«أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ غَيْمٍ، ثُمَّ طَلَعَتِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩٥٩

الحديث رقم ١٩٥٩ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا أفطر في رمضان ثم طلعت الشمس.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ غَيْمٍ، ثُمَّ…

«أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ يَوْمَ غَيْمٍ، ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ». قِيلَ لِهِشَامٍ: فَأُمِرُوا بِالْقَضَاءِ؟ قَالَ: بُدٌّ مِنْ قَضَاءٍ وَقَالَ مَعْمَرٌ: سَمِعْتُ هِشَامًا: لَا أَدْرِي أَقَضَوْا أَمْ لَا.

إسناد حديث: «أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ غَيْمٍ، ثُمَّ…

١٩٥٩ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ فَاطِمَةَ ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ:

رواة الحديث: «أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ…

شرح حديث: «أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ غَيْمٍ، ثُمَّ…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ فِي سَفَرٍ فَصَامَ حَتَّى أَمْسَى قَالَ لِرَجُلٍ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي، قَالَ: لَوْ انْتَظَرْتَ حَتَّى تُمْسِيَ، قَالَ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي، إِذَا رَأَيْتَ اللَّيْلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ تَعْجِيلِ الْإِفْطَارِ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَحَادِيثُ تَعْجِيلِ الْإِفْطَارِ وَتَأْخِيرِ السُّحُورِ صِحَاحٌ مُتَوَاتِرَةٌ. وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَغَيْرِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ أَسْرَعَ النَّاسِ إِفْطَارًا، وَأَبْطَأَهُمْ سُحُورًا.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ.

قَوْلُهُ: (لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ) فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا وَظُهُورُ الدِّينِ مُسْتَلْزِمٌ لِدَوَامِ الْخَيْرِ.

قَوْلُهُ: (مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ) زَادَ أَبُو ذَرٍّ فِي حَدِيثِهِ: وَأَخَّرُوا السُّحُورَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَمَا ظَرْفِيَّةٌ، أَيْ: مُدَّةَ فِعْلِهِمْ ذَلِكَ امْتِثَالًا لِلسُّنَّةِ وَاقِفِينَ عِنْدَ حَدِّهَا غَيْرَ مُتَنَطِّعِينَ بِعُقُولِهِمْ مَا يُغَيِّرُ قَوَاعِدَهَا، زَادَ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي حَدِيثِهِ: لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُمَا، وَتَأْخِيرُ أَهْلِ الْكِتَابِ لَهُ أَمَدٌ، وَهُوَ ظُهُورُ النَّجْمِ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ سَهْلٍ أَيْضًا بِلَفْظِ: لَا تَزَالُ أُمَّتِي عَلَى سُنَّتِي مَا لَمْ تَنْتَظِرْ بِفِطْرِهَا النُّجُومَ وَفِيهِ بَيَانُ الْعِلَّةِ فِي ذَلِكَ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يُزَادَ فِي النَّهَارِ مِنَ اللَّيْلِ، وَلِأَنَّهُ أَرْفَقُ بِالصَّائِمِ وَأَقْوَى لَهُ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إِذَا تَحَقَّقَ غُرُوبُ الشَّمْسِ بِالرُّؤْيَةِ أَوْ بِإِخْبَارِ عَدْلَيْنِ، وَكَذَا عَدْلٌ وَاحِدٌ فِي الْأَرْجَحِ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى الشِّيعَةِ فِي تَأْخِيرِهِمُ الْفِطْرَ إِلَى ظُهُورِ النُّجُومِ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي وُجُودِ الْخَيْرِ بِتَعْجِيلِ الْفِطْرِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُؤَخِّرُهُ يَدْخُلُ فِي فِعْلِ خِلَافِ السُّنَّةِ اهـ.

وَمَا تَقَدَّمَ مِنَ الزِّيَادَةِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ سَبَبَ هَذَا الْحَدِيثِ، فَإِنَّ الشِّيعَةَ لَمْ يَكُونُوا مَوْجُودِينَ عِنْدَ تَحْدِيثِهِ بِذَلِكَ، قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: تَعْجِيلُ الْفِطْرِ مُسْتَحَبٌّ، وَلَا يُكْرَهُ تَأْخِيرُهُ إِلَّا لِمَنْ تَعَمَّدَهُ، وَرَأَى الْفَضْلَ فِيهِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ التَّأْخِيرَ لَا يُكْرَهُ مُطْلَقًا، وَهُوَ كَذَلِكَ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الشَّيْءِ مُسْتَحَبًّا أَنْ يَكُونَ نَقِيضُهُ مَكْرُوهًا مُطْلَقًا، وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى عَدَمِ اسْتِحْبَابِ سِتَّةِ شَوَّالٍ؛ لِئَلَّا يَظُنَّ الْجَاهِلُ أَنَّهَا مُلْتَحِقَةٌ بِرَمَضَانَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ وَلَا يَخْفَى الْفَرْقُ.

(تَنْبِيهٌ): مِنَ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَةِ مَا أُحْدِثَ فِي هَذَا الزَّمَانِ مِنْ إِيقَاعِ الْأَذَانِ الثَّانِي قَبْلَ الْفَجْرِ بِنَحْوِ ثُلُثِ سَاعَةٍ فِي رَمَضَانَ، وَإِطْفَاءِ الْمَصَابِيحِ الَّتِي جُعِلَتْ عَلَامَةً لِتَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ عَلَى مَنْ يُرِيدُ الصِّيَامَ زَعْمًا مِمَّنْ أَحْدَثَهُ أَنَّهُ لِلِاحْتِيَاطِ فِي الْعِبَادَةِ وَلَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ إِلَّا آحَادُ النَّاسِ، وَقَدْ جَرَّهُمْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ صَارُوا لَا يُؤَذِّنُونَ إِلَّا بَعْدَ الْغُرُوبِ بِدَرَجَةٍ لِتَمْكِينِ الْوَقْتِ زَعَمُوا، فَأَخَّرُوا الْفِطْرَ، وَعَجَّلُوا السُّحُورَ، وَخَالَفُوا السُّنَّةَ، فَلِذَلِكَ قَلَّ عَنْهُمُ الْخَيْرُ وَكَثُرَ فِيهِمُ الشَّرُّ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ) هُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَرِيبًا.

٤٦ - بَاب إِذَا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ

١٩٥٩ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَتْ: أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ يَوْمَ غَيْمٍ ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ، قِيلَ لِهِشَامٍ: فَأُمِرُوا بِالْقَضَاءِ؟ قَالَ: بُدَّ مِنْ قَضَاءٍ. وَقَالَ مَعْمَرٌ: سَمِعْتُ هِشَامًا يقول: لَا أَدْرِي أَقَضَوْا أَمْ لَا.

قَوْلُهُ: (بَابٌ: إِذَا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ) أَيْ: ظَانًّا غُرُوبَ الشَّمْسِ (ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ) أَيْ: هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ ذَلِكَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

هَهُنَا) أي: من جهة المشرق (فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ) خبرٌ بمعنى: الأمر، أو أفطر حكمًا وإن لم يفطر حسًّا، فيدلُّ على أنَّه يستحيل الصَّوم باللَّيل شرعًا، قال ابن بزيزة: وقع ببغداد أنَّ رجلًا حلف لا يفطر على حارٍّ ولا باردٍ، فأفتى الفقهاء بحنثه؛ إذ لا شيء ممَّا (١) يُؤكَل أو يُشرَب إلَّا وهو حارٌّ أو باردٌ، وأفتى الشِّيرازيُّ بعدم حنثه فإنَّه جعله مفطرًا بدخول اللَّيل، وليس بحارٍّ ولا باردٍ، وهذا تعلُّقٌ باللَّفظ، والأيمان إنَّما تُبنَى على المقاصد، ومقصود الحالف المطعومات.

(٤٦) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا أَفْطَرَ) الصَّائم (فِي رَمَضَانَ) ظانًّا غروب الشَّمس (ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ) أي: ظهرت؛ هل يجب عليه قضاء ذلك اليوم أم لا؟

١٩٥٩ - وبالسند قال: (حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (٣) (عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو عبد الله بن محمَّد بن أبي شيبة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة اللَّيثيُّ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ) زوجته وابنة عمِّه (فَاطِمَةَ) بنت المنذر (عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) ولابن عساكر زيادة: «الصِّدِّيق» () أنَّها (قَالَتْ: أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ) ولأبي الوقت: «على عهد رسول الله» () أي: على زمنه وأيَّام حياته (يَوْمَ غَيْمٍ) بنصب «يومَ» على الظَّرفيَّة، ولأبي داود وابن خزيمة: في يوم غيمٍ (ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ، قِيلَ لِهِشَامٍ) هو ابن عروة المذكور، والقائل له: هو أبو أسامة كما عند أبي داود وابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» وأحمد في «مُسنَده»: (فَأُمِرُوا) من جهة الشَّارع (بِالقَضَاءِ، قَالَ: بُدٌّ

مِنْ قَضَاءٍ؟) أي: هل بدٌّ من قضاءٍ؟ فحرف الاستفهام مُقدَّرٌ، ولأبي ذرٍّ: «لابدَّ من قضاء»، وهذا مذهب الشَّافعيَّة والحنفيَّة والمالكيّة والحنابلة، وعليه أن يمسك بقيَّة يومه لحقِّ (١) الوقت، ولا كفَّارة عليه، وحكى في «الرِّعاية» من كتب الحنابلة: أنَّه لا قضاء على من جامع يعتقده ليلًا، فبان نهارًا، لكنَّ الصَّحيح (٢) من مذهبهم -وجزم به الأكثر- أنَّه يجب القضاء والكفَّارة.

(وَقَالَ مَعْمَرٌ) بسكون العين المهملة وفتح الميمين، ابن راشدٍ، ممَّا وصله عبد بن حُمَيدٍ: (سَمِعْتُ هِشَامًا) أي: ابن عروة يقول: (لَا أَدْرِي، أَقْضَوْا) ذلك اليوم (أَمْ لَا؟) وقد رُوِي عن مجاهدٍ وعطاءٍ وعروة بن الزُّبير عدم القضاء، وجعلوه بمنزلة من أكل ناسيًا، وعن عمر: يقضي، وفي آخر: لا، رواهما البيهقيُّ وضعفت الثَّانية النَافية، وفي هذا الحديث -كما قاله (٣) ابن المُنيِّر-: أنَّ المُكلَّفين إنَّما خُوطِبوا بالظَّاهر، فإذا اجتهدوا فأخطؤوا؛ فلا حرج عليهم في ذلك.

وقد أخرجه أبو داود وابن ماجه في «الصَّوم».

(٤٧) (بابُ) حكم (صَوْمِ الصِّبْيَانِ) هل يُشرَع أم لا؟ والمراد: الجنس الصَّادق بالذُّكور والإناث، ومذهب الشَافعيَّة: أنَّهم يُؤمَرون به لسبعٍ إذا أطاقوا، ويُضرَبون على تركه لعشرٍ قياسًا على الصَّلاة، ويجب على الوليِّ أن يأمرهم به ويضربهم على تركه، لكن نظر بعضهم في القياس بأنَّ الضَّرب عقوبةٌ، فيقتصر فيها على محلِّ ورودها، وهو مشهور مذهب المالكيَّة، فيفرِّقون بين الصَّلاة والصِّيام، فيدرَّبُون (٤) على الصَّلاة ولا يُكلَّفون الصِّيام، وهو مذهب «المُدوَّنة»، وعن أحمد في روايةٍ: أنَّه يجب على من بلغ عشر سنين وأطاقه، والصَّحيح من مذهبه: عدم وجوبه عليه وعليه جماهير أصحابه، لكن يُؤمَر به إذا أطاقه ويُضَرب عليه ليعتاده، قالوا: وحيث قلنا: بوجوب الصَّوم على الصَّبيِّ فإنه يعصي بالفطر، ويلزمه الإمساك والقضاء كالبالغ.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٧٥٩١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ أبِي حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي: اسْمه سَلمَة بن دِينَار.

وَأخرجه مُسلم عَن زُهَيْر بن حَرْب وَعَن مُحَمَّد بن يحيى. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن هِشَام بن عمار. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا. وَفِي الْبَاب عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنهُ. قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا يزَال الدّين ظَاهرا مَا عجل النَّاس الْفطر) . وَعَن ابْن عَبَّاس رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي (مُسْنده) عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِنَّا معاشر الْأَنْبِيَاء أمرنَا أَن نعجل إفطارنا ونؤخر سحورنا، وَنَضَع أَيْمَاننَا على شَمَائِلنَا فِي الصَّلَاة) . وَمن طَرِيق أبي دَاوُد رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) قَالَ: هَذَا حَدِيث يعرف بطلحة ابْن عَمْرو الملكي وَهُوَ ضَعِيف.

وَاخْتلف عَلَيْهِ فِيهِ فَقيل: عَنهُ، هَكَذَا، وَقيل: عَنهُ عَن عَطاء عَن أبي هُرَيْرَة، وَرُوِيَ من وَجه آخر ضَعِيف عَن أبي هُرَيْرَة، وَمن وَجه آخر ضَعِيف عَن ابْن عمر، وَرُوِيَ عَن عَائِشَة من قَوْلهَا: ثَلَاثَة من النُّبُوَّة ... فَذَكرهنَّ، وَهُوَ أصح مَا ورد فِيهِ، وَعَن عَائِشَة رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة أبي عَطِيَّة، قَالَ: (دخلت أَنا ومسروق على عَائِشَة فَقُلْنَا يَا أم الْمُؤمنِينَ {رجلَانِ من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَحدهمَا يعجل الْإِفْطَار ويعجل الصَّلَاة، وَالْآخر يُؤَخر الْإِفْطَار وَيُؤَخر الصَّلَاة؟ قَالَت: أَيهمَا يعجل الْإِفْطَار ويعجل الصَّلَاة؟ قُلْنَا: عبد الله بن مَسْعُود} قَالَت: هَكَذَا وصنع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالْآخر أَبُو مُوسَى) . قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، وَأَبُو عَطِيَّة اسْمه مَالك بن أبي عَامر الْهَمدَانِي، وَيُقَال: مَالك ابْن عَامر، وَعَن ابْن عمر رَوَاهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) عَنهُ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِنَّا معاشر الْأَنْبِيَاء أمرنَا بِثَلَاث: بتعجيل الْفطر، وَتَأْخِير السّحُور، وَوضع الْيَد الْيُمْنَى على الْيُسْرَى فِي الصَّلَاة) قَالَ: وَهَذَا غير مَحْفُوظ. وَعَن أنس رَوَاهُ أَبُو يعلى فِي (مُسْنده) : حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة حَدثنَا حُسَيْن الْجعْفِيّ عَن زَائِدَة عَن حميد (عَن أنس، قَالَ: مَا رَأَيْت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قطّ صلى صَلَاة الْمغرب حَتَّى يفْطر، وَلَو كَانَ على شربة من مَاء) . وَإِسْنَاده جيد.

قَوْله: (مَا عجلوا الْفطر) ، زَاد أَبُو ذَر فِي حَدِيثه: (وأخروا السّحُور) ، أخرجه أَحْمد، وَكلمَة: مَا، ظرفية أَي: مُدَّة فعلهم ذَلِك امتثالاً للسّنة، واقفين عِنْد حَدهَا غير متنطعين بعقولهم مَا يُغير قواعدها، وَزَاد أَبُو هُرَيْرَة فِي حَدِيثه: (لِأَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى يؤخرون) ، أخرجه أَبُو دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة. وَتَأْخِير أهل الْكتاب لَهُ أمد. وَهُوَ ظُهُور النَّجْم، وَقَالَ الْمُهلب: الْحِكْمَة فِي ذَلِك أَن لَا يُزَاد فِي النَّهَار من اللَّيْل، وَلِأَنَّهُ أرْفق للصَّائِم وَأقوى لَهُ على الْعِبَادَة، وَاتفقَ الْعلمَاء على أَن مَحل ذَلِك إِذا تحقق غرُوب الشَّمْس بِالرُّؤْيَةِ أَو بِإِخْبَار عَدْلَيْنِ، وَكَذَا عدل وَاحِد فِي الْأَرْجَح عِنْد الشَّافِعِيَّة، وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: فِي هَذَا الحَدِيث رد على الشِّيعَة فِي تأخيرهم الْفطر إِلَى ظُهُور النُّجُوم، قَالَ بَعضهم: الشِّيعَة لم يَكُونُوا موجودين عِنْد تحديثه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك. قلت: يحْتَمل أَن يكون أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ علم بِمَا يصدر فِي الْمُسْتَقْبل من أَمر الشِّيعَة فِي ذَلِك الْوَقْت بإطلاع الله عز وَجل إِيَّاه.

٨٥٩١ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ قَالَ حدَّثنا أبُو بَكْرٍ عنُ سُلَيْمَانَ عنِ ابنِ أبي أوْفَى رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كُنْتُ معَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سَفَرٍ فصَامَ حَتَّى أمْسى قَالَ لِرَجُلٍ انْزِلْ فاجْدَحْ لِي قَالَ لوِ انْتَظَرْتَ حَتَّى تُمْسي قَال انْزِلْ فاجْدَحْ لِي إذَا رأيْتَ اللَّيْلَ قَدْ أقْبَلَ مِنْ هَهُنا فقَدْ أفْطَرَ الصَّائِمُ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ للرجل الْمَذْكُور فِيهِ: انْزِلْ فاجدح لي، لِأَنَّهُ لما تحقق غرُوب الشَّمْس عجل الْإِفْطَار، والترجمة فِي تَعْجِيل الْإِفْطَار، وَلِهَذَا كرر عَلَيْهِ بالجدح، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب، وَعَن بعيد. وَأَبُو بكر هُوَ ابْن عَيَّاش المقريء، وَسليمَان هُوَ الشَّيْبَانِيّ.

٦٤ - (بابٌ إذَا أفطَرَ فِي رمَضَانَ ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا أفطر الصَّائِم وَهُوَ يظنّ غرُوب الشَّمْس ثمَّ طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس، وَجَوَاب: إِذا، مَحْذُوف، وَلم يذكرهُ لمَكَان الِاخْتِلَاف فِي وجوب الْقَضَاء عَلَيْهِ.

٩٥٩١ - حدَّثني عَبْدُ الله بنُ أبِي شَيْبَةَ قَالَ حدَّثنا أبُو أُسَامَةَ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ فَاطِمَةَ عَنْ أسْمَاءَ بنْتِ أبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قالَتْ أفْطَرْنا عَلَى عَهْدِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمَ غَيْمٍ ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ قِيلَ لِهشَامٍ فَأُمِرُوا بالْقَضاءِ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ قَضَاءِ، وَقَالَ مَعْمَرٌ سَمِعْتُ هِشاما لَا أدْرِي أقَضَوْا أمْ لَا.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَأمروا بِالْقضَاءِ) وَيقدر من هَذَا جَوَاب لكلمة: إِذا، فِي التَّرْجَمَة، وَالتَّقْدِير: إِذا أفطر فِي رَمَضَان ثمَّ طلعت الشَّمْس عَلَيْهِ الْقَضَاء، لِأَن مُقْتَضى قَوْله: (فَأمروا بِالْقضَاءِ) : عَلَيْهِم الْقَضَاء.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عبد الله بن أبي شيبَة هُوَ عبد الله بن مُحَمَّد بن أبي شيبَة أَبُو بكر، وَاسم أبي شيبَة: إِبْرَاهِيم بن عُثْمَان. الثَّانِي: أَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة اللَّيْثِيّ. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الرَّابِع: فَاطِمَة بنت الْمُنْذر، وَهِي ابْنة عَم هِشَام وَزَوجته. الْخَامِس: أَسمَاء بنت أبي بكر الصّديق.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد أَولا وبصيغة الْجمع ثَانِيًا. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه وَأَبا أُسَامَة كوفيان والبقية مدنيون. وَفِيه: رِوَايَة الرَّاوِي عَن زَوجته وَهُوَ هِشَام فَإِن فَاطِمَة امْرَأَته وَرِوَايَته أَيْضا عَن ابْنة عَمه كَمَا ذكرنَا. وَفِيه: رِوَايَة الراوية عَن جدَّتهَا لِأَن أَسمَاء جدة فَاطِمَة. وَفِيه: رِوَايَة التابعية عَن الصحابية.

ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّوْم أَيْضا عَن هَارُون بن عبد الله وَمُحَمّد بن الْعَلَاء، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن أبي أُسَامَة.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يَوْم غيم) ، بِنصب يَوْم على الظَّرْفِيَّة، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة: (فِي يَوْم) ، قَوْله: (على عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: على زَمَنه وَأَيَّام حَيَاته. قَوْله: (قيل لهشام) وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (قَالَ أُسَامَة: قلت لهشام) . وَكَذَا أخرجه ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) وَأحمد فِي (مُسْنده) قَوْله: (لَا بُد من قَضَاء) يَعْنِي لَا يتْرك، وَهَذِه رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين (بُد من قَضَاء؟) قَالَ بَعضهم: هُوَ اسْتِفْهَام إِنْكَار مَحْذُوف الأداة، وَالْمعْنَى: لَا بُد من قَضَاء. قلت: هَذَا كَلَام مخبط وَلَيْسَ كَذَلِك، بل الصَّوَاب أَن يُقَال: هُنَا حرف اسْتِفْهَام مُقَدّر، تَقْدِيره: هَل بُد من قَضَاء؟ وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: لَا يحفظ فِي حَدِيث أَسمَاء إِثْبَات الْقَضَاء وَلَا نَفْيه. قلت: إِن كَانَ كَلَامه هَذَا من جِهَة الشَّارِع صَرِيحًا فَمُسلم، وإلَاّ فهشام، يَقُول: فَأمروا بِالْقضَاءِ، وَيَقُول: لَا بُد من الْقَضَاء. وَقَوله: (فَأمروا) يسْتَند إِلَى أَمر الشَّارِع، لِأَن غير الشَّارِع لَا يسْتَند إِلَيْهِ الْأَمر.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: دلّ الحَدِيث على أَن من أفطر وَهُوَ يرى أَن الشَّمْس قد غربت فَإِذا هِيَ لم تغرب أمسك بَقِيَّة يَوْمه، وَعَلِيهِ الْقَضَاء وَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ، وَبِه قَالَ ابْن سِيرِين وَسَعِيد بن جُبَير وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَمَالك وَأحمد وَالشَّافِعِيّ وَإِسْحَاق، وَأوجب أَحْمد الْكَفَّارَة فِي الْجِمَاع وروى عَن مُجَاهِد وَعَطَاء وَعُرْوَة بن الزبير أَنهم قَالُوا: لَا قَضَاء عَلَيْهِ وجعلوه بِمَنْزِلَة من أكل نَاسِيا، وَعَن عمر بن الْخطاب رِوَايَتَانِ فِي الْقَضَاء، وَعَن عمر أَنه قَالَ: من أكل فليقض يَوْمًا مَكَانَهُ، رَوَاهُ الْأَثْرَم، وروى مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) : عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِيهِ أَنه قَالَ: الْخطب يسير واجتهدنا. وَعَن عمر أَنه أفطر وَأفْطر النَّاس، فَصَعدَ الْمُؤَذّن ليؤذن، فَقَالَ: أَيهَا النَّاس، هَذِه الشَّمْس لم تغرب، فَقَالَ عمر: من كَانَ أفطر فليصم يَوْمًا مَكَانَهُ، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى عَن عمر: (لَا نبالي وَالله نقضي يَوْمًا مَكَانَهُ) رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيّ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: روى زيد بن وهب قَالَ: (بَيْنَمَا نَحن جُلُوس فِي مَسْجِد الْمَدِينَة فِي رَمَضَان، وَالسَّمَاء متغيمة قد غَابَتْ، وَإِنَّا قد أمسينا، فأخرجت لنا عساس من لبن من بَيت حَفْصَة فَشرب وشربنا، فَلم نَلْبَث أَن ذهب السَّحَاب وبدت الشَّمْس، فَجعل بَعْضنَا يَقُول لبَعض: نقضي يَوْمنَا هَذَا، فَسمع عمر ذَلِك، فَقَالَ: وَالله لَا نقضيه، وَمَا تجانفنا الْإِثْم) ، وغلطوا زيد بن وهب فِي هَذِه الرِّوَايَة الْمُخَالفَة لبَقيَّة الرِّوَايَات، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: فِي هَذِه الرِّوَايَة إرْسَال وَيَعْقُوب بن سُفْيَان كَانَ يحمل على زيد بن وهب بِهَذِهِ الرِّوَايَة الْمُخَالفَة لبَقيَّة الرِّوَايَات، وَزيد ثِقَة ألَاّ أَن الْخَطَأ غير مَأْمُون. قلت: عساس، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وبسينين مهملتين، جمع عس، بِضَم الْعين وَتَشْديد السِّين: وَهُوَ الْقدح، وَمِنْهُم من

وفْق فَقَالَ: ترك الْقَضَاء إِذا لم يعلم، وَوَقع الْفطر على الشَّك، وَالْقَضَاء فِيمَا إِذا وَقع الْفطر فِي النَّهَار بِغَيْر شكّ، وَهُوَ خلاف ظَاهر الْأَثر. وَفِي (الْمَبْسُوط) فِي حَدِيث عمر، بَعْدَمَا أفطر: وَقد صعد الْمُؤَذّن المأذنة، قَالَ: الشَّمْس يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! قَالَ: بعثناك دَاعيا وَلم نبعثك رَاعيا، مَا تجانفنا الْإِثْم، وَقَضَاء يَوْم علينا يسير. وروى الْبَيْهَقِيّ أَن صهيبا أفطر فِي رَمَضَان فِي يَوْم غيم، فطلعت الشَّمْس فَقَالَ: طعمة الله، أَتموا صِيَامكُمْ إِلَى اللَّيْل واقضوا يَوْمًا مَكَانَهُ وَفِي (الْأَشْرَاف) اخْتلفُوا فِي الَّذِي أكل وَهُوَ لَا يعلم بِطُلُوع الْفجْر ثمَّ علم بِهِ فَقَالَت طَائِفَة يتم صَوْمه وَيَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ، رُوِيَ هَذَا القَوْل عَن مُحَمَّد بن سِيرِين وَسَعِيد بن جُبَير، وَبِه قَالَ مَالك وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَأَبُو حنيفَة، وَحكي عَن إِسْحَاق أَنه: لَا قَضَاء عَلَيْهِ وَأحب إِلَيْنَا أَن نقضيه.

قَوْله: (وَقَالَ معمر) ، بِفَتْح الميمين هُوَ ابْن رَاشد الْأَزْدِيّ الْحَرَّانِي الْبَصْرِيّ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد بن حميد، قَالَ: أخبرنَا عبد الرَّزَّاق أخبرنَا معمر سَمِعت هِشَام بن عُرْوَة فَذكر الحَدِيث، وَفِي آخِره، فَقَالَ إِنْسَان لهشام: أقضوا أم لَا؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي، وَالله أعلم.

٧٤ - (بابُ صَوْمَ الصِّبْيَانِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صَوْم الصّبيان: هَل يشرع أم لَا؟ وَالْجُمْهُور على أَنه لَا يجب على من دون الْبلُوغ، وَاسْتحبَّ جمَاعَة من السّلف، مِنْهُم ابْن سِيرِين وَالزهْرِيّ، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي: أَنهم يؤمرون بِهِ للتمرين عَلَيْهِ إِذا أطاقوه، وحد ذَلِك عِنْد أَصْحَاب الشَّافِعِي بالسبع وَالْعشر كَالصَّلَاةِ، وَعند إِسْحَاق: حَده اثْنَتَيْ عشرَة سنة، وَعند أَحْمد فِي رِوَايَة: عشر سِنِين، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: إِذا أطَاق صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام تباعا لَا يضعف فِيهِنَّ حمل على الصَّوْم، وَالْمَشْهُور عِنْد الْمَالِكِيَّة: أَنه لَا يشرع فِي حق الصّبيان. وَقَالَ ابْن بطال: أجمع الْعلمَاء أَنه لَا تلْزم الْعِبَادَات والفرائض إلَاّ عِنْد الْبلُوغ، إلَاّ أَن أَكثر الْعلمَاء استحسنوا تدريب الصّبيان على الْعِبَادَات رَجَاء الْبركَة، وَأَنَّهُمْ يعتادونها فتسهل عَلَيْهِم إِذا ألزمهم، وَأَن من فعل ذَلِك بهم مأجور. وَفِي (الْأَشْرَاف) : اخْتلفُوا فِي الْوَقْت الَّذِي يُؤمر فِيهِ الصَّبِي بالصيام، فَكَانَ ابْن سِيرِين وَالْحسن وَالزهْرِيّ وَعَطَاء وَعُرْوَة وَقَتَادَة وَالشَّافِعِيّ يَقُولُونَ: يُؤمر بِهِ إِذا أطاقه، وَنقل عَن الْأَوْزَاعِيّ مثل مَا ذكرنَا الْآن، وَاحْتج بِحَدِيث ابْن أبي لَبِيبَة عَن أَبِيه عَن جده عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (إِذا صَامَ الْغُلَام ثَلَاثَة أَيَّام متتابعة فقد وَجب عَلَيْهِ صِيَام رَمَضَان) . وَقَالَ ابْن الْمَاجشون: إِذا طاقوا الصّيام ألزموه، فَإِذا أفطروا بِغَيْر عذر وَلَا عِلّة فَعَلَيْهِم الْقَضَاء. وَقَالَ أَشهب: يسْتَحبّ لَهُم إِذا أطاقوه. وَقَالَ عُرْوَة: إِذا أطاقوا الصَّوْم وَجب عَلَيْهِم. قَالَ عِيَاض: وَهَذَا غلط يردهُ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (رفع الْقَلَم عَن ثَلَاثَة) ، فَذكر: الصَّبِي حَتَّى يَحْتَلِم، وَفِي رِوَايَة: (حَتَّى يبلغ) .

وَقَالَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ لِنَشْوَانَ فِي رَمَضَانَ وَيْلَكَ وَصِبْيَانُنَا صِيَامٌ فَضَرَبَهُ

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وصبياننا صِيَام) ، وَإِنَّمَا كَانُوا يصومونهم لأجل التمرين ليتعودوا بذلك ويكونوا على نشاط بذلك بعد الْبلُوغ. قَوْله: (لنشوان) ، أَي: لرجل سَكرَان، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة، من نشى الرجل من الشَّرَاب نشوا ونشوة، وتنشى وانتشى كُله: سكر، وَرجل نشوان ونشيان على الْعَاقِبَة، وَالْأُنْثَى نشواء، وَجمعه نشاوى كسكارى، وَزَاد الْقَزاز: وَالْجمع النشوات، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَهُوَ نش، وَامْرَأَة نشئة ونشوانة، وفعلانة قَلِيل إلَاّ فِي بني أَسد، هَكَذَا ذكر الْفراء، وَفِي (نَوَادِر اللحياني) : يُقَال: نشئت من الشَّرَاب أنشأ نشوة ونشوة، وَقَالَ ابْن خالويه: سكر الرجل وانتشى، وثمل ونزف وانزف، فَهُوَ سَكرَان ونشوان، وَقَالَ ابْن التِّين: النشوان السكر الْخَفِيف، قيل: كَأَنَّهُ من كَلَام المولدين. قَوْله: (صِيَام) جمع صَائِم، ويروى: (صوام) ، ثمَّ هَذَا التَّعْلِيق وَهُوَ أثر عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَصله سعيد بن مَنْصُور وَالْبَغوِيّ فِي: الجعديات، من طَرِيق عبد الله بن أبي الهدير (أَن عمر بن الْخطاب أَتَى بِرَجُل شرب الْخمر فِي رَمَضَان، فَلَمَّا دنا مِنْهُ جعل يَقُول: للمنخرين والفم) ، وَفِي رِوَايَة الْبَغَوِيّ: (فَلَمَّا رفع إِلَيْهِ عثر، فَقَالَ عمر: على وَجهك وَيحك وصبياننا صِيَام؟ . ثمَّ أَمر فَضرب ثَمَانِينَ سَوْطًا، ثمَّ سيره إِلَى الشَّام) . وَفِي رِوَايَة الْبَغَوِيّ: (فَضَربهُ الْحَد وَكَانَ إِذا غضب على إِنْسَان سيره إِلَى الشَّام فسيره إِلَى الشَّام) وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق: من شرب الْخمر فِي رَمَضَان ضرب مائَة. انْتهى. هَذَا كَانَ فِي مُسْتَنده مَا ذكره سُفْيَان عَن عَطاء بن أبي مَرْوَان، عَن أَبِيه أَن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَتَى بالنجاشي الشَّاعِر، وَقد شرب الْخمر فِي رَمَضَان

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ فِي سَفَرٍ فَصَامَ حَتَّى أَمْسَى قَالَ لِرَجُلٍ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي، قَالَ: لَوْ انْتَظَرْتَ حَتَّى تُمْسِيَ، قَالَ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي، إِذَا رَأَيْتَ اللَّيْلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ تَعْجِيلِ الْإِفْطَارِ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَحَادِيثُ تَعْجِيلِ الْإِفْطَارِ وَتَأْخِيرِ السُّحُورِ صِحَاحٌ مُتَوَاتِرَةٌ. وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَغَيْرِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ أَسْرَعَ النَّاسِ إِفْطَارًا، وَأَبْطَأَهُمْ سُحُورًا.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ.

قَوْلُهُ: (لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ) فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا وَظُهُورُ الدِّينِ مُسْتَلْزِمٌ لِدَوَامِ الْخَيْرِ.

قَوْلُهُ: (مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ) زَادَ أَبُو ذَرٍّ فِي حَدِيثِهِ: وَأَخَّرُوا السُّحُورَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَمَا ظَرْفِيَّةٌ، أَيْ: مُدَّةَ فِعْلِهِمْ ذَلِكَ امْتِثَالًا لِلسُّنَّةِ وَاقِفِينَ عِنْدَ حَدِّهَا غَيْرَ مُتَنَطِّعِينَ بِعُقُولِهِمْ مَا يُغَيِّرُ قَوَاعِدَهَا، زَادَ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي حَدِيثِهِ: لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُمَا، وَتَأْخِيرُ أَهْلِ الْكِتَابِ لَهُ أَمَدٌ، وَهُوَ ظُهُورُ النَّجْمِ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ سَهْلٍ أَيْضًا بِلَفْظِ: لَا تَزَالُ أُمَّتِي عَلَى سُنَّتِي مَا لَمْ تَنْتَظِرْ بِفِطْرِهَا النُّجُومَ وَفِيهِ بَيَانُ الْعِلَّةِ فِي ذَلِكَ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يُزَادَ فِي النَّهَارِ مِنَ اللَّيْلِ، وَلِأَنَّهُ أَرْفَقُ بِالصَّائِمِ وَأَقْوَى لَهُ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إِذَا تَحَقَّقَ غُرُوبُ الشَّمْسِ بِالرُّؤْيَةِ أَوْ بِإِخْبَارِ عَدْلَيْنِ، وَكَذَا عَدْلٌ وَاحِدٌ فِي الْأَرْجَحِ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى الشِّيعَةِ فِي تَأْخِيرِهِمُ الْفِطْرَ إِلَى ظُهُورِ النُّجُومِ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي وُجُودِ الْخَيْرِ بِتَعْجِيلِ الْفِطْرِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُؤَخِّرُهُ يَدْخُلُ فِي فِعْلِ خِلَافِ السُّنَّةِ اهـ.

وَمَا تَقَدَّمَ مِنَ الزِّيَادَةِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ سَبَبَ هَذَا الْحَدِيثِ، فَإِنَّ الشِّيعَةَ لَمْ يَكُونُوا مَوْجُودِينَ عِنْدَ تَحْدِيثِهِ بِذَلِكَ، قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: تَعْجِيلُ الْفِطْرِ مُسْتَحَبٌّ، وَلَا يُكْرَهُ تَأْخِيرُهُ إِلَّا لِمَنْ تَعَمَّدَهُ، وَرَأَى الْفَضْلَ فِيهِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ التَّأْخِيرَ لَا يُكْرَهُ مُطْلَقًا، وَهُوَ كَذَلِكَ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الشَّيْءِ مُسْتَحَبًّا أَنْ يَكُونَ نَقِيضُهُ مَكْرُوهًا مُطْلَقًا، وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى عَدَمِ اسْتِحْبَابِ سِتَّةِ شَوَّالٍ؛ لِئَلَّا يَظُنَّ الْجَاهِلُ أَنَّهَا مُلْتَحِقَةٌ بِرَمَضَانَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ وَلَا يَخْفَى الْفَرْقُ.

(تَنْبِيهٌ): مِنَ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَةِ مَا أُحْدِثَ فِي هَذَا الزَّمَانِ مِنْ إِيقَاعِ الْأَذَانِ الثَّانِي قَبْلَ الْفَجْرِ بِنَحْوِ ثُلُثِ سَاعَةٍ فِي رَمَضَانَ، وَإِطْفَاءِ الْمَصَابِيحِ الَّتِي جُعِلَتْ عَلَامَةً لِتَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ عَلَى مَنْ يُرِيدُ الصِّيَامَ زَعْمًا مِمَّنْ أَحْدَثَهُ أَنَّهُ لِلِاحْتِيَاطِ فِي الْعِبَادَةِ وَلَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ إِلَّا آحَادُ النَّاسِ، وَقَدْ جَرَّهُمْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ صَارُوا لَا يُؤَذِّنُونَ إِلَّا بَعْدَ الْغُرُوبِ بِدَرَجَةٍ لِتَمْكِينِ الْوَقْتِ زَعَمُوا، فَأَخَّرُوا الْفِطْرَ، وَعَجَّلُوا السُّحُورَ، وَخَالَفُوا السُّنَّةَ، فَلِذَلِكَ قَلَّ عَنْهُمُ الْخَيْرُ وَكَثُرَ فِيهِمُ الشَّرُّ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ) هُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَرِيبًا.

٤٦ - بَاب إِذَا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ

١٩٥٩ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَتْ: أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ يَوْمَ غَيْمٍ ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ، قِيلَ لِهِشَامٍ: فَأُمِرُوا بِالْقَضَاءِ؟ قَالَ: بُدَّ مِنْ قَضَاءٍ. وَقَالَ مَعْمَرٌ: سَمِعْتُ هِشَامًا يقول: لَا أَدْرِي أَقَضَوْا أَمْ لَا.

قَوْلُهُ: (بَابٌ: إِذَا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ) أَيْ: ظَانًّا غُرُوبَ الشَّمْسِ (ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ) أَيْ: هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ ذَلِكَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

هَهُنَا) أي: من جهة المشرق (فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ) خبرٌ بمعنى: الأمر، أو أفطر حكمًا وإن لم يفطر حسًّا، فيدلُّ على أنَّه يستحيل الصَّوم باللَّيل شرعًا، قال ابن بزيزة: وقع ببغداد أنَّ رجلًا حلف لا يفطر على حارٍّ ولا باردٍ، فأفتى الفقهاء بحنثه؛ إذ لا شيء ممَّا (١) يُؤكَل أو يُشرَب إلَّا وهو حارٌّ أو باردٌ، وأفتى الشِّيرازيُّ بعدم حنثه فإنَّه جعله مفطرًا بدخول اللَّيل، وليس بحارٍّ ولا باردٍ، وهذا تعلُّقٌ باللَّفظ، والأيمان إنَّما تُبنَى على المقاصد، ومقصود الحالف المطعومات.

(٤٦) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا أَفْطَرَ) الصَّائم (فِي رَمَضَانَ) ظانًّا غروب الشَّمس (ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ) أي: ظهرت؛ هل يجب عليه قضاء ذلك اليوم أم لا؟

١٩٥٩ - وبالسند قال: (حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (٣) (عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو عبد الله بن محمَّد بن أبي شيبة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة اللَّيثيُّ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ) زوجته وابنة عمِّه (فَاطِمَةَ) بنت المنذر (عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) ولابن عساكر زيادة: «الصِّدِّيق» () أنَّها (قَالَتْ: أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ) ولأبي الوقت: «على عهد رسول الله» () أي: على زمنه وأيَّام حياته (يَوْمَ غَيْمٍ) بنصب «يومَ» على الظَّرفيَّة، ولأبي داود وابن خزيمة: في يوم غيمٍ (ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ، قِيلَ لِهِشَامٍ) هو ابن عروة المذكور، والقائل له: هو أبو أسامة كما عند أبي داود وابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» وأحمد في «مُسنَده»: (فَأُمِرُوا) من جهة الشَّارع (بِالقَضَاءِ، قَالَ: بُدٌّ

مِنْ قَضَاءٍ؟) أي: هل بدٌّ من قضاءٍ؟ فحرف الاستفهام مُقدَّرٌ، ولأبي ذرٍّ: «لابدَّ من قضاء»، وهذا مذهب الشَّافعيَّة والحنفيَّة والمالكيّة والحنابلة، وعليه أن يمسك بقيَّة يومه لحقِّ (١) الوقت، ولا كفَّارة عليه، وحكى في «الرِّعاية» من كتب الحنابلة: أنَّه لا قضاء على من جامع يعتقده ليلًا، فبان نهارًا، لكنَّ الصَّحيح (٢) من مذهبهم -وجزم به الأكثر- أنَّه يجب القضاء والكفَّارة.

(وَقَالَ مَعْمَرٌ) بسكون العين المهملة وفتح الميمين، ابن راشدٍ، ممَّا وصله عبد بن حُمَيدٍ: (سَمِعْتُ هِشَامًا) أي: ابن عروة يقول: (لَا أَدْرِي، أَقْضَوْا) ذلك اليوم (أَمْ لَا؟) وقد رُوِي عن مجاهدٍ وعطاءٍ وعروة بن الزُّبير عدم القضاء، وجعلوه بمنزلة من أكل ناسيًا، وعن عمر: يقضي، وفي آخر: لا، رواهما البيهقيُّ وضعفت الثَّانية النَافية، وفي هذا الحديث -كما قاله (٣) ابن المُنيِّر-: أنَّ المُكلَّفين إنَّما خُوطِبوا بالظَّاهر، فإذا اجتهدوا فأخطؤوا؛ فلا حرج عليهم في ذلك.

وقد أخرجه أبو داود وابن ماجه في «الصَّوم».

(٤٧) (بابُ) حكم (صَوْمِ الصِّبْيَانِ) هل يُشرَع أم لا؟ والمراد: الجنس الصَّادق بالذُّكور والإناث، ومذهب الشَافعيَّة: أنَّهم يُؤمَرون به لسبعٍ إذا أطاقوا، ويُضرَبون على تركه لعشرٍ قياسًا على الصَّلاة، ويجب على الوليِّ أن يأمرهم به ويضربهم على تركه، لكن نظر بعضهم في القياس بأنَّ الضَّرب عقوبةٌ، فيقتصر فيها على محلِّ ورودها، وهو مشهور مذهب المالكيَّة، فيفرِّقون بين الصَّلاة والصِّيام، فيدرَّبُون (٤) على الصَّلاة ولا يُكلَّفون الصِّيام، وهو مذهب «المُدوَّنة»، وعن أحمد في روايةٍ: أنَّه يجب على من بلغ عشر سنين وأطاقه، والصَّحيح من مذهبه: عدم وجوبه عليه وعليه جماهير أصحابه، لكن يُؤمَر به إذا أطاقه ويُضَرب عليه ليعتاده، قالوا: وحيث قلنا: بوجوب الصَّوم على الصَّبيِّ فإنه يعصي بالفطر، ويلزمه الإمساك والقضاء كالبالغ.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٧٥٩١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ أبِي حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي: اسْمه سَلمَة بن دِينَار.

وَأخرجه مُسلم عَن زُهَيْر بن حَرْب وَعَن مُحَمَّد بن يحيى. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن هِشَام بن عمار. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا. وَفِي الْبَاب عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنهُ. قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا يزَال الدّين ظَاهرا مَا عجل النَّاس الْفطر) . وَعَن ابْن عَبَّاس رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي (مُسْنده) عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِنَّا معاشر الْأَنْبِيَاء أمرنَا أَن نعجل إفطارنا ونؤخر سحورنا، وَنَضَع أَيْمَاننَا على شَمَائِلنَا فِي الصَّلَاة) . وَمن طَرِيق أبي دَاوُد رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) قَالَ: هَذَا حَدِيث يعرف بطلحة ابْن عَمْرو الملكي وَهُوَ ضَعِيف.

وَاخْتلف عَلَيْهِ فِيهِ فَقيل: عَنهُ، هَكَذَا، وَقيل: عَنهُ عَن عَطاء عَن أبي هُرَيْرَة، وَرُوِيَ من وَجه آخر ضَعِيف عَن أبي هُرَيْرَة، وَمن وَجه آخر ضَعِيف عَن ابْن عمر، وَرُوِيَ عَن عَائِشَة من قَوْلهَا: ثَلَاثَة من النُّبُوَّة ... فَذَكرهنَّ، وَهُوَ أصح مَا ورد فِيهِ، وَعَن عَائِشَة رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة أبي عَطِيَّة، قَالَ: (دخلت أَنا ومسروق على عَائِشَة فَقُلْنَا يَا أم الْمُؤمنِينَ {رجلَانِ من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَحدهمَا يعجل الْإِفْطَار ويعجل الصَّلَاة، وَالْآخر يُؤَخر الْإِفْطَار وَيُؤَخر الصَّلَاة؟ قَالَت: أَيهمَا يعجل الْإِفْطَار ويعجل الصَّلَاة؟ قُلْنَا: عبد الله بن مَسْعُود} قَالَت: هَكَذَا وصنع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالْآخر أَبُو مُوسَى) . قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، وَأَبُو عَطِيَّة اسْمه مَالك بن أبي عَامر الْهَمدَانِي، وَيُقَال: مَالك ابْن عَامر، وَعَن ابْن عمر رَوَاهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) عَنهُ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِنَّا معاشر الْأَنْبِيَاء أمرنَا بِثَلَاث: بتعجيل الْفطر، وَتَأْخِير السّحُور، وَوضع الْيَد الْيُمْنَى على الْيُسْرَى فِي الصَّلَاة) قَالَ: وَهَذَا غير مَحْفُوظ. وَعَن أنس رَوَاهُ أَبُو يعلى فِي (مُسْنده) : حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة حَدثنَا حُسَيْن الْجعْفِيّ عَن زَائِدَة عَن حميد (عَن أنس، قَالَ: مَا رَأَيْت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قطّ صلى صَلَاة الْمغرب حَتَّى يفْطر، وَلَو كَانَ على شربة من مَاء) . وَإِسْنَاده جيد.

قَوْله: (مَا عجلوا الْفطر) ، زَاد أَبُو ذَر فِي حَدِيثه: (وأخروا السّحُور) ، أخرجه أَحْمد، وَكلمَة: مَا، ظرفية أَي: مُدَّة فعلهم ذَلِك امتثالاً للسّنة، واقفين عِنْد حَدهَا غير متنطعين بعقولهم مَا يُغير قواعدها، وَزَاد أَبُو هُرَيْرَة فِي حَدِيثه: (لِأَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى يؤخرون) ، أخرجه أَبُو دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة. وَتَأْخِير أهل الْكتاب لَهُ أمد. وَهُوَ ظُهُور النَّجْم، وَقَالَ الْمُهلب: الْحِكْمَة فِي ذَلِك أَن لَا يُزَاد فِي النَّهَار من اللَّيْل، وَلِأَنَّهُ أرْفق للصَّائِم وَأقوى لَهُ على الْعِبَادَة، وَاتفقَ الْعلمَاء على أَن مَحل ذَلِك إِذا تحقق غرُوب الشَّمْس بِالرُّؤْيَةِ أَو بِإِخْبَار عَدْلَيْنِ، وَكَذَا عدل وَاحِد فِي الْأَرْجَح عِنْد الشَّافِعِيَّة، وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: فِي هَذَا الحَدِيث رد على الشِّيعَة فِي تأخيرهم الْفطر إِلَى ظُهُور النُّجُوم، قَالَ بَعضهم: الشِّيعَة لم يَكُونُوا موجودين عِنْد تحديثه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك. قلت: يحْتَمل أَن يكون أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ علم بِمَا يصدر فِي الْمُسْتَقْبل من أَمر الشِّيعَة فِي ذَلِك الْوَقْت بإطلاع الله عز وَجل إِيَّاه.

٨٥٩١ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ قَالَ حدَّثنا أبُو بَكْرٍ عنُ سُلَيْمَانَ عنِ ابنِ أبي أوْفَى رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كُنْتُ معَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سَفَرٍ فصَامَ حَتَّى أمْسى قَالَ لِرَجُلٍ انْزِلْ فاجْدَحْ لِي قَالَ لوِ انْتَظَرْتَ حَتَّى تُمْسي قَال انْزِلْ فاجْدَحْ لِي إذَا رأيْتَ اللَّيْلَ قَدْ أقْبَلَ مِنْ هَهُنا فقَدْ أفْطَرَ الصَّائِمُ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ للرجل الْمَذْكُور فِيهِ: انْزِلْ فاجدح لي، لِأَنَّهُ لما تحقق غرُوب الشَّمْس عجل الْإِفْطَار، والترجمة فِي تَعْجِيل الْإِفْطَار، وَلِهَذَا كرر عَلَيْهِ بالجدح، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب، وَعَن بعيد. وَأَبُو بكر هُوَ ابْن عَيَّاش المقريء، وَسليمَان هُوَ الشَّيْبَانِيّ.

٦٤ - (بابٌ إذَا أفطَرَ فِي رمَضَانَ ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا أفطر الصَّائِم وَهُوَ يظنّ غرُوب الشَّمْس ثمَّ طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس، وَجَوَاب: إِذا، مَحْذُوف، وَلم يذكرهُ لمَكَان الِاخْتِلَاف فِي وجوب الْقَضَاء عَلَيْهِ.

٩٥٩١ - حدَّثني عَبْدُ الله بنُ أبِي شَيْبَةَ قَالَ حدَّثنا أبُو أُسَامَةَ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ فَاطِمَةَ عَنْ أسْمَاءَ بنْتِ أبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قالَتْ أفْطَرْنا عَلَى عَهْدِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمَ غَيْمٍ ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ قِيلَ لِهشَامٍ فَأُمِرُوا بالْقَضاءِ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ قَضَاءِ، وَقَالَ مَعْمَرٌ سَمِعْتُ هِشاما لَا أدْرِي أقَضَوْا أمْ لَا.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَأمروا بِالْقضَاءِ) وَيقدر من هَذَا جَوَاب لكلمة: إِذا، فِي التَّرْجَمَة، وَالتَّقْدِير: إِذا أفطر فِي رَمَضَان ثمَّ طلعت الشَّمْس عَلَيْهِ الْقَضَاء، لِأَن مُقْتَضى قَوْله: (فَأمروا بِالْقضَاءِ) : عَلَيْهِم الْقَضَاء.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عبد الله بن أبي شيبَة هُوَ عبد الله بن مُحَمَّد بن أبي شيبَة أَبُو بكر، وَاسم أبي شيبَة: إِبْرَاهِيم بن عُثْمَان. الثَّانِي: أَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة اللَّيْثِيّ. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الرَّابِع: فَاطِمَة بنت الْمُنْذر، وَهِي ابْنة عَم هِشَام وَزَوجته. الْخَامِس: أَسمَاء بنت أبي بكر الصّديق.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد أَولا وبصيغة الْجمع ثَانِيًا. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه وَأَبا أُسَامَة كوفيان والبقية مدنيون. وَفِيه: رِوَايَة الرَّاوِي عَن زَوجته وَهُوَ هِشَام فَإِن فَاطِمَة امْرَأَته وَرِوَايَته أَيْضا عَن ابْنة عَمه كَمَا ذكرنَا. وَفِيه: رِوَايَة الراوية عَن جدَّتهَا لِأَن أَسمَاء جدة فَاطِمَة. وَفِيه: رِوَايَة التابعية عَن الصحابية.

ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّوْم أَيْضا عَن هَارُون بن عبد الله وَمُحَمّد بن الْعَلَاء، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن أبي أُسَامَة.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يَوْم غيم) ، بِنصب يَوْم على الظَّرْفِيَّة، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة: (فِي يَوْم) ، قَوْله: (على عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: على زَمَنه وَأَيَّام حَيَاته. قَوْله: (قيل لهشام) وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (قَالَ أُسَامَة: قلت لهشام) . وَكَذَا أخرجه ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) وَأحمد فِي (مُسْنده) قَوْله: (لَا بُد من قَضَاء) يَعْنِي لَا يتْرك، وَهَذِه رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين (بُد من قَضَاء؟) قَالَ بَعضهم: هُوَ اسْتِفْهَام إِنْكَار مَحْذُوف الأداة، وَالْمعْنَى: لَا بُد من قَضَاء. قلت: هَذَا كَلَام مخبط وَلَيْسَ كَذَلِك، بل الصَّوَاب أَن يُقَال: هُنَا حرف اسْتِفْهَام مُقَدّر، تَقْدِيره: هَل بُد من قَضَاء؟ وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: لَا يحفظ فِي حَدِيث أَسمَاء إِثْبَات الْقَضَاء وَلَا نَفْيه. قلت: إِن كَانَ كَلَامه هَذَا من جِهَة الشَّارِع صَرِيحًا فَمُسلم، وإلَاّ فهشام، يَقُول: فَأمروا بِالْقضَاءِ، وَيَقُول: لَا بُد من الْقَضَاء. وَقَوله: (فَأمروا) يسْتَند إِلَى أَمر الشَّارِع، لِأَن غير الشَّارِع لَا يسْتَند إِلَيْهِ الْأَمر.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: دلّ الحَدِيث على أَن من أفطر وَهُوَ يرى أَن الشَّمْس قد غربت فَإِذا هِيَ لم تغرب أمسك بَقِيَّة يَوْمه، وَعَلِيهِ الْقَضَاء وَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ، وَبِه قَالَ ابْن سِيرِين وَسَعِيد بن جُبَير وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَمَالك وَأحمد وَالشَّافِعِيّ وَإِسْحَاق، وَأوجب أَحْمد الْكَفَّارَة فِي الْجِمَاع وروى عَن مُجَاهِد وَعَطَاء وَعُرْوَة بن الزبير أَنهم قَالُوا: لَا قَضَاء عَلَيْهِ وجعلوه بِمَنْزِلَة من أكل نَاسِيا، وَعَن عمر بن الْخطاب رِوَايَتَانِ فِي الْقَضَاء، وَعَن عمر أَنه قَالَ: من أكل فليقض يَوْمًا مَكَانَهُ، رَوَاهُ الْأَثْرَم، وروى مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) : عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِيهِ أَنه قَالَ: الْخطب يسير واجتهدنا. وَعَن عمر أَنه أفطر وَأفْطر النَّاس، فَصَعدَ الْمُؤَذّن ليؤذن، فَقَالَ: أَيهَا النَّاس، هَذِه الشَّمْس لم تغرب، فَقَالَ عمر: من كَانَ أفطر فليصم يَوْمًا مَكَانَهُ، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى عَن عمر: (لَا نبالي وَالله نقضي يَوْمًا مَكَانَهُ) رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيّ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: روى زيد بن وهب قَالَ: (بَيْنَمَا نَحن جُلُوس فِي مَسْجِد الْمَدِينَة فِي رَمَضَان، وَالسَّمَاء متغيمة قد غَابَتْ، وَإِنَّا قد أمسينا، فأخرجت لنا عساس من لبن من بَيت حَفْصَة فَشرب وشربنا، فَلم نَلْبَث أَن ذهب السَّحَاب وبدت الشَّمْس، فَجعل بَعْضنَا يَقُول لبَعض: نقضي يَوْمنَا هَذَا، فَسمع عمر ذَلِك، فَقَالَ: وَالله لَا نقضيه، وَمَا تجانفنا الْإِثْم) ، وغلطوا زيد بن وهب فِي هَذِه الرِّوَايَة الْمُخَالفَة لبَقيَّة الرِّوَايَات، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: فِي هَذِه الرِّوَايَة إرْسَال وَيَعْقُوب بن سُفْيَان كَانَ يحمل على زيد بن وهب بِهَذِهِ الرِّوَايَة الْمُخَالفَة لبَقيَّة الرِّوَايَات، وَزيد ثِقَة ألَاّ أَن الْخَطَأ غير مَأْمُون. قلت: عساس، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وبسينين مهملتين، جمع عس، بِضَم الْعين وَتَشْديد السِّين: وَهُوَ الْقدح، وَمِنْهُم من

وفْق فَقَالَ: ترك الْقَضَاء إِذا لم يعلم، وَوَقع الْفطر على الشَّك، وَالْقَضَاء فِيمَا إِذا وَقع الْفطر فِي النَّهَار بِغَيْر شكّ، وَهُوَ خلاف ظَاهر الْأَثر. وَفِي (الْمَبْسُوط) فِي حَدِيث عمر، بَعْدَمَا أفطر: وَقد صعد الْمُؤَذّن المأذنة، قَالَ: الشَّمْس يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! قَالَ: بعثناك دَاعيا وَلم نبعثك رَاعيا، مَا تجانفنا الْإِثْم، وَقَضَاء يَوْم علينا يسير. وروى الْبَيْهَقِيّ أَن صهيبا أفطر فِي رَمَضَان فِي يَوْم غيم، فطلعت الشَّمْس فَقَالَ: طعمة الله، أَتموا صِيَامكُمْ إِلَى اللَّيْل واقضوا يَوْمًا مَكَانَهُ وَفِي (الْأَشْرَاف) اخْتلفُوا فِي الَّذِي أكل وَهُوَ لَا يعلم بِطُلُوع الْفجْر ثمَّ علم بِهِ فَقَالَت طَائِفَة يتم صَوْمه وَيَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ، رُوِيَ هَذَا القَوْل عَن مُحَمَّد بن سِيرِين وَسَعِيد بن جُبَير، وَبِه قَالَ مَالك وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَأَبُو حنيفَة، وَحكي عَن إِسْحَاق أَنه: لَا قَضَاء عَلَيْهِ وَأحب إِلَيْنَا أَن نقضيه.

قَوْله: (وَقَالَ معمر) ، بِفَتْح الميمين هُوَ ابْن رَاشد الْأَزْدِيّ الْحَرَّانِي الْبَصْرِيّ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد بن حميد، قَالَ: أخبرنَا عبد الرَّزَّاق أخبرنَا معمر سَمِعت هِشَام بن عُرْوَة فَذكر الحَدِيث، وَفِي آخِره، فَقَالَ إِنْسَان لهشام: أقضوا أم لَا؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي، وَالله أعلم.

٧٤ - (بابُ صَوْمَ الصِّبْيَانِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صَوْم الصّبيان: هَل يشرع أم لَا؟ وَالْجُمْهُور على أَنه لَا يجب على من دون الْبلُوغ، وَاسْتحبَّ جمَاعَة من السّلف، مِنْهُم ابْن سِيرِين وَالزهْرِيّ، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي: أَنهم يؤمرون بِهِ للتمرين عَلَيْهِ إِذا أطاقوه، وحد ذَلِك عِنْد أَصْحَاب الشَّافِعِي بالسبع وَالْعشر كَالصَّلَاةِ، وَعند إِسْحَاق: حَده اثْنَتَيْ عشرَة سنة، وَعند أَحْمد فِي رِوَايَة: عشر سِنِين، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: إِذا أطَاق صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام تباعا لَا يضعف فِيهِنَّ حمل على الصَّوْم، وَالْمَشْهُور عِنْد الْمَالِكِيَّة: أَنه لَا يشرع فِي حق الصّبيان. وَقَالَ ابْن بطال: أجمع الْعلمَاء أَنه لَا تلْزم الْعِبَادَات والفرائض إلَاّ عِنْد الْبلُوغ، إلَاّ أَن أَكثر الْعلمَاء استحسنوا تدريب الصّبيان على الْعِبَادَات رَجَاء الْبركَة، وَأَنَّهُمْ يعتادونها فتسهل عَلَيْهِم إِذا ألزمهم، وَأَن من فعل ذَلِك بهم مأجور. وَفِي (الْأَشْرَاف) : اخْتلفُوا فِي الْوَقْت الَّذِي يُؤمر فِيهِ الصَّبِي بالصيام، فَكَانَ ابْن سِيرِين وَالْحسن وَالزهْرِيّ وَعَطَاء وَعُرْوَة وَقَتَادَة وَالشَّافِعِيّ يَقُولُونَ: يُؤمر بِهِ إِذا أطاقه، وَنقل عَن الْأَوْزَاعِيّ مثل مَا ذكرنَا الْآن، وَاحْتج بِحَدِيث ابْن أبي لَبِيبَة عَن أَبِيه عَن جده عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (إِذا صَامَ الْغُلَام ثَلَاثَة أَيَّام متتابعة فقد وَجب عَلَيْهِ صِيَام رَمَضَان) . وَقَالَ ابْن الْمَاجشون: إِذا طاقوا الصّيام ألزموه، فَإِذا أفطروا بِغَيْر عذر وَلَا عِلّة فَعَلَيْهِم الْقَضَاء. وَقَالَ أَشهب: يسْتَحبّ لَهُم إِذا أطاقوه. وَقَالَ عُرْوَة: إِذا أطاقوا الصَّوْم وَجب عَلَيْهِم. قَالَ عِيَاض: وَهَذَا غلط يردهُ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (رفع الْقَلَم عَن ثَلَاثَة) ، فَذكر: الصَّبِي حَتَّى يَحْتَلِم، وَفِي رِوَايَة: (حَتَّى يبلغ) .

وَقَالَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ لِنَشْوَانَ فِي رَمَضَانَ وَيْلَكَ وَصِبْيَانُنَا صِيَامٌ فَضَرَبَهُ

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وصبياننا صِيَام) ، وَإِنَّمَا كَانُوا يصومونهم لأجل التمرين ليتعودوا بذلك ويكونوا على نشاط بذلك بعد الْبلُوغ. قَوْله: (لنشوان) ، أَي: لرجل سَكرَان، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة، من نشى الرجل من الشَّرَاب نشوا ونشوة، وتنشى وانتشى كُله: سكر، وَرجل نشوان ونشيان على الْعَاقِبَة، وَالْأُنْثَى نشواء، وَجمعه نشاوى كسكارى، وَزَاد الْقَزاز: وَالْجمع النشوات، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَهُوَ نش، وَامْرَأَة نشئة ونشوانة، وفعلانة قَلِيل إلَاّ فِي بني أَسد، هَكَذَا ذكر الْفراء، وَفِي (نَوَادِر اللحياني) : يُقَال: نشئت من الشَّرَاب أنشأ نشوة ونشوة، وَقَالَ ابْن خالويه: سكر الرجل وانتشى، وثمل ونزف وانزف، فَهُوَ سَكرَان ونشوان، وَقَالَ ابْن التِّين: النشوان السكر الْخَفِيف، قيل: كَأَنَّهُ من كَلَام المولدين. قَوْله: (صِيَام) جمع صَائِم، ويروى: (صوام) ، ثمَّ هَذَا التَّعْلِيق وَهُوَ أثر عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَصله سعيد بن مَنْصُور وَالْبَغوِيّ فِي: الجعديات، من طَرِيق عبد الله بن أبي الهدير (أَن عمر بن الْخطاب أَتَى بِرَجُل شرب الْخمر فِي رَمَضَان، فَلَمَّا دنا مِنْهُ جعل يَقُول: للمنخرين والفم) ، وَفِي رِوَايَة الْبَغَوِيّ: (فَلَمَّا رفع إِلَيْهِ عثر، فَقَالَ عمر: على وَجهك وَيحك وصبياننا صِيَام؟ . ثمَّ أَمر فَضرب ثَمَانِينَ سَوْطًا، ثمَّ سيره إِلَى الشَّام) . وَفِي رِوَايَة الْبَغَوِيّ: (فَضَربهُ الْحَد وَكَانَ إِذا غضب على إِنْسَان سيره إِلَى الشَّام فسيره إِلَى الشَّام) وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق: من شرب الْخمر فِي رَمَضَان ضرب مائَة. انْتهى. هَذَا كَانَ فِي مُسْتَنده مَا ذكره سُفْيَان عَن عَطاء بن أبي مَرْوَان، عَن أَبِيه أَن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَتَى بالنجاشي الشَّاعِر، وَقد شرب الْخمر فِي رَمَضَان

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 4.1 / 29.5
الإضاءة 18%
البدر بعد 11 يوم
سبحان الله وبحمده