«نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْوِصَالِ فِي الصَّوْمِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩٦٥

الحديث رقم ١٩٦٥ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب التنكيل لمن أكثر الوصال.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٩٦٥ في صحيح البخاري

«نَهَى رَسُولُ اللهِ عَنِ الْوِصَالِ فِي الصَّوْمِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: وَأَيُّكُمْ مِثْلِي، إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ، فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الْوِصَالِ، وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا، ثُمَّ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوُا الْهِلَالَ، فَقَالَ: لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُمْ». كَالتَّنْكِيلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا.

إسناد حديث رقم ١٩٦٥ من صحيح البخاري

١٩٦٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ : أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ

⦗٣٨⦘

عَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٩٦٥: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قِلَابَةَ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، وَاحْتَجُّوا لِلتَّحْرِيمِ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ: إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ إِذْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّيْلَ مَحَلًّا لِسِوَى الْفِطْرِ فَالصَّوْمُ فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِوَضْعِهِ كَيَوْمِ الْفِطْرِ، وَأَجَابُوا أَيْضًا بِأَنَّ قَوْلَهُ: رَحْمَةً لَهُمْ لَا يَمْنَعُ التَّحْرِيمَ، فَإِنَّ مِنْ رَحْمَتِهِ لَهُمْ أَنْ حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ، وَأَمَّا مُوَاصَلَتُهُ بِهِمْ بَعْدَ نَهْيِهِ فَلَمْ يَكُنْ تَقْرِيرًا بَلْ تَقْرِيعًا وَتَنْكِيلًا، فَاحْتَمَلَ مِنْهُمْ ذَلِكَ لِأَجْلِ مُصْلِحَةِ النَّهْيِ فِي تأَكِيدِ زَجْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا بَاشَرُوه ظَهَرَتْ لَهُمْ حِكْمَةُ النَّهْيِ، وَكَانَ ذَلِكَ أُدْعَى إِلَى قُلُوبِهِمْ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمَلَلِ فِي الْعِبَادَةِ وَالتَّقْصِيرِ فِيمَا هُوَ أَهَمُّ مِنْهُ وَأَرْجَحُ مِنْ وَظَائِفِ الصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالْجُوعُ الشَّدِيدُ يُنَافِي ذَلِكَ، وَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْوِصَالَ يَخْتَصُّ بِهِ لِقَوْلِهِ: لَسْتُ فِي ذَلِكَ مِثْلَكُمْ وَقَوْلُهُ: لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ هَذَا مَعَ مَا انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ مِنِ اسْتِحْبَابِ تَعْجِيلِ الْفِطْرِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِهِ.

قُلْتُ: وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ حَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ الَّذِي قَدَّمْتُ التَّنْبِيهَ عَلَيْهِ فِي أَوَائِلِ الْبَابِ، فَإِنَّ الصَّحَابِيَّ صَرَّحَ فِيهِ بِأَنَّهُ لَمْ يُحَرِّمِ الْوِصَالَ، وَرَوَى الْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ: نَهَى النَّبِيُّ عَنِ الْوِصَالِ، وَلَيْسَ بِالْعَزِيمَةِ. وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ: أَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِلنَّبِيِّ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ قَبِلَ وِصَالَكَ وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدَكَ فَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِصَحِيحٍ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، وَمِنْ أَدِلَّةِ الْجَوَازِ إِقْدَامُ الصَّحَابَةِ عَلَى الْوِصَالِ بَعْدَ النَّهْيِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ لَا لِلتَّحْرِيمِ، وَإِلَّا لَمَا أَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَيُؤَيِّدُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ أَيْضًا أَنَّهُ فِي حَدِيثِ بَشِيرِ بْنِ الْخَصَاصِيَةِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ سَوَّى فِي عِلَّةِ النَّهْيِ بَيْنَ الْوِصَالِ وَبَيْنَ تَأْخِيرِ الْفِطْرِ، حَيْثُ قَالَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا: إِنَّهُ فِعْلُ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِتَحْرِيمِ تَأْخِيرِ الْفِطْرِ سِوَى بَعْضِ مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى مَا فِيهِ مِنْ فَطْمِ النَّفْسِ وَشَهَوَاتِهَا وَقَمْعِهَا عَنْ مَلْذُوذَاتِهَا فَلِهَذَا اسْتَمَرَّ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِهِ مُطْلَقًا أَوْ مُقَيَّدًا مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَفِي أَحَادِيثِ الْبَابِ مِنَ الْفَوَائِدِ اسْتِوَاءُ الْمُكَلَّفِينَ فِي الْأَحْكَامِ، وَأَنَّ كُلَّ حُكْمٍ ثَبَتَ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ثَبَتَ فِي حَقِّ أُمَّتِهِ إِلَّا مَا اسْتُثْنِيَ بِدَلِيلٍ، وَفِيهِ جَوَازُ مُعَارَضَةِ الْمُفْتِي فِيمَا أَفْتَى بِهِ إِذَا كَانَ بِخِلَافِ حَالِهِ وَلَمْ يَعْلَمِ الْمُسْتَفْتِي بِسِرِّ الْمُخَالَفَةِ، وَفِيهِ الِاسْتِكْشَافُ عَنْ حِكْمَةِ النَّهْيِ، وَفِيهِ ثُبُوتُ خَصَائِصِهِ وَأَنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ مَخْصُوصٌ، وَفِيهِ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَرْجِعُونَ إِلَى فِعْلِهِ الْمَعْلُومِ صِفَتُهُ، وَيُبَادِرُونَ إِلَى الِائْتِسَاءِ بِهِ إِلَّا فِيمَا نَهَاهُمْ عَنْهُ، وَفِيهِ أَنَّ خَصَائِصَهُ لَا يُتَأَسَّى بِهِ فِي جَمِيعِهَا، وَقَدْ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَقَالَ أَبُو شَامَةَ: لَيْسَ لِأَحَدٍ التَّشَبُّهُ بِهِ فِي الْمُبَاحِ كَالزِّيَادَةِ عَلَى أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، وَيُسْتَحَبُّ التَّنَزُّهُ عَنِ الْمُحَرَّمِ عَلَيْهِ وَالتَّشَبُّهُ بِهِ فِي الْوَاجِبِ عَلَيْهِ كَالضُّحَى، وَأَمَّا الْمُسْتَحَبُّ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ، وَالْوِصَالُ مِنْهُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ لَمْ يُمْنَعِ الِائْتِسَاءُ بِهِ فِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِيهِ بَيَانُ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى إِيجَادِ الْمُسَبَّبَاتِ الْعَادِيَاتِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ ظَاهِرٍ، كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.

٤٩ - بَاب التَّنْكِيلِ لِمَنْ أَكْثَرَ الْوِصَالَ رَوَاهُ أَنَسٌ عَنْ النَّبِيِّ

١٩٦٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ الْوِصَالِ فِي الصَّوْمِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: وَأَيُّكُمْ مِثْلِي؟ إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ، فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنْ الْوِصَالِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٩٦٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي) ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر «أخبرني» بالإفراد فيهما (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ) أصحابَه (عَنِ الوِصَالِ فِي الصَّوْمِ) فرضًا أو نفلًا (فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ) لم يُسَمَّ، وفي رواية عُقَيلٍ في «التَّعزير» [خ¦٦٨٥١] فقال له رجالٌ: (إِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللهِ!) أي: ووصلك (١) دالٌّ على إباحته، فأجابهم بأنَّ ذلك من خصائصه؛ حيث (قَالَ: وَأَيُّكُمْ) وفي نسخةٍ: «فأيُّكم» (مِثْلِي؟!) استفهامٌ يفيد التَّوبيخ المشعر بالاستبعاد (إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ) بحذف الياء وثبوتها كما سبق تقريره (فَلَمَّا أَبَوْا) أي: امتنعوا (أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الوِصَالِ) لظنِّهم أنَّ نهيه نهيُ تنزيهٍ لا تحريمٍ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ -كما في «الفتح» -: «من الوصال» بالميم بدل العين (وَاصَلَ بِهِمْ) (يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا) أي: يومين لأجل المصلحة ليبيِّن لهم الحكمة في ذلك (ثُمَّ رَأَوُا الهِلَالَ، فَقَالَ) : (لَوْ تَأَخَّرَ) الشَّهر (لَزِدْتُكُمْ) في الوصال إلى أن تعجزوا عنه فتسألوا التَّخفيف منه بالتَّرك (كَالتَّنْكِيلِ لَهُمْ) وفي رواية مَعْمَرٍ في «التَّمنِّي» [خ¦٧٢٩٩] «كالمنكِّل لهم» (٢)، ووقع فيها عند المُستملي: «كالمنكر لهم (٣)» بالرَّاء وسكون النُّون من الإنكار، وللحَمُّويي: «كالمنكِي» بتحتيَّةٍ ساكنةٍ قبلها كافٌ مكسورةٌ خفيفةٌ من الإنكاء (٤)، والأوَّل هو الذي تظافرت به الرِّوايات خارج هذا

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قِلَابَةَ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، وَاحْتَجُّوا لِلتَّحْرِيمِ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ: إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ إِذْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّيْلَ مَحَلًّا لِسِوَى الْفِطْرِ فَالصَّوْمُ فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِوَضْعِهِ كَيَوْمِ الْفِطْرِ، وَأَجَابُوا أَيْضًا بِأَنَّ قَوْلَهُ: رَحْمَةً لَهُمْ لَا يَمْنَعُ التَّحْرِيمَ، فَإِنَّ مِنْ رَحْمَتِهِ لَهُمْ أَنْ حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ، وَأَمَّا مُوَاصَلَتُهُ بِهِمْ بَعْدَ نَهْيِهِ فَلَمْ يَكُنْ تَقْرِيرًا بَلْ تَقْرِيعًا وَتَنْكِيلًا، فَاحْتَمَلَ مِنْهُمْ ذَلِكَ لِأَجْلِ مُصْلِحَةِ النَّهْيِ فِي تأَكِيدِ زَجْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا بَاشَرُوه ظَهَرَتْ لَهُمْ حِكْمَةُ النَّهْيِ، وَكَانَ ذَلِكَ أُدْعَى إِلَى قُلُوبِهِمْ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمَلَلِ فِي الْعِبَادَةِ وَالتَّقْصِيرِ فِيمَا هُوَ أَهَمُّ مِنْهُ وَأَرْجَحُ مِنْ وَظَائِفِ الصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالْجُوعُ الشَّدِيدُ يُنَافِي ذَلِكَ، وَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْوِصَالَ يَخْتَصُّ بِهِ لِقَوْلِهِ: لَسْتُ فِي ذَلِكَ مِثْلَكُمْ وَقَوْلُهُ: لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ هَذَا مَعَ مَا انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ مِنِ اسْتِحْبَابِ تَعْجِيلِ الْفِطْرِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِهِ.

قُلْتُ: وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ حَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ الَّذِي قَدَّمْتُ التَّنْبِيهَ عَلَيْهِ فِي أَوَائِلِ الْبَابِ، فَإِنَّ الصَّحَابِيَّ صَرَّحَ فِيهِ بِأَنَّهُ لَمْ يُحَرِّمِ الْوِصَالَ، وَرَوَى الْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ: نَهَى النَّبِيُّ عَنِ الْوِصَالِ، وَلَيْسَ بِالْعَزِيمَةِ. وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ: أَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِلنَّبِيِّ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ قَبِلَ وِصَالَكَ وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدَكَ فَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِصَحِيحٍ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، وَمِنْ أَدِلَّةِ الْجَوَازِ إِقْدَامُ الصَّحَابَةِ عَلَى الْوِصَالِ بَعْدَ النَّهْيِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ لَا لِلتَّحْرِيمِ، وَإِلَّا لَمَا أَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَيُؤَيِّدُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ أَيْضًا أَنَّهُ فِي حَدِيثِ بَشِيرِ بْنِ الْخَصَاصِيَةِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ سَوَّى فِي عِلَّةِ النَّهْيِ بَيْنَ الْوِصَالِ وَبَيْنَ تَأْخِيرِ الْفِطْرِ، حَيْثُ قَالَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا: إِنَّهُ فِعْلُ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِتَحْرِيمِ تَأْخِيرِ الْفِطْرِ سِوَى بَعْضِ مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى مَا فِيهِ مِنْ فَطْمِ النَّفْسِ وَشَهَوَاتِهَا وَقَمْعِهَا عَنْ مَلْذُوذَاتِهَا فَلِهَذَا اسْتَمَرَّ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِهِ مُطْلَقًا أَوْ مُقَيَّدًا مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَفِي أَحَادِيثِ الْبَابِ مِنَ الْفَوَائِدِ اسْتِوَاءُ الْمُكَلَّفِينَ فِي الْأَحْكَامِ، وَأَنَّ كُلَّ حُكْمٍ ثَبَتَ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ثَبَتَ فِي حَقِّ أُمَّتِهِ إِلَّا مَا اسْتُثْنِيَ بِدَلِيلٍ، وَفِيهِ جَوَازُ مُعَارَضَةِ الْمُفْتِي فِيمَا أَفْتَى بِهِ إِذَا كَانَ بِخِلَافِ حَالِهِ وَلَمْ يَعْلَمِ الْمُسْتَفْتِي بِسِرِّ الْمُخَالَفَةِ، وَفِيهِ الِاسْتِكْشَافُ عَنْ حِكْمَةِ النَّهْيِ، وَفِيهِ ثُبُوتُ خَصَائِصِهِ وَأَنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ مَخْصُوصٌ، وَفِيهِ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَرْجِعُونَ إِلَى فِعْلِهِ الْمَعْلُومِ صِفَتُهُ، وَيُبَادِرُونَ إِلَى الِائْتِسَاءِ بِهِ إِلَّا فِيمَا نَهَاهُمْ عَنْهُ، وَفِيهِ أَنَّ خَصَائِصَهُ لَا يُتَأَسَّى بِهِ فِي جَمِيعِهَا، وَقَدْ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَقَالَ أَبُو شَامَةَ: لَيْسَ لِأَحَدٍ التَّشَبُّهُ بِهِ فِي الْمُبَاحِ كَالزِّيَادَةِ عَلَى أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، وَيُسْتَحَبُّ التَّنَزُّهُ عَنِ الْمُحَرَّمِ عَلَيْهِ وَالتَّشَبُّهُ بِهِ فِي الْوَاجِبِ عَلَيْهِ كَالضُّحَى، وَأَمَّا الْمُسْتَحَبُّ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ، وَالْوِصَالُ مِنْهُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ لَمْ يُمْنَعِ الِائْتِسَاءُ بِهِ فِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِيهِ بَيَانُ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى إِيجَادِ الْمُسَبَّبَاتِ الْعَادِيَاتِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ ظَاهِرٍ، كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.

٤٩ - بَاب التَّنْكِيلِ لِمَنْ أَكْثَرَ الْوِصَالَ رَوَاهُ أَنَسٌ عَنْ النَّبِيِّ

١٩٦٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ الْوِصَالِ فِي الصَّوْمِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: وَأَيُّكُمْ مِثْلِي؟ إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ، فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنْ الْوِصَالِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٩٦٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي) ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر «أخبرني» بالإفراد فيهما (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ) أصحابَه (عَنِ الوِصَالِ فِي الصَّوْمِ) فرضًا أو نفلًا (فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ) لم يُسَمَّ، وفي رواية عُقَيلٍ في «التَّعزير» [خ¦٦٨٥١] فقال له رجالٌ: (إِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللهِ!) أي: ووصلك (١) دالٌّ على إباحته، فأجابهم بأنَّ ذلك من خصائصه؛ حيث (قَالَ: وَأَيُّكُمْ) وفي نسخةٍ: «فأيُّكم» (مِثْلِي؟!) استفهامٌ يفيد التَّوبيخ المشعر بالاستبعاد (إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ) بحذف الياء وثبوتها كما سبق تقريره (فَلَمَّا أَبَوْا) أي: امتنعوا (أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الوِصَالِ) لظنِّهم أنَّ نهيه نهيُ تنزيهٍ لا تحريمٍ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ -كما في «الفتح» -: «من الوصال» بالميم بدل العين (وَاصَلَ بِهِمْ) (يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا) أي: يومين لأجل المصلحة ليبيِّن لهم الحكمة في ذلك (ثُمَّ رَأَوُا الهِلَالَ، فَقَالَ) : (لَوْ تَأَخَّرَ) الشَّهر (لَزِدْتُكُمْ) في الوصال إلى أن تعجزوا عنه فتسألوا التَّخفيف منه بالتَّرك (كَالتَّنْكِيلِ لَهُمْ) وفي رواية مَعْمَرٍ في «التَّمنِّي» [خ¦٧٢٩٩] «كالمنكِّل لهم» (٢)، ووقع فيها عند المُستملي: «كالمنكر لهم (٣)» بالرَّاء وسكون النُّون من الإنكار، وللحَمُّويي: «كالمنكِي» بتحتيَّةٍ ساكنةٍ قبلها كافٌ مكسورةٌ خفيفةٌ من الإنكاء (٤)، والأوَّل هو الذي تظافرت به الرِّوايات خارج هذا

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله وبحمده