الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٧٩٦
الحديث رقم ١٧٩٦ من كتاب «أبواب العمرة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب متى يحل المعتمر.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا رَجَعَ مِنَ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ أَوِ الْغَزْوِ
١٧٩٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ : أَخْبَرَنَا عَمْرٌو ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ : أَنَّ عَبْدَ اللهِ مَوْلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
١٧٩٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنَا عَمْرٌو عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ "أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ مَوْلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ أَسْمَاءَ تَقُولُ كُلَّمَا مَرَّتْ بِالحَجُونِ: صَلَّى اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ لَقَدْ نَزَلْنَا مَعَهُ هَا هُنَا وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ خِفَافٌ قَلِيلٌ ظَهْرُنَا قَلِيلَةٌ أَزْوَادُنَا فَاعْتَمَرْتُ أَنَا وَأُخْتِي عَائِشَةُ وَالزُّبَيْرُ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ فَلَمَّا مَسَحْنَا الْبَيْتَ أَحْلَلْنَا ثُمَّ أَهْلَلْنَا مِنْ الْعَشِيِّ بِالْحَجِّ"
قَوْلُهُ: (بَابُ مَتَى يَحِلُّ الْمُعْتَمِرُ) أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى مَذْهَبِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى أَنَّ الْمُعْتَمِرَ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ وَيَسْعَى، إِلَّا مَا شَذَّ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: يَحِلُّ مِنَ الْعُمْرَةِ بِالطَّوَافِ وَوَافَقَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَنَقَلَ عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْمُعْتَمِرَ إِذَا دَخَلَ الْحَرَمَ حَلَّ وَإِنْ لَمْ يَطُفْ وَلَمْ يَسْعَ، وَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ كُلَّ مَا حَرُمَ عَلَى الْمُحْرِمِ، وَيَكُونُ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ فِي حَقِّهِ كَالرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ فِي حَقِّ الْحَاجِّ، وَهَذَا مِنْ شُذُوذِ الْمَذَاهِبِ وَغَرَائِبِهَا، وَغَفَلَ الْقُطْبُ الْحَلَبِيُّ فَقَالَ فِيمَنِ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فِي ابْتِدَاءِ الطَّوَافِ وَأَحَلَّ حِينَئِذٍ: إِنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ التَّحَلُّلُ بِالْإِجْمَاعِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرٍ إِلَخْ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي: بَابِ عُمْرَةِ التَّنْعِيمِ وَبَيَّنَ الْمُصَنِّفُ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ - وَهُوَ ثَالِثُ أَحَادِيثِ الْبَابِ - أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَطُوفُوا أَيْ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، لِجَزْمِ جَابِرٍ بِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقْرَبَ امْرَأَتَهُ حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَحَادِيثَ: أَوَّلُهَا حَدِيثُ ابْنِ أَبِي أَوْفَى، وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ جَرِيرٍ) إِسْحَاقُ هُوَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي مُسْنَدِهِ بِلَفْظِ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَإِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى فِي الْمَغَازِي وَعَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِخَدِيجَةَ فِي مَنَاقِبِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ أَدَخَلَ الْكَعْبَةَ؟ فِي: بَابِ مَنْ لَمْ يَدْخُلِ الْكَعْبَةَ فِي أَثْنَاءِ الْحَجِّ وَقَوْلُهُ: لَا فِي جَوَابِ أَدَخَلَ الْكَعْبَةَ؟ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْهَا فِي تِلْكَ الْعُمْرَةِ.
الثَّانِي: حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا وَعَنْ جَابِرٍ مَوْقُوفًا.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ) تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ الْحُمَيْدِيِّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي أَبْوَابِ الْقِبْلَةِ بِلَفْظِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ فَعَبَّرَ بِالْحَدِيثِ هُنَاكَ وَالْعَنْعَنَةِ هُنَا، وَسَاقَ الْإِسْنَادَ وَالْمَتْنَ جَمِيعًا بِغَيْرِ زِيَادَةٍ، وَوُقُوعُ مِثْلِ هَذَا نَادِرٌ جِدًّا.
قَوْلُهُ: (عَنْ رَجُلٍ طَافَ بِالْبَيْتِ فِي عُمْرَةٍ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ رَجُلٍ طَافَ فِي عُمْرَتِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي الصَّلَاةِ، وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَشَارَ إِلَى الِاتِّبَاعِ، وَأَنَّ جَابِرًا أَفْتَاهُمْ بِالْحُكْمِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يَحِلُّ مِنْ جَمِيعِ مَا حَرُمَ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الطَّوَافِ. وَوَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قَالَ: وَهُوَ سُنَّةٌ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ وَهُوَ غُنْدَرٌ بِهِ.
قَوْلُهُ: (أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ) أَيْ يُجَامِعُهَا، وَالْمُرَادُ هَلْ حَصَلَ لَهُ التَّحَلُّلُ مِنَ الْإِحْرَامِ قَبْلَ السَّعْيِ أَمْ لَا؟
وَقَوْلُهُ (لَا يَقْرَبَنَّهَا) بِنُونِ التَّأْكِيدِ الْمُرَادُ نَهْيُ الْمُبَاشَرَةِ بِالْجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاتِهِ لَا مُجَرَّدُ الْقُرْبِ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: (وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أَيْ سَعَى، وَإِطْلَاقُ الطَّوَافِ عَلَى السَّعْيِ إِمَّا لِلْمُشَاكَلَةِ وَإِمَّا لِكَوْنِهِ نَوْعًا مِنَ الطَّوَافِ وَلِوُقُوعِهِ فِي مُصَاحَبَةِ طَوَافِ الْبَيْتِ.
قَوْلُهُ: (أُسْوَةٌ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا.
قَوْلُهُ: (وَسَأَلْنَا جَابِرًا) الْقَائِلُ هُوَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي: بَابِ مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ خَلْفَ الْمَقَامِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ وَفِي بَابِ السَّعْيِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ كِلَاهُمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِالْحَدِيثِ دُونَ
السُّؤَالَيْنِ لِابْنِ عُمَرَ، وَلِجَابِرٍ، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ السَّعْيَ وَاجِبٌ فِي الْعُمْرَةِ، وَكَذَا صَلَاةُ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ، وَفِي تَعْيِينِهَا خَلْفَ الْمَقَامِ سَبَقَ فِي بَابِهِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الِاتِّفَاقَ عَلَى جَوَازِهِمَا فِي أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ الطَّائِفُ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا كَرِهَهُمَا فِي الْحِجْرِ، وَنَقَلَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنِ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُعَيِّنُهُمَا خَلْفَ الْمَقَامِ.
الثَّالِثُ: حَدِيثُ أَبِي مُوسَى فِي إِهْلَالِهِ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ، وَشَاهِدُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ قَوْلُهُ: طُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ أَحِلَّ. فَإِنَّهُ يَقْتَضِي تَأْخِيرَ الْإِحْلَالِ عَنِ السَّعْيِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي: بَابِ مَنْ أَهَلَّ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
قَوْلُهُ: (يَأْمُرُنَا بِالتَّمَامِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ يَأْمُرُ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يَبْلُغَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بَلَغَ بِلَفْظِ الْفِعْلِ الْمَاضِي، وَقَوْلُهُ فِي أَوَّلِهِ أَحَجَجْتَ أَيْ هَلْ أَحْرَمْتَ بِالْحَجِّ أَوْ نَوَيْتَ الْحَجَّ؟ وَهَذَا كَقَوْلِهِ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا أَهْلَلْتَ أَيْ بِمَا أَحْرَمَتْ أَيْ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ؟
الرَّابِعُ: حَدِيثُ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ:
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْرُ مَنْسُوبٍ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا عَمْرٌو) هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ، وَعَبْدُ اللَّهِ مَوْلَى
أَسْمَاءَ تَقَدَّمَ لَهُ حَدِيثٌ عَنْهَا غَيْرُ هَذَا فِي: بَابِ مَنْ قَدَّمَ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَهُ غَيْرُهُمَا. وَهَذَا الْإِسْنَادُ نِصْفُهُ مِصْرِيُّونَ، وَنِصْفُهُ مَدَنِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (بِالْحَجُونِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْجِيمِ الْخَفِيفَةِ: جَبَلٌ مَعْرُوفٌ بِمَكَّةَ، وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ فِي الْأَشْعَارِ، وَعِنْدَهُ الْمَقْبَرَةُ الْمَعْرُوفَةُ بِالْمُعَلَّى عَلَى يَسَارِ الدَّاخِلِ إِلَى مَكَّةَ وَيَمِينُ الْخَارِجِ مِنْهَا إِلَى مِنًى، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا مُحَصَّلُ مَا قَالَهُ الْأَزْرَقِيُّ، وَالْفَاكِهِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَأَغْرَبَ السُّهَيْلِيُّ فَقَالَ: الْحَجُونُ عَلَى فَرْسَخٍ وَثُلُثٍ مِنْ مَكَّةَ، وَهُوَ غَلَطٌ وَاضِحٌ، فَقَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ: الْحَجُونُ الْجَبَلُ الْمُشْرِفُ بِحِذَاءِ الْمَسْجِدِ الَّذِي يَلِي شِعْبَ الْجَرَّارِينَ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْقَالِي: الْحَجُونُ ثَنِيَّةُ الْمَدَنِيِّينَ - أَيْ مَنْ يَقْدَمُ مِنَ الْمَدِينَةِ - وَهِيَ مَقْبَرَةُ أَهْلِ مَكَّةَ عِنْدَ شِعْبِ الْجَرَّارِينَ. انْتَهَى. وَيَدُلُّ عَلَى غَلَطِ السُّهَيْلِيِّ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
سَنَبْكِيكَ مَا أَرْسَى ثَبِيرٌ مَكَانَهُ … وَمَا دَامَ جَارًا لِلْحَجُونِ الْمُحَصَّبُ
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْمُحَصَّبِ وَحْدَهُ وَأَنَّهُ خَارِجَ مَكَّةَ، وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ أَنَّ قُصَيَّ بْنَ كِلَابٍ لَمَّا مَاتَ دُفِنَ بِالْحَجُونِ فَتَدَافَنَ النَّاسُ بَعْدَهُ، وَأَنْشَدَ الزُّبَيْرُ لِبَعْضِ أَهْلِ مَكَّةَ:
كَمْ بِالْحَجُونِ وَبَيْنَهُ مِنْ سَيِّدٍ … بِالشِّعْبِ بَيْنَ دَكَادِكٍ وَأَكَامٍ
وَالْجَرَّارِينَ الَّتِي تَقَدَّمَ جَمْعُ جَرَّارٍ بِجِيمٍ وَرَاءٍ ثَقِيلَةٍ، ذَكَرَهَا الرَّضِيُّ الشَّاطِبِيُّ، وَكَتَبَ عَلَى الرَّاءِ صَحَّ صَحَّ، وَذَكَرَ الْأَزْرَقِيُّ أَنَّهُ شِعْبُ أَبِي دُبٍّ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ. قُلْتُ: قَدْ جُهِلَ هَذَا الشِّعْبُ الْآنَ إِلَّا أَنَّ بَيْنَ سُورِ مَكَّةَ الْآنَ وَبَيْنَ الْجَبَلِ الْمَذْكُورِ مَكَانًا يُشْبِهُ الشِّعْبَ فَلَعَلَّهُ هُوَ.
قَوْلُهُ: (وَنَحْنُ يَوْمئِذٍ خِفَافٌ) زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ خِفَافُ الْحَقَائِبِ، وَالْحَقَائِبُ جَمْعُ حَقِيبَةٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْقَافِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ وَهِيَ مَا احْتَقَبَهُ الرَّاكِبُ خَلْفَهُ مِنْ حَوَائِجِهِ فِي مَوْضِعِ الرَّدِيفِ.
قَوْلُهُ: (فَاعْتَمَرْتُ أَنَا وَأُخْتِي) أَيْ بَعْدَ أَنْ فَسَخُوا الْحَجَّ إِلَى الْعُمْرَةِ، فَفِي رِوَايَةِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عَنْ أَسْمَاءَ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ فَقَالَ: مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُقِمْ عَلَى إِحْرَامِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ، فَلَمْ يَكُنْ مَعِي هَدْيٌ فَأَحْلَلْتُ، وَكَانَ مَعَ الزُّبَيْرِ هَدْيٌ فَلَمْ يَحِلَّ. انْتَهَى.
وَهَذَا مُغَايِرٌ لِذِكْرِهَا الزُّبَيْرَ مَعَ مَنْ أَحَلَّ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى أَسْمَاءَ، فَإِنَّ قَضِيَّةَ رِوَايَةِ صَفِيَّةَ عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّهُ لَمْ يَحِلَّ لِكَوْنِهِ مِمَّنْ سَاقَ الْهَدْيَ، فَإِنْ جُمِعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْقِصَّةَ الْمَذْكُورَةَ وَقَعَتْ لَهَا مَعَ الزُّبَيْرِ فِي غَيْرِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ - كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ النَّوَوِيُّ عَلَى بُعْدِهِ - وَإِلَّا فَقَدْ رَجَحَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
مَحِلَّهُ) بكسر الحاء المهملة: وهو نحره يوم النَّحر بمنًى، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فإنَّه يأمر» بإسقاط ضمير المفعول «حتَّى بلغ» بلفظ الماضي، والذي أنكره عمرُ المتعةَ التي هي الاعتمار في أشهر الحجِّ ثمَّ الحجَّ من عامه كما قاله النَّوويُّ، قال: ثمَّ انعقد الإجماع على جوازه من غير كراهةٍ.
١٧٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ) غير منسوبٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وفي رواية كريمة: «حدَّثنا أحمد بن عيسى» وفي رواية أبي ذرٍّ: «حدَّثنا أحمد بن صالحٍ» والأوَّل: هو التُّستريُّ، المصريُّ الأصل، والثَّاني: هو ابن الطَّبريِّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبدُ الله قال: (أَخْبَرَنَا عَمْرٌو) بفتح العين هو ابن الحارث (عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ) محمَّد بن عبد الرَّحمن المشهور بيتيم عروة بن الزُّبير (أَنَّ عَبْدَ اللهِ) بن كيسان (مَوْلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵄ (حَدَّثَهُ: أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ أَسْمَاءَ تَقُولُ كُلَّمَا مَرَّتْ بِالحَجُونِ) بفتح الحاء وضمِّ الجيم المُخفَّفة وسكون الواو آخره نونٌ، قال التَّقيُّ الفاسيُّ في «تاريخ البلد الحرام»: هو جبلٌ بالمُعلَّى (١)؛ مقبرة أهل مكَّة على يسار الدَّاخل إلى مكَّة ويمين الخارج منها إلى منًى، على مقتضى ما ذكر (٢) الأزرقيُّ والفاكهيُّ في تعريفه لأنَّهما ذكراه في شقِّ مُعلَّى مكَّة اليمانيِّ؛ وهو الجهة التي ذكرناها، وإذا كان كذلك فهو يخالف ما يقوله النَّاس: من أنَّ الحجون: الثَّنيَّة التي يهبط منها إلى مقبرة المُعَلَّى (٣)،
وكلام المحبِّ الطَّبريِّ يوافق (١) ما (٢) يقوله (٣) النَّاس، وكنت قلَّدته في ذلك ثمَّ ظهر لي أنَّ ما قاله الأزرقيُّ والفاكهيُّ أَوْلى لأنَّهما بذلك أدرى، وقد وافقهما على ذلك إسحاق الخزاعيُّ راوي «تاريخ الأزرقيِّ»، ولعلَّ الحَجُون على مقتضى قول الأزرقيِّ والفاكهيِّ والخزاعيِّ: الجبل الذي يُقال فيه قبر ابن عمر، أو الجبل المقابل له الذي بينهما الشِّعب المعروف بشعب العفاريت (٤). انتهى.
ومقول قول أسماء (٥): (صَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ) ولأبي ذرٍّ: «على رسوله محمَّدٍ» (لَقَدْ نَزَلْنَا مَعَهُ هَهُنَا، وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ خِفَافٌ) بكسر الخاء المعجمة، جمع خفيفٍ، ولـ «مسلمٍ»: خفاف الحقائب، جمع حقيبةٍ، بفتح المهملة وبالقاف (٦) والمُوحَّدة: ما احتقب الرَّاكب خلفه من حوائجه في موضع الرَّديف (قَلِيلٌ ظَهْرُنَا) أي: مراكبنا (قَلِيلَةٌ أَزْوَادُنَا، فَاعْتَمَرْتُ أَنَا وَأُخْتِي عَائِشَةُ) أي: بعد أن فسخنا الحجَّ إلى العمرة (وَالزُّبَيْرُ) بن العوَّام (وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على تعيينهما (٧)، وكأنَّها سمَّت بعض من عرفته ممَّن لم يسق الهدي (فَلَمَّا مَسَحْنَا البَيْتَ) أي: مسحنا بركنه، وكنَّت بذلك عن الطَّواف؛ إذ هو من لوازم المسح عليه (٨) عادةً، والمراد غير عائشة لأنَّها كانت حائضًا (أَحْلَلْنَا) أي: بعد السَّعي، وحُذِف اختصارًا، فلا حجَّة فيه لمن لم يوجب السَّعي لأنَّ أسماء أخبرت أنَّ ذلك كان (٩) في حجَّة الوداع. وقد جاء من طرقٍ أخرى صحيحةٍ: أنَّهم طافوا معه وسعوا، فيُحمَل ما أُجْمِلَ على ما بُيِّن، ولم يذكر الحلق ولا التَّقصير، فاستدلَّ به على أنَّه استباحة محظورٍ، وأُجيب بأنَّ عدم ذكره هنا لا يلزم منه ترك فعله؛ فإنَّ القصَّة واحدةٌ، وقد ثبت الأمر بالتَّقصير في عدَّة أحاديث، وهذا كقوله: لمَّا
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
١٧٩٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنَا عَمْرٌو عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ "أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ مَوْلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ أَسْمَاءَ تَقُولُ كُلَّمَا مَرَّتْ بِالحَجُونِ: صَلَّى اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ لَقَدْ نَزَلْنَا مَعَهُ هَا هُنَا وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ خِفَافٌ قَلِيلٌ ظَهْرُنَا قَلِيلَةٌ أَزْوَادُنَا فَاعْتَمَرْتُ أَنَا وَأُخْتِي عَائِشَةُ وَالزُّبَيْرُ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ فَلَمَّا مَسَحْنَا الْبَيْتَ أَحْلَلْنَا ثُمَّ أَهْلَلْنَا مِنْ الْعَشِيِّ بِالْحَجِّ"
قَوْلُهُ: (بَابُ مَتَى يَحِلُّ الْمُعْتَمِرُ) أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى مَذْهَبِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى أَنَّ الْمُعْتَمِرَ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ وَيَسْعَى، إِلَّا مَا شَذَّ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: يَحِلُّ مِنَ الْعُمْرَةِ بِالطَّوَافِ وَوَافَقَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَنَقَلَ عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْمُعْتَمِرَ إِذَا دَخَلَ الْحَرَمَ حَلَّ وَإِنْ لَمْ يَطُفْ وَلَمْ يَسْعَ، وَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ كُلَّ مَا حَرُمَ عَلَى الْمُحْرِمِ، وَيَكُونُ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ فِي حَقِّهِ كَالرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ فِي حَقِّ الْحَاجِّ، وَهَذَا مِنْ شُذُوذِ الْمَذَاهِبِ وَغَرَائِبِهَا، وَغَفَلَ الْقُطْبُ الْحَلَبِيُّ فَقَالَ فِيمَنِ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فِي ابْتِدَاءِ الطَّوَافِ وَأَحَلَّ حِينَئِذٍ: إِنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ التَّحَلُّلُ بِالْإِجْمَاعِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرٍ إِلَخْ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي: بَابِ عُمْرَةِ التَّنْعِيمِ وَبَيَّنَ الْمُصَنِّفُ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ - وَهُوَ ثَالِثُ أَحَادِيثِ الْبَابِ - أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَطُوفُوا أَيْ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، لِجَزْمِ جَابِرٍ بِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقْرَبَ امْرَأَتَهُ حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَحَادِيثَ: أَوَّلُهَا حَدِيثُ ابْنِ أَبِي أَوْفَى، وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ جَرِيرٍ) إِسْحَاقُ هُوَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي مُسْنَدِهِ بِلَفْظِ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَإِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى فِي الْمَغَازِي وَعَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِخَدِيجَةَ فِي مَنَاقِبِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ أَدَخَلَ الْكَعْبَةَ؟ فِي: بَابِ مَنْ لَمْ يَدْخُلِ الْكَعْبَةَ فِي أَثْنَاءِ الْحَجِّ وَقَوْلُهُ: لَا فِي جَوَابِ أَدَخَلَ الْكَعْبَةَ؟ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْهَا فِي تِلْكَ الْعُمْرَةِ.
الثَّانِي: حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا وَعَنْ جَابِرٍ مَوْقُوفًا.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ) تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ الْحُمَيْدِيِّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي أَبْوَابِ الْقِبْلَةِ بِلَفْظِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ فَعَبَّرَ بِالْحَدِيثِ هُنَاكَ وَالْعَنْعَنَةِ هُنَا، وَسَاقَ الْإِسْنَادَ وَالْمَتْنَ جَمِيعًا بِغَيْرِ زِيَادَةٍ، وَوُقُوعُ مِثْلِ هَذَا نَادِرٌ جِدًّا.
قَوْلُهُ: (عَنْ رَجُلٍ طَافَ بِالْبَيْتِ فِي عُمْرَةٍ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ رَجُلٍ طَافَ فِي عُمْرَتِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي الصَّلَاةِ، وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَشَارَ إِلَى الِاتِّبَاعِ، وَأَنَّ جَابِرًا أَفْتَاهُمْ بِالْحُكْمِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يَحِلُّ مِنْ جَمِيعِ مَا حَرُمَ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الطَّوَافِ. وَوَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قَالَ: وَهُوَ سُنَّةٌ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ وَهُوَ غُنْدَرٌ بِهِ.
قَوْلُهُ: (أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ) أَيْ يُجَامِعُهَا، وَالْمُرَادُ هَلْ حَصَلَ لَهُ التَّحَلُّلُ مِنَ الْإِحْرَامِ قَبْلَ السَّعْيِ أَمْ لَا؟
وَقَوْلُهُ (لَا يَقْرَبَنَّهَا) بِنُونِ التَّأْكِيدِ الْمُرَادُ نَهْيُ الْمُبَاشَرَةِ بِالْجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاتِهِ لَا مُجَرَّدُ الْقُرْبِ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: (وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أَيْ سَعَى، وَإِطْلَاقُ الطَّوَافِ عَلَى السَّعْيِ إِمَّا لِلْمُشَاكَلَةِ وَإِمَّا لِكَوْنِهِ نَوْعًا مِنَ الطَّوَافِ وَلِوُقُوعِهِ فِي مُصَاحَبَةِ طَوَافِ الْبَيْتِ.
قَوْلُهُ: (أُسْوَةٌ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا.
قَوْلُهُ: (وَسَأَلْنَا جَابِرًا) الْقَائِلُ هُوَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي: بَابِ مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ خَلْفَ الْمَقَامِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ وَفِي بَابِ السَّعْيِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ كِلَاهُمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِالْحَدِيثِ دُونَ
السُّؤَالَيْنِ لِابْنِ عُمَرَ، وَلِجَابِرٍ، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ السَّعْيَ وَاجِبٌ فِي الْعُمْرَةِ، وَكَذَا صَلَاةُ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ، وَفِي تَعْيِينِهَا خَلْفَ الْمَقَامِ سَبَقَ فِي بَابِهِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الِاتِّفَاقَ عَلَى جَوَازِهِمَا فِي أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ الطَّائِفُ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا كَرِهَهُمَا فِي الْحِجْرِ، وَنَقَلَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنِ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُعَيِّنُهُمَا خَلْفَ الْمَقَامِ.
الثَّالِثُ: حَدِيثُ أَبِي مُوسَى فِي إِهْلَالِهِ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ، وَشَاهِدُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ قَوْلُهُ: طُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ أَحِلَّ. فَإِنَّهُ يَقْتَضِي تَأْخِيرَ الْإِحْلَالِ عَنِ السَّعْيِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي: بَابِ مَنْ أَهَلَّ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
قَوْلُهُ: (يَأْمُرُنَا بِالتَّمَامِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ يَأْمُرُ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يَبْلُغَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بَلَغَ بِلَفْظِ الْفِعْلِ الْمَاضِي، وَقَوْلُهُ فِي أَوَّلِهِ أَحَجَجْتَ أَيْ هَلْ أَحْرَمْتَ بِالْحَجِّ أَوْ نَوَيْتَ الْحَجَّ؟ وَهَذَا كَقَوْلِهِ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا أَهْلَلْتَ أَيْ بِمَا أَحْرَمَتْ أَيْ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ؟
الرَّابِعُ: حَدِيثُ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ:
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْرُ مَنْسُوبٍ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا عَمْرٌو) هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ، وَعَبْدُ اللَّهِ مَوْلَى
أَسْمَاءَ تَقَدَّمَ لَهُ حَدِيثٌ عَنْهَا غَيْرُ هَذَا فِي: بَابِ مَنْ قَدَّمَ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَهُ غَيْرُهُمَا. وَهَذَا الْإِسْنَادُ نِصْفُهُ مِصْرِيُّونَ، وَنِصْفُهُ مَدَنِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (بِالْحَجُونِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْجِيمِ الْخَفِيفَةِ: جَبَلٌ مَعْرُوفٌ بِمَكَّةَ، وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ فِي الْأَشْعَارِ، وَعِنْدَهُ الْمَقْبَرَةُ الْمَعْرُوفَةُ بِالْمُعَلَّى عَلَى يَسَارِ الدَّاخِلِ إِلَى مَكَّةَ وَيَمِينُ الْخَارِجِ مِنْهَا إِلَى مِنًى، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا مُحَصَّلُ مَا قَالَهُ الْأَزْرَقِيُّ، وَالْفَاكِهِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَأَغْرَبَ السُّهَيْلِيُّ فَقَالَ: الْحَجُونُ عَلَى فَرْسَخٍ وَثُلُثٍ مِنْ مَكَّةَ، وَهُوَ غَلَطٌ وَاضِحٌ، فَقَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ: الْحَجُونُ الْجَبَلُ الْمُشْرِفُ بِحِذَاءِ الْمَسْجِدِ الَّذِي يَلِي شِعْبَ الْجَرَّارِينَ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْقَالِي: الْحَجُونُ ثَنِيَّةُ الْمَدَنِيِّينَ - أَيْ مَنْ يَقْدَمُ مِنَ الْمَدِينَةِ - وَهِيَ مَقْبَرَةُ أَهْلِ مَكَّةَ عِنْدَ شِعْبِ الْجَرَّارِينَ. انْتَهَى. وَيَدُلُّ عَلَى غَلَطِ السُّهَيْلِيِّ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
سَنَبْكِيكَ مَا أَرْسَى ثَبِيرٌ مَكَانَهُ … وَمَا دَامَ جَارًا لِلْحَجُونِ الْمُحَصَّبُ
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْمُحَصَّبِ وَحْدَهُ وَأَنَّهُ خَارِجَ مَكَّةَ، وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ أَنَّ قُصَيَّ بْنَ كِلَابٍ لَمَّا مَاتَ دُفِنَ بِالْحَجُونِ فَتَدَافَنَ النَّاسُ بَعْدَهُ، وَأَنْشَدَ الزُّبَيْرُ لِبَعْضِ أَهْلِ مَكَّةَ:
كَمْ بِالْحَجُونِ وَبَيْنَهُ مِنْ سَيِّدٍ … بِالشِّعْبِ بَيْنَ دَكَادِكٍ وَأَكَامٍ
وَالْجَرَّارِينَ الَّتِي تَقَدَّمَ جَمْعُ جَرَّارٍ بِجِيمٍ وَرَاءٍ ثَقِيلَةٍ، ذَكَرَهَا الرَّضِيُّ الشَّاطِبِيُّ، وَكَتَبَ عَلَى الرَّاءِ صَحَّ صَحَّ، وَذَكَرَ الْأَزْرَقِيُّ أَنَّهُ شِعْبُ أَبِي دُبٍّ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ. قُلْتُ: قَدْ جُهِلَ هَذَا الشِّعْبُ الْآنَ إِلَّا أَنَّ بَيْنَ سُورِ مَكَّةَ الْآنَ وَبَيْنَ الْجَبَلِ الْمَذْكُورِ مَكَانًا يُشْبِهُ الشِّعْبَ فَلَعَلَّهُ هُوَ.
قَوْلُهُ: (وَنَحْنُ يَوْمئِذٍ خِفَافٌ) زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ خِفَافُ الْحَقَائِبِ، وَالْحَقَائِبُ جَمْعُ حَقِيبَةٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْقَافِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ وَهِيَ مَا احْتَقَبَهُ الرَّاكِبُ خَلْفَهُ مِنْ حَوَائِجِهِ فِي مَوْضِعِ الرَّدِيفِ.
قَوْلُهُ: (فَاعْتَمَرْتُ أَنَا وَأُخْتِي) أَيْ بَعْدَ أَنْ فَسَخُوا الْحَجَّ إِلَى الْعُمْرَةِ، فَفِي رِوَايَةِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عَنْ أَسْمَاءَ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ فَقَالَ: مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُقِمْ عَلَى إِحْرَامِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ، فَلَمْ يَكُنْ مَعِي هَدْيٌ فَأَحْلَلْتُ، وَكَانَ مَعَ الزُّبَيْرِ هَدْيٌ فَلَمْ يَحِلَّ. انْتَهَى.
وَهَذَا مُغَايِرٌ لِذِكْرِهَا الزُّبَيْرَ مَعَ مَنْ أَحَلَّ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى أَسْمَاءَ، فَإِنَّ قَضِيَّةَ رِوَايَةِ صَفِيَّةَ عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّهُ لَمْ يَحِلَّ لِكَوْنِهِ مِمَّنْ سَاقَ الْهَدْيَ، فَإِنْ جُمِعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْقِصَّةَ الْمَذْكُورَةَ وَقَعَتْ لَهَا مَعَ الزُّبَيْرِ فِي غَيْرِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ - كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ النَّوَوِيُّ عَلَى بُعْدِهِ - وَإِلَّا فَقَدْ رَجَحَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
مَحِلَّهُ) بكسر الحاء المهملة: وهو نحره يوم النَّحر بمنًى، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فإنَّه يأمر» بإسقاط ضمير المفعول «حتَّى بلغ» بلفظ الماضي، والذي أنكره عمرُ المتعةَ التي هي الاعتمار في أشهر الحجِّ ثمَّ الحجَّ من عامه كما قاله النَّوويُّ، قال: ثمَّ انعقد الإجماع على جوازه من غير كراهةٍ.
١٧٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ) غير منسوبٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وفي رواية كريمة: «حدَّثنا أحمد بن عيسى» وفي رواية أبي ذرٍّ: «حدَّثنا أحمد بن صالحٍ» والأوَّل: هو التُّستريُّ، المصريُّ الأصل، والثَّاني: هو ابن الطَّبريِّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبدُ الله قال: (أَخْبَرَنَا عَمْرٌو) بفتح العين هو ابن الحارث (عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ) محمَّد بن عبد الرَّحمن المشهور بيتيم عروة بن الزُّبير (أَنَّ عَبْدَ اللهِ) بن كيسان (مَوْلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵄ (حَدَّثَهُ: أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ أَسْمَاءَ تَقُولُ كُلَّمَا مَرَّتْ بِالحَجُونِ) بفتح الحاء وضمِّ الجيم المُخفَّفة وسكون الواو آخره نونٌ، قال التَّقيُّ الفاسيُّ في «تاريخ البلد الحرام»: هو جبلٌ بالمُعلَّى (١)؛ مقبرة أهل مكَّة على يسار الدَّاخل إلى مكَّة ويمين الخارج منها إلى منًى، على مقتضى ما ذكر (٢) الأزرقيُّ والفاكهيُّ في تعريفه لأنَّهما ذكراه في شقِّ مُعلَّى مكَّة اليمانيِّ؛ وهو الجهة التي ذكرناها، وإذا كان كذلك فهو يخالف ما يقوله النَّاس: من أنَّ الحجون: الثَّنيَّة التي يهبط منها إلى مقبرة المُعَلَّى (٣)،
وكلام المحبِّ الطَّبريِّ يوافق (١) ما (٢) يقوله (٣) النَّاس، وكنت قلَّدته في ذلك ثمَّ ظهر لي أنَّ ما قاله الأزرقيُّ والفاكهيُّ أَوْلى لأنَّهما بذلك أدرى، وقد وافقهما على ذلك إسحاق الخزاعيُّ راوي «تاريخ الأزرقيِّ»، ولعلَّ الحَجُون على مقتضى قول الأزرقيِّ والفاكهيِّ والخزاعيِّ: الجبل الذي يُقال فيه قبر ابن عمر، أو الجبل المقابل له الذي بينهما الشِّعب المعروف بشعب العفاريت (٤). انتهى.
ومقول قول أسماء (٥): (صَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ) ولأبي ذرٍّ: «على رسوله محمَّدٍ» (لَقَدْ نَزَلْنَا مَعَهُ هَهُنَا، وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ خِفَافٌ) بكسر الخاء المعجمة، جمع خفيفٍ، ولـ «مسلمٍ»: خفاف الحقائب، جمع حقيبةٍ، بفتح المهملة وبالقاف (٦) والمُوحَّدة: ما احتقب الرَّاكب خلفه من حوائجه في موضع الرَّديف (قَلِيلٌ ظَهْرُنَا) أي: مراكبنا (قَلِيلَةٌ أَزْوَادُنَا، فَاعْتَمَرْتُ أَنَا وَأُخْتِي عَائِشَةُ) أي: بعد أن فسخنا الحجَّ إلى العمرة (وَالزُّبَيْرُ) بن العوَّام (وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على تعيينهما (٧)، وكأنَّها سمَّت بعض من عرفته ممَّن لم يسق الهدي (فَلَمَّا مَسَحْنَا البَيْتَ) أي: مسحنا بركنه، وكنَّت بذلك عن الطَّواف؛ إذ هو من لوازم المسح عليه (٨) عادةً، والمراد غير عائشة لأنَّها كانت حائضًا (أَحْلَلْنَا) أي: بعد السَّعي، وحُذِف اختصارًا، فلا حجَّة فيه لمن لم يوجب السَّعي لأنَّ أسماء أخبرت أنَّ ذلك كان (٩) في حجَّة الوداع. وقد جاء من طرقٍ أخرى صحيحةٍ: أنَّهم طافوا معه وسعوا، فيُحمَل ما أُجْمِلَ على ما بُيِّن، ولم يذكر الحلق ولا التَّقصير، فاستدلَّ به على أنَّه استباحة محظورٍ، وأُجيب بأنَّ عدم ذكره هنا لا يلزم منه ترك فعله؛ فإنَّ القصَّة واحدةٌ، وقد ثبت الأمر بالتَّقصير في عدَّة أحاديث، وهذا كقوله: لمَّا