«قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٨٣٨

الحديث رقم ١٨٣٨ من كتاب «باب جزاء الصيد ونحوه» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما ينهى من الطيب للمحرم والمحرمة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٨٣٨ في صحيح البخاري

«قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنَ الثِّيَابِ فِي الْإِحْرَامِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ : لَا تَلْبَسُوا الْقَمِيصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا الْبَرَانِسَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلَانِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْ أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلَا الْوَرْسُ، وَلَا تَنْتَقِبِ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسِ الْقُفَّازَيْنِ».

تَابَعَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، وَجُوَيْرِيَةُ، وَابْنُ إِسْحَاقَ: فِي النِّقَابِ وَالْقُفَّازَيْنِ، وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ: وَلَا وَرْسٌ. وَكَانَ يَقُولُ: لَا تَتَنَقَّبِ الْمُحْرِمَةُ وَلَا تَلْبَسِ الْقُفَّازَيْنِ. وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: لَا تَتَنَقَّبِ الْمُحْرِمَةُ.

وَتَابَعَهُ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ.

إسناد حديث رقم ١٨٣٨ من صحيح البخاري

١٨٣٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٨٣٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ، وَلَا أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْخَصَائِصِ، وَقَدْ تَرْجَمَ فِي النِّكَاحِ بَابَ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى إِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَمُرَادُهُ بِالنِّكَاحِ التَّزْوِيجُ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى إِفْسَادِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِالْجِمَاعِ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَزْوِيجِ مَيْمُونَةَ، فَالْمَشْهُورُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَصَحَّ نَحْوُهُ عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَجَاءَ عَنْ مَيْمُونَةَ نَفْسِهَا أَنَّهُ كَانَ حَلَالًا، وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ مِثْلُهُ وَأَنَّهُ كَانَ الرَّسُولَ إِلَيْهَا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى الْمَنْعِ لِحَدِيثِ عُثْمَانَ: لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ بِأَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي الْوَاقِعَةِ كَيْفَ كَانَتْ، وَلَا تَقُومُ بِهَا الْحُجَّةُ، وَلِأَنَّهَا تَحْتَمِلُ الْخُصُوصِيَّةَ، فَكَانَ الْحَدِيثُ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ أَوْلَى بِأَنْ يُؤْخَذَ بِهِ. وَقَالَ عَطَاءٌ، وَعِكْرِمَةُ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ: يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَتَزَوَّجَ كَمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْجَارِيَةَ لِلْوَطْءِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ قِيَاسٌ فِي مُعَارَضَةِ السُّنَّةِ فَلَا يُعْتَبَرُ بِهِ. وَأَمَّا تَأْوِيلُهُمْ حَدِيثَ عُثْمَانَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْوَطْءُ فَمُتَعَقَّبٌ بِالتَّصْرِيحِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: وَلَا يُنْكِحُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَبِقَوْلِهِ فِيهِ: وَلَا يَخْطُبُ.

١٣ - بَاب مَا يُنْهَى مِنْ الطِّيبِ لِلْمُحْرِمِ وَالْمُحْرِمَةِ

وَقَالَتْ عَائِشَةُ : لَا تَلْبَسْ الْمُحْرِمَةُ ثَوْبًا بِوَرْسٍ أَوْ زَعْفَرَانٍ

١٨٣٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، قَالَ: قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنْ الثِّيَابِ فِي الْإِحْرَامِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ : لَا تَلْبَسُوا الْقَمِيصَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا الْبَرَانِسَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلَانِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْ أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلَا الْوَرْسُ، وَلَا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ. تَابَعَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، وَجُوَيْرِيَةُ، وَابْنُ إِسْحَاقَ فِي النِّقَابِ وَالْقُفَّازَيْنِ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: وَلَا وَرْسٌ. وَكَانَ يَقُولُ: لَا تَنْتَقِبْ الْمُحْرِمَةُ وَلَا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ. وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ: لَا تَتَنَقَّبْ الْمُحْرِمَةُ. وَتَابَعَهُ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ.

١٨٣٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ الْحَكَمِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَقَصَتْ بِرَجُلٍ مُحْرِمٍ نَاقَتُهُ فَقَتَلَتْهُ، فَأُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ: اغْسِلُوهُ وَكَفِّنُوهُ وَلَا تُغَطُّوا رَأْسَهُ وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يُهِلُّ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُنْهَى) أَيْ: عَنْهُ (مِنَ الطِّيبِ لِلْمُحْرِمِ وَالْمُحْرِمَةِ) أَيْ: أَنَّهُمَا فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي أَشْيَاءَ هَلْ تُعَدُّ طِيبًا أَوْ لَا؟ وَالْحِكْمَةُ فِي مَنْعِ الْمُحْرِمِ مِنَ الطِّيبِ أَنَّهُ مِنْ دَوَاعِي الْجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاتِهِ الَّتِي تُفْسِدُ الْإِحْرَامَ، وَبِأَنَّهُ يُنَافِي حَالَ الْمُحْرِمِ، فَإِنَّ الْمُحْرِمَ أَشْعَثُ أَغْبَرُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَا تَلْبَسُ الْمُحْرِمَةُ ثَوْبًا بِوَرْسٍ أَوْ زَعْفَرَانٍ) وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: الْمُحْرِمَةُ تَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ مَا شَاءَتْ

إِلَّا ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ أَوْ زَعْفَرَانٌ، وَلَا تَبَرْقَعُ وَلَا تَلَثَّمُ، وَتُسْدِلُ الثَّوْبَ عَلَى وَجْهِهَا إِنْ شَاءَتْ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْبَابِ أَنَّ الْمَرْأَةَ كَالرَّجُلِ فِي مَنْعِ الطِّيبِ إِجْمَاعًا. وَرَوَى أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ أَصْلَ حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَنْهَى النِّسَاءَ فِي إِحْرَامِهِنَّ عَنِ الْقُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ وَمَا مَسَّ الْوَرْسَ وَالزَّعْفَرَانَ مِنَ الثِّيَابِ، وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحَبَّتْ مِنْ أَلْوَانِ الثِّيَابِ ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ: قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ؟ الْحَدِيثَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْحَجِّ مَعَ سَائِرِ مَبَاحِثِهِ فِي بَابِ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ وَزَادَ فِيهِ هُنَا: وَلَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ وَذَكَرَ الِاخْتِلَافَ فِي رَفْعِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ وَوَقْفِهَا، وَسَأُبَيِّنُ مَا فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) وَصَلَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْهُ عَنْ نَافِعٍ فِي آخِرِ الزِّيَادَةِ الْمَذْكُورَةِ قَبْلُ.

قَوْلُهُ: (وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) أَيِ: ابْنُ عُقْبَةَ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي مُوسَى الْمَذْكُورِ قَبْلَهُ، وَقَدْ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِهِ مَوْصُولًا فِي فَوَائِدِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمِصْرِيِّ مِنْ رِوَايَةِ السَّلَفِيِّ، عَنِ الثَّقَفِيِّ، عَنِ ابْنِ بَشْرَانَ عَنْهُ عَنْ يُوسُفَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ أَبِي عَبَّادٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ نَافِعٍ بِهِ.

قَوْلُهُ: (وَجُوَيْرِيَةُ) أَيِ: ابْنُ أَسْمَاءَ، وَصَلَهُ أَبُو يَعْلَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ عَنْهُ عَنْ نَافِعٍ وَفِيهِ الزِّيَادَةُ.

قَوْلُهُ: (وَابْنُ إِسْحَاقَ) وَصَلَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (فِي النِّقَابِ وَالْقُفَّازَيْنِ) أَيْ: فِي ذِكْرِهِمَا فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ. وَالْقُفَّازُ - بِضَمِّ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ وَبَعْدَ الْأَلْفِ زَايٌ -: مَا تَلْبَسُهُ الْمَرْأَةُ فِي يَدِهَا فَيُغَطِّي أَصَابِعَهَا وَكَفَّيْهَا عِنْدَ مُعَانَاةِ الشَّيْءِ كَغَزْلٍ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ لِلْيَدِ كَالْخُفِّ لِلرِّجْلِ. وَالنِّقَابُ الْخِمَارُ الَّذِي يُشَدُّ عَلَى الْأَنْفِ أَوْ تَحْتَ الْمَحَاجِرِ، وَظَاهِرُهُ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِالْمَرْأَةِ، وَلَكِنَّ الرِّجْلَ فِي الْقُفَّازِ مِثْلُهَا لِكَوْنِهِ فِي مَعْنَى الْخُفِّ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُحِيطٌ بِجُزْءٍ مِنَ الْبَدَنِ، وَأَمَّا النِّقَابُ فَلَا يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ مِنْ جِهَةِ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ تَغْطِيَةُ وَجْهِهِ عَلَى الرَّاجِحِ كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ) يَعْنِي: ابْنَ عُمَرَ الْعُمَرِيَّ (وَلَا وَرْسَ) وَكَانَ يَقُولُ: لَا تَتَنَقَّبُ الْمُحْرِمَةُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ يَعْنِي: أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ الْمَذْكُورَ خَالَفَ الْمَذْكُورِينَ قَبْلُ فِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ نَافِعٍ فَوَافَقَهُمْ عَلَى رَفْعِهِ إِلَى قَوْلِهِ: زَعْفَرَانٌ وَلَا وَرْسٌ وَفَصَلَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ فَجَعَلَهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ. وَهَذَا التَّعْلِيقُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ وَصَلَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ، وَحَمَّادِ بْنِ مَسْعَدَةَ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، فَسَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ: وَلَا وَرْسٌ قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِي: ابْنَ عُمَرَ - يَقُولُ: وَلَا تَنْتَقِبُ الْمُحْرِمَةُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ وَرَوَاهُ يَحْيَى القَطَّانُ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ فَاقْتَصَرَ عَلَى الْمُتَّفَقِ عَلَى رَفْعِهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مَالِكٌ إِلَخْ) هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ كَمَا قَالَ، وَالْغَرَضُ أَنَّ مَالِكًا اقْتَصَرَ عَلَى الْمَوْقُوفِ فَقَطْ، وَفِي ذَلِكَ تَقْوِيَةٌ لِرِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَظَهَرَ الْإِدْرَاجِ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ. وَقَدِ اسْتَشْكَلَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ الْحُكْمَ بِالْإِدْرَاجِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ؛ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنِ النِّقَابِ وَالْقُفَّازِ مُفْرَدًا مَرْفُوعًا وَلِلِابْتِدَاءِ بِالنَّهْيِ عَنْهُمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ الْمَرْفُوعَةِ الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهَا، وَقَالَ فِي الِاقْتِرَاحِ: دَعْوَى الْإِدْرَاجِ فِي أَوَّلِ الْمَتْنِ ضَعِيفَةٌ.

وَأُجِيبَ بِأَنَّ الثِّقَاتِ إِذَا اخْتَلَفُوا وَكَانَ مَعَ أَحَدِهِمْ زِيَادَةٌ قُدِّمَتْ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ حَافِظًا، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ أَحْفَظَ، وَالْأَمْرُ هُنَا كَذَلِكَ، فَإِنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فِي نَافِعٍ أَحْفَظُ مِنْ جَمِيعِ مَنْ خَالَفَهُ، وَقَدْ فَصَلَ الْمَرْفُوعَ مِنَ الْمَوْقُوفِ، وَأَمَّا الَّذِي اقتصر عَلَى الْمَوْقُوفِ، فَرَفَعَهُ فَقَدْ شَذَّ بِذَلِكَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَأَمَّا الَّذِي ابْتَدَأَ فِي الْمَرْفُوعِ بِالْمَوْقُوفِ فَإِنَّهُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى، وَكَأَنَّهُ رَأَى أَشْيَاءَ مُتَعَاطِفَةً فَقَدَّمَ وَأَخَّرَ لِجَوَازِ ذَلِكَ عِنْدَهُ، وَمَعَ الَّذِي فَصَلَ زِيَادَةُ عِلْمٍ فَهُوَ أَوْلَى، أَشَارَ إِلَى

ذَلِكَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: فَلِمَ قَالَ بِلَفْظِ: قَالَ وَثَانِيًا بِلَفْظِ: كَانَ يَقُولُ؟ قُلْتُ: لَعَلَّهُ قَالَ ذَلِكَ مَرَّةً، وَهَذَا كَانَ يَقُولُهُ دَائِمًا مُكَرِّرًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَرْوِيَّيْنِ إِمَّا مِنْ جِهَةِ حَذْفِ الْمَرْأَةِ، وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأَوَّلَ بِلَفْظِ: لَا تَتَنَقَّبُ مِنَ التَّفَعُّلِ، وَالثَّانِي مِنَ الِافْتِعَالِ، وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الثَّانِي بِضَمِّ الْبَاءِ عَلَى سَبِيلِ النَّفْيِ لَا غَيْرَ، وَالْأَوَّلَ بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ نَفْيًا وَنَهْيًا. انْتَهَى كَلَامُهُ وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ.

قَوْلُهُ: (وَتَابَعَهُ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ) أَيْ: تَابَعَ مَالِكًا فِي وَقْفِهِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ نَافِعٍ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: وَلَا تَنْتَقِبُ أَيْ: لَا تَسْتُرُ وَجْهَهَا كَمَا تَقَدَّمَ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَمَنَعَهُ الْجُمْهُورُ وَأَجَازَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي مَنْعِهَا مِنْ سَتْرِ وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا بِمَا سِوَى النِّقَابِ وَالْقُفَّازَيْنِ.

قَوْلُهُ: (مَسَّهُ وَرْسٌ. . . إِلَخْ) مَفْهُومُهُ جَوَازُ مَا لَيْسَ فِيهِ وَرْسٌ وَلَا زَعْفَرَانٌ، لَكِنْ أَلْحَقَ الْعُلَمَاءُ بِذَلِكَ أَنْوَاعَ الطِّيبِ لِلِاشْتِرَاكِ فِي الْحُكْمِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَصْبُوغِ بِغَيْرِ الزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِك، وَالْوَرْسُ نَبَاتٌ بِالْيَمَنِ قَالَهُ جَمَاعَةٌ، وَجَزَمَ بِذَلِكَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ ابْنُ الْبَيْطَارِ فِي مُفْرَدَاتِهِ: الْوَرْسُ يُؤْتَى بِهِ مِنَ الْيَمَنِ وَالْهِنْدِ وَالصِّينِ، وَلَيْسَ بِنَبَاتٍ، بَلْ يُشْبِهُ زَهْرَ الْعُصْفُرِ، وَنَبْتُهُ شَيْءٌ يُشْبِهُ الْبَنَفْسِجَ، وَيُقَالُ: إِنَّ الْكُرْكُمَ عُرُوقُهُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ مَنْصُورٍ) هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ، وَالْحَكَمُ هُوَ ابْنُ عُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ: (وَقَصَتْ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي بَابِ كَفَنِ الْمُحْرِمِ وَيَأْتِي فِي بَابِ الْمُحْرِمِ يَمُوتُ بِعَرَفَةَ بَيَانُ اخْتِلَافٍ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ، وَالْمُرَادُ هُنَا قَوْلُهُ: وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا وَهِيَ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا بِلَفْظِ: وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَهُوَ مِنَ الْحَنُوطِ بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ، وَهُوَ الطِّيبُ الَّذِي يُصْنَعُ لِلْمَيِّتِ. وَقَوْلُهُ: (يُبْعَثُ مُلَبِّيًا) (١) أَيْ: عَلَى هَيْئَتِهِ الَّتِي مَاتَ عَلَيْهَا. وَاسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى بَقَاءِ إِحْرَامِهِ خِلَافًا لِلْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ، وَقَدْ تَمَسَّكُوا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظَةٍ اخْتُلِفَ فِي ثُبُوتِهَا وَهِيَ قَوْلُهُ: وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ فَقَالُوا: لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ تَغْطِيَةُ وَجْهِهِ، مَعَ أَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ فِيمَنْ مَاتَ مُحْرِمًا، وَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَأَخَذُوا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَقَالُوا: إِنَّ فِي ثُبُوتِ ذِكْرِ الْوَجْهِ مَقَالًا، وَتَرَدَّدَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي صِحَّتِهِ.

وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: ذِكْرُ الْوَجْهِ غَرِيبٌ وَهُوَ وَهَمٌ مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ نَظَرٌ؛ فَإِنَّ الْحَدِيثَ ظَاهِرُهُ الصِّحَّةُ، وَلَفْظُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ، عَنْ مَنْصُورٍ، وَأَبِي الزُّبَيْرِ، كِلَاهُمَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ مَنْصُورٌ: وَلَا تُغَطُّوا وَجْهَهُ، وَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: وَلَا تَكْشِفُوا وَجْهَهُ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بِلَفْظِ: وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ وَلَا رَأْسَهُ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بِلَفْظِ: وَلَا يُمَسُّ طِيبًا خَارِجَ رَأْسِهِ قَالَ شُعْبَةُ: ثُمَّ حَدَّثَنِي بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ: خَارِجَ رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ. انْتَهَى. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَتَعَلَّقُ بِالتَّطَيُّبِ لَا بِالْكَشْفِ وَالتَّغْطِيَةِ، وَشُعْبَةُ أَحْفَظُ مِنْ كُلِّ مَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ رُوَاتُهُ انْتَقَلَ ذِهْنُهُ مِنَ التَّطَيُّبِ إِلَى التَّغْطِيَةِ. وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ الْحَيِّ تَغْطِيَةُ وَجْهِهِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ الَّذِي يَمُوتُ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ وَاقِعَةُ عَيْنٍ لَا عُمُومَ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا، وَهَذَا الْأَمْرُ لَا يَتَحَقَّقُ وَجُودُهُ فِي غَيْرِهِ، فَيَكُونُ خَاصًّا بِذَلِكَ الرَّجُلِ; وَلَوِ اسْتَمَرَّ بَقَاؤُهُ عَلَى إِحْرَامِهِ لَأُمِرَ بِقَضَاءِ مَنَاسِكِهِ، وَسَيَأْتِي تَرْجَمَةُ الْمُصَنِّفِ بِنَفْيِ ذلك.

وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْقَصَّارِ: لَوْ أُرِيدَ تَعْمِيمُ هذا الْحُكْمِ فِي كُلِّ مُحْرِمٍ لَقَالَ: فَإِنَّ الْمُحْرِمَ كَمَا جَاءَ: إِنَّ الشَّهِيدَ يُبْعَثُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

للمحرم أن يتزوَّج كما يجوز له أن يشتري الجارية للوطء، وتُعقِّب بأنَّه قياسٌ في معارضة السُّنَّة، فلا يُعتبَر به.

(١٣) (بابُ مَا يُنْهَى) عنه (مِنَ) استعمال (الطِّيبِ لِلْمُحْرِمِ وَالمُحْرِمَةِ) لأنَّه من دواعي الجماع ومقدِّماته المفسدة للإحرام، وعند البزَّار من حديث ابن عمر: «الحاجُّ: الشَّعِثُ التَّفِلُ» -بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وكسر الفاء- الذي ترك استعمال الطِّيب (وَقَالَتْ عَائِشَةُ ) ممَّا وصله البيهقيُّ: (لَا تَلْبَسُ) المرأة (المُحْرِمَةُ ثَوْبًا) مصبوغًا (بِوَرْسٍ) بفتح الواو وسكون الرَّاء ثمَّ سينٍ مهملةٍ: نبتٌ أصفر تُصبَغ به الثِّياب (أَوْ زَعْفَرَانٍ) ومطابقته للتَّرجمة من حيث إنَّ المصبوغ بهما تفوح له رائحةٌ كالطِّيب.

١٨٣٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ) من الزِّيادة، المقري مولى آل عمر قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام قال: (حَدَّثَنَا نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ) لم يُسَمَّ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنَ الثِّيَابِ فِي الإِحْرَامِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ : لَا تَلْبَسُوا القَمِيصَ) بالإفراد، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «القُمُص» بضمِّ القاف والميم؛ بالجمع (وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ) جمع سراويلَ غير منصرفٍ، قيل: لأنَّه منقولٌ عن الجمع بصيغة «مفاعيل»، وأنَّ واحده سروالةٌ، وقيل: لأنَّه أعجميٌّ، على أنَّ ابن الحاجب حكى: أنَّ من العرب من يصرفه،

وهي مُؤنَّثةٌ عند الجمهور (وَلَا العَمَائِمَ) جمع عمامةٍ، سُمِّيت بذلك لأنَّها تعمُّ جميع الرَّأس بالتَّغطية (وَلَا البَرَانِسَ) جمع بُرنُسٍ؛ بضمِّ الباء والنُّون: قلنسوةٌ طويلةٌ كان النُّسَّاك في صدر الإسلام يلبسونها، وزاد في «باب ما لا يلبس المحرم من الثِّياب» [خ¦١٥٤٢]: «ولا الخِفَاف» (إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلَانِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْ) أي: الخفَّين (أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ) وهما العظمان النَّاتئان عند ملتقى السَّاق والقدم، وهذا قول مالكٍ والشَّافعيِّ، وذهب المتأخِّرون من الحنفيَّة: إلى التَّفرقة (١) بين الكعب في (٢) غسل القدمين في الوضوء والكعب (٣) المذكور في قطع الخفَّين (٤) للمحرم، وأنَّ المراد بالكعب هنا المِفْصَلُ الذي في القدم عند معقد الشِّراك دون النَّاتئ (٥)، وأنكره الأصمعيُّ (٦)، ولا فدية عليه، وقال الحنفيَّة: عليه الفدية، وقال الحنابلة: لا يقطعهما ولا فدية عليه، واحتجُّوا بحديث ابن عبَّاسٍ الآتي -إن شاء الله تعالى- أي الباب الآتي بعد هذا الباب [خ¦١٨٤١] ولفظه: «من لم يجد النَّعلين فليلبس الخفَّين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل»، وأُجيب بأنَّه مطلقٌ وحديث الباب مُقيَّدٌ، فيُحمَل المطلق على المُقيَّد لأنَّ الزِّيادة من الثِّقة مقبولةٌ، وقد وقع السُّؤال عمَّا يلبس المحرم؟ وأُجيب بما لا يلبس ليدلَّ بالالتزام من طريق المفهوم على ما يجوز، وإنَّما عدل عن الجواب المطابق إلى هذا الجواب لأنَّه أخصر، فإنَّ ما يحرم أقلُّ وأضبط ممَّا يحلُّ، أو لأنَّ السُّؤال كان من حقِّه أن يكون عمَّا لا يلبس لأنَّ الحكم العارض المحتاج إلى البيان هو الحرمة، وأمَّا جواز ما يلبس فثابتٌ بالأصل، معلومٌ بالاستصحاب فلذلك أتى بالجواب على وفقه تنبيهًا على ذلك، والحاصل: أنَّه نبَّه بالقميص والسَّراويل على جميع ما في معناهما، وهو ما كان مخيطًا أو معمولًا على قدر

البدن أو العضو؛ كالجوشن والرَّان والتُّبَّان وغيرها، وبالعمائم والبرانس: على كلِّ ساترٍ للرَّأس مخيطًا كان (١) أو غيره حتَّى العصابة فإنَّها حرامٌ، ونبَّه بالخِفاف على كلِّ ساترٍ للرِّجل من مداسٍ وغيره، وهذا الحكم خاصٌّ بالرِّجال؛ بدليل توجيه الخطاب نحوهم.

(وَلَا تَلْبَسُوا) في حال الإحرام (شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ، وَلَا الوَرْسُ) ولا ما في معناهما ممَّا يُقصَد به (٢) رائحته غالبًا كالمسك (٣) والعود والورد، فيحرم مع وجوب الفدية بالتَّطيُّب، ولو كان أخشم في ملبوسه ولو نعلًا، أو بدنه ولو باطنًا بنحو أكلٍ قياسًا على الملبوس المذكور في الحديث، لا ما يقصد به الأكل أو التَّداوي، وإن كان له رائحةٌ طيِّبةٌ كالتُّفَّاح والأُتْرُجِّ والقرنفل والدَّارصينيِّ (٤)، وسائر الأبازير الطَّيِّبة كالفلفل والمُصْطَكَى فلا تجب فيه الفدية لأنَّه إنَّما يقصد منه الأكل أو التَّداوي -كما مرَّ- ولا ما ينبت بنفسه وإن كان له رائحةٌ طيِّبةٌ كالشِّيح والقيصوم والخزامى لأنَّه لا يُعَدُّ طيبًا وإلَّا لاستُنبِت وتُعهِّد كالورد، ولا بالعصفر (٥) والحنَّاء وإن كان لهما رائحةٌ طيِّبةٌ (٦) لأنَّه إنَّما يُقصَد منه لونه، وتجب الفدية في النَّرجس والرَّيحان الفارسيِّ؛ وهو الضَّيمُران (٧) بفتح المعجمة وضمِّ الميم كما ضبطه النَّوويُّ، قال في «المهمَّات»: لكنَّه لغةٌ قليلةٌ، والمعروف المجزوم به في «الصِّحاح»: أنَّه الضَّومَران -بالواو وفتح الميم (٨) -: وهو نبتٌ برِّيٌّ، وقال ابن يونس:

المرسين، وقوله: ولا الوَرْس؛ بفتح الواو وسكون الرَّاء، آخره مهملةٌ: أشهر طيبٍ في بلاد اليمن، والحكمة من (١) تحريم الطِّيب: البعد عن التَّنعُّم وملاذِّ الدُّنيا، ولأنَّه أحد دواعي الجماع، وهذا الحكم المذكور يعمُّ الرَّجل والمرأة.

(وَلَا تَنْتَقِبُِ المَرْأَةُ) بنونٍ ساكنةٍ بعد تاء المضارعة وكسر القاف، وجزم الفعل على النَّهي، فيُكسَر لالتقاء السَّاكنين، ويجوز رفعه على أنَّه خبرٌ عن حكم الله لأنَّه جوابٌ عن السُّؤال عن ذلك، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ولا تَتَنقَّب» -بمُثنَّاتين فوقيَّتين مفتوحتين والقاف المُشدَّدة- المرأة (المُحْرِمَةُ وَلَا تَلْبَسِ القُفَّازَيْنِ) تثنية قُفَّازٍ؛ بضمِّ القاف وتشديد الفاء بوزن رُمَّانٍ، في «القاموس»: شيءٌ يُعمَل لليدين يُحشَى بقطنٍ تلبسهما المرأة للبرد، أو ضربٌ من الحليِّ لليدين والرِّجلين، وقال غيره: هو ما تلبسه المرأة في يديها (٢) فيغطِّي أصابعها وكفَّيها عند معاناة الشَّيء في غزلٍ ونحوه، وروى أحمد وأبو داود والحاكم من طريق ابن إسحاق: حدَّثني نافعٌ عن ابن عمر: أنَّه سمع رسول الله ينهى النِّساء في إحرامهنَّ عن القفَّازين والنِّقاب وما مسَّ الورس والزَّعفران من الثِّياب. ولتلبس (٣) بعد ذلك ما أحبَّت من ألوان الثِّياب، فيُباح لها ستر جميع بدنها بكلِّ ساترٍ مخيطًا كان أو غيره إلَّا وجهها فإنَّه حرامٌ، وكذا ستر الكفَّين بقفَّازين أو أحدهما بأحدهما لأنَّ القفَّازين ملبوسُ عضوٍ ليس بعورةٍ، فأشبه خفَّ الرِّجل، ويجوز سترهما بغيرهما ككُمٍّ وخرقةٍ لفَّتها عليهما للحاجة إليه ومشقَّة الاحتراز عنه، نعم يُعفَى عمَّا تستره من الوجه احتياطًا للرَّأس؛ إذ لا يمكن استيعاب ستره إلَّا بستر قدرٍ يسيرٍ ممَّا يليه من الوجه، والمحافظة على ستره بكماله لكونه عورةٌ أَولى من المحافظة على كشف ذلك القدر من الوجه، ويُؤخَذ من هذا التَّعليل: أنَّ الأمة لا تستر ذلك لأنَّ رأسها ليس بعورةٍ، لكن قال في «المجموع»: ما ذُكِر في إحرام المرأة ولبسها لم يفرِّقوا فيه بين الحرَّة والأَمَة، وهو المذهب، وللمرأة أن ترخي على وجهها ثوبًا متجافيًا عنه بخشبةٍ أو نحوها، فإن أصاب الثَّوب وجهها بلا اختيارٍ فرفعته فورًا فلا فدية، وإلَّا وجبت مع الإثم.

(تَابَعَهُ) أي: تابع اللَّيثَ (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) المدنيُّ الأسديُّ فيما وصله النَّسائيُّ وأبو داود

مرفوعًا (وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ) ابن أخي موسى السَّابق ممَّا وصله عليُّ بن محمَّدٍ المصريُّ في «فوائده» من رواية الحافظ السِّلَفيِّ (وَجُوَيْرِيَةُ) بن أسماء، ممَّا وصله أبو يَعلى الموصليُّ (وَابْنُ إِسْحَاقَ) محمَّدٌ ممَّا وصله أحمد والحاكم مرفوعًا (فِي) ذكر (النِّقَابِ) وهو الخمار الذي تشدُّه المرأة على الأنف أو تحت المحاجر، فإن قرب من العين حتَّى لا تبدو أجفانها فهو الوَصْواص -بفتح الواو وسكون الصَّاد المهملة الأولى- فإن نزل إلى طرف الأنف فهو اللِّفام -بكسر اللَّام وبالفاء- فإن نزل إلى الفم ولم يكن على الأرنبة منه شيءٌ فهو اللِّثام؛ بالمُثلَّثة (وَالقُفَّازَيْنِ) وظاهره اختصاص ذلك بالمرأة، ولكنَّ الرَّجل في القفَّاز مثلها لكونه في معنى الخفِّ، فإنَّ كلًّا منهما محيطٌ بجزءٍ من البدن، وأمَّا النِّقاب فلا يحرم على الرَّجل من جهة الإحرام لأنَّه لا يحرم عليه تغطية وجهه.

(وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين وفتح المُوحَّدة مُصغَّرًا ابن عمر العمريُّ، ممَّا وصله إسحاق ابن رَاهُوْيَه في «مسنده» وابن خزيمة (وَلَا وَرْسٌ) فوافق الأربعة المذكورين في رواية الحديث المذكور عن نافعٍ؛ حيث جعل الحديث إلى قوله: «ولا ورسٌ» مرفوعًا، ثمَّ خالفهم ففصل بقيَّة الحديث، فجعله من قول ابن عمر أدرجه في الحديث، فقال: (وَكَانَ يَقُولُ: لَا تَتَنَقَّبُِ المُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسُِ القُفَّازَيْنِ) بالجزم على النَّهي في: «تتنقَّب» و «تلبس» والكسر لالتقاء السَّاكنين، ويجوز رفعهما على الخبر كما مرَّ، و «تتنقَّب»: بمُثنَّاتين فوقيَّتين من «التَّفعُّل».

(وَقَالَ مَالِكٌ) الإمام الأعظم، ممَّا هو في «مُوطَّئه»: (عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ) : (لَا تَتَنَقَّبِ المُحْرِمَةُ، وَتَابَعَهُ) أي: تابع مالكًا (لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ) بضمِّ السِّين المهملة وفتح اللَّام، ابن زُنَيمٍ القرشيُّ الكوفيُّ في وقفه، وفيه تقويةٌ لعبيد الله العمريِّ، وظهر الإدراج في رواية غيره، وقد استشكل ابن دقيق العيد الحكم بالإدراج في هذا الحديث لورود النَّهي عن النِّقاب والقفَّاز مفردًا مرفوعًا، وللابتداء بالنَّهي عنهما في رواية ابن إسحاق المرفوعة، المذكورة فيما سبق من رواية أحمد وأبي داود والحاكم، وقال في «الاقتراح»: دعوى الإدراج في أوَّل المتن ضعيفةٌ، وأُجيب بأنَّ الثِّقات إذا اختلفوا وكان مع أحدهم زيادةٌ قدِّمت، ولا سيَّما إن كان حافظًا، خصوصًا إن كان أحفظ، والأمر هنا كذلك، فإنَّ عبيد الله بن عمر في نافعٍ أحفظُ من جميع من خالفه (١)، وقد فَصَلَ المرفوعَ من

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ، وَلَا أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْخَصَائِصِ، وَقَدْ تَرْجَمَ فِي النِّكَاحِ بَابَ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى إِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَمُرَادُهُ بِالنِّكَاحِ التَّزْوِيجُ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى إِفْسَادِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِالْجِمَاعِ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَزْوِيجِ مَيْمُونَةَ، فَالْمَشْهُورُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَصَحَّ نَحْوُهُ عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَجَاءَ عَنْ مَيْمُونَةَ نَفْسِهَا أَنَّهُ كَانَ حَلَالًا، وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ مِثْلُهُ وَأَنَّهُ كَانَ الرَّسُولَ إِلَيْهَا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى الْمَنْعِ لِحَدِيثِ عُثْمَانَ: لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ بِأَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي الْوَاقِعَةِ كَيْفَ كَانَتْ، وَلَا تَقُومُ بِهَا الْحُجَّةُ، وَلِأَنَّهَا تَحْتَمِلُ الْخُصُوصِيَّةَ، فَكَانَ الْحَدِيثُ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ أَوْلَى بِأَنْ يُؤْخَذَ بِهِ. وَقَالَ عَطَاءٌ، وَعِكْرِمَةُ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ: يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَتَزَوَّجَ كَمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْجَارِيَةَ لِلْوَطْءِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ قِيَاسٌ فِي مُعَارَضَةِ السُّنَّةِ فَلَا يُعْتَبَرُ بِهِ. وَأَمَّا تَأْوِيلُهُمْ حَدِيثَ عُثْمَانَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْوَطْءُ فَمُتَعَقَّبٌ بِالتَّصْرِيحِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: وَلَا يُنْكِحُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَبِقَوْلِهِ فِيهِ: وَلَا يَخْطُبُ.

١٣ - بَاب مَا يُنْهَى مِنْ الطِّيبِ لِلْمُحْرِمِ وَالْمُحْرِمَةِ

وَقَالَتْ عَائِشَةُ : لَا تَلْبَسْ الْمُحْرِمَةُ ثَوْبًا بِوَرْسٍ أَوْ زَعْفَرَانٍ

١٨٣٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، قَالَ: قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنْ الثِّيَابِ فِي الْإِحْرَامِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ : لَا تَلْبَسُوا الْقَمِيصَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا الْبَرَانِسَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلَانِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْ أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلَا الْوَرْسُ، وَلَا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ. تَابَعَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، وَجُوَيْرِيَةُ، وَابْنُ إِسْحَاقَ فِي النِّقَابِ وَالْقُفَّازَيْنِ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: وَلَا وَرْسٌ. وَكَانَ يَقُولُ: لَا تَنْتَقِبْ الْمُحْرِمَةُ وَلَا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ. وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ: لَا تَتَنَقَّبْ الْمُحْرِمَةُ. وَتَابَعَهُ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ.

١٨٣٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ الْحَكَمِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَقَصَتْ بِرَجُلٍ مُحْرِمٍ نَاقَتُهُ فَقَتَلَتْهُ، فَأُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ: اغْسِلُوهُ وَكَفِّنُوهُ وَلَا تُغَطُّوا رَأْسَهُ وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يُهِلُّ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُنْهَى) أَيْ: عَنْهُ (مِنَ الطِّيبِ لِلْمُحْرِمِ وَالْمُحْرِمَةِ) أَيْ: أَنَّهُمَا فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي أَشْيَاءَ هَلْ تُعَدُّ طِيبًا أَوْ لَا؟ وَالْحِكْمَةُ فِي مَنْعِ الْمُحْرِمِ مِنَ الطِّيبِ أَنَّهُ مِنْ دَوَاعِي الْجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاتِهِ الَّتِي تُفْسِدُ الْإِحْرَامَ، وَبِأَنَّهُ يُنَافِي حَالَ الْمُحْرِمِ، فَإِنَّ الْمُحْرِمَ أَشْعَثُ أَغْبَرُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَا تَلْبَسُ الْمُحْرِمَةُ ثَوْبًا بِوَرْسٍ أَوْ زَعْفَرَانٍ) وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: الْمُحْرِمَةُ تَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ مَا شَاءَتْ

إِلَّا ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ أَوْ زَعْفَرَانٌ، وَلَا تَبَرْقَعُ وَلَا تَلَثَّمُ، وَتُسْدِلُ الثَّوْبَ عَلَى وَجْهِهَا إِنْ شَاءَتْ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْبَابِ أَنَّ الْمَرْأَةَ كَالرَّجُلِ فِي مَنْعِ الطِّيبِ إِجْمَاعًا. وَرَوَى أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ أَصْلَ حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَنْهَى النِّسَاءَ فِي إِحْرَامِهِنَّ عَنِ الْقُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ وَمَا مَسَّ الْوَرْسَ وَالزَّعْفَرَانَ مِنَ الثِّيَابِ، وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحَبَّتْ مِنْ أَلْوَانِ الثِّيَابِ ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ: قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ؟ الْحَدِيثَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْحَجِّ مَعَ سَائِرِ مَبَاحِثِهِ فِي بَابِ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ وَزَادَ فِيهِ هُنَا: وَلَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ وَذَكَرَ الِاخْتِلَافَ فِي رَفْعِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ وَوَقْفِهَا، وَسَأُبَيِّنُ مَا فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) وَصَلَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْهُ عَنْ نَافِعٍ فِي آخِرِ الزِّيَادَةِ الْمَذْكُورَةِ قَبْلُ.

قَوْلُهُ: (وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) أَيِ: ابْنُ عُقْبَةَ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي مُوسَى الْمَذْكُورِ قَبْلَهُ، وَقَدْ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِهِ مَوْصُولًا فِي فَوَائِدِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمِصْرِيِّ مِنْ رِوَايَةِ السَّلَفِيِّ، عَنِ الثَّقَفِيِّ، عَنِ ابْنِ بَشْرَانَ عَنْهُ عَنْ يُوسُفَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ أَبِي عَبَّادٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ نَافِعٍ بِهِ.

قَوْلُهُ: (وَجُوَيْرِيَةُ) أَيِ: ابْنُ أَسْمَاءَ، وَصَلَهُ أَبُو يَعْلَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ عَنْهُ عَنْ نَافِعٍ وَفِيهِ الزِّيَادَةُ.

قَوْلُهُ: (وَابْنُ إِسْحَاقَ) وَصَلَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (فِي النِّقَابِ وَالْقُفَّازَيْنِ) أَيْ: فِي ذِكْرِهِمَا فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ. وَالْقُفَّازُ - بِضَمِّ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ وَبَعْدَ الْأَلْفِ زَايٌ -: مَا تَلْبَسُهُ الْمَرْأَةُ فِي يَدِهَا فَيُغَطِّي أَصَابِعَهَا وَكَفَّيْهَا عِنْدَ مُعَانَاةِ الشَّيْءِ كَغَزْلٍ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ لِلْيَدِ كَالْخُفِّ لِلرِّجْلِ. وَالنِّقَابُ الْخِمَارُ الَّذِي يُشَدُّ عَلَى الْأَنْفِ أَوْ تَحْتَ الْمَحَاجِرِ، وَظَاهِرُهُ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِالْمَرْأَةِ، وَلَكِنَّ الرِّجْلَ فِي الْقُفَّازِ مِثْلُهَا لِكَوْنِهِ فِي مَعْنَى الْخُفِّ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُحِيطٌ بِجُزْءٍ مِنَ الْبَدَنِ، وَأَمَّا النِّقَابُ فَلَا يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ مِنْ جِهَةِ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ تَغْطِيَةُ وَجْهِهِ عَلَى الرَّاجِحِ كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ) يَعْنِي: ابْنَ عُمَرَ الْعُمَرِيَّ (وَلَا وَرْسَ) وَكَانَ يَقُولُ: لَا تَتَنَقَّبُ الْمُحْرِمَةُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ يَعْنِي: أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ الْمَذْكُورَ خَالَفَ الْمَذْكُورِينَ قَبْلُ فِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ نَافِعٍ فَوَافَقَهُمْ عَلَى رَفْعِهِ إِلَى قَوْلِهِ: زَعْفَرَانٌ وَلَا وَرْسٌ وَفَصَلَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ فَجَعَلَهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ. وَهَذَا التَّعْلِيقُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ وَصَلَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ، وَحَمَّادِ بْنِ مَسْعَدَةَ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، فَسَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ: وَلَا وَرْسٌ قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِي: ابْنَ عُمَرَ - يَقُولُ: وَلَا تَنْتَقِبُ الْمُحْرِمَةُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ وَرَوَاهُ يَحْيَى القَطَّانُ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ فَاقْتَصَرَ عَلَى الْمُتَّفَقِ عَلَى رَفْعِهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مَالِكٌ إِلَخْ) هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ كَمَا قَالَ، وَالْغَرَضُ أَنَّ مَالِكًا اقْتَصَرَ عَلَى الْمَوْقُوفِ فَقَطْ، وَفِي ذَلِكَ تَقْوِيَةٌ لِرِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَظَهَرَ الْإِدْرَاجِ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ. وَقَدِ اسْتَشْكَلَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ الْحُكْمَ بِالْإِدْرَاجِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ؛ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنِ النِّقَابِ وَالْقُفَّازِ مُفْرَدًا مَرْفُوعًا وَلِلِابْتِدَاءِ بِالنَّهْيِ عَنْهُمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ الْمَرْفُوعَةِ الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهَا، وَقَالَ فِي الِاقْتِرَاحِ: دَعْوَى الْإِدْرَاجِ فِي أَوَّلِ الْمَتْنِ ضَعِيفَةٌ.

وَأُجِيبَ بِأَنَّ الثِّقَاتِ إِذَا اخْتَلَفُوا وَكَانَ مَعَ أَحَدِهِمْ زِيَادَةٌ قُدِّمَتْ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ حَافِظًا، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ أَحْفَظَ، وَالْأَمْرُ هُنَا كَذَلِكَ، فَإِنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فِي نَافِعٍ أَحْفَظُ مِنْ جَمِيعِ مَنْ خَالَفَهُ، وَقَدْ فَصَلَ الْمَرْفُوعَ مِنَ الْمَوْقُوفِ، وَأَمَّا الَّذِي اقتصر عَلَى الْمَوْقُوفِ، فَرَفَعَهُ فَقَدْ شَذَّ بِذَلِكَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَأَمَّا الَّذِي ابْتَدَأَ فِي الْمَرْفُوعِ بِالْمَوْقُوفِ فَإِنَّهُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى، وَكَأَنَّهُ رَأَى أَشْيَاءَ مُتَعَاطِفَةً فَقَدَّمَ وَأَخَّرَ لِجَوَازِ ذَلِكَ عِنْدَهُ، وَمَعَ الَّذِي فَصَلَ زِيَادَةُ عِلْمٍ فَهُوَ أَوْلَى، أَشَارَ إِلَى

ذَلِكَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: فَلِمَ قَالَ بِلَفْظِ: قَالَ وَثَانِيًا بِلَفْظِ: كَانَ يَقُولُ؟ قُلْتُ: لَعَلَّهُ قَالَ ذَلِكَ مَرَّةً، وَهَذَا كَانَ يَقُولُهُ دَائِمًا مُكَرِّرًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَرْوِيَّيْنِ إِمَّا مِنْ جِهَةِ حَذْفِ الْمَرْأَةِ، وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأَوَّلَ بِلَفْظِ: لَا تَتَنَقَّبُ مِنَ التَّفَعُّلِ، وَالثَّانِي مِنَ الِافْتِعَالِ، وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الثَّانِي بِضَمِّ الْبَاءِ عَلَى سَبِيلِ النَّفْيِ لَا غَيْرَ، وَالْأَوَّلَ بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ نَفْيًا وَنَهْيًا. انْتَهَى كَلَامُهُ وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ.

قَوْلُهُ: (وَتَابَعَهُ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ) أَيْ: تَابَعَ مَالِكًا فِي وَقْفِهِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ نَافِعٍ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: وَلَا تَنْتَقِبُ أَيْ: لَا تَسْتُرُ وَجْهَهَا كَمَا تَقَدَّمَ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَمَنَعَهُ الْجُمْهُورُ وَأَجَازَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي مَنْعِهَا مِنْ سَتْرِ وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا بِمَا سِوَى النِّقَابِ وَالْقُفَّازَيْنِ.

قَوْلُهُ: (مَسَّهُ وَرْسٌ. . . إِلَخْ) مَفْهُومُهُ جَوَازُ مَا لَيْسَ فِيهِ وَرْسٌ وَلَا زَعْفَرَانٌ، لَكِنْ أَلْحَقَ الْعُلَمَاءُ بِذَلِكَ أَنْوَاعَ الطِّيبِ لِلِاشْتِرَاكِ فِي الْحُكْمِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَصْبُوغِ بِغَيْرِ الزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِك، وَالْوَرْسُ نَبَاتٌ بِالْيَمَنِ قَالَهُ جَمَاعَةٌ، وَجَزَمَ بِذَلِكَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ ابْنُ الْبَيْطَارِ فِي مُفْرَدَاتِهِ: الْوَرْسُ يُؤْتَى بِهِ مِنَ الْيَمَنِ وَالْهِنْدِ وَالصِّينِ، وَلَيْسَ بِنَبَاتٍ، بَلْ يُشْبِهُ زَهْرَ الْعُصْفُرِ، وَنَبْتُهُ شَيْءٌ يُشْبِهُ الْبَنَفْسِجَ، وَيُقَالُ: إِنَّ الْكُرْكُمَ عُرُوقُهُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ مَنْصُورٍ) هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ، وَالْحَكَمُ هُوَ ابْنُ عُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ: (وَقَصَتْ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي بَابِ كَفَنِ الْمُحْرِمِ وَيَأْتِي فِي بَابِ الْمُحْرِمِ يَمُوتُ بِعَرَفَةَ بَيَانُ اخْتِلَافٍ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ، وَالْمُرَادُ هُنَا قَوْلُهُ: وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا وَهِيَ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا بِلَفْظِ: وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَهُوَ مِنَ الْحَنُوطِ بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ، وَهُوَ الطِّيبُ الَّذِي يُصْنَعُ لِلْمَيِّتِ. وَقَوْلُهُ: (يُبْعَثُ مُلَبِّيًا) (١) أَيْ: عَلَى هَيْئَتِهِ الَّتِي مَاتَ عَلَيْهَا. وَاسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى بَقَاءِ إِحْرَامِهِ خِلَافًا لِلْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ، وَقَدْ تَمَسَّكُوا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظَةٍ اخْتُلِفَ فِي ثُبُوتِهَا وَهِيَ قَوْلُهُ: وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ فَقَالُوا: لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ تَغْطِيَةُ وَجْهِهِ، مَعَ أَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ فِيمَنْ مَاتَ مُحْرِمًا، وَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَأَخَذُوا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَقَالُوا: إِنَّ فِي ثُبُوتِ ذِكْرِ الْوَجْهِ مَقَالًا، وَتَرَدَّدَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي صِحَّتِهِ.

وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: ذِكْرُ الْوَجْهِ غَرِيبٌ وَهُوَ وَهَمٌ مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ نَظَرٌ؛ فَإِنَّ الْحَدِيثَ ظَاهِرُهُ الصِّحَّةُ، وَلَفْظُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ، عَنْ مَنْصُورٍ، وَأَبِي الزُّبَيْرِ، كِلَاهُمَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ مَنْصُورٌ: وَلَا تُغَطُّوا وَجْهَهُ، وَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: وَلَا تَكْشِفُوا وَجْهَهُ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بِلَفْظِ: وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ وَلَا رَأْسَهُ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بِلَفْظِ: وَلَا يُمَسُّ طِيبًا خَارِجَ رَأْسِهِ قَالَ شُعْبَةُ: ثُمَّ حَدَّثَنِي بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ: خَارِجَ رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ. انْتَهَى. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَتَعَلَّقُ بِالتَّطَيُّبِ لَا بِالْكَشْفِ وَالتَّغْطِيَةِ، وَشُعْبَةُ أَحْفَظُ مِنْ كُلِّ مَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ رُوَاتُهُ انْتَقَلَ ذِهْنُهُ مِنَ التَّطَيُّبِ إِلَى التَّغْطِيَةِ. وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ الْحَيِّ تَغْطِيَةُ وَجْهِهِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ الَّذِي يَمُوتُ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ وَاقِعَةُ عَيْنٍ لَا عُمُومَ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا، وَهَذَا الْأَمْرُ لَا يَتَحَقَّقُ وَجُودُهُ فِي غَيْرِهِ، فَيَكُونُ خَاصًّا بِذَلِكَ الرَّجُلِ; وَلَوِ اسْتَمَرَّ بَقَاؤُهُ عَلَى إِحْرَامِهِ لَأُمِرَ بِقَضَاءِ مَنَاسِكِهِ، وَسَيَأْتِي تَرْجَمَةُ الْمُصَنِّفِ بِنَفْيِ ذلك.

وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْقَصَّارِ: لَوْ أُرِيدَ تَعْمِيمُ هذا الْحُكْمِ فِي كُلِّ مُحْرِمٍ لَقَالَ: فَإِنَّ الْمُحْرِمَ كَمَا جَاءَ: إِنَّ الشَّهِيدَ يُبْعَثُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

للمحرم أن يتزوَّج كما يجوز له أن يشتري الجارية للوطء، وتُعقِّب بأنَّه قياسٌ في معارضة السُّنَّة، فلا يُعتبَر به.

(١٣) (بابُ مَا يُنْهَى) عنه (مِنَ) استعمال (الطِّيبِ لِلْمُحْرِمِ وَالمُحْرِمَةِ) لأنَّه من دواعي الجماع ومقدِّماته المفسدة للإحرام، وعند البزَّار من حديث ابن عمر: «الحاجُّ: الشَّعِثُ التَّفِلُ» -بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وكسر الفاء- الذي ترك استعمال الطِّيب (وَقَالَتْ عَائِشَةُ ) ممَّا وصله البيهقيُّ: (لَا تَلْبَسُ) المرأة (المُحْرِمَةُ ثَوْبًا) مصبوغًا (بِوَرْسٍ) بفتح الواو وسكون الرَّاء ثمَّ سينٍ مهملةٍ: نبتٌ أصفر تُصبَغ به الثِّياب (أَوْ زَعْفَرَانٍ) ومطابقته للتَّرجمة من حيث إنَّ المصبوغ بهما تفوح له رائحةٌ كالطِّيب.

١٨٣٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ) من الزِّيادة، المقري مولى آل عمر قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام قال: (حَدَّثَنَا نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ) لم يُسَمَّ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنَ الثِّيَابِ فِي الإِحْرَامِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ : لَا تَلْبَسُوا القَمِيصَ) بالإفراد، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «القُمُص» بضمِّ القاف والميم؛ بالجمع (وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ) جمع سراويلَ غير منصرفٍ، قيل: لأنَّه منقولٌ عن الجمع بصيغة «مفاعيل»، وأنَّ واحده سروالةٌ، وقيل: لأنَّه أعجميٌّ، على أنَّ ابن الحاجب حكى: أنَّ من العرب من يصرفه،

وهي مُؤنَّثةٌ عند الجمهور (وَلَا العَمَائِمَ) جمع عمامةٍ، سُمِّيت بذلك لأنَّها تعمُّ جميع الرَّأس بالتَّغطية (وَلَا البَرَانِسَ) جمع بُرنُسٍ؛ بضمِّ الباء والنُّون: قلنسوةٌ طويلةٌ كان النُّسَّاك في صدر الإسلام يلبسونها، وزاد في «باب ما لا يلبس المحرم من الثِّياب» [خ¦١٥٤٢]: «ولا الخِفَاف» (إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلَانِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْ) أي: الخفَّين (أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ) وهما العظمان النَّاتئان عند ملتقى السَّاق والقدم، وهذا قول مالكٍ والشَّافعيِّ، وذهب المتأخِّرون من الحنفيَّة: إلى التَّفرقة (١) بين الكعب في (٢) غسل القدمين في الوضوء والكعب (٣) المذكور في قطع الخفَّين (٤) للمحرم، وأنَّ المراد بالكعب هنا المِفْصَلُ الذي في القدم عند معقد الشِّراك دون النَّاتئ (٥)، وأنكره الأصمعيُّ (٦)، ولا فدية عليه، وقال الحنفيَّة: عليه الفدية، وقال الحنابلة: لا يقطعهما ولا فدية عليه، واحتجُّوا بحديث ابن عبَّاسٍ الآتي -إن شاء الله تعالى- أي الباب الآتي بعد هذا الباب [خ¦١٨٤١] ولفظه: «من لم يجد النَّعلين فليلبس الخفَّين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل»، وأُجيب بأنَّه مطلقٌ وحديث الباب مُقيَّدٌ، فيُحمَل المطلق على المُقيَّد لأنَّ الزِّيادة من الثِّقة مقبولةٌ، وقد وقع السُّؤال عمَّا يلبس المحرم؟ وأُجيب بما لا يلبس ليدلَّ بالالتزام من طريق المفهوم على ما يجوز، وإنَّما عدل عن الجواب المطابق إلى هذا الجواب لأنَّه أخصر، فإنَّ ما يحرم أقلُّ وأضبط ممَّا يحلُّ، أو لأنَّ السُّؤال كان من حقِّه أن يكون عمَّا لا يلبس لأنَّ الحكم العارض المحتاج إلى البيان هو الحرمة، وأمَّا جواز ما يلبس فثابتٌ بالأصل، معلومٌ بالاستصحاب فلذلك أتى بالجواب على وفقه تنبيهًا على ذلك، والحاصل: أنَّه نبَّه بالقميص والسَّراويل على جميع ما في معناهما، وهو ما كان مخيطًا أو معمولًا على قدر

البدن أو العضو؛ كالجوشن والرَّان والتُّبَّان وغيرها، وبالعمائم والبرانس: على كلِّ ساترٍ للرَّأس مخيطًا كان (١) أو غيره حتَّى العصابة فإنَّها حرامٌ، ونبَّه بالخِفاف على كلِّ ساترٍ للرِّجل من مداسٍ وغيره، وهذا الحكم خاصٌّ بالرِّجال؛ بدليل توجيه الخطاب نحوهم.

(وَلَا تَلْبَسُوا) في حال الإحرام (شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ، وَلَا الوَرْسُ) ولا ما في معناهما ممَّا يُقصَد به (٢) رائحته غالبًا كالمسك (٣) والعود والورد، فيحرم مع وجوب الفدية بالتَّطيُّب، ولو كان أخشم في ملبوسه ولو نعلًا، أو بدنه ولو باطنًا بنحو أكلٍ قياسًا على الملبوس المذكور في الحديث، لا ما يقصد به الأكل أو التَّداوي، وإن كان له رائحةٌ طيِّبةٌ كالتُّفَّاح والأُتْرُجِّ والقرنفل والدَّارصينيِّ (٤)، وسائر الأبازير الطَّيِّبة كالفلفل والمُصْطَكَى فلا تجب فيه الفدية لأنَّه إنَّما يقصد منه الأكل أو التَّداوي -كما مرَّ- ولا ما ينبت بنفسه وإن كان له رائحةٌ طيِّبةٌ كالشِّيح والقيصوم والخزامى لأنَّه لا يُعَدُّ طيبًا وإلَّا لاستُنبِت وتُعهِّد كالورد، ولا بالعصفر (٥) والحنَّاء وإن كان لهما رائحةٌ طيِّبةٌ (٦) لأنَّه إنَّما يُقصَد منه لونه، وتجب الفدية في النَّرجس والرَّيحان الفارسيِّ؛ وهو الضَّيمُران (٧) بفتح المعجمة وضمِّ الميم كما ضبطه النَّوويُّ، قال في «المهمَّات»: لكنَّه لغةٌ قليلةٌ، والمعروف المجزوم به في «الصِّحاح»: أنَّه الضَّومَران -بالواو وفتح الميم (٨) -: وهو نبتٌ برِّيٌّ، وقال ابن يونس:

المرسين، وقوله: ولا الوَرْس؛ بفتح الواو وسكون الرَّاء، آخره مهملةٌ: أشهر طيبٍ في بلاد اليمن، والحكمة من (١) تحريم الطِّيب: البعد عن التَّنعُّم وملاذِّ الدُّنيا، ولأنَّه أحد دواعي الجماع، وهذا الحكم المذكور يعمُّ الرَّجل والمرأة.

(وَلَا تَنْتَقِبُِ المَرْأَةُ) بنونٍ ساكنةٍ بعد تاء المضارعة وكسر القاف، وجزم الفعل على النَّهي، فيُكسَر لالتقاء السَّاكنين، ويجوز رفعه على أنَّه خبرٌ عن حكم الله لأنَّه جوابٌ عن السُّؤال عن ذلك، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ولا تَتَنقَّب» -بمُثنَّاتين فوقيَّتين مفتوحتين والقاف المُشدَّدة- المرأة (المُحْرِمَةُ وَلَا تَلْبَسِ القُفَّازَيْنِ) تثنية قُفَّازٍ؛ بضمِّ القاف وتشديد الفاء بوزن رُمَّانٍ، في «القاموس»: شيءٌ يُعمَل لليدين يُحشَى بقطنٍ تلبسهما المرأة للبرد، أو ضربٌ من الحليِّ لليدين والرِّجلين، وقال غيره: هو ما تلبسه المرأة في يديها (٢) فيغطِّي أصابعها وكفَّيها عند معاناة الشَّيء في غزلٍ ونحوه، وروى أحمد وأبو داود والحاكم من طريق ابن إسحاق: حدَّثني نافعٌ عن ابن عمر: أنَّه سمع رسول الله ينهى النِّساء في إحرامهنَّ عن القفَّازين والنِّقاب وما مسَّ الورس والزَّعفران من الثِّياب. ولتلبس (٣) بعد ذلك ما أحبَّت من ألوان الثِّياب، فيُباح لها ستر جميع بدنها بكلِّ ساترٍ مخيطًا كان أو غيره إلَّا وجهها فإنَّه حرامٌ، وكذا ستر الكفَّين بقفَّازين أو أحدهما بأحدهما لأنَّ القفَّازين ملبوسُ عضوٍ ليس بعورةٍ، فأشبه خفَّ الرِّجل، ويجوز سترهما بغيرهما ككُمٍّ وخرقةٍ لفَّتها عليهما للحاجة إليه ومشقَّة الاحتراز عنه، نعم يُعفَى عمَّا تستره من الوجه احتياطًا للرَّأس؛ إذ لا يمكن استيعاب ستره إلَّا بستر قدرٍ يسيرٍ ممَّا يليه من الوجه، والمحافظة على ستره بكماله لكونه عورةٌ أَولى من المحافظة على كشف ذلك القدر من الوجه، ويُؤخَذ من هذا التَّعليل: أنَّ الأمة لا تستر ذلك لأنَّ رأسها ليس بعورةٍ، لكن قال في «المجموع»: ما ذُكِر في إحرام المرأة ولبسها لم يفرِّقوا فيه بين الحرَّة والأَمَة، وهو المذهب، وللمرأة أن ترخي على وجهها ثوبًا متجافيًا عنه بخشبةٍ أو نحوها، فإن أصاب الثَّوب وجهها بلا اختيارٍ فرفعته فورًا فلا فدية، وإلَّا وجبت مع الإثم.

(تَابَعَهُ) أي: تابع اللَّيثَ (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) المدنيُّ الأسديُّ فيما وصله النَّسائيُّ وأبو داود

مرفوعًا (وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ) ابن أخي موسى السَّابق ممَّا وصله عليُّ بن محمَّدٍ المصريُّ في «فوائده» من رواية الحافظ السِّلَفيِّ (وَجُوَيْرِيَةُ) بن أسماء، ممَّا وصله أبو يَعلى الموصليُّ (وَابْنُ إِسْحَاقَ) محمَّدٌ ممَّا وصله أحمد والحاكم مرفوعًا (فِي) ذكر (النِّقَابِ) وهو الخمار الذي تشدُّه المرأة على الأنف أو تحت المحاجر، فإن قرب من العين حتَّى لا تبدو أجفانها فهو الوَصْواص -بفتح الواو وسكون الصَّاد المهملة الأولى- فإن نزل إلى طرف الأنف فهو اللِّفام -بكسر اللَّام وبالفاء- فإن نزل إلى الفم ولم يكن على الأرنبة منه شيءٌ فهو اللِّثام؛ بالمُثلَّثة (وَالقُفَّازَيْنِ) وظاهره اختصاص ذلك بالمرأة، ولكنَّ الرَّجل في القفَّاز مثلها لكونه في معنى الخفِّ، فإنَّ كلًّا منهما محيطٌ بجزءٍ من البدن، وأمَّا النِّقاب فلا يحرم على الرَّجل من جهة الإحرام لأنَّه لا يحرم عليه تغطية وجهه.

(وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين وفتح المُوحَّدة مُصغَّرًا ابن عمر العمريُّ، ممَّا وصله إسحاق ابن رَاهُوْيَه في «مسنده» وابن خزيمة (وَلَا وَرْسٌ) فوافق الأربعة المذكورين في رواية الحديث المذكور عن نافعٍ؛ حيث جعل الحديث إلى قوله: «ولا ورسٌ» مرفوعًا، ثمَّ خالفهم ففصل بقيَّة الحديث، فجعله من قول ابن عمر أدرجه في الحديث، فقال: (وَكَانَ يَقُولُ: لَا تَتَنَقَّبُِ المُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسُِ القُفَّازَيْنِ) بالجزم على النَّهي في: «تتنقَّب» و «تلبس» والكسر لالتقاء السَّاكنين، ويجوز رفعهما على الخبر كما مرَّ، و «تتنقَّب»: بمُثنَّاتين فوقيَّتين من «التَّفعُّل».

(وَقَالَ مَالِكٌ) الإمام الأعظم، ممَّا هو في «مُوطَّئه»: (عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ) : (لَا تَتَنَقَّبِ المُحْرِمَةُ، وَتَابَعَهُ) أي: تابع مالكًا (لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ) بضمِّ السِّين المهملة وفتح اللَّام، ابن زُنَيمٍ القرشيُّ الكوفيُّ في وقفه، وفيه تقويةٌ لعبيد الله العمريِّ، وظهر الإدراج في رواية غيره، وقد استشكل ابن دقيق العيد الحكم بالإدراج في هذا الحديث لورود النَّهي عن النِّقاب والقفَّاز مفردًا مرفوعًا، وللابتداء بالنَّهي عنهما في رواية ابن إسحاق المرفوعة، المذكورة فيما سبق من رواية أحمد وأبي داود والحاكم، وقال في «الاقتراح»: دعوى الإدراج في أوَّل المتن ضعيفةٌ، وأُجيب بأنَّ الثِّقات إذا اختلفوا وكان مع أحدهم زيادةٌ قدِّمت، ولا سيَّما إن كان حافظًا، خصوصًا إن كان أحفظ، والأمر هنا كذلك، فإنَّ عبيد الله بن عمر في نافعٍ أحفظُ من جميع من خالفه (١)، وقد فَصَلَ المرفوعَ من

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله