«جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ الْأَخِرَ وَقَعَ عَلَى…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩٣٧

الحديث رقم ١٩٣٧ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب المجامع في رمضان هل يطعم أهله من الكفارة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٩٣٧ في صحيح البخاري

«جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: إِنَّ الْأَخِرَ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: أَتَجِدُ مَا تُحَرِّرُ رَقَبَةً، قَالَ: لَا، قَالَ: فَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، قَالَ: لَا، قَالَ: أَفَتَجِدُ مَا تُطْعِمُ بِهِ سِتِّينَ مِسْكِينًا، قَالَ: لَا، قَالَ: فَأُتِيَ النَّبِيُّ

⦗٣٣⦘

بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، وَهُوَ الزَّبِيلُ، قَالَ: أَطْعِمْ هَذَا عَنْكَ، قَالَ: عَلَى أَحْوَجَ مِنَّا، مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا، قَالَ: فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ.»

بَابُ الْحِجَامَةِ وَالْقَيْءِ لِلصَّائِمِ.

وَقَالَ لِي يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ : إِذَا قَاءَ فَلَا يُفْطِرُ إِنَّمَا يُخْرِجُ وَلَا يُولِجُ، وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يُفْطِرُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ: الصَّوْمُ مِمَّا دَخَلَ وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ ثُمَّ تَرَكَهُ فَكَانَ يَحْتَجِمُ بِاللَّيْلِ، وَاحْتَجَمَ أَبُو مُوسَى لَيْلًا، وَيُذْكَرُ عَنْ سَعْدٍ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَأُمِّ سَلَمَةَ احْتَجَمُوا صِيَامًا، وَقَالَ بُكَيْرٌ عَنْ أُمِّ عَلْقَمَةَ كُنَّا نَحْتَجِمُ عِنْدَ عَائِشَةَ فَلَا تَنْهَى، وَيُرْوَى عَنِ الْحَسَنِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مَرْفُوعًا فَقَالَ: أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ.

وَقَالَ لِي عَيَّاشٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنِ الْحَسَنِ مِثْلَهُ قِيلَ لَهُ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ نَعَمْ ثُمَّ قَالَ اللهُ أَعْلَمُ

إسناد حديث رقم ١٩٣٧ من صحيح البخاري

١٩٣٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٩٣٧: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الصَّلَاةِ مِنَ الْمَصَالِحِ الدِّينِيَّةِ كَنَشْرِ الْعِلْمِ، وَفِيهِ جَوَازُ الضَّحِكِ عِنْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ، وَإِخْبَارُ الرَّجُلِ بِمَا يَقَعُ مِنْهُ مَعَ أَهْلِهِ لِلْحَاجَةِ. وَفِيهِ الْحَلِفُ لِتَأْكِيدِ الْكَلَامِ، وَقَبُولُ قَوْلِ الْمُكَلَّفِ مِمَّا لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ إِلَّا مِنْ قِبَلِهِ لِقَوْلِهِ فِي جَوَابِ قَوْلِهِ: أَفْقَرَ مِنَّا: أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ قَرِينَةٌ لِصِدْقِهِ. وَفِيهِ التَّعَاوُنُ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَالسَّعْيُ فِي إِخْلَاصِ الْمُسْلِمِ، وَإِعْطَاءُ الْوَاحِدِ فَوْقَ حَاجَتِهِ الرَّاهِنَةِ، وَإِعْطَاءُ الْكَفَّارَةِ أَهْلَ بَيْتٍ وَاحِدٍ، وَأَنَّ الْمُضْطَرَّ إِلَى مَا بِيَدِهِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ أَوْ بَعْضَهُ لِمُضْطَرٍّ آخَرَ.

٣١ - بَاب الْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ هَلْ يُطْعِمُ أَهْلَهُ مِنْ الْكَفَّارَةِ إِذَا كَانُوا مَحَاوِيجَ

١٩٣٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: إِنَّ الْأَخِرَ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ فَقَالَ: أَتَجِدُ مَا تُحَرِّرُ رَقَبَةً؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لَا قَالَ: أَفَتَجِدُ مَا تُطْعِمُ بِهِ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَأُتِيَ النَّبِيُّ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ وَهُوَ الزَّبِيلُ قَالَ: أَطْعِمْ هَذَا عَنْكَ قَالَ: عَلَى أَحْوَجَ مِنَّا؟ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا. قَالَ: فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ

قَوْلُهُ: (بَابٌ: الْمُجَامِعُ فِي رَمَضَانَ هَلْ يُطْعِمُ أَهْلَهُ مِنَ الْكَفَّارَةِ إِذَا كَانُوا مَحَاوِيجَ)؟ يَعْنِي: أَمْ لَا؟ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ وَالَّتِي قَبْلَهَا؛ لِأَنَّ الَّتِي قَبْلَهَا آذَنَتْ بِأَنَّ الْإِعْسَارَ بِالْكَفَّارَةِ لَا يُسْقِطُهَا عَنِ الذِّمَّةِ لِقَوْلِهِ فِيهَا: إِذَا جَامَعَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ فَتُصُدِّقَ عَلَيْهِ فَلْيُكَفِّرْ وَالثَّانِيَةُ تَرَدَّدَتْ هَلِ الْمَأْذُونُ لَهُ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ نَفْسُ الْكَفَّارَةِ أَمْ لَا؟ وَعَلَى هَذَا يَتَنَزَّلُ لَفْظُ التَّرْجَمَةِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ مَنْصُورٍ) هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ.

قَوْلُهُ: (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ مِنْ أَصْحَابِ مَنْصُورٍ عَنْهُ، وَكَذَا رَوَاهُ مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، وَخَالَفَهُ مِهْرَانُ بْنُ أَبِي عُمَرَ فَرَوَاهُ عَنِ الثَّوْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فَقَالَ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ بَدَلَ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ وَالْمَحْفُوظُ الْأَوَّلُ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ الْأَخِرَ) بِهَمْزَةٍ غَيْرِ مَمْدُودَةٍ بَعْدَهَا خَاءٌ مُعْجَمَةٌ مَكْسُورَةٌ، تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَحَكَى ابْنُ الْقُوطِيَّةِ فِيهِ مَدَّ الْهَمْزَةِ.

قَوْلُهُ: (أَتَجِدُ مَا تُحَرِّرَ رَقَبَةً)؟ بِالنَّصْبِ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ لَفْظِ مَا وَهِيَ مَفْعُولٌ بِـ تَجِدُ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: أَفَتَجِدُ مَا تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَقَدْ تَقَدَّمَ بَاقِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدِ اعْتَنَى بِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِمَّنْ أَدْرَكَهُ شُيُوخُنَا فَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ فِي مُجَلَّدَيْنِ جَمَعَ فِيهِمَا أَلْفَ فَائِدَةٍ وَفَائِدَةً، وَمُحَصَّلُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا لَخَّصْتُهُ مَعَ زِيَادَاتٍ كَثِيرَةٍ عَلَيْهِ، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَنْعَمَ.

٣٢ - بَاب الْحِجَامَةِ وَالْقَيْءِ لِلصَّائِمِ

وَقَالَ لِي يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ : إِذَا قَاءَ فَلَا يُفْطِرُ، إِنَّمَا يُخْرِجُ وَلَا يُولِجُ. وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يُفْطِرُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ: الصَّوْمُ مِمَّا دَخَلَ وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَحْتَجِمُ وَهُوَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وأكثر. انتهى. فمن ذلك: أنَّ من ارتكب معصيةً لا حدَّ فيها وجاء مستفتيًا أنَّه لا يُعاقَب لأنَّه (١) لم يعاقبه مع اعترافه بالمعصية لأنَّ معاقبة المستفتي تكون سببًا لترك الاستفتاء من النَّاس عند وقوعهم في ذلك، وهذه مفسدةٌ عظيمةٌ يجب دفعها.

وفي هذا الحديث: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، ورواه ما ينيف على (٢) أربعين نفسًا عن الزُّهريِّ عن حُمَيدٍ عن أبي هريرة يطول ذكرهم، وقد أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّوم» [خ¦١٩٣٧] و (٣) «الأدب» [خ¦٦٠٨٧] و «النَّفقات» [خ¦٥٣٦٨] و «النُّذور» (٤) [خ¦٦٧٠٩] و «المحاربين» [خ¦٦٨٢١]، ومسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.

(٣١) (بابُ) حكم الصَّائم (المُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ؛ هَلْ يُطْعِمُ أَهْلَهُ مِنَ الكَفَّارَةِ إِذَا كَانُوا مَحَاوِيجَ) أم لا؟ قال الحافظ ابن حجرٍ: ولا منافاة بين هذه التَّرجمة والتي قبلها لأنَّ التي قبلها آذنت بأنَّ الإعسار بالكفَّارة لا يسقطها عن الذِّمَّة لقوله فيها: «إذا جامع ولم يكن له شيءٌ فتُصدِّق عليه فليُكفِّر»، والثَّانية تردَّدت هل المأذون له بالتَّصرُّف فيه نفس الكفَّارة أم لا؟ وعلى هذا يتنزَّل لفظ التَّرجمة.

١٩٣٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) نسبه (٥) لجدِّه، وأبوه محمَّدٌ، وهو أخو أبي بكر

ابن أبي شيبة قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنِ الزُّهْرِيِّ) هو (١) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) أنَّه قال: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: إِنَّ الأَخِرَ) بقصر الهمزة وكسر الخاء المعجمة بوزن «كَتِفِ» أي: من هو في آخر القوم (وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ) أي: جامعها (فِي) نهار (رَمَضَانَ، فَقَالَ) له: (أَتَجِدُ مَا تُحَرِّرُ) أي: تعتق به (٢) (رَقَبَةً؟) بالنَّصب مفعول «تحرِّر» (قَالَ) الرَّجل: (لَا) أجد (قَالَ) : (فَتَسْتَطِيعُ (٣) أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ) الرَّجل: (لَا) أستطيع (قَالَ) : (أَفَتَجِدُ مَا تُطْعِمُ بِهِ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟) وسقط لأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر لفظ «به» (قَالَ) الرَّجل: (لَا) أجد (قَالَ) أبو هريرة: (فَأُتِيَ النَّبِيُّ ) بضمِّ الهمزة وكسر الفوقيَّة مبنيًّا للمفعول (بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ) من تمر الصَّدقة (وَهُوَ) أي: العرق (الزَّبِيلُ) بفتح الزَّاي وكسر المُوحَّدة المُخفَّفة: القفَّة، وفي نسخةٍ: «الزَّنبيل» بالنُّون (قَالَ) للرَّجل: (أَطْعِمْ هَذَا) التَّمر (عَنْكَ) ولابن إسحاق: فتصدَّق به عن نفسك، واستدلَّ به على أنَّ الكفَّارة عليه وحده دون الموطوءة؛ إذ لم يُؤمَر بها إلَّا هو مع الحاجة إلى البيان، ولنقصان صومها بتعرُّضه (٤) للبطلان بعروض الحيض أو نحوه، فلم تكمل (٥) حرمته حتَّى تتعلَّق به الكفَّارة، ولأنَّها غرمٌ ماليٌّ يتعلَّق بالجماع فيختصُّ بالرَّجل الواطئ كالمهر، لا يجب (٦) على الموطوءة،

وقال المالكيَّة: إذا وطئ أَمَتَهُ في نهار رمضان وجبت عليه كفَّارتان: إحداهما: عن نفسه، والأخرى: عن الأَمَة وإن طاوعته لأنَّ مُطاوَعتها كالإكراه للرِّقِّ، وكذلك يكفِّر عن الزَّوجة إن أكرهها على الجماع، وتكفيره عنهما بطريق النِّيابة عنهما لا بطريق الأصالة؛ فلذلك لا يكفِّر عنهما إلَّا بما يجزئهما في التَّكفير، فيكفِّر عن الأَمَة بالإطعام لا بالعتق؛ إذ لا ولاء لها، ولا بالصَّوم لأنَّ الصَّوم لا يقبل النِّيابة، ويكفِّر عن الزَّوجة الحرَّة بالعتق أو الإطعام، فإن أعسر كفَّرت الزَّوجة عن نفسها، ورجعت عليه إذا أيسر بالأقلِّ من قيمة الرَّقبة التي أعتقت أو مكيلة الطَّعام، وأوجبها الحنفيَّة على المرأة المطاوعة لأنَّها شاركت الرَّجل في الإفساد فتشاركه في وجوب الكفَّارة، أي: سواءٌ كانت زوجةً أو أمةً، وقال الحنابلة: ولا يلزم المرأة كفَّارةٌ مع العذر، قال المرداويُّ: نصَّ عليه وعليه (١) أكثر الأصحاب، وعنه: تكفِّر وترجع بها على الزَّوج، اختاره بعض الأصحاب، وهو الصَّواب. انتهى. وأمَّا حديث الدَّارقُطنيِّ عن أبي ثورٍ قال: حدَّثنا مُعلَّى بن منصورٍ قال: حدَّثنا سفيان بن عيينة عن الزُّهريِّ عن حُمَيدٍ عن أبي هريرة قال: جاء أعرابيٌّ إلى النَّبيِّ فقال: هلكت وأهلكت … الحديثَ؛ فقد تفرَّد به أبو ثورٍ عن مُعلَّى بن منصورٍ عن ابن عيينة بقوله: «وأهلكت»، وأخرجه البيهقيُّ عن جماعةٍ عن الأوزاعيِّ عن الزُّهريِّ به (٢)، وفيه قولُه: «وأهلكتُ» وقال (٣): ضعَّف شيخنا أبو عبد الله الحاكم هذه اللَّفظة، وكافَّة أصحاب الأوزاعيِّ روَوْه دونها، واستدلَّ الحاكم على أنَّها خطأٌ: بأنَّه نظر في «كتاب الصَّوم» -تصنيف المُعلَّى بن منصورٍ- فوجد فيه هذا الحديث دون هذه اللَّفظة، وأنَّ (٤) كافَّة أصحاب سفيان روَوْه دونها.

(قَالَ) الرَّجل: أتصدَّق به (عَلَى أَحْوَجَ مِنَّا؟) بحذف همزة الاستفهام، والفعل الذي يتعلَّق به الجارُّ لدلالة قوله: «أطعمْ هذا عنك»، وهو استفهامٌ تعجبيٌّ، أي: ليس (٥) أحدٌ أفقرَ منَّا حتَّى

أتصدَّق به عليه (مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) وفي الرِّواية السَّابقة [خ¦١٩٣٦] «فوالله ما بين لابتيها» (أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا، قَالَ) : (فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ) قيل: أراد بهم من لا تلزمه نفقتهم من أقاربه، وهو قول بعض الشَّافعيَّة، ورُدَّ بقوله في الرِّواية الأخرى [خ¦٦٧٠٩] «عيالك»، وبالأخرى المصرِّحة بالإذن له في الأكل من ذلك، وقيل: هو خاصٌّ بهذا الرَّجل، وإليه نحا إمام الحرمين، وعُورِض بأنَّ الأصل عدم الخصوصيَّة، وقيل: هو منسوخٌ، ولم يعيِّن (١) قائلُه ناسخَه، وقال الشَّافعيُّ في «الأمِّ»: يحتمل أنَّه لمَّا أخبره بفقره صَرَفَه له صدقةً، أو أنَّه ملَّكه إيَّاه وأمره (٢) بالتَّصدُّق به، فلمَّا أخبره بفقره أذن له في صرفها لهم؛ للإعلام بأنَّها إنَّما تجب بعد الكفاية، أو أنَّه تطوَّع بالتَّكفير به عنه بإذنه، وسوَّغ له صرفها لأهله للإعلام بأنَّ لغير المكفِّر التَّطوُّع بالتَّكفير عنه بإذنه، وأنَّ له صرفها لأهل المُكفَّر عنه، فأمَّا أنَّ الشَّخص يكفِّر عن نفسه ويصرف إلى أهله فلا.

(٣٢) (بابُ) حكم (الحِجَامَةِ وَالقَيْءِ لِلصَّائِمِ).

قال المؤلِّف بالسَّند السَّابق: (وَقَالَ لِي يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ) الوَُِحاظيُّ الحمصيُّ: (حَدَّثَنَا

مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ) بتشديد اللَّام، قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابن أبي كثيرٍ (عَنْ عُمَرَ) بضمِّ العين وفتح الميم (بْنِ الحَكَمِ) بفتح الحاء والكاف (بْنِ ثَوْبَانَ) بالمُثلَّثة والمُوحَّدة المفتوحتين المدنيِّ أنَّه (سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ) يقول: (إِذَا قَاءَ) الصَّائم بغير اختياره بأن غلبه (فَلَا يُفْطِرُ) لأنَّ القيء (إِنَّمَا يُخْرِجُ) من الخروج (وَلَا يُولِجُ) من الإيلاج؛ يعني: أنَّ الصِّيام لا يُنقَض إلَّا بشيءٍ يدخل، وللكُشْمِيْهَنِيِّ -ممَّا في «الفتح» -: «إنَّه» (١) أي: القيء «يُخرِج ولا يُولِج» وهذا منقوضٌ بالمنيِّ فإنَّه يخرج، وهو موجبٌ للقضاء والكفَّارة.

(وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (أَنَّهُ يُفْطِرُ) أي: إذا تعمَّد القيء، وإن لم يعد شيء منهٌ إلى جوفه، فهو محمولٌ على حديثه المرفوع المرويِّ عند المؤلِّف في «تاريخه الكبير» بلفظ: «مَنْ ذَرَعه القيء وهو صائمٌ فليس عليه القضاء (٢)، وإن استقاء فليقض» لكن ضعَّفه المؤلِّف، ورواه أصحاب «السُّنن الأربعة»، وقال التِّرمذيُّ: والعمل عند أهل العلم عليه، وبه يقول الشَّافعيُّ وسفيان الثَّوريُّ وأحمد وإسحاق، وقد صحَّحه الحاكم وقال: على شرط الشَّيخين وابن حبَّان، وقال الحنفيَّة: ولا يجب القضاء بغلبة القيء عليه، وخروجه من فمه، قلَّ أو كثر، لا تعمُّده؛ فإنَّه يفسده وعليه القضاء، ويعتبر أبو يوسف في إفساده امتلاء الفم في التَّعمُّد وفي عوده إلى الدَّاخل، سواءٌ أعاده أو لم يعده لوجوب القضاء لأنَّه إذا كان ملء الفم يُعدَّ خارجًا لانتقاض الطَّهارة به، فيفسد الصَّوم، وإذا عاد حال كونه ملء الفم يُعَدُّ داخلًا لسبق اتِّصافه بالخروج حكمًا، ولا كذلك إذا لم يملأه فلا يفسد، واعتبر محمَّد بن الحسن قصد الصَّائم وفعله في ابتداء القيء وفي عوده، سواءٌ كان ملء الفم أو لم يكن لقوله (٣): «من استقاء عمدًا فعليه القضاء» من غير فصلٍ بين القليل والكثير، وإذا أعاده يوجد منه الصُّنع في الإدخال إلى

الجوف، فيفسد به صومه وإن قلَّ القيء، وخلاصة المفهوم ممَّا سبق: أنَّ في صورة الاستقاءة (١) يفسد الصَّوم عند أبي يوسف إذا كان ملء الفم، سواءٌ عاد القيء بعده أو لم يَعُد أو أعاده؛ لاتِّصافه بالخروج، وعند محمد: يفسد على كلِّ الأحوال؛ لوجود التَّعمُّد فيه (٢)، وأمَّا إذا غلبه القيء: فإن كان ملء الفم يفسد عند أبي يوسف، عاد أو أعاده لِمَا (٣) مرَّ، وعند محمد: لا يفسد إذا عاد أو لم يعد لانعدام الصُّنع منه، ويفسد إذا أعاد، وإن لم يكن ملء الفم لا يفسد إذا عاد أو لم يعد اتِّفاقًا، ويفسد عند محمَّدٍ إذا أعاده (وَالأَوَّلُ) القائل: إنَّه لا يفطر (أَصَحُّ).

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ) ممَّا وصله ابن أبي شيبة: (الصَّوْمُ) أي: الإمساك واجبٌ (مِمَّا دَخَلَ) في الجوف (وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر في نسخةٍ: «الفطر» بدل قوله: «الصَّوم».

(وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ) ممَّا وصله مالكٌ في «المُوطَّأ» (يَحْتَجِمُ، وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ تَرَكَهُ، فَكَانَ يَحْتَجِمُ) وهو صائمٌ (بِاللَّيْلِ) لأجل الضَّعف (وَاحْتَجَمَ أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريُّ فيما وصله ابن أبي شيبة (لَيْلًا).

(وَيُذْكَرُ) مبنيًّا للمفعول (عَنْ سَعْدٍ) بسكون العين ابن أبي وقَّاصٍ أحد العشرة، ممَّا وصله مالكٌ في «مُوطَّئه» (٤) وفيه انقطاعٌ، لكن ذكره ابن عبد البرِّ من وجهٍ آخر (وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ) الأنصاريِّ ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق (وَأُمِّ سَلَمَةَ) أمِّ المؤمنين ممَّا وصله ابن أبي شيبة: أنَّهم الثَّلاثة (احْتَجَمُوا) حال كونهم (صِيَامًا).

(وَقَالَ بُكَيْرٌ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الكاف، ابن عبد الله بن الأشجِّ (عَنْ أُمِّ عَلْقَمَةَ) مرجانة كما سمَّاها البخاريُّ، وذكرها ابن حبَّان في «الثِّقات»، ووصل هذا المؤلِّف في «تاريخه»: أنَّها قالت: (كُنَّا نَحْتَجِمُ عِنْدَ عَائِشَةَ) ، أي: ونحن صيامٌ (فَلَا تَنْهَى) عائشة عن ذلك، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «فلا نُنْهَى» بضمِّ النُّون الأولى التي للمتكلِّم ومعه (٥) غيره وسكون الثَّانية على صيغة المجهول.

(وَيُرْوَى) مبنيًّا للمفعول (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ (عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ) من الصَّحابة، وهم شدَّاد ابن أوسٍ وأسامة بن زيدٍ وأبو هريرة وثوبان ومعقل بن يسار، ويحتمل أنَّه سمعه (١) من كلِّهم (مَرْفُوعًا) إلى النَّبيِّ (فَقَالَ) بالفاء، وفي (٢) بعض الأصول: «وقال» ولأبي ذرٍّ: إسقاطهما (٣): (أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ) وصله النَّسائيُّ من طرقٍ عن أبي حُرَّة (٤) عن الحسن، وقال عليُّ بن المدينيِّ: رواه (٥) يونس عن الحسن، وقد أخذ بظاهره أحمد : أنَّهما يفطران، وعليه جماهير أصحابه، وهو من المفردات، وعنه: إن علما بالنَّهي أفطرا، وإلَّا فلا، وقال في الفروع: ظاهر كلام أحمد والأصحاب أنَّه لا فطر إن لم يظهر دمٌ، قال وهو متَّجهٌ (٦)، واختاره شيخنا وضعَّف خلافه، ولو خرج الدَّم بنفسه لغير التَّداوي بدل الحجامة لم يفطر. انتهى. وقال الأئمَّة الثَّلاثة: لا يفطر لما سيأتي، وحملوا الحديث -كما قال البغويُّ- على معنى: أنَّهما تعرَّضا للإفطار، المحجوم للضَّعف، والحاجم لأنَّه لا يأمن (٧) أن يصل إلى جوفه شيءٌ بمصِّ المحجم، لكنَّ الحديث قد تُكلِّم فيه، فقال الدَّارقُطنيُّ في «العلل»: اختُلِف على عطاء بن السَّائب في الصَّحابيِّ، وكذا اختُلِف على يونس أيضًا.

قال المؤلِّف: (وَقَالَ لِي عَيَّاشٌ) بمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ ومعجمةٍ ابن الوليد الرَّقَّام البصريُّ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى السَّاميُّ القرشيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ) هو ابن عبيد بن دينارٍ البصريُّ التَّابعيُّ (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ التَّابعيِّ (مِثْلَهُ) أي: مثل السَّابق: «أفطر الحاجم والمحجوم»، وقد أخرجه المؤلِّف في «تاريخه»، والبيهقيُّ من طريقه (قِيلَ لَهُ) أي: للحسن: (عَنِ النَّبِيِّ ) الذي يحدِّث به: «أفطر الحاجم والمحجوم»؟ (قَالَ: نَعَمْ) عنه (ثُمَّ قَالَ) متردِّدًا بعد الجزم: (اللهُ أَعْلَمُ).

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الصَّلَاةِ مِنَ الْمَصَالِحِ الدِّينِيَّةِ كَنَشْرِ الْعِلْمِ، وَفِيهِ جَوَازُ الضَّحِكِ عِنْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ، وَإِخْبَارُ الرَّجُلِ بِمَا يَقَعُ مِنْهُ مَعَ أَهْلِهِ لِلْحَاجَةِ. وَفِيهِ الْحَلِفُ لِتَأْكِيدِ الْكَلَامِ، وَقَبُولُ قَوْلِ الْمُكَلَّفِ مِمَّا لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ إِلَّا مِنْ قِبَلِهِ لِقَوْلِهِ فِي جَوَابِ قَوْلِهِ: أَفْقَرَ مِنَّا: أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ قَرِينَةٌ لِصِدْقِهِ. وَفِيهِ التَّعَاوُنُ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَالسَّعْيُ فِي إِخْلَاصِ الْمُسْلِمِ، وَإِعْطَاءُ الْوَاحِدِ فَوْقَ حَاجَتِهِ الرَّاهِنَةِ، وَإِعْطَاءُ الْكَفَّارَةِ أَهْلَ بَيْتٍ وَاحِدٍ، وَأَنَّ الْمُضْطَرَّ إِلَى مَا بِيَدِهِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ أَوْ بَعْضَهُ لِمُضْطَرٍّ آخَرَ.

٣١ - بَاب الْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ هَلْ يُطْعِمُ أَهْلَهُ مِنْ الْكَفَّارَةِ إِذَا كَانُوا مَحَاوِيجَ

١٩٣٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: إِنَّ الْأَخِرَ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ فَقَالَ: أَتَجِدُ مَا تُحَرِّرُ رَقَبَةً؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لَا قَالَ: أَفَتَجِدُ مَا تُطْعِمُ بِهِ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَأُتِيَ النَّبِيُّ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ وَهُوَ الزَّبِيلُ قَالَ: أَطْعِمْ هَذَا عَنْكَ قَالَ: عَلَى أَحْوَجَ مِنَّا؟ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا. قَالَ: فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ

قَوْلُهُ: (بَابٌ: الْمُجَامِعُ فِي رَمَضَانَ هَلْ يُطْعِمُ أَهْلَهُ مِنَ الْكَفَّارَةِ إِذَا كَانُوا مَحَاوِيجَ)؟ يَعْنِي: أَمْ لَا؟ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ وَالَّتِي قَبْلَهَا؛ لِأَنَّ الَّتِي قَبْلَهَا آذَنَتْ بِأَنَّ الْإِعْسَارَ بِالْكَفَّارَةِ لَا يُسْقِطُهَا عَنِ الذِّمَّةِ لِقَوْلِهِ فِيهَا: إِذَا جَامَعَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ فَتُصُدِّقَ عَلَيْهِ فَلْيُكَفِّرْ وَالثَّانِيَةُ تَرَدَّدَتْ هَلِ الْمَأْذُونُ لَهُ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ نَفْسُ الْكَفَّارَةِ أَمْ لَا؟ وَعَلَى هَذَا يَتَنَزَّلُ لَفْظُ التَّرْجَمَةِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ مَنْصُورٍ) هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ.

قَوْلُهُ: (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ مِنْ أَصْحَابِ مَنْصُورٍ عَنْهُ، وَكَذَا رَوَاهُ مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، وَخَالَفَهُ مِهْرَانُ بْنُ أَبِي عُمَرَ فَرَوَاهُ عَنِ الثَّوْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فَقَالَ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ بَدَلَ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ وَالْمَحْفُوظُ الْأَوَّلُ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ الْأَخِرَ) بِهَمْزَةٍ غَيْرِ مَمْدُودَةٍ بَعْدَهَا خَاءٌ مُعْجَمَةٌ مَكْسُورَةٌ، تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَحَكَى ابْنُ الْقُوطِيَّةِ فِيهِ مَدَّ الْهَمْزَةِ.

قَوْلُهُ: (أَتَجِدُ مَا تُحَرِّرَ رَقَبَةً)؟ بِالنَّصْبِ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ لَفْظِ مَا وَهِيَ مَفْعُولٌ بِـ تَجِدُ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: أَفَتَجِدُ مَا تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَقَدْ تَقَدَّمَ بَاقِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدِ اعْتَنَى بِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِمَّنْ أَدْرَكَهُ شُيُوخُنَا فَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ فِي مُجَلَّدَيْنِ جَمَعَ فِيهِمَا أَلْفَ فَائِدَةٍ وَفَائِدَةً، وَمُحَصَّلُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا لَخَّصْتُهُ مَعَ زِيَادَاتٍ كَثِيرَةٍ عَلَيْهِ، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَنْعَمَ.

٣٢ - بَاب الْحِجَامَةِ وَالْقَيْءِ لِلصَّائِمِ

وَقَالَ لِي يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ : إِذَا قَاءَ فَلَا يُفْطِرُ، إِنَّمَا يُخْرِجُ وَلَا يُولِجُ. وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يُفْطِرُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ: الصَّوْمُ مِمَّا دَخَلَ وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَحْتَجِمُ وَهُوَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وأكثر. انتهى. فمن ذلك: أنَّ من ارتكب معصيةً لا حدَّ فيها وجاء مستفتيًا أنَّه لا يُعاقَب لأنَّه (١) لم يعاقبه مع اعترافه بالمعصية لأنَّ معاقبة المستفتي تكون سببًا لترك الاستفتاء من النَّاس عند وقوعهم في ذلك، وهذه مفسدةٌ عظيمةٌ يجب دفعها.

وفي هذا الحديث: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، ورواه ما ينيف على (٢) أربعين نفسًا عن الزُّهريِّ عن حُمَيدٍ عن أبي هريرة يطول ذكرهم، وقد أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّوم» [خ¦١٩٣٧] و (٣) «الأدب» [خ¦٦٠٨٧] و «النَّفقات» [خ¦٥٣٦٨] و «النُّذور» (٤) [خ¦٦٧٠٩] و «المحاربين» [خ¦٦٨٢١]، ومسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.

(٣١) (بابُ) حكم الصَّائم (المُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ؛ هَلْ يُطْعِمُ أَهْلَهُ مِنَ الكَفَّارَةِ إِذَا كَانُوا مَحَاوِيجَ) أم لا؟ قال الحافظ ابن حجرٍ: ولا منافاة بين هذه التَّرجمة والتي قبلها لأنَّ التي قبلها آذنت بأنَّ الإعسار بالكفَّارة لا يسقطها عن الذِّمَّة لقوله فيها: «إذا جامع ولم يكن له شيءٌ فتُصدِّق عليه فليُكفِّر»، والثَّانية تردَّدت هل المأذون له بالتَّصرُّف فيه نفس الكفَّارة أم لا؟ وعلى هذا يتنزَّل لفظ التَّرجمة.

١٩٣٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) نسبه (٥) لجدِّه، وأبوه محمَّدٌ، وهو أخو أبي بكر

ابن أبي شيبة قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنِ الزُّهْرِيِّ) هو (١) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) أنَّه قال: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: إِنَّ الأَخِرَ) بقصر الهمزة وكسر الخاء المعجمة بوزن «كَتِفِ» أي: من هو في آخر القوم (وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ) أي: جامعها (فِي) نهار (رَمَضَانَ، فَقَالَ) له: (أَتَجِدُ مَا تُحَرِّرُ) أي: تعتق به (٢) (رَقَبَةً؟) بالنَّصب مفعول «تحرِّر» (قَالَ) الرَّجل: (لَا) أجد (قَالَ) : (فَتَسْتَطِيعُ (٣) أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ) الرَّجل: (لَا) أستطيع (قَالَ) : (أَفَتَجِدُ مَا تُطْعِمُ بِهِ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟) وسقط لأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر لفظ «به» (قَالَ) الرَّجل: (لَا) أجد (قَالَ) أبو هريرة: (فَأُتِيَ النَّبِيُّ ) بضمِّ الهمزة وكسر الفوقيَّة مبنيًّا للمفعول (بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ) من تمر الصَّدقة (وَهُوَ) أي: العرق (الزَّبِيلُ) بفتح الزَّاي وكسر المُوحَّدة المُخفَّفة: القفَّة، وفي نسخةٍ: «الزَّنبيل» بالنُّون (قَالَ) للرَّجل: (أَطْعِمْ هَذَا) التَّمر (عَنْكَ) ولابن إسحاق: فتصدَّق به عن نفسك، واستدلَّ به على أنَّ الكفَّارة عليه وحده دون الموطوءة؛ إذ لم يُؤمَر بها إلَّا هو مع الحاجة إلى البيان، ولنقصان صومها بتعرُّضه (٤) للبطلان بعروض الحيض أو نحوه، فلم تكمل (٥) حرمته حتَّى تتعلَّق به الكفَّارة، ولأنَّها غرمٌ ماليٌّ يتعلَّق بالجماع فيختصُّ بالرَّجل الواطئ كالمهر، لا يجب (٦) على الموطوءة،

وقال المالكيَّة: إذا وطئ أَمَتَهُ في نهار رمضان وجبت عليه كفَّارتان: إحداهما: عن نفسه، والأخرى: عن الأَمَة وإن طاوعته لأنَّ مُطاوَعتها كالإكراه للرِّقِّ، وكذلك يكفِّر عن الزَّوجة إن أكرهها على الجماع، وتكفيره عنهما بطريق النِّيابة عنهما لا بطريق الأصالة؛ فلذلك لا يكفِّر عنهما إلَّا بما يجزئهما في التَّكفير، فيكفِّر عن الأَمَة بالإطعام لا بالعتق؛ إذ لا ولاء لها، ولا بالصَّوم لأنَّ الصَّوم لا يقبل النِّيابة، ويكفِّر عن الزَّوجة الحرَّة بالعتق أو الإطعام، فإن أعسر كفَّرت الزَّوجة عن نفسها، ورجعت عليه إذا أيسر بالأقلِّ من قيمة الرَّقبة التي أعتقت أو مكيلة الطَّعام، وأوجبها الحنفيَّة على المرأة المطاوعة لأنَّها شاركت الرَّجل في الإفساد فتشاركه في وجوب الكفَّارة، أي: سواءٌ كانت زوجةً أو أمةً، وقال الحنابلة: ولا يلزم المرأة كفَّارةٌ مع العذر، قال المرداويُّ: نصَّ عليه وعليه (١) أكثر الأصحاب، وعنه: تكفِّر وترجع بها على الزَّوج، اختاره بعض الأصحاب، وهو الصَّواب. انتهى. وأمَّا حديث الدَّارقُطنيِّ عن أبي ثورٍ قال: حدَّثنا مُعلَّى بن منصورٍ قال: حدَّثنا سفيان بن عيينة عن الزُّهريِّ عن حُمَيدٍ عن أبي هريرة قال: جاء أعرابيٌّ إلى النَّبيِّ فقال: هلكت وأهلكت … الحديثَ؛ فقد تفرَّد به أبو ثورٍ عن مُعلَّى بن منصورٍ عن ابن عيينة بقوله: «وأهلكت»، وأخرجه البيهقيُّ عن جماعةٍ عن الأوزاعيِّ عن الزُّهريِّ به (٢)، وفيه قولُه: «وأهلكتُ» وقال (٣): ضعَّف شيخنا أبو عبد الله الحاكم هذه اللَّفظة، وكافَّة أصحاب الأوزاعيِّ روَوْه دونها، واستدلَّ الحاكم على أنَّها خطأٌ: بأنَّه نظر في «كتاب الصَّوم» -تصنيف المُعلَّى بن منصورٍ- فوجد فيه هذا الحديث دون هذه اللَّفظة، وأنَّ (٤) كافَّة أصحاب سفيان روَوْه دونها.

(قَالَ) الرَّجل: أتصدَّق به (عَلَى أَحْوَجَ مِنَّا؟) بحذف همزة الاستفهام، والفعل الذي يتعلَّق به الجارُّ لدلالة قوله: «أطعمْ هذا عنك»، وهو استفهامٌ تعجبيٌّ، أي: ليس (٥) أحدٌ أفقرَ منَّا حتَّى

أتصدَّق به عليه (مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) وفي الرِّواية السَّابقة [خ¦١٩٣٦] «فوالله ما بين لابتيها» (أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا، قَالَ) : (فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ) قيل: أراد بهم من لا تلزمه نفقتهم من أقاربه، وهو قول بعض الشَّافعيَّة، ورُدَّ بقوله في الرِّواية الأخرى [خ¦٦٧٠٩] «عيالك»، وبالأخرى المصرِّحة بالإذن له في الأكل من ذلك، وقيل: هو خاصٌّ بهذا الرَّجل، وإليه نحا إمام الحرمين، وعُورِض بأنَّ الأصل عدم الخصوصيَّة، وقيل: هو منسوخٌ، ولم يعيِّن (١) قائلُه ناسخَه، وقال الشَّافعيُّ في «الأمِّ»: يحتمل أنَّه لمَّا أخبره بفقره صَرَفَه له صدقةً، أو أنَّه ملَّكه إيَّاه وأمره (٢) بالتَّصدُّق به، فلمَّا أخبره بفقره أذن له في صرفها لهم؛ للإعلام بأنَّها إنَّما تجب بعد الكفاية، أو أنَّه تطوَّع بالتَّكفير به عنه بإذنه، وسوَّغ له صرفها لأهله للإعلام بأنَّ لغير المكفِّر التَّطوُّع بالتَّكفير عنه بإذنه، وأنَّ له صرفها لأهل المُكفَّر عنه، فأمَّا أنَّ الشَّخص يكفِّر عن نفسه ويصرف إلى أهله فلا.

(٣٢) (بابُ) حكم (الحِجَامَةِ وَالقَيْءِ لِلصَّائِمِ).

قال المؤلِّف بالسَّند السَّابق: (وَقَالَ لِي يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ) الوَُِحاظيُّ الحمصيُّ: (حَدَّثَنَا

مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ) بتشديد اللَّام، قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابن أبي كثيرٍ (عَنْ عُمَرَ) بضمِّ العين وفتح الميم (بْنِ الحَكَمِ) بفتح الحاء والكاف (بْنِ ثَوْبَانَ) بالمُثلَّثة والمُوحَّدة المفتوحتين المدنيِّ أنَّه (سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ) يقول: (إِذَا قَاءَ) الصَّائم بغير اختياره بأن غلبه (فَلَا يُفْطِرُ) لأنَّ القيء (إِنَّمَا يُخْرِجُ) من الخروج (وَلَا يُولِجُ) من الإيلاج؛ يعني: أنَّ الصِّيام لا يُنقَض إلَّا بشيءٍ يدخل، وللكُشْمِيْهَنِيِّ -ممَّا في «الفتح» -: «إنَّه» (١) أي: القيء «يُخرِج ولا يُولِج» وهذا منقوضٌ بالمنيِّ فإنَّه يخرج، وهو موجبٌ للقضاء والكفَّارة.

(وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (أَنَّهُ يُفْطِرُ) أي: إذا تعمَّد القيء، وإن لم يعد شيء منهٌ إلى جوفه، فهو محمولٌ على حديثه المرفوع المرويِّ عند المؤلِّف في «تاريخه الكبير» بلفظ: «مَنْ ذَرَعه القيء وهو صائمٌ فليس عليه القضاء (٢)، وإن استقاء فليقض» لكن ضعَّفه المؤلِّف، ورواه أصحاب «السُّنن الأربعة»، وقال التِّرمذيُّ: والعمل عند أهل العلم عليه، وبه يقول الشَّافعيُّ وسفيان الثَّوريُّ وأحمد وإسحاق، وقد صحَّحه الحاكم وقال: على شرط الشَّيخين وابن حبَّان، وقال الحنفيَّة: ولا يجب القضاء بغلبة القيء عليه، وخروجه من فمه، قلَّ أو كثر، لا تعمُّده؛ فإنَّه يفسده وعليه القضاء، ويعتبر أبو يوسف في إفساده امتلاء الفم في التَّعمُّد وفي عوده إلى الدَّاخل، سواءٌ أعاده أو لم يعده لوجوب القضاء لأنَّه إذا كان ملء الفم يُعدَّ خارجًا لانتقاض الطَّهارة به، فيفسد الصَّوم، وإذا عاد حال كونه ملء الفم يُعَدُّ داخلًا لسبق اتِّصافه بالخروج حكمًا، ولا كذلك إذا لم يملأه فلا يفسد، واعتبر محمَّد بن الحسن قصد الصَّائم وفعله في ابتداء القيء وفي عوده، سواءٌ كان ملء الفم أو لم يكن لقوله (٣): «من استقاء عمدًا فعليه القضاء» من غير فصلٍ بين القليل والكثير، وإذا أعاده يوجد منه الصُّنع في الإدخال إلى

الجوف، فيفسد به صومه وإن قلَّ القيء، وخلاصة المفهوم ممَّا سبق: أنَّ في صورة الاستقاءة (١) يفسد الصَّوم عند أبي يوسف إذا كان ملء الفم، سواءٌ عاد القيء بعده أو لم يَعُد أو أعاده؛ لاتِّصافه بالخروج، وعند محمد: يفسد على كلِّ الأحوال؛ لوجود التَّعمُّد فيه (٢)، وأمَّا إذا غلبه القيء: فإن كان ملء الفم يفسد عند أبي يوسف، عاد أو أعاده لِمَا (٣) مرَّ، وعند محمد: لا يفسد إذا عاد أو لم يعد لانعدام الصُّنع منه، ويفسد إذا أعاد، وإن لم يكن ملء الفم لا يفسد إذا عاد أو لم يعد اتِّفاقًا، ويفسد عند محمَّدٍ إذا أعاده (وَالأَوَّلُ) القائل: إنَّه لا يفطر (أَصَحُّ).

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ) ممَّا وصله ابن أبي شيبة: (الصَّوْمُ) أي: الإمساك واجبٌ (مِمَّا دَخَلَ) في الجوف (وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر في نسخةٍ: «الفطر» بدل قوله: «الصَّوم».

(وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ) ممَّا وصله مالكٌ في «المُوطَّأ» (يَحْتَجِمُ، وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ تَرَكَهُ، فَكَانَ يَحْتَجِمُ) وهو صائمٌ (بِاللَّيْلِ) لأجل الضَّعف (وَاحْتَجَمَ أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريُّ فيما وصله ابن أبي شيبة (لَيْلًا).

(وَيُذْكَرُ) مبنيًّا للمفعول (عَنْ سَعْدٍ) بسكون العين ابن أبي وقَّاصٍ أحد العشرة، ممَّا وصله مالكٌ في «مُوطَّئه» (٤) وفيه انقطاعٌ، لكن ذكره ابن عبد البرِّ من وجهٍ آخر (وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ) الأنصاريِّ ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق (وَأُمِّ سَلَمَةَ) أمِّ المؤمنين ممَّا وصله ابن أبي شيبة: أنَّهم الثَّلاثة (احْتَجَمُوا) حال كونهم (صِيَامًا).

(وَقَالَ بُكَيْرٌ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الكاف، ابن عبد الله بن الأشجِّ (عَنْ أُمِّ عَلْقَمَةَ) مرجانة كما سمَّاها البخاريُّ، وذكرها ابن حبَّان في «الثِّقات»، ووصل هذا المؤلِّف في «تاريخه»: أنَّها قالت: (كُنَّا نَحْتَجِمُ عِنْدَ عَائِشَةَ) ، أي: ونحن صيامٌ (فَلَا تَنْهَى) عائشة عن ذلك، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «فلا نُنْهَى» بضمِّ النُّون الأولى التي للمتكلِّم ومعه (٥) غيره وسكون الثَّانية على صيغة المجهول.

(وَيُرْوَى) مبنيًّا للمفعول (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ (عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ) من الصَّحابة، وهم شدَّاد ابن أوسٍ وأسامة بن زيدٍ وأبو هريرة وثوبان ومعقل بن يسار، ويحتمل أنَّه سمعه (١) من كلِّهم (مَرْفُوعًا) إلى النَّبيِّ (فَقَالَ) بالفاء، وفي (٢) بعض الأصول: «وقال» ولأبي ذرٍّ: إسقاطهما (٣): (أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ) وصله النَّسائيُّ من طرقٍ عن أبي حُرَّة (٤) عن الحسن، وقال عليُّ بن المدينيِّ: رواه (٥) يونس عن الحسن، وقد أخذ بظاهره أحمد : أنَّهما يفطران، وعليه جماهير أصحابه، وهو من المفردات، وعنه: إن علما بالنَّهي أفطرا، وإلَّا فلا، وقال في الفروع: ظاهر كلام أحمد والأصحاب أنَّه لا فطر إن لم يظهر دمٌ، قال وهو متَّجهٌ (٦)، واختاره شيخنا وضعَّف خلافه، ولو خرج الدَّم بنفسه لغير التَّداوي بدل الحجامة لم يفطر. انتهى. وقال الأئمَّة الثَّلاثة: لا يفطر لما سيأتي، وحملوا الحديث -كما قال البغويُّ- على معنى: أنَّهما تعرَّضا للإفطار، المحجوم للضَّعف، والحاجم لأنَّه لا يأمن (٧) أن يصل إلى جوفه شيءٌ بمصِّ المحجم، لكنَّ الحديث قد تُكلِّم فيه، فقال الدَّارقُطنيُّ في «العلل»: اختُلِف على عطاء بن السَّائب في الصَّحابيِّ، وكذا اختُلِف على يونس أيضًا.

قال المؤلِّف: (وَقَالَ لِي عَيَّاشٌ) بمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ ومعجمةٍ ابن الوليد الرَّقَّام البصريُّ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى السَّاميُّ القرشيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ) هو ابن عبيد بن دينارٍ البصريُّ التَّابعيُّ (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ التَّابعيِّ (مِثْلَهُ) أي: مثل السَّابق: «أفطر الحاجم والمحجوم»، وقد أخرجه المؤلِّف في «تاريخه»، والبيهقيُّ من طريقه (قِيلَ لَهُ) أي: للحسن: (عَنِ النَّبِيِّ ) الذي يحدِّث به: «أفطر الحاجم والمحجوم»؟ (قَالَ: نَعَمْ) عنه (ثُمَّ قَالَ) متردِّدًا بعد الجزم: (اللهُ أَعْلَمُ).

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد