي رواية الأربعة: «قال»: (إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ) بفتح اللَّام المُشدَّدة، وهو الذي يسترسل بإرسال صاحبه، أي:
يهيج بإغرائه وينزجر بانزجاره، في ابتداء الأمر وبعد شدَّة العَدْو (١)، ويمسك الصَّيد ليأخذه الصَّائد، ولا يأكل منه (فَقَتَلَ) الصَّيد (فَكُلْ، وَإِذَا أَكَلَ) الكلب الصَّيد (فَلَا تَأْكُلْ) منه وعلَّل بقوله: (فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ) قال عديُّ بن حاتمٍ: (قُلْتُ) لرسول الله ﷺ: (أُرْسِلُ كَلْبِي) المُعلَّم (فَأَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ، قَالَ) ﵊: (فَلَا تَأْكُلْ) منه (فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ) أي: ذكرت اسم الله (عَلَى كَلْبِكَ) عند إرساله (وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى كَلْبٍ آخَرَ) ظاهره وجوب التَّسمية، حتَّى لو تركها سهوًا أو عمدًا لا يحلُّ، وهو قول أهل الظَّاهر، وقال الحنفيَّة والمالكيَّة: يجوز تركها سهوًا لا عمدًا، واحتجُّوا مع الحديث بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] وقال الشَّافعيَّة: سُنَّةٌ، فلو تركها عمدًا أو سهوًا يَحِلُّ، قِيل: وهذا الحديث حجَّةٌ عليهم، وأُجِيب بحديث عائشة ﵂ عند المصنِّف ﵀ [خ¦٢٠٥٧]: قلت: يا رسول الله، إنَّ قومًا حديثو عهدٍ بجاهليَّةٍ أتونا بلحمٍ، لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لم يذكروا، أنأكل منه أم لا؟ فقال: «اذكروا اسم الله عليه (٢) وكلوا»، فلو كان واجبًا لَما جاز الأكل مع الشَّكِّ، وأمَّا الآية: ففسِّر الفسق فيها بما أُهِلَّ به لغير الله تعالى، وتوجيهه: أنَّ قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ ليس معطوفًا؛ لأنَّ الجملة الأولى فعليَّةٌ إنشائيَّةٌ، والثَّانية خبريَّةٌ، ولا يجوز أن تكون جوابًا لمكان الواو، فتعيَّن كونها حاليَّةً فتقيَّد النَّهيُ بحال (٣) كون الذَّبح فسقًا، والفسق: مُفسَّرٌ في القرآن بما أُهِلَّ به (٤) لغير الله تعالى،
فيكون دليلًا لنا لا علينا، وهذا نوعٌ من القلب، وقال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وهم لا يسمُّون، وقد قام الإجماع على أنَّ من أكل متروك التَّسمية ليس بفاسقٍ، ومُطابَقَة هذا الحديث للتَّرجمة من (١) قوله فيها: وسؤر الكلاب؛ لأنَّ في الحديث أنَّه ﵊ أَذِنَ في أكل (٢) ما صاده الكلاب، ولم يقيِّد ذلك بغسل موضع فمه (٣)، ولذا قال مالكٌ: كيف يُؤكَل صيده ويكون لعابه نجسًا؟ وأُجِيب بأنَّ الشَّارع وَكَلَهُ إلى ما تقرَّر عنده من غسل ما يماسُّه (٤) فمه.
وهذا الحديث من الخماسيَّات، ورواته كلُّهم أئمَّةٌ أَجِلَّاءُ، ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «البيوع» [خ¦٢٠٥٤] و «الصَّيد والذَّبائح» [خ¦٥٤٧٦]، ومسلمٌ وابن ماجه كلاهما فيه أيضًا.
(٣٤) هذا (بابُ مَنْ لَمْ يَرَ الوُضُوءَ) واجبًا من مخرجٍ من مخارج البدن (إِلَّا مِنَ المَخْرَجَيْنِ القُبُلِ
وَالدُّبُرِ) بالجرِّ فيهما، عطفُ بيانٍ أو بدلٌ، أي: لا من مخرجٍ آخرَ، كالفصد والحجامة والقيء وغيرها، و «القُبُل» يتناول ذَكَر الرَّجل وفرج المرأة، وزاد في روايةٍ (١): «من» قبل (٢): «القُبل والدُّبر» (لقَوْلِه تَعَالَى) وفي رواية غير الهَرَوِيِّ والأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت: «وقول الله تعالى»: (﴿أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦]) أي: فأحدث بخروج الخارج من أحد السَّبيلين، القُبل والدُّبر، وأصل «الغائط»: المطمئنُّ من الأرض تُقضَى فيه الحاجة، سُمِّيَ باسم الخارج للمُجاوَرَة، لكن ليس في هذه الآية ما يدلُّ على الحصر الذي ذكره المؤلِّف، غاية ما فيها: أنَّ الله تعالى أخبر أنَّ الوضوء أوِ (٣) التَّيمُّم عند فقد الماء يجب بالخارج من السَّبيلين، وبمُلامَسَة النِّساء المُفسَّرة (٤) بجسِّ اليد، كما فسَّرها به ابن عمر ﵄، واستدلَّ بذلك الإمام الشَّافعيُّ ﵁ على نقض الوضوء به، والمعنى في النَّقض به أنَّه مظنَّة الالتذاذ المثير للشَّهوة، وقال الحنفيَّة: المُلامَسَة كنايةٌ عن الجماع، فيكون دليلًا للغُسْل لا للوضوء، وأُجِيب بأنَّ اللَّفظ لا يختصُّ بالجماع، قال تعالى: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٧] وقال ﵊ لماعزٍ: «لعلَّك لمست». (وَقَالَ عَطَاءٌ) أي: ابن أبي رباحٍ ممَّا وصله ابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» بإسنادٍ صحيحٍ (فِيمَنْ يَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ الدُّودُ أَوْ مِنْ ذَكَرِهِ نَحْوُ القَمْلَةِ) وغير ذلك من النَّادر، قال (٥): (يُعِيدُ الوُضُوءَ) وهذا (٦) مذهب الشَّافعيِّ وأحمد وإسحاق وأبي ثورٍ وسفيان الثَّوريِّ والأوزاعيِّ، وقال قتادة ومالكٌ: لا وضوء فيه، وفي نسخة بـ «اليونينيَّة»: «يعيد الصَّلاة» بدل «الوضوء». (وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) ﵁ ممَّا وصله سعيد بن
منصورٍ والدَّارقُطنيُّ: (إِذَا ضَحِكَ) فظهر منه حرفان أو حرفٌ مفهمٌ (فِي الصَّلَاةِ أَعَادَ الصَّلَاةَ لَا الوُضُوءَ) والذي في «اليونينيَّة»: «ولم يُعِدِ الوضوءَ»، وقال أبو حنيفة: إذا قهقه في الصَّلاة ذات الرُّكوع والسُّجود بصوتٍ يسمعه جيرانه بطلتِ الصَّلاة (١) وانتقض الوضوء، وإن لم يسمعه جيرانه فلا؛ لحديث: «من ضحك في الصَّلاة قهقهةً فليعدِ الوضوء والصَّلاة» (٢). أخرجه ابن عديٍّ في «كامله»، سواءٌ كان بصوتٍ يُسمَع أو تبسُّمٌ، والخلاف إنَّما هو في نقض الوضوء، لا في إبطال الصَّلاة. (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ ممَّا أخرجه سعيد بن منصورٍ وابن المنذر بإسنادٍ صحيحٍ موصولًا: (إِنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ) أي: شعر (٣) رأسه أو شاربه (أَوْ) من (أَظْفَارِهِ) ولابن عساكر: «وأظفاره»؛ فلا وضوء عليه خلافًا لمجاهدٍ والحكم بن عُتَيبة (٤) وحمَّادٍ (أَوْ خَلَعَ) وفي رواية ابن عساكر: «وخلع» (خُفَّيْهِ) أو أحدهما بعد المسح عليهما (فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ) وهذا ممَّا وصله ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ عن هشيمٍ عن يونس عنِ الحسن البصريِّ، وإليه ذهب قتادة وعطاءٌ وطاوسٌ وإبراهيم النَّخعيُّ وسلمان وداود، واختاره النَّوويُّ في «شرح المُهذَّب» كابن المنذر، وفي قولٍ (٥): يتوضَّأ لبطلان (٦) كلِّ الطَّهارة ببطلان بعضها كالصَّلاة، والأظهر: أنَّه يغسل قدميه فقط لبطلان طهرهما بالخَلْع أوِ الانتهاء.
(وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ ممَّا وصله القاضي إسماعيل في «الأحكام» بإسنادٍ صحيحٍ من طريق
مجاهدٍ عنه: (لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ) هو في اللُّغة: الشَّيء الحادث، ثمَّ نُقِلَ إلى الأسباب النَّاقضة للطَّهارة (١)، وإلى المنع المترتِّب (٢) عليها مجازًا، من باب قصر العامِّ على الخاصِّ، والأوَّل هو المُراد هنا (وَيُذْكَرُ) بضمِّ الياء (عَنْ جَابِرٍ) ﵁ ممَّا وصله ابن إسحاق في «المغازي» وأخرجه أحمد وأبو داود والدَّارقطنيُّ، وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبَّان والحاكم، كلُّهم من طريق ابن إسحاق (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، فَرُمِيَ رَجُلٌ) وهو عبَّاد بن بشرٍ (بِسَهْمٍ، فَنَزَفَهُ الدَّمُ) بفتح الزَّايِ والفاء، أي: خرج منه دمٌ كثيرٌ (فَرَكَعَ وَسَجَدَ وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ) فلم يقطعها لاشتغاله بحلاوتها عن مرارة ألم الجرح، وفيه: ردٌّ على الحنفيَّة حيث قالوا: ينتقض (٣) الوضوء إذا سال الدَّم (٤)، لكن يشكل عليه: الصَّلاة مع وجود الدم في بدنه أو ثوبه المستلزم لبطلان الصَّلاة للنَّجاسة، وأُجِيب باحتمال عدم إصابة الدَّم لهما، أو إصابة الثَّوب فقط ونزعه عنه (٥) في الحال، ولم يَسِلْ على جسده إلَّا مقدار ما يُعفَى عنه، كذا قرَّره الحافظ ابن حجرٍ والبرماويُّ والعينيُّ وغيرهم، وهو مبنيٌّ على عدم العفوِ عن كثيرِ دمِ نفسِه، فيكون كدم الأجنبيِّ فلا يُعفَى إلَّا عن قليله فقط، وهو الذي صحَّحه النَّوويُّ في «المجموع» و «التَّحقيق»، وصحَّح في «المنهاج» و «الرَّوضة» أنَّه كدم البَثْرة، وقضيَّته العفوُ عن قليله وكثيره، وقد صحَّ أنَّ عمر ﵁ صلَّى وجرحه ينزف دمًا.
(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ: (مَا زَالَ المُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ فِي جِرَاحَاتِهِمْ) بكسر الجيم، قال العينيُّ منتصرًا لمذهبه: أي: يصلُّون في جراحاتهم من غير سيلان الدَّم، والدَّليل عليه: ما رواه ابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» عن هُشَيمٍ (١) عن يونس عن الحسن البصريِّ (٢): أنَّه كان لا يرى الوضوء من الدَّم إلَّا ما كان سائلًا، هذا الذي رُوِيَ عنِ الحسن بإسنادٍ صحيحٍ، وهو مذهب الحنفيَّة وحجَّةٌ لهم على الخصم. انتهى. وليس كما قال؛ لأنَّ الأثر الذي رواه البخاريُّ ليس هو الذي ذكره هو، فإنَّ الأوَّل: هو (٣) روايته عنِ الصَّحابة وغيرهم، والثَّاني: مذهبٌ للحسن، فافهم.
(وَقَالَ طَاوُسٌ) اسمه: ذكوان بن كيسان اليمانيُّ الحِمْيريُّ، أحد الأعلام، فيما وصله ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ عن عبيد (٤) الله بن موسى بن حنظلة عنه (وَ) قال (مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ) أي: ابن الحسين بن عليِّ بن أبي طالبٍ الهاشميُّ، المدنيُّ التَّابعيُّ، أبو جعفرٍ المعروف بالباقر لأنَّه بَقَرَ العلمَ، أي: شَقَّه بحيث علم (٥) حقائقه، ممَّا وصله أبو بشرٍ سَمُّويه في «فوائده» من طريق الأعمش، ﵃ أجمعين (وَ) قال (عَطَاءٌ) أي (٦): ابن أبي رباحٍ ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق عن ابن جريجٍ عنه (وَ) قال (أَهْلُ الحِجَازِ) كسعيد بن المُسَيَّب، وسعيد بن جبيرٍ والفقهاء السَّبعة ومالكٍ والشَّافعيِّ وغيرهم، وهو من باب عطف العامِّ على الخاصِّ؛ لأنَّ الثَّلاثة السَّابقة: طاوسًا
ومحمَّدَ بنَ عليٍّ وعطاءً حجازيُّون: (لَيْسَ فِي الدَّمِ وُضُوءٌ) سواءٌ سال أو لم يَسِلْ، خلافًا لأبي حنيفة حيث أوجبه مع الإسالة، مستدلًّا بحديث الدَّارقُطنيِّ: «إلَّا أن يكون دمًا سائلًا»، وأُجِيب … (وَعَصَرَ ابْنُ عُمَرَ) عبدُ الله (١) ﵄ (بَثْرَةً) بسكون المُثلَّثة، وقد تُفتَح: خُراجًا (٢) صغيرًا في وجهه (فَخَرَجَ مِنْهَا الدَّمُ) فحكَّه بين أصبعيه وصلَّى (وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) وفي رواية أبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «فخرج منها دمٌ» وفي أخرى لهم: «الدَّم فلم» وفي أخرى لابن عساكر: «دمٌ ولم» وهذا الأثر وصله ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ. (وَبَزَقَ) بالزَّاي، ويجوز بالسِّين كالصَّاد (ابْنُ أَبِي أَوْفَى) عبدُ الله، الصَّحابيُّ ابن الصَّحابيِّ، وهو آخر من مات مِنَ الصَّحابة بالكوفة سنة سبعٍ وثمانين، وقد كُفَّ بصره قبل (٣)، وقد رآه أبو حنيفة ﵁ وعمره سبع سنين (دَمًا) وهو يصلِّي (فَمَضَى فِي صَلَاتِهِ) وهذا وصله سفيان الثَّوريُّ في «جامعه» عن عطاءِ بن السَّائب بإسنادٍ صحيحٍ؛ لأنَّ سفيان سمع من عطاءٍ قبل اختلاطه.
(وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄ (وَالحَسَنُ) البصريُّ (فِيمَنْ يَحْتَجِمُ) وفي رواية الأربعة: «فيمنِ احتجم»: (لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا غَسْلُ مَحَاجِمِهِ) لا الوضوء، و «المحاجم»: جمع مَحجمةٍ، بفتح الميم، موضع الحجامة، وقد وصل أثرَ ابن عمر الشَّافعيُّ وابن أبي شيبة بلفظ: «كان إذا احتجم غسل محاجمه»، وأمَّا أثر الحسن فوصله ابن أبي شيبة (٤) أيضًا بلفظ: إنَّه سُئِلَ عنِ الرَّجل يحتجم ماذا عليه؟ قال: «يغسل أثر محاجمه»، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ليس عليه غسل محاجمه» بإسقاط «إِلَّا»، وهو الذي ذكره الإسماعيليُّ، وقال ابن بطَّالٍ: ثبتت في رواية المُستملي دون رفيقيه. انتهى. وكذا هي ثابتةٌ في فرع «اليونينيَّة» عنه وعنِ الهرويِّ، وقال
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ غَلَقٌ. قال: وَيَبْعُدُ أَنْ تُتْرَكَ الْكِلَابُ تَنْتَابُ الْمَسْجِدَ حَتَّى تَمْتَهِنَهُ بِالْبَوْلِ فِيهِ.
وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ إِذَا قِيلَ بِطَهَارَتِهَا لَمْ يَمْتَنِعْ ذَلِكَ كَمَا فِي الْهِرَّةِ، وَالْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْحَالِ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ، ثُمَّ وَرَدَ الْأَمْرُ بِتَكْرِيمِ الْمَسَاجِدِ وَتَطْهِيرِهَا وَجَعْلِ الْأَبْوَابِ عَلَيْهَا، وَيُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ مَا زَادَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قال: كَانَ عُمَرُ يَقُولُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ اجْتَنِبُوا اللَّغْوَ فِي الْمَسْجِدِ، قال ابْنُ عُمَرَ: وَقَدْ كُنْتُ أَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَتِ الْكِلَابُ. . . إِلَخْ، فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ، ثُمَّ وَرَدَ الْأَمْرُ بِتَكْرِيمِ الْمَسْجِدِ حَتَّى مِنْ لَغْوِ الْكَلَامِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى طَهَارَةِ الْكَلْبِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ عَامًّا فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ لِأَنَّهُ اسْمٌ مُضَافٌ، لَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَا قَبْلَ الزَّمَنِ الَّذِي أُمِرَ فِيهِ بِصِيَانَةِ الْمَسْجِدِ، وَفِي قَوْلِهِ فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ مُبَالَغَةٌ لِدَلَالَتِهِ عَلَى نَفْيِ الْغَسْلِ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى، وَاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ ابْنُ بَطَّالٍ عَلَى طَهَارَةِ سُؤْرِهِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْكِلَابِ أَنْ تَتْبَعَ مَوَاضِعَ الْمَأْكُولِ، وَكَانَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ لَا بُيُوتَ لَهُمْ إِلَّا الْمَسْجِدَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَصِلَ لُعَابُهَا إِلَى بَعْضِ أَجْزَاءِ الْمَسْجِدِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ طَهَارَةَ الْمَسْجِدِ مُتَيَقَّنَةٌ وَمَا ذُكِرَ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَالْيَقِينُ لَا يُرْفَعُ بِالشَّكِّ. ثُمَّ إِنَّ دَلَالَتَهُ لَا تُعَارِضُ دَلَالَةَ مَنْطُوقِ الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي الْأَمْرِ بِالْغَسْلِ مِنْ وُلُوغِهِ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ تَطْهُرُ إِذَا لَاقَتْهَا النَّجَاسَةُ بِالْجَفَافِ، يَعْنِي أَنَّ قَوْلَهُ لَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ صَبِّ الْمَاءِ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى، فَلَوْلَا أَنَّ الْجَفَافَ يُفِيدُ تَطْهِيرَ الْأَرْضِ مَا تَرَكُوا ذَلِكَ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ.
(تَنْبِيهٌ): حَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ الشَّارِحِ أَنَّهُ أَبْدَلَ قَوْلَهُ يَرُشُّونَ بِلَفْظِ يَرْتَقِبُونَ بِإِسْكَانِ الرَّاءِ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ قَافٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ، وَفَسَّرَهُ بِأَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَخْشَوْنَ فَصُحِّفَ اللَّفْظُ، وَأَبْعَدَ فِي التَّفْسِيرِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الِارْتِقَابِ الِانْتِظَارُ، وَأَمَّا نَفْيُ الْخَوْفِ مِنْ نَفْيِ الِارْتِقَابِ فَهُوَ تَفْسِيرٌ بِبَعْضِ لَوَازِمِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٧٥ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ ابْنِ أَبِي السَّفَرِ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قال: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ فَقَتَلَ فَكُلْ، وَإِذَا أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ. قُلْتُ: أُرْسِلُ كَلْبِي فَأَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ، قال: فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى كَلْبٍ آخَرَ.
[الحديث ١٧٥ - أطرافه في: ٧٣٩٧، ٥٤٨٧، ٥٤٨٦، ٥٤٨٤، ٥٤٨٣، ٥٤٧٧، ٢٠٥٤]
قَوْلُهُ: (ابْنُ أَبِي السَّفَرِ) تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَةِ أَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَأَنَّ السَّفَرَ بِفَتْحِ الْفَاءِ، وَوَهِمَ مَنْ سَكَّنَهَا.
قَوْلُهُ: (عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ) أَيِ الطَّائِيُّ.
قَوْلُهُ: (سَأَلْتُ)؛ أَيْ: عَنْ حُكْمِ صَيْدِ الْكِلَابِ، وَحَذَفَ لَفْظَ السُّؤَالِ اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ الْجَوَابِ عَلَيْهِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى فِي الصَّيْدِ كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَإِنَّمَا سَاقَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ هُنَا لِيَسْتَدِلَّ بِهِ لِمَذْهَبِهِ فِي طَهَارَةِ سُؤْرِ الْكَلْبِ، وَمُطَابَقَتِهِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ قَوْلِهِ فِيهَا وَسُؤْرِ الْكِلَابِ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذِنَ لَهُ فِي أَكْلِ مَا صَادَهُ الْكَلْبُ وَلَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ بِغَسْلِ مَوْضِعِ فَمِهِ، وَمِنْ ثَمَّ قال مَالِكٌ: كَيْفَ يُؤْكَلُ صَيْدُهُ وَيَكُونُ لُعَابُهُ نَجِسًا؟ وَأَجَابَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِأَنَّ الْحَدِيثَ سِيقَ لِتَعْرِيفِ أَنَّ قَتْلَهُ ذَكَاتُهُ، وَلَيْسَ فِيهِ إِثْبَاتُ نَجَاسَةٍ وَلَا نَفْيُهَا. وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَهُ اغْسِلِ الدَّمَ إِذَا خَرَجَ مِنْ جُرْحٍ نَابِهُ، لَكِنَّهُ وَكَلَهُ إِلَى مَا تَقَرَّرَ عِنْدُهُ مِنْ وُجُوبِ غَسْلِ الدَّمِ، فَلَعَلَّهُ وَكَلَهُ أَيْضًا إِلَى مَا تَقَرَّرَ عِنْدُهُ مِنْ غَسْلِ مَا يُمَاسُّهُ
فَمُهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ السِّكِّينَ إِذَا سُقِيَتْ بِمَاءٍ نَجِسٍ وَذَبَحَ بِهَا نَجَّسَتِ الذَّبِيحَةَ، وَنَابُ الْكَلْبِ عِنْدَهُمْ نَجِسُ الْعَيْنِ، وَقَدْ وَافَقُونَا عَلَى أَنَّ ذَكَاتَهُ شَرْعِيَّةٌ لَا تُنَجِّسُ الْمُذَكَّى. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ الذَّبِيحَةَ لَا تَصِيرُ نَجِسَةً بِعَضِّ الْكَلْبِ ثُبُوتُ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهَا لَا تَصِيرُ مُتَنَجِّسَةً، فَمَا أَلْزَمَهُمْ بِهِ مِنَ التَّنَاقُضِ لَيْسَ بِلَازِمٍ، عَلَى أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ عِنْدَهُمْ خِلَافًا، وَالْمَشْهُورُ وُجُوبُ غَسْلِ الْمَعَضِّ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
٣٤ - بَاب مَنْ لَمْ يَرَ الْوُضُوءَ إِلَّا مِنْ الْمَخْرَجَيْنِ مِنْ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ. وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ وَقَالَ عَطَاءٌ فِيمَنْ يَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ الدُّودُ أَوْ مِنْ ذَكَرِهِ نَحْوُ الْقَمْلَةِ يُعِيدُ الْوُضُوءَ، وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: إِذَا ضَحِكَ فِي الصَّلَاةِ أَعَادَ الصَّلَاةَ وَلَمْ يُعِدْ الْوُضُوءَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ وَأَظْفَارِهِ أَوْ خَلَعَ خُفَّيْهِ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ. وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ فَرُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَنَزَفَهُ الدَّمُ، فَرَكَعَ وَسَجَدَ وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ فِي جِرَاحَاتِهِمْ. وَقَالَ طَاوُسٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَعَطَاءٌ وَأَهْلُ الْحِجَازِ: لَيْسَ فِي الدَّمِ وُضُوءٌ. وَعَصَرَ ابْنُ عُمَرَ بَثْرَةً فَخَرَجَ مِنْهَا الدَّمُ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. وَبَزَقَ ابْنُ أَبِي أَوْفَى دَمًا فَمَضَى فِي صَلَاتِهِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَالْحَسَنُ فِيمَنْ يَحْتَجِمُ: لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا غَسْلُ مَحَاجِمِهِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ لَمْ يَرَ الْوُضُوءَ إِلَّا مِنَ الْمَخْرَجَيْنِ) الِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغٌ، وَالْمَعْنَى مَنْ لَمْ يَرَ الْوُضُوءَ وَاجِبًا مِنَ الْخُرُوجِ مِنْ شَيْءٍ مِنْ مَخَارِجِ الْبَدَنِ إِلَّا مِنَ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى خِلَافِ مَنْ رَأَى الْوُضُوءَ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ غَيْرِهِمَا مِنَ الْبَدَنِ كَالْقَيْءِ وَالْحِجَامَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ نَوَاقِضَ الْوُضُوءِ الْمُعْتَبَرَةَ تَرْجِعُ إِلَى الْمَخْرَجَيْنِ: فَالنَّوْمُ مَظِنَّةُ خُرُوجِ الرِّيحِ، وَلَمْسُ الْمَرْأَةِ وَمَسُّ الذَّكَرِ مَظِنَّةُ خُرُوجِ الْمَذْيِ.
قَوْلُهُ: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ فَعَلَّقَ وُجُوبَ الْوُضُوءِ - أَوِ التَّيَمُّمَ عِنْدَ فَقَدِ الْمَاءِ - عَلَى الْمَجِيءِ مِنَ الْغَائِطِ، وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُطَمْئِنُ مِنَ الْأَرْضِ الَّذِي كَانُوا يَقْصِدُونَهُ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، فَهَذَا دَلِيلُ الْوُضُوءِ مِمَّا يَخْرُجُ مِنَ الْمَخْرَجَيْنِ. وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ دَلِيلُ الْوُضُوءِ مِنْ مُلَامَسَةِ النِّسَاءِ، وَفِي مَعْنَاهُ مَسُّ الذَّكَرِ مَعَ صِحَّةِ الْحَدِيثِ فِيهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَقَدْ صَحَّحَهُ مَالِكٌ وَجَمِيعُ مَنْ أَخْرَجَ الصَّحِيحَ غَيْرَ الشَّيْخَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَطَاءٌ) هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ. وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ بِنَحْوِهِ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَالْمُخَالِفُ فِي ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، قَالُوا: لَا يَنْقُضُ النَّادِرُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، قال: إِلَّا إِنْ حَصَلَ مَعَهُ تَلْوِيثٌ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ جَابِرٌ) هَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَهُوَ صَحِيحٌ مِنْ قَوْلِ جَابِرٍ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى مَرْفُوعًا لَكِنْ ضَعَّفَهَا.
وَالْمُخَالِفُ فِي ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، قَالُوا: يَنْقُضُ الضَّحِكُ إِذَا وَقَعَ دَاخِلَ الصَّلَاةِ لَا خَارِجَهَا. قال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ خَارِجَ الصَّلَاةِ، وَاخْتَلَفُوا إِذَا وَقَعَ فِيهَا، فَخَالَفَ مَنْ قال بِهِ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ، وَتَمَسَّكُوا بِحَدِيثٍ لَا يَصِحُّ، وَحَاشَا أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِينَ هُمْ خَيْرُ الْقُرُونِ أَنْ يَضْحَكُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، انْتَهَى. عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَأْخُذُوا بِعُمُومِ الْخَبَرِ الْمَرْوِيِّ فِي الضَّحِكِ بَلْ
خَصُّوهُ بِالْقَهْقَهَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ) أَيِ: ابْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَالتَّعْلِيقُ عَنْهُ لِلْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَالْمُخَالِفُ فِي ذَلِكَ مُجَاهِدٌ، وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، وَحَمَّادٌ قَالُوا: مَنْ قَصَّ أَظْفَارَهُ أَوْ جَزَّ شَارِبَهُ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ. وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ اسْتَقَرَّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ. وَأَمَّا التَّعْلِيقُ عَنْهُ لِلْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَطَاوُسٌ، وَقَتَادَةُ، وَعَطَاءٌ، وَبِهِ كَانَ يُفْتِي سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، وَدَاوُدُ، وَخَالَفَهُمُ الْجُمْهُورُ عَلَى قَوْلَيْنِ مُرَتَّبَيْنِ عَلَى إِيجَابِ الْمُوَالَاةِ وَعَدَمِهَا، فَمَنْ أَوْجَبَهَا، قال: يَجِبُ اسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ إِذَا طَالَ الْفَصْلُ، وَمَنْ لَمْ يُوجِبْهَا، قال: يَكْتَفِي بِغَسْلِ رِجْلَيْهِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ فِي الْمُوَطَّأِ (١): أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَبْتَدِئَ الْوُضُوءَ مِنْ أَوَّلِهِ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ: يَجِبُ الِاسْتِئْنَافُ وَإِنْ لَمْ تَجِبِ الْمُوَالَاةُ، وَعَنِ اللَّيْثِ عَكْسُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) وَصَلَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ عَنْهُ مَوْقُوفًا، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا، وَزَادَ أَوْ رِيحٍ.
قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ) وَصَلَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي، قال: حَدَّثَنِي صَدَقَةُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ عَقِيلِ بْنِ جَابِرٍ عَنْ أَبِيهِ مُطَوَّلًا. وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَشَيْخُهُ صَدَقَةُ ثِقَةٌ، وَعَقِيلٌ بِفَتْحِ الْعَيْنِ لَا أَعْرِفُ رَاوِيًا عَنْهُ غَيْرَ صَدَقَةَ، وَلِهَذَا لَمْ يَجْزِمْ بِهِ الْمُصَنِّفُ، أَوْ لِكَوْنِهِ اخْتَصَرَهُ، أَوْ لِلْخِلَافِ فِي ابْنِ إِسْحَاقَ.
قَوْلُهُ: (فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ) سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (فَرُمِيَ) بِضَمِّ الرَّاءِ.
قَوْلُهُ: (رَجُلٌ) تَبَيَّنَ مِنْ سِيَاقِ الْمَذْكُورِينَ سَبَبُ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَمُحَصَّلُهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَزَلَ بِشِعْبٍ، فَقَالَ: مَنْ يَحْرُسُنَا اللَّيْلَةَ؟ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَبَاتَا بِفَمِ الشِّعْبِ فَاقْتَسَمَا اللَّيْلَ لِلْحِرَاسَةِ، فَنَامَ الْمُهَاجِرِيُّ وَقَامَ الْأَنْصَارِيُّ يُصَلِّي، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْعَدُوِّ فَرَأَى الْأَنْصَارِيَّ، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ فَأَصَابَهُ فَنَزَعَهُ وَاسْتَمَرَّ فِي صَلَاتِهِ، ثُمَّ رَمَاهُ بِثَانٍ فَصَنَعَ كَذَلِكَ، ثُمَّ رَمَاهُ بِثَالِثٍ فَانْتَزَعَهُ وَرَكَعَ وَسَجَدَ وَقَضَى صَلَاتَهُ، ثُمَّ أَيْقَظَ رَفِيقَهُ. فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِ مِنَ الدِّمَاءِ، قال لَهُ: لِمَ لَا أَنْبَهْتَنِي أَوَّلَ مَا رَمَى؟ قال: كُنْتُ فِي سُورَةٍ فَأَحْبَبْتُ أَنْ لَا أَقْطَعَهَا.
وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَسَمَّى الْأَنْصَارِيَّ الْمَذْكُورَ عَبَّادَ بْنَ بِشْرٍ وَالْمُهَاجِرِيَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، وَالسُّورَةَ الْكَهْفَ.
قَوْلُهُ: (فَنَزَفَهُ)، قال ابْنُ طَرِيفٍ (٢) فِي الْأَفْعَالِ: يُقَالُ: نَزَفَهُ الدَّمُ وَأَنْزَفَهُ إِذَا سَالَ مِنْهُ كَثِيرًا حَتَّى يُضْعِفَهُ فَهُوَ نَزِيفٌ وَمَنْزُوفٌ. وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا الْحَدِيثِ الرَّدَّ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ فِي أَنَّ الدَّمَ السَّائِلَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ مَضَى فِي صَلَاتِهِ مَعَ وُجُودِ الدَّمِ فِي بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ وَاجْتِنَابُ النَّجَاسَةِ فِيهَا وَاجِبٌ؟ أَجَابَ الْخَطَّابِيُّ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الدَّمُ جَرَى مِنَ الْجِرَاحِ عَلَى سَبِيلِ الدَّفْقِ، بِحَيْثُ لَمْ يُصِبْ شَيْئًا مِنْ ظَاهِرِ بَدَنِهِ وَثِيَابِهِ، وَفِيهِ بُعْدُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الدَّمُ أَصَابَ الثَّوْبَ فَقَطْ فَنَزَعَهُ عَنْهُ وَلَمْ يَسِلْ عَلَى جِسْمِهِ إِلَّا قَدْرٌ يَسِيرٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ. ثُمَّ الْحُجَّةُ قَائِمَةٌ بِهِ عَلَى كَوْنِ خُرُوجِ الدَّمِ لَا يَنْقُضُ، وَلَوْ لَمْ يَظْهَرِ الْجَوَابُ عَنْ كَوْنِ الدَّمِ أَصَابَهُ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ كَانَ يَرَى أَنَّ خُرُوجَ الدَّمَ فِي الصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُهَا بِدَلِيلِ أَنَّهُ ذَكَرَ عَقِبَ هَذَا الْحَدِيثِ أَثَرَ الْحَسَنِ وَهُوَ الْبَصْرِيُّ، قال: مَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ فِي جِرَاحَاتِهِمْ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ عُمَرَ صَلَّى وَجُرْحُهُ يَنْبُعُ دَمًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ طَاوُسٌ) هُوَ ابْنُ كَيْسَانَ التَّابِعِيُّ الْمَشْهُورُ، وَأَثَرُهُ هَذَا وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَلَفْظُهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى فِي الدَّمِ وُضُوءًا، يَغْسِلُ عَنْهُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
أصل الإباحة، ثمَّ ورد الأمر بتكريم المساجد وتطهيرها وجعل الأبواب عليها، وبهذا الحديث استدلَّ الحنفيَّة على طهارة الأرض إذا أصابتها نجاسةٌ وجفَّت بالشَّمس أو الهواء وذهب أثرها، وعليه بَوَّب أبو داود حيث قال: «باب طهور الأرض إذا يبست».
ورجاله السِّتَّة ما بين بصريٍّ وأيليٍّ ومدنيٍّ، وفيه: تابعيٌّ عن تابعيٍّ، والقول والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه أبو داود والإسماعيليُّ وأبو نُعيمٍ.
١٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارث بن سَخْبَرة، بفتح المُهمَلَة وسكون المُعجَمَة وفتح المُوحَّدَة، النَّمريُّ الأزديُّ البصريُّ، أبو عمر الحوضيُّ، ثقةٌ ثَبْتٌ، عيبَ بأخذ الأجرة على الحديث، من كبار العاشرة، تُوفِّي سنة خمسٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ ابْنِ أَبِي السَّفَرِ) بفتح السِّين والفاء، عبد الله بن (١) سعيد بن يحمد (٢) -أو أحمد- الهمْدانيِّ الكوفيِّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) بفتح الشِّين المُعجَمة، واسمه: عامرٌ (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ) أي: ابن عبد الله بن سعد (٣) بن الحَشْرج، بفتح المُهمَلة وسكون المُعجَمة آخره جيمٌ، الصَّحابيِّ الشَّهير الطَّائيِّ، المُتوفَّى بالكوفة زمن المختار سنة ثمانٍ وستِّين، وقِيلَ: إنَّه عاش مئةً وثمانين سنةً، له في «البخاريِّ» سبعة أحاديث (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ) عن حكم صيد الكلاب، كما صرَّح به المؤلِّف في «كتاب الصَّيد» [خ¦٥٤٧٦] (فَقَالَ) وفي رواية الأربعة: «قال»: (إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ) بفتح اللَّام المُشدَّدة، وهو الذي يسترسل بإرسال صاحبه، أي:
يهيج بإغرائه وينزجر بانزجاره، في ابتداء الأمر وبعد شدَّة العَدْو (١)، ويمسك الصَّيد ليأخذه الصَّائد، ولا يأكل منه (فَقَتَلَ) الصَّيد (فَكُلْ، وَإِذَا أَكَلَ) الكلب الصَّيد (فَلَا تَأْكُلْ) منه وعلَّل بقوله: (فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ) قال عديُّ بن حاتمٍ: (قُلْتُ) لرسول الله ﷺ: (أُرْسِلُ كَلْبِي) المُعلَّم (فَأَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ، قَالَ) ﵊: (فَلَا تَأْكُلْ) منه (فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ) أي: ذكرت اسم الله (عَلَى كَلْبِكَ) عند إرساله (وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى كَلْبٍ آخَرَ) ظاهره وجوب التَّسمية، حتَّى لو تركها سهوًا أو عمدًا لا يحلُّ، وهو قول أهل الظَّاهر، وقال الحنفيَّة والمالكيَّة: يجوز تركها سهوًا لا عمدًا، واحتجُّوا مع الحديث بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] وقال الشَّافعيَّة: سُنَّةٌ، فلو تركها عمدًا أو سهوًا يَحِلُّ، قِيل: وهذا الحديث حجَّةٌ عليهم، وأُجِيب بحديث عائشة ﵂ عند المصنِّف ﵀ [خ¦٢٠٥٧]: قلت: يا رسول الله، إنَّ قومًا حديثو عهدٍ بجاهليَّةٍ أتونا بلحمٍ، لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لم يذكروا، أنأكل منه أم لا؟ فقال: «اذكروا اسم الله عليه (٢) وكلوا»، فلو كان واجبًا لَما جاز الأكل مع الشَّكِّ، وأمَّا الآية: ففسِّر الفسق فيها بما أُهِلَّ به لغير الله تعالى، وتوجيهه: أنَّ قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ ليس معطوفًا؛ لأنَّ الجملة الأولى فعليَّةٌ إنشائيَّةٌ، والثَّانية خبريَّةٌ، ولا يجوز أن تكون جوابًا لمكان الواو، فتعيَّن كونها حاليَّةً فتقيَّد النَّهيُ بحال (٣) كون الذَّبح فسقًا، والفسق: مُفسَّرٌ في القرآن بما أُهِلَّ به (٤) لغير الله تعالى،
فيكون دليلًا لنا لا علينا، وهذا نوعٌ من القلب، وقال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وهم لا يسمُّون، وقد قام الإجماع على أنَّ من أكل متروك التَّسمية ليس بفاسقٍ، ومُطابَقَة هذا الحديث للتَّرجمة من (١) قوله فيها: وسؤر الكلاب؛ لأنَّ في الحديث أنَّه ﵊ أَذِنَ في أكل (٢) ما صاده الكلاب، ولم يقيِّد ذلك بغسل موضع فمه (٣)، ولذا قال مالكٌ: كيف يُؤكَل صيده ويكون لعابه نجسًا؟ وأُجِيب بأنَّ الشَّارع وَكَلَهُ إلى ما تقرَّر عنده من غسل ما يماسُّه (٤) فمه.
وهذا الحديث من الخماسيَّات، ورواته كلُّهم أئمَّةٌ أَجِلَّاءُ، ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «البيوع» [خ¦٢٠٥٤] و «الصَّيد والذَّبائح» [خ¦٥٤٧٦]، ومسلمٌ وابن ماجه كلاهما فيه أيضًا.
(٣٤) هذا (بابُ مَنْ لَمْ يَرَ الوُضُوءَ) واجبًا من مخرجٍ من مخارج البدن (إِلَّا مِنَ المَخْرَجَيْنِ القُبُلِ
وَالدُّبُرِ) بالجرِّ فيهما، عطفُ بيانٍ أو بدلٌ، أي: لا من مخرجٍ آخرَ، كالفصد والحجامة والقيء وغيرها، و «القُبُل» يتناول ذَكَر الرَّجل وفرج المرأة، وزاد في روايةٍ (١): «من» قبل (٢): «القُبل والدُّبر» (لقَوْلِه تَعَالَى) وفي رواية غير الهَرَوِيِّ والأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت: «وقول الله تعالى»: (﴿أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦]) أي: فأحدث بخروج الخارج من أحد السَّبيلين، القُبل والدُّبر، وأصل «الغائط»: المطمئنُّ من الأرض تُقضَى فيه الحاجة، سُمِّيَ باسم الخارج للمُجاوَرَة، لكن ليس في هذه الآية ما يدلُّ على الحصر الذي ذكره المؤلِّف، غاية ما فيها: أنَّ الله تعالى أخبر أنَّ الوضوء أوِ (٣) التَّيمُّم عند فقد الماء يجب بالخارج من السَّبيلين، وبمُلامَسَة النِّساء المُفسَّرة (٤) بجسِّ اليد، كما فسَّرها به ابن عمر ﵄، واستدلَّ بذلك الإمام الشَّافعيُّ ﵁ على نقض الوضوء به، والمعنى في النَّقض به أنَّه مظنَّة الالتذاذ المثير للشَّهوة، وقال الحنفيَّة: المُلامَسَة كنايةٌ عن الجماع، فيكون دليلًا للغُسْل لا للوضوء، وأُجِيب بأنَّ اللَّفظ لا يختصُّ بالجماع، قال تعالى: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٧] وقال ﵊ لماعزٍ: «لعلَّك لمست». (وَقَالَ عَطَاءٌ) أي: ابن أبي رباحٍ ممَّا وصله ابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» بإسنادٍ صحيحٍ (فِيمَنْ يَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ الدُّودُ أَوْ مِنْ ذَكَرِهِ نَحْوُ القَمْلَةِ) وغير ذلك من النَّادر، قال (٥): (يُعِيدُ الوُضُوءَ) وهذا (٦) مذهب الشَّافعيِّ وأحمد وإسحاق وأبي ثورٍ وسفيان الثَّوريِّ والأوزاعيِّ، وقال قتادة ومالكٌ: لا وضوء فيه، وفي نسخة بـ «اليونينيَّة»: «يعيد الصَّلاة» بدل «الوضوء». (وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) ﵁ ممَّا وصله سعيد بن
منصورٍ والدَّارقُطنيُّ: (إِذَا ضَحِكَ) فظهر منه حرفان أو حرفٌ مفهمٌ (فِي الصَّلَاةِ أَعَادَ الصَّلَاةَ لَا الوُضُوءَ) والذي في «اليونينيَّة»: «ولم يُعِدِ الوضوءَ»، وقال أبو حنيفة: إذا قهقه في الصَّلاة ذات الرُّكوع والسُّجود بصوتٍ يسمعه جيرانه بطلتِ الصَّلاة (١) وانتقض الوضوء، وإن لم يسمعه جيرانه فلا؛ لحديث: «من ضحك في الصَّلاة قهقهةً فليعدِ الوضوء والصَّلاة» (٢). أخرجه ابن عديٍّ في «كامله»، سواءٌ كان بصوتٍ يُسمَع أو تبسُّمٌ، والخلاف إنَّما هو في نقض الوضوء، لا في إبطال الصَّلاة. (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ ممَّا أخرجه سعيد بن منصورٍ وابن المنذر بإسنادٍ صحيحٍ موصولًا: (إِنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ) أي: شعر (٣) رأسه أو شاربه (أَوْ) من (أَظْفَارِهِ) ولابن عساكر: «وأظفاره»؛ فلا وضوء عليه خلافًا لمجاهدٍ والحكم بن عُتَيبة (٤) وحمَّادٍ (أَوْ خَلَعَ) وفي رواية ابن عساكر: «وخلع» (خُفَّيْهِ) أو أحدهما بعد المسح عليهما (فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ) وهذا ممَّا وصله ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ عن هشيمٍ عن يونس عنِ الحسن البصريِّ، وإليه ذهب قتادة وعطاءٌ وطاوسٌ وإبراهيم النَّخعيُّ وسلمان وداود، واختاره النَّوويُّ في «شرح المُهذَّب» كابن المنذر، وفي قولٍ (٥): يتوضَّأ لبطلان (٦) كلِّ الطَّهارة ببطلان بعضها كالصَّلاة، والأظهر: أنَّه يغسل قدميه فقط لبطلان طهرهما بالخَلْع أوِ الانتهاء.
(وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ ممَّا وصله القاضي إسماعيل في «الأحكام» بإسنادٍ صحيحٍ من طريق
مجاهدٍ عنه: (لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ) هو في اللُّغة: الشَّيء الحادث، ثمَّ نُقِلَ إلى الأسباب النَّاقضة للطَّهارة (١)، وإلى المنع المترتِّب (٢) عليها مجازًا، من باب قصر العامِّ على الخاصِّ، والأوَّل هو المُراد هنا (وَيُذْكَرُ) بضمِّ الياء (عَنْ جَابِرٍ) ﵁ ممَّا وصله ابن إسحاق في «المغازي» وأخرجه أحمد وأبو داود والدَّارقطنيُّ، وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبَّان والحاكم، كلُّهم من طريق ابن إسحاق (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، فَرُمِيَ رَجُلٌ) وهو عبَّاد بن بشرٍ (بِسَهْمٍ، فَنَزَفَهُ الدَّمُ) بفتح الزَّايِ والفاء، أي: خرج منه دمٌ كثيرٌ (فَرَكَعَ وَسَجَدَ وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ) فلم يقطعها لاشتغاله بحلاوتها عن مرارة ألم الجرح، وفيه: ردٌّ على الحنفيَّة حيث قالوا: ينتقض (٣) الوضوء إذا سال الدَّم (٤)، لكن يشكل عليه: الصَّلاة مع وجود الدم في بدنه أو ثوبه المستلزم لبطلان الصَّلاة للنَّجاسة، وأُجِيب باحتمال عدم إصابة الدَّم لهما، أو إصابة الثَّوب فقط ونزعه عنه (٥) في الحال، ولم يَسِلْ على جسده إلَّا مقدار ما يُعفَى عنه، كذا قرَّره الحافظ ابن حجرٍ والبرماويُّ والعينيُّ وغيرهم، وهو مبنيٌّ على عدم العفوِ عن كثيرِ دمِ نفسِه، فيكون كدم الأجنبيِّ فلا يُعفَى إلَّا عن قليله فقط، وهو الذي صحَّحه النَّوويُّ في «المجموع» و «التَّحقيق»، وصحَّح في «المنهاج» و «الرَّوضة» أنَّه كدم البَثْرة، وقضيَّته العفوُ عن قليله وكثيره، وقد صحَّ أنَّ عمر ﵁ صلَّى وجرحه ينزف دمًا.
(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ: (مَا زَالَ المُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ فِي جِرَاحَاتِهِمْ) بكسر الجيم، قال العينيُّ منتصرًا لمذهبه: أي: يصلُّون في جراحاتهم من غير سيلان الدَّم، والدَّليل عليه: ما رواه ابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» عن هُشَيمٍ (١) عن يونس عن الحسن البصريِّ (٢): أنَّه كان لا يرى الوضوء من الدَّم إلَّا ما كان سائلًا، هذا الذي رُوِيَ عنِ الحسن بإسنادٍ صحيحٍ، وهو مذهب الحنفيَّة وحجَّةٌ لهم على الخصم. انتهى. وليس كما قال؛ لأنَّ الأثر الذي رواه البخاريُّ ليس هو الذي ذكره هو، فإنَّ الأوَّل: هو (٣) روايته عنِ الصَّحابة وغيرهم، والثَّاني: مذهبٌ للحسن، فافهم.
(وَقَالَ طَاوُسٌ) اسمه: ذكوان بن كيسان اليمانيُّ الحِمْيريُّ، أحد الأعلام، فيما وصله ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ عن عبيد (٤) الله بن موسى بن حنظلة عنه (وَ) قال (مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ) أي: ابن الحسين بن عليِّ بن أبي طالبٍ الهاشميُّ، المدنيُّ التَّابعيُّ، أبو جعفرٍ المعروف بالباقر لأنَّه بَقَرَ العلمَ، أي: شَقَّه بحيث علم (٥) حقائقه، ممَّا وصله أبو بشرٍ سَمُّويه في «فوائده» من طريق الأعمش، ﵃ أجمعين (وَ) قال (عَطَاءٌ) أي (٦): ابن أبي رباحٍ ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق عن ابن جريجٍ عنه (وَ) قال (أَهْلُ الحِجَازِ) كسعيد بن المُسَيَّب، وسعيد بن جبيرٍ والفقهاء السَّبعة ومالكٍ والشَّافعيِّ وغيرهم، وهو من باب عطف العامِّ على الخاصِّ؛ لأنَّ الثَّلاثة السَّابقة: طاوسًا
ومحمَّدَ بنَ عليٍّ وعطاءً حجازيُّون: (لَيْسَ فِي الدَّمِ وُضُوءٌ) سواءٌ سال أو لم يَسِلْ، خلافًا لأبي حنيفة حيث أوجبه مع الإسالة، مستدلًّا بحديث الدَّارقُطنيِّ: «إلَّا أن يكون دمًا سائلًا»، وأُجِيب … (وَعَصَرَ ابْنُ عُمَرَ) عبدُ الله (١) ﵄ (بَثْرَةً) بسكون المُثلَّثة، وقد تُفتَح: خُراجًا (٢) صغيرًا في وجهه (فَخَرَجَ مِنْهَا الدَّمُ) فحكَّه بين أصبعيه وصلَّى (وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) وفي رواية أبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «فخرج منها دمٌ» وفي أخرى لهم: «الدَّم فلم» وفي أخرى لابن عساكر: «دمٌ ولم» وهذا الأثر وصله ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ. (وَبَزَقَ) بالزَّاي، ويجوز بالسِّين كالصَّاد (ابْنُ أَبِي أَوْفَى) عبدُ الله، الصَّحابيُّ ابن الصَّحابيِّ، وهو آخر من مات مِنَ الصَّحابة بالكوفة سنة سبعٍ وثمانين، وقد كُفَّ بصره قبل (٣)، وقد رآه أبو حنيفة ﵁ وعمره سبع سنين (دَمًا) وهو يصلِّي (فَمَضَى فِي صَلَاتِهِ) وهذا وصله سفيان الثَّوريُّ في «جامعه» عن عطاءِ بن السَّائب بإسنادٍ صحيحٍ؛ لأنَّ سفيان سمع من عطاءٍ قبل اختلاطه.
(وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄ (وَالحَسَنُ) البصريُّ (فِيمَنْ يَحْتَجِمُ) وفي رواية الأربعة: «فيمنِ احتجم»: (لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا غَسْلُ مَحَاجِمِهِ) لا الوضوء، و «المحاجم»: جمع مَحجمةٍ، بفتح الميم، موضع الحجامة، وقد وصل أثرَ ابن عمر الشَّافعيُّ وابن أبي شيبة بلفظ: «كان إذا احتجم غسل محاجمه»، وأمَّا أثر الحسن فوصله ابن أبي شيبة (٤) أيضًا بلفظ: إنَّه سُئِلَ عنِ الرَّجل يحتجم ماذا عليه؟ قال: «يغسل أثر محاجمه»، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ليس عليه غسل محاجمه» بإسقاط «إِلَّا»، وهو الذي ذكره الإسماعيليُّ، وقال ابن بطَّالٍ: ثبتت في رواية المُستملي دون رفيقيه. انتهى. وكذا هي ثابتةٌ في فرع «اليونينيَّة» عنه وعنِ الهرويِّ، وقال