الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩٤٧
الحديث رقم ١٩٤٧ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لم يعب أصحاب النبي ﷺ بعضهم بعضا في الصوم والإفطار.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ مَنْ أَفْطَرَ فِي السَّفَرِ لِيَرَاهُ النَّاسُ
١٩٤٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَلَوْلَا مَا قَدَّمْتُهُ مِنْ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ اسْتُشْهِدَ قَبْلَ غَزْوَةِ الْفَتْحِ لَأَمْكَنَ أَنْ يُفَسَّرَ بِهِ لِقَوْلِ أَبِي الدَّرْدَاءِ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي تِلْكَ السَّفْرَةِ صَائِمًا غَيْرُهُ، وَزَعَمَ مُغَلْطَايْ أَنَّهُ أَبُو إِسْرَائِيلَ وَعَزَا ذَلِكَ لِمُبْهَمَاتِ الْخَطِيبِ، وَلَمْ يَقُلِ الْخَطِيبُ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَ حَدِيثَ مَالِكٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ وَغَيْرِهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا قَائِمًا فِي الشَّمْسِ، فَقَالُوا: نَذَرَ أَنْ لَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَتَكَلَّمَ وَلَا يَجْلِسَ وَيَصُومَ الْحَدِيثَ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا الرَّجُلُ هُوَ أَبُو إِسْرَائِيلَ الْقُرَشِيُّ الْعَامِرِيُّ، ثُمَّ سَاقَ بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، فَنَظَرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهُ أَبُو إِسْرَائِيلَ فَقَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَصُومَ وَيَقُومَ فِي الشَّمْسِ الْحَدِيثَ، فَلَمْ يَزِدِ الْخَطِيبُ عَلَى هَذَا، وَبَيْنَ الْقِصَّتَيْنِ مُغَايِرَاتٌ ظَاهِرَةٌ أَظْهَرُهَا أَنَّهُ كَانَ فِي الْحَضَرِ فِي الْمَسْجِدِ، وَصَاحِبُ الْقِصَّةِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ كَانَ فِي السَّفَرِ تَحْتَ ظِلَالِ الشَّجَرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ التَّمَسُّكِ بِالرُّخْصَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا، وَكَرَاهَةُ تَرْكِهَا عَلَى وَجْهِ التَّشْدِيدِ وَالتَّنَطُّعِ.
(تَنْبِيهٌ): أَوْهَمَ كَلَامُ صَاحِبِ الْعُمْدَةِ أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ: عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ مِمَّا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِشَرْطِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا هِيَ بَقِيَّةٌ فِي الْحَدِيثِ لَمْ يُوصِلْ إِسْنَادَهَا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، نَعَمْ، وَقَعَتْ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مَوْصُولَةً فِي حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ بِسَنَدِهِ، وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عَاصِمٍ الْأَشْعَرِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ.
٣٧ - بَاب لَمْ يَعِبْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الصَّوْمِ وَالْإِفْطَارِ
١٩٤٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَعِبْ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ
قَوْلُهُ: (بَابٌ لَمْ يَعِبْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الصَّوْمِ وَالْإِفْطَارِ) أَيْ: فِي الْأَسْفَارِ، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى تَأْكِيدِ مَا اعْتَمَدَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ بَلَغَ حَالَةً يُجْهَدُ بِهَا، وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ لَا يُعَابُ عَلَيْهِ الصِّيَامُ وَلَا الْفِطْرُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَنَسٍ) فِي رِوَايَةِ أَبِي خَالِدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، عَنْ حُمَيْدٍ التَّصْرِيحُ بِالْإِخْبَارِ بَيْنَ حُمَيْدٍ، وَأَنَسٍ، وَلَفْظُهُ: عَنْ حُمَيْدٍ خَرَجْتُ فَصُمْتُ فَقَالُوا لِي: أَعِدْ، فَقُلْتُ: إِنَّ أَنَسًا أَخْبَرَنِي أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا يُسَافِرُونَ فَلَا يَعِيبُ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ، قَالَ حُمَيْدٌ: فَلَقِيتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ فَأَخْبَرَنِي عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ.
قَوْلُهُ: (كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا يَجِدُ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ، يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ قُوَّةً فَصَامَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ، وَمَنْ وَجَدَ ضَعْفًا فَأَفْطَرَ أَنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَهُوَ نَصٌّ رَافِعٌ لِلنِّزَاعِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ): نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَضَّاحٍ أَنَّ مَالِكًا تَفَرَّدَ بِسِيَاقِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ، وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ الْفَزَارِيَّ، وَأَبَا ضَمْرَةَ، وَعَبْدَ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيَّ وَغَيْرَهُمْ رَوَوْهُ عَنْ حُمَيْدٍ مِثْلَ مَالِكٍ.
٣٨ - بَاب مَنْ أَفْطَرَ فِي السَّفَرِ لِيَرَاهُ النَّاسُ
١٩٤٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَرَفَعَهُ إِلَى يَدهِ لِيُرِاهُ النَّاسَ فَأَفْطَرَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ، فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَدْ صَامَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٣٧) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين، يُذكر فيه: (لَمْ يَعِبْ أَصْحَابُ النَّبِي ﷺ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الصَّوْمِ وَالإِفْطَارِ) في السَّفر.
١٩٤٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (قَالَ: كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ (١) ﷺ فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى المُفْطِرِ، وَلَا المُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ) أصل «لم يعب» يعيب، فلمَّا سُكِّن للجزم التقى ساكنان، فحُذِفت الياء، وفيه ردٌّ على من أبطل صوم المسافر لأنَّ تركهم لإنكار الصَّوم والفطر يدلُّ على أنَّ ذلك عندهم من المتعارف الذي تجب الحجَّة به، وفي حديث أبي سعيدٍ عند مسلمٍ: كنَّا نغزو مع رسول الله ﷺ فلا يجد الصَّائم على المفطر ولا المفطر على الصَّائم، يرون أنَّ من وجد قوَّةً فصام فإنَّ ذلك حسنٌ، ومن وجد ضعفًا فأفطر؛ فإنَّ (٢) ذلك حسنٌ، وهذا التَّفصيل هو المعتمد، وهو نصٌّ رافعٌ للنِّزاع، قاله في «الفتح»، وحديث الباب أخرجه مسلمٌ أيضًا.
(٣٨) (بابُ مَنْ أَفْطَرَ فِي السَّفَرِ لِيَرَاهُ النَّاسُ) فيقتدوا به ويفطروا بفطره.
١٩٤٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) بفتح العين والواو الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جَبرٍ الإمام في التَّفسير (عَنْ طَاوُسٍ)
هو ابن كيسان اليمانيّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أنَّه (قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ) في غزوة الفتح (فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَرَفَعَهُ) أي: الماء منتهيًا (إِلَى) أقصى حدِّ (يَدَيْهِ) بالتثنية، ولأبي ذرٍّ (١) وابن عساكر في نسخةٍ: «يده» بالإفراد، ولابن عساكر كما في الفرع وأصله (٢): «إلى فيه» وعزاها في «فتح الباري» لأبي داود عن مُسدَّدٍ عن أبي عَوانة بالإسناد المذكور في «البخاريِّ»، قال: وهذا أوضح، فلعلَّها تصحَّفت، وعزاها الزَّركشيُّ والبرماويُّ لرواية ابن السَّكن، قال: وهو الأظهر إلَّا أن تُؤوَّل لفظة: «إلى» في رواية الأكثرين بمعنى «على» ليستقيم الكلام، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه لا يعرف أحدًا ذكر أنَّ «إلى» بمعنى: «على»، قال: والكلام مستقيمٌ (٣) بدون هذا التَّأويل، وذلك أنَّ «إلى» لانتهاء الغاية على بابها، والمعنى: فرفع الماء ممَّن أتى به إلى يده رفعًا قصد به رؤية النَّاس له، فلا بدَّ أن يقع ذلك على وجهٍ يتمكَّن فيه النَّاس من رؤيته، ولا حاجة مع ذلك إلى إخراج «إلى» عن بابها، وقال الكِرمانيُّ -كالطِّيبيِّ-: أو فيه تضمينٌ، أي: انتهى الرَّفع إلى أقصى غايتها (لِيَرَاهُ النَّاسُ) بفتح التَّحتيَّة والرَّاء، و «النَّاسُ»: فاعله، والضَّمير المنصوب فيه مفعوله (٤)، واللَّام للتَّعليل، قال ابن حجرٍ: كذا للأكثر، وللمُستملي: «ليُرِيه» بضمِّ التَّحتيَّة «النَّاسَ» نُصِب على أنَّه مفعولٌ ثانٍ لـ «يُرِيَه» لأنَّه من الإراءة وهي تستدعي مفعولين، ونسب في «اليونينيَّة» (٥) الأولى لابن عساكر، ولأبي (٦) ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ، ورقم على الأخرى علامة ابن عساكر في نسخةٍ.
وقضيَّة (٧) هذا الحديث (٨): أنَّه ﷺ خرج إلى مكَّة للفتح في رمضان، فصام النَّاس، فقيل له: إنَّ الصَّوم شقَّ عليهم وهم ينظرون إلى فِعْلك، فدعا بماءٍ فرفعه حتَّى ينظر النَّاس فيقتدوا به في
الإفطار، وكان لا يأمن الضَّعف عن القتال عند لقاء عدوِّهم (فَأَفْطَرَ) ﵊ (حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ، فَكَانَ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «وكان» (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (يَقُولُ: قَدْ صَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) أي: في السَّفر (وَأَفْطَرَ) فيه (فَمَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ) وابن عبَّاسٍ لم يشاهد هذه القصَّة لأنَّه كان بمكَّة حينئذٍ، فهو يرويها عن غيره من الصَّحابة؛ كما تقدَّم.
(٣٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، يُذكر فيه حكم قوله تعالى: (﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾) أي: على الأصحَّاء المقيمين المطيقين للصَّوم إن أفطروا (﴿فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤]) طعام مسكينٍ عن كلِّ يومٍ (١)، وهذا كان في ابتداء الإسلام، إن شاء صام، وإن شاء أفطر وأطعم، وهذه الآية كما (قَالَ ابْنُ عُمَرَ) فيما وصله في آخر الباب [خ¦١٩٤٩] (وَسَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ) ﵃ فيما وصله المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦٤٥٠٧] (نَسَخَتْهَا) الآية التي أوَّلها: (﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾) جملةً في (٢) ليلة القدر إلى سماء الدُّنيا، ثمَ نزل مُنجَّمًا إلى الأرض، و «شهر رمضان»: مبتدأٌ وما بعده خبرٌ (٣)، أو: صفته (٤)، والخبر: «فمن شهد» (﴿هُدًى لِّلنَّاسِ﴾) أي: هاديًا (﴿وَبَيِّنَاتٍ﴾) آياتٍ واضحاتٍ (﴿نَ الْهُدَى﴾) ممَّا يهدي إلى الحقِّ (﴿وَالْفُرْقَانِ﴾) يفرِّق بين الحقِّ والباطل (﴿فَمَن شَهِدَ﴾) حضر ولم يكن مسافرًا (﴿مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾) أي: فيه (﴿فَلْيَصُمْهُ﴾)
أي: فيه (﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا﴾) أي: مرضًا يشقُّ عليه فيه (١) الصِّيام (﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾) قوله (٢): ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ … ﴾ إلى آخره ناسخٌ للآية الأولى المتضمِّنة للتَّخيير، وحينئذٍ فلا تكرار (﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾) فلذلك أباح الفطر للسَّفر والمرض (﴿وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ﴾) عطفٌ على «اليُسر»، أو (٣) على محذوفٍ تقديره: يريد الله بكم اليسر ليسهِّل عليكم، والمعنى: ولتكملوا عدَّة (٤) أيَّام الشَّهر بقضاء ما أفطرتم في المرض والسَّفر (﴿وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ﴾) لتعظِّموه (﴿عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾) أرشدكم إليه من وجوب الصَّوم ورخصة الفطر بالعذر، أو المراد: تكبيرات ليلة الفطر (﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]) الله على نعمه، أو على رخصة الفطر، ولفظ رواية ابن عساكر: «﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾» إلى قوله: «﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾» وزاد أبو ذرٍّ: «على ما هداكم».
(وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ) بضمِّ النُّون وفتح الميم عبد الله، ممَّا وصله البيهقيُّ وأبو نُعيمٍ في «مستخرجه»: (حَدَّثَنَا) ولابن عساكر (٥): «أخبرنا» (الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بضمِّ الميم وتشديد الرَّاء، و «عَمْرو»: بفتح العين وسكون الميم، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى) عبد الرَّحمن قال: (حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ) ورضي عنهم، وقد رأى كثيرًا منهم كعمر وعثمان وعليٍّ، ولا يُقال لمثل هذا: روايةٌ عن مجهولٍ لأنَّ الصَّحابة كلَّهم عدولٌ (نَزَلَ رَمَضَانُ) أي: صومه (فَشَقَّ عَلَيْهِمْ) صومه (فَكَانَ مَنْ أَطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا تَرَكَ الصَّوْمَ مِمَّنْ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَلَوْلَا مَا قَدَّمْتُهُ مِنْ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ اسْتُشْهِدَ قَبْلَ غَزْوَةِ الْفَتْحِ لَأَمْكَنَ أَنْ يُفَسَّرَ بِهِ لِقَوْلِ أَبِي الدَّرْدَاءِ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي تِلْكَ السَّفْرَةِ صَائِمًا غَيْرُهُ، وَزَعَمَ مُغَلْطَايْ أَنَّهُ أَبُو إِسْرَائِيلَ وَعَزَا ذَلِكَ لِمُبْهَمَاتِ الْخَطِيبِ، وَلَمْ يَقُلِ الْخَطِيبُ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَ حَدِيثَ مَالِكٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ وَغَيْرِهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا قَائِمًا فِي الشَّمْسِ، فَقَالُوا: نَذَرَ أَنْ لَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَتَكَلَّمَ وَلَا يَجْلِسَ وَيَصُومَ الْحَدِيثَ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا الرَّجُلُ هُوَ أَبُو إِسْرَائِيلَ الْقُرَشِيُّ الْعَامِرِيُّ، ثُمَّ سَاقَ بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، فَنَظَرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهُ أَبُو إِسْرَائِيلَ فَقَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَصُومَ وَيَقُومَ فِي الشَّمْسِ الْحَدِيثَ، فَلَمْ يَزِدِ الْخَطِيبُ عَلَى هَذَا، وَبَيْنَ الْقِصَّتَيْنِ مُغَايِرَاتٌ ظَاهِرَةٌ أَظْهَرُهَا أَنَّهُ كَانَ فِي الْحَضَرِ فِي الْمَسْجِدِ، وَصَاحِبُ الْقِصَّةِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ كَانَ فِي السَّفَرِ تَحْتَ ظِلَالِ الشَّجَرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ التَّمَسُّكِ بِالرُّخْصَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا، وَكَرَاهَةُ تَرْكِهَا عَلَى وَجْهِ التَّشْدِيدِ وَالتَّنَطُّعِ.
(تَنْبِيهٌ): أَوْهَمَ كَلَامُ صَاحِبِ الْعُمْدَةِ أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ: عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ مِمَّا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِشَرْطِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا هِيَ بَقِيَّةٌ فِي الْحَدِيثِ لَمْ يُوصِلْ إِسْنَادَهَا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، نَعَمْ، وَقَعَتْ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مَوْصُولَةً فِي حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ بِسَنَدِهِ، وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عَاصِمٍ الْأَشْعَرِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ.
٣٧ - بَاب لَمْ يَعِبْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الصَّوْمِ وَالْإِفْطَارِ
١٩٤٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَعِبْ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ
قَوْلُهُ: (بَابٌ لَمْ يَعِبْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الصَّوْمِ وَالْإِفْطَارِ) أَيْ: فِي الْأَسْفَارِ، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى تَأْكِيدِ مَا اعْتَمَدَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ بَلَغَ حَالَةً يُجْهَدُ بِهَا، وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ لَا يُعَابُ عَلَيْهِ الصِّيَامُ وَلَا الْفِطْرُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَنَسٍ) فِي رِوَايَةِ أَبِي خَالِدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، عَنْ حُمَيْدٍ التَّصْرِيحُ بِالْإِخْبَارِ بَيْنَ حُمَيْدٍ، وَأَنَسٍ، وَلَفْظُهُ: عَنْ حُمَيْدٍ خَرَجْتُ فَصُمْتُ فَقَالُوا لِي: أَعِدْ، فَقُلْتُ: إِنَّ أَنَسًا أَخْبَرَنِي أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا يُسَافِرُونَ فَلَا يَعِيبُ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ، قَالَ حُمَيْدٌ: فَلَقِيتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ فَأَخْبَرَنِي عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ.
قَوْلُهُ: (كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا يَجِدُ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ، يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ قُوَّةً فَصَامَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ، وَمَنْ وَجَدَ ضَعْفًا فَأَفْطَرَ أَنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَهُوَ نَصٌّ رَافِعٌ لِلنِّزَاعِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ): نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَضَّاحٍ أَنَّ مَالِكًا تَفَرَّدَ بِسِيَاقِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ، وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ الْفَزَارِيَّ، وَأَبَا ضَمْرَةَ، وَعَبْدَ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيَّ وَغَيْرَهُمْ رَوَوْهُ عَنْ حُمَيْدٍ مِثْلَ مَالِكٍ.
٣٨ - بَاب مَنْ أَفْطَرَ فِي السَّفَرِ لِيَرَاهُ النَّاسُ
١٩٤٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَرَفَعَهُ إِلَى يَدهِ لِيُرِاهُ النَّاسَ فَأَفْطَرَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ، فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَدْ صَامَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٣٧) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين، يُذكر فيه: (لَمْ يَعِبْ أَصْحَابُ النَّبِي ﷺ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الصَّوْمِ وَالإِفْطَارِ) في السَّفر.
١٩٤٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (قَالَ: كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ (١) ﷺ فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى المُفْطِرِ، وَلَا المُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ) أصل «لم يعب» يعيب، فلمَّا سُكِّن للجزم التقى ساكنان، فحُذِفت الياء، وفيه ردٌّ على من أبطل صوم المسافر لأنَّ تركهم لإنكار الصَّوم والفطر يدلُّ على أنَّ ذلك عندهم من المتعارف الذي تجب الحجَّة به، وفي حديث أبي سعيدٍ عند مسلمٍ: كنَّا نغزو مع رسول الله ﷺ فلا يجد الصَّائم على المفطر ولا المفطر على الصَّائم، يرون أنَّ من وجد قوَّةً فصام فإنَّ ذلك حسنٌ، ومن وجد ضعفًا فأفطر؛ فإنَّ (٢) ذلك حسنٌ، وهذا التَّفصيل هو المعتمد، وهو نصٌّ رافعٌ للنِّزاع، قاله في «الفتح»، وحديث الباب أخرجه مسلمٌ أيضًا.
(٣٨) (بابُ مَنْ أَفْطَرَ فِي السَّفَرِ لِيَرَاهُ النَّاسُ) فيقتدوا به ويفطروا بفطره.
١٩٤٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) بفتح العين والواو الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جَبرٍ الإمام في التَّفسير (عَنْ طَاوُسٍ)
هو ابن كيسان اليمانيّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أنَّه (قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ) في غزوة الفتح (فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَرَفَعَهُ) أي: الماء منتهيًا (إِلَى) أقصى حدِّ (يَدَيْهِ) بالتثنية، ولأبي ذرٍّ (١) وابن عساكر في نسخةٍ: «يده» بالإفراد، ولابن عساكر كما في الفرع وأصله (٢): «إلى فيه» وعزاها في «فتح الباري» لأبي داود عن مُسدَّدٍ عن أبي عَوانة بالإسناد المذكور في «البخاريِّ»، قال: وهذا أوضح، فلعلَّها تصحَّفت، وعزاها الزَّركشيُّ والبرماويُّ لرواية ابن السَّكن، قال: وهو الأظهر إلَّا أن تُؤوَّل لفظة: «إلى» في رواية الأكثرين بمعنى «على» ليستقيم الكلام، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه لا يعرف أحدًا ذكر أنَّ «إلى» بمعنى: «على»، قال: والكلام مستقيمٌ (٣) بدون هذا التَّأويل، وذلك أنَّ «إلى» لانتهاء الغاية على بابها، والمعنى: فرفع الماء ممَّن أتى به إلى يده رفعًا قصد به رؤية النَّاس له، فلا بدَّ أن يقع ذلك على وجهٍ يتمكَّن فيه النَّاس من رؤيته، ولا حاجة مع ذلك إلى إخراج «إلى» عن بابها، وقال الكِرمانيُّ -كالطِّيبيِّ-: أو فيه تضمينٌ، أي: انتهى الرَّفع إلى أقصى غايتها (لِيَرَاهُ النَّاسُ) بفتح التَّحتيَّة والرَّاء، و «النَّاسُ»: فاعله، والضَّمير المنصوب فيه مفعوله (٤)، واللَّام للتَّعليل، قال ابن حجرٍ: كذا للأكثر، وللمُستملي: «ليُرِيه» بضمِّ التَّحتيَّة «النَّاسَ» نُصِب على أنَّه مفعولٌ ثانٍ لـ «يُرِيَه» لأنَّه من الإراءة وهي تستدعي مفعولين، ونسب في «اليونينيَّة» (٥) الأولى لابن عساكر، ولأبي (٦) ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ، ورقم على الأخرى علامة ابن عساكر في نسخةٍ.
وقضيَّة (٧) هذا الحديث (٨): أنَّه ﷺ خرج إلى مكَّة للفتح في رمضان، فصام النَّاس، فقيل له: إنَّ الصَّوم شقَّ عليهم وهم ينظرون إلى فِعْلك، فدعا بماءٍ فرفعه حتَّى ينظر النَّاس فيقتدوا به في
الإفطار، وكان لا يأمن الضَّعف عن القتال عند لقاء عدوِّهم (فَأَفْطَرَ) ﵊ (حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ، فَكَانَ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «وكان» (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (يَقُولُ: قَدْ صَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) أي: في السَّفر (وَأَفْطَرَ) فيه (فَمَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ) وابن عبَّاسٍ لم يشاهد هذه القصَّة لأنَّه كان بمكَّة حينئذٍ، فهو يرويها عن غيره من الصَّحابة؛ كما تقدَّم.
(٣٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، يُذكر فيه حكم قوله تعالى: (﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾) أي: على الأصحَّاء المقيمين المطيقين للصَّوم إن أفطروا (﴿فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤]) طعام مسكينٍ عن كلِّ يومٍ (١)، وهذا كان في ابتداء الإسلام، إن شاء صام، وإن شاء أفطر وأطعم، وهذه الآية كما (قَالَ ابْنُ عُمَرَ) فيما وصله في آخر الباب [خ¦١٩٤٩] (وَسَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ) ﵃ فيما وصله المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦٤٥٠٧] (نَسَخَتْهَا) الآية التي أوَّلها: (﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾) جملةً في (٢) ليلة القدر إلى سماء الدُّنيا، ثمَ نزل مُنجَّمًا إلى الأرض، و «شهر رمضان»: مبتدأٌ وما بعده خبرٌ (٣)، أو: صفته (٤)، والخبر: «فمن شهد» (﴿هُدًى لِّلنَّاسِ﴾) أي: هاديًا (﴿وَبَيِّنَاتٍ﴾) آياتٍ واضحاتٍ (﴿نَ الْهُدَى﴾) ممَّا يهدي إلى الحقِّ (﴿وَالْفُرْقَانِ﴾) يفرِّق بين الحقِّ والباطل (﴿فَمَن شَهِدَ﴾) حضر ولم يكن مسافرًا (﴿مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾) أي: فيه (﴿فَلْيَصُمْهُ﴾)
أي: فيه (﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا﴾) أي: مرضًا يشقُّ عليه فيه (١) الصِّيام (﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾) قوله (٢): ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ … ﴾ إلى آخره ناسخٌ للآية الأولى المتضمِّنة للتَّخيير، وحينئذٍ فلا تكرار (﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾) فلذلك أباح الفطر للسَّفر والمرض (﴿وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ﴾) عطفٌ على «اليُسر»، أو (٣) على محذوفٍ تقديره: يريد الله بكم اليسر ليسهِّل عليكم، والمعنى: ولتكملوا عدَّة (٤) أيَّام الشَّهر بقضاء ما أفطرتم في المرض والسَّفر (﴿وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ﴾) لتعظِّموه (﴿عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾) أرشدكم إليه من وجوب الصَّوم ورخصة الفطر بالعذر، أو المراد: تكبيرات ليلة الفطر (﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]) الله على نعمه، أو على رخصة الفطر، ولفظ رواية ابن عساكر: «﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾» إلى قوله: «﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾» وزاد أبو ذرٍّ: «على ما هداكم».
(وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ) بضمِّ النُّون وفتح الميم عبد الله، ممَّا وصله البيهقيُّ وأبو نُعيمٍ في «مستخرجه»: (حَدَّثَنَا) ولابن عساكر (٥): «أخبرنا» (الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بضمِّ الميم وتشديد الرَّاء، و «عَمْرو»: بفتح العين وسكون الميم، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى) عبد الرَّحمن قال: (حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ) ورضي عنهم، وقد رأى كثيرًا منهم كعمر وعثمان وعليٍّ، ولا يُقال لمثل هذا: روايةٌ عن مجهولٍ لأنَّ الصَّحابة كلَّهم عدولٌ (نَزَلَ رَمَضَانُ) أي: صومه (فَشَقَّ عَلَيْهِمْ) صومه (فَكَانَ مَنْ أَطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا تَرَكَ الصَّوْمَ مِمَّنْ