الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٨١٣
الحديث رقم ١٨١٣ من كتاب «أبواب المحصر وجزاء الصيد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من قال ليس على المحصر بدل.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ وَهُوَ مُخَيَّرٌ فَأَمَّا الصَّوْمُ فَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ
١٨١٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ نَحَرُوا وَحَلَقُوا وَحَلُّوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ الطَّوَافِ، وَقَبْلَ أَنْ يَصِلَ الْهَدْيُ إِلَى الْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ يُذْكَرْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَحَدًا أَنْ يَقْضُوا شَيْئًا وَلَا يَعُودُوا لَهُ، وَالْحُدَيْبِيَةُ خَارِجٌ مِنْ الْحَرَمِ.
١٨١٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ حِينَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي الْفِتْنَةِ: إِنْ صُدِدْتُ عَنْ الْبَيْتِ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ. ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ نَظَرَ فِي أَمْرِهِ فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ، فَالْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ. ثُمَّ طَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا، وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ مُجْزِئ عَنْهُ، وَأَهْدَى.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ قَالَ لَيْسَ عَلَى الْمُحْصَرِ بَدَلٌ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَةِ، أَيْ: قَضَاءٌ لِمَا أَحُصِرَ فِيهِ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَهَذَا هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ رَوْحٌ) يَعْنِي: ابْنَ عُبَادَةَ، وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ رَوْحٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُرَادُهُ بِالتَّلَذُّذِ وَهُوَ بِمُعْجَمَتَيْنِ الْجِمَاعُ. وَقَوْلُهُ: حَبَسَهُ عُذْرٌ كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا رَاءٌ، وَلِأَبِي ذَرٍّ حَبَسَهُ عَدُوٌّ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَفِي آخِرِهِ وَاوٌ. وَقَوْلُهُ: أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ أَيْ: مِنْ مَرَضٍ أَوْ نَفَادِ نَفَقَةٍ. وَقَدْ وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُ هَذَا بِإِسْنَادٍ آخَرَ. أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ، وَفِيهِ فَإِنْ كَانَتْ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ الْفَرِيضَةِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: وَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ هَذِهِ مَسْأَلَةُ اخْتِلَافٍ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: يَذْبَحُ الْمُحْصَرُ الْهَدْيَ حَيْثُ يَحِلُّ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْحِلِّ أَوْ فِي الْحَرَمِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَذْبَحُهُ إِلَّا فِي الْحَرَمِ، وَفَصَّلَ آخَرُونَ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ هُنَا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ هَلْ نَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْهَدْيَ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي الْحِلِّ أَوْ فِي الْحَرَمِ، وَكَانَ عَطَاءٌ يَقُولُ: لَمْ يَنْحَرْ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ إِلَّا فِي الْحَرَمِ، وَوَافَقَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْمَغَازِي: إِنَّمَا نَحَرَ فِي الْحِلِّ.
وَرَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ مِنْ طَرِيقِ مُجَمِّعِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا حُبِسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ نَحَرُوا بِالْحُدَيْبِيَةِ وَحَلَقُوا، وَبَعَثَ اللَّهُ رِيحًا فَحَمَلَتْ شُعُورَهُمْ فَأَلْقَتْهَا فِي الْحَرَمِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ حَلَقُوا فِي الْحِلِّ. قُلْتُ: وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِمْ مَا حَلَقُوا فِي الْحَرَمِ لِمَنْعِهِمْ مِنْ دُخُولِهِ أَنْ لَا يَكُونُوا أَرْسَلُوا الْهَدْيَ مَعَ مَنْ نَحَرَهُ فِي الْحَرَمِ، وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ نَاجِيَةَ بْنِ جُنْدُبٍ الْأَسْلَمِيِّ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْعَثْ مَعِي بِالْهَدْيِ حَتَّى أَنْحَرَهُ فِي الْحَرَمِ، فَفَعَلَ. أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ، عَنْ مَجْزَأَةَ بْنِ زَاهِرٍ، عَنْ نَاجِيَةَ، وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ إِسْرَائِيلَ، لَكِنْ قَالَ: عَنْ نَاجِيَةَ عَنْ أَبِيهِ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُقُوعِ هَذَا وُجُوبُهُ، بَلْ ظَاهِرُ الْقِصَّةِ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ نَحَرَ فِي مَكَانِهِ وَكَانُوا فِي الْحِلِّ، وَذَلِكَ دَالٌّ عَلَى الْجَوَازِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ) هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَلَفْظُهُ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ فَنَحَرُوا الْهَدْيَ وَحَلَقُوا رُءُوسَهُمْ وَحَلُّوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ أَنْ يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ وَقَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ الْهَدْيُ، ثُمَّ لَمْ نَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَلَا مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ أَنْ يَقْضُوا شَيْئًا، وَلَا أَنْ يَعُودُوا لِشَيْءٍ. وَسُئِلَ مَالِكٌ
عَمَّنْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ولم يذكر قضاءً، قال الشَّافعيُّ: والذي أعقل من أخبار أهل المغازي شبيهٌ بما ذكرت من ظاهر الآية، وذلك أنَّا قد علمنا في متواطئ أحاديثهم أنَّه قد كان مع رسول الله ﷺ عام الحديبية رجالٌ معروفون بأسمائهم، ثمَّ اعتمر رسول الله ﷺ عمرة القضيَّة، وتخلَّف بعضهم بالمدينة من غير ضرورةٍ في نفسٍ ولا مالٍ علمته، ولو لزمهم القضاء لأمرهم رسول الله ﷺ -إن شاء الله- بألَّا يتخلَّفوا عنه.
١٨١٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ (١) عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: حِينَ خَرَجَ) أي: حين أراد أن يخرج (إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي الفِتْنَةِ) حين نزل (٢) الحجَّاج لقتال ابن الزُّبير: (إِنْ صُدِدْتُ) أي: إن (٣) مُنِعت (عَنِ البَيْتِ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَهَلَّ) أي: فرفع ابن عمر صوته بالإهلال (بِعُمْرَةٍ) من ذي الحليفة، أو من المدينة (٤)، وأظهرها: بذي الحليفة (مِنْ أَجْلِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ، ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ نَظَرَ فِي أَمْرِهِ فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا) أي: الحجُّ والعمرة في جواز التَّحلُّل منهما بالإحصار (إِلَّا وَاحِدٌ، فَالتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الحَجَّ مَعَ العُمْرَةِ، ثُمَّ طَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا، وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ مُجْزِيًا عَنْهُ، وَأَهْدَى) بضمِّ الميم وسكون الجيم وكسر الزَّاي بغير همزةٍ (٥) في «اليونينيَّة»، وكشطها في: الفرع، وأبقى الياء صورتها، منصوبًا على أنَّ «أنَّ» تنصب الجزأين أو خبر «كان» محذوفةً، أي: ورأى أنَّ ذلك يكون
مجزيًا عنه، ولأبي ذرٍّ: «مجزئٌ» بالهمزة (١)، والرَّفع خبر «أنَّ»، وقوله في «الفتح»: والذي عندي أنَّ النَّصب من خطأ الكاتب، فإنَّ أصحاب «المُوطَّأ» اتَّفقوا على روايته بالرَّفع على الصَّواب، تعقَّبه في «عمدة القاري» بأنَّه إنَّما يكون خطأً لو لم يكن له وجهٌ في العربيَّة، واتِّفاق أصحاب «المُوطَّأ» على الرَّفع لا يستلزم كون النَّصب خطأً، على أنَّ دعوى اتِّفاقهم على الرَّفع لا دليل لها (٢). والإجزاء هو الأداء الكافي لسقوط التَّعبُّد، ووجه ذكر حديث ابن عمر ﵁ في هذا الباب شهرة قصَّة صدِّ المشركين للنَّبيِّ ﷺ وأصحابه ﵃ بالحديبية، وأنَّهم لم يُؤمَروا بالقضاء في ذلك.
وهذا الحديث سبق في «باب إذا أُحصِر المعتمر» [خ¦١٨٠٦] قريبًا.
(٥) (بَابُ) تفسير (قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً﴾) مرضًا يحوجه إلى الحلق (﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ﴾) كجراحةٍ وقملٍ (﴿فَفِدْيَةٌ﴾) فعليه فديةٌ إن حلق (﴿مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]) بيانٌ لجنس الفدية، وأمَّا قدرها فيأتي -إن شاء الله تعالى- بيانه (٣) قريبًا في حديث الباب (وَهُوَ) أي: المريض ومن به أذًى من (٤) رأسه (مُخَيَّرٌ) بين الثَّلاثة الأشياء (٥) المذكورة في الآية (فَأَمَّا الصَّوْمُ فَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ)، كما في الحديث مع الآخرين (٦).
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ نَحَرُوا وَحَلَقُوا وَحَلُّوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ الطَّوَافِ، وَقَبْلَ أَنْ يَصِلَ الْهَدْيُ إِلَى الْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ يُذْكَرْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَحَدًا أَنْ يَقْضُوا شَيْئًا وَلَا يَعُودُوا لَهُ، وَالْحُدَيْبِيَةُ خَارِجٌ مِنْ الْحَرَمِ.
١٨١٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ حِينَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي الْفِتْنَةِ: إِنْ صُدِدْتُ عَنْ الْبَيْتِ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ. ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ نَظَرَ فِي أَمْرِهِ فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ، فَالْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ. ثُمَّ طَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا، وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ مُجْزِئ عَنْهُ، وَأَهْدَى.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ قَالَ لَيْسَ عَلَى الْمُحْصَرِ بَدَلٌ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَةِ، أَيْ: قَضَاءٌ لِمَا أَحُصِرَ فِيهِ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَهَذَا هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ رَوْحٌ) يَعْنِي: ابْنَ عُبَادَةَ، وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ رَوْحٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُرَادُهُ بِالتَّلَذُّذِ وَهُوَ بِمُعْجَمَتَيْنِ الْجِمَاعُ. وَقَوْلُهُ: حَبَسَهُ عُذْرٌ كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا رَاءٌ، وَلِأَبِي ذَرٍّ حَبَسَهُ عَدُوٌّ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَفِي آخِرِهِ وَاوٌ. وَقَوْلُهُ: أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ أَيْ: مِنْ مَرَضٍ أَوْ نَفَادِ نَفَقَةٍ. وَقَدْ وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُ هَذَا بِإِسْنَادٍ آخَرَ. أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ، وَفِيهِ فَإِنْ كَانَتْ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ الْفَرِيضَةِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: وَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ هَذِهِ مَسْأَلَةُ اخْتِلَافٍ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: يَذْبَحُ الْمُحْصَرُ الْهَدْيَ حَيْثُ يَحِلُّ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْحِلِّ أَوْ فِي الْحَرَمِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَذْبَحُهُ إِلَّا فِي الْحَرَمِ، وَفَصَّلَ آخَرُونَ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ هُنَا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ هَلْ نَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْهَدْيَ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي الْحِلِّ أَوْ فِي الْحَرَمِ، وَكَانَ عَطَاءٌ يَقُولُ: لَمْ يَنْحَرْ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ إِلَّا فِي الْحَرَمِ، وَوَافَقَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْمَغَازِي: إِنَّمَا نَحَرَ فِي الْحِلِّ.
وَرَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ مِنْ طَرِيقِ مُجَمِّعِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا حُبِسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ نَحَرُوا بِالْحُدَيْبِيَةِ وَحَلَقُوا، وَبَعَثَ اللَّهُ رِيحًا فَحَمَلَتْ شُعُورَهُمْ فَأَلْقَتْهَا فِي الْحَرَمِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ حَلَقُوا فِي الْحِلِّ. قُلْتُ: وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِمْ مَا حَلَقُوا فِي الْحَرَمِ لِمَنْعِهِمْ مِنْ دُخُولِهِ أَنْ لَا يَكُونُوا أَرْسَلُوا الْهَدْيَ مَعَ مَنْ نَحَرَهُ فِي الْحَرَمِ، وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ نَاجِيَةَ بْنِ جُنْدُبٍ الْأَسْلَمِيِّ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْعَثْ مَعِي بِالْهَدْيِ حَتَّى أَنْحَرَهُ فِي الْحَرَمِ، فَفَعَلَ. أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ، عَنْ مَجْزَأَةَ بْنِ زَاهِرٍ، عَنْ نَاجِيَةَ، وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ إِسْرَائِيلَ، لَكِنْ قَالَ: عَنْ نَاجِيَةَ عَنْ أَبِيهِ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُقُوعِ هَذَا وُجُوبُهُ، بَلْ ظَاهِرُ الْقِصَّةِ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ نَحَرَ فِي مَكَانِهِ وَكَانُوا فِي الْحِلِّ، وَذَلِكَ دَالٌّ عَلَى الْجَوَازِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ) هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَلَفْظُهُ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ فَنَحَرُوا الْهَدْيَ وَحَلَقُوا رُءُوسَهُمْ وَحَلُّوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ أَنْ يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ وَقَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ الْهَدْيُ، ثُمَّ لَمْ نَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَلَا مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ أَنْ يَقْضُوا شَيْئًا، وَلَا أَنْ يَعُودُوا لِشَيْءٍ. وَسُئِلَ مَالِكٌ
عَمَّنْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ولم يذكر قضاءً، قال الشَّافعيُّ: والذي أعقل من أخبار أهل المغازي شبيهٌ بما ذكرت من ظاهر الآية، وذلك أنَّا قد علمنا في متواطئ أحاديثهم أنَّه قد كان مع رسول الله ﷺ عام الحديبية رجالٌ معروفون بأسمائهم، ثمَّ اعتمر رسول الله ﷺ عمرة القضيَّة، وتخلَّف بعضهم بالمدينة من غير ضرورةٍ في نفسٍ ولا مالٍ علمته، ولو لزمهم القضاء لأمرهم رسول الله ﷺ -إن شاء الله- بألَّا يتخلَّفوا عنه.
١٨١٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ (١) عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: حِينَ خَرَجَ) أي: حين أراد أن يخرج (إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي الفِتْنَةِ) حين نزل (٢) الحجَّاج لقتال ابن الزُّبير: (إِنْ صُدِدْتُ) أي: إن (٣) مُنِعت (عَنِ البَيْتِ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَهَلَّ) أي: فرفع ابن عمر صوته بالإهلال (بِعُمْرَةٍ) من ذي الحليفة، أو من المدينة (٤)، وأظهرها: بذي الحليفة (مِنْ أَجْلِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ، ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ نَظَرَ فِي أَمْرِهِ فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا) أي: الحجُّ والعمرة في جواز التَّحلُّل منهما بالإحصار (إِلَّا وَاحِدٌ، فَالتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الحَجَّ مَعَ العُمْرَةِ، ثُمَّ طَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا، وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ مُجْزِيًا عَنْهُ، وَأَهْدَى) بضمِّ الميم وسكون الجيم وكسر الزَّاي بغير همزةٍ (٥) في «اليونينيَّة»، وكشطها في: الفرع، وأبقى الياء صورتها، منصوبًا على أنَّ «أنَّ» تنصب الجزأين أو خبر «كان» محذوفةً، أي: ورأى أنَّ ذلك يكون
مجزيًا عنه، ولأبي ذرٍّ: «مجزئٌ» بالهمزة (١)، والرَّفع خبر «أنَّ»، وقوله في «الفتح»: والذي عندي أنَّ النَّصب من خطأ الكاتب، فإنَّ أصحاب «المُوطَّأ» اتَّفقوا على روايته بالرَّفع على الصَّواب، تعقَّبه في «عمدة القاري» بأنَّه إنَّما يكون خطأً لو لم يكن له وجهٌ في العربيَّة، واتِّفاق أصحاب «المُوطَّأ» على الرَّفع لا يستلزم كون النَّصب خطأً، على أنَّ دعوى اتِّفاقهم على الرَّفع لا دليل لها (٢). والإجزاء هو الأداء الكافي لسقوط التَّعبُّد، ووجه ذكر حديث ابن عمر ﵁ في هذا الباب شهرة قصَّة صدِّ المشركين للنَّبيِّ ﷺ وأصحابه ﵃ بالحديبية، وأنَّهم لم يُؤمَروا بالقضاء في ذلك.
وهذا الحديث سبق في «باب إذا أُحصِر المعتمر» [خ¦١٨٠٦] قريبًا.
(٥) (بَابُ) تفسير (قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً﴾) مرضًا يحوجه إلى الحلق (﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ﴾) كجراحةٍ وقملٍ (﴿فَفِدْيَةٌ﴾) فعليه فديةٌ إن حلق (﴿مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]) بيانٌ لجنس الفدية، وأمَّا قدرها فيأتي -إن شاء الله تعالى- بيانه (٣) قريبًا في حديث الباب (وَهُوَ) أي: المريض ومن به أذًى من (٤) رأسه (مُخَيَّرٌ) بين الثَّلاثة الأشياء (٥) المذكورة في الآية (فَأَمَّا الصَّوْمُ فَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ)، كما في الحديث مع الآخرين (٦).