«لَا تُوَاصِلُوا، قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ، قَالَ: لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩٦١

الحديث رقم ١٩٦١ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الوصال ومن قال ليس في الليل صيام.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٩٦١ في صحيح البخاري

«لَا تُوَاصِلُوا، قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ، قَالَ: لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ، إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى، أَوْ: إِنِّي أَبِيتُ أُطْعَمُ وَأُسْقَى.»

إسناد حديث رقم ١٩٦١ من صحيح البخاري

١٩٦١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي قَتَادَةُ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

شرح حديث ١٩٦١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

رَسُولِ اللَّهِ كَانَ حُكْمُهُ الرَّفْعَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ اطِّلَاعُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَتَقْرِيرُهُمْ عَلَيْهِ مَعَ تَوَفُّرِ دَوَاعِيهِمْ عَلَى سُؤَالِهِمْ إِيَّاهُ عَنِ الْأَحْكَامِ،

مَعَ أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ فَمَا فَعَلُوهُ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٤٨ - بَاب الْوِصَالِ

وَمَنْ قَالَ لَيْسَ فِي اللَّيْلِ صِيَامٌ لِقَوْلِهِ ﷿: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ وَنَهَى النَّبِيُّ عَنْهُ رَحْمَةً لَهُمْ وَإِبْقَاءً عَلَيْهِمْ، وَمَا يُكْرَهُ مِنْ التَّعَمُّقِ

١٩٦١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: لَا تُوَاصِلُوا، قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ، قَالَ: لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ، إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى، أَوْ إِنِّي أَبِيتُ أُطْعَمُ وَأُسْقَى

[الحديث ١٩٦١ - طرفه في: ٧٢٤١]

١٩٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ الْوِصَالِ قَالُوا إِنَّكَ تُوَاصِلُ قَالَ إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى"

١٩٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ يَقُولُ: لَا تُوَاصِلُوا فَأَيُّكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ. قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي أَبِيتُ لِي مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِي وَسَاقٍ يَسْقِينِ.

[الحديث ١٩٦٣ - طرفه في: ١٩٦٧]

١٩٦٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدٌ قَالَا أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ الْوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ فَقَالُوا إِنَّكَ تُوَاصِلُ قَالَ إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ لَمْ يَذْكُرْ عُثْمَانُ رَحْمَةً لَهُمْ"

قَوْلُهُ: (بَابُ الْوِصَالِ) هُوَ التَّرْكُ فِي لَيَالِي الصِّيَامِ لِمَا يُفْطِرُ بِالنَّهَارِ بِالْقَصْدِ، فَيَخْرُجُ مَنْ أَمْسَكَ اتِّفَاقًا. وَيَدْخُلُ مَنْ أَمْسَكَ جَمِيعَ اللَّيْلِ أَوْ بَعْضَهُ، وَلَمْ يَجْزِمِ الْمُصَنِّفُ بِحُكْمِهِ لِشُهْرَةِ الِاخْتِلَافِ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (وَمَنْ قَالَ: لَيْسَ فِي اللَّيْلِ صِيَامٌ لِقَوْلِهِ ﷿: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخَيْرِ، وَهُوَ حَدِيثٌ ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْجَامِعِ وَوَصَلَهُ فِي الْعِلَلِ الْمُفْرَدِ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ السَّكَنِ وَغَيْرُهُ فِي الصَّحَابَةِ وَالدُّولَابِيُّ وَغَيْرُهُ فِي الْكُنَى كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي فَرْوَةَ الرُّهَاوِيِّ، عَنْ مَعْقِلٍ الْكَنَدِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ عَنْهُ، وَلَفْظُ الْمَتْنِ مَرْفُوعًا: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبِ الصِّيَامَ بِاللَّيْلِ، فَمَنْ صَامَ فَقَدْ تَعَنَّى، وَلَا أَجْرَ لَهُ.

قَالَ ابْنُ مَنْدَهْ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَأَلْتُ الْبُخَارِيَّ عَنْهُ فَقَالَ: مَا أَرَى عُبَادَةَ سَمِعَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخَيْرِ، وَفِي الْمَعْنَى حَدِيثُ بَشِيرِ بْنِ الْخَصَاصِيَةِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِمَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى لَيْلَى امْرَأَةِ بَشِيرِ بْنِ الْخَصَاصِيَةِ قَالَتْ: أَرَدْتُ أَنْ أَصُومَ يَوْمَيْنِ مُوَاصَلَةً فَمَنَعَنِي بَشِيرٌ وَقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ نَهَى عَنْ هَذَا، وَقَالَ:

يَفْعَلُ ذَلِكَ النَّصَارَى، وَلَكِنْ صُومُوا كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ تَعَالَى، أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ فَأَفْطِرُوا لَفْظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَرَوَى هُوَ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ التَّابِعِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْوِصَالِ فِي الصِّيَامِ فَقَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فَإِذَا جَاءَ اللَّيْلُ فَهُوَ مُفْطِرٌ.

وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَفَعَهُ قَالَ: لَا صِيَامَ بَعْدَ اللَّيْلِ أَيْ: بَعْدَ دُخُولِ اللَّيْلِ، ذَكَرَهُ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ مَا عَرَفْتَهُ فَلَا يَصِحُّ، وَإِنْ كَانَ بَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٍ وَمُعَارِضُهُ أَصَحُّ مِنْهُ كَمَا سَأَذْكُرُهُ، وَلَوْ صَحَّتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ لَمْ يَكُنْ لِلْوِصَالِ مَعْنًى أَصْلًا، وَلَا كَانَ فِي فِعْلِهِ قُرْبَةٌ، وَهَذَا خِلَافُ مَا تَقْتَضِيهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ، وَإِنْ كَانَ الرَّاجِحُ أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهِ.

قَوْلُهُ: (وَنَهَى النَّبِيُّ أَيْ: أَصْحَابَهُ (عَنْهُ) أَيْ: عَنِ الْوِصَالِ (رَحْمَةً لَهُمْ وَإِبْقَاءً عَلَيْهِمْ)، وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِلَفْظِ: نَهَى النَّبِيُّ عَنِ الْوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَإِبْقَاءً عَلَيْهِمْ فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ عَنِ الْحِجَامَةِ وَالْمُوَاصَلَةِ وَلَمْ يُحَرِّمْهُمَا إِبْقَاءً عَلَى أَصْحَابِهِ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي بَابِ الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ وَهُوَ يُعَارِضُ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ الْمَذْكُورَ قَبْلُ.

قَوْلُهُ: (وَمَا يُكْرَهُ مِنَ التَّعَمُّقِ) هَذَا مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: الْوِصَالُ أَيْ: بَابُ ذِكْرِ الْوِصَالِ، وَذِكْرِ مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّعَمُّقِ، وَالتَّعَمُّقُ الْمُبَالَغَةُ فِي تَكَلُّفِ مَا لَمْ يُكَلَّفْ بِهِ، وَعُمْقُ الْوَادِي قَعْرُهُ، كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ فِي كِتَابِ التَّمَنِّي مِنْ طَرِيقِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ الْوِصَالِ فَقَالَ : لَوْ مُدَّ بِيَ الشَّهْرُ لَوَاصَلْتُ وِصَالًا يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ. وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ فِي آخِرِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: اكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ: أَحَدُهَا حَدِيثُ أَنَسٍ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْهُ، وَيَحْيَى الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ هُوَ الْقَطَّانُ.

قَوْلُهُ: (لَا تُوَاصِلُوا) فِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةَ: نَهَى النَّبِيُّ عَنِ الْوِصَالِ.

قَوْلُهُ: (قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ) كَذَا فِي أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِيَةِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَكَأَنَّ الْقَائِلَ وَاحِدٌ وَنَسَبَ الْقَوْلَ إِلَى الْجَمِيعِ لِرِضَاهُمْ بِهِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ الْقَائِلِ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ.

قَوْلُهُ: (لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: كَأَحَدِكُمْ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: لَسْتُ مِثْلَكُمْ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: لَسْتُمْ فِي ذَلِكَ مِثْلِي وَنَحْوُهُ فِي مُرْسَلِ الْحَسَنِ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْبَابِ بَعْدَهُ: وَأَيُّكُمْ مِثْلِي؟ وَهَذَا الِاسْتِفْهَامُ يُفِيدُ التَّوْبِيخَ الْمُشْعِرَ بِالِاسْتِبْعَادِ، وَقَوْلُهُ: مِثْلِي أَيْ: عَلَى صِفَتِي أَوْ مَنْزِلَتِي مِنْ رَبِّي.

قَوْلُهُ: (إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى، أَوْ إِنِّي أَبِيتُ أُطْعَمُ وَأُسْقَى) هَذَا الشَّكُّ مِنْ شُعْبَةَ، وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ بَهْزٍ عَنْهُ بِلَفْظِ: إِنَى أَظَلُّ - أَوْ قَالَ - إِنِّي أَبِيتُ وَقَدْ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ بِلَفْظِ: إِنَّ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَدْ رَوَاهُ ثَابِت عَنْ أَنَسٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ التَّمَنِّي بِلَفْظِ: إِنِّي أَظَلُّ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي وَبَيَّنَ فِي رِوَايَتِهِ سَبَبَ الْحَدِيثِ وَهُوَ أَنَّهُ وَاصَلَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ فَوَاصَلَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ. وَسَيَأْتِي نَحْوُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. ثَانِي الْأَحَادِيثِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الْوِصَالِ) تَقَدَّمَ فِي بَابِ بَرَكَةِ السُّحُورِ مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ مِنْ طَرِيقِ جُوَيْرِيَّةَ، عَنْ نَافِعٍ ذِكْرُ السَّبَبِ أَيْضًا وَلَفْظُهُ: أَنَّ النَّبِيَّ وَاصَلَ فَوَاصَلَ النَّاسُ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَنَهَاهُمْ وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو قُرَّةَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ ; وَأَخْرَجَهُ

مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ مِثْلَهُ، وَزَادَ فِي رَمَضَانَ لَكِنْ لَمْ يَقُلْ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ.

قَوْلُهُ: (إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى) فِي رِوَايَةِ جُوَيْرِيَّةَ الْمَذْكُورَةِ: إِنِّي أَظَلُّ أُطْعَمُ وَأُسْقَى.

ثَالِثُهَا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ، وَفِيهِ: فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ.

رَابِعُهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ.

قَوْلُهُ فيه: (عَبْدَةُ) هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ.

قَوْلُهُ: (رَحْمَةً لَهُمْ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى بَيَانِ السَّبَبِ أَيْضًا، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ ذِكْرُ الْمَشَقَّةِ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلَهَا.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ الْمُصَنِّفُ (لَمْ يَذْكُرْ عُثْمَانُ) أَيِ: ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ شَيْخَهُ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ قَوْلُهُ: (رَحْمَةً لَهُمْ) فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامٍ وَحْدَهُ، قَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، وَعُثْمَانَ بْنَ أَبِي شَيْبَةَ جَمِيعًا وَفِيهِ: رَحْمَةً لَهُمْ وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهَا لَيْسَتْ فِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى، وَالْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ فِي مُسْنَدِيهِمَا عَنْ عُثْمَانَ وَلَيْسَ فِيهِ: رَحْمَةً لَهُمْ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَنْهُمَا كَذَلِكَ، وَأَخْرَجَهُ الْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ، عَنْ عُثْمَانَ وَفِيهِ: رَحْمَةً لَهُمْ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عُثْمَانُ كَانَ تَارَةً يَذْكُرُهَا وَتَارَةً يَحْذِفُهَا، وَقَدْ رَوَاهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنْ جَعْفَرٍ الْفِرْيَابِيِّ، عَنْ عُثْمَانَ فَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ وَلَفْظُهُ: قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ، قَالَ: إِنَّمَا هِيَ رَحْمَةٌ رَحِمَكُمُ اللَّهُ بِهَا إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ الْحَدِيثَ.

وَاسْتُدِلَّ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى أَنَّ الْوِصَالَ مِنْ خَصَائِصِهِ ، وَعَلَى أَنَّ غَيْرَهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ إِلَّا مَا وَقَعَ فِيهِ التَّرْخِيصُ مِنَ الْإِذْنِ فِيهِ إِلَى السَّحَرِ، ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي الْمَنْعِ الْمَذْكُورِ: فَقِيلَ: عَلَى سَبِيلِ التَّحْرِيمِ، وَقِيلَ: عَلَى سَبِيلِ الْكَرَاهَةِ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ عَلَى مَنْ شَقَّ عَلَيْهِ وَيُبَاحُ لِمَنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي ذَلِكَ فَنُقِلَ التَّفْصِيلُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُوَاصِلُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَذَهَبَ إِلَيْهِ مِنَ الصَّحَابَةِ أَيْضًا أُخْتُ أَبِي سَعِيدٍ، وَمِنَ التَّابِعِينَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي نُعْمٍ، وَعَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ زَيْدٍ التَّيْمِيُّ، وَأَبُو الْجَوْزَاءِ كَمَا نَقَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي تَرْجَمَتِهِ فِي الْحِلْيَةِ وَغَيْرُهُمْ رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ مَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ بَعْدَهُ أَنَّهُ وَاصَلَ بِأَصْحَابِهِ بَعْدَ النَّهْيِ فَلَوْ كَانَ النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ لَمَا أَقَرَّهُمْ عَلَى فِعْلِهِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ بِالنَّهْيِ الرَّحْمَةَ لَهُمْ وَالتَّخْفِيفَ عَنْهُمْ كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ عَائِشَةُ فِي حَدِيثِهَا، وَهَذَا مِثْلُ مَا نَهَاهُمْ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَى مَنْ بَلَغَهُ أَنَّهُ فَعَلَهُ مِمَّنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ، وَسَيَأْتِي نَظِيرُ ذَلِكَ فِي صِيَامِ الدَّهْرِ، فَمَنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَقْصِدْ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا رَغِبَ عَنِ السُّنَّةِ فِي تَعْجِيلِ الْفِطْرِ لَمْ يُمْنَعْ مِنَ الْوِصَالِ.

وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى تَحْرِيمِ الْوِصَالِ، وَعَنِ الشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ: التَّحْرِيمُ وَالْكَرَاهَةُ، هَكَذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ عَلَى أَنَّهُ مَحْظُورٌ، وَأَغْرَبَ الْقُرْطُبِيُّ فَنَقَلَ التَّحْرِيمَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ عَلَى شَكٍّ مِنْهُ فِي ذَلِكَ، وَلَا مَعْنَى لِشَكِّهِ، فَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ حَزْمٍ بِتَحْرِيمِهِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَذَهَبَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى جَوَازِ الْوِصَالِ إِلَى السَّحَرِ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَذْكُورِ، وَهَذَا الْوِصَالُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى غَيْرِهِ إِلَّا أَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ بِمَنْزِلَةِ عَشَائِهِ إِلَّا أَنَّهُ يُؤَخِّرُهُ؛ لِأَنَّ الصَّائِمَ لَهُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ أَكْلَةٌ، فَإِذَا أَكَلَهَا السَّحَرَ كَانَ قَدْ نَقَلَهَا مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ إِلَى آخِرِهِ وَكَانَ أَخَفَّ لِجِسْمِهِ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ مَا لَمْ يَشُقَّ عَلَى الصَّائِمِ، وَإِلَّا فَلَا يَكُونُ قُرْبَةً، وَانْفَصَلَ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْإِمْسَاكَ إِلَى السَّحَرِ لَيْسَ وِصَالًا بَلِ الْوِصَالُ أَنْ يُمْسِكَ فِي اللَّيْلِ جَمِيعِهِ كَمَا يُمْسِكُ فِي النَّهَارِ، وَإِنَّمَا أُطْلِقَ عَلَى الْإِمْسَاكِ إِلَى السَّحَرِ وِصَالًا لِمُشَابَهَتِهِ الْوِصَالَ فِي الصُّورَةِ، وَيَحْتَاجُ إِلَى ثُبُوتِ الدَّعْوَى بِأَنَّ الْوِصَالَ إِنَّمَا هُوَ حَقِيقَةٌ فِي إِمْسَاكِ جَمِيعِ اللَّيْلِ، وَقَدْ وَرَدَ: أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يُوَاصِلُ مِنَ سَحَرٍ إِلَى سَحَرٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مُرْسَلًا مِنْ طَرِيقِ

ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ أَبِيهِ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

قوَّتهم، وعند أبي داود بإسنادٍ صحيحٍ عن رجلٍ من (١) الصَّحابة قال: نهى النبي عن الحجامة والمواصلة ولم يحرِّمهما (٢) إبقاءً على أصحابه.

(و) بابُ (مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّعَمُّقِ) وهو المبالغة في تكلُّف ما لم يُكلَّف به.

١٩٦١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (٣) (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد أيضًا (قَتَادَةُ) بن دِعَامة (عَنْ أَنَسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ) لأصحابه: (لَا تُوَاصِلُوا) نهيٌ يقتضي الكراهة، وهل هي للتَّنزيه أو للتَّحريم؟ والأصحُّ عند الشَّافعيَّة التَّحريم، قال الرَّافعيُّ: وهو ظاهر نصِّ الشَّافعيِّ، وكرهه مالكٌ، قال الأبيُّ: ولو إلى السَّحَر (٤)، واختار اللَّخميُّ جوازَه إلى السَّحَر لحديث: «من واصل؛ فليواصل إلى السَّحَر»، وقول أشهب: -من واصل (٥) أساء- ظاهره التَّحريم، وقال ابن قدامة في «المغني»: يُكرَه للتَّنزيه لا للتَّحريم، ويدلُّ للتَّحريم قوله في رواية ابن خزيمة من طريق شعبة بهذا الإسناد: «إيَّاكم والوصال» (قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ!) لم يُسَمَّ القائلون، وفي رواية أبي هريرة الآتية -إن شاء الله تعالى- أوَّل الباب اللَّاحق [خ¦١٩٦٥] «فقال رجلٌ من المسلمين» وكأنَّ القائل واحدٌ ونُسِب إلى الجميع لرضاهم به، وفيه: دليلٌ على استواء المُكلَّفين في الأحكام، وأنَّ كلَّ حكمٍ ثبت في حقِّه ثبت في حقِّ أمَّته إلَّا ما استُثني، فطلبوا الجمع بين قوله في النَّهي وفعله الدَّالِّ على الإباحة، فأجابهم باختصاصه به، حيث (قَالَ) : (لَسْتُ) ولابن عساكر: «إنِّي لست» (كَأَحَدٍ مِنْكُمْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «كأحدكم» (إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى) بضمِّ الهمزة فيهما (أَوْ) قال: (إِنِّي أَبِيتُ أُطْعَمُ وَأُسْقَى) حقيقةً، فيُؤتَى بطعامٍ وشرابٍ من عند الله تعالى

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

رَسُولِ اللَّهِ كَانَ حُكْمُهُ الرَّفْعَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ اطِّلَاعُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَتَقْرِيرُهُمْ عَلَيْهِ مَعَ تَوَفُّرِ دَوَاعِيهِمْ عَلَى سُؤَالِهِمْ إِيَّاهُ عَنِ الْأَحْكَامِ،

مَعَ أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ فَمَا فَعَلُوهُ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٤٨ - بَاب الْوِصَالِ

وَمَنْ قَالَ لَيْسَ فِي اللَّيْلِ صِيَامٌ لِقَوْلِهِ ﷿: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ وَنَهَى النَّبِيُّ عَنْهُ رَحْمَةً لَهُمْ وَإِبْقَاءً عَلَيْهِمْ، وَمَا يُكْرَهُ مِنْ التَّعَمُّقِ

١٩٦١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: لَا تُوَاصِلُوا، قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ، قَالَ: لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ، إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى، أَوْ إِنِّي أَبِيتُ أُطْعَمُ وَأُسْقَى

[الحديث ١٩٦١ - طرفه في: ٧٢٤١]

١٩٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ الْوِصَالِ قَالُوا إِنَّكَ تُوَاصِلُ قَالَ إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى"

١٩٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ يَقُولُ: لَا تُوَاصِلُوا فَأَيُّكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ. قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي أَبِيتُ لِي مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِي وَسَاقٍ يَسْقِينِ.

[الحديث ١٩٦٣ - طرفه في: ١٩٦٧]

١٩٦٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدٌ قَالَا أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ الْوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ فَقَالُوا إِنَّكَ تُوَاصِلُ قَالَ إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ لَمْ يَذْكُرْ عُثْمَانُ رَحْمَةً لَهُمْ"

قَوْلُهُ: (بَابُ الْوِصَالِ) هُوَ التَّرْكُ فِي لَيَالِي الصِّيَامِ لِمَا يُفْطِرُ بِالنَّهَارِ بِالْقَصْدِ، فَيَخْرُجُ مَنْ أَمْسَكَ اتِّفَاقًا. وَيَدْخُلُ مَنْ أَمْسَكَ جَمِيعَ اللَّيْلِ أَوْ بَعْضَهُ، وَلَمْ يَجْزِمِ الْمُصَنِّفُ بِحُكْمِهِ لِشُهْرَةِ الِاخْتِلَافِ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (وَمَنْ قَالَ: لَيْسَ فِي اللَّيْلِ صِيَامٌ لِقَوْلِهِ ﷿: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخَيْرِ، وَهُوَ حَدِيثٌ ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْجَامِعِ وَوَصَلَهُ فِي الْعِلَلِ الْمُفْرَدِ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ السَّكَنِ وَغَيْرُهُ فِي الصَّحَابَةِ وَالدُّولَابِيُّ وَغَيْرُهُ فِي الْكُنَى كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي فَرْوَةَ الرُّهَاوِيِّ، عَنْ مَعْقِلٍ الْكَنَدِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ عَنْهُ، وَلَفْظُ الْمَتْنِ مَرْفُوعًا: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبِ الصِّيَامَ بِاللَّيْلِ، فَمَنْ صَامَ فَقَدْ تَعَنَّى، وَلَا أَجْرَ لَهُ.

قَالَ ابْنُ مَنْدَهْ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَأَلْتُ الْبُخَارِيَّ عَنْهُ فَقَالَ: مَا أَرَى عُبَادَةَ سَمِعَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخَيْرِ، وَفِي الْمَعْنَى حَدِيثُ بَشِيرِ بْنِ الْخَصَاصِيَةِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِمَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى لَيْلَى امْرَأَةِ بَشِيرِ بْنِ الْخَصَاصِيَةِ قَالَتْ: أَرَدْتُ أَنْ أَصُومَ يَوْمَيْنِ مُوَاصَلَةً فَمَنَعَنِي بَشِيرٌ وَقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ نَهَى عَنْ هَذَا، وَقَالَ:

يَفْعَلُ ذَلِكَ النَّصَارَى، وَلَكِنْ صُومُوا كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ تَعَالَى، أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ فَأَفْطِرُوا لَفْظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَرَوَى هُوَ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ التَّابِعِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْوِصَالِ فِي الصِّيَامِ فَقَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فَإِذَا جَاءَ اللَّيْلُ فَهُوَ مُفْطِرٌ.

وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَفَعَهُ قَالَ: لَا صِيَامَ بَعْدَ اللَّيْلِ أَيْ: بَعْدَ دُخُولِ اللَّيْلِ، ذَكَرَهُ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ مَا عَرَفْتَهُ فَلَا يَصِحُّ، وَإِنْ كَانَ بَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٍ وَمُعَارِضُهُ أَصَحُّ مِنْهُ كَمَا سَأَذْكُرُهُ، وَلَوْ صَحَّتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ لَمْ يَكُنْ لِلْوِصَالِ مَعْنًى أَصْلًا، وَلَا كَانَ فِي فِعْلِهِ قُرْبَةٌ، وَهَذَا خِلَافُ مَا تَقْتَضِيهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ، وَإِنْ كَانَ الرَّاجِحُ أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهِ.

قَوْلُهُ: (وَنَهَى النَّبِيُّ أَيْ: أَصْحَابَهُ (عَنْهُ) أَيْ: عَنِ الْوِصَالِ (رَحْمَةً لَهُمْ وَإِبْقَاءً عَلَيْهِمْ)، وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِلَفْظِ: نَهَى النَّبِيُّ عَنِ الْوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَإِبْقَاءً عَلَيْهِمْ فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ عَنِ الْحِجَامَةِ وَالْمُوَاصَلَةِ وَلَمْ يُحَرِّمْهُمَا إِبْقَاءً عَلَى أَصْحَابِهِ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي بَابِ الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ وَهُوَ يُعَارِضُ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ الْمَذْكُورَ قَبْلُ.

قَوْلُهُ: (وَمَا يُكْرَهُ مِنَ التَّعَمُّقِ) هَذَا مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: الْوِصَالُ أَيْ: بَابُ ذِكْرِ الْوِصَالِ، وَذِكْرِ مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّعَمُّقِ، وَالتَّعَمُّقُ الْمُبَالَغَةُ فِي تَكَلُّفِ مَا لَمْ يُكَلَّفْ بِهِ، وَعُمْقُ الْوَادِي قَعْرُهُ، كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ فِي كِتَابِ التَّمَنِّي مِنْ طَرِيقِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ الْوِصَالِ فَقَالَ : لَوْ مُدَّ بِيَ الشَّهْرُ لَوَاصَلْتُ وِصَالًا يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ. وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ فِي آخِرِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: اكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ: أَحَدُهَا حَدِيثُ أَنَسٍ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْهُ، وَيَحْيَى الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ هُوَ الْقَطَّانُ.

قَوْلُهُ: (لَا تُوَاصِلُوا) فِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةَ: نَهَى النَّبِيُّ عَنِ الْوِصَالِ.

قَوْلُهُ: (قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ) كَذَا فِي أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِيَةِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَكَأَنَّ الْقَائِلَ وَاحِدٌ وَنَسَبَ الْقَوْلَ إِلَى الْجَمِيعِ لِرِضَاهُمْ بِهِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ الْقَائِلِ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ.

قَوْلُهُ: (لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: كَأَحَدِكُمْ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: لَسْتُ مِثْلَكُمْ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: لَسْتُمْ فِي ذَلِكَ مِثْلِي وَنَحْوُهُ فِي مُرْسَلِ الْحَسَنِ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْبَابِ بَعْدَهُ: وَأَيُّكُمْ مِثْلِي؟ وَهَذَا الِاسْتِفْهَامُ يُفِيدُ التَّوْبِيخَ الْمُشْعِرَ بِالِاسْتِبْعَادِ، وَقَوْلُهُ: مِثْلِي أَيْ: عَلَى صِفَتِي أَوْ مَنْزِلَتِي مِنْ رَبِّي.

قَوْلُهُ: (إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى، أَوْ إِنِّي أَبِيتُ أُطْعَمُ وَأُسْقَى) هَذَا الشَّكُّ مِنْ شُعْبَةَ، وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ بَهْزٍ عَنْهُ بِلَفْظِ: إِنَى أَظَلُّ - أَوْ قَالَ - إِنِّي أَبِيتُ وَقَدْ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ بِلَفْظِ: إِنَّ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَدْ رَوَاهُ ثَابِت عَنْ أَنَسٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ التَّمَنِّي بِلَفْظِ: إِنِّي أَظَلُّ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي وَبَيَّنَ فِي رِوَايَتِهِ سَبَبَ الْحَدِيثِ وَهُوَ أَنَّهُ وَاصَلَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ فَوَاصَلَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ. وَسَيَأْتِي نَحْوُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. ثَانِي الْأَحَادِيثِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الْوِصَالِ) تَقَدَّمَ فِي بَابِ بَرَكَةِ السُّحُورِ مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ مِنْ طَرِيقِ جُوَيْرِيَّةَ، عَنْ نَافِعٍ ذِكْرُ السَّبَبِ أَيْضًا وَلَفْظُهُ: أَنَّ النَّبِيَّ وَاصَلَ فَوَاصَلَ النَّاسُ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَنَهَاهُمْ وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو قُرَّةَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ ; وَأَخْرَجَهُ

مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ مِثْلَهُ، وَزَادَ فِي رَمَضَانَ لَكِنْ لَمْ يَقُلْ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ.

قَوْلُهُ: (إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى) فِي رِوَايَةِ جُوَيْرِيَّةَ الْمَذْكُورَةِ: إِنِّي أَظَلُّ أُطْعَمُ وَأُسْقَى.

ثَالِثُهَا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ، وَفِيهِ: فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ.

رَابِعُهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ.

قَوْلُهُ فيه: (عَبْدَةُ) هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ.

قَوْلُهُ: (رَحْمَةً لَهُمْ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى بَيَانِ السَّبَبِ أَيْضًا، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ ذِكْرُ الْمَشَقَّةِ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلَهَا.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ الْمُصَنِّفُ (لَمْ يَذْكُرْ عُثْمَانُ) أَيِ: ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ شَيْخَهُ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ قَوْلُهُ: (رَحْمَةً لَهُمْ) فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامٍ وَحْدَهُ، قَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، وَعُثْمَانَ بْنَ أَبِي شَيْبَةَ جَمِيعًا وَفِيهِ: رَحْمَةً لَهُمْ وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهَا لَيْسَتْ فِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى، وَالْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ فِي مُسْنَدِيهِمَا عَنْ عُثْمَانَ وَلَيْسَ فِيهِ: رَحْمَةً لَهُمْ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَنْهُمَا كَذَلِكَ، وَأَخْرَجَهُ الْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ، عَنْ عُثْمَانَ وَفِيهِ: رَحْمَةً لَهُمْ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عُثْمَانُ كَانَ تَارَةً يَذْكُرُهَا وَتَارَةً يَحْذِفُهَا، وَقَدْ رَوَاهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنْ جَعْفَرٍ الْفِرْيَابِيِّ، عَنْ عُثْمَانَ فَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ وَلَفْظُهُ: قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ، قَالَ: إِنَّمَا هِيَ رَحْمَةٌ رَحِمَكُمُ اللَّهُ بِهَا إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ الْحَدِيثَ.

وَاسْتُدِلَّ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى أَنَّ الْوِصَالَ مِنْ خَصَائِصِهِ ، وَعَلَى أَنَّ غَيْرَهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ إِلَّا مَا وَقَعَ فِيهِ التَّرْخِيصُ مِنَ الْإِذْنِ فِيهِ إِلَى السَّحَرِ، ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي الْمَنْعِ الْمَذْكُورِ: فَقِيلَ: عَلَى سَبِيلِ التَّحْرِيمِ، وَقِيلَ: عَلَى سَبِيلِ الْكَرَاهَةِ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ عَلَى مَنْ شَقَّ عَلَيْهِ وَيُبَاحُ لِمَنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي ذَلِكَ فَنُقِلَ التَّفْصِيلُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُوَاصِلُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَذَهَبَ إِلَيْهِ مِنَ الصَّحَابَةِ أَيْضًا أُخْتُ أَبِي سَعِيدٍ، وَمِنَ التَّابِعِينَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي نُعْمٍ، وَعَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ زَيْدٍ التَّيْمِيُّ، وَأَبُو الْجَوْزَاءِ كَمَا نَقَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي تَرْجَمَتِهِ فِي الْحِلْيَةِ وَغَيْرُهُمْ رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ مَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ بَعْدَهُ أَنَّهُ وَاصَلَ بِأَصْحَابِهِ بَعْدَ النَّهْيِ فَلَوْ كَانَ النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ لَمَا أَقَرَّهُمْ عَلَى فِعْلِهِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ بِالنَّهْيِ الرَّحْمَةَ لَهُمْ وَالتَّخْفِيفَ عَنْهُمْ كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ عَائِشَةُ فِي حَدِيثِهَا، وَهَذَا مِثْلُ مَا نَهَاهُمْ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَى مَنْ بَلَغَهُ أَنَّهُ فَعَلَهُ مِمَّنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ، وَسَيَأْتِي نَظِيرُ ذَلِكَ فِي صِيَامِ الدَّهْرِ، فَمَنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَقْصِدْ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا رَغِبَ عَنِ السُّنَّةِ فِي تَعْجِيلِ الْفِطْرِ لَمْ يُمْنَعْ مِنَ الْوِصَالِ.

وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى تَحْرِيمِ الْوِصَالِ، وَعَنِ الشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ: التَّحْرِيمُ وَالْكَرَاهَةُ، هَكَذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ عَلَى أَنَّهُ مَحْظُورٌ، وَأَغْرَبَ الْقُرْطُبِيُّ فَنَقَلَ التَّحْرِيمَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ عَلَى شَكٍّ مِنْهُ فِي ذَلِكَ، وَلَا مَعْنَى لِشَكِّهِ، فَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ حَزْمٍ بِتَحْرِيمِهِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَذَهَبَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى جَوَازِ الْوِصَالِ إِلَى السَّحَرِ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَذْكُورِ، وَهَذَا الْوِصَالُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى غَيْرِهِ إِلَّا أَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ بِمَنْزِلَةِ عَشَائِهِ إِلَّا أَنَّهُ يُؤَخِّرُهُ؛ لِأَنَّ الصَّائِمَ لَهُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ أَكْلَةٌ، فَإِذَا أَكَلَهَا السَّحَرَ كَانَ قَدْ نَقَلَهَا مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ إِلَى آخِرِهِ وَكَانَ أَخَفَّ لِجِسْمِهِ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ مَا لَمْ يَشُقَّ عَلَى الصَّائِمِ، وَإِلَّا فَلَا يَكُونُ قُرْبَةً، وَانْفَصَلَ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْإِمْسَاكَ إِلَى السَّحَرِ لَيْسَ وِصَالًا بَلِ الْوِصَالُ أَنْ يُمْسِكَ فِي اللَّيْلِ جَمِيعِهِ كَمَا يُمْسِكُ فِي النَّهَارِ، وَإِنَّمَا أُطْلِقَ عَلَى الْإِمْسَاكِ إِلَى السَّحَرِ وِصَالًا لِمُشَابَهَتِهِ الْوِصَالَ فِي الصُّورَةِ، وَيَحْتَاجُ إِلَى ثُبُوتِ الدَّعْوَى بِأَنَّ الْوِصَالَ إِنَّمَا هُوَ حَقِيقَةٌ فِي إِمْسَاكِ جَمِيعِ اللَّيْلِ، وَقَدْ وَرَدَ: أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يُوَاصِلُ مِنَ سَحَرٍ إِلَى سَحَرٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مُرْسَلًا مِنْ طَرِيقِ

ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ أَبِيهِ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

قوَّتهم، وعند أبي داود بإسنادٍ صحيحٍ عن رجلٍ من (١) الصَّحابة قال: نهى النبي عن الحجامة والمواصلة ولم يحرِّمهما (٢) إبقاءً على أصحابه.

(و) بابُ (مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّعَمُّقِ) وهو المبالغة في تكلُّف ما لم يُكلَّف به.

١٩٦١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (٣) (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد أيضًا (قَتَادَةُ) بن دِعَامة (عَنْ أَنَسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ) لأصحابه: (لَا تُوَاصِلُوا) نهيٌ يقتضي الكراهة، وهل هي للتَّنزيه أو للتَّحريم؟ والأصحُّ عند الشَّافعيَّة التَّحريم، قال الرَّافعيُّ: وهو ظاهر نصِّ الشَّافعيِّ، وكرهه مالكٌ، قال الأبيُّ: ولو إلى السَّحَر (٤)، واختار اللَّخميُّ جوازَه إلى السَّحَر لحديث: «من واصل؛ فليواصل إلى السَّحَر»، وقول أشهب: -من واصل (٥) أساء- ظاهره التَّحريم، وقال ابن قدامة في «المغني»: يُكرَه للتَّنزيه لا للتَّحريم، ويدلُّ للتَّحريم قوله في رواية ابن خزيمة من طريق شعبة بهذا الإسناد: «إيَّاكم والوصال» (قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ!) لم يُسَمَّ القائلون، وفي رواية أبي هريرة الآتية -إن شاء الله تعالى- أوَّل الباب اللَّاحق [خ¦١٩٦٥] «فقال رجلٌ من المسلمين» وكأنَّ القائل واحدٌ ونُسِب إلى الجميع لرضاهم به، وفيه: دليلٌ على استواء المُكلَّفين في الأحكام، وأنَّ كلَّ حكمٍ ثبت في حقِّه ثبت في حقِّ أمَّته إلَّا ما استُثني، فطلبوا الجمع بين قوله في النَّهي وفعله الدَّالِّ على الإباحة، فأجابهم باختصاصه به، حيث (قَالَ) : (لَسْتُ) ولابن عساكر: «إنِّي لست» (كَأَحَدٍ مِنْكُمْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «كأحدكم» (إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى) بضمِّ الهمزة فيهما (أَوْ) قال: (إِنِّي أَبِيتُ أُطْعَمُ وَأُسْقَى) حقيقةً، فيُؤتَى بطعامٍ وشرابٍ من عند الله تعالى

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر