الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩٢٣
الحديث رقم ١٩٢٣ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب بركة السحور من غير إيجاب.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابٌ: إِذَا نَوَى بِالنَّهَارِ صَوْمًا وَقَالَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُولُ عِنْدَكُمْ طَعَامٌ فَإِنْ قُلْنَا لَا قَالَ فَإِنِّي صَائِمٌ يَوْمِي هَذَا وَفَعَلَهُ أَبُو طَلْحَةَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَحُذَيْفَةُ ﵃
١٩٢٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الجوع والعطش (فَنَهَاهُمْ) عن الوصال لِمَا رأى من المشقَّة عليهم، نَهْيَ إرشادٍ أو للتَّحريم (١)، وهو المُرجَّح عند الشَّافعيَّة (قَالُوا: إِنَّكَ) ولابن عساكر: «فإنَّك» (تُوَاصِلُ! قَالَ) ﵊: (لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ) أي: ليست حالي كحالكم (٢)، أو لفظ الهيئة زائدٌ، والمراد: لست كأحدكم (إِنِّي أَظَلُّ) بفتح الهمزة والظَّاء المعجمة المشالة (٣) (أُطْعَمُ وَأُسْقَى) بضمِّ الهمزة فيهما (٤) مبنيين للمفعول، أي: أُعطَى قوَّة الطَّاعم والشَّارب، فليس المراد الحقيقة؛ إذ لو أكل حقيقةً لم يبقَ وصالٌ.
وفي هذا الحديث مباحث تأتي إن شاء الله تعالى في موضعها.
١٩٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) بكسر الهمزة وتخفيف الياء قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) بضمِّ الصَّاد المهملة وفتح الهاء، مُصغَّرًا (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) ولابن عساكر: «رسول الله» (ﷺ: تَسَحَّرُوا) هو «تفعُّلٌ» من السَّحر؛ وهو قُبيل الصُّبح، وقال في «الرَّوضة» كـ «أصلها»: ويدخل وقته بنصف اللَّيل، قال السُّبكيُّ: وفيه نظرٌ لأنَّ السَّحَر لغةً: قُبيل الفجر، ومن ثمَّ خصَّه ابن أبي الصَّيف اليمنيُّ بالسُّدس الأخير، والمراد: الأكل في ذلك الوقت، وذلك على معنى: أنَّ التَّفعُّل هنا في (٥) الزَّمن المصوغ من لفظه، فإنَّه من معاني «تفعَّل» كما ذكره ابن مالكٍ في «التَّسهيل»، أو الأخذ في الأمر شيئًا فشيئًا، ويحصل السَّحور بقليل المطعوم وكثيره، والأمر به (٦) للنَّدب (فَإِنَّ فِي السَّحُورِ) بفتح
السِّين: اسمٌ (١) لِمَا يتسحَّر به، وبالضَّمِّ: الفعل (بَرَكَةً) بالنَّصب (٢): اسم «إنَّ»، وفي معنى كونه بركةً وجوهٌ: أن يبارك في اليسير منه بحيث يحصل (٣) به الإعانة على الصَّوم، وفي حديث عليٍّ عند ابن عديٍّ مرفوعًا: «تسحَّروا ولو بشربةٍ من ماءٍ» زاد في حديث أبي أمامة عند الطَّبرانيِّ مرفوعًا: «ولو بتمرةٍ، ولو بحبَّات زبيبٍ … » الحديثَ. ويكون ذلك بالخاصيَّة كما بُورِك في الثَّريد والاجتماع على الطَّعام، أو المرادُ بالبركة نفيُ التَّبعة (٤)، وفي حديث أبي هريرة ممَّا ذكره (٥) في «الفردوس»: «ثلاثةٌ لا يُحاسَب عليها العبد: أكلة السَّحَر (٦)، وما أفطر عليه، وما أكل مع الإخوان»، أو المراد بها: التَّقوِّي على الصِّيام وغيره من أعمال النَّهار، وفي حديث جابر عند ابن ماجه والحاكم مرفوعًا: «استعينوا بطعام السَّحر على صيام النَّهار، وبالقيلولة على قيام اللَّيل» ويحصل به النَّشاط ومدافعة سوء الخُلُق الذي يثيره الجوع، أو المراد بها: الأمور الأخرويَّة؛ فإنَّ إقامة السُّنَّة توجب الأجر وزيادةً، وقال القاضي عياضٌ: قد تكون هذه البركة ما يتَّفق للمتسحِّر من ذكرٍ أو صلاةٍ أو استغفارٍ، وغير ذلك من زيادات الأعمال التي لولا القيام للسَّحور لكان الإنسان نائمًا عنها وتاركًا لها، وتجديد النِّيَّة للصَّوم؛ ليخرج من خلاف من أوجب تجديدها إذا نام بعدها، وقال ابن دقيق العيد: وممَّا يُعلَّل به استحباب السُّحور المخالفةُ لأهل الكتاب؛ لأنَّه ممتنعٌ عندهم وهذا أحد الوجوه المقتضية للزِّيادة في الأجور الأخرويَّة.
تنبيهٌ: إن قلنا: إنَّ المرادَ بالبركة الأجرُ والثَّواب، فالسُّحور بالضَّمِّ لأنَّه مصدرٌ بمعنى التَّسحُّر، وإن قلنا: التَّقوية فبالفتح (٧).
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.
(٢١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا نَوَى) الإنسان (بِالنَّهَارِ صَوْمًا) فرضًا أو نفلًا، هل يصحُّ أو لا؟ (وَقَالَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ) خيرة، ممَّا وصله ابن أبي شيبة: (كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ) عويمرٌ الأنصاريُّ (يَقُولُ: عِنْدَكُمْ طَعَامٌ؟ فَإِنْ قُلْنَا: لَا؛ قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ يَوْمِي هَذَا، وَفَعَلَهُ) أي: ما فعل أبو الدَّرداء (أَبُو طَلْحَةَ) زيدُ بن سهلٍ الأنصاريُّ، ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق (وَ) كذا فعله (أَبُو هُرَيْرَةَ) ممَّا وصله البيهقيُّ (وَ) كذا (ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا وصله الطَّحاويُّ (وَ) كذا (حُذَيْفَةُ ﵃) ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق، وهذا كلُّه في النَّفل قبل الزَّوال، ويدلُّ له قوله في أثر أمِّ الدَّرداء عند ابن أبي شيبة: كان أبو الدَّرداء يغدو أحيانًا فيسأل الغداء، وفي أثر أبي طلحة عند عبد الرَّزَّاق: كان يأتي أهله فيقول: هل من غداءٍ؟ وقول ابن عبَّاسٍ: لقد أصبحت وما أريد الصَّوم، وما أكلت من طعامٍ ولا شرابٍ، ولأصومنَّ يومي هذا، إذ الغداء -بفتح الغين-: اسمٌ لِمَا يُؤكَل قبل الزَّوال، وهذا مذهب الشَّافعيَّة، واستدلَّ له (١) أيضًا: بأنَّه ﷺ قال لعائشة يومًا: «هل عندكم من غداءٍ؟» قالت: لا، قال: «فإنِّي إذًا أصوم» رواه الدَّارقُطنيُّ وصحَّح إسناده، ويُحكَم بالصَّوم في ذلك من أوَّل النَّهار، فيُثاب على جميعه، وفي أثر حذيفة عند عبد الرَّزَّاق أنَّه قال: من بدا له الصِّيام بعدما تزول الشَّمس فليصم، وإليه ذهب جماعةٌ، سواءٌ كان قبل الزَّوال أو بعده، وهو مذهب الحنابلة، وعبارة المرداويِّ في «تنقيحه»: ويصحُّ صوم نفلٍ بنيَّةٍ (٢) من النَّهار
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الجوع والعطش (فَنَهَاهُمْ) عن الوصال لِمَا رأى من المشقَّة عليهم، نَهْيَ إرشادٍ أو للتَّحريم (١)، وهو المُرجَّح عند الشَّافعيَّة (قَالُوا: إِنَّكَ) ولابن عساكر: «فإنَّك» (تُوَاصِلُ! قَالَ) ﵊: (لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ) أي: ليست حالي كحالكم (٢)، أو لفظ الهيئة زائدٌ، والمراد: لست كأحدكم (إِنِّي أَظَلُّ) بفتح الهمزة والظَّاء المعجمة المشالة (٣) (أُطْعَمُ وَأُسْقَى) بضمِّ الهمزة فيهما (٤) مبنيين للمفعول، أي: أُعطَى قوَّة الطَّاعم والشَّارب، فليس المراد الحقيقة؛ إذ لو أكل حقيقةً لم يبقَ وصالٌ.
وفي هذا الحديث مباحث تأتي إن شاء الله تعالى في موضعها.
١٩٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) بكسر الهمزة وتخفيف الياء قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) بضمِّ الصَّاد المهملة وفتح الهاء، مُصغَّرًا (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) ولابن عساكر: «رسول الله» (ﷺ: تَسَحَّرُوا) هو «تفعُّلٌ» من السَّحر؛ وهو قُبيل الصُّبح، وقال في «الرَّوضة» كـ «أصلها»: ويدخل وقته بنصف اللَّيل، قال السُّبكيُّ: وفيه نظرٌ لأنَّ السَّحَر لغةً: قُبيل الفجر، ومن ثمَّ خصَّه ابن أبي الصَّيف اليمنيُّ بالسُّدس الأخير، والمراد: الأكل في ذلك الوقت، وذلك على معنى: أنَّ التَّفعُّل هنا في (٥) الزَّمن المصوغ من لفظه، فإنَّه من معاني «تفعَّل» كما ذكره ابن مالكٍ في «التَّسهيل»، أو الأخذ في الأمر شيئًا فشيئًا، ويحصل السَّحور بقليل المطعوم وكثيره، والأمر به (٦) للنَّدب (فَإِنَّ فِي السَّحُورِ) بفتح
السِّين: اسمٌ (١) لِمَا يتسحَّر به، وبالضَّمِّ: الفعل (بَرَكَةً) بالنَّصب (٢): اسم «إنَّ»، وفي معنى كونه بركةً وجوهٌ: أن يبارك في اليسير منه بحيث يحصل (٣) به الإعانة على الصَّوم، وفي حديث عليٍّ عند ابن عديٍّ مرفوعًا: «تسحَّروا ولو بشربةٍ من ماءٍ» زاد في حديث أبي أمامة عند الطَّبرانيِّ مرفوعًا: «ولو بتمرةٍ، ولو بحبَّات زبيبٍ … » الحديثَ. ويكون ذلك بالخاصيَّة كما بُورِك في الثَّريد والاجتماع على الطَّعام، أو المرادُ بالبركة نفيُ التَّبعة (٤)، وفي حديث أبي هريرة ممَّا ذكره (٥) في «الفردوس»: «ثلاثةٌ لا يُحاسَب عليها العبد: أكلة السَّحَر (٦)، وما أفطر عليه، وما أكل مع الإخوان»، أو المراد بها: التَّقوِّي على الصِّيام وغيره من أعمال النَّهار، وفي حديث جابر عند ابن ماجه والحاكم مرفوعًا: «استعينوا بطعام السَّحر على صيام النَّهار، وبالقيلولة على قيام اللَّيل» ويحصل به النَّشاط ومدافعة سوء الخُلُق الذي يثيره الجوع، أو المراد بها: الأمور الأخرويَّة؛ فإنَّ إقامة السُّنَّة توجب الأجر وزيادةً، وقال القاضي عياضٌ: قد تكون هذه البركة ما يتَّفق للمتسحِّر من ذكرٍ أو صلاةٍ أو استغفارٍ، وغير ذلك من زيادات الأعمال التي لولا القيام للسَّحور لكان الإنسان نائمًا عنها وتاركًا لها، وتجديد النِّيَّة للصَّوم؛ ليخرج من خلاف من أوجب تجديدها إذا نام بعدها، وقال ابن دقيق العيد: وممَّا يُعلَّل به استحباب السُّحور المخالفةُ لأهل الكتاب؛ لأنَّه ممتنعٌ عندهم وهذا أحد الوجوه المقتضية للزِّيادة في الأجور الأخرويَّة.
تنبيهٌ: إن قلنا: إنَّ المرادَ بالبركة الأجرُ والثَّواب، فالسُّحور بالضَّمِّ لأنَّه مصدرٌ بمعنى التَّسحُّر، وإن قلنا: التَّقوية فبالفتح (٧).
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.
(٢١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا نَوَى) الإنسان (بِالنَّهَارِ صَوْمًا) فرضًا أو نفلًا، هل يصحُّ أو لا؟ (وَقَالَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ) خيرة، ممَّا وصله ابن أبي شيبة: (كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ) عويمرٌ الأنصاريُّ (يَقُولُ: عِنْدَكُمْ طَعَامٌ؟ فَإِنْ قُلْنَا: لَا؛ قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ يَوْمِي هَذَا، وَفَعَلَهُ) أي: ما فعل أبو الدَّرداء (أَبُو طَلْحَةَ) زيدُ بن سهلٍ الأنصاريُّ، ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق (وَ) كذا فعله (أَبُو هُرَيْرَةَ) ممَّا وصله البيهقيُّ (وَ) كذا (ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا وصله الطَّحاويُّ (وَ) كذا (حُذَيْفَةُ ﵃) ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق، وهذا كلُّه في النَّفل قبل الزَّوال، ويدلُّ له قوله في أثر أمِّ الدَّرداء عند ابن أبي شيبة: كان أبو الدَّرداء يغدو أحيانًا فيسأل الغداء، وفي أثر أبي طلحة عند عبد الرَّزَّاق: كان يأتي أهله فيقول: هل من غداءٍ؟ وقول ابن عبَّاسٍ: لقد أصبحت وما أريد الصَّوم، وما أكلت من طعامٍ ولا شرابٍ، ولأصومنَّ يومي هذا، إذ الغداء -بفتح الغين-: اسمٌ لِمَا يُؤكَل قبل الزَّوال، وهذا مذهب الشَّافعيَّة، واستدلَّ له (١) أيضًا: بأنَّه ﷺ قال لعائشة يومًا: «هل عندكم من غداءٍ؟» قالت: لا، قال: «فإنِّي إذًا أصوم» رواه الدَّارقُطنيُّ وصحَّح إسناده، ويُحكَم بالصَّوم في ذلك من أوَّل النَّهار، فيُثاب على جميعه، وفي أثر حذيفة عند عبد الرَّزَّاق أنَّه قال: من بدا له الصِّيام بعدما تزول الشَّمس فليصم، وإليه ذهب جماعةٌ، سواءٌ كان قبل الزَّوال أو بعده، وهو مذهب الحنابلة، وعبارة المرداويِّ في «تنقيحه»: ويصحُّ صوم نفلٍ بنيَّةٍ (٢) من النَّهار