الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩٨٣
الحديث رقم ١٩٨٣ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الصوم من آخر الشهر.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ صَوْمِ يَوْمِ
⦗٤٢⦘
الْجُمُعَةِ فَإِذَا أَصْبَحَ صَائِمًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُفْطِرَ
١٩٨٣ - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ، عَنْ غَيْلَانَ وَحَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ: حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ: حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
اللَّهِ تَعَالَى، وَبِمُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ ﷺ لِمَا فِي إِجَابَةِ دَعْوَتِهِ مِنَ الْأَمْرِ النَّادِرِ، وَهُوَ اجْتِمَاعُ كَثْرَةِ الْمَالِ مَعَ كَثْرَةِ الْوَلَدِ، وَكَوْنُ بُسْتَانِ الْمَدْعُوِّ لَهُ صَارَ يُثْمِرُ مَرَّتَيْنِ فِي السَّنَةِ دُونَ غَيْرِهِ. وَفِيهِ التَّأْرِيخُ بِالْأَمْرِ الشَّهِيرِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى صَلَاحِ الْمُؤَرَّخِ بِهِ، وَفِيهِ جَوَازُ ذِكْرِ الْبُضْعِ فِيمَا زَادَ عَلَى عَقْدِ الْعُشْرِ خِلَافًا لِمَنْ قَصَرَهُ عَلَى مَا قَبْلَ الْعِشْرِينَ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هُوَ سَعِيدٌ، وَفَائِدَةُ ذِكْرِ هَذِهِ الطَّرِيقِ بَيَانُ سَمَاعِ حُمَيْدٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَنَسٍ لِمَا اشْتُهِرَ مِنْ أَنَّ حُمَيْدًا كَانَ رُبَّمَا دَلَّسَ عَنْ أَنَسٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ كَرِيمَةٍ وَالْأَصِيلِيِّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ فَيَكُونُ مَوْصُولًا.
٦٢ - بَاب الصَّوْمِ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ
١٩٨٣ - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ، عَنْ غَيْلَانَ. وَحَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سَأَلَهُ - أَوْ سَأَلَ رَجُلًا وَعِمْرَانُ يَسْمَعُ - فَقَالَ: يَا أَبَا فُلَانٍ، أَمَا صُمْتَ سَرَرَ هَذَا الشَّهْرِ؟ قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ يَعْنِي رَمَضَانَ، قَالَ الرَّجُلُ: لَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ، لَمْ يَقُلْ الصَّلْتُ: أَظُنُّهُ يَعْنِي رَمَضَانَ.
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: وَقَالَ ثَابِتٌ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمْرَانَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: مِنْ سَرَرِ شَعْبَانَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّوْمِ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: أَطْلَقَ الشَّهْرَ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي يَتَحَرَّرُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ شَهْرٌ مُقَيَّدٌ وَهُوَ شَعْبَانُ؛ إِشَارَةً مِنْهُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِشَعْبَانَ، بَلْ يُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ النَّدْبُ إِلَى صِيَامِ أَوَاخِرِ كُلِّ شَهْرٍ لِيَكُونَ عَادَةً لِلْمُكَلَّفِ فَلَا يُعَارِضُهُ النَّهْيُ عَنْ تَقَدُّمِ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لِقَوْلِهِ فِيهِ: إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ، بَصْرِيٌّ مَشْهُورٌ، وَأَضَافَ إِلَيْهِ رِوَايَةَ أَبِي النُّعْمَانِ وَهُوَ عَارِمٌ لِمَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ تَصْرِيحِ مَهْدِيٍّ بِالتَّحْدِيثِ مِنْ غَيْلَانَ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ مُطَرِّفٍ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ سَأَلَهُ أَوْ سَأَلَ رَجُلًا وَعِمْرَانُ يَسْمَعُ) هَذَا شَكٌّ مِنْ مُطَرِّفٍ فَإِنَّ ثَابِتًا رَوَاهُ عَنْهُ بِنَحْوِهِ عَلَى الشَّكِّ أَيْضًا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ مُطَرِّفٍ بِدُونِ شَكٍّ عَلَى الْإِبْهَامِ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ زَادَ أَبُو عَوَانَةَ فِي مُسْتَخْرَجِهِ: مِنْ أَصْحَابِهِ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ بِهِ قَالَ لِعِمْرَانَ بِغَيْرِ شَكٍّ.
قَوْلُهُ: (يَا فُلَانُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ يَا أَبَا فُلَانٍ بِأَدَاةِ الْكُنْيَةِ.
قَوْلُهُ: (أَمَا صُمْتَ سُرَرَ هَذَا الشَّهْرِ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ مَهْدِيٍّ سُرِّهِ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ بَعْدَهَا هَاءٌ، قَالَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِابْنِ قُرْقُولٍ: كَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ. انْتَهَى. وَالَّذِي رَأَيْتُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ يَاسِرٍ الْجَيَّانِيِّ وَمِنْ خَطِّهِ نَقَلْتُ سُرَرِ هَذَا الشَّهْرِ كَبَاقِي الرِّوَايَاتِ، وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ الْمَذْكُورَةِ أَصُمْتَ مِنْ سُرَرِ شَعْبَانَ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا.
قَوْلُهُ: (قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: يَعْنِي رَمَضَانَ) هَذَا الظَّنُّ مِنْ أَبِي النُّعْمَانِ، لِتَصْرِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي آخِرِهِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ أَبِي الصَّلْتِ، وَكَأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْ أَبِي النُّعْمَانِ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ الْبُخَارِيُّ، وَإِلَّا فَقَدْ رَوَاهُ الْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ يُوسُفَ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ بِدُونِ ذَلِكَ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَنَقَلَ الْحُمَيْدِيُّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ شَعْبَانَ أَصَحُّ، وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فِي الصَّحِيحِ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: ذِكْرُ رَمَضَانَ هُنَا وَهَمٌ؛ لِأَنَّ رَمَضَانَ يَتَعَيَّنُ صَوْمُ جَمِيعِهِ، وَكَذَا قَالَ الدَّاوُدِيُّ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَخِي مُطَرِّفٍ، عَنْ
مُطَرِّفٍ بِلَفْظِ: هَلْ صُمْتَ مِنْ سُرَرِ هَذَا الشَّهْرِ شَيْئًا يَعْنِي: شَعْبَانَ، وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ هُدْبَةَ وَلَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ وَلَا قُطْرِ بْنِ حَمَّادٍ وَلَا عَفَّانَ وَلَا عَبْدِ الصَّمَدِ وَلَا غَيْرِهِمْ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَمُسْلِمٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ وَغَيْرِهِمْ وَلَا فِي بَاقِي الرِّوَايَاتِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ رَمَضَانَ فِي قَوْلِهِ: يَعْنِي: رَمَضَانَ ظَرْفًا لِلْقَوْلِ الصَّادِرِ مِنْهُ ﷺ لَا لِصِيَامِ الْمُخَاطَبِ بِذَلِكَ، فَيُوَافِقُ رِوَايَةَ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ مُطَرِّفٍ فَإِنَّ فِيهَا عِنْدَ مُسْلِمٍ فَقَالَ لَهُ: فَإِذَا أَفْطَرْتَ مِنْ رَمَضَانَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ مَكَانَهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ثَابِتٌ. . . إِلَخْ) وَصَلَهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْهُ كَذَلِكَ، وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ مِنَ الزِّيَادَةِ هُنَا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَشَعْبَانُ أَصَحُّ وَالسَّرَرُ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا وَضَمُّهَا جَمْعُ سُرَّةٍ وَيُقَالُ أَيْضًا: سَرَارٌ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِهِ، وَرَجَّحَ الْفَرَّاءُ الْفَتْحَ، وَهُوَ مِنَ الِاسْتِسْرَارِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَالْجُمْهُورُ: الْمُرَادُ بِالسُّرَرِ هُنَا آخِرُ الشَّهْرِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاسْتِسْرَارِ الْقَمَرِ فِيهَا وَهِيَ لَيْلَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَتِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِينَ.
وَنَقَلَ أَبُو دَاوُدَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ سُرَرُهُ أَوَّلُهُ، وَنَقَلَ الْخَطَّابِيُّ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ كَالْجُمْهُورِ، وَقِيلَ: السُّرَرُ وَسَطُ الشَّهْرِ. حَكَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا وَرَجَّحَهُ بَعْضُهُمْ، وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ السُّرَرَ جَمْعُ سُرَّةٍ وَسُرَّةُ الشَّيْءِ وَسَطُهُ، وَيُؤَيِّدُهُ النَّدْبُ إِلَى صِيَامِ الْبِيضِ، وَهِيَ وَسَطُ الشَّهْرِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي صِيَامِ آخِرِ الشَّهْرِ نَدْبٌ، بَلْ وَرَدَ فِيهِ نَهْيٌ خَاصٌّ وَهُوَ آخِرُ شَعْبَانَ لِمَنْ صَامَهُ لِأَجْلِ رَمَضَانَ، وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ مُسْلِمًا أَفْرَدَ الرِّوَايَةَ الَّتِي فِيهَا سُرَّةُ هَذَا الشَّهْرِ عَنْ بَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ وَأَرْدَفَ بِهَا الرِّوَايَاتِ الَّتِي فِيهَا الْحَضُّ عَلَى صِيَامِ الْبِيضِ، وَهِيَ وَسَطُ الشَّهْرِ كَمَا تَقَدَّمَ، لَكِنْ لَمْ أَرَهُ فِي جَمِيعِ طُرُقِ الْحَدِيثِ بِاللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرَهُ وَهُوَ سُرَّةٌ بَلْ هُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ وَجْهَيْنِ بِلَفْظِ: سِرَارٍ وَأَخْرَجَهُ مِنْ طُرُقٍ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ فِي بَعْضِهَا سُرَرٌ وَفِي بَعْضِهَا سِرَارٌ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ آخِرُ الشَّهْرِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: سُؤَالُهُ ﷺ عَنْ ذَلِكَ سُؤَالُ زَجْرٍ وَإِنْكَارٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَهَى أَنْ يُسْتَقْبَلَ الشَّهْرُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ أَنْكَرَ ذَلِكَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِقَضَاءِ ذَلِكَ، وَأَجَابَ الْخَطَّابِيُّ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ أَوْجَبَهَا عَلَى نَفْسِهِ، فَلِذَلِكَ أَمَرَهُ بِالْوَفَاءِ وَأَنْ يَقْضِي ذَلِكَ فِي شَوَّالٍ. انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: قَوْلُهُ: سُؤَالُ إِنْكَارٍ فِيهِ تَكَلُّفٌ، وَيَدْفَعُ فِي صَدْرِهِ قَوْلُ الْمَسْئُولِ: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَوْ كَانَ سُؤَالَ إِنْكَارٍ لَكَانَ ﷺ قَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَامَ، والْفَرْضُ أَنَّ الرَّجُلَ لَمْ يَصُمْ، فَكَيْفَ يُنْكِرُ عَلَيْهِ فِعْلَ مَا لَمْ يَفْعَلْهُ؟ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ كَانَتْ لَهُ عَادَةً بِصِيَامِ آخِرِ الشَّهْرِ، فَلَمَّا سَمِعَ نَهْيَهُ ﷺ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَحَدٌ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ وَلَمْ يَبْلُغْهُ الِاسْتِثْنَاءُ تَرَكَ صِيَامَ مَا كَانَ اعْتَادَهُ مِنْ ذَلِكَ فَأَمَرَهُ بِقَضَائِهَا لِتَسْتَمِرَّ مُحَافَظَتُهُ عَلَى مَا وَظَّفَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّ أَحَبَّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا كَلَامًا جَرَى مِنَ النَّبِيِّ ﷺ جَوَابًا لِكَلَامٍ لَمْ يُنْقَلْ إِلَيْنَا اهـ.
وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ هَذَا الْمَأْخَذِ. وَقَالَ آخَرُونَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ تَقَدُّمِ رَمَضَانَ بِيَوْمِ أَوْ يَوْمَيْنِ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ يَقْصِدُ بِهِ التَّحَرِّيَ لِأَجْلِ رَمَضَانَ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ النَّهْيُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنِ اعْتَادَهُ، وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ حَدِيثِ النَّهْيِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهُ إِلَّا مَنْ كَانَتْ لَهُ عَادَةٌ، وَأَشَارَ الْقُرْطُبِيُّ إِلَى أَنَّ الْحَامِلَ لِمَنْ حَمَلَ سُرَرَ الشَّهْرِ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِهِ - وَهُوَ آخِرُ الشَّهْرِ - الْفِرَارُ مِنَ الْمُعَارَضَةِ؛ لِنَهْيِهِ ﷺ عَنْ تَقَدُّمِ رَمَضَانَ بِيَوْمِ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَقَالَ: الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ مُمْكِنٌ بِحَمْلِ النَّهْيِ عَلَى مَنْ لَيْسَتْ لَهُ عَادَةٌ بِذَلِكَ، وَحَمْلُ الْأَمْرِ عَلَى مَنْ لَهُ عَادَةٌ حَمْلًا لِلْمُخَاطَبِ بِذَلِكَ عَلَى مُلَازَمَةِ عَادَةِ الْخَيْرِ حَتَّى لَا يُقْطَعُ، قَالَ: وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى فَضِيلَةِ الصَّوْمِ فِي شَعْبَانَ، وَأَنَّ صَوْمَ يَوْمٍ مِنْهُ يَعْدِلُ صَوْمَ يَوْمَيْنِ فِي غَيْرِهِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: فَصُمْ يَوْمَيْنِ مَكَانَهُ يَعْنِي: مَكَانَ الْيَوْمِ الَّذِي فَوَّتَّهُ مِنْ صِيَامِ شَعْبَانَ.
قُلْتُ: وَهَذَا لَا يَتِمُّ إِلَّا إِنْ كَانَتْ عَادَةُ الْمُخَاطَبِ بِذَلِكَ أَنْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
خمسٍ وسبعين، وكان عُمْر أنسٍ إذ ذاك نيِّفًا وثمانين سنةً (بَِضْعٌ وَعِشْرُونَ وَمئةٌ) بكسر المُوحَّدة وقد تُفتَح: ما بين الثَّلاث إلى التِّسع، و «البصرةَ» نُصِب بـ «مَقْدَم» بمعنى: قدوم، ويُقدَّر قبله: زمانَ قدومِه البصرةَ؛ إذ لو جُعِل «مَقْدم» اسم زمانٍ لم ينصب مفعولًا، قاله البرماويُّ، كالكِرمانيِّ.
ورواة هذا الحديث كلُّهم بصريُّون.
وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «قال» (ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) سعيد الجُمَحيُّ المصريُّ (١)، فعلى الأوَّل (٢) يكون موصولًا (أَخْبَرَنَا يَحْيَى) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «يحيى بن أيُّوب» أي (٣): الغافقيُّ المصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (حُمَيْدٌ) الطَّويل، أنَّه (سَمِعَ أَنَسًا ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) وفائدة ذكر هذه الطَّريق: بيان سماع حُميدٍ لهذا الحديث من أنسٍ لما اشتُهِر من أنَّ حُميدًا كان ربَّما دلَّس على (٤) أنسٍ، وقد طرح زائدة حديثه لدخوله في شيءٍ من أمر الخلفاء، وقد اعتنى البخاريُّ في تخريجه لأحاديث حُميدٍ بالطُّرق التي فيها تصريحه بالسَّماع بذكرها متابعةً وتعليقًا، وروى له الباقون.
(٦٢) (بابُ الصَّوْمِ آخِرَ الشَّهْرِ) ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «من آخر الشَّهر».
١٩٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أبو همَّامٍ الخاركيُّ؛ بخاءٍ معجمةٍ، قال: (حَدَّثَنَا
مَهْدِيٌّ) بفتح الميم وسكون الهاء وكسر الدَّال، ابن ميمونٍ المِعْوَليُّ الأزديُّ -بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الواو- البصريُّ (عَنْ غَيْلَانَ) بالغين المعجمة، ابن جريرٍ المعوليِّ الأزديِّ البصريِّ أيضًا.
قال المؤلِّف: «ح»: (وَحَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ) المعوليُّ قال: (حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ) المعولي (عَنْ مُطَرِّفٍ) بضمِّ الميم وكسر الرَّاء مُشدَّدةً (١)، ابن عبد الله بن الشِّخِّير -بكسر الشِّين والخاء المُشدَّدتين (٢) المعجمتين آخره راءٌ- العامريِّ (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) أسلم عام خيبر، وتُوفِّي سنة اثنتين وخمسين (﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ) ﷺ (سَأَلَهُ) أي: عمران (أَوْ سَأَلَ رَجُلًا) شكٌّ من مطرِّفٍ، وزاد أبو عَوانة في «مستخرجه»: من أصحابه (-وَعِمْرَانُ يَسْمَعُ-) جملةٌ حاليَّةٌ (فَقَالَ: يَا أَبَا فُلَانٍ) قال الحافظ ابن حجرٍ: كذا في نسخةٍ من رواية أبي ذرٍّ بأداة الكنية، وللأكثر: يا فلان؛ بإسقاطها (أَمَا) بالتَّخفيف (صُمْتَ سَِرَرَ هَذَا الشَّهْرِ؟) بفتح السِّين وكسرها، وحكى القاضي عياضٌ: ضمَّها، وقال: هو جمع سُرَّةٍ، يُقال: سِرار الشَّهر، وسَراره؛ بكسر السِّين وفتحها، ذكره ابن السِّكِّيت وغيره، قيل: والفتح أفصح، قاله الفرَّاء، واختُلِف في تفسيره، والمشهور: أنَّه آخر الشَّهر، وهو قول الجمهور من أهل اللُّغة والغريب والحديث، وسُمِّي بذلك لاستسرار القمر فيها، وهي ليلة ثمانٍ وعشرين، وتسعٍ وعشرين، وثلاثين؛ يعني: استتاره، وهذا (٣) موافقٌ لما ترجم له هنا، واستُشكِل بقوله ﵊ في حديث أبي هريرة عند الشَّيخين السَّابق [خ¦١٩١٤]: «لا تقدَّموا رمضان بيومٍ أو يومين، إلَّا من كان يصوم يومًا فليصمه»، وأُجيب بأنَّ الرَّجل كان
معتادًا لصيام (١) سرر الشَّهر، أو كان قد نذره فلذلك أمره بقضائه؛ كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- وقالت طائفةٌ: سرر (٢) الشَّهر: أوَّله، وبه قال الأوزاعيُّ وسعيد بن عبد العزيز، فيما حكاه أبو داود، وأجيب بأنَّه لا يصحُّ أن يُفَسَّر سرر الشَّهر وسراره بأوَّله لأنَّ أوَّل الشَّهر يشتهر فيه الهلال ويُرَى من أوَّل الليل، ولذلك سُمِّي الشَّهر شهرًا لاشتهاره وظهوره عند دخوله، فتسمية ليالي الاشتهار ليالي السِّرار قلبٌ للُّغة والعُرْف، وقد أنكر العلماء ما رواه أبو داود عن الأوزاعيِّ -منهم: الخطَّابيُّ- وقيل: السَّرر: وسطه، حكاه أبو داود أيضًا، ورجَّحه بعضهم ووجَّهَهُ بأنَّ (٣) السَّرر جمع سُرَّةٍ، وسُرَّة الشَّيء: وسطه، وأيَّدوه بما ورد من استحباب صوم أيَّام البيض، وفي رواية مسلمٍ في حديث عمران بن حصينٍ المذكور: «هل صمت من سُرَّة هذا الشَّهر؟» وفُسِّر بالأيَّام البيض، وأُجيب بأنَّ الأظهر أنَّه الآخر كما قال الأكثر لقوله: «فإذا أفطرت فصُمْ يومين من سَرَر هذا الشَّهر». والمشار إليه: شعبان، ولو كان السَّرر أوّله أو وسطه لم يفته.
(قَالَ) أبو النُّعمان: (أَظُنُّهُ قَالَ: يَعْنِي: رَمَضَانَ) لم يقل الصَّلت ذلك، لكن روى الجوزقيُّ من طريق أحمد بن يوسف السُّلميِّ عن أبي النُّعمان بدون ذلك، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو الصَّواب (قَالَ الرَّجُلُ: لَا يَا رَسُولَ اللهِ) ما صُمته (قَالَ: فَإِذَا أَفْطَرْتَ) أي: من رمضان كما في «مسلمٍ» (فَصُمْ يَوْمَيْنِ) بعد العيد عوضًا عن سرر شعبان (لَمْ يَقُلِ الصَّلْتُ: أَظُنُّهُ؛ يَعْنِي: رَمَضَانَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: البخاريُّ، وسقط ذلك في رواية ابن عساكر (وَقَالَ ثَابِتٌ) فيما وصله مسلمٌ (عَنْ مُطَرِّفٍ) المذكور (عَنْ عِمْرَانَ) بن حصينٍ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: مِنْ سَِرَرِ شَعْبَانَ) وليس هو برمضان كما ظنَّه أبو النُّعمان، ونقل الحميديُّ عن البخاريِّ أنَّه قال: شعبان أصحُّ، وقال الخطَّابيُّ: ذكرُ رمضان هنا وهمٌ لأنَّ رمضان يتعيَّن صوم جميعه.
ورواة الحديث الأوَّل بصريُّون، وأضاف رواية أبي النُّعمان إلى الصَّلت لما وقع فيها من
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
اللَّهِ تَعَالَى، وَبِمُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ ﷺ لِمَا فِي إِجَابَةِ دَعْوَتِهِ مِنَ الْأَمْرِ النَّادِرِ، وَهُوَ اجْتِمَاعُ كَثْرَةِ الْمَالِ مَعَ كَثْرَةِ الْوَلَدِ، وَكَوْنُ بُسْتَانِ الْمَدْعُوِّ لَهُ صَارَ يُثْمِرُ مَرَّتَيْنِ فِي السَّنَةِ دُونَ غَيْرِهِ. وَفِيهِ التَّأْرِيخُ بِالْأَمْرِ الشَّهِيرِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى صَلَاحِ الْمُؤَرَّخِ بِهِ، وَفِيهِ جَوَازُ ذِكْرِ الْبُضْعِ فِيمَا زَادَ عَلَى عَقْدِ الْعُشْرِ خِلَافًا لِمَنْ قَصَرَهُ عَلَى مَا قَبْلَ الْعِشْرِينَ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هُوَ سَعِيدٌ، وَفَائِدَةُ ذِكْرِ هَذِهِ الطَّرِيقِ بَيَانُ سَمَاعِ حُمَيْدٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَنَسٍ لِمَا اشْتُهِرَ مِنْ أَنَّ حُمَيْدًا كَانَ رُبَّمَا دَلَّسَ عَنْ أَنَسٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ كَرِيمَةٍ وَالْأَصِيلِيِّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ فَيَكُونُ مَوْصُولًا.
٦٢ - بَاب الصَّوْمِ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ
١٩٨٣ - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ، عَنْ غَيْلَانَ. وَحَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سَأَلَهُ - أَوْ سَأَلَ رَجُلًا وَعِمْرَانُ يَسْمَعُ - فَقَالَ: يَا أَبَا فُلَانٍ، أَمَا صُمْتَ سَرَرَ هَذَا الشَّهْرِ؟ قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ يَعْنِي رَمَضَانَ، قَالَ الرَّجُلُ: لَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ، لَمْ يَقُلْ الصَّلْتُ: أَظُنُّهُ يَعْنِي رَمَضَانَ.
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: وَقَالَ ثَابِتٌ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمْرَانَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: مِنْ سَرَرِ شَعْبَانَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّوْمِ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: أَطْلَقَ الشَّهْرَ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي يَتَحَرَّرُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ شَهْرٌ مُقَيَّدٌ وَهُوَ شَعْبَانُ؛ إِشَارَةً مِنْهُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِشَعْبَانَ، بَلْ يُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ النَّدْبُ إِلَى صِيَامِ أَوَاخِرِ كُلِّ شَهْرٍ لِيَكُونَ عَادَةً لِلْمُكَلَّفِ فَلَا يُعَارِضُهُ النَّهْيُ عَنْ تَقَدُّمِ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لِقَوْلِهِ فِيهِ: إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ، بَصْرِيٌّ مَشْهُورٌ، وَأَضَافَ إِلَيْهِ رِوَايَةَ أَبِي النُّعْمَانِ وَهُوَ عَارِمٌ لِمَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ تَصْرِيحِ مَهْدِيٍّ بِالتَّحْدِيثِ مِنْ غَيْلَانَ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ مُطَرِّفٍ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ سَأَلَهُ أَوْ سَأَلَ رَجُلًا وَعِمْرَانُ يَسْمَعُ) هَذَا شَكٌّ مِنْ مُطَرِّفٍ فَإِنَّ ثَابِتًا رَوَاهُ عَنْهُ بِنَحْوِهِ عَلَى الشَّكِّ أَيْضًا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ مُطَرِّفٍ بِدُونِ شَكٍّ عَلَى الْإِبْهَامِ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ زَادَ أَبُو عَوَانَةَ فِي مُسْتَخْرَجِهِ: مِنْ أَصْحَابِهِ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ بِهِ قَالَ لِعِمْرَانَ بِغَيْرِ شَكٍّ.
قَوْلُهُ: (يَا فُلَانُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ يَا أَبَا فُلَانٍ بِأَدَاةِ الْكُنْيَةِ.
قَوْلُهُ: (أَمَا صُمْتَ سُرَرَ هَذَا الشَّهْرِ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ مَهْدِيٍّ سُرِّهِ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ بَعْدَهَا هَاءٌ، قَالَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِابْنِ قُرْقُولٍ: كَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ. انْتَهَى. وَالَّذِي رَأَيْتُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ يَاسِرٍ الْجَيَّانِيِّ وَمِنْ خَطِّهِ نَقَلْتُ سُرَرِ هَذَا الشَّهْرِ كَبَاقِي الرِّوَايَاتِ، وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ الْمَذْكُورَةِ أَصُمْتَ مِنْ سُرَرِ شَعْبَانَ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا.
قَوْلُهُ: (قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: يَعْنِي رَمَضَانَ) هَذَا الظَّنُّ مِنْ أَبِي النُّعْمَانِ، لِتَصْرِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي آخِرِهِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ أَبِي الصَّلْتِ، وَكَأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْ أَبِي النُّعْمَانِ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ الْبُخَارِيُّ، وَإِلَّا فَقَدْ رَوَاهُ الْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ يُوسُفَ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ بِدُونِ ذَلِكَ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَنَقَلَ الْحُمَيْدِيُّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ شَعْبَانَ أَصَحُّ، وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فِي الصَّحِيحِ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: ذِكْرُ رَمَضَانَ هُنَا وَهَمٌ؛ لِأَنَّ رَمَضَانَ يَتَعَيَّنُ صَوْمُ جَمِيعِهِ، وَكَذَا قَالَ الدَّاوُدِيُّ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَخِي مُطَرِّفٍ، عَنْ
مُطَرِّفٍ بِلَفْظِ: هَلْ صُمْتَ مِنْ سُرَرِ هَذَا الشَّهْرِ شَيْئًا يَعْنِي: شَعْبَانَ، وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ هُدْبَةَ وَلَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ وَلَا قُطْرِ بْنِ حَمَّادٍ وَلَا عَفَّانَ وَلَا عَبْدِ الصَّمَدِ وَلَا غَيْرِهِمْ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَمُسْلِمٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ وَغَيْرِهِمْ وَلَا فِي بَاقِي الرِّوَايَاتِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ رَمَضَانَ فِي قَوْلِهِ: يَعْنِي: رَمَضَانَ ظَرْفًا لِلْقَوْلِ الصَّادِرِ مِنْهُ ﷺ لَا لِصِيَامِ الْمُخَاطَبِ بِذَلِكَ، فَيُوَافِقُ رِوَايَةَ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ مُطَرِّفٍ فَإِنَّ فِيهَا عِنْدَ مُسْلِمٍ فَقَالَ لَهُ: فَإِذَا أَفْطَرْتَ مِنْ رَمَضَانَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ مَكَانَهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ثَابِتٌ. . . إِلَخْ) وَصَلَهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْهُ كَذَلِكَ، وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ مِنَ الزِّيَادَةِ هُنَا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَشَعْبَانُ أَصَحُّ وَالسَّرَرُ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا وَضَمُّهَا جَمْعُ سُرَّةٍ وَيُقَالُ أَيْضًا: سَرَارٌ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِهِ، وَرَجَّحَ الْفَرَّاءُ الْفَتْحَ، وَهُوَ مِنَ الِاسْتِسْرَارِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَالْجُمْهُورُ: الْمُرَادُ بِالسُّرَرِ هُنَا آخِرُ الشَّهْرِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاسْتِسْرَارِ الْقَمَرِ فِيهَا وَهِيَ لَيْلَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَتِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِينَ.
وَنَقَلَ أَبُو دَاوُدَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ سُرَرُهُ أَوَّلُهُ، وَنَقَلَ الْخَطَّابِيُّ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ كَالْجُمْهُورِ، وَقِيلَ: السُّرَرُ وَسَطُ الشَّهْرِ. حَكَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا وَرَجَّحَهُ بَعْضُهُمْ، وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ السُّرَرَ جَمْعُ سُرَّةٍ وَسُرَّةُ الشَّيْءِ وَسَطُهُ، وَيُؤَيِّدُهُ النَّدْبُ إِلَى صِيَامِ الْبِيضِ، وَهِيَ وَسَطُ الشَّهْرِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي صِيَامِ آخِرِ الشَّهْرِ نَدْبٌ، بَلْ وَرَدَ فِيهِ نَهْيٌ خَاصٌّ وَهُوَ آخِرُ شَعْبَانَ لِمَنْ صَامَهُ لِأَجْلِ رَمَضَانَ، وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ مُسْلِمًا أَفْرَدَ الرِّوَايَةَ الَّتِي فِيهَا سُرَّةُ هَذَا الشَّهْرِ عَنْ بَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ وَأَرْدَفَ بِهَا الرِّوَايَاتِ الَّتِي فِيهَا الْحَضُّ عَلَى صِيَامِ الْبِيضِ، وَهِيَ وَسَطُ الشَّهْرِ كَمَا تَقَدَّمَ، لَكِنْ لَمْ أَرَهُ فِي جَمِيعِ طُرُقِ الْحَدِيثِ بِاللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرَهُ وَهُوَ سُرَّةٌ بَلْ هُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ وَجْهَيْنِ بِلَفْظِ: سِرَارٍ وَأَخْرَجَهُ مِنْ طُرُقٍ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ فِي بَعْضِهَا سُرَرٌ وَفِي بَعْضِهَا سِرَارٌ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ آخِرُ الشَّهْرِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: سُؤَالُهُ ﷺ عَنْ ذَلِكَ سُؤَالُ زَجْرٍ وَإِنْكَارٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَهَى أَنْ يُسْتَقْبَلَ الشَّهْرُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ أَنْكَرَ ذَلِكَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِقَضَاءِ ذَلِكَ، وَأَجَابَ الْخَطَّابِيُّ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ أَوْجَبَهَا عَلَى نَفْسِهِ، فَلِذَلِكَ أَمَرَهُ بِالْوَفَاءِ وَأَنْ يَقْضِي ذَلِكَ فِي شَوَّالٍ. انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: قَوْلُهُ: سُؤَالُ إِنْكَارٍ فِيهِ تَكَلُّفٌ، وَيَدْفَعُ فِي صَدْرِهِ قَوْلُ الْمَسْئُولِ: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَوْ كَانَ سُؤَالَ إِنْكَارٍ لَكَانَ ﷺ قَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَامَ، والْفَرْضُ أَنَّ الرَّجُلَ لَمْ يَصُمْ، فَكَيْفَ يُنْكِرُ عَلَيْهِ فِعْلَ مَا لَمْ يَفْعَلْهُ؟ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ كَانَتْ لَهُ عَادَةً بِصِيَامِ آخِرِ الشَّهْرِ، فَلَمَّا سَمِعَ نَهْيَهُ ﷺ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَحَدٌ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ وَلَمْ يَبْلُغْهُ الِاسْتِثْنَاءُ تَرَكَ صِيَامَ مَا كَانَ اعْتَادَهُ مِنْ ذَلِكَ فَأَمَرَهُ بِقَضَائِهَا لِتَسْتَمِرَّ مُحَافَظَتُهُ عَلَى مَا وَظَّفَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّ أَحَبَّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا كَلَامًا جَرَى مِنَ النَّبِيِّ ﷺ جَوَابًا لِكَلَامٍ لَمْ يُنْقَلْ إِلَيْنَا اهـ.
وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ هَذَا الْمَأْخَذِ. وَقَالَ آخَرُونَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ تَقَدُّمِ رَمَضَانَ بِيَوْمِ أَوْ يَوْمَيْنِ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ يَقْصِدُ بِهِ التَّحَرِّيَ لِأَجْلِ رَمَضَانَ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ النَّهْيُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنِ اعْتَادَهُ، وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ حَدِيثِ النَّهْيِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهُ إِلَّا مَنْ كَانَتْ لَهُ عَادَةٌ، وَأَشَارَ الْقُرْطُبِيُّ إِلَى أَنَّ الْحَامِلَ لِمَنْ حَمَلَ سُرَرَ الشَّهْرِ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِهِ - وَهُوَ آخِرُ الشَّهْرِ - الْفِرَارُ مِنَ الْمُعَارَضَةِ؛ لِنَهْيِهِ ﷺ عَنْ تَقَدُّمِ رَمَضَانَ بِيَوْمِ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَقَالَ: الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ مُمْكِنٌ بِحَمْلِ النَّهْيِ عَلَى مَنْ لَيْسَتْ لَهُ عَادَةٌ بِذَلِكَ، وَحَمْلُ الْأَمْرِ عَلَى مَنْ لَهُ عَادَةٌ حَمْلًا لِلْمُخَاطَبِ بِذَلِكَ عَلَى مُلَازَمَةِ عَادَةِ الْخَيْرِ حَتَّى لَا يُقْطَعُ، قَالَ: وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى فَضِيلَةِ الصَّوْمِ فِي شَعْبَانَ، وَأَنَّ صَوْمَ يَوْمٍ مِنْهُ يَعْدِلُ صَوْمَ يَوْمَيْنِ فِي غَيْرِهِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: فَصُمْ يَوْمَيْنِ مَكَانَهُ يَعْنِي: مَكَانَ الْيَوْمِ الَّذِي فَوَّتَّهُ مِنْ صِيَامِ شَعْبَانَ.
قُلْتُ: وَهَذَا لَا يَتِمُّ إِلَّا إِنْ كَانَتْ عَادَةُ الْمُخَاطَبِ بِذَلِكَ أَنْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
خمسٍ وسبعين، وكان عُمْر أنسٍ إذ ذاك نيِّفًا وثمانين سنةً (بَِضْعٌ وَعِشْرُونَ وَمئةٌ) بكسر المُوحَّدة وقد تُفتَح: ما بين الثَّلاث إلى التِّسع، و «البصرةَ» نُصِب بـ «مَقْدَم» بمعنى: قدوم، ويُقدَّر قبله: زمانَ قدومِه البصرةَ؛ إذ لو جُعِل «مَقْدم» اسم زمانٍ لم ينصب مفعولًا، قاله البرماويُّ، كالكِرمانيِّ.
ورواة هذا الحديث كلُّهم بصريُّون.
وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «قال» (ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) سعيد الجُمَحيُّ المصريُّ (١)، فعلى الأوَّل (٢) يكون موصولًا (أَخْبَرَنَا يَحْيَى) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «يحيى بن أيُّوب» أي (٣): الغافقيُّ المصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (حُمَيْدٌ) الطَّويل، أنَّه (سَمِعَ أَنَسًا ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) وفائدة ذكر هذه الطَّريق: بيان سماع حُميدٍ لهذا الحديث من أنسٍ لما اشتُهِر من أنَّ حُميدًا كان ربَّما دلَّس على (٤) أنسٍ، وقد طرح زائدة حديثه لدخوله في شيءٍ من أمر الخلفاء، وقد اعتنى البخاريُّ في تخريجه لأحاديث حُميدٍ بالطُّرق التي فيها تصريحه بالسَّماع بذكرها متابعةً وتعليقًا، وروى له الباقون.
(٦٢) (بابُ الصَّوْمِ آخِرَ الشَّهْرِ) ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «من آخر الشَّهر».
١٩٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أبو همَّامٍ الخاركيُّ؛ بخاءٍ معجمةٍ، قال: (حَدَّثَنَا
مَهْدِيٌّ) بفتح الميم وسكون الهاء وكسر الدَّال، ابن ميمونٍ المِعْوَليُّ الأزديُّ -بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الواو- البصريُّ (عَنْ غَيْلَانَ) بالغين المعجمة، ابن جريرٍ المعوليِّ الأزديِّ البصريِّ أيضًا.
قال المؤلِّف: «ح»: (وَحَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ) المعوليُّ قال: (حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ) المعولي (عَنْ مُطَرِّفٍ) بضمِّ الميم وكسر الرَّاء مُشدَّدةً (١)، ابن عبد الله بن الشِّخِّير -بكسر الشِّين والخاء المُشدَّدتين (٢) المعجمتين آخره راءٌ- العامريِّ (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) أسلم عام خيبر، وتُوفِّي سنة اثنتين وخمسين (﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ) ﷺ (سَأَلَهُ) أي: عمران (أَوْ سَأَلَ رَجُلًا) شكٌّ من مطرِّفٍ، وزاد أبو عَوانة في «مستخرجه»: من أصحابه (-وَعِمْرَانُ يَسْمَعُ-) جملةٌ حاليَّةٌ (فَقَالَ: يَا أَبَا فُلَانٍ) قال الحافظ ابن حجرٍ: كذا في نسخةٍ من رواية أبي ذرٍّ بأداة الكنية، وللأكثر: يا فلان؛ بإسقاطها (أَمَا) بالتَّخفيف (صُمْتَ سَِرَرَ هَذَا الشَّهْرِ؟) بفتح السِّين وكسرها، وحكى القاضي عياضٌ: ضمَّها، وقال: هو جمع سُرَّةٍ، يُقال: سِرار الشَّهر، وسَراره؛ بكسر السِّين وفتحها، ذكره ابن السِّكِّيت وغيره، قيل: والفتح أفصح، قاله الفرَّاء، واختُلِف في تفسيره، والمشهور: أنَّه آخر الشَّهر، وهو قول الجمهور من أهل اللُّغة والغريب والحديث، وسُمِّي بذلك لاستسرار القمر فيها، وهي ليلة ثمانٍ وعشرين، وتسعٍ وعشرين، وثلاثين؛ يعني: استتاره، وهذا (٣) موافقٌ لما ترجم له هنا، واستُشكِل بقوله ﵊ في حديث أبي هريرة عند الشَّيخين السَّابق [خ¦١٩١٤]: «لا تقدَّموا رمضان بيومٍ أو يومين، إلَّا من كان يصوم يومًا فليصمه»، وأُجيب بأنَّ الرَّجل كان
معتادًا لصيام (١) سرر الشَّهر، أو كان قد نذره فلذلك أمره بقضائه؛ كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- وقالت طائفةٌ: سرر (٢) الشَّهر: أوَّله، وبه قال الأوزاعيُّ وسعيد بن عبد العزيز، فيما حكاه أبو داود، وأجيب بأنَّه لا يصحُّ أن يُفَسَّر سرر الشَّهر وسراره بأوَّله لأنَّ أوَّل الشَّهر يشتهر فيه الهلال ويُرَى من أوَّل الليل، ولذلك سُمِّي الشَّهر شهرًا لاشتهاره وظهوره عند دخوله، فتسمية ليالي الاشتهار ليالي السِّرار قلبٌ للُّغة والعُرْف، وقد أنكر العلماء ما رواه أبو داود عن الأوزاعيِّ -منهم: الخطَّابيُّ- وقيل: السَّرر: وسطه، حكاه أبو داود أيضًا، ورجَّحه بعضهم ووجَّهَهُ بأنَّ (٣) السَّرر جمع سُرَّةٍ، وسُرَّة الشَّيء: وسطه، وأيَّدوه بما ورد من استحباب صوم أيَّام البيض، وفي رواية مسلمٍ في حديث عمران بن حصينٍ المذكور: «هل صمت من سُرَّة هذا الشَّهر؟» وفُسِّر بالأيَّام البيض، وأُجيب بأنَّ الأظهر أنَّه الآخر كما قال الأكثر لقوله: «فإذا أفطرت فصُمْ يومين من سَرَر هذا الشَّهر». والمشار إليه: شعبان، ولو كان السَّرر أوّله أو وسطه لم يفته.
(قَالَ) أبو النُّعمان: (أَظُنُّهُ قَالَ: يَعْنِي: رَمَضَانَ) لم يقل الصَّلت ذلك، لكن روى الجوزقيُّ من طريق أحمد بن يوسف السُّلميِّ عن أبي النُّعمان بدون ذلك، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو الصَّواب (قَالَ الرَّجُلُ: لَا يَا رَسُولَ اللهِ) ما صُمته (قَالَ: فَإِذَا أَفْطَرْتَ) أي: من رمضان كما في «مسلمٍ» (فَصُمْ يَوْمَيْنِ) بعد العيد عوضًا عن سرر شعبان (لَمْ يَقُلِ الصَّلْتُ: أَظُنُّهُ؛ يَعْنِي: رَمَضَانَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: البخاريُّ، وسقط ذلك في رواية ابن عساكر (وَقَالَ ثَابِتٌ) فيما وصله مسلمٌ (عَنْ مُطَرِّفٍ) المذكور (عَنْ عِمْرَانَ) بن حصينٍ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: مِنْ سَِرَرِ شَعْبَانَ) وليس هو برمضان كما ظنَّه أبو النُّعمان، ونقل الحميديُّ عن البخاريِّ أنَّه قال: شعبان أصحُّ، وقال الخطَّابيُّ: ذكرُ رمضان هنا وهمٌ لأنَّ رمضان يتعيَّن صوم جميعه.
ورواة الحديث الأوَّل بصريُّون، وأضاف رواية أبي النُّعمان إلى الصَّلت لما وقع فيها من