الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٨١
الحديث رقم ١٨١ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الرجل يوضئ صاحبه.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
١٨١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (لَمْ يَقُلْ غُنْدَرٌ، وَيَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ الْوُضُوءَ) يَعْنِي أَنَّ غُنْدَرًا وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَيَحْيَى وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ رَوَيَا هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ، لَكِنْ لَمْ يَقُولَا فِيهِ عَلَيْكَ الْوُضُوءُ، فَأَمَّا يَحْيَى فَهُوَ كَمَا قال: فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ، وَلَفْظُهُ: فَلَيْسَ عَلَيْكَ غُسْلٌ وَأَمَّا غُنْدَرٌ فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ أَيْضًا فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ لَكِنَّهُ ذَكَرَ الْوُضُوءَ، وَلَفْظُهُ فَلَا غُسْلَ عَلَيْكَ، عَلَيْكَ الْوُضُوءُ، وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طُرُقٍ عَنْهُ، وَكَذَا ذَكَرَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِ شُعْبَةَ، كَأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْهُ، فَكَأَنَّ بَعْضَ مَشَايِخِ الْبُخَارِيِّ حَدَّثَهُ بِهِ عَنْ يَحْيَى وَغُنْدَرٍ مَعًا، فَسَاقَهُ لَهُ عَلَى لَفْظِ يَحْيَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ كَانَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ اخْتِلَافٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي آخِرِ كِتَابِ الْغُسْلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٣٥ - بَاب الرَّجُلُ يُوَضِّئُ صَاحِبَهُ
١٨١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، قال: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَفَاضَ مِنْ عَرَفةَ عَدَلَ إِلَى الشِّعْبِ فَقَضَى حَاجَتَهُ. قال أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ: فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَيْهِ وَيَتَوَضَّأُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي؟ فَقَالَ: الْمُصَلَّى أَمَامَكَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الرَّجُلِ يُوَضِّئُ صَاحِبَهُ)؛ أَيْ: مَا حُكْمُهُ.
قَوْلُهُ: (ابْنُ سَلَامٍ) هُوَ مُحَمَّدٌ كَمَا فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ، وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ. وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ رِوَايَةُ الْأَقْرَانِ؛ لِأَنَّ يَحْيَى وَمُوسَى بْنَ عُقْبَةَ تَابِعِيَّانِ صَغِيرَانِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَكُرَيْبٌ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ أَوَاسِطِ التَّابِعِينَ، فَفِيهِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ مَبَاحِثِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ، وَيَأْتِي بَاقِيهَا فِي كِتَابِ الْحَجِّ.
وَوَقَعَ فِي تَرَاجِمِ الْبُخَارِيِّ، لِابْنِ الْمُنِيرِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَهْمٌ، فَإِنَّهُ قال: فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ رِوَايَةِ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَوْلُهُ: (أَصُبُّ) بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ وَمَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ أَيِ: الْمَاءَ. وَقَوْلُهُ وَيَتَوَضَّأُ؛ أَيْ: وَهُوَ يَتَوَضَّأُ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ عَلَى الِاسْتِعَانَةِ فِي الْوُضُوءِ، لَكِنْ مَنْ يَدَّعِي أَنَّ الْكَرَاهِيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِغَيْرِ الْمَشَقَّةِ أَوْ الِاحْتِيَاجِ فِي الْجُمْلَةِ لَا يَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ أُسَامَةَ لِأَنَّهُ كَانَ فِي السَّفَرِ. وَكَذَا حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ الْمَذْكُورِ، قال ابْنُ الْمُنِيرِ: قَاسَ الْبُخَارِيُّ تَوْضِئَةَ الرَّجُلِ غَيْرَهُ عَلَى صَبِّهِ عَلَيْهِ لِاجْتِمَاعِهِمَا فِي مَعْنَى الْإِعَانَةِ. قُلْتُ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ، وَلَمْ يُفْصِحِ الْبُخَارِيُّ فِي الْمَسْأَلَةِ بِجَوَازٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَهَذِهِ عَادَتُهُ فِي الْأُمُورِ الْمُحْتَمَلَةِ.
قال النَّوَوِيُّ: الِاسْتِعَانَةُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: إِحْضَارُ الْمَاءِ، وَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ أَصْلًا. قُلْتُ: لَكِنِ الْأَفْضَلُ خِلَافُهُ. قال: الثَّانِي مُبَاشَرَةُ الْأَجْنَبِيِّ الْغُسْلَ، وَهَذَا مَكْرُوهٌ إِلَّا لِحَاجَةٍ. الثَّالِثُ: الصَّبُّ وَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا يُكْرَهُ، وَالثَّانِي خِلَافُ الْأَوْلَى. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُ لَا يَكُونُ خِلَافَ الْأَوْلَى. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ قَدْ يَفْعَلُهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ فَلَا يَكُونُ فِي حَقِّهِ خِلَافُ الْأَوْلَى بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: إِذَا كَانَ الْأَوْلَى تَرْكُهُ كَيْفَ يُنَازَعُ فِي كَرَاهَتِهِ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ كُلَّ مَكْرُوهٍ فِعْلُهُ خِلَافُ الْأَوْلَى مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، إِذِ الْمَكْرُوهُ يُطْلَقُ عَلَى الْحَرَامِ بِخِلَافِ الْآخَرِ.
١٨٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قال: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، قال: أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ يُحَدِّثُ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ كَانَ
مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، وَأَنَّهُ ذَهَبَ لِحَاجَةٍ لَهُ، وَأَنَّ مُغِيرَةَ جَعَلَ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ.
[الحديث ١٨٢ - أطرافه في: ٥٧٩٩، ٥٧٩٨، ٤٤٢١، ٢٩١٨، ٣٨٨، ٣٦٣، ٢٠٦، ٢٠٣]
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) هُوَ الْفَلَّاسُ أَحَدُ الْحُفَّاظِ الْبَصْرِيِّينَ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ، وَسَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَيِ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ. وَفِي الْإِسْنَادِ رِوَايَةُ الْأَقْرَانِ فِي مَوْضِعَيْنِ؛ لِأَنَّ يَحْيَى، وَسَعْدًا تَابِعِيَّانِ صَغِيرَانِ، وَنَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعُرْوَةُ بْنُ الْمُغِيرَةِ تَابِعِيَّانِ وَسَطَانِ، فَفِيهِ أَرْبَعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ وَهُوَ مِنَ النَّوَادِرِ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ كَانَ) أَدَّى عُرْوَةُ مَعْنَى كَلَامِ أَبِيهِ بِعِبَارَةِ نَفْسِهِ، وَإِلَّا فَكَانَ السِّيَاقُ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ: قال: إِنِّي كُنْتُ، وَكَذَا قَوْلُهُ وَأَنَّ الْمُغِيرَةَ جَعَلَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ هُوَ الْتِفَاتٌ عَلَى رَأْيٍ فَيَكُونُ عُرْوَةُ أَدَّى لَفْظَ أَبِيهِ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ وَأَنَّهُ ذَهَبَ وَفِي قَوْلِهِ لَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ.
وَمَبَاحِثُ هَذَا الْحَدِيثِ تَأْتِي فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْمُرَادُ مِنْهُ هُنَا الِاسْتِدْلَالُ عَلَى الِاسْتِعَانَةِ.
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا مِنَ الْقُرُبَاتِ الَّتِي يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْمَلَهَا عَنْ غَيْرِهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، قال: وَاسْتَدَلَّ الْبُخَارِيُّ مِنْ صَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْوُضُوءِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُوَضِّئُهُ غَيْرُهُ، لِأَنَّهُ لَمَّا لَزِمَ الْمُتَوَضِّئُ الِاغْتِرَافَ مِنَ الْمَاءِ لِأَعْضَائِهِ، وَجَازَ لَهُ أَنْ يَكْفِيَهُ ذَلِكَ غَيْرُهُ بِالصَّبِّ - وَالِاغْتِرَافُ بَعْضُ عَمَلِ الْوُضُوءِ -، كَذَلِكَ يَجُوزُ فِي بَقِيَّةِ أَعْمَالِهِ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ الِاغْتِرَافَ مِنَ الْوَسَائِلِ لَا مِنَ الْمَقَاصِدِ، لِأَنَّهُ لَوِ اغْتَرَفَ ثُمَّ نَوَى أَنْ يَتَوَضَّأَ جَازَ، وَلَوْ كَانَ الِاغْتِرَافُ عَمَلًا مُسْتَقِلًّا لَكَانَ قَدْ قَدَّمَ النِّيَّةَ عَلَيْهِ (١) وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
وَحَاصِلُهُ: التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْإِعَانَةِ بِالصَّبِّ وَبَيْنَ الْإِعَانَةِ بِمُبَاشَرَةِ الْغَيْرِ لِغَسْلِ الْأَعْضَاءِ، وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ الَّذِي أَشَرْنَا إِلَيْهِ قَبْلُ. وَالْحَدِيثَانِ دَالَّانِ عَلَى عَدَمِ كَرَاهَةِ الِاسْتِعَانَةِ بِالصَّبِّ، وَكَذَا إِحْضَارُ الْمَاءِ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى. وَأَمَّا الْمُبَاشَرَةُ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِمَا عَلَيْهَا، نَعَمْ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَسْتَعِينَ أَصْلًا. وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا أُبَالِي مَنْ أَعَانَنِي عَلَى طُهُورِي أَوْ عَلَى رُكُوعِي وَسُجُودِي، فَمَحْمُولٌ عَلَى الْإِعَانَةِ بِالْمُبَاشَرَةِ لِلصَّبِّ، بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا وَغَيْرُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ كَانَ يَسْكُبُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ وَهُوَ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ.
وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ أَنَّهَا قَالَتْ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِوَضُوءٍ، فَقَالَ: اسْكُبِي، فَسَكَبْتُ عَلَيْهِ. وَهَذَا أَصْرَحُ فِي عَدَمِ الْكَرَاهَةِ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، لِكَوْنِهِ فِي الْحَضَرِ، وَلِكَوْنِهِ بِصِيغَةِ الطَّلَبِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ عَلَى شَرْطِ الْمُصَنِّفِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣٦ - بَاب قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بَعْدَ الْحَدَثِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ مَنْصُورٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ: لَا بَأْسَ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْحَمَّامِ، وَبِكَتْبِ الرِّسَالَةِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ. وَقَالَ حَمَّادٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ: إِنْ كَانَ عَلَيْهِمْ إِزَارٌ فَسَلِّمْ، وَإِلَّا فَلَا تُسَلِّمْ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بَعْدَ الْحَدَثِ) أَيِ: الْأَصْغَرِ (وَغَيْرِهِ)؛ أَيْ: مِنْ مَظَانِّ الْحَدَثِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى الْقُرْآنِ، وَالتَّقْدِيرُ بَابُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ أَيِ: الذِّكْرِ وَالسَّلَامِ وَنَحْوِهِمَا بَعْدَ الْحَدَثِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ الْفَصْلُ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَيْنِ، وَلِأَنَّهُ إِنْ جَازَتِ الْقِرَاءَةُ بَعْدَ الْحَدَثِ فَجَوَازُ غَيْرِهَا مِنَ الْأَذْكَارِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، فَهُوَ مُسْتَغْنًى عَنْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
فهو كما قاله (١)، قد أخرجه أحمدُ (٢) ابنُ حنبلٍ في «مُسنَده» عنه، ولفظه (٣): «فليس عليك غُسلٌ»، وأمَّا غندر فقد أخرجه أحمد أيضًا عنه، ولفظه: «فلا غسل عليك، وعليك الوضوء»، وهكذا أخرجه مسلمٌ (٤) وابن ماجه والإسماعيليُّ وأبو نُعيمٍ من طرقٍ عنه، وكذا ذكره أصحاب شعبة، كأبي داود الطَّيالسيِّ وغيره عنه، فكأنَّ بعض مشايخ البخاريِّ حدَّثه به عن يحيى وغُنْدُرٍ معًا، فساقه له (٥) على (٦) لفظ يحيى. انتهى.
(٣٥) (بابُ) ما (٧) حكم (الرَّجُلِ يُوَضِّئُ صَاحِبَهُ).
١٨١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) وفي رواية الأربعة (٨): «حَدَّثَنِي» (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) بالتَّخفيف على الصَّحيح، ولكريمةَ: «حدَّثنا ابن سلامٍ»: (قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) بن زاذان السُّلميُّ
مولاهم، أبو خالدٍ الواسطيُّ (١)، أحد الأعلام (عَنْ يَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاريِّ التَّابعيِّ (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) بضمِّ العين وسكون القاف، الأسديِّ المدنيِّ التَّابعيِّ (عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) التَّابعيِّ (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا أَفَاضَ) أي: رجع أو دفع (مِنْ) موقف (عَرَفَةَ عَدَلَ) أي: توجَّه (إِلَى الشِّعْبِ) بكسر الشِّين: الطَّريق في الجبل (فَقَضَى حَاجَتَهُ. قَالَ أُسَامَةُ) أي: ابن زيدٍ كما صرَّح به في رواية أبي الوقت (٢): (فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَيْهِ) الوضوء (وَ) هو (يَتَوَضَّأُ) مُبتدَأٌ وخبرٌ، أو نصبٌ على الحال، أي: والحال (٣) أنَّه يتوضَّأ، ويجوز وقوع الفعل المضارع المُثبَت حالًا (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُصَلِّي؟ فَقَالَ) بفاء العطف، وفي رواية الأربعة (٤): «قال ﷺ»: (المُصَلَّى) بفتح اللَّام، أي: مكان المُصلَّى (أَمَامَكَ) بفتح الهمزة والميمَين، ظرفٌ بمعنى: قدَّامك.
وفي هذا الحديث: جواز الاستعانة في الوضوء بالصَّبِّ (٥)، وبه استدلَّ المؤلِّف للتَّرجمة، ولم يذكر جوازًا ولا غيره، ويُقاس على الاستعانة بالصَّبِّ الاستعانةُ بالغسل والإحضار للماء، بجامع الإعانة، فأمَّا الصَّبُّ فهو خلاف الأَوْلى لأنَّه ترفُّهٌ لا يليق بالمتعبِّد، وعُورِض بأنَّه إذا فعله الشَّارع لا يكون خلاف الأولى، وأُجِيب بأنَّه قد يفعله لبيان الجواز، فلا يكون في حقِّه خلاف الأَوْلى بخلافنا، وقِيلَ: مكروهٌ، وأمَّا الاستعانة في غسل الأعضاء فمكروهةٌ قطعًا
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (لَمْ يَقُلْ غُنْدَرٌ، وَيَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ الْوُضُوءَ) يَعْنِي أَنَّ غُنْدَرًا وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَيَحْيَى وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ رَوَيَا هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ، لَكِنْ لَمْ يَقُولَا فِيهِ عَلَيْكَ الْوُضُوءُ، فَأَمَّا يَحْيَى فَهُوَ كَمَا قال: فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ، وَلَفْظُهُ: فَلَيْسَ عَلَيْكَ غُسْلٌ وَأَمَّا غُنْدَرٌ فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ أَيْضًا فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ لَكِنَّهُ ذَكَرَ الْوُضُوءَ، وَلَفْظُهُ فَلَا غُسْلَ عَلَيْكَ، عَلَيْكَ الْوُضُوءُ، وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طُرُقٍ عَنْهُ، وَكَذَا ذَكَرَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِ شُعْبَةَ، كَأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْهُ، فَكَأَنَّ بَعْضَ مَشَايِخِ الْبُخَارِيِّ حَدَّثَهُ بِهِ عَنْ يَحْيَى وَغُنْدَرٍ مَعًا، فَسَاقَهُ لَهُ عَلَى لَفْظِ يَحْيَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ كَانَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ اخْتِلَافٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي آخِرِ كِتَابِ الْغُسْلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٣٥ - بَاب الرَّجُلُ يُوَضِّئُ صَاحِبَهُ
١٨١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، قال: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَفَاضَ مِنْ عَرَفةَ عَدَلَ إِلَى الشِّعْبِ فَقَضَى حَاجَتَهُ. قال أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ: فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَيْهِ وَيَتَوَضَّأُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي؟ فَقَالَ: الْمُصَلَّى أَمَامَكَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الرَّجُلِ يُوَضِّئُ صَاحِبَهُ)؛ أَيْ: مَا حُكْمُهُ.
قَوْلُهُ: (ابْنُ سَلَامٍ) هُوَ مُحَمَّدٌ كَمَا فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ، وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ. وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ رِوَايَةُ الْأَقْرَانِ؛ لِأَنَّ يَحْيَى وَمُوسَى بْنَ عُقْبَةَ تَابِعِيَّانِ صَغِيرَانِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَكُرَيْبٌ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ أَوَاسِطِ التَّابِعِينَ، فَفِيهِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ مَبَاحِثِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ، وَيَأْتِي بَاقِيهَا فِي كِتَابِ الْحَجِّ.
وَوَقَعَ فِي تَرَاجِمِ الْبُخَارِيِّ، لِابْنِ الْمُنِيرِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَهْمٌ، فَإِنَّهُ قال: فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ رِوَايَةِ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَوْلُهُ: (أَصُبُّ) بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ وَمَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ أَيِ: الْمَاءَ. وَقَوْلُهُ وَيَتَوَضَّأُ؛ أَيْ: وَهُوَ يَتَوَضَّأُ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ عَلَى الِاسْتِعَانَةِ فِي الْوُضُوءِ، لَكِنْ مَنْ يَدَّعِي أَنَّ الْكَرَاهِيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِغَيْرِ الْمَشَقَّةِ أَوْ الِاحْتِيَاجِ فِي الْجُمْلَةِ لَا يَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ أُسَامَةَ لِأَنَّهُ كَانَ فِي السَّفَرِ. وَكَذَا حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ الْمَذْكُورِ، قال ابْنُ الْمُنِيرِ: قَاسَ الْبُخَارِيُّ تَوْضِئَةَ الرَّجُلِ غَيْرَهُ عَلَى صَبِّهِ عَلَيْهِ لِاجْتِمَاعِهِمَا فِي مَعْنَى الْإِعَانَةِ. قُلْتُ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ، وَلَمْ يُفْصِحِ الْبُخَارِيُّ فِي الْمَسْأَلَةِ بِجَوَازٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَهَذِهِ عَادَتُهُ فِي الْأُمُورِ الْمُحْتَمَلَةِ.
قال النَّوَوِيُّ: الِاسْتِعَانَةُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: إِحْضَارُ الْمَاءِ، وَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ أَصْلًا. قُلْتُ: لَكِنِ الْأَفْضَلُ خِلَافُهُ. قال: الثَّانِي مُبَاشَرَةُ الْأَجْنَبِيِّ الْغُسْلَ، وَهَذَا مَكْرُوهٌ إِلَّا لِحَاجَةٍ. الثَّالِثُ: الصَّبُّ وَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا يُكْرَهُ، وَالثَّانِي خِلَافُ الْأَوْلَى. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُ لَا يَكُونُ خِلَافَ الْأَوْلَى. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ قَدْ يَفْعَلُهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ فَلَا يَكُونُ فِي حَقِّهِ خِلَافُ الْأَوْلَى بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: إِذَا كَانَ الْأَوْلَى تَرْكُهُ كَيْفَ يُنَازَعُ فِي كَرَاهَتِهِ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ كُلَّ مَكْرُوهٍ فِعْلُهُ خِلَافُ الْأَوْلَى مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، إِذِ الْمَكْرُوهُ يُطْلَقُ عَلَى الْحَرَامِ بِخِلَافِ الْآخَرِ.
١٨٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قال: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، قال: أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ يُحَدِّثُ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ كَانَ
مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، وَأَنَّهُ ذَهَبَ لِحَاجَةٍ لَهُ، وَأَنَّ مُغِيرَةَ جَعَلَ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ.
[الحديث ١٨٢ - أطرافه في: ٥٧٩٩، ٥٧٩٨، ٤٤٢١، ٢٩١٨، ٣٨٨، ٣٦٣، ٢٠٦، ٢٠٣]
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) هُوَ الْفَلَّاسُ أَحَدُ الْحُفَّاظِ الْبَصْرِيِّينَ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ، وَسَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَيِ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ. وَفِي الْإِسْنَادِ رِوَايَةُ الْأَقْرَانِ فِي مَوْضِعَيْنِ؛ لِأَنَّ يَحْيَى، وَسَعْدًا تَابِعِيَّانِ صَغِيرَانِ، وَنَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعُرْوَةُ بْنُ الْمُغِيرَةِ تَابِعِيَّانِ وَسَطَانِ، فَفِيهِ أَرْبَعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ وَهُوَ مِنَ النَّوَادِرِ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ كَانَ) أَدَّى عُرْوَةُ مَعْنَى كَلَامِ أَبِيهِ بِعِبَارَةِ نَفْسِهِ، وَإِلَّا فَكَانَ السِّيَاقُ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ: قال: إِنِّي كُنْتُ، وَكَذَا قَوْلُهُ وَأَنَّ الْمُغِيرَةَ جَعَلَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ هُوَ الْتِفَاتٌ عَلَى رَأْيٍ فَيَكُونُ عُرْوَةُ أَدَّى لَفْظَ أَبِيهِ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ وَأَنَّهُ ذَهَبَ وَفِي قَوْلِهِ لَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ.
وَمَبَاحِثُ هَذَا الْحَدِيثِ تَأْتِي فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْمُرَادُ مِنْهُ هُنَا الِاسْتِدْلَالُ عَلَى الِاسْتِعَانَةِ.
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا مِنَ الْقُرُبَاتِ الَّتِي يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْمَلَهَا عَنْ غَيْرِهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، قال: وَاسْتَدَلَّ الْبُخَارِيُّ مِنْ صَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْوُضُوءِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُوَضِّئُهُ غَيْرُهُ، لِأَنَّهُ لَمَّا لَزِمَ الْمُتَوَضِّئُ الِاغْتِرَافَ مِنَ الْمَاءِ لِأَعْضَائِهِ، وَجَازَ لَهُ أَنْ يَكْفِيَهُ ذَلِكَ غَيْرُهُ بِالصَّبِّ - وَالِاغْتِرَافُ بَعْضُ عَمَلِ الْوُضُوءِ -، كَذَلِكَ يَجُوزُ فِي بَقِيَّةِ أَعْمَالِهِ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ الِاغْتِرَافَ مِنَ الْوَسَائِلِ لَا مِنَ الْمَقَاصِدِ، لِأَنَّهُ لَوِ اغْتَرَفَ ثُمَّ نَوَى أَنْ يَتَوَضَّأَ جَازَ، وَلَوْ كَانَ الِاغْتِرَافُ عَمَلًا مُسْتَقِلًّا لَكَانَ قَدْ قَدَّمَ النِّيَّةَ عَلَيْهِ (١) وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
وَحَاصِلُهُ: التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْإِعَانَةِ بِالصَّبِّ وَبَيْنَ الْإِعَانَةِ بِمُبَاشَرَةِ الْغَيْرِ لِغَسْلِ الْأَعْضَاءِ، وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ الَّذِي أَشَرْنَا إِلَيْهِ قَبْلُ. وَالْحَدِيثَانِ دَالَّانِ عَلَى عَدَمِ كَرَاهَةِ الِاسْتِعَانَةِ بِالصَّبِّ، وَكَذَا إِحْضَارُ الْمَاءِ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى. وَأَمَّا الْمُبَاشَرَةُ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِمَا عَلَيْهَا، نَعَمْ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَسْتَعِينَ أَصْلًا. وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا أُبَالِي مَنْ أَعَانَنِي عَلَى طُهُورِي أَوْ عَلَى رُكُوعِي وَسُجُودِي، فَمَحْمُولٌ عَلَى الْإِعَانَةِ بِالْمُبَاشَرَةِ لِلصَّبِّ، بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا وَغَيْرُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ كَانَ يَسْكُبُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ وَهُوَ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ.
وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ أَنَّهَا قَالَتْ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِوَضُوءٍ، فَقَالَ: اسْكُبِي، فَسَكَبْتُ عَلَيْهِ. وَهَذَا أَصْرَحُ فِي عَدَمِ الْكَرَاهَةِ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، لِكَوْنِهِ فِي الْحَضَرِ، وَلِكَوْنِهِ بِصِيغَةِ الطَّلَبِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ عَلَى شَرْطِ الْمُصَنِّفِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣٦ - بَاب قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بَعْدَ الْحَدَثِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ مَنْصُورٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ: لَا بَأْسَ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْحَمَّامِ، وَبِكَتْبِ الرِّسَالَةِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ. وَقَالَ حَمَّادٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ: إِنْ كَانَ عَلَيْهِمْ إِزَارٌ فَسَلِّمْ، وَإِلَّا فَلَا تُسَلِّمْ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بَعْدَ الْحَدَثِ) أَيِ: الْأَصْغَرِ (وَغَيْرِهِ)؛ أَيْ: مِنْ مَظَانِّ الْحَدَثِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى الْقُرْآنِ، وَالتَّقْدِيرُ بَابُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ أَيِ: الذِّكْرِ وَالسَّلَامِ وَنَحْوِهِمَا بَعْدَ الْحَدَثِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ الْفَصْلُ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَيْنِ، وَلِأَنَّهُ إِنْ جَازَتِ الْقِرَاءَةُ بَعْدَ الْحَدَثِ فَجَوَازُ غَيْرِهَا مِنَ الْأَذْكَارِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، فَهُوَ مُسْتَغْنًى عَنْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
فهو كما قاله (١)، قد أخرجه أحمدُ (٢) ابنُ حنبلٍ في «مُسنَده» عنه، ولفظه (٣): «فليس عليك غُسلٌ»، وأمَّا غندر فقد أخرجه أحمد أيضًا عنه، ولفظه: «فلا غسل عليك، وعليك الوضوء»، وهكذا أخرجه مسلمٌ (٤) وابن ماجه والإسماعيليُّ وأبو نُعيمٍ من طرقٍ عنه، وكذا ذكره أصحاب شعبة، كأبي داود الطَّيالسيِّ وغيره عنه، فكأنَّ بعض مشايخ البخاريِّ حدَّثه به عن يحيى وغُنْدُرٍ معًا، فساقه له (٥) على (٦) لفظ يحيى. انتهى.
(٣٥) (بابُ) ما (٧) حكم (الرَّجُلِ يُوَضِّئُ صَاحِبَهُ).
١٨١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) وفي رواية الأربعة (٨): «حَدَّثَنِي» (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) بالتَّخفيف على الصَّحيح، ولكريمةَ: «حدَّثنا ابن سلامٍ»: (قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) بن زاذان السُّلميُّ
مولاهم، أبو خالدٍ الواسطيُّ (١)، أحد الأعلام (عَنْ يَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاريِّ التَّابعيِّ (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) بضمِّ العين وسكون القاف، الأسديِّ المدنيِّ التَّابعيِّ (عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) التَّابعيِّ (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا أَفَاضَ) أي: رجع أو دفع (مِنْ) موقف (عَرَفَةَ عَدَلَ) أي: توجَّه (إِلَى الشِّعْبِ) بكسر الشِّين: الطَّريق في الجبل (فَقَضَى حَاجَتَهُ. قَالَ أُسَامَةُ) أي: ابن زيدٍ كما صرَّح به في رواية أبي الوقت (٢): (فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَيْهِ) الوضوء (وَ) هو (يَتَوَضَّأُ) مُبتدَأٌ وخبرٌ، أو نصبٌ على الحال، أي: والحال (٣) أنَّه يتوضَّأ، ويجوز وقوع الفعل المضارع المُثبَت حالًا (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُصَلِّي؟ فَقَالَ) بفاء العطف، وفي رواية الأربعة (٤): «قال ﷺ»: (المُصَلَّى) بفتح اللَّام، أي: مكان المُصلَّى (أَمَامَكَ) بفتح الهمزة والميمَين، ظرفٌ بمعنى: قدَّامك.
وفي هذا الحديث: جواز الاستعانة في الوضوء بالصَّبِّ (٥)، وبه استدلَّ المؤلِّف للتَّرجمة، ولم يذكر جوازًا ولا غيره، ويُقاس على الاستعانة بالصَّبِّ الاستعانةُ بالغسل والإحضار للماء، بجامع الإعانة، فأمَّا الصَّبُّ فهو خلاف الأَوْلى لأنَّه ترفُّهٌ لا يليق بالمتعبِّد، وعُورِض بأنَّه إذا فعله الشَّارع لا يكون خلاف الأولى، وأُجِيب بأنَّه قد يفعله لبيان الجواز، فلا يكون في حقِّه خلاف الأَوْلى بخلافنا، وقِيلَ: مكروهٌ، وأمَّا الاستعانة في غسل الأعضاء فمكروهةٌ قطعًا