«أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٧٥٦

الحديث رقم ١٧٥٦ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب طواف الوداع.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن النبي ﷺ صلى الظهر والعصر، والمغرب…

«أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً بِالْمُحَصَّبِ، ثُمَّ رَكِبَ إِلَى الْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ» تَابَعَهُ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي خَالِدٌ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ عَنِ النَّبِيِّ .

سند حديث: ١٧٥٦ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ…

١٧٥٦ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ قَتَادَةَ : أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ:

رواة الحديث

شرح حديث: «أن النبي ﷺ صلى الظهر والعصر، والمغرب…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وإنْ كان قد طافه قبل عوده من مكَّة إلى منًى؛ كما صرَّح به في «المجموع»، فإن عاد بعد خروجه من مكَّة أو منًى بلا وداعٍ قبل مسافة القصر وطاف للوداع سقط عنه الدَّم لأنَّه في حكم المقيم، لا إن عاد بعدها فلا يسقط لاستقراره بالسَّفر الطَّويل، ولا يلزم الطَّواف حائضًا طَهُرت خارج مكَّة ولو في الحرم.

وهذا الحديث يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى [خ¦١٧٦٠] وسبق في «الطَّهارة» [خ¦٣٢٩]، وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ في «الحجِّ».

١٧٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الفَرَجِ) بالغين المعجمة بعد المُوحَّدة في الأوَّل وآخر الآخر جيمٌ، قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ) بفتح العين وسكون الميم (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة: (أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ، وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ) بعد أن رمى الجمار ونفر من منًى (ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً بِالمُحَصَّبِ) متعلِّقٌ (١) بقوله: «صلَّى»، وقوله: «ثمَّ رقد» عُطِف عليه (ثُمَّ رَكِبَ إِلَى البَيْتِ فَطَافَ بِهِ) طواف الوداع.

(تَابَعَهُ) أي: تابع عمرَو بن الحارث في روايته لهذا الحديث عن قتادة (اللَّيْثُ) بن سعدٍ فيما ذكره البزَّار والطَّبرانيُّ من طريق عبد الله بن صالح كاتب اللَّيث عن اللَّيث قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (خَالِدٌ) هو ابن يزيد السَّكسكيُّ (٢) (عَنْ سَعِيدٍ) هو ابن أبي هلالٍ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة: (أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ، عَنِ النَّبِيِّ ) وقد ذكر البزَّار والطَّبرانيُّ: أنَّ خالد بن يزيد

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

كل شَيْء إِلَّا النِّسَاء. فَقَالَ لَهُ رجل: وَالطّيب؟ فَقَالَ: أما أَنا فقد رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يضمخ رَأسه بالمسك. أفطيب هُوَ؟ قلت: سُبْحَانَ الله. آثَار التعصب الْبَاطِل لَا تَخْلُو عَنْهُم، فَلم لم يذكر صَاحب (التَّوْضِيح) حَدِيث الْبَاب فِي احتجاج الطَّحَاوِيّ لأبي حنيفَة وَأَصْحَابه، فَإِنَّهُ احْتج لَهُم أَولا بِحَدِيث الْبَاب، وَأخرجه من طرق، وَاحْتج أَيْضا بِالْحَدِيثِ الَّذِي ذكره صَاحب (التَّوْضِيح) وَصدر كَلَامه بِهِ، وغمز بقوله: وَفِيه الْحجَّاج بن أَرْطَأَة، فَمَا للحجاج بن أَرْطَأَة وَقد احتجت بِهِ الْأَرْبَعَة وَالْبَيْهَقِيّ أَيْضا أخرج حَدِيثه؟ وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَإِنَّهُ طعن فِيهِ بِأَن الْحسن الْبَصْرِيّ لم يسمع من ابْن عَبَّاس، فَإِنَّهُ لَيْسَ بالْحسنِ الْبَصْرِيّ، وَإِنَّمَا هُوَ الْحسن العرني، وَقد روى عَن يحيى بن معِين أَن الْحسن العرني لم يسمع من ابْن عَبَّاس، وَغَيره قَالَ: سمع مِنْهُ، فالمثبت أولى من النَّافِي على مَا عرف، وَقد ذهل صَاحب (التَّوْضِيح) وَلم يفرق بَين الْبَصْرِيّ والعرني، وَمَعَ هَذَا فَحَدِيث ابْن عَبَّاس هَذَا أخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه أَيْضا. وَأما الْجَواب عَن حَدِيث أم قيس، أُخْت عكاشة بن مُحصن، فَإِنَّهُ لَا يُعَارض حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، لِأَن حَدِيث عَائِشَة فِيهِ من الصِّحَّة مَا لَيْسَ فِي حَدِيث أم قيس، وَفِيه ابْن لَهِيعَة وَهُوَ ضَعِيف، وَحَدِيثه هَذَا شَاذ.

٤٤١ - (بابُ طَوَافِ الوَدَاعِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم طواف الْوَدَاع، وَإِنَّمَا أضمر الحكم اكْتِفَاء بِمَا فِي حَدِيث الْبَاب.

٥٥٧١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدثنَا سُفْيَانُ عنِ ابنِ طَاووسِ عَنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ أُمِرَ النَّاسُ أنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بالْبَيْتِ إلَاّ أنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الحَائِضِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أَن يكون آخر عَهدهم بِالْبَيْتِ) ، وَهُوَ لَا يكون إلَاّ بِالطّوافِ، وَهُوَ فِي آخر الْعَهْد طواف الْوَدَاع.

وَرِجَاله: تكَرر ذكرهم، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَابْن طَاوُوس هُوَ عبد الله بن طَاوُوس.

وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن مُسلم ابْن إِبْرَاهِيم، فَعَن قريب يَأْتِي، وَأخرجه أَيْضا فِي الطَّهَارَة عَن مُعلى بن أَسد. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن سعيد بن مَنْصُور وَأبي بكر بن أبي شيبَة، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن يزِيد الْمقري، والْحَارث بن مِسْكين، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ. وَعَن جَعْفَر بن مُسَافر مُخْتَصرا.

قَوْله: (أَمر النَّاس) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، وأصل الْكَلَام: أَمر النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، النَّاس أَن يكون آخر عَهدهم بِالْبَيْتِ. وَرَوَاهُ مُسلم نَحوه عَن سُفْيَان عَن ابْن طَاوُوس عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس، وَرَوَاهُ أَيْضا عَن سُلَيْمَان الْأَحول عَن طَاوُوس عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: (كَانَ النَّاس يَنْصَرِفُونَ فِي كل وَجه، فَقَالَ رَسُول الله،

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا ينصرفن أحدكُم حَتَّى يكون آخر عَهده بِالْبَيْتِ) . قَالَ زُهَيْر: يَنْصَرِفُونَ كل، وَجه وَلم يقل: فِي. وروى مُسلم أَيْضا من رِوَايَة الْحسن بن مُسلم (عَن طَاوُوس، قَالَ: كنت مَعَ ابْن عَبَّاس إِذْ قَالَ زيد بن ثَابت: تَعْنِي أَن تصدر الْحَائِض قبل أَن يكون آخر عهدها بِالْبَيْتِ؟ فَقَالَ لَهُ ابْن عَبَّاس: أما لَا فسل فُلَانَة الْأَنْصَارِيَّة، هَل أمرهَا بذلك رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَالَ: فَرجع زيد إِلَى ابْن عَبَّاس يضْحك، وَهُوَ يَقُول: مَا أَرَاك إلَاّ قد صدقت!) . وَفِي رِوَايَة: (فَسَأَلَهَا زيد ثمَّ رَجَعَ وَهُوَ يضْحك، فَقَالَ ... الحَدِيث كَمَا حَدَّثتنِي) . وَفِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ: (أرسل زيد إِلَى ابْن عَبَّاس: إِنِّي وجدت الَّذِي قلت كَمَا قلت، فَقَالَ ابْن عَبَّاس: إِنِّي لأعْلم قَول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم للنِّسَاء، وَلَكِن أَحْبَبْت أَن أَقُول مَا فِي كتاب الله تَعَالَى، ثمَّ تَلا هَذِه الْآيَة: {ثمَّ ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق} (الْحَج: ٩٢) . فقد قَضَت التفث ووفت النّذر وطافت بِالْبَيْتِ فَمَا بَقِي) . قَوْله: (أما لَا) بِكَسْر الْهمزَة وَفتح اللَّام وبالإمالة الْخفية، وَهُوَ الصَّوَاب الْمَشْهُور. قَالَ القَاضِي: ضَبطه الطَّبَرِيّ والأصيلي بِكَسْر اللَّام، قَالَ: وَالْمَعْرُوف فِي كَلَام الْعَرَب فتحهَا إلَاّ على لُغَة من يمِيل. وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي قَوْلهم: إفعل هَذَا إِمَّا لَا، مَعْنَاهُ: إفعله إِن كنت لَا تفعل غَيره. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: أصل هَذِه الْكَلِمَة أَن وَمَا، فأدغمت النُّون فِي الْمِيم، وَمَا زَائِدَة فِي اللَّفْظ لَا حكم لَهَا، وَقد أمالت الْعَرَب: لَا، إمالة خُفْيَة. قَالَ: والعوام يشبعون إمالتها فَتَصِير ألفها يَاء، وَهُوَ خطأ، وَمَعْنَاهُ: إِن لم تفعل هَذَا فَلْيَكُن هَذَا. قَوْله: (بِالْبَيْتِ) خبر: كَانَ، يَعْنِي طواف الْوَدَاع لَا بُد أَن يكون آخر الْعَهْد بِهِ. قَالَ النَّوَوِيّ: هُوَ وَاجِب يلْزم بِتَرْكِهِ دم على الصَّحِيح عندنَا، وَهُوَ قَول أَكثر الْعلمَاء. وَقَالَ مَالك وَدَاوُد وَابْن الْمُنْذر: هُوَ سنة لَا شَيْء فِي تَركه. وَقَالَ أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة: هُوَ وَاجِب على الآفاقي دون الْمَكِّيّ والميقاتي، وَمن دونهم، وَقَالَ أَبُو يُوسُف: أحب إليَّ أَن يطوف الْمَكِّيّ لِأَنَّهُ يخْتم الْمَنَاسِك، وَلَا يجب على الْحَائِض وَالنُّفَسَاء، وَلَا على الْمُعْتَمِر لِأَن وُجُوبه عرف نصا فِي الْحَج، فَيقْتَصر عَلَيْهِ وَلَا على فَائت الْحَج، لِأَن الْوَاجِب عَلَيْهِ الْعمرَة وَلَيْسَ لَهَا طواف الْوَدَاع، وَقَالَ مَالك: إِنَّمَا أَمر النَّاس أَن يكون آخر نسكهم الطّواف لقَوْله تَعَالَى: {ذَلِك وَمن يعظم شَعَائِر الله فَإِنَّهَا من تقوى الْقُلُوب} (الْحَج: ٢٣) . وَقَالَ: {ثمَّ محلهَا إِلَى الْبَيْت الْعَتِيق} (الْحَج: ٣٣) . فَمحل الشعائر كلهَا وانقضاؤها بِالْبَيْتِ الْعَتِيق. قَالَ: وَمن أخَّر طواف الْوَدَاع وَخرج وَلم يطف، إِن كَانَ قَرِيبا رَجَعَ فَطَافَ، وَإِن لم يرجع فَلَا شَيْء عَلَيْهِ. وَقَالَ عَطاء وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي أظهر قوليه، وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر: إِن كَانَ قَرِيبا رَجَعَ فَطَافَ، وَإِن تبَاعد مضى وإهراق دَمًا.

وَاخْتلفُوا فِي حد الْقرب، فَروِيَ أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رد رجلا من مر الظهْرَان وَلم يكن ودع، وَبَين مر الظهْرَان وَمَكَّة ثَمَانِيَة عشر ميلًا، وَعند أبي حنيفَة يرجع مَا لم يبلغ الْمَوَاقِيت، وَعند الشَّافِعِي: يرجع من مَسَافَة لَا تقصر فِيهَا الصَّلَاة. وَعند الثَّوْريّ: يرجع مَا لم يخرج من الْحرم. وَاخْتلفُوا فِيمَن ودع ثمَّ بدا لَهُ فِي شِرَاء حَوَائِجه. فَقَالَ عَطاء: يُعِيد حَتَّى يكون آخر عَهده الطّواف بِالْبَيْتِ وبنحوه. قَالَ الثَّوْريّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأَبُو ثَوْر، وَقَالَ مَالك: لَا بَأْس أَن يَشْتَرِي بعض حَوَائِجه وَطَعَامه فِي السُّوق، وَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وَإِن أَقَامَ يَوْمًا أَو نَحوه أعَاد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَو ودع وَأقَام شهرا أَو أَكثر أَجزَأَهُ. وَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ.

٦٥٧١ - حدَّثنا أصبَغُ بنُ الفَرَجِ قَالَ أخْبَرَنا ابنُ وَهْبٍ عنْ عَمْرِو بنِ الحَارِثِ عَنْ قَتَادَةَ أنَّ أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ حدَّثهُ أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَلَّى الظُّهْرَ والْعَصْرَ والمَغْرِبَ والْعِشَاءِ ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً بالمحَصَّبِ ثُمَّ رَكِبَ إلَى البَيْتِ فَطَافَ بِهِ.

(الحَدِيث ٦٥٧١ طرفه فِي: ٤٦٧١) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ ركب إِلَى الْبَيْت فَطَافَ بِهِ) لِأَن المُرَاد بِهِ طواف الْوَدَاع. فَإِن قلت: مَا وَجه قَوْله: إِنَّه صلى الظّهْر بالمحصب وَرمي هَذَا الْيَوْم يكون بعد الزَّوَال؟ قلت: لَا بُعد فِي هَذَا، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رمى فنفر فَنزل المحصب فصلى الظّهْر بِهِ، والْحَدِيث من أَفْرَاده. وَرِجَاله قد ذكرُوا وَابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ تكلم أَحْمد فِي حَدِيث عَمْرو عَن قَتَادَة أَن أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حدث أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلهَذَا أَتَى البُخَارِيّ بالمتابعة أَيْضا. قَوْله: (بالمحصب) الْبَاء فِيهِ مُتَعَلق بقوله: صلى، وَقَوله: ثمَّ رقد عطف عَلَيْهِ، والمحصب، بِفَتْح الصَّاد الْمُشَدّدَة: اسْم لمَكَان متسع بَين منى وَمَكَّة، وَهُوَ بَين الجبلين إِلَى الْمَقَابِر، سمي بِهِ لِاجْتِمَاع الْحَصْبَاء فِيهِ بِحمْل السَّبِيل إِلَيْهِ.

تابَعَهُ اللَّيْثُ قَالَ حدَّثني خالِدٌ عنْ سَعِيدٍ عنْ قَتادَةَ أنَّ أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ حدَّثَهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

أَي: تَابع عَمْرو بن الْحَارِث فِي رِوَايَته لهَذَا الحَدِيث عَن قَتَادَة اللَّيْث بن سعد وَذكر هَذِه الْمُتَابَعَة الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ من طَرِيق عبد الله بن صَالح كَاتب اللَّيْث عَن اللَّيْث عَن خَالِد بن يزِيد السكْسكِي عَن سعيد بن أبي هِلَال، وهما قد تقدما فِي أول كتاب الْوضُوء، وَذكر الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ أَن خَالِدا تفرد بِهَذَا الحَدِيث عَن سعيد، وَأَن اللَّيْث تفرد بِهِ عَن خَالِد، وَأَن سعيد بن أبي هِلَال لم يروِ عَن قَتَادَة عَن أنس غير هَذَا.

٥٤١ - (بابٌ إذَا حاضَتِ المَرْأةُ بَعْدَما أفَاضَتْ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْمَرْأَة إِذا حَاضَت بَعْدَمَا أفاضت، يَعْنِي: بَعْدَمَا طافت طواف الْإِفَاضَة الَّذِي هُوَ ركن وَجَوَاب إِذا مَحْذُوف تَقْدِيره: هَل يجب عَلَيْهَا طواف الْوَدَاع أم يسْقط عَنْهَا بِسَبَب الْحيض، وَإِذا وَجب هَل يجْبر بِدَم أم لَا.

٧٥٧١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ القَاسِمِ عنْ أبِيهِ عَن عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ زَوْجَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حاضَتْ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ أحَابِسَتُنَا هِيَ قالُوا إنَّهَا قَدْ أفَاضَتْ قَالَ فَلَا إِذا..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَنَّهَا أفاضت قَالَ: فَلَا إِذا) ، وَجه ذَلِك أَن حَاصِل الْمَعْنى أَن طواف الْوَدَاع سَاقِط عَن الْحَائِض لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما أخبر عَن صَفِيَّة أَنَّهَا حَاضَت قَالَ: أحابستنا هِيَ؟ فَلَمَّا أخبر أَنَّهَا قد أفاضت من قبل أَن تحيض، قَالَ: فَلَا إِذا، أَي: فَلَا تحبسنا حِينَئِذٍ، لِأَنَّهَا أدَّت الْفَرْض الَّذِي هُوَ ركن الْحَج. وَهَذَا قَول عوام أهل الْعلم، وَخَالف فِي ذَلِك طَائِفَة، فَقَالُوا: لَا يحل لأحد أَن ينفر حَتَّى يطوف طواف الْوَدَاع، وَلم يعذروا فِي ذَلِك حَائِضًا بحيضها، ذكره الطَّحَاوِيّ، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: رُوِيَ ذَلِك عَن عمر وَابْن عمر وَزيد بن ثَابت، فَإِنَّهُم أمروا الْحَائِض بالْمقَام إِذا كَانَت حَائِضًا لطواف الْوَدَاع، فكأنهم أوجبوه عَلَيْهَا كَمَا يجب عَلَيْهَا طواف الْإِفَاضَة، وَأسْندَ ابْن الْمُنْذر عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِإِسْنَاد صَحِيح إِلَى نَافِع (عَن ابْن عمر، ققال: طافت امْرَأَة بِالْبَيْتِ يَوْم النَّحْر ثمَّ حَاضَت، فَأمر عمر بحبسها بِمَكَّة بعد أَن ينفر النَّاس حَتَّى تطهر وَتَطوف بِالْبَيْتِ) . ثمَّ قَالَ: وَقد ثَبت رُجُوع ابْن عمر وَزيد بن ثَابت عَن ذَلِك، وَبَقِي عمر فخالفناه لثُبُوت حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَأَشَارَ بذلك إِلَى أَحَادِيث هَذَا الْبَاب، وَقد روى ابْن أبي شيبَة من طَرِيق الْقَاسِم بن مُحَمَّد: كَانَ الصَّحَابَة يَقُولُونَ: إِذا أفاضت الْمَرْأَة قبل أَن تحيض فقد فرغت، إلَاّ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يَقُول: آخر عهدها بِالْبَيْتِ، وَقد وَافق عمر على رِوَايَة ذَلِك عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غَيره، فروى أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ والطَّحَاوِي، وَاللَّفْظ لأبي دَاوُد. من طَرِيق الْوَلِيد بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث ابْن عبد الله بن أَوْس الثَّقَفِيّ، فَقَالَ: أتيت عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَسَأَلته عَن الْمَرْأَة تَطوف بِالْبَيْتِ يَوْم النَّحْر، ثمَّ تحيض؟ قَالَ: ليكن آخر عهدها بِالْبَيْتِ. فَقَالَ الْحَارِث، كَذَلِك أفتاني رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ عمر: أربت عَن يَديك! سَأَلتنِي عَن شَيْء سَأَلت عَنهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لكيما أخالفه، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا وَلَفظه: (خَرَرْت عَن يَديك) ، وَمعنى: أربت عَن يَديك، سَقَطت إرابك، وَهُوَ جمع أرب، وَهُوَ الْعُضْو، وَمعنى خَرَرْت سَقَطت، وَأجَاب الطَّحَاوِيّ عَن هَذَا الحَدِيث بِأَنَّهُ نسخ بِحَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور، وَبِحَدِيث ابْن عَبَّاس، رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ فَقَالَ: حَدثنَا يُونُس، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان عَن ابْن طَاوُوس عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس: أَمر النَّاس أَن يكون آخر عَهدهم بِالْبَيْتِ، إلَاّ أَنه قد خفف عَن الْمَرْأَة الْحَائِض. وَأخرجه مُسلم أَيْضا. فَإِن قلت: روى الطَّحَاوِيّ أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس، فَقَالَ: حَدثنَا يُونُس، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان عَن سُلَيْمَان وَهُوَ ابْن أبي مُسلم الْأَحول عَن طَاوُوس (عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: كَانَ النَّاس ينفرون من كل وَجه، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا ينفرن أحد حَتَّى يكون آخر عَهده الطّواف بِالْبَيْتِ) ، وَهَذِه الرِّوَايَة لَا تدل على سُقُوط طواف الْوَدَاع عَن أحد. قلت: هَذَا مُطلق، وَالْأول مُقَيّد فَيحمل الْمُطلق على الْمُقَيد.

قَوْله: (حَاضَت) أَي: بعد أَن أفاضت يَوْم النَّحْر. قَوْله: (فَذكرت) أَي: عَائِشَة، وروى: (فَذكر) على صِيغَة الْمَجْهُول، قَوْله: (أحابستنا؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام، أَي: أمانعتنا من التَّوَجُّه من مَكَّة فِي الْوَقْت الَّذِي أردنَا التَّوَجُّه فِيهِ ظنا مِنْهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنَّهَا مَا طافت طواف الْإِفَاضَة. قَوْله: (إِنَّهَا أفاضت) أَي: طافت طواف الْإِفَاضَة. قَوْله: (قَالَ: فَلَا إِذا) أَي: قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَي فَلَا حبس علينا حِينَئِذٍ.

٩٥٧١ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ أيُّوبَ عنْ عِكْرِمَةَ أنَّ أهْلَ المَدِينَةِ سألُوا ابنَ عَبَّاسَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ امْرَأةٍ طَافَتْ ثُمَّ حَاضَتْ قالَ لَهُمْ تَنْفِرُ قَالُوا لَا نَأخُذُ بِقَوْلِكَ ونَدَعُ قَوْلَ زَيْدٍ قَالَ إذَا قَدِمْتُمُ المَدِينَةِ فَسَلُوا فَقَدِمُوا المَدِينَةَ فَسَألُوا فَكانَ فِيمَنْ سَألُوا أُمَّ سُلَيْمٍ فَذَكَرَتْ حَدِيثَ صَفِيَّةَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَذكرت حَدِيث صَفِيَّة) على مَا لَا يخفى، وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي وَحَمَّاد هُوَ ابْن زيد، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ.

قَوْله: (إِن أهل الْمَدِينَة) أَي: بعض أَهلهَا، لِأَن كلهم مَا سَأَلُوهُ، وَقد رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَن أَيُّوب بِلَفْظ: (إِن نَاسا من أهل الْمَدِينَة) . قَوْله: (قَالَ لَهُم: تنفر) أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس للَّذين سَأَلُوهُ: تنفر هَذِه الْمَرْأَة الَّتِي طافت ثمَّ حَاضَت. قَوْله: فَنَدَع، بِالْفَاءِ وَنصب: نَدع، لِأَنَّهُ جَوَاب النَّفْي، ويروى: (وَنَدع) ، بِالْوَاو. قَوْله: (قَول زيد) ، هُوَ زيد بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِي رِوَايَة عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ أفتيتنا أَو لم تفتنا، زيد بن ثَابت يَقُول: لَا تنفر. قَوْله: (فَكَانَ فِيمَن سَأَلُوا أم سليم) وَفِي رِوَايَة الثَّقَفِيّ: (فسألوا أم سليم وَغَيرهَا) . وَأم سليم، بِضَم السِّين: هِيَ أم أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَوْله: (فَذكرت) أَي: أم سليم كَذَا ذكره مُخْتَصرا. وَسَاقه الثَّقَفِيّ بِتَمَامِهِ قَالَ: (فَأَخْبَرتهمْ أَن عَائِشَة قَالَت لصفية أَفِي الخيبة أَنْت أَنَّك لحابستنا؟ فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا ذَاك؟ قَالَت عَائِشَة: صَفِيَّة حَاضَت. قيل: إِنَّهَا قد أفاضت قَالَ: فَلَا إِذا، فَرَجَعُوا إِلَى ابْن عَبَّاس، فَقَالُوا: وجدنَا الحَدِيث كَمَا حَدَّثتنَا) .

رَوَاهُ خَالِدٌ وقَتادَةُ عنْ عِكْرِمَةَ

أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور خَالِد الْحذاء، وَقَتَادَة أَيْضا عَن عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس، فرواية خَالِد وَصلهَا الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق مُعلى بن مَنْصُور عَن هشيم عَنهُ عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: إِذا طافت يَوْم النَّحْر ثمَّ حَاضَت فلتنفر، وَقَالَ زيد بن ثَابت: لَا تنفر حَتَّى تطهر وَتَطوف بِالْبَيْتِ، ثمَّ أرسل زيد بعد ذَلِك إِلَى ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، أَنِّي وجدت الَّذِي قلت كَمَا قلت، وَرِوَايَة قَتَادَة وَصلهَا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي (مُسْنده) قَالَ: حَدثنَا هِشَام هُوَ الدستوَائي عَن قَتَادَة عَن عِكْرِمَة قَالَ: اخْتلف ابْن عَبَّاس وَزيد بن ثَابت فِي الْمَرْأَة إِذا حَاضَت وَقد طافت بِالْبَيْتِ يَوْم النَّحْر، فَقَالَ زيد: يكون آخر عهدها بِالْبَيْتِ، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: تنفر إِن شَاءَت، فَقَالَت الْأَنْصَار: لَا نتابعك يَا ابْن عَبَّاس وَأَنت تخَالف زيدا، فَقَالَ: سلوا صاحبتكم أم سليم، فَقَالَت: حِضْت بَعْدَمَا طفت بِالْبَيْتِ، فَأمرنِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَن انفري، وحاضت صَفِيَّة، فَقَالَت لَهَا عَائِشَة: حبستنا! فَأمرهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن تنفر. وَقَالَ بَعضهم: طَرِيق قَتَادَة هَذِه هِيَ المحفوظة، وَقد شَذَّ عباد بن الْعَوام فَرَوَاهُ عَن سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة عَن أنس مُخْتَصرا فِي قصَّة أم سليم، أخرجه الطَّحَاوِيّ من طَرِيقه، انْتهى. قلت: قَالَ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا ابْن أبي دَاوُد حَدثنَا سعيد ابْن سُلَيْمَان الوَاسِطِيّ قَالَ: حَدثنَا عباد بن الْعَوام عَن سعيد عَن قَتَادَة (عَن أنس أَن أم سليم حَاضَت بَعْدَمَا أفاضت يَوْم النَّحْر، فَأمرهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن تنفر) ، إِسْنَاده صَحِيح، وَرِجَاله ثِقَات، فَمَا باله أَن يكون شاذا، وَطَرِيق قَتَادَة لَا يُنَافِي أَن يكون طَرِيق غَيره مَحْفُوظَة.

٠٦٧١ - حدَّثنا مُسْلِمٌ قَالَ حدَّثنا وُهَيْبٌ قَالَ حدَّثنا ابنُ طَاوُوسٍ عنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ رُخِّصَ لِلْحَائِضِ أنْ تَنْفِرَ إذَا أفَاضَتْ. وَقَالَ وسَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ يَقولُ إِنَّهَا لَا تَنْفِرُ

ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ بَعْدُ إنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَخَّصَ لَهُنَّ.

(انْظُر الحَدِيث ٠٣٣) .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (رخص للحائض أَن تنفر إِذا أفاضت) لِأَن الْحَاصِل من مَعْنَاهُ أَن الْحَائِض إِذا طافت طواف الزِّيَارَة، تنفر وَلَا شَيْء عَلَيْهَا. وَمُسلم هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم الفراهيدي، ووهيب بِضَم الْوَاو: وَهُوَ ابْن خَالِد وَابْن طَاوُوس هُوَ عبد الله، والْحَدِيث قد مضى فِي: بَاب الْمَرْأَة تحيض بعد الْإِفَاضَة فِي كتاب الْحيض، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُعلى بن أَسد عَن وهيب إِلَى آخِره نَحوه، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.

قَوْله: (رخص) على بِنَاء الْمَجْهُول، وَوَقع فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: (رخص رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) . قَوْله: (بعد) ، بِضَم الدَّال أَي: بعد أَن قَالَ: لَا تنفر، وَكَانَ ذَلِك قبل موت ابْن عمر بعام على مَا يَجِيء. قَوْله: (إِن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، رخص لَهُنَّ) أَي: للْحيض، وَهَذَا من مَرَاسِيل الصَّحَابَة. فَإِن ابْن عمر لم يسمعهُ من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ، فَقَالَ: حَدثنَا ابْن أبي دَاوُد، قَالَ: حَدثنَا أَبُو صَالح، قَالَ: حَدثنَا اللَّيْث، قَالَ: حَدثنَا عقيل (عَن ابْن شهَاب، قَالَ: أَخْبرنِي طَاوُوس الْيَمَانِيّ أَنه سمع عبد الله بن عمر يسْأَل عَن حبس النِّسَاء عَن الطّواف بِالْبَيْتِ إِذا حضن قبل النَّفر وَقد أفضن يَوْم النَّحْر؟ فَقَالَ: إِن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، كَانَت تذكر من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رخصَة النِّسَاء، وَذَلِكَ قبل موت عبد الله بعام) إِسْنَاده صَحِيح، وَأَبُو صَالح عبد الله بن صَالح وراق اللَّيْث وَشَيخ البُخَارِيّ، وَهَذَا يدل على أَنه كَانَ يُفْتِي بمنعهن عَن النَّفر إلَاّ بِالطّوافِ، ثمَّ رَجَعَ عَن ذَلِك حِين بلغه خبر عَائِشَة قبل مَوته بِسنة. قَوْله: (قَالَ: وَسمعت ابْن عمر) أَي: قَالَ طَاوُوس: سَمِعت عبد الله بن عمر، وَقَوله هَذَا بِالْإِسْنَادِ الأول بَينه النَّسَائِيّ فِي رِوَايَته، وَكَذَلِكَ الْقَائِل فِي قَوْله: سمعته يَقُول بعد هُوَ طَاوُوس الْمَذْكُور فِيهِ، وَلَيْسَ فِيهِ أَن ابْن عمر سمع ذَلِك عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَإِنَّمَا أخبر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه رخص لَهُنَّ، أَي: للنِّسَاء اللَّاتِي حضن بعد أَن طفن طواف الزِّيَارَة أَن يتركن طواف الْوَدَاع، وَهَذَا هُوَ عين الْإِرْسَال. فَافْهَم.

٢٦٧١ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا أبُو عُوَانَةَ عنْ مَنْصُورَ عنْ إبْرَاهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ خَرَجْنَا مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ولَا نُرَى إلَاّ الحَجَّ فَقَدِمَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فطَافَ بِالْبَيْتِ وبَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةَ ولَمْ يَحِلَّ وكانَ مَعَهُ الْهَدْيُ فَطافَ مَنْ كانَ مَعَهُ مِنْ نِسَائِهِ وحَلَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ الْهَدْيُ فَحَاضَتْ هِيَ فَنَسَكْنَا مَنَاسِكَنَا مِنْ حَجِّنَا فَلَمَّا كانَتْ لَيْلَةُ الحَصْبَةِ لَيْلَةُ النَّفْرِ قالَتْ يَا رسولَ الله كُلُّ أصْحَابِكَ يَرْجِعُ بِحَجٍّ وعُمْرَةٍ غَيْرِي قَالَ مَا كُنْتِ تَطُوفِي بِالْبَيْتِ لَيالِيَ قَدِمْنَا قُلْتُ لَا قَالَ فاخْرُجِي مَعَ أخِيكِ إِلَى التَّنْعِيمِ فأهِلِّي بِعُمْرَةٍ ومَوْعِدُك مَكانَ كَذا وكَذَا فَخَرَجْتُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمانِ إلَى التَّنْعِيمِ فأهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ وحاضَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَقْرَى حَلْقَى إنَّكِ لَحَابِسَتُنَا أمَا كُنْتِ طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ قالَتْ بَلَى قَالَ فَلَا بَأسَ انْفِري فَلَقِيتُهُ مُصْعِدا عَلَى أهْلِ مَكَّةَ وأنَا مُنْهَبِطَةٌ أوْ أَنا مُصْعِدَةٌ وهْوَ مُنْهَبِطٌ. وَقَالَ مُسَدَّدٌ قُلْتُ لَا. وتَابَعَهُ جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ فِي قَوْلِهِ لَا..

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وحاضت صَفِيَّة) ، إِلَى قَوْله: إنفري فَإِن فِيهِ: حَاضَت صَفِيَّة بَعْدَمَا أفاضت، والترجمة: بَاب إِذا حَاضَت الْمَرْأَة بَعْدَمَا أفاضت، وَهَذَا الحَدِيث مضى فِي أول: بَاب التَّمَتُّع والإقران، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن ابْن عمر عَن جرير عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم ... إِلَى آخِره نَحوه، وَهَهُنَا أخرجه: عَن أبي النُّعْمَان بن الْمُنْذر عَن السدُوسِي عَن أبي عوَانَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْوَاو وَبعد الْألف نون سَاكِنة، واسْمه الوضاح بن عبد الله عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن الْأسود بن يزِيد، وتكلمنا هُنَاكَ بِمَا يتَعَلَّق بِهِ من الْأُمُور، ولنتكلم هُنَا بِمَا لم نذكرهُ هُنَاكَ، وَإِن وَقع بعض التّكْرَار.

٩ - (بابُ المُعْتَمِرِ إذَا طافَ طَوَافَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ خَرَجَ هَلْ يُجْزِئهُ مِنْ طَوَافِ الوَدَاعِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي باين حكم الْمُعْتَمِر إِذا طَاف إِلَى آخِره، وَجَوَاب: هَل، مَحْذُوف تَقْدِيره: يجْزِيه ويغني طواف الْعمرَة عَن طواف الْوَدَاع. وَقَالَ بَعضهم: كَأَن البُخَارِيّ لما لم يكن فِي حَدِيث عَائِشَة التَّصْرِيح بِأَنَّهَا مَا طافت للوداع بعد طواف الْعمرَة لم يثبت الحكم فِي التَّرْجَمَة. انْتهى. قلت: الحَدِيث يدل على أَن طواف الْعمرَة يُغني عَن طواف الْوَدَاع، وَإِن لم يدل على ذَلِك صَرِيحًا، إِذْ لَو كَانَ لَا بُد من طواف الْوَدَاع لذكره النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الحَدِيث، وَلم يذكر إلَاّ طواف الْعمرَة.

٨٨٧١ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا أفْلَحُ بنُ حُمَيْدٍ عنِ القَاسِمِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ خَرَجْنَا مُهِلِّينَ بالحَجِّ فِي أشْهُرِ الحَجِّ وَفِي حُرُمِ الحَجِّ فنَزَلْنَا بِسَرِفَ فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأِصْحَابِهِ منْ لَمْ يَكُنْ معَهُ هَدْيٌ فأحَبَّ أنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَة فَلْيَفْعَلْ ومنْ كانَ مَعَهُ هَدْيٌ فلَا وكانَ معَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ورِجَالٌ مِنْ أصْحَابِهِ ذَوِي قُوِّةٍ الهَدْيَ فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ عُمْرَةً فَدَخَلَ عَلَيَّ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأنَا أبْكِي فَقَالَ مَا يُبْكِيكِ قُلْتُ سَمِعْتِكَ تَقُولُ لأِصْحَابِكَ مَا قُلْتَ فَمُنِعْتُ العُمْرَةَ قَالَ وَمَا شأنُك قُلْتُ لَا أصَلِّي قَالَ فَلَا يُضِرُّكِ أنْتِ مِنْ بَناتِ آدَمَ كُتِبَ عَلَيْكِ مَا كُتِبَ علَيْهِنَّ فَكونِي فِي حَجَّتِكِ عَسَى الله أَن يَرْزُقَكِهَا قالَتْ فكُنْتُ حَتَّى نَفَرْنَا مِنْ مِنىً فنَزَلْنَا المُحَصَّبَ فدَعَا عبْدَ الرَّحْمانِ فقالَ اخْرُجْ بِأُخْتِكَ إلَى الحَرَمِ فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ افرُغَا مِنْ طَوَافِكُمَا أنْتَظِرْ كَمَا هَهُنَا فأتَيْنَا فِي جَوْفِ اللَّيْلِ فقالَ فرَغْتُمَا قُلْتُ نَعَمْ فَنادَى بالرَّحِيلِ فِي أصْحَابِهِ فارْتَحَلَ النَّاسُ ومنْ طافَ بالْبَيْتِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ ثُمَّ خَرَجَ مُتَوَجِّها إلَى المَدِينَةِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فلتهل بِعُمْرَة) . وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن بشار عَن أبي بكر الْحَنَفِيّ، وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن مُحَمَّد بن عبد الله ابْن نمير عَن إِسْحَاق بن سُلَيْمَان، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن هناد بن السّري، وغالب مَا فِيهِ من الْأَحْكَام قد ذكر فِيمَا مضى مفرقا.

قَوْله: (وَفِي حرم الْحَج) بِضَم الْحَاء وَالرَّاء، وَهِي الْحَالَات والأماكن والأوقات الَّتِي لِلْحَجِّ، وَرُوِيَ، بِفَتْح الرَّاء جمع حُرْمَة أَي مُحرمَات الْحَج. قَوْله: (بسرف) أَي: فِي سرف، وَقد فسرناه غير مرّة، وَهُوَ مَكَان بِقرب مَكَّة. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر وَأبي الْوَقْت: (سرف) ، بِحَذْف الْبَاء، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق إِسْحَاق بن عِيسَى بن الطباع عَن أَفْلح. قَوْله: (فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأَصْحَابه: من لم يكن مَعَه هدي) ظَاهره أَنه أَمر لأَصْحَابه بِفَسْخ الْحَج إِلَى الْعمرَة. فَإِن قلت: قَوْله هَذَا كَانَ بسرف، وَفِي غير هَذِه الرِّوَايَة أَن قَوْله لَهُم ذَلِك كَانَ بعد دُخُوله مَكَّة؟ قلت: يحْتَمل التَّعَدُّد. قَوْله: (وَرِجَال) ، بِالْجَرِّ عطف على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَوْله: (ذَوي قُوَّة) ، صفة لقَوْله: (أَصْحَابه) . قَوْله: (الْهَدْي) مَرْفُوع لِأَنَّهُ اسْم: كَانَ. قَوْله: (وَأَنا أبْكِي) ، جملَة حَالية. قَوْله: (فمنعت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (الْعمرَة) ، مَنْصُوب على نزع الْخَافِض أَي: من الْعمرَة. قَوْله: (لَا أُصَلِّي) ، كِنَايَة عَن الْحيض، وَهِي من ألطف الْكِنَايَات. قَوْله: (كتب عَلَيْك) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَهَذِه رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (كتب الله عَلَيْك) . وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم. قَوْله: (فكوني فِي حجتك) ، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (فِي حجك) ، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم. قَوْله: (فَعَسَى الله) ، ويروى (عَسى الله) ، بِدُونِ الْفَاء. قَوْله: (فنزلنا) المحصب وَهُوَ الأبطح، وَفِيه اخْتِصَار أظهرته رِوَايَة مُسلم بِلَفْظ: (حَتَّى نزلنَا منى فتطهرت ثمَّ طفت بِالْبَيْتِ فَنزل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم المحصب) . قَوْله: (فَدَعَا عبد الرَّحْمَن) ، هُوَ ابْن أبي بكر أَخُو عَائِشَة، رَضِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وإنْ كان قد طافه قبل عوده من مكَّة إلى منًى؛ كما صرَّح به في «المجموع»، فإن عاد بعد خروجه من مكَّة أو منًى بلا وداعٍ قبل مسافة القصر وطاف للوداع سقط عنه الدَّم لأنَّه في حكم المقيم، لا إن عاد بعدها فلا يسقط لاستقراره بالسَّفر الطَّويل، ولا يلزم الطَّواف حائضًا طَهُرت خارج مكَّة ولو في الحرم.

وهذا الحديث يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى [خ¦١٧٦٠] وسبق في «الطَّهارة» [خ¦٣٢٩]، وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ في «الحجِّ».

١٧٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الفَرَجِ) بالغين المعجمة بعد المُوحَّدة في الأوَّل وآخر الآخر جيمٌ، قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ) بفتح العين وسكون الميم (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة: (أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ، وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ) بعد أن رمى الجمار ونفر من منًى (ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً بِالمُحَصَّبِ) متعلِّقٌ (١) بقوله: «صلَّى»، وقوله: «ثمَّ رقد» عُطِف عليه (ثُمَّ رَكِبَ إِلَى البَيْتِ فَطَافَ بِهِ) طواف الوداع.

(تَابَعَهُ) أي: تابع عمرَو بن الحارث في روايته لهذا الحديث عن قتادة (اللَّيْثُ) بن سعدٍ فيما ذكره البزَّار والطَّبرانيُّ من طريق عبد الله بن صالح كاتب اللَّيث عن اللَّيث قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (خَالِدٌ) هو ابن يزيد السَّكسكيُّ (٢) (عَنْ سَعِيدٍ) هو ابن أبي هلالٍ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة: (أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ، عَنِ النَّبِيِّ ) وقد ذكر البزَّار والطَّبرانيُّ: أنَّ خالد بن يزيد

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

كل شَيْء إِلَّا النِّسَاء. فَقَالَ لَهُ رجل: وَالطّيب؟ فَقَالَ: أما أَنا فقد رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يضمخ رَأسه بالمسك. أفطيب هُوَ؟ قلت: سُبْحَانَ الله. آثَار التعصب الْبَاطِل لَا تَخْلُو عَنْهُم، فَلم لم يذكر صَاحب (التَّوْضِيح) حَدِيث الْبَاب فِي احتجاج الطَّحَاوِيّ لأبي حنيفَة وَأَصْحَابه، فَإِنَّهُ احْتج لَهُم أَولا بِحَدِيث الْبَاب، وَأخرجه من طرق، وَاحْتج أَيْضا بِالْحَدِيثِ الَّذِي ذكره صَاحب (التَّوْضِيح) وَصدر كَلَامه بِهِ، وغمز بقوله: وَفِيه الْحجَّاج بن أَرْطَأَة، فَمَا للحجاج بن أَرْطَأَة وَقد احتجت بِهِ الْأَرْبَعَة وَالْبَيْهَقِيّ أَيْضا أخرج حَدِيثه؟ وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَإِنَّهُ طعن فِيهِ بِأَن الْحسن الْبَصْرِيّ لم يسمع من ابْن عَبَّاس، فَإِنَّهُ لَيْسَ بالْحسنِ الْبَصْرِيّ، وَإِنَّمَا هُوَ الْحسن العرني، وَقد روى عَن يحيى بن معِين أَن الْحسن العرني لم يسمع من ابْن عَبَّاس، وَغَيره قَالَ: سمع مِنْهُ، فالمثبت أولى من النَّافِي على مَا عرف، وَقد ذهل صَاحب (التَّوْضِيح) وَلم يفرق بَين الْبَصْرِيّ والعرني، وَمَعَ هَذَا فَحَدِيث ابْن عَبَّاس هَذَا أخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه أَيْضا. وَأما الْجَواب عَن حَدِيث أم قيس، أُخْت عكاشة بن مُحصن، فَإِنَّهُ لَا يُعَارض حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، لِأَن حَدِيث عَائِشَة فِيهِ من الصِّحَّة مَا لَيْسَ فِي حَدِيث أم قيس، وَفِيه ابْن لَهِيعَة وَهُوَ ضَعِيف، وَحَدِيثه هَذَا شَاذ.

٤٤١ - (بابُ طَوَافِ الوَدَاعِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم طواف الْوَدَاع، وَإِنَّمَا أضمر الحكم اكْتِفَاء بِمَا فِي حَدِيث الْبَاب.

٥٥٧١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدثنَا سُفْيَانُ عنِ ابنِ طَاووسِ عَنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ أُمِرَ النَّاسُ أنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بالْبَيْتِ إلَاّ أنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الحَائِضِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أَن يكون آخر عَهدهم بِالْبَيْتِ) ، وَهُوَ لَا يكون إلَاّ بِالطّوافِ، وَهُوَ فِي آخر الْعَهْد طواف الْوَدَاع.

وَرِجَاله: تكَرر ذكرهم، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَابْن طَاوُوس هُوَ عبد الله بن طَاوُوس.

وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن مُسلم ابْن إِبْرَاهِيم، فَعَن قريب يَأْتِي، وَأخرجه أَيْضا فِي الطَّهَارَة عَن مُعلى بن أَسد. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن سعيد بن مَنْصُور وَأبي بكر بن أبي شيبَة، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن يزِيد الْمقري، والْحَارث بن مِسْكين، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ. وَعَن جَعْفَر بن مُسَافر مُخْتَصرا.

قَوْله: (أَمر النَّاس) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، وأصل الْكَلَام: أَمر النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، النَّاس أَن يكون آخر عَهدهم بِالْبَيْتِ. وَرَوَاهُ مُسلم نَحوه عَن سُفْيَان عَن ابْن طَاوُوس عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس، وَرَوَاهُ أَيْضا عَن سُلَيْمَان الْأَحول عَن طَاوُوس عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: (كَانَ النَّاس يَنْصَرِفُونَ فِي كل وَجه، فَقَالَ رَسُول الله،

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا ينصرفن أحدكُم حَتَّى يكون آخر عَهده بِالْبَيْتِ) . قَالَ زُهَيْر: يَنْصَرِفُونَ كل، وَجه وَلم يقل: فِي. وروى مُسلم أَيْضا من رِوَايَة الْحسن بن مُسلم (عَن طَاوُوس، قَالَ: كنت مَعَ ابْن عَبَّاس إِذْ قَالَ زيد بن ثَابت: تَعْنِي أَن تصدر الْحَائِض قبل أَن يكون آخر عهدها بِالْبَيْتِ؟ فَقَالَ لَهُ ابْن عَبَّاس: أما لَا فسل فُلَانَة الْأَنْصَارِيَّة، هَل أمرهَا بذلك رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَالَ: فَرجع زيد إِلَى ابْن عَبَّاس يضْحك، وَهُوَ يَقُول: مَا أَرَاك إلَاّ قد صدقت!) . وَفِي رِوَايَة: (فَسَأَلَهَا زيد ثمَّ رَجَعَ وَهُوَ يضْحك، فَقَالَ ... الحَدِيث كَمَا حَدَّثتنِي) . وَفِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ: (أرسل زيد إِلَى ابْن عَبَّاس: إِنِّي وجدت الَّذِي قلت كَمَا قلت، فَقَالَ ابْن عَبَّاس: إِنِّي لأعْلم قَول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم للنِّسَاء، وَلَكِن أَحْبَبْت أَن أَقُول مَا فِي كتاب الله تَعَالَى، ثمَّ تَلا هَذِه الْآيَة: {ثمَّ ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق} (الْحَج: ٩٢) . فقد قَضَت التفث ووفت النّذر وطافت بِالْبَيْتِ فَمَا بَقِي) . قَوْله: (أما لَا) بِكَسْر الْهمزَة وَفتح اللَّام وبالإمالة الْخفية، وَهُوَ الصَّوَاب الْمَشْهُور. قَالَ القَاضِي: ضَبطه الطَّبَرِيّ والأصيلي بِكَسْر اللَّام، قَالَ: وَالْمَعْرُوف فِي كَلَام الْعَرَب فتحهَا إلَاّ على لُغَة من يمِيل. وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي قَوْلهم: إفعل هَذَا إِمَّا لَا، مَعْنَاهُ: إفعله إِن كنت لَا تفعل غَيره. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: أصل هَذِه الْكَلِمَة أَن وَمَا، فأدغمت النُّون فِي الْمِيم، وَمَا زَائِدَة فِي اللَّفْظ لَا حكم لَهَا، وَقد أمالت الْعَرَب: لَا، إمالة خُفْيَة. قَالَ: والعوام يشبعون إمالتها فَتَصِير ألفها يَاء، وَهُوَ خطأ، وَمَعْنَاهُ: إِن لم تفعل هَذَا فَلْيَكُن هَذَا. قَوْله: (بِالْبَيْتِ) خبر: كَانَ، يَعْنِي طواف الْوَدَاع لَا بُد أَن يكون آخر الْعَهْد بِهِ. قَالَ النَّوَوِيّ: هُوَ وَاجِب يلْزم بِتَرْكِهِ دم على الصَّحِيح عندنَا، وَهُوَ قَول أَكثر الْعلمَاء. وَقَالَ مَالك وَدَاوُد وَابْن الْمُنْذر: هُوَ سنة لَا شَيْء فِي تَركه. وَقَالَ أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة: هُوَ وَاجِب على الآفاقي دون الْمَكِّيّ والميقاتي، وَمن دونهم، وَقَالَ أَبُو يُوسُف: أحب إليَّ أَن يطوف الْمَكِّيّ لِأَنَّهُ يخْتم الْمَنَاسِك، وَلَا يجب على الْحَائِض وَالنُّفَسَاء، وَلَا على الْمُعْتَمِر لِأَن وُجُوبه عرف نصا فِي الْحَج، فَيقْتَصر عَلَيْهِ وَلَا على فَائت الْحَج، لِأَن الْوَاجِب عَلَيْهِ الْعمرَة وَلَيْسَ لَهَا طواف الْوَدَاع، وَقَالَ مَالك: إِنَّمَا أَمر النَّاس أَن يكون آخر نسكهم الطّواف لقَوْله تَعَالَى: {ذَلِك وَمن يعظم شَعَائِر الله فَإِنَّهَا من تقوى الْقُلُوب} (الْحَج: ٢٣) . وَقَالَ: {ثمَّ محلهَا إِلَى الْبَيْت الْعَتِيق} (الْحَج: ٣٣) . فَمحل الشعائر كلهَا وانقضاؤها بِالْبَيْتِ الْعَتِيق. قَالَ: وَمن أخَّر طواف الْوَدَاع وَخرج وَلم يطف، إِن كَانَ قَرِيبا رَجَعَ فَطَافَ، وَإِن لم يرجع فَلَا شَيْء عَلَيْهِ. وَقَالَ عَطاء وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي أظهر قوليه، وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر: إِن كَانَ قَرِيبا رَجَعَ فَطَافَ، وَإِن تبَاعد مضى وإهراق دَمًا.

وَاخْتلفُوا فِي حد الْقرب، فَروِيَ أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رد رجلا من مر الظهْرَان وَلم يكن ودع، وَبَين مر الظهْرَان وَمَكَّة ثَمَانِيَة عشر ميلًا، وَعند أبي حنيفَة يرجع مَا لم يبلغ الْمَوَاقِيت، وَعند الشَّافِعِي: يرجع من مَسَافَة لَا تقصر فِيهَا الصَّلَاة. وَعند الثَّوْريّ: يرجع مَا لم يخرج من الْحرم. وَاخْتلفُوا فِيمَن ودع ثمَّ بدا لَهُ فِي شِرَاء حَوَائِجه. فَقَالَ عَطاء: يُعِيد حَتَّى يكون آخر عَهده الطّواف بِالْبَيْتِ وبنحوه. قَالَ الثَّوْريّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأَبُو ثَوْر، وَقَالَ مَالك: لَا بَأْس أَن يَشْتَرِي بعض حَوَائِجه وَطَعَامه فِي السُّوق، وَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وَإِن أَقَامَ يَوْمًا أَو نَحوه أعَاد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَو ودع وَأقَام شهرا أَو أَكثر أَجزَأَهُ. وَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ.

٦٥٧١ - حدَّثنا أصبَغُ بنُ الفَرَجِ قَالَ أخْبَرَنا ابنُ وَهْبٍ عنْ عَمْرِو بنِ الحَارِثِ عَنْ قَتَادَةَ أنَّ أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ حدَّثهُ أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَلَّى الظُّهْرَ والْعَصْرَ والمَغْرِبَ والْعِشَاءِ ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً بالمحَصَّبِ ثُمَّ رَكِبَ إلَى البَيْتِ فَطَافَ بِهِ.

(الحَدِيث ٦٥٧١ طرفه فِي: ٤٦٧١) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ ركب إِلَى الْبَيْت فَطَافَ بِهِ) لِأَن المُرَاد بِهِ طواف الْوَدَاع. فَإِن قلت: مَا وَجه قَوْله: إِنَّه صلى الظّهْر بالمحصب وَرمي هَذَا الْيَوْم يكون بعد الزَّوَال؟ قلت: لَا بُعد فِي هَذَا، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رمى فنفر فَنزل المحصب فصلى الظّهْر بِهِ، والْحَدِيث من أَفْرَاده. وَرِجَاله قد ذكرُوا وَابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ تكلم أَحْمد فِي حَدِيث عَمْرو عَن قَتَادَة أَن أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حدث أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلهَذَا أَتَى البُخَارِيّ بالمتابعة أَيْضا. قَوْله: (بالمحصب) الْبَاء فِيهِ مُتَعَلق بقوله: صلى، وَقَوله: ثمَّ رقد عطف عَلَيْهِ، والمحصب، بِفَتْح الصَّاد الْمُشَدّدَة: اسْم لمَكَان متسع بَين منى وَمَكَّة، وَهُوَ بَين الجبلين إِلَى الْمَقَابِر، سمي بِهِ لِاجْتِمَاع الْحَصْبَاء فِيهِ بِحمْل السَّبِيل إِلَيْهِ.

تابَعَهُ اللَّيْثُ قَالَ حدَّثني خالِدٌ عنْ سَعِيدٍ عنْ قَتادَةَ أنَّ أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ حدَّثَهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

أَي: تَابع عَمْرو بن الْحَارِث فِي رِوَايَته لهَذَا الحَدِيث عَن قَتَادَة اللَّيْث بن سعد وَذكر هَذِه الْمُتَابَعَة الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ من طَرِيق عبد الله بن صَالح كَاتب اللَّيْث عَن اللَّيْث عَن خَالِد بن يزِيد السكْسكِي عَن سعيد بن أبي هِلَال، وهما قد تقدما فِي أول كتاب الْوضُوء، وَذكر الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ أَن خَالِدا تفرد بِهَذَا الحَدِيث عَن سعيد، وَأَن اللَّيْث تفرد بِهِ عَن خَالِد، وَأَن سعيد بن أبي هِلَال لم يروِ عَن قَتَادَة عَن أنس غير هَذَا.

٥٤١ - (بابٌ إذَا حاضَتِ المَرْأةُ بَعْدَما أفَاضَتْ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْمَرْأَة إِذا حَاضَت بَعْدَمَا أفاضت، يَعْنِي: بَعْدَمَا طافت طواف الْإِفَاضَة الَّذِي هُوَ ركن وَجَوَاب إِذا مَحْذُوف تَقْدِيره: هَل يجب عَلَيْهَا طواف الْوَدَاع أم يسْقط عَنْهَا بِسَبَب الْحيض، وَإِذا وَجب هَل يجْبر بِدَم أم لَا.

٧٥٧١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ القَاسِمِ عنْ أبِيهِ عَن عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ زَوْجَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حاضَتْ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ أحَابِسَتُنَا هِيَ قالُوا إنَّهَا قَدْ أفَاضَتْ قَالَ فَلَا إِذا..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَنَّهَا أفاضت قَالَ: فَلَا إِذا) ، وَجه ذَلِك أَن حَاصِل الْمَعْنى أَن طواف الْوَدَاع سَاقِط عَن الْحَائِض لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما أخبر عَن صَفِيَّة أَنَّهَا حَاضَت قَالَ: أحابستنا هِيَ؟ فَلَمَّا أخبر أَنَّهَا قد أفاضت من قبل أَن تحيض، قَالَ: فَلَا إِذا، أَي: فَلَا تحبسنا حِينَئِذٍ، لِأَنَّهَا أدَّت الْفَرْض الَّذِي هُوَ ركن الْحَج. وَهَذَا قَول عوام أهل الْعلم، وَخَالف فِي ذَلِك طَائِفَة، فَقَالُوا: لَا يحل لأحد أَن ينفر حَتَّى يطوف طواف الْوَدَاع، وَلم يعذروا فِي ذَلِك حَائِضًا بحيضها، ذكره الطَّحَاوِيّ، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: رُوِيَ ذَلِك عَن عمر وَابْن عمر وَزيد بن ثَابت، فَإِنَّهُم أمروا الْحَائِض بالْمقَام إِذا كَانَت حَائِضًا لطواف الْوَدَاع، فكأنهم أوجبوه عَلَيْهَا كَمَا يجب عَلَيْهَا طواف الْإِفَاضَة، وَأسْندَ ابْن الْمُنْذر عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِإِسْنَاد صَحِيح إِلَى نَافِع (عَن ابْن عمر، ققال: طافت امْرَأَة بِالْبَيْتِ يَوْم النَّحْر ثمَّ حَاضَت، فَأمر عمر بحبسها بِمَكَّة بعد أَن ينفر النَّاس حَتَّى تطهر وَتَطوف بِالْبَيْتِ) . ثمَّ قَالَ: وَقد ثَبت رُجُوع ابْن عمر وَزيد بن ثَابت عَن ذَلِك، وَبَقِي عمر فخالفناه لثُبُوت حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَأَشَارَ بذلك إِلَى أَحَادِيث هَذَا الْبَاب، وَقد روى ابْن أبي شيبَة من طَرِيق الْقَاسِم بن مُحَمَّد: كَانَ الصَّحَابَة يَقُولُونَ: إِذا أفاضت الْمَرْأَة قبل أَن تحيض فقد فرغت، إلَاّ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يَقُول: آخر عهدها بِالْبَيْتِ، وَقد وَافق عمر على رِوَايَة ذَلِك عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غَيره، فروى أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ والطَّحَاوِي، وَاللَّفْظ لأبي دَاوُد. من طَرِيق الْوَلِيد بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث ابْن عبد الله بن أَوْس الثَّقَفِيّ، فَقَالَ: أتيت عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَسَأَلته عَن الْمَرْأَة تَطوف بِالْبَيْتِ يَوْم النَّحْر، ثمَّ تحيض؟ قَالَ: ليكن آخر عهدها بِالْبَيْتِ. فَقَالَ الْحَارِث، كَذَلِك أفتاني رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ عمر: أربت عَن يَديك! سَأَلتنِي عَن شَيْء سَأَلت عَنهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لكيما أخالفه، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا وَلَفظه: (خَرَرْت عَن يَديك) ، وَمعنى: أربت عَن يَديك، سَقَطت إرابك، وَهُوَ جمع أرب، وَهُوَ الْعُضْو، وَمعنى خَرَرْت سَقَطت، وَأجَاب الطَّحَاوِيّ عَن هَذَا الحَدِيث بِأَنَّهُ نسخ بِحَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور، وَبِحَدِيث ابْن عَبَّاس، رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ فَقَالَ: حَدثنَا يُونُس، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان عَن ابْن طَاوُوس عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس: أَمر النَّاس أَن يكون آخر عَهدهم بِالْبَيْتِ، إلَاّ أَنه قد خفف عَن الْمَرْأَة الْحَائِض. وَأخرجه مُسلم أَيْضا. فَإِن قلت: روى الطَّحَاوِيّ أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس، فَقَالَ: حَدثنَا يُونُس، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان عَن سُلَيْمَان وَهُوَ ابْن أبي مُسلم الْأَحول عَن طَاوُوس (عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: كَانَ النَّاس ينفرون من كل وَجه، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا ينفرن أحد حَتَّى يكون آخر عَهده الطّواف بِالْبَيْتِ) ، وَهَذِه الرِّوَايَة لَا تدل على سُقُوط طواف الْوَدَاع عَن أحد. قلت: هَذَا مُطلق، وَالْأول مُقَيّد فَيحمل الْمُطلق على الْمُقَيد.

قَوْله: (حَاضَت) أَي: بعد أَن أفاضت يَوْم النَّحْر. قَوْله: (فَذكرت) أَي: عَائِشَة، وروى: (فَذكر) على صِيغَة الْمَجْهُول، قَوْله: (أحابستنا؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام، أَي: أمانعتنا من التَّوَجُّه من مَكَّة فِي الْوَقْت الَّذِي أردنَا التَّوَجُّه فِيهِ ظنا مِنْهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنَّهَا مَا طافت طواف الْإِفَاضَة. قَوْله: (إِنَّهَا أفاضت) أَي: طافت طواف الْإِفَاضَة. قَوْله: (قَالَ: فَلَا إِذا) أَي: قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَي فَلَا حبس علينا حِينَئِذٍ.

٩٥٧١ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ أيُّوبَ عنْ عِكْرِمَةَ أنَّ أهْلَ المَدِينَةِ سألُوا ابنَ عَبَّاسَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ امْرَأةٍ طَافَتْ ثُمَّ حَاضَتْ قالَ لَهُمْ تَنْفِرُ قَالُوا لَا نَأخُذُ بِقَوْلِكَ ونَدَعُ قَوْلَ زَيْدٍ قَالَ إذَا قَدِمْتُمُ المَدِينَةِ فَسَلُوا فَقَدِمُوا المَدِينَةَ فَسَألُوا فَكانَ فِيمَنْ سَألُوا أُمَّ سُلَيْمٍ فَذَكَرَتْ حَدِيثَ صَفِيَّةَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَذكرت حَدِيث صَفِيَّة) على مَا لَا يخفى، وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي وَحَمَّاد هُوَ ابْن زيد، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ.

قَوْله: (إِن أهل الْمَدِينَة) أَي: بعض أَهلهَا، لِأَن كلهم مَا سَأَلُوهُ، وَقد رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَن أَيُّوب بِلَفْظ: (إِن نَاسا من أهل الْمَدِينَة) . قَوْله: (قَالَ لَهُم: تنفر) أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس للَّذين سَأَلُوهُ: تنفر هَذِه الْمَرْأَة الَّتِي طافت ثمَّ حَاضَت. قَوْله: فَنَدَع، بِالْفَاءِ وَنصب: نَدع، لِأَنَّهُ جَوَاب النَّفْي، ويروى: (وَنَدع) ، بِالْوَاو. قَوْله: (قَول زيد) ، هُوَ زيد بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِي رِوَايَة عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ أفتيتنا أَو لم تفتنا، زيد بن ثَابت يَقُول: لَا تنفر. قَوْله: (فَكَانَ فِيمَن سَأَلُوا أم سليم) وَفِي رِوَايَة الثَّقَفِيّ: (فسألوا أم سليم وَغَيرهَا) . وَأم سليم، بِضَم السِّين: هِيَ أم أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَوْله: (فَذكرت) أَي: أم سليم كَذَا ذكره مُخْتَصرا. وَسَاقه الثَّقَفِيّ بِتَمَامِهِ قَالَ: (فَأَخْبَرتهمْ أَن عَائِشَة قَالَت لصفية أَفِي الخيبة أَنْت أَنَّك لحابستنا؟ فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا ذَاك؟ قَالَت عَائِشَة: صَفِيَّة حَاضَت. قيل: إِنَّهَا قد أفاضت قَالَ: فَلَا إِذا، فَرَجَعُوا إِلَى ابْن عَبَّاس، فَقَالُوا: وجدنَا الحَدِيث كَمَا حَدَّثتنَا) .

رَوَاهُ خَالِدٌ وقَتادَةُ عنْ عِكْرِمَةَ

أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور خَالِد الْحذاء، وَقَتَادَة أَيْضا عَن عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس، فرواية خَالِد وَصلهَا الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق مُعلى بن مَنْصُور عَن هشيم عَنهُ عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: إِذا طافت يَوْم النَّحْر ثمَّ حَاضَت فلتنفر، وَقَالَ زيد بن ثَابت: لَا تنفر حَتَّى تطهر وَتَطوف بِالْبَيْتِ، ثمَّ أرسل زيد بعد ذَلِك إِلَى ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، أَنِّي وجدت الَّذِي قلت كَمَا قلت، وَرِوَايَة قَتَادَة وَصلهَا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي (مُسْنده) قَالَ: حَدثنَا هِشَام هُوَ الدستوَائي عَن قَتَادَة عَن عِكْرِمَة قَالَ: اخْتلف ابْن عَبَّاس وَزيد بن ثَابت فِي الْمَرْأَة إِذا حَاضَت وَقد طافت بِالْبَيْتِ يَوْم النَّحْر، فَقَالَ زيد: يكون آخر عهدها بِالْبَيْتِ، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: تنفر إِن شَاءَت، فَقَالَت الْأَنْصَار: لَا نتابعك يَا ابْن عَبَّاس وَأَنت تخَالف زيدا، فَقَالَ: سلوا صاحبتكم أم سليم، فَقَالَت: حِضْت بَعْدَمَا طفت بِالْبَيْتِ، فَأمرنِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَن انفري، وحاضت صَفِيَّة، فَقَالَت لَهَا عَائِشَة: حبستنا! فَأمرهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن تنفر. وَقَالَ بَعضهم: طَرِيق قَتَادَة هَذِه هِيَ المحفوظة، وَقد شَذَّ عباد بن الْعَوام فَرَوَاهُ عَن سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة عَن أنس مُخْتَصرا فِي قصَّة أم سليم، أخرجه الطَّحَاوِيّ من طَرِيقه، انْتهى. قلت: قَالَ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا ابْن أبي دَاوُد حَدثنَا سعيد ابْن سُلَيْمَان الوَاسِطِيّ قَالَ: حَدثنَا عباد بن الْعَوام عَن سعيد عَن قَتَادَة (عَن أنس أَن أم سليم حَاضَت بَعْدَمَا أفاضت يَوْم النَّحْر، فَأمرهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن تنفر) ، إِسْنَاده صَحِيح، وَرِجَاله ثِقَات، فَمَا باله أَن يكون شاذا، وَطَرِيق قَتَادَة لَا يُنَافِي أَن يكون طَرِيق غَيره مَحْفُوظَة.

٠٦٧١ - حدَّثنا مُسْلِمٌ قَالَ حدَّثنا وُهَيْبٌ قَالَ حدَّثنا ابنُ طَاوُوسٍ عنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ رُخِّصَ لِلْحَائِضِ أنْ تَنْفِرَ إذَا أفَاضَتْ. وَقَالَ وسَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ يَقولُ إِنَّهَا لَا تَنْفِرُ

ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ بَعْدُ إنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَخَّصَ لَهُنَّ.

(انْظُر الحَدِيث ٠٣٣) .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (رخص للحائض أَن تنفر إِذا أفاضت) لِأَن الْحَاصِل من مَعْنَاهُ أَن الْحَائِض إِذا طافت طواف الزِّيَارَة، تنفر وَلَا شَيْء عَلَيْهَا. وَمُسلم هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم الفراهيدي، ووهيب بِضَم الْوَاو: وَهُوَ ابْن خَالِد وَابْن طَاوُوس هُوَ عبد الله، والْحَدِيث قد مضى فِي: بَاب الْمَرْأَة تحيض بعد الْإِفَاضَة فِي كتاب الْحيض، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُعلى بن أَسد عَن وهيب إِلَى آخِره نَحوه، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.

قَوْله: (رخص) على بِنَاء الْمَجْهُول، وَوَقع فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: (رخص رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) . قَوْله: (بعد) ، بِضَم الدَّال أَي: بعد أَن قَالَ: لَا تنفر، وَكَانَ ذَلِك قبل موت ابْن عمر بعام على مَا يَجِيء. قَوْله: (إِن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، رخص لَهُنَّ) أَي: للْحيض، وَهَذَا من مَرَاسِيل الصَّحَابَة. فَإِن ابْن عمر لم يسمعهُ من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ، فَقَالَ: حَدثنَا ابْن أبي دَاوُد، قَالَ: حَدثنَا أَبُو صَالح، قَالَ: حَدثنَا اللَّيْث، قَالَ: حَدثنَا عقيل (عَن ابْن شهَاب، قَالَ: أَخْبرنِي طَاوُوس الْيَمَانِيّ أَنه سمع عبد الله بن عمر يسْأَل عَن حبس النِّسَاء عَن الطّواف بِالْبَيْتِ إِذا حضن قبل النَّفر وَقد أفضن يَوْم النَّحْر؟ فَقَالَ: إِن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، كَانَت تذكر من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رخصَة النِّسَاء، وَذَلِكَ قبل موت عبد الله بعام) إِسْنَاده صَحِيح، وَأَبُو صَالح عبد الله بن صَالح وراق اللَّيْث وَشَيخ البُخَارِيّ، وَهَذَا يدل على أَنه كَانَ يُفْتِي بمنعهن عَن النَّفر إلَاّ بِالطّوافِ، ثمَّ رَجَعَ عَن ذَلِك حِين بلغه خبر عَائِشَة قبل مَوته بِسنة. قَوْله: (قَالَ: وَسمعت ابْن عمر) أَي: قَالَ طَاوُوس: سَمِعت عبد الله بن عمر، وَقَوله هَذَا بِالْإِسْنَادِ الأول بَينه النَّسَائِيّ فِي رِوَايَته، وَكَذَلِكَ الْقَائِل فِي قَوْله: سمعته يَقُول بعد هُوَ طَاوُوس الْمَذْكُور فِيهِ، وَلَيْسَ فِيهِ أَن ابْن عمر سمع ذَلِك عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَإِنَّمَا أخبر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه رخص لَهُنَّ، أَي: للنِّسَاء اللَّاتِي حضن بعد أَن طفن طواف الزِّيَارَة أَن يتركن طواف الْوَدَاع، وَهَذَا هُوَ عين الْإِرْسَال. فَافْهَم.

٢٦٧١ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا أبُو عُوَانَةَ عنْ مَنْصُورَ عنْ إبْرَاهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ خَرَجْنَا مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ولَا نُرَى إلَاّ الحَجَّ فَقَدِمَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فطَافَ بِالْبَيْتِ وبَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةَ ولَمْ يَحِلَّ وكانَ مَعَهُ الْهَدْيُ فَطافَ مَنْ كانَ مَعَهُ مِنْ نِسَائِهِ وحَلَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ الْهَدْيُ فَحَاضَتْ هِيَ فَنَسَكْنَا مَنَاسِكَنَا مِنْ حَجِّنَا فَلَمَّا كانَتْ لَيْلَةُ الحَصْبَةِ لَيْلَةُ النَّفْرِ قالَتْ يَا رسولَ الله كُلُّ أصْحَابِكَ يَرْجِعُ بِحَجٍّ وعُمْرَةٍ غَيْرِي قَالَ مَا كُنْتِ تَطُوفِي بِالْبَيْتِ لَيالِيَ قَدِمْنَا قُلْتُ لَا قَالَ فاخْرُجِي مَعَ أخِيكِ إِلَى التَّنْعِيمِ فأهِلِّي بِعُمْرَةٍ ومَوْعِدُك مَكانَ كَذا وكَذَا فَخَرَجْتُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمانِ إلَى التَّنْعِيمِ فأهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ وحاضَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَقْرَى حَلْقَى إنَّكِ لَحَابِسَتُنَا أمَا كُنْتِ طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ قالَتْ بَلَى قَالَ فَلَا بَأسَ انْفِري فَلَقِيتُهُ مُصْعِدا عَلَى أهْلِ مَكَّةَ وأنَا مُنْهَبِطَةٌ أوْ أَنا مُصْعِدَةٌ وهْوَ مُنْهَبِطٌ. وَقَالَ مُسَدَّدٌ قُلْتُ لَا. وتَابَعَهُ جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ فِي قَوْلِهِ لَا..

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وحاضت صَفِيَّة) ، إِلَى قَوْله: إنفري فَإِن فِيهِ: حَاضَت صَفِيَّة بَعْدَمَا أفاضت، والترجمة: بَاب إِذا حَاضَت الْمَرْأَة بَعْدَمَا أفاضت، وَهَذَا الحَدِيث مضى فِي أول: بَاب التَّمَتُّع والإقران، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن ابْن عمر عَن جرير عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم ... إِلَى آخِره نَحوه، وَهَهُنَا أخرجه: عَن أبي النُّعْمَان بن الْمُنْذر عَن السدُوسِي عَن أبي عوَانَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْوَاو وَبعد الْألف نون سَاكِنة، واسْمه الوضاح بن عبد الله عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن الْأسود بن يزِيد، وتكلمنا هُنَاكَ بِمَا يتَعَلَّق بِهِ من الْأُمُور، ولنتكلم هُنَا بِمَا لم نذكرهُ هُنَاكَ، وَإِن وَقع بعض التّكْرَار.

٩ - (بابُ المُعْتَمِرِ إذَا طافَ طَوَافَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ خَرَجَ هَلْ يُجْزِئهُ مِنْ طَوَافِ الوَدَاعِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي باين حكم الْمُعْتَمِر إِذا طَاف إِلَى آخِره، وَجَوَاب: هَل، مَحْذُوف تَقْدِيره: يجْزِيه ويغني طواف الْعمرَة عَن طواف الْوَدَاع. وَقَالَ بَعضهم: كَأَن البُخَارِيّ لما لم يكن فِي حَدِيث عَائِشَة التَّصْرِيح بِأَنَّهَا مَا طافت للوداع بعد طواف الْعمرَة لم يثبت الحكم فِي التَّرْجَمَة. انْتهى. قلت: الحَدِيث يدل على أَن طواف الْعمرَة يُغني عَن طواف الْوَدَاع، وَإِن لم يدل على ذَلِك صَرِيحًا، إِذْ لَو كَانَ لَا بُد من طواف الْوَدَاع لذكره النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الحَدِيث، وَلم يذكر إلَاّ طواف الْعمرَة.

٨٨٧١ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا أفْلَحُ بنُ حُمَيْدٍ عنِ القَاسِمِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ خَرَجْنَا مُهِلِّينَ بالحَجِّ فِي أشْهُرِ الحَجِّ وَفِي حُرُمِ الحَجِّ فنَزَلْنَا بِسَرِفَ فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأِصْحَابِهِ منْ لَمْ يَكُنْ معَهُ هَدْيٌ فأحَبَّ أنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَة فَلْيَفْعَلْ ومنْ كانَ مَعَهُ هَدْيٌ فلَا وكانَ معَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ورِجَالٌ مِنْ أصْحَابِهِ ذَوِي قُوِّةٍ الهَدْيَ فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ عُمْرَةً فَدَخَلَ عَلَيَّ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأنَا أبْكِي فَقَالَ مَا يُبْكِيكِ قُلْتُ سَمِعْتِكَ تَقُولُ لأِصْحَابِكَ مَا قُلْتَ فَمُنِعْتُ العُمْرَةَ قَالَ وَمَا شأنُك قُلْتُ لَا أصَلِّي قَالَ فَلَا يُضِرُّكِ أنْتِ مِنْ بَناتِ آدَمَ كُتِبَ عَلَيْكِ مَا كُتِبَ علَيْهِنَّ فَكونِي فِي حَجَّتِكِ عَسَى الله أَن يَرْزُقَكِهَا قالَتْ فكُنْتُ حَتَّى نَفَرْنَا مِنْ مِنىً فنَزَلْنَا المُحَصَّبَ فدَعَا عبْدَ الرَّحْمانِ فقالَ اخْرُجْ بِأُخْتِكَ إلَى الحَرَمِ فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ افرُغَا مِنْ طَوَافِكُمَا أنْتَظِرْ كَمَا هَهُنَا فأتَيْنَا فِي جَوْفِ اللَّيْلِ فقالَ فرَغْتُمَا قُلْتُ نَعَمْ فَنادَى بالرَّحِيلِ فِي أصْحَابِهِ فارْتَحَلَ النَّاسُ ومنْ طافَ بالْبَيْتِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ ثُمَّ خَرَجَ مُتَوَجِّها إلَى المَدِينَةِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فلتهل بِعُمْرَة) . وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن بشار عَن أبي بكر الْحَنَفِيّ، وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن مُحَمَّد بن عبد الله ابْن نمير عَن إِسْحَاق بن سُلَيْمَان، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن هناد بن السّري، وغالب مَا فِيهِ من الْأَحْكَام قد ذكر فِيمَا مضى مفرقا.

قَوْله: (وَفِي حرم الْحَج) بِضَم الْحَاء وَالرَّاء، وَهِي الْحَالَات والأماكن والأوقات الَّتِي لِلْحَجِّ، وَرُوِيَ، بِفَتْح الرَّاء جمع حُرْمَة أَي مُحرمَات الْحَج. قَوْله: (بسرف) أَي: فِي سرف، وَقد فسرناه غير مرّة، وَهُوَ مَكَان بِقرب مَكَّة. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر وَأبي الْوَقْت: (سرف) ، بِحَذْف الْبَاء، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق إِسْحَاق بن عِيسَى بن الطباع عَن أَفْلح. قَوْله: (فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأَصْحَابه: من لم يكن مَعَه هدي) ظَاهره أَنه أَمر لأَصْحَابه بِفَسْخ الْحَج إِلَى الْعمرَة. فَإِن قلت: قَوْله هَذَا كَانَ بسرف، وَفِي غير هَذِه الرِّوَايَة أَن قَوْله لَهُم ذَلِك كَانَ بعد دُخُوله مَكَّة؟ قلت: يحْتَمل التَّعَدُّد. قَوْله: (وَرِجَال) ، بِالْجَرِّ عطف على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَوْله: (ذَوي قُوَّة) ، صفة لقَوْله: (أَصْحَابه) . قَوْله: (الْهَدْي) مَرْفُوع لِأَنَّهُ اسْم: كَانَ. قَوْله: (وَأَنا أبْكِي) ، جملَة حَالية. قَوْله: (فمنعت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (الْعمرَة) ، مَنْصُوب على نزع الْخَافِض أَي: من الْعمرَة. قَوْله: (لَا أُصَلِّي) ، كِنَايَة عَن الْحيض، وَهِي من ألطف الْكِنَايَات. قَوْله: (كتب عَلَيْك) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَهَذِه رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (كتب الله عَلَيْك) . وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم. قَوْله: (فكوني فِي حجتك) ، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (فِي حجك) ، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم. قَوْله: (فَعَسَى الله) ، ويروى (عَسى الله) ، بِدُونِ الْفَاء. قَوْله: (فنزلنا) المحصب وَهُوَ الأبطح، وَفِيه اخْتِصَار أظهرته رِوَايَة مُسلم بِلَفْظ: (حَتَّى نزلنَا منى فتطهرت ثمَّ طفت بِالْبَيْتِ فَنزل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم المحصب) . قَوْله: (فَدَعَا عبد الرَّحْمَن) ، هُوَ ابْن أبي بكر أَخُو عَائِشَة، رَضِي

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 79%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
سبحان الله