«خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الحَجَّةِ، فَقَالَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٧٨٦

الحديث رقم ١٧٨٦ من كتاب «أبواب العمرة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الاعتمار بعد الحج بغير هدي.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٧٨٦ في صحيح البخاري

«خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الحَجَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِحَجَّةٍ فَلْيُهِلَّ، وَلَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ. فَمِنْهُمْ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَهَلَّ

⦗٥⦘

بِحَجَّةٍ، وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، فَحِضْتُ قَبْلَ أَنْ أَدْخُلَ مَكَّةَ، فَأَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ فَقَالَ: دَعِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ. فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ، أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَرْدَفَهَا فَأَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِهَا، فَقَضَى اللهُ حَجَّهَا وَعُمْرَتَهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ، وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا صَوْمٌ.»

بَابٌُ أَجْرُِ الْعُمْرَةِ عَلَى قَدْرِ النَّصَبِ

إسناد حديث رقم ١٧٨٦ من صحيح البخاري

١٧٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى : حَدَّثَنَا يَحْيَى : حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ قَالَتْ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٧٨٦: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

جَعْفَرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَقَامَ سُرَاقَةُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلِعَامِنَا هَذِهِ أَمْ لِلْأَبَدِ؟ فَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الْأُخْرَى وَقَالَ: دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ مَرَّتَيْنِ، لَا بَلْ لِلْأَبَدِ أَبَدًا. قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْعُمْرَةَ يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ إِبْطَالًا لِمَا كَانَ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ جَوَازُ الْقِرَانِ، أَيْ دَخَلَتْ أَفْعَالُ الْعُمْرَةِ فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ سَقَطَ وُجُوبُ الْعُمْرَةِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي النَّسْخَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ جَوَازُ فَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ، قَالَ: وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ سِيَاقَ السُّؤَالِ يُقَوِّي هَذَا التَّأْوِيلَ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّ السُّؤَالَ وَقَعَ عَنِ الْفَسْخِ وَالْجَوَابَ وَقَعَ عَمَّا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَتَنَاوَلَ التَّأْوِيلَاتِ الْمَذْكُورَةَ إِلَّا الثَّالِثَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٧ - بَاب الِاعْتِمَارِ بَعْدَ الْحَجِّ بِغَيْرِ هَدْيٍ

١٧٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحَجَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِحَجَّةٍ فَلْيُهِلَّ، وَلَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ. فَمِنْهُمْ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ، وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، فَحِضْتُ قَبْلَ أَنْ أَدْخُلَ مَكَّةَ، فَأَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ، فَقَالَ: دَعِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ، فَفَعَلْتُ. فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَرْدَفَهَا، فَأَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِهَا، فَقَضَى اللَّهُ حَجَّهَا وَعُمْرَتَهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا صَوْمٌ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الِاعْتِمَارِ بَعْدَ الْحَجِّ بِغَيْرِ هَدْيٍ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ اللَّازِمَ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ أنَّ أَشْهُرَ الْحَجِّ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ بِكَمَالِهِ كَمَا هُوَ مَنْقُولٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْ مَالِكٍ وَعَنِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا، وَمَنْ أَطْلَقَ أَنَّ التَّمَتُّعَ هُوَ الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ كَمَا نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيهِ الِاتِّفَاقُ، فَقَالَ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ التَّمَتُّعَ الْمُرَادَ بِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ هُوَ الِاعْتِمَارُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ قَبْلَ الْحَجِّ أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فِي ذِي الْحِجَّةِ بَعْدَ الْحَجِّ فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ، وَحَدِيثُ الْبَابِ دَالٌ عَلَى خِلَافِهِ، لَكِنَّ الْقَائِلَ بِأَنَّ ذَا الْحِجَّةِ كُلَّهُ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ يَقُولُ: إِنَّ التَّمَتُّعَ هُوَ الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ قَبْلَ الْحَجِّ فَلَا يَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (خَرَجْنَا مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ) أَيْ قُرْبَ طُلُوعِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ وَالْخَمْسُ قَرِيبَةٌ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ، فَوَافَاهُمُ الْهِلَالُ وَهُمْ فِي الطَّرِيقِ لِأَنَّهُمْ دَخَلُوا مَكَّةَ فِي الرَّابِعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ.

قَوْلُهُ: (لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ) فِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ لَأَحْلَلْتُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ مِنَ الْحَجِّ.

قَوْلُهُ: (أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَرْدَفَهَا) فِيهِ الْتِفَاتٌ؛ لِأَنَّ السِّيَاقَ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ فَأَرْدَفَنِي.

قَوْلُهُ: (مَكَانَ عُمْرَتِهَا) تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ، وَأَنَّ الْمُرَادَ مَكَانُ عُمْرَتِهَا الَّتِي أَرَادَتْ أَنْ تَكُونَ مُنْفَرِدَةً عَنِ الْحَجِّ، قَالَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ: الصَّوَابُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ عَنْهَا، ثُمَّ فَسَخَتْهُ إِلَى الْعُمْرَةِ لَمَّا فَسَخَ الصَّحَابَةُ، وَعَلَى هَذَا يَتَنَزَّلُ قَوْلُ عُرْوَةَ عَنْهَا أَحْرَمَتْ بِعُمْرَةٍ فَلَمَّا حَاضَتْ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهَا التَّحَلُّلُ مِنَ الْعُمْرَةِ لِأَجْلِ الْحَيْضِ، وَجَاءَ وَقْتُ الْخُرُوجِ إِلَى الْحَجِّ أَدْخَلَتِ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ فَصَارَتْ قَارِنَةً، وَاسْتَمَرَّتْ إِلَى أَنْ تَحَلَّلَتْ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُهُ لَهَا فِي رِوَايَةِ طَاوُسٍ عَنْهَا عِنْدَ مُسْلِمٍ: طَوَافُكِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وقال ابن المُنيِّر: ترجم على أنَّ العمرة من التَّنعيم، ثمَّ ذكر حديث سراقة، وليس فيه تعرُّضٌ لميقاتٍ، ولكن لأصل العمرة في أشهر الحجِّ، وأجاب: بأنَّ وجه ذكره في التَّرجمة الرَّدُّ على من لعلَّه يزعم أنَّ التَّنعيم كان خاصًّا باعتمار عائشة حينئذٍ، فقرَّر بحديث سراقة أنَّه غير خاصٍّ وأنَّه عامٌّ أبدًا.

وحديث الباب أخرجه المؤلِّف في «التَّمنِّي» [خ¦٧٢٣٠]، وأبو داود في «الحجِّ».

(٧) (بابُ الاِعْتِمَارِ بَعْدَ الحَجِّ) في أشهره (بِغَيْرِ هَدْيٍ) يلزم المعتمر.

١٧٨٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) الزَّمن قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير (قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ) في حجَّة الوداع، حالة كوننا (مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الحَجَّةِ) أي: قرب طلوعه، فقد مرَّ أنَّها قالت [خ¦١٧٠٩] «خرجنا لخمسٍ بقين من ذي القعدة» والخمس قريبةٌ من آخر الشَّهر، فوافاهم الهلال وهم في الطَّريق (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ) وَهُمْ بِسَرِف [خ¦١٧٨٨] أو بعد الطَّواف [خ¦١٥٦٨] كما مرَّ قريبًا: (مَنْ أَحَبَّ) منكم ممَّن لم يكن معه هديٌ (أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ) يدخلها على الحجِّ (فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَحَبَّ) منكم ممَّن معه هديٌ (أَنْ يُهِلَّ بِحَجَّةِ) يدخلها على

العمرة (فَلْيُهِلَّ، وَلَوْلَا أَنِّي) وفي روايةٍ: «أنَّني» بزيادة نونٍ ثانيةٍ (أَهْدَيْتُ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ) قال في «فتح الباري» -وتبعه العينيُّ-: وفي رواية السَّرخسيِّ: «لأحللت» بالحاء المهملة، أي: بحجٍّ (١) (فَمِنْهُمْ) أي: من الصَّحابة (مَنْ) كان (أَهَلَّ) من الميقات (بِعُمْرَةٍ، وَمِنْهُمْ مِنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ) ومنهم من قرن، قالت عائشة : (وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ) الذي رواه الأكثرون عنها: أنَّها أحرمت أوَّلًا بالحجِّ، فتُحمَل رواية عروة على آخر أمرها (فَحِضْتُ) بسرف (قَبْلَ أَنْ أَدْخُلَ مَكَّةَ، فَأَدْرَكَنِي) أي: قَرُبَ منِّي (٢) (يَوْمُ عَرَفَةَ، وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ) يوم التَّروية كما في «مسلمٍ»، ولأبي ذرٍّ: «فشكوت ذلك إلى رسول الله » (فَقَالَ: دَعِي عُمْرَتَكِ) أي: أعمالها (وَانْقُضِي رَأْسَكِ) بحلِّ ضفائر شعره (وَامْتَشِطِي) سرِّحيه بالمشط (وَأَهِلِّي) يوم التَّروية (بِالحَجِّ) قالت: (فَفَعَلْتُ) ما أمرني به .

(فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الحَصْبَةِ أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَرْدَفَهَا) فيه التفاتٌ لأنَّ الأصل أن يُقال: فأردفني، أي: أركبها خلفه على الرَّاحلة (فَأَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ) من التَّنعيم (مَكَانَ عُمْرَتِهَا) التي أرادت أن تكون منفردةً عن حجَّتها (٣) (فَقَضَى اللهُ حَجَّهَا وَعُمْرَتَهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ، وَلَا صَدَقَةٌ، وَلَا صَوْمٌ) وهذا الكلام مُدرَجٌ من قول هشامٍ كما مرَّ في «الحيض» [خ¦٣١٧] ولعلَّه نفى ذلك بحسب علمه، ولا يلزم من ذلك نفيه في نفس الأمر، وحال عائشة لا يخلو من أمرين: إمَّا أن تكون قارنةً، أو متمتِّعةً، وعليهما فلا بدَّ من الهدي، وقد ثبت أنَّها روت [خ¦٢٩٤]: أنَّه ضحَّى عن نسائه بالبقر، وفي «مسلمٍ»: أنَّه أهدى عنها، فيحتمل أن يكون قوله: لم يكن في ذلك هديٌ، أي: لم تتكلَّف له، بل قام (٤) به عنها، وحمله ابن خزيمة: على أنَّه ليس في تركها لعمل العمرة الأولى وإدراجها لها في الحجِّ، ولا في عمرتها التي اعتمرتها من التَّنعيم أيضًا شيءٌ، قال في «فتح الباري»: وهو حسنٌ، والله أعلم (٥).

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

جَعْفَرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَقَامَ سُرَاقَةُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلِعَامِنَا هَذِهِ أَمْ لِلْأَبَدِ؟ فَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الْأُخْرَى وَقَالَ: دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ مَرَّتَيْنِ، لَا بَلْ لِلْأَبَدِ أَبَدًا. قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْعُمْرَةَ يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ إِبْطَالًا لِمَا كَانَ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ جَوَازُ الْقِرَانِ، أَيْ دَخَلَتْ أَفْعَالُ الْعُمْرَةِ فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ سَقَطَ وُجُوبُ الْعُمْرَةِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي النَّسْخَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ جَوَازُ فَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ، قَالَ: وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ سِيَاقَ السُّؤَالِ يُقَوِّي هَذَا التَّأْوِيلَ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّ السُّؤَالَ وَقَعَ عَنِ الْفَسْخِ وَالْجَوَابَ وَقَعَ عَمَّا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَتَنَاوَلَ التَّأْوِيلَاتِ الْمَذْكُورَةَ إِلَّا الثَّالِثَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٧ - بَاب الِاعْتِمَارِ بَعْدَ الْحَجِّ بِغَيْرِ هَدْيٍ

١٧٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحَجَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِحَجَّةٍ فَلْيُهِلَّ، وَلَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ. فَمِنْهُمْ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ، وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، فَحِضْتُ قَبْلَ أَنْ أَدْخُلَ مَكَّةَ، فَأَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ، فَقَالَ: دَعِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ، فَفَعَلْتُ. فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَرْدَفَهَا، فَأَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِهَا، فَقَضَى اللَّهُ حَجَّهَا وَعُمْرَتَهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا صَوْمٌ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الِاعْتِمَارِ بَعْدَ الْحَجِّ بِغَيْرِ هَدْيٍ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ اللَّازِمَ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ أنَّ أَشْهُرَ الْحَجِّ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ بِكَمَالِهِ كَمَا هُوَ مَنْقُولٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْ مَالِكٍ وَعَنِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا، وَمَنْ أَطْلَقَ أَنَّ التَّمَتُّعَ هُوَ الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ كَمَا نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيهِ الِاتِّفَاقُ، فَقَالَ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ التَّمَتُّعَ الْمُرَادَ بِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ هُوَ الِاعْتِمَارُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ قَبْلَ الْحَجِّ أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فِي ذِي الْحِجَّةِ بَعْدَ الْحَجِّ فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ، وَحَدِيثُ الْبَابِ دَالٌ عَلَى خِلَافِهِ، لَكِنَّ الْقَائِلَ بِأَنَّ ذَا الْحِجَّةِ كُلَّهُ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ يَقُولُ: إِنَّ التَّمَتُّعَ هُوَ الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ قَبْلَ الْحَجِّ فَلَا يَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (خَرَجْنَا مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ) أَيْ قُرْبَ طُلُوعِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ وَالْخَمْسُ قَرِيبَةٌ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ، فَوَافَاهُمُ الْهِلَالُ وَهُمْ فِي الطَّرِيقِ لِأَنَّهُمْ دَخَلُوا مَكَّةَ فِي الرَّابِعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ.

قَوْلُهُ: (لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ) فِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ لَأَحْلَلْتُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ مِنَ الْحَجِّ.

قَوْلُهُ: (أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَرْدَفَهَا) فِيهِ الْتِفَاتٌ؛ لِأَنَّ السِّيَاقَ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ فَأَرْدَفَنِي.

قَوْلُهُ: (مَكَانَ عُمْرَتِهَا) تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ، وَأَنَّ الْمُرَادَ مَكَانُ عُمْرَتِهَا الَّتِي أَرَادَتْ أَنْ تَكُونَ مُنْفَرِدَةً عَنِ الْحَجِّ، قَالَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ: الصَّوَابُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ عَنْهَا، ثُمَّ فَسَخَتْهُ إِلَى الْعُمْرَةِ لَمَّا فَسَخَ الصَّحَابَةُ، وَعَلَى هَذَا يَتَنَزَّلُ قَوْلُ عُرْوَةَ عَنْهَا أَحْرَمَتْ بِعُمْرَةٍ فَلَمَّا حَاضَتْ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهَا التَّحَلُّلُ مِنَ الْعُمْرَةِ لِأَجْلِ الْحَيْضِ، وَجَاءَ وَقْتُ الْخُرُوجِ إِلَى الْحَجِّ أَدْخَلَتِ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ فَصَارَتْ قَارِنَةً، وَاسْتَمَرَّتْ إِلَى أَنْ تَحَلَّلَتْ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُهُ لَهَا فِي رِوَايَةِ طَاوُسٍ عَنْهَا عِنْدَ مُسْلِمٍ: طَوَافُكِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وقال ابن المُنيِّر: ترجم على أنَّ العمرة من التَّنعيم، ثمَّ ذكر حديث سراقة، وليس فيه تعرُّضٌ لميقاتٍ، ولكن لأصل العمرة في أشهر الحجِّ، وأجاب: بأنَّ وجه ذكره في التَّرجمة الرَّدُّ على من لعلَّه يزعم أنَّ التَّنعيم كان خاصًّا باعتمار عائشة حينئذٍ، فقرَّر بحديث سراقة أنَّه غير خاصٍّ وأنَّه عامٌّ أبدًا.

وحديث الباب أخرجه المؤلِّف في «التَّمنِّي» [خ¦٧٢٣٠]، وأبو داود في «الحجِّ».

(٧) (بابُ الاِعْتِمَارِ بَعْدَ الحَجِّ) في أشهره (بِغَيْرِ هَدْيٍ) يلزم المعتمر.

١٧٨٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) الزَّمن قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير (قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ) في حجَّة الوداع، حالة كوننا (مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الحَجَّةِ) أي: قرب طلوعه، فقد مرَّ أنَّها قالت [خ¦١٧٠٩] «خرجنا لخمسٍ بقين من ذي القعدة» والخمس قريبةٌ من آخر الشَّهر، فوافاهم الهلال وهم في الطَّريق (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ) وَهُمْ بِسَرِف [خ¦١٧٨٨] أو بعد الطَّواف [خ¦١٥٦٨] كما مرَّ قريبًا: (مَنْ أَحَبَّ) منكم ممَّن لم يكن معه هديٌ (أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ) يدخلها على الحجِّ (فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَحَبَّ) منكم ممَّن معه هديٌ (أَنْ يُهِلَّ بِحَجَّةِ) يدخلها على

العمرة (فَلْيُهِلَّ، وَلَوْلَا أَنِّي) وفي روايةٍ: «أنَّني» بزيادة نونٍ ثانيةٍ (أَهْدَيْتُ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ) قال في «فتح الباري» -وتبعه العينيُّ-: وفي رواية السَّرخسيِّ: «لأحللت» بالحاء المهملة، أي: بحجٍّ (١) (فَمِنْهُمْ) أي: من الصَّحابة (مَنْ) كان (أَهَلَّ) من الميقات (بِعُمْرَةٍ، وَمِنْهُمْ مِنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ) ومنهم من قرن، قالت عائشة : (وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ) الذي رواه الأكثرون عنها: أنَّها أحرمت أوَّلًا بالحجِّ، فتُحمَل رواية عروة على آخر أمرها (فَحِضْتُ) بسرف (قَبْلَ أَنْ أَدْخُلَ مَكَّةَ، فَأَدْرَكَنِي) أي: قَرُبَ منِّي (٢) (يَوْمُ عَرَفَةَ، وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ) يوم التَّروية كما في «مسلمٍ»، ولأبي ذرٍّ: «فشكوت ذلك إلى رسول الله » (فَقَالَ: دَعِي عُمْرَتَكِ) أي: أعمالها (وَانْقُضِي رَأْسَكِ) بحلِّ ضفائر شعره (وَامْتَشِطِي) سرِّحيه بالمشط (وَأَهِلِّي) يوم التَّروية (بِالحَجِّ) قالت: (فَفَعَلْتُ) ما أمرني به .

(فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الحَصْبَةِ أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَرْدَفَهَا) فيه التفاتٌ لأنَّ الأصل أن يُقال: فأردفني، أي: أركبها خلفه على الرَّاحلة (فَأَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ) من التَّنعيم (مَكَانَ عُمْرَتِهَا) التي أرادت أن تكون منفردةً عن حجَّتها (٣) (فَقَضَى اللهُ حَجَّهَا وَعُمْرَتَهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ، وَلَا صَدَقَةٌ، وَلَا صَوْمٌ) وهذا الكلام مُدرَجٌ من قول هشامٍ كما مرَّ في «الحيض» [خ¦٣١٧] ولعلَّه نفى ذلك بحسب علمه، ولا يلزم من ذلك نفيه في نفس الأمر، وحال عائشة لا يخلو من أمرين: إمَّا أن تكون قارنةً، أو متمتِّعةً، وعليهما فلا بدَّ من الهدي، وقد ثبت أنَّها روت [خ¦٢٩٤]: أنَّه ضحَّى عن نسائه بالبقر، وفي «مسلمٍ»: أنَّه أهدى عنها، فيحتمل أن يكون قوله: لم يكن في ذلك هديٌ، أي: لم تتكلَّف له، بل قام (٤) به عنها، وحمله ابن خزيمة: على أنَّه ليس في تركها لعمل العمرة الأولى وإدراجها لها في الحجِّ، ولا في عمرتها التي اعتمرتها من التَّنعيم أيضًا شيءٌ، قال في «فتح الباري»: وهو حسنٌ، والله أعلم (٥).

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله