الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٧٦٣
الحديث رقم ١٧٦٣ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من صلى العصر يوم النفر بالأبطح.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
١٧٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَهْلِهِ فَأَبْدَتِ الْمَانِعَ فَنَاسَبَ كُلًّا مِنْهُمَا مَا خَاطَبَهَا بِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا بَأْسَ انْفِرِي) هُوَ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ أَوَّلَ الْبَابِ فَلَا إِذًا، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ اخْرُجُوا، وَفِي رِوَايَةِ عَمْرَةَ قَالَ اخْرُجِي، وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ فِي الْمَغَازِي فَلْتَنْفِرْ وَمَعَانِيهَا مُتَقَارِبَةٌ، وَالْمُرَادُ بِهَا كُلِّهَا الرَّحِيلُ مِنْ مِنًى إِلَى جِهَةِ الْمَدِينَةِ.
وَفِي أَحَادِيثِ الْبَابِ أَنَّ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ رُكْنٌ، وَأَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الطَّوَافِ، وَأَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ وَاجِبٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ أَمِيرَ الْحَجِّ يَلْزَمُهُ أَنَّ يُؤَخِّرَ الرَّحِيلَ لِأَجْلِ مَنْ تَحِيضُ مِمَّنْ لَمْ تَطُفْ لِلْإِفَاضَةِ، وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ إِرَادَتُهُ ﷺ تَأْخِيرَ الرَّحِيلِ إِكْرَامًا لِصَفِيَّةَ كَمَا احْتَبَسَ بِالنَّاسِ عَلَى عَقْدِ عَائِشَةَ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي فَوَائِدِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: أَمِيرَانِ وَلَيْسَا بِأَمِيرَيْنِ: مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ حَتَّى تُدْفَنَ أَوْ يَأْذَنَ أَهْلُهَا، وَالْمَرْأَةُ تَحُجُّ أَوْ تَعْتَمِرُ مَعَ قَوْمٍ فَتَحِيضُ قَبْلَ طَوَافِ الرُّكْنِ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَنْصَرِفُوا حَتَّى تَطْهُرَ أَوْ تَأْذَنَ لَهُمْ. فَلَا دِلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْوُجُوبِ إِنْ كَانَ صَحِيحًا، فَإِنَّ فِي إِسْنَادِ كُلٍّ مِنْهُمَا ضَعْفًا شَدِيدًا. وَقَدْ ذَكَرَ مَالِكٌ فِي: الْمُوَطَّأِ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْجَمَّالَ أَنْ يَحْبِسَ لَهَا إِلَى انْقِضَاءِ أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ، وَكَذَا عَلَى النُّفَسَاءِ. وَاسْتَشْكَلَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ بِأَنَّ فِيهَا تَعْرِيضًا لِلْفَسَادِ كَقَطْعِ الطَّرِيقِ، وَأَجَابَ عِيَاضٌ بِأَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ مَعَ أَمْنِ الطَّرِيقِ كَمَا أَنَّ مَحَلَّهُ أَنَّ يكَوْنَ مَعَ الْمَرْأَةِ مَحْرَمٌ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُسَدَّدٌ: قُلْتُ: لَا. وَتَابَعَهُ جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ فِي قَوْلِهِ لَا) هَذَا التَّعْلِيقُ لَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَثَبَتَ لِغَيْرِهِ، فَأَمَّا رِوَايَةُ مُسَدَّدٍ فَرُوِّينَاهَا كَذَلِكَ فِي مُسْنَدِهِ رِوَايَةَ أَبِي خَلِيفَةَ عَنْهُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ، وَقَالَ فِيهِ: مَا كُنْتُ طُفْتُ لَيَالِيَ قَدِمْنَا؟ قُلْتُ: لَا. وَأَمَّا رِوَايَةُ جَرِيرٍ فَوَصَلَهَا الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ، وَقَالَ فِيهِ: مَا كُنْتُ طُفْتُ لَيَالِيَ قَدِمْنَا مَكَّةَ؟ قُلْتُ: لَا. وَهَذَا يُؤَيِّدُ صِحَّةَ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي حَيْثُ وَقَعَ عِنْدَهُ بَلَى مَوْضِعَ لَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ.
١٤٦ - بَاب مَنْ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ بِالْأَبْطَحِ
١٧٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ عَقَلْتَهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟ قَالَ: بِمِنًى، قُلْتُ: فَأَيْنَ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ؟ قَالَ: بِالْأَبْطَحِ، افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ.
١٧٦٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمُتَعَالِ بْنُ طَالِبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ قَتَادَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ حَدَّثَهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَرَقَدَ رَقْدَةً بِالْمُحَصَّبِ، ثُمَّ رَكِبَ إِلَى الْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ بِالْأَبْطَحِ) أَيِ الْبَطْحَاءِ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَمِنًى، وَهِيَ مَا انْبَطَحَ مِنَ الْوَادِي وَاتَّسَعَ. وَهِيَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا الْمُحَصَّبُ وَالْمُعَرَّسُ، وَحْدَهَا مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ إِلَى الْمَقْبَرَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ أَنَسٍ الْأَوَّلِ فِي بَابِ أَيْنَ يُصَلِّي الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَهُوَ مُطَابِقٌ لِمَا تَرْجَمَ بِهِ هُنَا.
وَفِي سِيَاقِ حَدِيثِ أَنَسٍ الثَّانِي مَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ صَلَّى بِالْأَبْطَحِ وَهُوَ الْمُحَصَّبُ مَعَ ذَلِكَ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَرَقَدَ، ثُمَّ رَكِبَ إِلَى الْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ أَيْ طَوَافَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٧٦٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزِيُّ الزَّمِن البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ) الأزرق الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ) بضمِّ الرَّاء وفتح الفاء آخره عينٌ مهملةٌ مُصغَّرًا (قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁: (أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ عَقَلْتَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ) ثامن ذي الحجَّة؟ (قَالَ: بِمِنًى، قُلْتُ: فَأَيْنَ صَلَّى العَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ) من منًى؟ (قَالَ): صلَّى (١) (بِالأَبْطَحِ) وهو المُحصَّب، وهذا موضع التَّرجمة (افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ) أي: صلِّ حيث يصلُّون، وفيه: دليلٌ على الجواز.
١٧٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ المُتَعَالِ) بحذف الياء (بْنُ طَالِبٍ) الأنصاريُّ البغداديُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبدُ الله (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ) بفتح العين (أَنَّ قَتَادَةَ) بن دعامة (حَدَّثَهُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁) ولأبي ذرٍّ: «أنَّ أنس بن مالكٍ» (حَدَّثَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ، وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ، وَرَقَدَ رَقْدَةً بِالمُحَصَّبِ) يتعلَّق بقوله: «صلَّى» (٢) وقوله: «ورقد»: عُطِف عليه (ثُمَّ رَكِبَ إِلَى البَيْتِ فَطَافَ بِهِ) للوداع، وقوله: «صلَّى الظُّهر» لا ينافي أنَّه ﵊ لم يرمِ إلَّا بعد الزَّوال لأنَّه رمى فنفر، فنزل المُحصَّب، فصلَّى به الظُّهر.
(١٤٧) (بابُ المُحَصَّبِ) بضمِّ الميم وفتح الحاء والصَّاد المُشدَّدة المهملتين ثمَّ مُوحَّدةٍ: اسمٌ لمكانٍ متَّسعٍ بين مكَّة ومنًى، وهو أقرب إلى منًى، ويُقال له: الأبطح والبطحاء وخَيْفُ بني كنانة، وحدُّه: ما بين الجبلين إلى المقبرة، والمراد: حكم النُّزول به.
١٧٦٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَينٍ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ هِشَامٍ،
عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنَّها (١) (قَالَتْ: إِنَّمَا كَانَ) المُحصَّب (مَنْزِلٌ) بالرَّفع، قال ابن مالكٍ: في رفعه ثلاثة أوجهٍ:
أحدها: أن تجعل «ما» بمعنى «الذي»، واسم «كان» ضميرٌ يعود على المُحصَّب، وخبرها محذوفٌ، والتَّقدير: إنَّ الذي كأنَّه هو؛ يعني: أنَّ المنزل الذي كان المُحصَّب إيَّاه منزلٌ ينزله النَّبيُّ ﷺ، فـ «منزلٌ»: خبر «إنَّ»، الثَّاني: أن تكون «ما» كافَّةً، و «منزلٌ» اسم «كان»، وخبرها ضميرٌ محذوفٌ عائدٌ على المُحصَّب، وفي هذا الوجه تعريف الخبر وتنكير الاسم إلَّا أنَّه نكرةٌ مُخصَّصةٌ بصفتها فسهل لذلك، الثَّالث: أن يكون «منزلٌ» منصوبًا في اللَّفظ إلَّا أنَّه كُتِب بلا ألفٍ (٢) على لغة ربيعة؛ فإنَّهم يقفون على المنصوب المُنوَّن بالسُّكون. انتهى. وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ بأنَّ الوجه الثَّالث ليس توجيهًا للرَّفع بوجهٍ، وقد قال أوَّلًا: في رفعه -أي: رفع «منزل» - ثلاثة أوجهٍ، وعدَّ الثَّالث وهو مقتضٍ للنَّصب لا للرَّفع، ثمَّ كيف يتَّجه هذا مع ثبوت الرِّواية بالرَّفع؟! وهل هذا إلَّا مقتضٍ للنَّصب (٣)؟! لأنَّ الرَّاوي اعتمد على صورة الخطِّ فظنَّه مرفوعًا، فيظنُّ به كذلك ولم يستند فيه إلى روايةٍ، فما هذا الكلام؟! ولأبي ذرٍّ: «إنَّما كان» أي: المُحصَّب منزلًا؛ بالنَّصب.
(يَنْزِلُهُ النَّبِيُّ ﷺ لِيَكُونَ) النُّزول به (أَسْمَحَ) أسهل (لِخُرُوجِهِ) راجعًا إلى المدينة ليستوي (٤) في ذلك البطيء والمعتدل (٥)، ويكون مبيتهم وقيامهم في السَّحر ورحيلهم بأجمعهم إلى المدينة (تَعْنِي) عائشة: (بِالأَبْطَحِ) يتعلَّق (٦) بقوله: «ينزله» ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «تعني: الأبطح» بإسقاط حرف الجرِّ.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَهْلِهِ فَأَبْدَتِ الْمَانِعَ فَنَاسَبَ كُلًّا مِنْهُمَا مَا خَاطَبَهَا بِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا بَأْسَ انْفِرِي) هُوَ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ أَوَّلَ الْبَابِ فَلَا إِذًا، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ اخْرُجُوا، وَفِي رِوَايَةِ عَمْرَةَ قَالَ اخْرُجِي، وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ فِي الْمَغَازِي فَلْتَنْفِرْ وَمَعَانِيهَا مُتَقَارِبَةٌ، وَالْمُرَادُ بِهَا كُلِّهَا الرَّحِيلُ مِنْ مِنًى إِلَى جِهَةِ الْمَدِينَةِ.
وَفِي أَحَادِيثِ الْبَابِ أَنَّ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ رُكْنٌ، وَأَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الطَّوَافِ، وَأَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ وَاجِبٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ أَمِيرَ الْحَجِّ يَلْزَمُهُ أَنَّ يُؤَخِّرَ الرَّحِيلَ لِأَجْلِ مَنْ تَحِيضُ مِمَّنْ لَمْ تَطُفْ لِلْإِفَاضَةِ، وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ إِرَادَتُهُ ﷺ تَأْخِيرَ الرَّحِيلِ إِكْرَامًا لِصَفِيَّةَ كَمَا احْتَبَسَ بِالنَّاسِ عَلَى عَقْدِ عَائِشَةَ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي فَوَائِدِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: أَمِيرَانِ وَلَيْسَا بِأَمِيرَيْنِ: مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ حَتَّى تُدْفَنَ أَوْ يَأْذَنَ أَهْلُهَا، وَالْمَرْأَةُ تَحُجُّ أَوْ تَعْتَمِرُ مَعَ قَوْمٍ فَتَحِيضُ قَبْلَ طَوَافِ الرُّكْنِ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَنْصَرِفُوا حَتَّى تَطْهُرَ أَوْ تَأْذَنَ لَهُمْ. فَلَا دِلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْوُجُوبِ إِنْ كَانَ صَحِيحًا، فَإِنَّ فِي إِسْنَادِ كُلٍّ مِنْهُمَا ضَعْفًا شَدِيدًا. وَقَدْ ذَكَرَ مَالِكٌ فِي: الْمُوَطَّأِ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْجَمَّالَ أَنْ يَحْبِسَ لَهَا إِلَى انْقِضَاءِ أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ، وَكَذَا عَلَى النُّفَسَاءِ. وَاسْتَشْكَلَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ بِأَنَّ فِيهَا تَعْرِيضًا لِلْفَسَادِ كَقَطْعِ الطَّرِيقِ، وَأَجَابَ عِيَاضٌ بِأَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ مَعَ أَمْنِ الطَّرِيقِ كَمَا أَنَّ مَحَلَّهُ أَنَّ يكَوْنَ مَعَ الْمَرْأَةِ مَحْرَمٌ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُسَدَّدٌ: قُلْتُ: لَا. وَتَابَعَهُ جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ فِي قَوْلِهِ لَا) هَذَا التَّعْلِيقُ لَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَثَبَتَ لِغَيْرِهِ، فَأَمَّا رِوَايَةُ مُسَدَّدٍ فَرُوِّينَاهَا كَذَلِكَ فِي مُسْنَدِهِ رِوَايَةَ أَبِي خَلِيفَةَ عَنْهُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ، وَقَالَ فِيهِ: مَا كُنْتُ طُفْتُ لَيَالِيَ قَدِمْنَا؟ قُلْتُ: لَا. وَأَمَّا رِوَايَةُ جَرِيرٍ فَوَصَلَهَا الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ، وَقَالَ فِيهِ: مَا كُنْتُ طُفْتُ لَيَالِيَ قَدِمْنَا مَكَّةَ؟ قُلْتُ: لَا. وَهَذَا يُؤَيِّدُ صِحَّةَ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي حَيْثُ وَقَعَ عِنْدَهُ بَلَى مَوْضِعَ لَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ.
١٤٦ - بَاب مَنْ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ بِالْأَبْطَحِ
١٧٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ عَقَلْتَهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟ قَالَ: بِمِنًى، قُلْتُ: فَأَيْنَ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ؟ قَالَ: بِالْأَبْطَحِ، افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ.
١٧٦٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمُتَعَالِ بْنُ طَالِبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ قَتَادَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ حَدَّثَهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَرَقَدَ رَقْدَةً بِالْمُحَصَّبِ، ثُمَّ رَكِبَ إِلَى الْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ بِالْأَبْطَحِ) أَيِ الْبَطْحَاءِ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَمِنًى، وَهِيَ مَا انْبَطَحَ مِنَ الْوَادِي وَاتَّسَعَ. وَهِيَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا الْمُحَصَّبُ وَالْمُعَرَّسُ، وَحْدَهَا مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ إِلَى الْمَقْبَرَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ أَنَسٍ الْأَوَّلِ فِي بَابِ أَيْنَ يُصَلِّي الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَهُوَ مُطَابِقٌ لِمَا تَرْجَمَ بِهِ هُنَا.
وَفِي سِيَاقِ حَدِيثِ أَنَسٍ الثَّانِي مَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ صَلَّى بِالْأَبْطَحِ وَهُوَ الْمُحَصَّبُ مَعَ ذَلِكَ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَرَقَدَ، ثُمَّ رَكِبَ إِلَى الْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ أَيْ طَوَافَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٧٦٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزِيُّ الزَّمِن البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ) الأزرق الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ) بضمِّ الرَّاء وفتح الفاء آخره عينٌ مهملةٌ مُصغَّرًا (قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁: (أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ عَقَلْتَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ) ثامن ذي الحجَّة؟ (قَالَ: بِمِنًى، قُلْتُ: فَأَيْنَ صَلَّى العَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ) من منًى؟ (قَالَ): صلَّى (١) (بِالأَبْطَحِ) وهو المُحصَّب، وهذا موضع التَّرجمة (افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ) أي: صلِّ حيث يصلُّون، وفيه: دليلٌ على الجواز.
١٧٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ المُتَعَالِ) بحذف الياء (بْنُ طَالِبٍ) الأنصاريُّ البغداديُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبدُ الله (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ) بفتح العين (أَنَّ قَتَادَةَ) بن دعامة (حَدَّثَهُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁) ولأبي ذرٍّ: «أنَّ أنس بن مالكٍ» (حَدَّثَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ، وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ، وَرَقَدَ رَقْدَةً بِالمُحَصَّبِ) يتعلَّق بقوله: «صلَّى» (٢) وقوله: «ورقد»: عُطِف عليه (ثُمَّ رَكِبَ إِلَى البَيْتِ فَطَافَ بِهِ) للوداع، وقوله: «صلَّى الظُّهر» لا ينافي أنَّه ﵊ لم يرمِ إلَّا بعد الزَّوال لأنَّه رمى فنفر، فنزل المُحصَّب، فصلَّى به الظُّهر.
(١٤٧) (بابُ المُحَصَّبِ) بضمِّ الميم وفتح الحاء والصَّاد المُشدَّدة المهملتين ثمَّ مُوحَّدةٍ: اسمٌ لمكانٍ متَّسعٍ بين مكَّة ومنًى، وهو أقرب إلى منًى، ويُقال له: الأبطح والبطحاء وخَيْفُ بني كنانة، وحدُّه: ما بين الجبلين إلى المقبرة، والمراد: حكم النُّزول به.
١٧٦٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَينٍ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ هِشَامٍ،
عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنَّها (١) (قَالَتْ: إِنَّمَا كَانَ) المُحصَّب (مَنْزِلٌ) بالرَّفع، قال ابن مالكٍ: في رفعه ثلاثة أوجهٍ:
أحدها: أن تجعل «ما» بمعنى «الذي»، واسم «كان» ضميرٌ يعود على المُحصَّب، وخبرها محذوفٌ، والتَّقدير: إنَّ الذي كأنَّه هو؛ يعني: أنَّ المنزل الذي كان المُحصَّب إيَّاه منزلٌ ينزله النَّبيُّ ﷺ، فـ «منزلٌ»: خبر «إنَّ»، الثَّاني: أن تكون «ما» كافَّةً، و «منزلٌ» اسم «كان»، وخبرها ضميرٌ محذوفٌ عائدٌ على المُحصَّب، وفي هذا الوجه تعريف الخبر وتنكير الاسم إلَّا أنَّه نكرةٌ مُخصَّصةٌ بصفتها فسهل لذلك، الثَّالث: أن يكون «منزلٌ» منصوبًا في اللَّفظ إلَّا أنَّه كُتِب بلا ألفٍ (٢) على لغة ربيعة؛ فإنَّهم يقفون على المنصوب المُنوَّن بالسُّكون. انتهى. وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ بأنَّ الوجه الثَّالث ليس توجيهًا للرَّفع بوجهٍ، وقد قال أوَّلًا: في رفعه -أي: رفع «منزل» - ثلاثة أوجهٍ، وعدَّ الثَّالث وهو مقتضٍ للنَّصب لا للرَّفع، ثمَّ كيف يتَّجه هذا مع ثبوت الرِّواية بالرَّفع؟! وهل هذا إلَّا مقتضٍ للنَّصب (٣)؟! لأنَّ الرَّاوي اعتمد على صورة الخطِّ فظنَّه مرفوعًا، فيظنُّ به كذلك ولم يستند فيه إلى روايةٍ، فما هذا الكلام؟! ولأبي ذرٍّ: «إنَّما كان» أي: المُحصَّب منزلًا؛ بالنَّصب.
(يَنْزِلُهُ النَّبِيُّ ﷺ لِيَكُونَ) النُّزول به (أَسْمَحَ) أسهل (لِخُرُوجِهِ) راجعًا إلى المدينة ليستوي (٤) في ذلك البطيء والمعتدل (٥)، ويكون مبيتهم وقيامهم في السَّحر ورحيلهم بأجمعهم إلى المدينة (تَعْنِي) عائشة: (بِالأَبْطَحِ) يتعلَّق (٦) بقوله: «ينزله» ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «تعني: الأبطح» بإسقاط حرف الجرِّ.