الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٨٦٤
الحديث رقم ١٨٦٤ من كتاب «باب جزاء الصيد ونحوه» في صحيح البخاري، تحت باب: باب حج النساء.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى الْكَعْبَةِ
١٨٦٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ قَزَعَةَ مَوْلَى زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ ، وَقَدْ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً، قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
حَجَّةً أَوْ حَجَّةً مَعِي رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ
١٨٦٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ قَزَعَةَ مَوْلَى زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ وَقَدْ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً قَالَ: أَرْبَعٌ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ قَالَ: يُحَدِّثُهُنَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَأَعْجَبْنَنِي وَآنَقْنَنِي: أَنْ لَا تُسَافِرَ امْرَأَةٌ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ لَيْسَ مَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا صَوْمَ يَوْمَيْنِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاتَيْنِ: بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى.
قَوْلُهُ: (بَابُ حَجِّ النِّسَاءِ) أَيْ: هَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى حَجِّ الرِّجَالِ أَوْ لَا؟ ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ عِدَّةَ أَحَادِيثَ.
الأول: قَوْلُهُ: (وَقَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ أَذِنَ عُمَرُ) أَيِ: ابْنُ الْخَطَّابِ (لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا فَبَعَثَ مَعَهُنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ) كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَلَمْ يَسْتَخْرِجْهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ولَا أَبُو نُعَيْمٍ، وَنَقَلَ الْحُمَيْدِيُّ، عَنِ الْبَرْقَانِيِّ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ، هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ. قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو مَسْعُودٍ. انْتَهَى. وَالْحَدِيثُ مَعْرُوفٌ، وَقَدْ سَاقَهُ ابْنُ سَعْدٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ مُطَوَّلًا، وَجَعَلَ مُغَلْطَايْ تَنْظِيرَ الْحُمَيْدِيِّ رَاجِعًا إِلَى نِسْبَةِ إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ مُرَادُ الْبَرْقَانِيِّ، بِإِبْرَاهِيمَ جَدِّ إِبْرَاهِيمَ الْمُبْهَمِ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، فَظَنَّ الْحُمَيْدِيُّ أَنَّهُ عَيْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ جَدُّهُ؛ لِأَنَّهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ.
وَقَوْلُهُ: وَقَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَيِ: ابْنُ الْوَلِيدِ الْأَزْرَقِيُّ، وَقَوْلُهُ: أَذِنَ عُمَرُ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ عُمَرَ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ، وَإِدْرَاكُهُ لِذَلِكَ مُمْكِنٌ؛ لِأَنَّ عُمُرَهُ إِذْ ذَاكَ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ، وَقَدْ أَثْبَتَ سَمَاعَهُ مِنْ عُمَرَ، يَعْقُوبُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ، لَكِنْ رَوَى ابْنُ سَعْدٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الْوَاقِدِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: أَرْسَلَنِي عُمَرُ لَكِنَّ الْوَاقِدَيَّ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، فَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدَانَ، وَابْنُ سَعْدٍ أَيْضًا عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَطَاءِ بْنِ الْأَغَرِّ الْمَكِّيِّ كِلَاهُمَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ مِثْلَ مَا قَالَ الْأَزْرَقِيُّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ حَفِظَ أَصْلَ الْقِصَّةِ وَحَمَلَ تَفَاصِيلَهَا عَنْ أَبِيهِ، فَلَا تَتَخَالَفُ الرِّوَايَتَانِ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ النُّكْتَةُ فِي اقْتِصَارِ الْبُخَارِيِّ عَلَى أَصْلِ الْقِصَّةِ دُونَ بَقِيَّتِهَا.
قَوْلُهُ: (وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ) زَادَ عَبْدَانُ: عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَكَانَ عُثْمَانُ يُنَادِي: أَلَا لَا يَدْنُو أَحَدٌ مِنْهُنَّ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ، وَهُنَّ فِي الْهَوَادِجِ عَلَى الْإِبِلِ، فَإِذَا نَزَلْنَ أَنْزَلَهُنَّ بِصَدْرِ الشِّعْبِ فَلَمْ يَصْعَدْ إِلَيْهِنَّ أَحَدٌ، وَنَزَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَعُثْمَانُ بِذَنَبِ الشِّعْبِ وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ سَعْدٍ فَكَانَ عُثْمَانُ يَسِيرُ أَمَامَهُنَّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ خَلْفَهُنَّ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: وَعَلَى هَوَادِجِهِنَّ الطَّيَالِسَةُ الْخُضْرُ فِي إِسْنَادِهِ الْوَاقِدِيُّ، وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ نِسَاءَ النَّبِيِّ ﷺ حَجَجْنَ فِي هَوَادِجَ عَلَيْهَا الطَّيَالِسَةُ زَمَنَ الْمُغِيرَةِ أَيِ: ابْنُ شُعْبَةُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ زَمَنَ وِلَايَةِ الْمُغِيرَةِ عَلَى الْكُوفَةِ لَمُعَاوِيَةَ، وَكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ خَمْسِينَ أَوْ قَبْلَهَا.
وَلِابْنِ سَعْدٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أُمِّ مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيَّةِ قَالَتْ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ حَجَّا بِنِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلْنَ بِقُدَيْدٍ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ وَهُنَّ ثَمَانٍ وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُنَّ اسْتَأْذَنَّ عُثْمَانَ فِي الْحَجِّ فَقَالَ: أَنَا أَحُجُّ بِكُنَّ،
فَحَجَّ بِنَا جَمِيعًا إِلَّا زَيْنَبَ كَانَتْ مَاتَتْ، وَإِلَّا سَوْدَةَ فَإِنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهَا بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَأَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ وَاقِدِ بْنِ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِنِسَائِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: هَذِهِ ثُمَّ ظُهُورَ الْحُصُرِ زَادَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَكُنَّ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ يَحْجُجْنَ، إِلَّا سَوْدَةَ وَزَيْنَبَ فَقَالَا: لَا تُحَرِّكُنَا دَابَّةٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِسْنَادُ حَدِيثِ أَبِي وَاقِدٍ صَحِيحٌ.
وَأَغْرَبَ الْمُهَلَّبُ فَزَعَمَ أَنَّهُ مِنْ وَضْعِ لِقَصْدِ ذَمِّ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ فِي خُرُوجِهَا إِلَى الْعِرَاقِ لِلْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ فِي قِصَّةِ وَقْعَةِ الْجَمَلِ، وَهُوَ إِقْدَامٌ مِنْهُ عَلَى رَدِّ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَالْعُذْرُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا تَأَوَّلَتِ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ كَمَا تَأَوَّلَهُ غَيْرُهَا مِنْ صَوَاحِبَاتِهَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِنَّ غَيْرُ تِلْكَ الْحَجَّةِ، وَتَأَيَّدَ ذَلِكَ عِنْدَهَا بِقَوْلِهِ ﷺ: لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ وَمِنْ ثَمَّ عَقَّبَهُ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَكَأَنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ مُتَوَقِّفًا فِي ذَلِكَ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ الْجَوَازُ فَأَذِنَ لَهُنَّ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ مَنْ ذُكِرَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ فِي عَصْرِهِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ.
وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ مِنْ مُرْسَلِ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ قَالَ: مَنَعَ عُمَرُ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ وَمِنْ طَرِيقِ أُمِّ دُرَّةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَنَعَنَا عُمَرُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرَ عَامٍ فَأَذِنَ لَنَا وَهُوَ مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ الْبَابِ، وَفِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى مَا فِي مُرْسَلِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ حَجِّ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ الثَّالِثِ.
(تَكْمِلَةٌ): رَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْهَاشِمِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ بِإِسْنَادٍ آخَرَ فَقَالَ: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ عُمَرَ أَذِنَ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فَحَجَجْنَ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا عُمَرُ، فَلَمَّا ارْتَحَلَ عُمَرُ مِنَ الْحَصْبَةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أَقْبَلَ رَجُلٌ فَسَلَّمَ وَقَالَ: أَيْنَ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَنْزِلُ؟ فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ وَأَنَا أَسْمَعُ: هَذَا كَانَ مَنْزِلَهُ. فَأَنَاخَ فِي مَنْزِلِ عُمَرَ، ثُمَّ رَفَعَ عَقِيرَتَهُ يَتَغَنَّى:
عَلَيْكَ سَلَامٌ مِنْ أَمِيرٍ وَبَارَكَتْ … يَدُ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْأَدِيمِ الْمُمَزَّقِ
الْأَبْيَاتَ.
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لَهُمْ: اعْلَمُوا لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ. فَذَهَبُوا فَلَمْ يَرَوْا أَحَدًا، فَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: إِنِّي لِأَحْسَبُهُ مِنَ الْجِنِّ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) هُوَ ابْنُ زِيَادٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَائِشَةَ) فِي رِوَايَةِ زَائِدَةَ، عَنْ حَبِيبٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ.
قَوْلُهُ: (أَلَا نَغْزُو أَوْ نُجَاهِدُ) هَذَا شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَهُوَ مُسَدَّدٌ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو كَامِلٍ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ شَيْخِ مُسَدَّدٍ بِلَفْظِ: أَلَا نَغْزُو مَعَكُمْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَغْرَبَ الْكَرْمَانِيُّ فَقَالَ: لَيْسَ الْغَزْوُ وَالْجِهَادُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَإِنَّ الْغَزْوَ الْقَصْدُ إِلَى الْقِتَالِ، وَالْجِهَادَ بَذْلُ النَّفْسِ فِي الْقِتَالِ. قَالَ: أَوْ ذَكَرَ الثَّانِي تَأْكِيدًا لِلْأَوَّلِ اهـ. وَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ الْأَلِفَ تَتَعَلَّقُ بِـ نَغْزُو، فَشَرَحَ عَلَى أَنَّ الْجِهَادَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْغَزْوِ بِالْوَاوِ، أَوْ جَعَلَ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ، عَنْ حَبِيبٍ بِلَفْظِ: أَلَا نَخْرُجُ فَنُجَاهِدَ مَعَكَ وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ زَائِدَةَ، عَنْ حَبِيبٍ مِثْلُهُ وَزَادَ فَإِنَّا نَجِدُ الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ حَبِيبٍ لَوْ جَاهَدْنَا مَعَكَ. قَالَ: لَا جِهَادَ، وَلَكِنْ حَجٌّ مَبْرُورٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْحَجِّ مِنْ طَرِيقِ خَالِدٍ، عَنْ حَبِيبٍ بِلَفْظِ: نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ فَظَهَرَ أَنَّ التَّغَايُرَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ مِنَ الرُّوَاةِ فَيَقْوَى أَنَّ أَوْ لِلشَّكِّ.
قَوْلُهُ: (لَكِنَّ أَحْسَنَ الْجِهَادِ) تَقَدَّمَ نَقْلُ الْخِلَافِ فِي تَوْجِيهِهِ فِي أَوَائِلِ الْحَجِّ وَهَلْ هُوَ بِلَفْظِ الِاسْتِثْنَاءِ، أَوْ بِلَفْظِ خِطَابِ النِّسْوَةِ.
قَوْلُهُ: (الْحَجُّ حَجٌّ مَبْرُورٌ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ: حَجُّ الْبَيْتِ حَجٌّ مَبْرُورٌ وَسَيَأْتِي فِي الْجِهَادِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ بِلَفْظِ: اسْتَأْذَنَهُ نِسَاؤُهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ: يَكْفِيكُنَّ الْحَجُّ وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ عَنْ
حَبِيبٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ، الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: زَعَمَ بَعْضُ مَنْ يُنَقِّصُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الْجَمَلِ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ السَّفَرِ عَلَيْهِنَّ. قَالَ: وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ،؛ لِأَنَّهُ قَالَ: لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لَهُنَّ جِهَادًا غَيْرَ الْحَجِّ، وَالْحَجُّ أَفْضَلُ مِنْهُ اهـ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: لَا فِي جَوَابِ قَوْلِهِنَّ: أَلَا نَخْرُجُ فَنُجَاهِدَ مَعَكَ أَيْ: لَيْسَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْكُنَّ كَمَا وَجَبَ عَلَى الرِّجَالِ، وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ تَحْرِيمَهُ عَلَيْهِنَّ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّهُنَّ كُنَّ يَخْرُجْنَ فَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى، وَفَهِمَتْ عَائِشَةُ وَمَنْ وَافَقَهَا مِنْ هَذَا التَّرْغِيبِ فِي الْحَجِّ إِبَاحَةَ تَكْرِيرِهِ لَهُنَّ كَمَا أُبِيحَ لِلرِّجَالِ تَكْرِيرُ الْجِهَادِ، وَخَصَّ بِهِ عُمُومَ قَوْلِهِ: هَذِهِ ثُمَّ ظُهُورَ الْحُصُرِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ وَكَأَنَّ عُمَرَ كَانَ مُتَوَقِّفًا فِي ذَلِكَ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ قُوَّةُ دَلِيلِهَا فَأَذِنَ لَهُنَّ فِي آخَرِ خِلَافَتِهِ، ثُمَّ كَانَ عُثْمَانُ بَعْدَهُ يَحُجُّ بِهِنَّ فِي خِلَافَتِهِ أَيْضًا. وَقَدْ وَقَفَ بَعْضُهُنَّ عِنْدَ ظَاهِرِ النَّهْيِ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِحَدِيثِ أَبِي وَاقِدٍ وُجُوبُ الْحَجِّ مَرَّةً وَاحِدَةً كَالرِّجَالِ، لَا الْمَنْعُ مِنَ الزِّيَادَةِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْقَرَارِ فِي الْبُيُوتِ لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ. وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا عَلَى جَوَازِ حَجِّ الْمَرْأَةِ مَعَ مَنْ تَثِقُ بِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ زَوْجًا وَلَا مَحْرَمًا كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي الَّذِي يَلِيهِ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ:
قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرٍو) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ) كَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ كِلَاهُمَا عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ بِهِ، وَلِعَمْرٍو بِهَذَا الْإِسْنَادِ حَدِيثٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْهُ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْمَدِينَةِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَيْنَ نَزَلْتَ؟ قَالَ: عَلَى فُلَانَةٍ. قَالَ: أَغْلَقْتَ عَلَيْهَا بَابَكَ؟ مَرَّتَيْنِ. لَا تَحُجَّنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ. وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرٍو أَخْبَرَنِي عِكْرِمَةُ أَوْ أَبُو مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قُلْتُ: وَالْمَحْفُوظُ فِي هَذَا مُرْسَلُ عِكْرِمَةَ. وَفِي الْآخَرِ رِوَايَةُ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَوْلُهُ: (لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ) كَذَا أَطْلَقَ السَّفَرَ، وَقَيَّدَهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْآتِي فِي الْبَابِ فَقَالَ: مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ، وَمَضَى فِي الصَّلَاةِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مُقَيَّدًا بِمَسِيرَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَعَنْهُ رِوَايَاتٌ أُخْرَى، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ مُقَيَّدًا بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَعَنْهُ رِوَايَاتٌ أُخْرَى أَيْضًا، وَقَدْ عَمِلَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ بِالْمُطْلَقِ لِاخْتِلَافِ التَّقْيِيدَاتِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: لَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ التَّحْدِيدِ ظَاهِرَهُ، بَلْ كُلُّ مَا يُسَمَّى: سَفَر، فَالْمَرْأَةُ مَنْهِيَّةٌ عَنْهُ إِلَّا بِالْمَحْرَمِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ التَّحْدِيدُ عَنْ أَمْرٍ وَاقِعٍ، فَلَا يُعْمَلُ بِمَفْهُومِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي مَوَاطِنَ بِحَسَبِ السَّائِلِينَ.
وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْيَوْمَ الْمُفْرَدَ وَاللَّيْلَةَ الْمُفْرَدَةَ بِمَعْنَى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، يَعْنِي: فَمَنْ أَطْلَقَ يَوْمًا أَرَادَ بِلَيْلَتِهِ، أَوْ لَيْلَةً أَرَادَ بِيَوْمِهَا وَأَنْ يَكُونَ عِنْدَ جَمْعِهِمَا أَشَارَ إِلَى مُدَّةِ الذَّهَابِ وَالرُّجُوعِ، وَعِنْدَ إِفْرَادِهِمَا أَشَارَ إِلَى قَدْرِ مَا تُقْضَى فِيهِ الْحَاجَةُ.
قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا كُلُّهُ تَمْثِيلًا لِأَوَائِلِ الْأَعْدَادِ، فَالْيَوْمُ أَوَّلُ الْعَدَدِ، وَالِاثْنَانِ أَوَّلُ التَّكْثِيرِ، وَالثَّلَاثُ أَوَّلُ الْجَمْعِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا فِي قِلَّةِ الزَّمَنِ لَا يَحِلُّ فِيهِ السَّفَرُ فَكَيْفَ بِمَا زَادَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ الثَّلَاثِ قَبْلَ ذِكْرِ مَا دُونَهَا فَيُؤْخَذُ بِأَقَلِّ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ وَأَقَلُّهُ الرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الْبَرِيدِ، فَعَلَى هَذَا يَتَنَاوَلُ السَّفَرُ طَوِيلَ السَّيْرِ وَقَصِيرَهُ، وَلَا يَتَوَقَّفُ امْتِنَاعُ سَيْرِ الْمَرْأَةِ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ الْمَنْعَ الْمُقَيَّدَ بِالثَّلَاثِ مُتَحَقِّقٌ وَمَا عَدَاهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَيُؤْخَذُ بِالْمُتَيَقَّنِ، وَنُوقِضَ بِأَنَّ الرِّوَايَةَ الْمُطْلَقَةَ شَامِلَةٌ لِكُلِّ سَفَرٍ فَيَنْبَغِي الْأَخْذُ بِهَا وَطَرْحُ مَا عَدَاهَا فَإِنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَمِنْ قَوَاعِدِ الْحَنَفِيَّةِ تَقْدِيمُ الْخَبَرِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، وَتَرْكُ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَقَدْ خَالَفُوا ذَلِكَ هُنَا، وَالِاخْتِلَافُ إِنَّمَا وَقَعَ فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا التَّقْيِيدُ، بِخِلَافِ حَدِيثِ الْبَابِ فَإِنَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ.
وَفَرَّقَ سُفْيَانُ
الثَّوْرِيُّ بَيْنَ الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ فَمَنَعَهَا دُونَ الْقَرِيبَةِ، وَتَمَسَّكَ أَحْمَدُ بِعُمُومِ الْحَدِيثِ فَقَالَ: إِذَا لَمْ تَجِدْ زَوْجًا أَوْ مَحْرَمًا لَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَجُّ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ. وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى كَقَوْلِ مَالِكٍ وَهُوَ تَخْصِيصُ الْحَدِيثِ بِغَيْرِ سَفَرِ الْفَرِيضَةِ، قَالُوا: وَهُوَ مَخْصُوصٌ بِالْإِجْمَاعِ. قَالَ الْبَغَوِيُّ: لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ السَّفَرُ فِي غَيْرِ الْفَرْضِ إِلَّا مَعَ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ إِلَّا كَافِرَةً أَسْلَمَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ أَسِيرَةً تَخَلَّصَتْ. وَزَادَ غَيْرُهُ أَوِ امْرَأَةً انْقَطَعَتْ مِنَ الرُّفْقَةِ فَوَجَدَهَا رَجُلٌ مَأْمُونٌ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَصْحَبَهَا حَتَّى يُبَلِّغَهَا الرُّفْقَةَ. قَالُوا: وَإِذَا كَانَ عُمُومُهُ مَخْصُوصًا بِالِاتِّفَاقِ فَلْيُخَصَّ مِنْهُ حَجَّةُ الْفَرِيضَةِ. وَأَجَابَ صَاحِبُ الْمُغْنِي بِأَنَّهُ سَفَرُ الضَّرُورَةِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ حَالَةُ الِاخْتِيَارِ، وَلِأَنَّهَا تَدْفَعُ ضَرَرًا مُتَيَقَّنًا بِتَحَمُّلِ ضَرَرٍ مُتَوَهَّمٍ وَلَا كَذَلِكَ السَّفَرِ لِلْحَجِّ. وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ أَبُو عَوَانَةَ حَدِيثَ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ بِلَفْظِ: لَا تَحُجَّنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ فَنَصَّ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ عَلَى مَنْعِ الْحَجِّ، فَكَيْفَ يُخَصُّ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَسْفَارِ؟ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ اشْتِرَاطُ الزَّوْجِ أَوِ الْمَحْرَمِ أَوِ النِّسْوَةِ الثِّقَاتِ، وَفِي قَوْلٍ: تَكْفِي امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ ثِقَةٌ. وَفِي قَوْلٍ نَقَلَهُ الْكَرَابِيسِيُّ وَصَحَّحَهُ فِي الْمُهَذَّبِ: تُسَافِرُ وَحْدَهَا إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْوَاجِبِ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ.
وَأَغْرَبَ الْقَفَّالُ فَطَرَدَهُ فِي الْأَسْفَارِ كُلِّهَا، وَاسْتَحْسَنَهُ الرُّويَانِيُّ قَالَ: إِلَّا أَنَّهُ خِلَافُ النَّصِّ. قُلْتُ: وَهُوَ يُعَكِّرُ عَلَى نَفْيِ الِاخْتِلَافِ الَّذِي نَقَلَهُ الْبَغَوِيُّ آنِفًا. وَاخْتَلَفُوا هَلِ الْمَحْرَمُ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الْحَجِّ عَلَيْهَا، أَوْ شَرْطٌ فِي التَّمَكُّنِ فَلَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ وَالِاسْتِقْرَارَ فِي الذِّمَّةِ؟ وَعِبَارَةُ أَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ مِنْهُمْ: الشَّرَائِطُ الَّتِي يَجِبُ بِهَا الْحَجُّ عَلَى الرَّجُلِ يَجِبُ بِهَا عَلَى الْمَرْأَةِ، فَإِذَا أَرَادَتْ أَنْ تُؤَدِّيَهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ إِلَّا مَعَ مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ أَوْ نِسْوَةٍ ثِقَاتٍ. وَمِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى جَوَازِ سَفَرِ الْمَرْأَةِ مَعَ النِّسْوَةِ الثِّقَاتِ إِذَا أُمِنَ الطَّرِيقُ أَوَّلُ أَحَادِيثِ الْبَابِ، لِاتِّفَاقِ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَنِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ، وَعَدَمِ نَكِيرِ غَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِنَّ فِي ذَلِكَ، وَمَنْ أَبَى ذَلِكَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّمَا أَبَاهُ مِنْ جِهَةٍ خَاصَّةٍ كَمَا تَقَدَّمَ، لَا مِنْ جِهَةِ تَوَقُّفِ السَّفَرِ عَلَى الْمَحْرَمِ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ النُّكْتَةُ فِي إِيرَادِ الْبُخَارِيِّ الْحَدِيثَيْنِ أَحَدُهُمَا عَقِبَ الْآخَرِ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ النِّسَاءَ كُلَّهُنَّ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ إِلَّا مَا نُقِلَ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ الْبَاجِيِّ أَنَّهُ خَصَّهُ بِغَيْرِ الْعَجُوزِ الَّتِي لَا تُشْتَهَى، وَكَأَنَّهُ نَقَلَهُ مِنَ الْخِلَافِ الْمَشْهُورِ فِي شُهُودِ الْمَرْأَةِ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الَّذِي قَالَهُ الْبَاجِيُّ تَخْصِيصٌ لِلْعُمُومِ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَعْنَى، يَعْنِي: مَعَ مُرَاعَاةِ الْأَمْرِ الْأَغْلَبِ. وَتَعَقَّبُوهُ بِأَنَّ لِكُلِّ سَاقِطَةٍ لَاقِطَةً، وَالْمُتَعَقِّبُ رَاعَى الْأَمْرَ النَّادِرَ وَهُوَ الِاحْتِيَاطُ. قَالَ: وَالْمُتَعَقِّبُ عَلَى الْبَاجِيِّ يَرَى جَوَازَ سَفَرِ الْمَرْأَةِ فِي الْأَمْنِ وَحْدَهَا فَقَدْ نَظَرَ أَيْضًا إِلَى الْمَعْنَى، يَعْنِي: فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُنْكِرَ عَلَى الْبَاجِيِّ، وَأَشَ رَ بِذَلِكَ إِلَى الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمِ، وَالْأَصَحُّ خِلَافُهُ، وَقَدِ احْتَجَّ لَهُ بِحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ مَرْفُوعًا: يُوشِكُ أَنْ تَخْرُجَ الظَّعِينَةُ مِنَ الْحِيرَةِ تَؤُمُّ الْبَيْتَ لَا زَوْجَ مَعَهَا الْحَدِيثَ. وَهُوَ فِي الْبُخَارِيِّ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى وَجُودِ ذَلِكَ لَا عَلَى جَوَازِهِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ خَبَرٌ فِي سِيَاقِ الْمَدْحِ وَرَفْعِ مَنَارِ الْإِسْلَامِ، فَيُحْمَلُ عَلَى الْجَوَازِ.
وَمِنَ الْمُسْتَظْرَفِ أَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ مَذْهَبِ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطِ الْمَحْرَمَ أَنَّ الْحَجَّ عَلَى التَّرَاخِي، وَمِنْ مَذْهَبِ مَنْ يَشْتَرِطُهُ أَنَّهُ حَجَّ عَلَى الْفَوْرِ، وَكَانَ الْمُنَاسِبُ لِهَذَا قَوْلَ هَذَا وَبِالْعَكْسِ. وَأَمَّا مَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ حَدِيثِ جِبْرِيلَ فِي بَيَانِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا فَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى إِبَاحَةِ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَلَا مَنْعِ بَيْعِهِنَّ، خِلَافًا لِمَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كُلِّ شَيْءٍ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنَّهُ سَيَقَعُ يَكُونُ مُحَرَّمًا وَلَا جَائِزًا. انْتَهَى.
وَهُوَ كَمَا قَالَ، لَكِنَّ الْقَرِينَةَ الْمَذْكُورَةَ تُقَوِّي الِاسْتِدْلَالَ بِهِ عَلَى الْجَوَازِ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَتَعَلَّقُ بِالْعَامَّيْنِ إِذَا تَعَارَضَا، فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ عَامٌّ فِي
الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ عَلَى السَّفَرِ إِذَا وُجِدَتْ وَجَبَ الْحَجُّ عَلَى الْجَمِيعِ، وَقَوْلُهُ: ﷺ: لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ مَحْرَمٍ عَامٌّ فِي كُلِّ سَفَرٍ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْحَجُّ، فَمَنْ أَخْرَجَهُ عَنْهُ خَصَّ الْحَدِيثَ بِعُمُومِ الْآيَةِ، وَمَنْ أَدْخَلَهُ فِيهِ خَصَّ الْآيَةَ بِعُمُومِ الْحَدِيثِ فَيَحْتَاجُ إِلَى التَّرْجِيحِ مِنْ خَارِجٍ، وَقَدْ رُجِّحَ الْمَذْهَبُ الثَّانِي بِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ: لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِجَيِّدٍ لِكَوْنِهِ عَامًّا فِي الْمَسَاجِدِ فَيَخْرُجُ عَنْهُ الْمَسْجِدُ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى السَّفَرِ بِحَدِيثِ النَّهْيِ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ) أَيْ: فَيَحِلُّ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِذِكْرِ الزَّوْجِ، وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي هَذَا الْبَابِ بِلَفْظِ: لَيْسَ مَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا وَضَابِطُ الْمَحْرَمِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ مَنْ حَرُمَ عَلَيْهِ نِكَاحُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ لِحُرْمَتِهَا، فَخَرَجَ بِالتَّأْبِيدِ أُخْتُ الزَّوْجَةِ وَعَمَّتُهَا، وَبِالْمُبَاحِ أُمُّ الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ وَبِنْتُهَا، وَبِحُرْمَتِهَا الْمُلَاعَنَةُ، وَاسْتَثْنَى أَحْمَدُ مِنْ حَرُمَتْ عَلَى التَّأْبِيدِ مُسْلِمَةً لَهَا أَبٌ كِتَابِيٌّ، فَقَالَ: لَا يَكُونُ مَحْرَمًا لَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَفْتِنَهَا عَنْ دِينِهَا إِذَا خَلَا بِهَا. وَمَنْ قَالَ: إِنَّ عَبْدَ الْمَرْأَةِ مَحْرَمٌ لَهَا يَحْتَاجُ أَنْ يَزِيدَ فِي هَذَا الضَّابِطِ مَا يُدْخِلُهُ، وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: سَفَرُ الْمَرْأَةِ مَعَ عَبْدِهَا ضَيْعَةٌ لَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَيَنْبَغِي لِمَنْ أَجَازَ ذَلِكَ أَنْ يُقَيِّدَهُ بِمَا إِذَا كَانَا فِي قَافِلَةٍ بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَا وَحْدَهُمَا فَلَا؛ لِهَذَا الْحَدِيثِ. وَفِي آخِرِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ الزَّوْجَ يَدْخُلُ فِي مُسَمَّى الْمَحْرَمِ، فَإِنَّهُ لَمَّا اسْتَثْنَى الْمَحْرَمَ فَقَالَ الْقَائِلُ: إِنَّ امْرَأَتِي حَاجَّةٌ. فَكَأَنَّهُ فَهِمَ حَالَ الزَّوْجِ فِي الْمَحْرَمِ، وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ مَا فَهِمَهُ، بَلْ قِيلَ لَهُ: اخْرُجْ مَعَهَا.
وَاسْتَثْنَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ ابْنَ الزَّوْجِ فَكَرِهَ السَّفَرَ مَعَهُ لِغَلَبَةِ الْفَسَادِ فِي النَّاسِ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: هَذِهِ الْكَرَاهِيَةُ عَنْ مَالِكٍ، فَإِنْ كَانَتْ لِلتَّحْرِيمِ فَفِيهِ بُعْدٌ؛ لِمُخَالَفَةِ الْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَتْ لِلتَّنْزِيهِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى أَنَّ لَفْظَ: لَا يَحِلُّ هَلْ يَتَنَاوَلُ الْمَكْرُوهَ الْكَرَاهَةَ التَّنْزِيهِيَّةَ؟
قَوْلُهُ: (وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ) فِيهِ مَنْعُ الْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَهُوَ إِجْمَاعٌ، لَكِنِ اخْتَلَفُوا هَلْ يَقُومُ غَيْرُ الْمَحْرَمِ مَقَامَهُ فِي هَذَا كَالنِّسْوَةِ الثِّقَاتِ؟ وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ لِضَعْفِ التُّهْمَةِ بِهِ. وَقَالَ الْقَفَّالُ: لَا بُدَّ مِنَ الْمَحْرَمِ، وَكَذَا فِي النِّسْوَةِ الثِّقَاتِ فِي سَفَرِ الْحَجِّ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعَ إِحْدَاهُنَّ مَحْرَمٌ. وَيُؤَيِّدُهُ نَصُّ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُصَلِّيَ بِنِسَاءٍ مُفْرَدَاتٍ إِلَّا أَنْ تَكُونَ إِحْدَاهُنَّ مَحْرَمًا لَهُ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الرَّجُلِ وَلَا امْرَأَتِهِ وَلَا عَلَى تَعْيِينِ الْغَزْوَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَسَيَأْتِي فِي الْجِهَادِ بِلَفْظِ: إِنِّي اكْتَتَبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا، أَيْ: كَتَبَتْ نَفْسِي فِي أَسْمَاءِ مَنْ عُيِّنَ لِتَلِكَ الْغَزَاةِ. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: الظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْحَجَّ عَلَى التَّرَاخِي، إِذْ لَوْ كَانَ عَلَى الْفَوْرِ لَمَا تَأَخَّرَ الرَّجُلُ مَعَ رُفْقَتِهِ الَّذِينَ عُيِّنُوا فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ. كَذَا قَالَ، وَلَيْسَ مَا ذَكَرَهُ بِلَازِمٍ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونُوا قَدْ حَجُّوا قَبْلَ ذَلِكَ مَعَ مَنْ حَجَّ فِي سَنَةِ تِسْعٍ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، أَوْ أَنَّ الْجِهَادَ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَى الْمَذْكُورِينَ بِتَعْيِينِ الْإِمَامِ، كَمَا لَوْ نَزَلَ عَدُوٌّ بِقَوْمٍ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمُ الْجِهَادُ وَيَتَأَخَّرُ الْحَجُّ اتِّفَاقًا.
قَوْلُهُ: (اخْرُجْ مَعَهَا) أَخَذَ بِظَاهِرِهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فَأَوْجَبَ عَلَى الزَّوْجِ السَّفَرَ مَعَ امْرَأَتِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا غَيْرُهُ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَهُوَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ كَالْوَلِيِّ فِي الْحَجِّ عَنِ الْمَرِيضِ، فَلَوِ امْتَنَعَ إِلَّا بِأُجْرَةٍ لَزِمَهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ سَبِيلِهَا فَصَارَ فِي حَقِّهَا كَالْمُؤْنَةِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلزَّوْجِ مَنْعُ امْرَأَتِهِ مِنْ حَجِّ الْفَرْضِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَهُوَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَهُمْ أَنَّ لَهُ مَنْعَهَا لِكَوْنِ الْحَجِّ عَلَى التَّرَاخِي.
وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ الصَّائِغِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، فِي امْرَأَةٍ لَهَا زَوْجٌ وَلَهَا مَالٌ وَلَا يَأْذَنُ لَهَا فِي الْحَجِّ، فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَنْطَلِقَ إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا؟ فَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى حَجِّ التَّطَوُّعِ عَمَلًا بِالْحَدِيثَيْنِ، وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ لِلرَّجُلِ مَنْعَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
في «عمرة رمضان» [خ¦١٧٨٢] (عَنْ عَطَاءٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) فيه: تقوية طريق حبيبٍ المعلِّم، وتصريح عطاءٍ بسماعه من ابن عبَّاسٍ.
(وَقَالَ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا، ابن عمرٍو الرَّقِّيُّ، ممَّا وصله ابن ماجه (عَنْ عَبْدِ الكَرِيمِ) بن مالكٍ الجزريِّ (عنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله الأنصاريِّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) وتمامه عند ابن ماجه أنَّه قال: «عمرةٌ في رمضان تعدل حجَّةً»، قال الحافظ ابن حجرٍ: وأراد البخاريُّ بهذا بيان الاختلاف فيه على عطاءٍ، وقد وافق ابن أبي ليلى ويعقوب بن عطاء حبيبًا وابن جريجٍ، فتبيَّن شذوذ رواية عبد الكريم، وشذَّ معقلٌ الجزريُّ أيضًا فقال: عن عطاءٍ عن أمِّ سليمٍ، وصنيع البخاريِّ يقتضي ترجيح رواية ابن جريجٍ، ويومئ إلى أنَّ رواية عبد الكريم ليست مُطَّرَحةً لاحتمال أن يكون لعطاءٍ فيه شيخان، ويؤيِّد ذلك: أنَّ رواية عبد الكريم خاليةٌ عن القصَّة، مقتصرةٌ على المتن، وهو قوله: «عمرةٌ في رمضان تعدل حجَّةً» كما مرَّ.
١٨٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ -بمعجمةٍ ثمَّ مهملةٍ- البصريُّ، قاضي مكَّة، قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ) بضمِّ العين وفتح الميم حليف بني عديٍّ الكوفيِّ، ويُقال له: الفَرَسيُّ -بفتح الفاء والرَّاء ثمَّ مهملةٍ- نسبةً إلى فرسٍ له سابقٍ (عَنْ قَزَعَةَ) بفتح القاف والزَّاي والمهملة (مَوْلَى زِيَادٍ) بتخفيف التَّحتيَّة (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ) الخدريَّ ﵁ (-وَقَدْ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً- قَالَ: أَرْبَعٌ) من الحكمة (سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ -أَوْ قَالَ: يُحَدِّثُهُنَّ) بالشَّكِّ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أخذتهنَّ» بالخاء والذَّال المعجمتين من الأخذ، أي: حملتهنَّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَعْجَبْنَنِي) الأربع، وهي بسكون الموحَّدة وفتح النُّون الأولى وكسر الثَّانية بصيغة الجمع للمُؤنَّث (وَآنَقْنَنِي)
بفتح الهمزة الممدودة والنُّون وسكون القاف؛ بصيغة جمع المُؤنَّث الماضي، أي: أَعجبْنَني، وهو من عطف الشَّيء على مرادفه نحو: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] أو: أَفْرحنَني وأَسْررنَني (١)، قال في «القاموس»: الأَنَقُ، مُحَرَّكةً: الفرحُ والسُّرور.
أوَّلها: (أَلَّا تُسَافِرَ امْرَأَةٌ) بنصب «تسافرَ» في الفرع وغيره، وقال البرماويُّ -كالكِرمانيِّ-: بالرَّفع لا غير لأنَّ «أنْ» هي (٢) المفسِّرة لا النَّاصبة، وهذا فيه شيءٌ؛ فإنَّ قوله: «بالرَّفع لا غير» إن أراد به في (٣) الرِّواية فغير مُسلَّمٍ، وإن أراد به من جهة العربيَّة فكذلك، فقد قال ابن هشامٍ في «المغني»: إذا وَلِيَ «أَنْ» الصَّالحة للتَّفسير مضارعٌ معه «لا» -نحو: أشرت إليه أن لا يفعلَُ- جاز رفعه على تقدير: «لا» نافيةً، وجزمه على تقديرها: ناهيةً، وعليهما: فـ «أَنْ» مفسِّرةٌ، ونصبه على تقدير (٤) «لا» نافيةً، و «أن» مصدريَّةً (مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ) وفي حديث ابن عمر [خ¦١٠٨٦] التَّقييد بثلاثة أيَّامٍ، وفي حديث أبي هريرة في «الصَّلاة» [خ¦١٠٨٨] بيومٍ وليلةٍ، وفي حديث عائشة السَّابق [خ¦١٨٦١] أطلق السَّفر، وقد أخذ أكثر العلماء (٥) بالمطلق لاختلاف التَّقييدات، قال النَّوويُّ: ليس المراد من التَّحديد ظاهره، بل كلُّ ما يُسمَّى سفرًا فالمرأة منهيَّةٌ عنه إلَّا بالمَحْرَم، وإنَّما وقع التَّحديد عن أمرٍ واقعٍ، فلا يُعمَل بمفهومه، وقال ابن دقيق العيد: وقد حملوا هذا الاختلاف على حسب اختلاف السَّائلين والمواطن، وأنَّه متعلِّقٌ بأقلَّ ما يقع عليه اسم السَّفر، وعلى هذا يتناول السَّفر الطَّويل والقصير، ولا يتوقَّف امتناع سفر المرأة على مسافة القصر؛ خلافًا للحنفيَّة، وحجَّتهم: أنَّ المنع المُقيَّد بالثَّلاث متحقِّقٌ، وما عداه مشكوكٌ فيه، فيُؤخَذ بالمُتيقَّن، وتُعقِّب بأنَّ الرِّواية المطلقة شاملةٌ (٦) لكلِّ سفر، فينبغي الأخذ بها وطرح ما عداها، فإنَّه مشكوكٌ فيه، ومن قواعد الحنفيَّة: تقديم الخبر العامِّ على الخاصِّ، وترك حمل المُطلَق على المُقيَّد، وقد خالفوا ذلك هنا، وقال صاحب «العدَّة» في «شرح العمدة»: وليس هذا من المُطلَق والمُقيَّد الذي وردت
فيه قيودٌ متعدِّدةٌ، وإنَّما هو من العامِّ؛ لأنَّه نكرةٌ في سياق النَّفي، فيكون من العامِّ الذي ذُكِرت بعض أفراده، فلا تخصيص بذلك على الرَّاجح في الأصول.
(لَيْسَ مَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ) ولأبي ذرٍّ في بعض النُّسخ: «أو ذو مَحرَمٍ، مُحَرَّمٍ»: بفتح الميم في الأوَّل وتخفيف الرَّاء، وضمِّها في الثَّاني مع تشديد الرَّاء، ولفظ: «امرأةٌ» عامٌّ (١) يشمل الشَّابَّة والعجوز، لكن خصَّ أبو الوليد الباجيُّ المنع بغير العجوز التي لا تُشتَهى، أمَّا هي فتسافر كيف شاءت في كلِّ الأسفار بلا زوجٍ ولا (٢) محرمٍ، وتُعقِّب بأنَّ المرأة مظنَّة الطَّمع فيها ومظنَّة الشَّهوة ولو كانت كبيرةً، وقد قالوا: لكلِّ ساقطةٍ لاقطةٌ، وأُجيب بأنَّه ما لنا لاقطةٌ لهذه السَّاقطة، ولو وُجِد (٣) خرجت عن فرض المسألة لأنَّها تكون حينئذٍ مشتهاةً في الجملة، وليس الكلام فيها، إنَّما الكلام فيمن لا تُشتَهى أصلًا ورأسًا، ولا نسلِّم أنَّ من هي بهذه المثابة (٤) مظنَّة الطَّمع والميل إليها بوجهٍ، قال ابن دقيق العيد: والذي قاله الباجيُّ تخصيص العموم بالنَّظر إلى المعنى، وقد اختار (٥) الشَّافعيُّ أنَّ المرأة تسافر في الأمن ولا تحتاج إلى أحدٍ (٦)، بل تسير وحدها في جملة القافلة وتكون آمنةً، قال: وهذا مخالفٌ لظاهر الحديث. انتهى. وهذا الذي قاله -من جواز سفرها وحدها- نقله الكرابيسيُّ، ولكنَّ المشهور عند الشَّافعيَّة: اشتراط الزَّوج، أو المحرم، أو النِّسوة الثِّقات، ولا يُشترَط أن يخرج معهنَّ محرمٌ أو زوجٌ لإحداهنَّ لانقطاع الأطماع باجتماعهنَّ، ولها أن تخرج مع الواحدة لفرض الحجِّ، على الصَّحيح في شرحي «المُهذَّب» و «مسلمٍ»، ولو سافرت لنحو زيارةٍ وتجارةٍ لم يجز مع النِّسوة لأنَّه سفرٌ غير واجبٍ، قال في «المجموع»: والخنثى المشكل يُشتَرط في حقِّه من المحرم ما يُشتَرط في المرأة، ولم يشترطوا في الزَّوج والمحرم كونهما ثقتين، وهو في الزَّوج واضحٌ، وأمَّا في المحرم فسببه -كما في «المهمَّات» -: أنَّ الوازع الطَّبيعيَّ أقوى من
الشَّرعيِّ، وكالمَحْرَم عبدُها الأمين، صرَّح به المرعشيُّ وابن أبي الصَّيف، والمَحْرَم أيضًا عامٌّ، فيشمل محرم النَّسب -كأبيها وابنها وأخيها- ومحرم الرَّضاع، ومحرم المصاهرة- كأبي زوجها، وابن زوجها- واستثنى بعضهم -وهو منقولٌ عن مالكٍ- ابن الزَّوج، فقال: يُكرَه سفرها معه لغلبة الفساد في النَّاس بعد العصر الأوَّل، ولأنَّ كثيرًا من النَّاس لا ينزِّل زوجة الأب في النَّفرة عنها منزلة (١) محارم النَّسب، والمرأة فتنةٌ إلَّا فيما جبل الله النُّفوس عليه من النَّفرة عن محارم النَّسب، قال ابن دقيق العيد: والحديث عامٌّ، فإن عنى بالكراهة التَّحريم فهو مخالفٌ لظاهر الحديث، وإن عنى كراهة التَّنزيه فهو أقرب، واختلفوا: هل المحرم وما ذكر معه شرطٌ في وجوب الحجِّ عليها، أو شرطٌ في التَّمكُّن فلا يمنع الوجوب والاستقرار في الذِّمَّة؟ والذين ذهبوا إلى الأوَّل استدلُّوا بهذا الحديث، فإنَّ سفرها للحجِّ من جملة الأسفار الدَّاخلة تحت الحديث فتمتنع (٢) إلَّا مع المحرم، والذين قالوا بالثَّاني جوَّزوا سفرها مع رفقةٍ مأمونين إلى الحجِّ رجالًا أو نساءً -كما مرَّ- وهو مذهب الشَّافعيَّة والمالكيَّة، والأوَّل مذهب الحنفيَّة والحنابلة.
قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: وهذه المسألة تتعلَّق بالنَّصين إذا تعارضا وكان كلٌّ (٣) منهما عامًّا من وجهٍ، خاصًا من وجهٍ، فإنَّ قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧] يدخل تحته الرِّجال والنِّساء، فيقتضي ذلك أنَّه إذا وُجِدت الاستطاعة المُتفَّق عليها أن يجب عليها الحجُّ، وقوله ﷺ: «لا يحلُّ لامرأةٍ … » الحديثَ خاصٌّ بالنِّساء، عامٌّ في الأسفار (٤) فيدخل فيه الحجُّ، فمن أخرجه عنه خصَّ الحديث بعموم الآية، ومن أدخله فيه خصَّ الآية بعموم الحديث (٥)، فإذا قيل به وأُخرِج عنه لفظ الحجِّ لقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى
النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] قال المخالف: بل يعمل (١) بقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ فتدخل المرأة فيه ويخرج سفر الحجِّ عن النَّهي، فيقوم في كلِّ واحدٍ من النَّصين عمومٌ وخصوصٌ، ويحتاج إلى التَّرجيح من خارجٍ، قال: وذكر بعض الظَّاهريَّة أنَّه يذهب إلى دليلٍ من خارجٍ؛ وهو قوله ﷺ [خ¦٩٠٠] «لا تمنعوا إماءَ الله مساجدَ الله»، ولا يتَّجه ذلك فإنَّه (٢) عامٌّ في المساجد، فيمكن أن يخرج عنه المسجد الذي يحتاج إلى السَّفر في الخروج إليه بحديث (٣) النَّهي. انتهى (٤).
وقال المرداويُّ من الحنابلة: المَحْرَم من شرائط الوجوب كالاستطاعة وغيرها، وعليه أكثر الأصحاب، ونقله الجماعة عن الإمام أحمد، وهو ظاهر كلام الخرقيِّ، وقدَّمه في «المُحرَّر» و «الفروع» و «الحاويين» و «الرِّعايتين»، وجزم به في «المنهاج» (٥) و «الإفادات»، قال ابن منجا في «شرحه»: هذا المذهب، وهو من المفردات، وعنه: أنَّ المحرم من شرائط لزوم الحجِّ، وجزم به في «الوجيز»، وأطلقه الزَّركشيُّ. انتهى. وفائدة الخلاف تظهر في وجوب الإيصاء به.
والثَّانية من الأربعة: (وَلَا صَوْمَ يَوْمَيْنِ) «صومَ»: اسم «لا»، و «يومين»: خبره، أي: لا صومَ في هذين اليومين، ويجوز أن يكون «صومَ» مضافًا إلى «يومين»، والتَّقدير: لا صومَ يومين ثابتٌ أو مشروعٌ، يوم عيد (الفِطْرِ وَالأَضْحَى) بفتح الهمزة (وَ) الثَّالثة: (لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاتَيْنِ: بَعْدَ) صلاة (العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ) صلاة (الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَ) الرَّابعة: (لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الحَرَامِ) بمكَّة، و «مسجدِ»: بالجرِّ بدلٌ من سابقه (وَمَسْجِدِي) بطيبة (وَمَسْجِدِ الأَقْصَى) الأبعد عن المسجد الحرام في المسافة أو عن الأقذار، وهو مسجد بيت المقدس.
(٢٧) (بابُ مَنْ نَذَرَ المَشْيَ إِلَى الكَعْبَةِ) هل يجب عليه الوفاء بذلك أم لا؟
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
حَجَّةً أَوْ حَجَّةً مَعِي رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ
١٨٦٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ قَزَعَةَ مَوْلَى زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ وَقَدْ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً قَالَ: أَرْبَعٌ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ قَالَ: يُحَدِّثُهُنَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَأَعْجَبْنَنِي وَآنَقْنَنِي: أَنْ لَا تُسَافِرَ امْرَأَةٌ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ لَيْسَ مَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا صَوْمَ يَوْمَيْنِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاتَيْنِ: بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى.
قَوْلُهُ: (بَابُ حَجِّ النِّسَاءِ) أَيْ: هَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى حَجِّ الرِّجَالِ أَوْ لَا؟ ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ عِدَّةَ أَحَادِيثَ.
الأول: قَوْلُهُ: (وَقَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ أَذِنَ عُمَرُ) أَيِ: ابْنُ الْخَطَّابِ (لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا فَبَعَثَ مَعَهُنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ) كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَلَمْ يَسْتَخْرِجْهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ولَا أَبُو نُعَيْمٍ، وَنَقَلَ الْحُمَيْدِيُّ، عَنِ الْبَرْقَانِيِّ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ، هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ. قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو مَسْعُودٍ. انْتَهَى. وَالْحَدِيثُ مَعْرُوفٌ، وَقَدْ سَاقَهُ ابْنُ سَعْدٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ مُطَوَّلًا، وَجَعَلَ مُغَلْطَايْ تَنْظِيرَ الْحُمَيْدِيِّ رَاجِعًا إِلَى نِسْبَةِ إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ مُرَادُ الْبَرْقَانِيِّ، بِإِبْرَاهِيمَ جَدِّ إِبْرَاهِيمَ الْمُبْهَمِ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، فَظَنَّ الْحُمَيْدِيُّ أَنَّهُ عَيْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ جَدُّهُ؛ لِأَنَّهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ.
وَقَوْلُهُ: وَقَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَيِ: ابْنُ الْوَلِيدِ الْأَزْرَقِيُّ، وَقَوْلُهُ: أَذِنَ عُمَرُ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ عُمَرَ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ، وَإِدْرَاكُهُ لِذَلِكَ مُمْكِنٌ؛ لِأَنَّ عُمُرَهُ إِذْ ذَاكَ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ، وَقَدْ أَثْبَتَ سَمَاعَهُ مِنْ عُمَرَ، يَعْقُوبُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ، لَكِنْ رَوَى ابْنُ سَعْدٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الْوَاقِدِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: أَرْسَلَنِي عُمَرُ لَكِنَّ الْوَاقِدَيَّ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، فَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدَانَ، وَابْنُ سَعْدٍ أَيْضًا عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَطَاءِ بْنِ الْأَغَرِّ الْمَكِّيِّ كِلَاهُمَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ مِثْلَ مَا قَالَ الْأَزْرَقِيُّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ حَفِظَ أَصْلَ الْقِصَّةِ وَحَمَلَ تَفَاصِيلَهَا عَنْ أَبِيهِ، فَلَا تَتَخَالَفُ الرِّوَايَتَانِ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ النُّكْتَةُ فِي اقْتِصَارِ الْبُخَارِيِّ عَلَى أَصْلِ الْقِصَّةِ دُونَ بَقِيَّتِهَا.
قَوْلُهُ: (وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ) زَادَ عَبْدَانُ: عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَكَانَ عُثْمَانُ يُنَادِي: أَلَا لَا يَدْنُو أَحَدٌ مِنْهُنَّ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ، وَهُنَّ فِي الْهَوَادِجِ عَلَى الْإِبِلِ، فَإِذَا نَزَلْنَ أَنْزَلَهُنَّ بِصَدْرِ الشِّعْبِ فَلَمْ يَصْعَدْ إِلَيْهِنَّ أَحَدٌ، وَنَزَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَعُثْمَانُ بِذَنَبِ الشِّعْبِ وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ سَعْدٍ فَكَانَ عُثْمَانُ يَسِيرُ أَمَامَهُنَّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ خَلْفَهُنَّ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: وَعَلَى هَوَادِجِهِنَّ الطَّيَالِسَةُ الْخُضْرُ فِي إِسْنَادِهِ الْوَاقِدِيُّ، وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ نِسَاءَ النَّبِيِّ ﷺ حَجَجْنَ فِي هَوَادِجَ عَلَيْهَا الطَّيَالِسَةُ زَمَنَ الْمُغِيرَةِ أَيِ: ابْنُ شُعْبَةُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ زَمَنَ وِلَايَةِ الْمُغِيرَةِ عَلَى الْكُوفَةِ لَمُعَاوِيَةَ، وَكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ خَمْسِينَ أَوْ قَبْلَهَا.
وَلِابْنِ سَعْدٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أُمِّ مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيَّةِ قَالَتْ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ حَجَّا بِنِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلْنَ بِقُدَيْدٍ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ وَهُنَّ ثَمَانٍ وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُنَّ اسْتَأْذَنَّ عُثْمَانَ فِي الْحَجِّ فَقَالَ: أَنَا أَحُجُّ بِكُنَّ،
فَحَجَّ بِنَا جَمِيعًا إِلَّا زَيْنَبَ كَانَتْ مَاتَتْ، وَإِلَّا سَوْدَةَ فَإِنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهَا بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَأَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ وَاقِدِ بْنِ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِنِسَائِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: هَذِهِ ثُمَّ ظُهُورَ الْحُصُرِ زَادَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَكُنَّ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ يَحْجُجْنَ، إِلَّا سَوْدَةَ وَزَيْنَبَ فَقَالَا: لَا تُحَرِّكُنَا دَابَّةٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِسْنَادُ حَدِيثِ أَبِي وَاقِدٍ صَحِيحٌ.
وَأَغْرَبَ الْمُهَلَّبُ فَزَعَمَ أَنَّهُ مِنْ وَضْعِ لِقَصْدِ ذَمِّ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ فِي خُرُوجِهَا إِلَى الْعِرَاقِ لِلْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ فِي قِصَّةِ وَقْعَةِ الْجَمَلِ، وَهُوَ إِقْدَامٌ مِنْهُ عَلَى رَدِّ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَالْعُذْرُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا تَأَوَّلَتِ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ كَمَا تَأَوَّلَهُ غَيْرُهَا مِنْ صَوَاحِبَاتِهَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِنَّ غَيْرُ تِلْكَ الْحَجَّةِ، وَتَأَيَّدَ ذَلِكَ عِنْدَهَا بِقَوْلِهِ ﷺ: لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ وَمِنْ ثَمَّ عَقَّبَهُ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَكَأَنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ مُتَوَقِّفًا فِي ذَلِكَ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ الْجَوَازُ فَأَذِنَ لَهُنَّ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ مَنْ ذُكِرَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ فِي عَصْرِهِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ.
وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ مِنْ مُرْسَلِ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ قَالَ: مَنَعَ عُمَرُ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ وَمِنْ طَرِيقِ أُمِّ دُرَّةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَنَعَنَا عُمَرُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرَ عَامٍ فَأَذِنَ لَنَا وَهُوَ مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ الْبَابِ، وَفِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى مَا فِي مُرْسَلِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ حَجِّ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ الثَّالِثِ.
(تَكْمِلَةٌ): رَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْهَاشِمِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ بِإِسْنَادٍ آخَرَ فَقَالَ: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ عُمَرَ أَذِنَ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فَحَجَجْنَ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا عُمَرُ، فَلَمَّا ارْتَحَلَ عُمَرُ مِنَ الْحَصْبَةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أَقْبَلَ رَجُلٌ فَسَلَّمَ وَقَالَ: أَيْنَ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَنْزِلُ؟ فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ وَأَنَا أَسْمَعُ: هَذَا كَانَ مَنْزِلَهُ. فَأَنَاخَ فِي مَنْزِلِ عُمَرَ، ثُمَّ رَفَعَ عَقِيرَتَهُ يَتَغَنَّى:
عَلَيْكَ سَلَامٌ مِنْ أَمِيرٍ وَبَارَكَتْ … يَدُ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْأَدِيمِ الْمُمَزَّقِ
الْأَبْيَاتَ.
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لَهُمْ: اعْلَمُوا لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ. فَذَهَبُوا فَلَمْ يَرَوْا أَحَدًا، فَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: إِنِّي لِأَحْسَبُهُ مِنَ الْجِنِّ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) هُوَ ابْنُ زِيَادٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَائِشَةَ) فِي رِوَايَةِ زَائِدَةَ، عَنْ حَبِيبٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ.
قَوْلُهُ: (أَلَا نَغْزُو أَوْ نُجَاهِدُ) هَذَا شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَهُوَ مُسَدَّدٌ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو كَامِلٍ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ شَيْخِ مُسَدَّدٍ بِلَفْظِ: أَلَا نَغْزُو مَعَكُمْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَغْرَبَ الْكَرْمَانِيُّ فَقَالَ: لَيْسَ الْغَزْوُ وَالْجِهَادُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَإِنَّ الْغَزْوَ الْقَصْدُ إِلَى الْقِتَالِ، وَالْجِهَادَ بَذْلُ النَّفْسِ فِي الْقِتَالِ. قَالَ: أَوْ ذَكَرَ الثَّانِي تَأْكِيدًا لِلْأَوَّلِ اهـ. وَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ الْأَلِفَ تَتَعَلَّقُ بِـ نَغْزُو، فَشَرَحَ عَلَى أَنَّ الْجِهَادَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْغَزْوِ بِالْوَاوِ، أَوْ جَعَلَ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ، عَنْ حَبِيبٍ بِلَفْظِ: أَلَا نَخْرُجُ فَنُجَاهِدَ مَعَكَ وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ زَائِدَةَ، عَنْ حَبِيبٍ مِثْلُهُ وَزَادَ فَإِنَّا نَجِدُ الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ حَبِيبٍ لَوْ جَاهَدْنَا مَعَكَ. قَالَ: لَا جِهَادَ، وَلَكِنْ حَجٌّ مَبْرُورٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْحَجِّ مِنْ طَرِيقِ خَالِدٍ، عَنْ حَبِيبٍ بِلَفْظِ: نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ فَظَهَرَ أَنَّ التَّغَايُرَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ مِنَ الرُّوَاةِ فَيَقْوَى أَنَّ أَوْ لِلشَّكِّ.
قَوْلُهُ: (لَكِنَّ أَحْسَنَ الْجِهَادِ) تَقَدَّمَ نَقْلُ الْخِلَافِ فِي تَوْجِيهِهِ فِي أَوَائِلِ الْحَجِّ وَهَلْ هُوَ بِلَفْظِ الِاسْتِثْنَاءِ، أَوْ بِلَفْظِ خِطَابِ النِّسْوَةِ.
قَوْلُهُ: (الْحَجُّ حَجٌّ مَبْرُورٌ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ: حَجُّ الْبَيْتِ حَجٌّ مَبْرُورٌ وَسَيَأْتِي فِي الْجِهَادِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ بِلَفْظِ: اسْتَأْذَنَهُ نِسَاؤُهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ: يَكْفِيكُنَّ الْحَجُّ وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ عَنْ
حَبِيبٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ، الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: زَعَمَ بَعْضُ مَنْ يُنَقِّصُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الْجَمَلِ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ السَّفَرِ عَلَيْهِنَّ. قَالَ: وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ،؛ لِأَنَّهُ قَالَ: لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لَهُنَّ جِهَادًا غَيْرَ الْحَجِّ، وَالْحَجُّ أَفْضَلُ مِنْهُ اهـ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: لَا فِي جَوَابِ قَوْلِهِنَّ: أَلَا نَخْرُجُ فَنُجَاهِدَ مَعَكَ أَيْ: لَيْسَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْكُنَّ كَمَا وَجَبَ عَلَى الرِّجَالِ، وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ تَحْرِيمَهُ عَلَيْهِنَّ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّهُنَّ كُنَّ يَخْرُجْنَ فَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى، وَفَهِمَتْ عَائِشَةُ وَمَنْ وَافَقَهَا مِنْ هَذَا التَّرْغِيبِ فِي الْحَجِّ إِبَاحَةَ تَكْرِيرِهِ لَهُنَّ كَمَا أُبِيحَ لِلرِّجَالِ تَكْرِيرُ الْجِهَادِ، وَخَصَّ بِهِ عُمُومَ قَوْلِهِ: هَذِهِ ثُمَّ ظُهُورَ الْحُصُرِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ وَكَأَنَّ عُمَرَ كَانَ مُتَوَقِّفًا فِي ذَلِكَ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ قُوَّةُ دَلِيلِهَا فَأَذِنَ لَهُنَّ فِي آخَرِ خِلَافَتِهِ، ثُمَّ كَانَ عُثْمَانُ بَعْدَهُ يَحُجُّ بِهِنَّ فِي خِلَافَتِهِ أَيْضًا. وَقَدْ وَقَفَ بَعْضُهُنَّ عِنْدَ ظَاهِرِ النَّهْيِ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِحَدِيثِ أَبِي وَاقِدٍ وُجُوبُ الْحَجِّ مَرَّةً وَاحِدَةً كَالرِّجَالِ، لَا الْمَنْعُ مِنَ الزِّيَادَةِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْقَرَارِ فِي الْبُيُوتِ لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ. وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا عَلَى جَوَازِ حَجِّ الْمَرْأَةِ مَعَ مَنْ تَثِقُ بِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ زَوْجًا وَلَا مَحْرَمًا كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي الَّذِي يَلِيهِ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ:
قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرٍو) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ) كَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ كِلَاهُمَا عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ بِهِ، وَلِعَمْرٍو بِهَذَا الْإِسْنَادِ حَدِيثٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْهُ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْمَدِينَةِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَيْنَ نَزَلْتَ؟ قَالَ: عَلَى فُلَانَةٍ. قَالَ: أَغْلَقْتَ عَلَيْهَا بَابَكَ؟ مَرَّتَيْنِ. لَا تَحُجَّنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ. وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرٍو أَخْبَرَنِي عِكْرِمَةُ أَوْ أَبُو مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قُلْتُ: وَالْمَحْفُوظُ فِي هَذَا مُرْسَلُ عِكْرِمَةَ. وَفِي الْآخَرِ رِوَايَةُ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَوْلُهُ: (لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ) كَذَا أَطْلَقَ السَّفَرَ، وَقَيَّدَهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْآتِي فِي الْبَابِ فَقَالَ: مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ، وَمَضَى فِي الصَّلَاةِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مُقَيَّدًا بِمَسِيرَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَعَنْهُ رِوَايَاتٌ أُخْرَى، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ مُقَيَّدًا بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَعَنْهُ رِوَايَاتٌ أُخْرَى أَيْضًا، وَقَدْ عَمِلَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ بِالْمُطْلَقِ لِاخْتِلَافِ التَّقْيِيدَاتِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: لَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ التَّحْدِيدِ ظَاهِرَهُ، بَلْ كُلُّ مَا يُسَمَّى: سَفَر، فَالْمَرْأَةُ مَنْهِيَّةٌ عَنْهُ إِلَّا بِالْمَحْرَمِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ التَّحْدِيدُ عَنْ أَمْرٍ وَاقِعٍ، فَلَا يُعْمَلُ بِمَفْهُومِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي مَوَاطِنَ بِحَسَبِ السَّائِلِينَ.
وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْيَوْمَ الْمُفْرَدَ وَاللَّيْلَةَ الْمُفْرَدَةَ بِمَعْنَى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، يَعْنِي: فَمَنْ أَطْلَقَ يَوْمًا أَرَادَ بِلَيْلَتِهِ، أَوْ لَيْلَةً أَرَادَ بِيَوْمِهَا وَأَنْ يَكُونَ عِنْدَ جَمْعِهِمَا أَشَارَ إِلَى مُدَّةِ الذَّهَابِ وَالرُّجُوعِ، وَعِنْدَ إِفْرَادِهِمَا أَشَارَ إِلَى قَدْرِ مَا تُقْضَى فِيهِ الْحَاجَةُ.
قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا كُلُّهُ تَمْثِيلًا لِأَوَائِلِ الْأَعْدَادِ، فَالْيَوْمُ أَوَّلُ الْعَدَدِ، وَالِاثْنَانِ أَوَّلُ التَّكْثِيرِ، وَالثَّلَاثُ أَوَّلُ الْجَمْعِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا فِي قِلَّةِ الزَّمَنِ لَا يَحِلُّ فِيهِ السَّفَرُ فَكَيْفَ بِمَا زَادَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ الثَّلَاثِ قَبْلَ ذِكْرِ مَا دُونَهَا فَيُؤْخَذُ بِأَقَلِّ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ وَأَقَلُّهُ الرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الْبَرِيدِ، فَعَلَى هَذَا يَتَنَاوَلُ السَّفَرُ طَوِيلَ السَّيْرِ وَقَصِيرَهُ، وَلَا يَتَوَقَّفُ امْتِنَاعُ سَيْرِ الْمَرْأَةِ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ الْمَنْعَ الْمُقَيَّدَ بِالثَّلَاثِ مُتَحَقِّقٌ وَمَا عَدَاهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَيُؤْخَذُ بِالْمُتَيَقَّنِ، وَنُوقِضَ بِأَنَّ الرِّوَايَةَ الْمُطْلَقَةَ شَامِلَةٌ لِكُلِّ سَفَرٍ فَيَنْبَغِي الْأَخْذُ بِهَا وَطَرْحُ مَا عَدَاهَا فَإِنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَمِنْ قَوَاعِدِ الْحَنَفِيَّةِ تَقْدِيمُ الْخَبَرِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، وَتَرْكُ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَقَدْ خَالَفُوا ذَلِكَ هُنَا، وَالِاخْتِلَافُ إِنَّمَا وَقَعَ فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا التَّقْيِيدُ، بِخِلَافِ حَدِيثِ الْبَابِ فَإِنَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ.
وَفَرَّقَ سُفْيَانُ
الثَّوْرِيُّ بَيْنَ الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ فَمَنَعَهَا دُونَ الْقَرِيبَةِ، وَتَمَسَّكَ أَحْمَدُ بِعُمُومِ الْحَدِيثِ فَقَالَ: إِذَا لَمْ تَجِدْ زَوْجًا أَوْ مَحْرَمًا لَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَجُّ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ. وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى كَقَوْلِ مَالِكٍ وَهُوَ تَخْصِيصُ الْحَدِيثِ بِغَيْرِ سَفَرِ الْفَرِيضَةِ، قَالُوا: وَهُوَ مَخْصُوصٌ بِالْإِجْمَاعِ. قَالَ الْبَغَوِيُّ: لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ السَّفَرُ فِي غَيْرِ الْفَرْضِ إِلَّا مَعَ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ إِلَّا كَافِرَةً أَسْلَمَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ أَسِيرَةً تَخَلَّصَتْ. وَزَادَ غَيْرُهُ أَوِ امْرَأَةً انْقَطَعَتْ مِنَ الرُّفْقَةِ فَوَجَدَهَا رَجُلٌ مَأْمُونٌ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَصْحَبَهَا حَتَّى يُبَلِّغَهَا الرُّفْقَةَ. قَالُوا: وَإِذَا كَانَ عُمُومُهُ مَخْصُوصًا بِالِاتِّفَاقِ فَلْيُخَصَّ مِنْهُ حَجَّةُ الْفَرِيضَةِ. وَأَجَابَ صَاحِبُ الْمُغْنِي بِأَنَّهُ سَفَرُ الضَّرُورَةِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ حَالَةُ الِاخْتِيَارِ، وَلِأَنَّهَا تَدْفَعُ ضَرَرًا مُتَيَقَّنًا بِتَحَمُّلِ ضَرَرٍ مُتَوَهَّمٍ وَلَا كَذَلِكَ السَّفَرِ لِلْحَجِّ. وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ أَبُو عَوَانَةَ حَدِيثَ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ بِلَفْظِ: لَا تَحُجَّنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ فَنَصَّ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ عَلَى مَنْعِ الْحَجِّ، فَكَيْفَ يُخَصُّ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَسْفَارِ؟ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ اشْتِرَاطُ الزَّوْجِ أَوِ الْمَحْرَمِ أَوِ النِّسْوَةِ الثِّقَاتِ، وَفِي قَوْلٍ: تَكْفِي امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ ثِقَةٌ. وَفِي قَوْلٍ نَقَلَهُ الْكَرَابِيسِيُّ وَصَحَّحَهُ فِي الْمُهَذَّبِ: تُسَافِرُ وَحْدَهَا إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْوَاجِبِ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ.
وَأَغْرَبَ الْقَفَّالُ فَطَرَدَهُ فِي الْأَسْفَارِ كُلِّهَا، وَاسْتَحْسَنَهُ الرُّويَانِيُّ قَالَ: إِلَّا أَنَّهُ خِلَافُ النَّصِّ. قُلْتُ: وَهُوَ يُعَكِّرُ عَلَى نَفْيِ الِاخْتِلَافِ الَّذِي نَقَلَهُ الْبَغَوِيُّ آنِفًا. وَاخْتَلَفُوا هَلِ الْمَحْرَمُ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الْحَجِّ عَلَيْهَا، أَوْ شَرْطٌ فِي التَّمَكُّنِ فَلَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ وَالِاسْتِقْرَارَ فِي الذِّمَّةِ؟ وَعِبَارَةُ أَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ مِنْهُمْ: الشَّرَائِطُ الَّتِي يَجِبُ بِهَا الْحَجُّ عَلَى الرَّجُلِ يَجِبُ بِهَا عَلَى الْمَرْأَةِ، فَإِذَا أَرَادَتْ أَنْ تُؤَدِّيَهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ إِلَّا مَعَ مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ أَوْ نِسْوَةٍ ثِقَاتٍ. وَمِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى جَوَازِ سَفَرِ الْمَرْأَةِ مَعَ النِّسْوَةِ الثِّقَاتِ إِذَا أُمِنَ الطَّرِيقُ أَوَّلُ أَحَادِيثِ الْبَابِ، لِاتِّفَاقِ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَنِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ، وَعَدَمِ نَكِيرِ غَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِنَّ فِي ذَلِكَ، وَمَنْ أَبَى ذَلِكَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّمَا أَبَاهُ مِنْ جِهَةٍ خَاصَّةٍ كَمَا تَقَدَّمَ، لَا مِنْ جِهَةِ تَوَقُّفِ السَّفَرِ عَلَى الْمَحْرَمِ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ النُّكْتَةُ فِي إِيرَادِ الْبُخَارِيِّ الْحَدِيثَيْنِ أَحَدُهُمَا عَقِبَ الْآخَرِ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ النِّسَاءَ كُلَّهُنَّ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ إِلَّا مَا نُقِلَ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ الْبَاجِيِّ أَنَّهُ خَصَّهُ بِغَيْرِ الْعَجُوزِ الَّتِي لَا تُشْتَهَى، وَكَأَنَّهُ نَقَلَهُ مِنَ الْخِلَافِ الْمَشْهُورِ فِي شُهُودِ الْمَرْأَةِ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الَّذِي قَالَهُ الْبَاجِيُّ تَخْصِيصٌ لِلْعُمُومِ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَعْنَى، يَعْنِي: مَعَ مُرَاعَاةِ الْأَمْرِ الْأَغْلَبِ. وَتَعَقَّبُوهُ بِأَنَّ لِكُلِّ سَاقِطَةٍ لَاقِطَةً، وَالْمُتَعَقِّبُ رَاعَى الْأَمْرَ النَّادِرَ وَهُوَ الِاحْتِيَاطُ. قَالَ: وَالْمُتَعَقِّبُ عَلَى الْبَاجِيِّ يَرَى جَوَازَ سَفَرِ الْمَرْأَةِ فِي الْأَمْنِ وَحْدَهَا فَقَدْ نَظَرَ أَيْضًا إِلَى الْمَعْنَى، يَعْنِي: فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُنْكِرَ عَلَى الْبَاجِيِّ، وَأَشَ رَ بِذَلِكَ إِلَى الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمِ، وَالْأَصَحُّ خِلَافُهُ، وَقَدِ احْتَجَّ لَهُ بِحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ مَرْفُوعًا: يُوشِكُ أَنْ تَخْرُجَ الظَّعِينَةُ مِنَ الْحِيرَةِ تَؤُمُّ الْبَيْتَ لَا زَوْجَ مَعَهَا الْحَدِيثَ. وَهُوَ فِي الْبُخَارِيِّ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى وَجُودِ ذَلِكَ لَا عَلَى جَوَازِهِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ خَبَرٌ فِي سِيَاقِ الْمَدْحِ وَرَفْعِ مَنَارِ الْإِسْلَامِ، فَيُحْمَلُ عَلَى الْجَوَازِ.
وَمِنَ الْمُسْتَظْرَفِ أَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ مَذْهَبِ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطِ الْمَحْرَمَ أَنَّ الْحَجَّ عَلَى التَّرَاخِي، وَمِنْ مَذْهَبِ مَنْ يَشْتَرِطُهُ أَنَّهُ حَجَّ عَلَى الْفَوْرِ، وَكَانَ الْمُنَاسِبُ لِهَذَا قَوْلَ هَذَا وَبِالْعَكْسِ. وَأَمَّا مَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ حَدِيثِ جِبْرِيلَ فِي بَيَانِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا فَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى إِبَاحَةِ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَلَا مَنْعِ بَيْعِهِنَّ، خِلَافًا لِمَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كُلِّ شَيْءٍ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنَّهُ سَيَقَعُ يَكُونُ مُحَرَّمًا وَلَا جَائِزًا. انْتَهَى.
وَهُوَ كَمَا قَالَ، لَكِنَّ الْقَرِينَةَ الْمَذْكُورَةَ تُقَوِّي الِاسْتِدْلَالَ بِهِ عَلَى الْجَوَازِ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَتَعَلَّقُ بِالْعَامَّيْنِ إِذَا تَعَارَضَا، فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ عَامٌّ فِي
الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ عَلَى السَّفَرِ إِذَا وُجِدَتْ وَجَبَ الْحَجُّ عَلَى الْجَمِيعِ، وَقَوْلُهُ: ﷺ: لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ مَحْرَمٍ عَامٌّ فِي كُلِّ سَفَرٍ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْحَجُّ، فَمَنْ أَخْرَجَهُ عَنْهُ خَصَّ الْحَدِيثَ بِعُمُومِ الْآيَةِ، وَمَنْ أَدْخَلَهُ فِيهِ خَصَّ الْآيَةَ بِعُمُومِ الْحَدِيثِ فَيَحْتَاجُ إِلَى التَّرْجِيحِ مِنْ خَارِجٍ، وَقَدْ رُجِّحَ الْمَذْهَبُ الثَّانِي بِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ: لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِجَيِّدٍ لِكَوْنِهِ عَامًّا فِي الْمَسَاجِدِ فَيَخْرُجُ عَنْهُ الْمَسْجِدُ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى السَّفَرِ بِحَدِيثِ النَّهْيِ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ) أَيْ: فَيَحِلُّ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِذِكْرِ الزَّوْجِ، وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي هَذَا الْبَابِ بِلَفْظِ: لَيْسَ مَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا وَضَابِطُ الْمَحْرَمِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ مَنْ حَرُمَ عَلَيْهِ نِكَاحُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ لِحُرْمَتِهَا، فَخَرَجَ بِالتَّأْبِيدِ أُخْتُ الزَّوْجَةِ وَعَمَّتُهَا، وَبِالْمُبَاحِ أُمُّ الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ وَبِنْتُهَا، وَبِحُرْمَتِهَا الْمُلَاعَنَةُ، وَاسْتَثْنَى أَحْمَدُ مِنْ حَرُمَتْ عَلَى التَّأْبِيدِ مُسْلِمَةً لَهَا أَبٌ كِتَابِيٌّ، فَقَالَ: لَا يَكُونُ مَحْرَمًا لَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَفْتِنَهَا عَنْ دِينِهَا إِذَا خَلَا بِهَا. وَمَنْ قَالَ: إِنَّ عَبْدَ الْمَرْأَةِ مَحْرَمٌ لَهَا يَحْتَاجُ أَنْ يَزِيدَ فِي هَذَا الضَّابِطِ مَا يُدْخِلُهُ، وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: سَفَرُ الْمَرْأَةِ مَعَ عَبْدِهَا ضَيْعَةٌ لَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَيَنْبَغِي لِمَنْ أَجَازَ ذَلِكَ أَنْ يُقَيِّدَهُ بِمَا إِذَا كَانَا فِي قَافِلَةٍ بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَا وَحْدَهُمَا فَلَا؛ لِهَذَا الْحَدِيثِ. وَفِي آخِرِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ الزَّوْجَ يَدْخُلُ فِي مُسَمَّى الْمَحْرَمِ، فَإِنَّهُ لَمَّا اسْتَثْنَى الْمَحْرَمَ فَقَالَ الْقَائِلُ: إِنَّ امْرَأَتِي حَاجَّةٌ. فَكَأَنَّهُ فَهِمَ حَالَ الزَّوْجِ فِي الْمَحْرَمِ، وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ مَا فَهِمَهُ، بَلْ قِيلَ لَهُ: اخْرُجْ مَعَهَا.
وَاسْتَثْنَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ ابْنَ الزَّوْجِ فَكَرِهَ السَّفَرَ مَعَهُ لِغَلَبَةِ الْفَسَادِ فِي النَّاسِ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: هَذِهِ الْكَرَاهِيَةُ عَنْ مَالِكٍ، فَإِنْ كَانَتْ لِلتَّحْرِيمِ فَفِيهِ بُعْدٌ؛ لِمُخَالَفَةِ الْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَتْ لِلتَّنْزِيهِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى أَنَّ لَفْظَ: لَا يَحِلُّ هَلْ يَتَنَاوَلُ الْمَكْرُوهَ الْكَرَاهَةَ التَّنْزِيهِيَّةَ؟
قَوْلُهُ: (وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ) فِيهِ مَنْعُ الْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَهُوَ إِجْمَاعٌ، لَكِنِ اخْتَلَفُوا هَلْ يَقُومُ غَيْرُ الْمَحْرَمِ مَقَامَهُ فِي هَذَا كَالنِّسْوَةِ الثِّقَاتِ؟ وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ لِضَعْفِ التُّهْمَةِ بِهِ. وَقَالَ الْقَفَّالُ: لَا بُدَّ مِنَ الْمَحْرَمِ، وَكَذَا فِي النِّسْوَةِ الثِّقَاتِ فِي سَفَرِ الْحَجِّ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعَ إِحْدَاهُنَّ مَحْرَمٌ. وَيُؤَيِّدُهُ نَصُّ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُصَلِّيَ بِنِسَاءٍ مُفْرَدَاتٍ إِلَّا أَنْ تَكُونَ إِحْدَاهُنَّ مَحْرَمًا لَهُ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الرَّجُلِ وَلَا امْرَأَتِهِ وَلَا عَلَى تَعْيِينِ الْغَزْوَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَسَيَأْتِي فِي الْجِهَادِ بِلَفْظِ: إِنِّي اكْتَتَبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا، أَيْ: كَتَبَتْ نَفْسِي فِي أَسْمَاءِ مَنْ عُيِّنَ لِتَلِكَ الْغَزَاةِ. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: الظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْحَجَّ عَلَى التَّرَاخِي، إِذْ لَوْ كَانَ عَلَى الْفَوْرِ لَمَا تَأَخَّرَ الرَّجُلُ مَعَ رُفْقَتِهِ الَّذِينَ عُيِّنُوا فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ. كَذَا قَالَ، وَلَيْسَ مَا ذَكَرَهُ بِلَازِمٍ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونُوا قَدْ حَجُّوا قَبْلَ ذَلِكَ مَعَ مَنْ حَجَّ فِي سَنَةِ تِسْعٍ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، أَوْ أَنَّ الْجِهَادَ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَى الْمَذْكُورِينَ بِتَعْيِينِ الْإِمَامِ، كَمَا لَوْ نَزَلَ عَدُوٌّ بِقَوْمٍ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمُ الْجِهَادُ وَيَتَأَخَّرُ الْحَجُّ اتِّفَاقًا.
قَوْلُهُ: (اخْرُجْ مَعَهَا) أَخَذَ بِظَاهِرِهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فَأَوْجَبَ عَلَى الزَّوْجِ السَّفَرَ مَعَ امْرَأَتِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا غَيْرُهُ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَهُوَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ كَالْوَلِيِّ فِي الْحَجِّ عَنِ الْمَرِيضِ، فَلَوِ امْتَنَعَ إِلَّا بِأُجْرَةٍ لَزِمَهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ سَبِيلِهَا فَصَارَ فِي حَقِّهَا كَالْمُؤْنَةِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلزَّوْجِ مَنْعُ امْرَأَتِهِ مِنْ حَجِّ الْفَرْضِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَهُوَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَهُمْ أَنَّ لَهُ مَنْعَهَا لِكَوْنِ الْحَجِّ عَلَى التَّرَاخِي.
وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ الصَّائِغِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، فِي امْرَأَةٍ لَهَا زَوْجٌ وَلَهَا مَالٌ وَلَا يَأْذَنُ لَهَا فِي الْحَجِّ، فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَنْطَلِقَ إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا؟ فَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى حَجِّ التَّطَوُّعِ عَمَلًا بِالْحَدِيثَيْنِ، وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ لِلرَّجُلِ مَنْعَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
في «عمرة رمضان» [خ¦١٧٨٢] (عَنْ عَطَاءٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) فيه: تقوية طريق حبيبٍ المعلِّم، وتصريح عطاءٍ بسماعه من ابن عبَّاسٍ.
(وَقَالَ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا، ابن عمرٍو الرَّقِّيُّ، ممَّا وصله ابن ماجه (عَنْ عَبْدِ الكَرِيمِ) بن مالكٍ الجزريِّ (عنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله الأنصاريِّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) وتمامه عند ابن ماجه أنَّه قال: «عمرةٌ في رمضان تعدل حجَّةً»، قال الحافظ ابن حجرٍ: وأراد البخاريُّ بهذا بيان الاختلاف فيه على عطاءٍ، وقد وافق ابن أبي ليلى ويعقوب بن عطاء حبيبًا وابن جريجٍ، فتبيَّن شذوذ رواية عبد الكريم، وشذَّ معقلٌ الجزريُّ أيضًا فقال: عن عطاءٍ عن أمِّ سليمٍ، وصنيع البخاريِّ يقتضي ترجيح رواية ابن جريجٍ، ويومئ إلى أنَّ رواية عبد الكريم ليست مُطَّرَحةً لاحتمال أن يكون لعطاءٍ فيه شيخان، ويؤيِّد ذلك: أنَّ رواية عبد الكريم خاليةٌ عن القصَّة، مقتصرةٌ على المتن، وهو قوله: «عمرةٌ في رمضان تعدل حجَّةً» كما مرَّ.
١٨٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ -بمعجمةٍ ثمَّ مهملةٍ- البصريُّ، قاضي مكَّة، قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ) بضمِّ العين وفتح الميم حليف بني عديٍّ الكوفيِّ، ويُقال له: الفَرَسيُّ -بفتح الفاء والرَّاء ثمَّ مهملةٍ- نسبةً إلى فرسٍ له سابقٍ (عَنْ قَزَعَةَ) بفتح القاف والزَّاي والمهملة (مَوْلَى زِيَادٍ) بتخفيف التَّحتيَّة (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ) الخدريَّ ﵁ (-وَقَدْ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً- قَالَ: أَرْبَعٌ) من الحكمة (سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ -أَوْ قَالَ: يُحَدِّثُهُنَّ) بالشَّكِّ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أخذتهنَّ» بالخاء والذَّال المعجمتين من الأخذ، أي: حملتهنَّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَعْجَبْنَنِي) الأربع، وهي بسكون الموحَّدة وفتح النُّون الأولى وكسر الثَّانية بصيغة الجمع للمُؤنَّث (وَآنَقْنَنِي)
بفتح الهمزة الممدودة والنُّون وسكون القاف؛ بصيغة جمع المُؤنَّث الماضي، أي: أَعجبْنَني، وهو من عطف الشَّيء على مرادفه نحو: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] أو: أَفْرحنَني وأَسْررنَني (١)، قال في «القاموس»: الأَنَقُ، مُحَرَّكةً: الفرحُ والسُّرور.
أوَّلها: (أَلَّا تُسَافِرَ امْرَأَةٌ) بنصب «تسافرَ» في الفرع وغيره، وقال البرماويُّ -كالكِرمانيِّ-: بالرَّفع لا غير لأنَّ «أنْ» هي (٢) المفسِّرة لا النَّاصبة، وهذا فيه شيءٌ؛ فإنَّ قوله: «بالرَّفع لا غير» إن أراد به في (٣) الرِّواية فغير مُسلَّمٍ، وإن أراد به من جهة العربيَّة فكذلك، فقد قال ابن هشامٍ في «المغني»: إذا وَلِيَ «أَنْ» الصَّالحة للتَّفسير مضارعٌ معه «لا» -نحو: أشرت إليه أن لا يفعلَُ- جاز رفعه على تقدير: «لا» نافيةً، وجزمه على تقديرها: ناهيةً، وعليهما: فـ «أَنْ» مفسِّرةٌ، ونصبه على تقدير (٤) «لا» نافيةً، و «أن» مصدريَّةً (مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ) وفي حديث ابن عمر [خ¦١٠٨٦] التَّقييد بثلاثة أيَّامٍ، وفي حديث أبي هريرة في «الصَّلاة» [خ¦١٠٨٨] بيومٍ وليلةٍ، وفي حديث عائشة السَّابق [خ¦١٨٦١] أطلق السَّفر، وقد أخذ أكثر العلماء (٥) بالمطلق لاختلاف التَّقييدات، قال النَّوويُّ: ليس المراد من التَّحديد ظاهره، بل كلُّ ما يُسمَّى سفرًا فالمرأة منهيَّةٌ عنه إلَّا بالمَحْرَم، وإنَّما وقع التَّحديد عن أمرٍ واقعٍ، فلا يُعمَل بمفهومه، وقال ابن دقيق العيد: وقد حملوا هذا الاختلاف على حسب اختلاف السَّائلين والمواطن، وأنَّه متعلِّقٌ بأقلَّ ما يقع عليه اسم السَّفر، وعلى هذا يتناول السَّفر الطَّويل والقصير، ولا يتوقَّف امتناع سفر المرأة على مسافة القصر؛ خلافًا للحنفيَّة، وحجَّتهم: أنَّ المنع المُقيَّد بالثَّلاث متحقِّقٌ، وما عداه مشكوكٌ فيه، فيُؤخَذ بالمُتيقَّن، وتُعقِّب بأنَّ الرِّواية المطلقة شاملةٌ (٦) لكلِّ سفر، فينبغي الأخذ بها وطرح ما عداها، فإنَّه مشكوكٌ فيه، ومن قواعد الحنفيَّة: تقديم الخبر العامِّ على الخاصِّ، وترك حمل المُطلَق على المُقيَّد، وقد خالفوا ذلك هنا، وقال صاحب «العدَّة» في «شرح العمدة»: وليس هذا من المُطلَق والمُقيَّد الذي وردت
فيه قيودٌ متعدِّدةٌ، وإنَّما هو من العامِّ؛ لأنَّه نكرةٌ في سياق النَّفي، فيكون من العامِّ الذي ذُكِرت بعض أفراده، فلا تخصيص بذلك على الرَّاجح في الأصول.
(لَيْسَ مَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ) ولأبي ذرٍّ في بعض النُّسخ: «أو ذو مَحرَمٍ، مُحَرَّمٍ»: بفتح الميم في الأوَّل وتخفيف الرَّاء، وضمِّها في الثَّاني مع تشديد الرَّاء، ولفظ: «امرأةٌ» عامٌّ (١) يشمل الشَّابَّة والعجوز، لكن خصَّ أبو الوليد الباجيُّ المنع بغير العجوز التي لا تُشتَهى، أمَّا هي فتسافر كيف شاءت في كلِّ الأسفار بلا زوجٍ ولا (٢) محرمٍ، وتُعقِّب بأنَّ المرأة مظنَّة الطَّمع فيها ومظنَّة الشَّهوة ولو كانت كبيرةً، وقد قالوا: لكلِّ ساقطةٍ لاقطةٌ، وأُجيب بأنَّه ما لنا لاقطةٌ لهذه السَّاقطة، ولو وُجِد (٣) خرجت عن فرض المسألة لأنَّها تكون حينئذٍ مشتهاةً في الجملة، وليس الكلام فيها، إنَّما الكلام فيمن لا تُشتَهى أصلًا ورأسًا، ولا نسلِّم أنَّ من هي بهذه المثابة (٤) مظنَّة الطَّمع والميل إليها بوجهٍ، قال ابن دقيق العيد: والذي قاله الباجيُّ تخصيص العموم بالنَّظر إلى المعنى، وقد اختار (٥) الشَّافعيُّ أنَّ المرأة تسافر في الأمن ولا تحتاج إلى أحدٍ (٦)، بل تسير وحدها في جملة القافلة وتكون آمنةً، قال: وهذا مخالفٌ لظاهر الحديث. انتهى. وهذا الذي قاله -من جواز سفرها وحدها- نقله الكرابيسيُّ، ولكنَّ المشهور عند الشَّافعيَّة: اشتراط الزَّوج، أو المحرم، أو النِّسوة الثِّقات، ولا يُشترَط أن يخرج معهنَّ محرمٌ أو زوجٌ لإحداهنَّ لانقطاع الأطماع باجتماعهنَّ، ولها أن تخرج مع الواحدة لفرض الحجِّ، على الصَّحيح في شرحي «المُهذَّب» و «مسلمٍ»، ولو سافرت لنحو زيارةٍ وتجارةٍ لم يجز مع النِّسوة لأنَّه سفرٌ غير واجبٍ، قال في «المجموع»: والخنثى المشكل يُشتَرط في حقِّه من المحرم ما يُشتَرط في المرأة، ولم يشترطوا في الزَّوج والمحرم كونهما ثقتين، وهو في الزَّوج واضحٌ، وأمَّا في المحرم فسببه -كما في «المهمَّات» -: أنَّ الوازع الطَّبيعيَّ أقوى من
الشَّرعيِّ، وكالمَحْرَم عبدُها الأمين، صرَّح به المرعشيُّ وابن أبي الصَّيف، والمَحْرَم أيضًا عامٌّ، فيشمل محرم النَّسب -كأبيها وابنها وأخيها- ومحرم الرَّضاع، ومحرم المصاهرة- كأبي زوجها، وابن زوجها- واستثنى بعضهم -وهو منقولٌ عن مالكٍ- ابن الزَّوج، فقال: يُكرَه سفرها معه لغلبة الفساد في النَّاس بعد العصر الأوَّل، ولأنَّ كثيرًا من النَّاس لا ينزِّل زوجة الأب في النَّفرة عنها منزلة (١) محارم النَّسب، والمرأة فتنةٌ إلَّا فيما جبل الله النُّفوس عليه من النَّفرة عن محارم النَّسب، قال ابن دقيق العيد: والحديث عامٌّ، فإن عنى بالكراهة التَّحريم فهو مخالفٌ لظاهر الحديث، وإن عنى كراهة التَّنزيه فهو أقرب، واختلفوا: هل المحرم وما ذكر معه شرطٌ في وجوب الحجِّ عليها، أو شرطٌ في التَّمكُّن فلا يمنع الوجوب والاستقرار في الذِّمَّة؟ والذين ذهبوا إلى الأوَّل استدلُّوا بهذا الحديث، فإنَّ سفرها للحجِّ من جملة الأسفار الدَّاخلة تحت الحديث فتمتنع (٢) إلَّا مع المحرم، والذين قالوا بالثَّاني جوَّزوا سفرها مع رفقةٍ مأمونين إلى الحجِّ رجالًا أو نساءً -كما مرَّ- وهو مذهب الشَّافعيَّة والمالكيَّة، والأوَّل مذهب الحنفيَّة والحنابلة.
قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: وهذه المسألة تتعلَّق بالنَّصين إذا تعارضا وكان كلٌّ (٣) منهما عامًّا من وجهٍ، خاصًا من وجهٍ، فإنَّ قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧] يدخل تحته الرِّجال والنِّساء، فيقتضي ذلك أنَّه إذا وُجِدت الاستطاعة المُتفَّق عليها أن يجب عليها الحجُّ، وقوله ﷺ: «لا يحلُّ لامرأةٍ … » الحديثَ خاصٌّ بالنِّساء، عامٌّ في الأسفار (٤) فيدخل فيه الحجُّ، فمن أخرجه عنه خصَّ الحديث بعموم الآية، ومن أدخله فيه خصَّ الآية بعموم الحديث (٥)، فإذا قيل به وأُخرِج عنه لفظ الحجِّ لقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى
النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] قال المخالف: بل يعمل (١) بقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ فتدخل المرأة فيه ويخرج سفر الحجِّ عن النَّهي، فيقوم في كلِّ واحدٍ من النَّصين عمومٌ وخصوصٌ، ويحتاج إلى التَّرجيح من خارجٍ، قال: وذكر بعض الظَّاهريَّة أنَّه يذهب إلى دليلٍ من خارجٍ؛ وهو قوله ﷺ [خ¦٩٠٠] «لا تمنعوا إماءَ الله مساجدَ الله»، ولا يتَّجه ذلك فإنَّه (٢) عامٌّ في المساجد، فيمكن أن يخرج عنه المسجد الذي يحتاج إلى السَّفر في الخروج إليه بحديث (٣) النَّهي. انتهى (٤).
وقال المرداويُّ من الحنابلة: المَحْرَم من شرائط الوجوب كالاستطاعة وغيرها، وعليه أكثر الأصحاب، ونقله الجماعة عن الإمام أحمد، وهو ظاهر كلام الخرقيِّ، وقدَّمه في «المُحرَّر» و «الفروع» و «الحاويين» و «الرِّعايتين»، وجزم به في «المنهاج» (٥) و «الإفادات»، قال ابن منجا في «شرحه»: هذا المذهب، وهو من المفردات، وعنه: أنَّ المحرم من شرائط لزوم الحجِّ، وجزم به في «الوجيز»، وأطلقه الزَّركشيُّ. انتهى. وفائدة الخلاف تظهر في وجوب الإيصاء به.
والثَّانية من الأربعة: (وَلَا صَوْمَ يَوْمَيْنِ) «صومَ»: اسم «لا»، و «يومين»: خبره، أي: لا صومَ في هذين اليومين، ويجوز أن يكون «صومَ» مضافًا إلى «يومين»، والتَّقدير: لا صومَ يومين ثابتٌ أو مشروعٌ، يوم عيد (الفِطْرِ وَالأَضْحَى) بفتح الهمزة (وَ) الثَّالثة: (لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاتَيْنِ: بَعْدَ) صلاة (العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ) صلاة (الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَ) الرَّابعة: (لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الحَرَامِ) بمكَّة، و «مسجدِ»: بالجرِّ بدلٌ من سابقه (وَمَسْجِدِي) بطيبة (وَمَسْجِدِ الأَقْصَى) الأبعد عن المسجد الحرام في المسافة أو عن الأقذار، وهو مسجد بيت المقدس.
(٢٧) (بابُ مَنْ نَذَرَ المَشْيَ إِلَى الكَعْبَةِ) هل يجب عليه الوفاء بذلك أم لا؟