«أَنَّهُ سَأَلَهُ، أَوْ سَأَلَ رَجُلًا، وَعِمْرَانُ يَسْمَعُ، فَقَالَ: يَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩٨٣

الحديث رقم ١٩٨٣ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الصوم من آخر الشهر.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أنه سأله، أو سأل رجلا، وعمران يسمع، فقال…

«أَنَّهُ سَأَلَهُ، أَوْ سَأَلَ رَجُلًا، وَعِمْرَانُ يَسْمَعُ، فَقَالَ: يَا أَبَا فُلَانٍ، أَمَا صُمْتَ سَرَرَ هَذَا الشَّهْرِ، قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: يَعْنِي رَمَضَانَ، قَالَ الرَّجُلُ: لَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ.» لَمْ يَقُلِ الصَّلْتُ: أَظُنُّهُ يَعْنِي رَمَضَانَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ ثَابِتٌ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمْرَانَ، عَنِ النَّبِيِّ : مِنْ سَرَرِ شَعْبَانَ.

سند حديث: ١٩٨٣ - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ…

١٩٨٣ - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ، عَنْ غَيْلَانَ وَحَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ: حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ: حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، عَنِ النَّبِيِّ

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أنه سأله، أو سأل رجلا، وعمران يسمع، فقال…

كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا في أصحابه في نفر منهم، ومعه أبو بكر وعمر، فقام النبي صلى الله عليه وسلم ثم أبطأ عليهم، فخشوا أن يكون أحد من الناس أخذه دونهم وتأذى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مطلوب من جهة المنافقين، ومن جهة غيرهم من أعداء الدين، فقام الصحابة رضي الله عنهم فزعين، فكان أول من فزع أبو هريرة رضي الله عنه حتى أتى حائطًا لبني النجار، فجعل يطوف به لعله يجد باباً مفتوحًا فلم يجد، ولكنه وجد فتحة صغيرة في الجدار يدخل منها الماء، فضم جسمه حتى دخل فوجد النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له: "أبو هريرة؟"، قال: نعم. فأعطاه نعليه عليه الصلاة والسلام أمارة وعلامة أنه صادق فيما سيخبر به، وقال له: "اذهب بنعلي هاتين، فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا به قلبه، فبشره بالجنة". لأن الذي يقول هذه الكلمة مستيقنًا بها قلبه لابد أن يقوم بأوامر الله، ويجتنب نواهي الله؛ لأنه يقول: لا معبود بحق إلا الله، وإذا كان هذا معنى هذه الكلمة العظيمة فإنه لابد أن يعبد الله عز وجل وحده لا شريك له؛ أما من قالها بلسانه ولم يوقن بها قلبه فإنها لا تنفعه.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • شدة حب الصحابة -رضي الله عنهم- لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وحرصهم على سلامته من كل مكروه.
  • الإيمان الصحيح يدخل الجنة إما ابتداء بمغفرة الله، وإما بعد دخول النار.
  • مشروعية البشارة بالخبر السار.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أنه سأله، أو سأل رجلا، وعمران يسمع، فقال…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

اللَّهِ تَعَالَى، وَبِمُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ لِمَا فِي إِجَابَةِ دَعْوَتِهِ مِنَ الْأَمْرِ النَّادِرِ، وَهُوَ اجْتِمَاعُ كَثْرَةِ الْمَالِ مَعَ كَثْرَةِ الْوَلَدِ، وَكَوْنُ بُسْتَانِ الْمَدْعُوِّ لَهُ صَارَ يُثْمِرُ مَرَّتَيْنِ فِي السَّنَةِ دُونَ غَيْرِهِ. وَفِيهِ التَّأْرِيخُ بِالْأَمْرِ الشَّهِيرِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى صَلَاحِ الْمُؤَرَّخِ بِهِ، وَفِيهِ جَوَازُ ذِكْرِ الْبُضْعِ فِيمَا زَادَ عَلَى عَقْدِ الْعُشْرِ خِلَافًا لِمَنْ قَصَرَهُ عَلَى مَا قَبْلَ الْعِشْرِينَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هُوَ سَعِيدٌ، وَفَائِدَةُ ذِكْرِ هَذِهِ الطَّرِيقِ بَيَانُ سَمَاعِ حُمَيْدٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَنَسٍ لِمَا اشْتُهِرَ مِنْ أَنَّ حُمَيْدًا كَانَ رُبَّمَا دَلَّسَ عَنْ أَنَسٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ كَرِيمَةٍ وَالْأَصِيلِيِّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ فَيَكُونُ مَوْصُولًا.

٦٢ - بَاب الصَّوْمِ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ

١٩٨٣ - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ، عَنْ غَيْلَانَ. وَحَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، عَنْ النَّبِيِّ أَنَّهُ سَأَلَهُ - أَوْ سَأَلَ رَجُلًا وَعِمْرَانُ يَسْمَعُ - فَقَالَ: يَا أَبَا فُلَانٍ، أَمَا صُمْتَ سَرَرَ هَذَا الشَّهْرِ؟ قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ يَعْنِي رَمَضَانَ، قَالَ الرَّجُلُ: لَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ، لَمْ يَقُلْ الصَّلْتُ: أَظُنُّهُ يَعْنِي رَمَضَانَ.

قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: وَقَالَ ثَابِتٌ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمْرَانَ، عَنْ النَّبِيِّ : مِنْ سَرَرِ شَعْبَانَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّوْمِ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: أَطْلَقَ الشَّهْرَ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي يَتَحَرَّرُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ شَهْرٌ مُقَيَّدٌ وَهُوَ شَعْبَانُ؛ إِشَارَةً مِنْهُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِشَعْبَانَ، بَلْ يُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ النَّدْبُ إِلَى صِيَامِ أَوَاخِرِ كُلِّ شَهْرٍ لِيَكُونَ عَادَةً لِلْمُكَلَّفِ فَلَا يُعَارِضُهُ النَّهْيُ عَنْ تَقَدُّمِ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لِقَوْلِهِ فِيهِ: إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ، بَصْرِيٌّ مَشْهُورٌ، وَأَضَافَ إِلَيْهِ رِوَايَةَ أَبِي النُّعْمَانِ وَهُوَ عَارِمٌ لِمَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ تَصْرِيحِ مَهْدِيٍّ بِالتَّحْدِيثِ مِنْ غَيْلَانَ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ مُطَرِّفٍ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ.

قَوْلُهُ: (أَنَّهُ سَأَلَهُ أَوْ سَأَلَ رَجُلًا وَعِمْرَانُ يَسْمَعُ) هَذَا شَكٌّ مِنْ مُطَرِّفٍ فَإِنَّ ثَابِتًا رَوَاهُ عَنْهُ بِنَحْوِهِ عَلَى الشَّكِّ أَيْضًا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ مُطَرِّفٍ بِدُونِ شَكٍّ عَلَى الْإِبْهَامِ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ زَادَ أَبُو عَوَانَةَ فِي مُسْتَخْرَجِهِ: مِنْ أَصْحَابِهِ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ بِهِ قَالَ لِعِمْرَانَ بِغَيْرِ شَكٍّ.

قَوْلُهُ: (يَا فُلَانُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ يَا أَبَا فُلَانٍ بِأَدَاةِ الْكُنْيَةِ.

قَوْلُهُ: (أَمَا صُمْتَ سُرَرَ هَذَا الشَّهْرِ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ مَهْدِيٍّ سُرِّهِ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ بَعْدَهَا هَاءٌ، قَالَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِابْنِ قُرْقُولٍ: كَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ. انْتَهَى. وَالَّذِي رَأَيْتُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ يَاسِرٍ الْجَيَّانِيِّ وَمِنْ خَطِّهِ نَقَلْتُ سُرَرِ هَذَا الشَّهْرِ كَبَاقِي الرِّوَايَاتِ، وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ الْمَذْكُورَةِ أَصُمْتَ مِنْ سُرَرِ شَعْبَانَ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا.

قَوْلُهُ: (قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: يَعْنِي رَمَضَانَ) هَذَا الظَّنُّ مِنْ أَبِي النُّعْمَانِ، لِتَصْرِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي آخِرِهِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ أَبِي الصَّلْتِ، وَكَأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْ أَبِي النُّعْمَانِ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ الْبُخَارِيُّ، وَإِلَّا فَقَدْ رَوَاهُ الْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ يُوسُفَ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ بِدُونِ ذَلِكَ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَنَقَلَ الْحُمَيْدِيُّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ شَعْبَانَ أَصَحُّ، وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فِي الصَّحِيحِ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: ذِكْرُ رَمَضَانَ هُنَا وَهَمٌ؛ لِأَنَّ رَمَضَانَ يَتَعَيَّنُ صَوْمُ جَمِيعِهِ، وَكَذَا قَالَ الدَّاوُدِيُّ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَخِي مُطَرِّفٍ، عَنْ

مُطَرِّفٍ بِلَفْظِ: هَلْ صُمْتَ مِنْ سُرَرِ هَذَا الشَّهْرِ شَيْئًا يَعْنِي: شَعْبَانَ، وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ هُدْبَةَ وَلَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ وَلَا قُطْرِ بْنِ حَمَّادٍ وَلَا عَفَّانَ وَلَا عَبْدِ الصَّمَدِ وَلَا غَيْرِهِمْ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَمُسْلِمٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ وَغَيْرِهِمْ وَلَا فِي بَاقِي الرِّوَايَاتِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ رَمَضَانَ فِي قَوْلِهِ: يَعْنِي: رَمَضَانَ ظَرْفًا لِلْقَوْلِ الصَّادِرِ مِنْهُ لَا لِصِيَامِ الْمُخَاطَبِ بِذَلِكَ، فَيُوَافِقُ رِوَايَةَ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ مُطَرِّفٍ فَإِنَّ فِيهَا عِنْدَ مُسْلِمٍ فَقَالَ لَهُ: فَإِذَا أَفْطَرْتَ مِنْ رَمَضَانَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ مَكَانَهُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ثَابِتٌ. . . إِلَخْ) وَصَلَهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْهُ كَذَلِكَ، وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ مِنَ الزِّيَادَةِ هُنَا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَشَعْبَانُ أَصَحُّ وَالسَّرَرُ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا وَضَمُّهَا جَمْعُ سُرَّةٍ وَيُقَالُ أَيْضًا: سَرَارٌ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِهِ، وَرَجَّحَ الْفَرَّاءُ الْفَتْحَ، وَهُوَ مِنَ الِاسْتِسْرَارِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَالْجُمْهُورُ: الْمُرَادُ بِالسُّرَرِ هُنَا آخِرُ الشَّهْرِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاسْتِسْرَارِ الْقَمَرِ فِيهَا وَهِيَ لَيْلَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَتِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِينَ.

وَنَقَلَ أَبُو دَاوُدَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ سُرَرُهُ أَوَّلُهُ، وَنَقَلَ الْخَطَّابِيُّ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ كَالْجُمْهُورِ، وَقِيلَ: السُّرَرُ وَسَطُ الشَّهْرِ. حَكَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا وَرَجَّحَهُ بَعْضُهُمْ، وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ السُّرَرَ جَمْعُ سُرَّةٍ وَسُرَّةُ الشَّيْءِ وَسَطُهُ، وَيُؤَيِّدُهُ النَّدْبُ إِلَى صِيَامِ الْبِيضِ، وَهِيَ وَسَطُ الشَّهْرِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي صِيَامِ آخِرِ الشَّهْرِ نَدْبٌ، بَلْ وَرَدَ فِيهِ نَهْيٌ خَاصٌّ وَهُوَ آخِرُ شَعْبَانَ لِمَنْ صَامَهُ لِأَجْلِ رَمَضَانَ، وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ مُسْلِمًا أَفْرَدَ الرِّوَايَةَ الَّتِي فِيهَا سُرَّةُ هَذَا الشَّهْرِ عَنْ بَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ وَأَرْدَفَ بِهَا الرِّوَايَاتِ الَّتِي فِيهَا الْحَضُّ عَلَى صِيَامِ الْبِيضِ، وَهِيَ وَسَطُ الشَّهْرِ كَمَا تَقَدَّمَ، لَكِنْ لَمْ أَرَهُ فِي جَمِيعِ طُرُقِ الْحَدِيثِ بِاللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرَهُ وَهُوَ سُرَّةٌ بَلْ هُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ وَجْهَيْنِ بِلَفْظِ: سِرَارٍ وَأَخْرَجَهُ مِنْ طُرُقٍ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ فِي بَعْضِهَا سُرَرٌ وَفِي بَعْضِهَا سِرَارٌ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ آخِرُ الشَّهْرِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: سُؤَالُهُ عَنْ ذَلِكَ سُؤَالُ زَجْرٍ وَإِنْكَارٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَهَى أَنْ يُسْتَقْبَلَ الشَّهْرُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ أَنْكَرَ ذَلِكَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِقَضَاءِ ذَلِكَ، وَأَجَابَ الْخَطَّابِيُّ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ أَوْجَبَهَا عَلَى نَفْسِهِ، فَلِذَلِكَ أَمَرَهُ بِالْوَفَاءِ وَأَنْ يَقْضِي ذَلِكَ فِي شَوَّالٍ. انْتَهَى.

وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: قَوْلُهُ: سُؤَالُ إِنْكَارٍ فِيهِ تَكَلُّفٌ، وَيَدْفَعُ فِي صَدْرِهِ قَوْلُ الْمَسْئُولِ: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَوْ كَانَ سُؤَالَ إِنْكَارٍ لَكَانَ قَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَامَ، والْفَرْضُ أَنَّ الرَّجُلَ لَمْ يَصُمْ، فَكَيْفَ يُنْكِرُ عَلَيْهِ فِعْلَ مَا لَمْ يَفْعَلْهُ؟ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ كَانَتْ لَهُ عَادَةً بِصِيَامِ آخِرِ الشَّهْرِ، فَلَمَّا سَمِعَ نَهْيَهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَحَدٌ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ وَلَمْ يَبْلُغْهُ الِاسْتِثْنَاءُ تَرَكَ صِيَامَ مَا كَانَ اعْتَادَهُ مِنْ ذَلِكَ فَأَمَرَهُ بِقَضَائِهَا لِتَسْتَمِرَّ مُحَافَظَتُهُ عَلَى مَا وَظَّفَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّ أَحَبَّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا كَلَامًا جَرَى مِنَ النَّبِيِّ جَوَابًا لِكَلَامٍ لَمْ يُنْقَلْ إِلَيْنَا اهـ.

وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ هَذَا الْمَأْخَذِ. وَقَالَ آخَرُونَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ تَقَدُّمِ رَمَضَانَ بِيَوْمِ أَوْ يَوْمَيْنِ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ يَقْصِدُ بِهِ التَّحَرِّيَ لِأَجْلِ رَمَضَانَ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ النَّهْيُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنِ اعْتَادَهُ، وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ حَدِيثِ النَّهْيِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهُ إِلَّا مَنْ كَانَتْ لَهُ عَادَةٌ، وَأَشَارَ الْقُرْطُبِيُّ إِلَى أَنَّ الْحَامِلَ لِمَنْ حَمَلَ سُرَرَ الشَّهْرِ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِهِ - وَهُوَ آخِرُ الشَّهْرِ - الْفِرَارُ مِنَ الْمُعَارَضَةِ؛ لِنَهْيِهِ عَنْ تَقَدُّمِ رَمَضَانَ بِيَوْمِ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَقَالَ: الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ مُمْكِنٌ بِحَمْلِ النَّهْيِ عَلَى مَنْ لَيْسَتْ لَهُ عَادَةٌ بِذَلِكَ، وَحَمْلُ الْأَمْرِ عَلَى مَنْ لَهُ عَادَةٌ حَمْلًا لِلْمُخَاطَبِ بِذَلِكَ عَلَى مُلَازَمَةِ عَادَةِ الْخَيْرِ حَتَّى لَا يُقْطَعُ، قَالَ: وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى فَضِيلَةِ الصَّوْمِ فِي شَعْبَانَ، وَأَنَّ صَوْمَ يَوْمٍ مِنْهُ يَعْدِلُ صَوْمَ يَوْمَيْنِ فِي غَيْرِهِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: فَصُمْ يَوْمَيْنِ مَكَانَهُ يَعْنِي: مَكَانَ الْيَوْمِ الَّذِي فَوَّتَّهُ مِنْ صِيَامِ شَعْبَانَ.

قُلْتُ: وَهَذَا لَا يَتِمُّ إِلَّا إِنْ كَانَتْ عَادَةُ الْمُخَاطَبِ بِذَلِكَ أَنْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

خمسٍ وسبعين، وكان عُمْر أنسٍ إذ ذاك نيِّفًا وثمانين سنةً (بَِضْعٌ وَعِشْرُونَ وَمئةٌ) بكسر المُوحَّدة وقد تُفتَح: ما بين الثَّلاث إلى التِّسع، و «البصرةَ» نُصِب بـ «مَقْدَم» بمعنى: قدوم، ويُقدَّر قبله: زمانَ قدومِه البصرةَ؛ إذ لو جُعِل «مَقْدم» اسم زمانٍ لم ينصب مفعولًا، قاله البرماويُّ، كالكِرمانيِّ.

ورواة هذا الحديث كلُّهم بصريُّون.

وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «قال» (ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) سعيد الجُمَحيُّ المصريُّ (١)، فعلى الأوَّل (٢) يكون موصولًا (أَخْبَرَنَا يَحْيَى) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «يحيى بن أيُّوب» أي (٣): الغافقيُّ المصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (حُمَيْدٌ) الطَّويل، أنَّه (سَمِعَ أَنَسًا عَنِ النَّبِيِّ ) وفائدة ذكر هذه الطَّريق: بيان سماع حُميدٍ لهذا الحديث من أنسٍ لما اشتُهِر من أنَّ حُميدًا كان ربَّما دلَّس على (٤) أنسٍ، وقد طرح زائدة حديثه لدخوله في شيءٍ من أمر الخلفاء، وقد اعتنى البخاريُّ في تخريجه لأحاديث حُميدٍ بالطُّرق التي فيها تصريحه بالسَّماع بذكرها متابعةً وتعليقًا، وروى له الباقون.

(٦٢) (بابُ الصَّوْمِ آخِرَ الشَّهْرِ) ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «من آخر الشَّهر».

١٩٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أبو همَّامٍ الخاركيُّ؛ بخاءٍ معجمةٍ، قال: (حَدَّثَنَا

مَهْدِيٌّ) بفتح الميم وسكون الهاء وكسر الدَّال، ابن ميمونٍ المِعْوَليُّ الأزديُّ -بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الواو- البصريُّ (عَنْ غَيْلَانَ) بالغين المعجمة، ابن جريرٍ المعوليِّ الأزديِّ البصريِّ أيضًا.

قال المؤلِّف: «ح»: (وَحَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ) المعوليُّ قال: (حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ) المعولي (عَنْ مُطَرِّفٍ) بضمِّ الميم وكسر الرَّاء مُشدَّدةً (١)، ابن عبد الله بن الشِّخِّير -بكسر الشِّين والخاء المُشدَّدتين (٢) المعجمتين آخره راءٌ- العامريِّ (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) أسلم عام خيبر، وتُوفِّي سنة اثنتين وخمسين (، عَنِ النَّبِيِّ : أَنَّهُ) (سَأَلَهُ) أي: عمران (أَوْ سَأَلَ رَجُلًا) شكٌّ من مطرِّفٍ، وزاد أبو عَوانة في «مستخرجه»: من أصحابه (-وَعِمْرَانُ يَسْمَعُ-) جملةٌ حاليَّةٌ (فَقَالَ: يَا أَبَا فُلَانٍ) قال الحافظ ابن حجرٍ: كذا في نسخةٍ من رواية أبي ذرٍّ بأداة الكنية، وللأكثر: يا فلان؛ بإسقاطها (أَمَا) بالتَّخفيف (صُمْتَ سَِرَرَ هَذَا الشَّهْرِ؟) بفتح السِّين وكسرها، وحكى القاضي عياضٌ: ضمَّها، وقال: هو جمع سُرَّةٍ، يُقال: سِرار الشَّهر، وسَراره؛ بكسر السِّين وفتحها، ذكره ابن السِّكِّيت وغيره، قيل: والفتح أفصح، قاله الفرَّاء، واختُلِف في تفسيره، والمشهور: أنَّه آخر الشَّهر، وهو قول الجمهور من أهل اللُّغة والغريب والحديث، وسُمِّي بذلك لاستسرار القمر فيها، وهي ليلة ثمانٍ وعشرين، وتسعٍ وعشرين، وثلاثين؛ يعني: استتاره، وهذا (٣) موافقٌ لما ترجم له هنا، واستُشكِل بقوله في حديث أبي هريرة عند الشَّيخين السَّابق [خ¦١٩١٤]: «لا تقدَّموا رمضان بيومٍ أو يومين، إلَّا من كان يصوم يومًا فليصمه»، وأُجيب بأنَّ الرَّجل كان

معتادًا لصيام (١) سرر الشَّهر، أو كان قد نذره فلذلك أمره بقضائه؛ كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- وقالت طائفةٌ: سرر (٢) الشَّهر: أوَّله، وبه قال الأوزاعيُّ وسعيد بن عبد العزيز، فيما حكاه أبو داود، وأجيب بأنَّه لا يصحُّ أن يُفَسَّر سرر الشَّهر وسراره بأوَّله لأنَّ أوَّل الشَّهر يشتهر فيه الهلال ويُرَى من أوَّل الليل، ولذلك سُمِّي الشَّهر شهرًا لاشتهاره وظهوره عند دخوله، فتسمية ليالي الاشتهار ليالي السِّرار قلبٌ للُّغة والعُرْف، وقد أنكر العلماء ما رواه أبو داود عن الأوزاعيِّ -منهم: الخطَّابيُّ- وقيل: السَّرر: وسطه، حكاه أبو داود أيضًا، ورجَّحه بعضهم ووجَّهَهُ بأنَّ (٣) السَّرر جمع سُرَّةٍ، وسُرَّة الشَّيء: وسطه، وأيَّدوه بما ورد من استحباب صوم أيَّام البيض، وفي رواية مسلمٍ في حديث عمران بن حصينٍ المذكور: «هل صمت من سُرَّة هذا الشَّهر؟» وفُسِّر بالأيَّام البيض، وأُجيب بأنَّ الأظهر أنَّه الآخر كما قال الأكثر لقوله: «فإذا أفطرت فصُمْ يومين من سَرَر هذا الشَّهر». والمشار إليه: شعبان، ولو كان السَّرر أوّله أو وسطه لم يفته.

(قَالَ) أبو النُّعمان: (أَظُنُّهُ قَالَ: يَعْنِي: رَمَضَانَ) لم يقل الصَّلت ذلك، لكن روى الجوزقيُّ من طريق أحمد بن يوسف السُّلميِّ عن أبي النُّعمان بدون ذلك، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو الصَّواب (قَالَ الرَّجُلُ: لَا يَا رَسُولَ اللهِ) ما صُمته (قَالَ: فَإِذَا أَفْطَرْتَ) أي: من رمضان كما في «مسلمٍ» (فَصُمْ يَوْمَيْنِ) بعد العيد عوضًا عن سرر شعبان (لَمْ يَقُلِ الصَّلْتُ: أَظُنُّهُ؛ يَعْنِي: رَمَضَانَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: البخاريُّ، وسقط ذلك في رواية ابن عساكر (وَقَالَ ثَابِتٌ) فيما وصله مسلمٌ (عَنْ مُطَرِّفٍ) المذكور (عَنْ عِمْرَانَ) بن حصينٍ (عَنِ النَّبِيِّ : مِنْ سَِرَرِ شَعْبَانَ) وليس هو برمضان كما ظنَّه أبو النُّعمان، ونقل الحميديُّ عن البخاريِّ أنَّه قال: شعبان أصحُّ، وقال الخطَّابيُّ: ذكرُ رمضان هنا وهمٌ لأنَّ رمضان يتعيَّن صوم جميعه.

ورواة الحديث الأوَّل بصريُّون، وأضاف رواية أبي النُّعمان إلى الصَّلت لما وقع فيها من

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٣٦ - (بابُ صَوْمِ يَوْمِ الجُمْعَةِ فإذَا أصْبَحَ صَائِما يَوْمَ الجُمْعَةِ فَعَلَيْهِ أنْ يُفْطِرَ يَعْنِي إذَا لَمْ يَصُمْ قَبْلَهُ وَلا يُرِيدُ أنْ يَصُومَ بَعْدَهُ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم صَوْم يَوْم الْجُمُعَة، وَحكمه أَنه إِذا أصبح صَائِما يَوْم الْجُمُعَة فَإِن كَانَ صَامَ قبله وَلَا يُرِيد أَن يَصُوم بعده فليصمه، وَإِن كَانَ لم يصم قبله وَلَا يُرِيد أَن يَصُوم بعده فليفطر، لوُرُود النَّهْي عَن صَوْم يَوْم الْجُمُعَة وَحده على مَا يَجِيء، عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَوَقع فِي كثير من الرِّوَايَات: بَاب صَوْم يَوْم الْجُمُعَة، وَإِذا أصبح صَائِما يَوْم الْجُمُعَة فَعَلَيهِ أَن يَصُوم، هَكَذَا وَقع لَا غير، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر وَأبي الْوَقْت زِيَادَة، وَهِي قَوْله: يَعْنِي إِذا لم يصم قبله وَلَا يُرِيد أَن يَصُوم بعده، وَقَالَ بَعضهم: وَهَذِه الزِّيَادَة تشبه أَن تكون من الْفربرِي أَو من دونه فَإِنَّهَا لم تقع فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ عَن البُخَارِيّ، وَيبعد أَن يعبر البُخَارِيّ عَمَّا يَقُوله بِلَفْظ: يَعْنِي، وَلَو كَانَ ذَلِك من كَلَامه لقَالَ: أَعنِي، بل كَانَ يَسْتَغْنِي عَنْهَا أصلا. قلت: عدم وُقُوع هَذِه الزِّيَادَة فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ عَن البُخَارِيّ لَا يسْتَلْزم عدم وُقُوعهَا من غَيره، سَوَاء كَانَ من الْفربرِي أَو من غَيره، وَالظَّاهِر أَنَّهَا من البُخَارِيّ. وَقَوله: يَعْنِي، فِي مَحَله وَلَيْسَ بِبَعِيد، لِأَنَّهُ يُوضح المُرَاد من قَوْله: (وَإِذا أصبح صَائِما يَوْم الْجُمُعَة فَعَلَيهِ أَن يفْطر) فأوضح بقوله: يَعْنِي، أَن هَذَا لَيْسَ على إِطْلَاقه، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْإِفْطَار إِذا لم يصم قبله وَلَا يُرِيد أَن يَصُوم بعده، فَقَوله: (وَإِذا أصبح ... .) إِلَى آخِره، إِذا كَانَ من كَلَام غَيره فَلفظ يَعْنِي فِي مَحَله، وَإِذا كَانَ من كَلَامه فَكَأَنَّهُ جعل هَذَا لغيره بطرِيق التَّجْرِيد، ثمَّ أوضحه بقوله: يَعْنِي، فَافْهَم، فَإِنَّهُ دَقِيق.

٤٨٩١ - حدَّثنا أبُو عاصِمٍ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ عنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنْ محَمَّدِ بنِ عَبَّادٍ قَالَ سألْتُ جابِرا رَضِي الله تَعَالَى عنهُ نَهَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنْ صَوْمِ يَوْمِ الجُمْعَةِ قَالَ نَعَمْ زَادَ غَيْرُ أبِي عاصِمٍ أنْ يَنْفَرِدَ بِصَوْمٍ.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن صَوْم يَوْم الْجُمُعَة مُنْفَردا مَكْرُوه، لِأَنَّهُ منهى عَنهُ، والترجمة تَتَضَمَّن معنى الحَدِيث.

ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو عَاصِم النَّبِيل الضَّحَّاك بن مخلد. الثَّانِي: عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج. الثَّالِث: عبد الحميد بن جُبَير مصغر: الْجَبْر ابْن شيبَة بن عُثْمَان بن أبي طَلْحَة عبد الله الحَجبي. الرَّابِع: مُحَمَّد بن عباد، بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: المَخْزُومِي. الْخَامِس: جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السُّؤَال. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن رَوَاهُ مَا خلا شَيْخه مكيون. وَفِيه: عبد الحميد وَهُوَ تَابِعِيّ صَغِير روى عَن عمته صَفِيَّة بنت شيبَة، قَالَ بَعضهم: وَهِي من صغَار الصَّحَابَة. قلت: قَالَ ابْن الْأَثِير: اخْتلف فِي صحبتهَا. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَا تصح لَهَا رُؤْيَة. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: أَن عبد الحميد لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ ثَلَاثَة أَحَادِيث، هَذَا، وَآخر فِي بَدْء الْخلق، وَآخر فِي الْأَدَب. وَفِيه: رِوَايَة ابْن جريج عَن عبد الحميد. وَفِي رِوَايَة: عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج أَخْبرنِي عبد الحميد، وَابْن جريج، رُبمَا رَوَاهُ عَن مُحَمَّد بن عباد عَن نَفسه، وَلم يذكر عبد الحميد. كَذَلِك أخرجه النَّسَائِيّ، قَالَ: أخبرنَا عَمْرو بن عَليّ، قَالَ: حَدثنَا يحيى، قَالَ: حَدثنَا ابْن جريج. قَالَ: (أَخْبرنِي مُحَمَّد بن عباد بن جَعْفَر، قَالَ: قلت لجَابِر: أسمعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ينْهَى أَن يفرد يَوْم الْجُمُعَة بِصَوْم؟ قَالَ: أَي وَرب الْكَعْبَة) . وروى النَّسَائِيّ أَيْضا عَن ابْن جريج عَن عبد الحميد بن جُبَير عَن مُحَمَّد بن عباد.

ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّوْم عَن عَمْرو النَّاقِد وَعَن مُحَمَّد بن رَافع، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَعَن يُوسُف بن سعيد وَعَن عَمْرو بن عَليّ وَعَن سُلَيْمَان بن سَالم وَعَن أَحْمد بن عُثْمَان. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن هِشَام بن عمار.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (سَأَلت جَابِرا) وَفِي رِوَايَة مُسلم: (سَأَلت جَابر بن عبد الله وَهُوَ يطوف بِالْبَيْتِ، أنَهَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن صِيَام يَوْم الْجُمُعَة؟ فَقَالَ: نعم وَرب الْكَعْبَة) . قَوْله: (زَاد غير أبي عَاصِم) أَي: قَالَ البُخَارِيّ: زَاد غَيره من الشُّيُوخ

لفظ: أَن ينْفَرد بصومه، أَي: يَصُوم يَوْم الْجُمُعَة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (أَن ينْفَرد بِصَوْم) ، وَغير أبي عَاصِم هُوَ يحيى بن سعيد الْقطَّان، وَقَالَ النَّسَائِيّ: حَدثنَا عَمْرو بن عَليّ (عَن يحيى عَن ابْن جريج: (أَخْبرنِي مُحَمَّد بن عباد بن جَعْفَر، قَالَ: قلت لجَابِر: أسمعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ينْهَى أَن يفرد يَوْم الْجُمُعَة بِصَوْم؟ قَالَ: أَي وَرب الْكَعْبَة) . وروى النَّسَائِيّ أَيْضا من طَرِيق النَّضر بن شُمَيْل، وَلَفظه: (أَن جَابر سُئِلَ عَن صَوْم يَوْم الْجُمُعَة؟ فَقَالَ: نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يفرد) . وروى أَيْضا من طَرِيق حَفْص بن غياث، وَلَفظه: (نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن صِيَام يَوْم الْجُمُعَة مُنْفَردا) ، وروى النَّسَائِيّ أَيْضا من حَدِيث سعيد بن الْمسيب (عَن عبد الله ابْن عَمْرو: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دخل على جوَيْرِية بنت الْحَارِث يَوْم الْجُمُعَة وَهِي صَائِمَة، فَقَالَ لَهَا: (أصمتِ أمس؟ قَالَت: لَا، قَالَ: أَتُرِيدِينَ أَن تصومي غَدا. قَالَت: لَا، قَالَ: فأفطري) .

وروى النَّسَائِيّ أَيْضا من حَدِيث مُحَمَّد بن سِيرِين (عَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: يَا أَبَا الدَّرْدَاء؟ لَا تخص يَوْم الْجُمُعَة بصيام دون الْأَيَّام، وَلَا تخص لَيْلَة الْجُمُعَة بِقِيَام دون اللَّيَالِي) ، وَابْن سِيرِين لم يسمع من أبي الدَّرْدَاء، وَقد اخْتلف فِيهِ على ابْن سِيرِين، فَقيل: هَكَذَا، وَقيل: عَن هِشَام عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة. وروى أَحْمد عَن ابْن عَبَّاس بِلَفْظ: (لَا تَصُومُوا يَوْم الْجُمُعَة) ، وَفِي إِسْنَاده: الْحُسَيْن بن عبد الله بن عبيد الله، وَثَّقَهُ ابْن معِين وَضَعفه الْجُمْهُور. وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من حَدِيث بشير بن الخصاصية بِلَفْظ (لَا تصم يَوْم الْجُمُعَة إلَاّ فِي أَيَّام هُوَ أَحدهَا) ، وَرِجَاله ثِقَات. وروى الطَّبَرَانِيّ أَيْضا من رِوَايَة صَالح بن جبلة (عَن أنس: أَنه سمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: من صَامَ الْأَرْبَعَاء وَالْخَمِيس وَالْجُمُعَة بنى الله لَهُ فِي الْجنَّة قصرا من لُؤْلُؤ وَيَاقُوت وَزَبَرْجَد، وَكتب لَهُ بَرَاءَة من النَّار) وَصَالح بن جبلة ضعفه الْأَزْدِيّ، فَفِي هَذَا صَوْم يَوْم الْجُمُعَة مَعَ يَوْم قبله، وروى الْبَزَّار من حَدِيث عَامر بن كَدين بِلَفْظ: إِن يَوْم الْجُمُعَة فَلَا تصوموه إلَاّ أَن تَصُومُوا يَوْمًا قبله أَو بعده) . وروى النَّسَائِيّ من رِوَايَة حُذَيْفَة الْبَارِقي (عَن جُنَادَة الْأَزْدِيّ: أَنهم دخلُوا على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثَمَانِيَة نفر، وَهُوَ ثامنهم، فَقرب إِلَيْهِم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم طَعَاما يَوْم جُمُعَة، قَالَ: كلوا. قَالُوا: صِيَام! قَالَ: أصمتم أمس؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فصائمون غَدا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فأفطروا) .

فَإِن قلت: يُعَارض هَذِه الْأَحَادِيث مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عَاصِم عَن زر (عَن عبد الله، قَالَ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَصُوم من كل غرَّة شهر ثَلَاثَة أَيَّام وَقل مَا كَانَ يفْطر يَوْم الْجُمُعَة) ؟ وَقَالَ: حَدِيث حسن غَرِيب، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا، وَمَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة حَدثنَا حَفْص حَدثنَا لَيْث عَن عُمَيْر بن أبي عُمَيْر (عَن ابْن عمر، قَالَ: مَا رَأَيْت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مُفطرا يَوْم جُمُعَة قطّ) . وَمَا أخرجه أَيْضا عَن حَفْص عَن لَيْث عَن طَاوس (عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: مَا رَأَيْته مُفطرا يَوْم جُمُعَة قطّ) . قلت: لَا نسلم هَذِه الْمُعَارضَة لِأَنَّهُ لَا دلَالَة فِيهَا على أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَامَ يَوْم الْجُمُعَة وَحده، فنهيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن صَوْم يَوْم الْجُمُعَة فِي هَذِه الْأَحَادِيث يدل على أَن صَوْمه يَوْم الْجُمُعَة لم يكن فِي يَوْم الْجُمُعَة وَحده، بل إِنَّمَا كَانَ بِيَوْم قبله أَو بِيَوْم بعده، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يحمل فعله على مُخَالفَة أمره إلَاّ بِنَصّ صَرِيح صَحِيح، فَحِينَئِذٍ يكون نسخا أَو تَخْصِيصًا، وكل وَاحِد مِنْهُمَا مُنْتَفٍ.

وَأما حكم الْمَسْأَلَة فَاخْتَلَفُوا فِي صَوْم يَوْم الْجُمُعَة على خَمْسَة أَقْوَال:

أَحدهَا: كَرَاهَته مُطلقًا، وَهُوَ قَول النَّخعِيّ وَالشعْبِيّ وَالزهْرِيّ وَمُجاهد، وَقد رُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد حكى أَبُو عمر عَن أَحْمد وَإِسْحَاق كَرَاهَته مُطلقًا، وَنقل ابْن الْمُنْذر وَابْن حزم منع صَوْمه عَن عَليّ وَأبي هُرَيْرَة وسلمان وَأبي ذَر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وشبهوه بِيَوْم الْعِيد، فَفِي الحَدِيث الصَّحِيح: أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (إِن هَذَا يَوْم جعله الله عيدا) وروى النَّسَائِيّ من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (لَا صِيَام يَوْم عيد) .

القَوْل الثَّانِي: إِبَاحَته مُطلقًا من غير كَرَاهَة، وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَمُحَمّد بن الْمُنْكَدر، وَهُوَ قَول مَالك وَأبي حنيفَة وَمُحَمّد بن الْحسن، وَقَالَ مَالك: لم أسمع أحدا من أهل الْعلم وَالْفِقْه وَمن يَقْتَدِي بِهِ ينْهَى عَن صِيَام يَوْم الْجُمُعَة، قَالَ: وصيامه حسن.

القَوْل الثَّالِث: أَنه يكره إِفْرَاده بِالصَّوْمِ، فَإِن صَامَ يَوْمًا قبله أَو بعده لم يكره، وَهُوَ قَول أبي هُرَيْرَة وَمُحَمّد بن سِيرِين وطاووس وَأبي يُوسُف، وَفِي (كتاب الطّراز) : وَاخْتَارَهُ ابْن الْمُنْذر، وَاخْتلف عَن الشَّافِعِي، فَحكى الْمُزنِيّ عَنهُ جَوَازه، وَحكى أَبُو حَامِد فِي تَعْلِيقه عَنهُ كَرَاهَته، وَكَذَا حَكَاهُ ابْن الصّباغ عَن تَعْلِيق أبي حَامِد، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح الَّذِي يدل عَلَيْهِ حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَبِه جزم الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ فِي (الرَّوْضَة) . وَقَالَ

فِي (شرح مُسلم) : إِنَّه قَالَ بِهِ جُمْهُور أَصْحَاب الشَّافِعِي، وَمِمَّنْ صَححهُ من الْمَالِكِيَّة، ابْن الْعَرَبِيّ، فَقَالَ: وبكراهته يَقُول الشَّافِعِي وَهُوَ الصَّحِيح.

القَوْل الرَّابِع: مَا حَكَاهُ القَاضِي عَن الدَّاودِيّ أَن النَّهْي إِنَّمَا هُوَ عَن تحريه واقتصاصه دون غَيره، فَإِنَّهُ مَتى صَامَ مَعَ صَوْمه يَوْمًا غَيره فقد خرج عَن النَّهْي، لِأَن ذَلِك الْيَوْم قبله أَو بعده إِذْ لم يقل الْيَوْم الَّذِي يَلِيهِ، قَالَ القَاضِي عِيَاض: وَقد يرجح مَا قَالَه قَوْله فِي الحَدِيث الآخر: (لَا تخصوا يَوْم الْجُمُعَة بصيام من بَين الْأَيَّام، وَلَا ليلته بِقِيَام من بَين اللَّيَالِي) . قلت: وَهَذَا ضَعِيف جدا، وَيَردهُ حَدِيث جوَيْرِية فِي صَحِيح البُخَارِيّ، وَقَوله لَهَا: (أصمت أمس؟ قَالَت: لَا. قَالَ: تصومين غَدا؟ قَالَت: لَا. قَالَ: فأفطري) ، فَهُوَ صَرِيح فِي أَن المُرَاد بِهِ قبله يَوْم الْخَمِيس وَمَا بعده يَوْم السبت.

القَوْل الْخَامِس: أَنه يحرم صَوْم يَوْم الْجُمُعَة إلَاّ لمن صَامَ يَوْمًا قبله أَو يَوْمًا بعده، أَو وَافق عَادَته بِأَن كَانَ يَصُوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا، فَوَافَقَ يَوْم الْجُمُعَة صِيَامه، وَهُوَ قَول ابْن حزم لظواهر الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي النَّهْي عَن تَخْصِيصه بِالصَّوْمِ، وَقَالَ بَعضهم: وَاسْتدلَّ الْحَنَفِيَّة بِحَدِيث ابْن مَسْعُود: كَانَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَصُوم من كل شهر ثَلَاثَة أَيَّام، وَقل مَا كَانَ يفْطر يَوْم الْجُمُعَة، قَالَ: وَلَيْسَ فِيهِ حجَّة، لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يُرِيد: كَانَ لَا يتَعَمَّد فطره إِذا وَقع فِي الْأَيَّام الَّتِي كَانَ يصومها. قلت: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: حَدِيث حسن، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا وَصَححهُ ابْن حبَان وَابْن عبد الْبر وَابْن حزم، وَالْعجب من هَذَا الْقَائِل يتْرك مَا يدل عَلَيْهِ ظَاهر الحَدِيث، وَيدْفَع حجيته بِالِاحْتِمَالِ الناشيء عَن غير دَلِيل الَّذِي لَا يعْتَبر، وَلَا يعْمل بِهِ، وَهَذَا كُله عسف ومكابرة.

ثمَّ إعلم أَنهم اخْتلفُوا أَيْضا فِي الْحِكْمَة فِي النَّهْي عَن صَوْم يَوْم الْجُمُعَة مُفردا على أَقْوَال:

الأول: مَا قَالَه النَّوَوِيّ عَن الْعلمَاء أَنه يَوْم دُعَاء وَذكر وَعبادَة من الْغسْل والتبكير إِلَى الصَّلَاة وانتظارها واستماع الْخطْبَة، وإكثار الذّكر بعْدهَا لقَوْله تَعَالَى: {فَإِذا قضيت الصَّلَاة فَانْتَشرُوا فِي الأَرْض وابتغوا من فضل الله واذْكُرُوا الله كثيرا لَعَلَّكُمْ تفلحون} (الْجُمُعَة: ٠١) . وَغير ذَلِك من الْعِبَادَات فِي يَوْمهَا، فاستحب الْفطر فِيهِ ليَكُون أعون لَهُ على هَذِه الْوَظَائِف وأدائها بنشاط وانشراح لَهَا، والتذاذ بهَا من غير ملل وَلَا سآمة. قَالَ: وَهُوَ نَظِير الْحَاج يَوْم عَرَفَة فَإِن السّنة لَهُ الْفطر، ثمَّ قَالَ النَّوَوِيّ: فَإِن قيل: لَو كَانَ كَذَلِك لم يزل النَّهْي وَالْكَرَاهَة بِصَوْم يَوْم قبله أَو بعده لبَقَاء الْمَعْنى؟ ثمَّ أجَاب عَن ذَلِك: بِأَنَّهُ يحصل لَهُ بفضيلة الصَّوْم الَّذِي قبله أَو بعده مَا يجْبر مَا قد يحصل من فتور أَو تَقْصِير فِي وظائف يَوْم الْجُمُعَة بِسَبَب صَوْمه. انْتهى قلت: فِيهِ نظر، إِذْ جبر مَا فَاتَهُ من أَعمال يَوْم الْجُمُعَة بِصَوْم يَوْم آخر لَا تخْتَص بِكَوْن الصَّوْم قبله بِيَوْم أَو بعده بِيَوْم، بل صَوْم يَوْم الْإِثْنَيْنِ أفضل من صَوْم يَوْم السبت.

الثَّانِي: هُوَ كَونه يَوْم عيد، والعيد لَا صِيَام فِيهِ، وَاعْترض على هَذَا بِالْإِذْنِ بصيامه مَعَ غَيره، ورد بِأَن شبهه بالعيد لَا يسْتَلْزم استواءه مَعَه من كل جِهَة، ألَا ترى أَنه لَا يجوز صَوْمه مَعَ يَوْم قبله وَيَوْم بعده؟ .

الثَّالِث: لأجل خوف الْمُبَالغَة فِي تَعْظِيمه، فيفتتن بِهِ كَمَا افْتتن الْيَهُود بالسبت، وَاعْترض عَلَيْهِ بِثُبُوت تَعْظِيمه بِغَيْر الصّيام، وَأَيْضًا فاليهود لَا يعظمون السبت بالصيام، فَلَو كَانَ الملحوظ موافقتهم لتحتم صَوْمه لأَنهم لَا يَصُومُونَ، وروى النَّسَائِيّ من حَدِيث أم سَلمَة: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يَصُوم يَوْم الْإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيس، وَكَانَ يَقُول: إنَّهُمَا يَوْمًا عيد للْمُشْرِكين، فَأحب أَن أخالفهم، وَأخرجه ابْن حبَان وَصَححهُ.

الرَّابِع: خوف اعْتِقَاد وُجُوبه، وَاعْترض عَلَيْهِ بِصَوْم الْإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيس.

الْخَامِس: خشيَة أَن يفْرض عَلَيْهِم كَمَا خشِي رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من قيام اللَّيْل. قيل: هُوَ منتقض بِإِجَازَة صَوْمه مَعَ غَيره، وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ ذَلِك لجَاز بعده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لارْتِفَاع السَّبَب.

السَّادِس: مُخَالفَة النَّصَارَى، لِأَنَّهُ لَا يجب عَلَيْهِم صَوْمه وَنحن مأمورون بمخالفتهم، نَقله الْقَمُولِيّ، قَالَ بَعضهم: وَهُوَ ضَعِيف، وَلم يبين وَجهه قيل أقوى الْأَقْوَال وأولاها بِالصَّوَابِ مَا ورد فِيهِ صَرِيحًا حديثان: أَحدهمَا مَا رَوَاهُ الْحَاكِم وَغَيره من طَرِيق عَامر بن لدين عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا، (يَوْم الْجُمُعَة يَوْم عيد فَلَا تجْعَلُوا يَوْم عيدكم يَوْم صِيَامكُمْ إلَاّ أَن تَصُومُوا قبله أَو بعده) . وَالثَّانِي: مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة بِإِسْنَاد حسن عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (من كَانَ مِنْكُم مُتَطَوعا من الشَّهْر فليصم يَوْم الْخَمِيس وَلَا يصم يَوْم الْجُمُعَة، فَإِنَّهُ يَوْم طَعَام وشراب وَذكر) .

٥٨٩١ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غِياثٍ قَالَ حدَّثنا أبِي قَالَ حَدثنَا الْأَعْمَش قَالَ حَدثنَا أبُو صالِحٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ سَمِعْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يقُولُ لَا يَصُومَنَّ أحَدُكُم يَوْمَ الجُمُعَةِ

إلَاّ يَوْما قَبْلَهُ أوْ بَعْدَهُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات السمان.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم وَابْن مَاجَه جَمِيعًا فِي الصَّوْم أَيْضا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.

قَوْله: (لَا يصومنَّ) بنُون التَّأْكِيد رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: (لَا يَصُوم) بِدُونِ النُّون، وَلَفظ النَّفْي، وَالْمرَاد بِهِ النَّهْي. قَوْله: (إلَاّ يَوْمًا قبله) ، تَقْدِيره: إلَاّ أَن يَصُوم يَوْمًا قبله، لِأَن يَوْمًا لَا يصلح أَن يكون اسْتثِْنَاء من يَوْم الْجُمُعَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ ظرف ليصوم الْمُقدر، أَو يَوْم مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض، وَهُوَ بَاء المصاحبة أَي: بِيَوْم، وَأخذ بَعضهم الْوَجْه الأول من كَلَام الْكرْمَانِي وَسكت عَنهُ، ثمَّ ذكر الْوَجْه الثَّانِي بقوله: وَقَالَ الْكرْمَانِي، وَفِي طَرِيق الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة مُحَمَّد بن أشكاب عَن عمر بن حَفْص، شيخ البُخَارِيّ، فِيهِ: (إِلَّا أَن تَصُومُوا يَوْمًا قبله أَو بعده) . وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق أبي مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش: لَا يصم أحدكُم يَوْم الْجُمُعَة إلَاّ أَن يَصُوم قبله أَو يَصُوم بعده) ، وَلمُسلم من طَرِيق هِشَام عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة: (لَا تخصوا لَيْلَة الْجُمُعَة بِقِيَام من اللَّيَالِي، وَلَا يَوْم الْجُمُعَة بِصَوْم من بَين الْأَيَّام، إلَاّ أَن يكون فِي صَوْم يَصُومهُ أحدكُم) . وَرَوَاهُ أَحْمد من طَرِيق عَوْف عَن ابْن سِيرِين بِلَفْظ: (نهى أَن يفرد يَوْم الْجُمُعَة بِصَوْم) ، وَمن طَرِيق أبي الأوبر زِيَاد الْحَارِثِيّ: (أَن رجلا قَالَ لأبي هُرَيْرَة: أَنْت الَّذِي تنْهى النَّاس عَن صَوْم يَوْم الْجُمُعَة؟ قَالَ: هَا، وَرب الْكَعْبَة ثَلَاثًا لقد سَمِعت مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: لَا يَصُوم أحدكُم يَوْم الْجُمُعَة وَحده إلَاّ فِي أَيَّام مَعَه) . وَله من طَرِيق ليلى، امْرَأَة بشير بن الخصاصية، أَنه (سَأَلَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: لَا تصم يَوْم الْجُمُعَة إلَاّ فِي أَيَّام هُوَ أَحدهَا) . وَهَذِه الْأَحَادِيث تقيد النَّهْي الْمُطلق فِي حَدِيث جَابر الْمَذْكُور، وَيُؤْخَذ من الِاسْتِثْنَاء جَوَازه لمن صَامَ قبله أَو بعده، أَو اتّفق وُقُوعه فِي أَيَّام لَهُ عَادَة يصومها، كمن يَصُوم أَيَّام الْبيض أَو من لَهُ عَادَة بِصَوْم يَوْم معِين، كَيَوْم عَرَفَة فَوَافَقَ يَوْم الْجُمُعَة.

٦٨٩١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدثنَا يَحْيَى عنْ شُعْبَةَ ح وحدَّثني محَمَّدٌ قَالَ حَدثنَا غُنْدَرٌ قَالَ حدَّثنا شعبَةُ عنْ قتَادَةَ عنْ أبِي أيُّوبَ عنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الحَارِثِ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ وهِيَ صَائِمَةٌ فَقَالَ أصُمْتِ أمْسِ قالَتْ لَا قَالَ تُرِيدينَ أنْ تَصُومِينَ غَدا قالَتْ لَا قَالَ فأفْطِرِي.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأخرجه من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان عَن شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن أبي أَيُّوب يحيى بن مَالك المراغي الْبَصْرِيّ، عَن جوَيْرِية تَصْغِير: الْجَارِيَة، بِالْجِيم الْخُزَاعِيَّة، كَانَ اسْمهَا برة وسماها النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك، وَكَانَت امْرَأَة حلوة مليحة لَا يكَاد يَرَاهَا أحد إلَاّ أخذت بِنَفسِهِ، وَهِي من سَبَايَا بني المصطلق، وَلما تزوج رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بهَا أرسل كل الصَّحَابَة مَا فِي أَيْديهم من سهم المصطلقين، فَلَا يعلم امْرَأَة كَانَت أعظم بركَة على قَومهَا مِنْهَا، مَاتَت سنة سِتّ وَخمسين. الطَّرِيق الثَّانِي: عَن مُحَمَّد، اخْتلف فِي مُحَمَّد هَذَا عَن غنْدر، فَذكر أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) والإسماعيلي: أَنه مُحَمَّد ابْن بشار الَّذِي يُقَال لَهُ بنْدَار، وَقَالَ الجياني: لَا ينْسبهُ أحد من شُيُوخنَا فِي شَيْء من الْمَوَاضِع، وَلَعَلَّه مُحَمَّد بن بشار، وَإِن كَانَ مُحَمَّد بن الْمثنى يروي أَيْضا عَن غنْدر، وغندر هُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر يرْوى عَن شُعْبَة عَن قَتَادَة ... إِلَى آخِره. والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي الصَّوْم عَن مُحَمَّد بن كثير وَحَفْص بن عمر كِلَاهُمَا عَن هِشَام عَن قَتَادَة بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد التَّيْمِيّ القَاضِي عَن يحيى الْقطَّان بِهِ، وَلَيْسَ لجويرية زوج النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي البُخَارِيّ من رِوَايَتهَا سوى هَذَا الحَدِيث.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَهِي صَائِمَة) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (أصمت؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (أَن تصومين) ، ويروى: (أَن تصومي) ، بِإِسْقَاط النُّون على الأَصْل. قَوْله: (فأفطري) ، زَاد أَبُو نعيم فِي رِوَايَته: (إِذا) .

وَقَالَ حمَّادُ بنُ الجَعْدِ سَمِعَ قَتَادَةَ قَالَ حدَّثني أبُو أيُّوبَ أنَّ جُوَيْرِيَّةَ حدَّثته فأمَرَهَا فأفطَرَتْ

هَذَا التَّعْلِيق وَصله أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ فِي (جمع حَدِيث هدبة بن خَالِد) قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن الْجَعْد سُئِلَ قَتَادَة عَن صِيَام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: حَدثنِي أَبُو أَيُّوب فَذكره، وَقَالَ فِي آخِره: (فَأمرهَا فأفطرت) ، وَحَمَّاد بن الْجَعْد، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة، وَيُقَال لَهُ:

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

اللَّهِ تَعَالَى، وَبِمُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ لِمَا فِي إِجَابَةِ دَعْوَتِهِ مِنَ الْأَمْرِ النَّادِرِ، وَهُوَ اجْتِمَاعُ كَثْرَةِ الْمَالِ مَعَ كَثْرَةِ الْوَلَدِ، وَكَوْنُ بُسْتَانِ الْمَدْعُوِّ لَهُ صَارَ يُثْمِرُ مَرَّتَيْنِ فِي السَّنَةِ دُونَ غَيْرِهِ. وَفِيهِ التَّأْرِيخُ بِالْأَمْرِ الشَّهِيرِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى صَلَاحِ الْمُؤَرَّخِ بِهِ، وَفِيهِ جَوَازُ ذِكْرِ الْبُضْعِ فِيمَا زَادَ عَلَى عَقْدِ الْعُشْرِ خِلَافًا لِمَنْ قَصَرَهُ عَلَى مَا قَبْلَ الْعِشْرِينَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هُوَ سَعِيدٌ، وَفَائِدَةُ ذِكْرِ هَذِهِ الطَّرِيقِ بَيَانُ سَمَاعِ حُمَيْدٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَنَسٍ لِمَا اشْتُهِرَ مِنْ أَنَّ حُمَيْدًا كَانَ رُبَّمَا دَلَّسَ عَنْ أَنَسٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ كَرِيمَةٍ وَالْأَصِيلِيِّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ فَيَكُونُ مَوْصُولًا.

٦٢ - بَاب الصَّوْمِ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ

١٩٨٣ - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ، عَنْ غَيْلَانَ. وَحَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، عَنْ النَّبِيِّ أَنَّهُ سَأَلَهُ - أَوْ سَأَلَ رَجُلًا وَعِمْرَانُ يَسْمَعُ - فَقَالَ: يَا أَبَا فُلَانٍ، أَمَا صُمْتَ سَرَرَ هَذَا الشَّهْرِ؟ قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ يَعْنِي رَمَضَانَ، قَالَ الرَّجُلُ: لَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ، لَمْ يَقُلْ الصَّلْتُ: أَظُنُّهُ يَعْنِي رَمَضَانَ.

قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: وَقَالَ ثَابِتٌ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمْرَانَ، عَنْ النَّبِيِّ : مِنْ سَرَرِ شَعْبَانَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّوْمِ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: أَطْلَقَ الشَّهْرَ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي يَتَحَرَّرُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ شَهْرٌ مُقَيَّدٌ وَهُوَ شَعْبَانُ؛ إِشَارَةً مِنْهُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِشَعْبَانَ، بَلْ يُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ النَّدْبُ إِلَى صِيَامِ أَوَاخِرِ كُلِّ شَهْرٍ لِيَكُونَ عَادَةً لِلْمُكَلَّفِ فَلَا يُعَارِضُهُ النَّهْيُ عَنْ تَقَدُّمِ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لِقَوْلِهِ فِيهِ: إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ، بَصْرِيٌّ مَشْهُورٌ، وَأَضَافَ إِلَيْهِ رِوَايَةَ أَبِي النُّعْمَانِ وَهُوَ عَارِمٌ لِمَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ تَصْرِيحِ مَهْدِيٍّ بِالتَّحْدِيثِ مِنْ غَيْلَانَ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ مُطَرِّفٍ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ.

قَوْلُهُ: (أَنَّهُ سَأَلَهُ أَوْ سَأَلَ رَجُلًا وَعِمْرَانُ يَسْمَعُ) هَذَا شَكٌّ مِنْ مُطَرِّفٍ فَإِنَّ ثَابِتًا رَوَاهُ عَنْهُ بِنَحْوِهِ عَلَى الشَّكِّ أَيْضًا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ مُطَرِّفٍ بِدُونِ شَكٍّ عَلَى الْإِبْهَامِ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ زَادَ أَبُو عَوَانَةَ فِي مُسْتَخْرَجِهِ: مِنْ أَصْحَابِهِ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ بِهِ قَالَ لِعِمْرَانَ بِغَيْرِ شَكٍّ.

قَوْلُهُ: (يَا فُلَانُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ يَا أَبَا فُلَانٍ بِأَدَاةِ الْكُنْيَةِ.

قَوْلُهُ: (أَمَا صُمْتَ سُرَرَ هَذَا الشَّهْرِ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ مَهْدِيٍّ سُرِّهِ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ بَعْدَهَا هَاءٌ، قَالَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِابْنِ قُرْقُولٍ: كَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ. انْتَهَى. وَالَّذِي رَأَيْتُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ يَاسِرٍ الْجَيَّانِيِّ وَمِنْ خَطِّهِ نَقَلْتُ سُرَرِ هَذَا الشَّهْرِ كَبَاقِي الرِّوَايَاتِ، وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ الْمَذْكُورَةِ أَصُمْتَ مِنْ سُرَرِ شَعْبَانَ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا.

قَوْلُهُ: (قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: يَعْنِي رَمَضَانَ) هَذَا الظَّنُّ مِنْ أَبِي النُّعْمَانِ، لِتَصْرِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي آخِرِهِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ أَبِي الصَّلْتِ، وَكَأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْ أَبِي النُّعْمَانِ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ الْبُخَارِيُّ، وَإِلَّا فَقَدْ رَوَاهُ الْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ يُوسُفَ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ بِدُونِ ذَلِكَ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَنَقَلَ الْحُمَيْدِيُّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ شَعْبَانَ أَصَحُّ، وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فِي الصَّحِيحِ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: ذِكْرُ رَمَضَانَ هُنَا وَهَمٌ؛ لِأَنَّ رَمَضَانَ يَتَعَيَّنُ صَوْمُ جَمِيعِهِ، وَكَذَا قَالَ الدَّاوُدِيُّ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَخِي مُطَرِّفٍ، عَنْ

مُطَرِّفٍ بِلَفْظِ: هَلْ صُمْتَ مِنْ سُرَرِ هَذَا الشَّهْرِ شَيْئًا يَعْنِي: شَعْبَانَ، وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ هُدْبَةَ وَلَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ وَلَا قُطْرِ بْنِ حَمَّادٍ وَلَا عَفَّانَ وَلَا عَبْدِ الصَّمَدِ وَلَا غَيْرِهِمْ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَمُسْلِمٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ وَغَيْرِهِمْ وَلَا فِي بَاقِي الرِّوَايَاتِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ رَمَضَانَ فِي قَوْلِهِ: يَعْنِي: رَمَضَانَ ظَرْفًا لِلْقَوْلِ الصَّادِرِ مِنْهُ لَا لِصِيَامِ الْمُخَاطَبِ بِذَلِكَ، فَيُوَافِقُ رِوَايَةَ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ مُطَرِّفٍ فَإِنَّ فِيهَا عِنْدَ مُسْلِمٍ فَقَالَ لَهُ: فَإِذَا أَفْطَرْتَ مِنْ رَمَضَانَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ مَكَانَهُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ثَابِتٌ. . . إِلَخْ) وَصَلَهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْهُ كَذَلِكَ، وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ مِنَ الزِّيَادَةِ هُنَا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَشَعْبَانُ أَصَحُّ وَالسَّرَرُ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا وَضَمُّهَا جَمْعُ سُرَّةٍ وَيُقَالُ أَيْضًا: سَرَارٌ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِهِ، وَرَجَّحَ الْفَرَّاءُ الْفَتْحَ، وَهُوَ مِنَ الِاسْتِسْرَارِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَالْجُمْهُورُ: الْمُرَادُ بِالسُّرَرِ هُنَا آخِرُ الشَّهْرِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاسْتِسْرَارِ الْقَمَرِ فِيهَا وَهِيَ لَيْلَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَتِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِينَ.

وَنَقَلَ أَبُو دَاوُدَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ سُرَرُهُ أَوَّلُهُ، وَنَقَلَ الْخَطَّابِيُّ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ كَالْجُمْهُورِ، وَقِيلَ: السُّرَرُ وَسَطُ الشَّهْرِ. حَكَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا وَرَجَّحَهُ بَعْضُهُمْ، وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ السُّرَرَ جَمْعُ سُرَّةٍ وَسُرَّةُ الشَّيْءِ وَسَطُهُ، وَيُؤَيِّدُهُ النَّدْبُ إِلَى صِيَامِ الْبِيضِ، وَهِيَ وَسَطُ الشَّهْرِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي صِيَامِ آخِرِ الشَّهْرِ نَدْبٌ، بَلْ وَرَدَ فِيهِ نَهْيٌ خَاصٌّ وَهُوَ آخِرُ شَعْبَانَ لِمَنْ صَامَهُ لِأَجْلِ رَمَضَانَ، وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ مُسْلِمًا أَفْرَدَ الرِّوَايَةَ الَّتِي فِيهَا سُرَّةُ هَذَا الشَّهْرِ عَنْ بَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ وَأَرْدَفَ بِهَا الرِّوَايَاتِ الَّتِي فِيهَا الْحَضُّ عَلَى صِيَامِ الْبِيضِ، وَهِيَ وَسَطُ الشَّهْرِ كَمَا تَقَدَّمَ، لَكِنْ لَمْ أَرَهُ فِي جَمِيعِ طُرُقِ الْحَدِيثِ بِاللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرَهُ وَهُوَ سُرَّةٌ بَلْ هُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ وَجْهَيْنِ بِلَفْظِ: سِرَارٍ وَأَخْرَجَهُ مِنْ طُرُقٍ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ فِي بَعْضِهَا سُرَرٌ وَفِي بَعْضِهَا سِرَارٌ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ آخِرُ الشَّهْرِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: سُؤَالُهُ عَنْ ذَلِكَ سُؤَالُ زَجْرٍ وَإِنْكَارٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَهَى أَنْ يُسْتَقْبَلَ الشَّهْرُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ أَنْكَرَ ذَلِكَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِقَضَاءِ ذَلِكَ، وَأَجَابَ الْخَطَّابِيُّ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ أَوْجَبَهَا عَلَى نَفْسِهِ، فَلِذَلِكَ أَمَرَهُ بِالْوَفَاءِ وَأَنْ يَقْضِي ذَلِكَ فِي شَوَّالٍ. انْتَهَى.

وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: قَوْلُهُ: سُؤَالُ إِنْكَارٍ فِيهِ تَكَلُّفٌ، وَيَدْفَعُ فِي صَدْرِهِ قَوْلُ الْمَسْئُولِ: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَوْ كَانَ سُؤَالَ إِنْكَارٍ لَكَانَ قَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَامَ، والْفَرْضُ أَنَّ الرَّجُلَ لَمْ يَصُمْ، فَكَيْفَ يُنْكِرُ عَلَيْهِ فِعْلَ مَا لَمْ يَفْعَلْهُ؟ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ كَانَتْ لَهُ عَادَةً بِصِيَامِ آخِرِ الشَّهْرِ، فَلَمَّا سَمِعَ نَهْيَهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَحَدٌ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ وَلَمْ يَبْلُغْهُ الِاسْتِثْنَاءُ تَرَكَ صِيَامَ مَا كَانَ اعْتَادَهُ مِنْ ذَلِكَ فَأَمَرَهُ بِقَضَائِهَا لِتَسْتَمِرَّ مُحَافَظَتُهُ عَلَى مَا وَظَّفَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّ أَحَبَّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا كَلَامًا جَرَى مِنَ النَّبِيِّ جَوَابًا لِكَلَامٍ لَمْ يُنْقَلْ إِلَيْنَا اهـ.

وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ هَذَا الْمَأْخَذِ. وَقَالَ آخَرُونَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ تَقَدُّمِ رَمَضَانَ بِيَوْمِ أَوْ يَوْمَيْنِ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ يَقْصِدُ بِهِ التَّحَرِّيَ لِأَجْلِ رَمَضَانَ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ النَّهْيُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنِ اعْتَادَهُ، وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ حَدِيثِ النَّهْيِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهُ إِلَّا مَنْ كَانَتْ لَهُ عَادَةٌ، وَأَشَارَ الْقُرْطُبِيُّ إِلَى أَنَّ الْحَامِلَ لِمَنْ حَمَلَ سُرَرَ الشَّهْرِ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِهِ - وَهُوَ آخِرُ الشَّهْرِ - الْفِرَارُ مِنَ الْمُعَارَضَةِ؛ لِنَهْيِهِ عَنْ تَقَدُّمِ رَمَضَانَ بِيَوْمِ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَقَالَ: الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ مُمْكِنٌ بِحَمْلِ النَّهْيِ عَلَى مَنْ لَيْسَتْ لَهُ عَادَةٌ بِذَلِكَ، وَحَمْلُ الْأَمْرِ عَلَى مَنْ لَهُ عَادَةٌ حَمْلًا لِلْمُخَاطَبِ بِذَلِكَ عَلَى مُلَازَمَةِ عَادَةِ الْخَيْرِ حَتَّى لَا يُقْطَعُ، قَالَ: وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى فَضِيلَةِ الصَّوْمِ فِي شَعْبَانَ، وَأَنَّ صَوْمَ يَوْمٍ مِنْهُ يَعْدِلُ صَوْمَ يَوْمَيْنِ فِي غَيْرِهِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: فَصُمْ يَوْمَيْنِ مَكَانَهُ يَعْنِي: مَكَانَ الْيَوْمِ الَّذِي فَوَّتَّهُ مِنْ صِيَامِ شَعْبَانَ.

قُلْتُ: وَهَذَا لَا يَتِمُّ إِلَّا إِنْ كَانَتْ عَادَةُ الْمُخَاطَبِ بِذَلِكَ أَنْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

خمسٍ وسبعين، وكان عُمْر أنسٍ إذ ذاك نيِّفًا وثمانين سنةً (بَِضْعٌ وَعِشْرُونَ وَمئةٌ) بكسر المُوحَّدة وقد تُفتَح: ما بين الثَّلاث إلى التِّسع، و «البصرةَ» نُصِب بـ «مَقْدَم» بمعنى: قدوم، ويُقدَّر قبله: زمانَ قدومِه البصرةَ؛ إذ لو جُعِل «مَقْدم» اسم زمانٍ لم ينصب مفعولًا، قاله البرماويُّ، كالكِرمانيِّ.

ورواة هذا الحديث كلُّهم بصريُّون.

وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «قال» (ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) سعيد الجُمَحيُّ المصريُّ (١)، فعلى الأوَّل (٢) يكون موصولًا (أَخْبَرَنَا يَحْيَى) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «يحيى بن أيُّوب» أي (٣): الغافقيُّ المصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (حُمَيْدٌ) الطَّويل، أنَّه (سَمِعَ أَنَسًا عَنِ النَّبِيِّ ) وفائدة ذكر هذه الطَّريق: بيان سماع حُميدٍ لهذا الحديث من أنسٍ لما اشتُهِر من أنَّ حُميدًا كان ربَّما دلَّس على (٤) أنسٍ، وقد طرح زائدة حديثه لدخوله في شيءٍ من أمر الخلفاء، وقد اعتنى البخاريُّ في تخريجه لأحاديث حُميدٍ بالطُّرق التي فيها تصريحه بالسَّماع بذكرها متابعةً وتعليقًا، وروى له الباقون.

(٦٢) (بابُ الصَّوْمِ آخِرَ الشَّهْرِ) ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «من آخر الشَّهر».

١٩٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أبو همَّامٍ الخاركيُّ؛ بخاءٍ معجمةٍ، قال: (حَدَّثَنَا

مَهْدِيٌّ) بفتح الميم وسكون الهاء وكسر الدَّال، ابن ميمونٍ المِعْوَليُّ الأزديُّ -بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الواو- البصريُّ (عَنْ غَيْلَانَ) بالغين المعجمة، ابن جريرٍ المعوليِّ الأزديِّ البصريِّ أيضًا.

قال المؤلِّف: «ح»: (وَحَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ) المعوليُّ قال: (حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ) المعولي (عَنْ مُطَرِّفٍ) بضمِّ الميم وكسر الرَّاء مُشدَّدةً (١)، ابن عبد الله بن الشِّخِّير -بكسر الشِّين والخاء المُشدَّدتين (٢) المعجمتين آخره راءٌ- العامريِّ (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) أسلم عام خيبر، وتُوفِّي سنة اثنتين وخمسين (، عَنِ النَّبِيِّ : أَنَّهُ) (سَأَلَهُ) أي: عمران (أَوْ سَأَلَ رَجُلًا) شكٌّ من مطرِّفٍ، وزاد أبو عَوانة في «مستخرجه»: من أصحابه (-وَعِمْرَانُ يَسْمَعُ-) جملةٌ حاليَّةٌ (فَقَالَ: يَا أَبَا فُلَانٍ) قال الحافظ ابن حجرٍ: كذا في نسخةٍ من رواية أبي ذرٍّ بأداة الكنية، وللأكثر: يا فلان؛ بإسقاطها (أَمَا) بالتَّخفيف (صُمْتَ سَِرَرَ هَذَا الشَّهْرِ؟) بفتح السِّين وكسرها، وحكى القاضي عياضٌ: ضمَّها، وقال: هو جمع سُرَّةٍ، يُقال: سِرار الشَّهر، وسَراره؛ بكسر السِّين وفتحها، ذكره ابن السِّكِّيت وغيره، قيل: والفتح أفصح، قاله الفرَّاء، واختُلِف في تفسيره، والمشهور: أنَّه آخر الشَّهر، وهو قول الجمهور من أهل اللُّغة والغريب والحديث، وسُمِّي بذلك لاستسرار القمر فيها، وهي ليلة ثمانٍ وعشرين، وتسعٍ وعشرين، وثلاثين؛ يعني: استتاره، وهذا (٣) موافقٌ لما ترجم له هنا، واستُشكِل بقوله في حديث أبي هريرة عند الشَّيخين السَّابق [خ¦١٩١٤]: «لا تقدَّموا رمضان بيومٍ أو يومين، إلَّا من كان يصوم يومًا فليصمه»، وأُجيب بأنَّ الرَّجل كان

معتادًا لصيام (١) سرر الشَّهر، أو كان قد نذره فلذلك أمره بقضائه؛ كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- وقالت طائفةٌ: سرر (٢) الشَّهر: أوَّله، وبه قال الأوزاعيُّ وسعيد بن عبد العزيز، فيما حكاه أبو داود، وأجيب بأنَّه لا يصحُّ أن يُفَسَّر سرر الشَّهر وسراره بأوَّله لأنَّ أوَّل الشَّهر يشتهر فيه الهلال ويُرَى من أوَّل الليل، ولذلك سُمِّي الشَّهر شهرًا لاشتهاره وظهوره عند دخوله، فتسمية ليالي الاشتهار ليالي السِّرار قلبٌ للُّغة والعُرْف، وقد أنكر العلماء ما رواه أبو داود عن الأوزاعيِّ -منهم: الخطَّابيُّ- وقيل: السَّرر: وسطه، حكاه أبو داود أيضًا، ورجَّحه بعضهم ووجَّهَهُ بأنَّ (٣) السَّرر جمع سُرَّةٍ، وسُرَّة الشَّيء: وسطه، وأيَّدوه بما ورد من استحباب صوم أيَّام البيض، وفي رواية مسلمٍ في حديث عمران بن حصينٍ المذكور: «هل صمت من سُرَّة هذا الشَّهر؟» وفُسِّر بالأيَّام البيض، وأُجيب بأنَّ الأظهر أنَّه الآخر كما قال الأكثر لقوله: «فإذا أفطرت فصُمْ يومين من سَرَر هذا الشَّهر». والمشار إليه: شعبان، ولو كان السَّرر أوّله أو وسطه لم يفته.

(قَالَ) أبو النُّعمان: (أَظُنُّهُ قَالَ: يَعْنِي: رَمَضَانَ) لم يقل الصَّلت ذلك، لكن روى الجوزقيُّ من طريق أحمد بن يوسف السُّلميِّ عن أبي النُّعمان بدون ذلك، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو الصَّواب (قَالَ الرَّجُلُ: لَا يَا رَسُولَ اللهِ) ما صُمته (قَالَ: فَإِذَا أَفْطَرْتَ) أي: من رمضان كما في «مسلمٍ» (فَصُمْ يَوْمَيْنِ) بعد العيد عوضًا عن سرر شعبان (لَمْ يَقُلِ الصَّلْتُ: أَظُنُّهُ؛ يَعْنِي: رَمَضَانَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: البخاريُّ، وسقط ذلك في رواية ابن عساكر (وَقَالَ ثَابِتٌ) فيما وصله مسلمٌ (عَنْ مُطَرِّفٍ) المذكور (عَنْ عِمْرَانَ) بن حصينٍ (عَنِ النَّبِيِّ : مِنْ سَِرَرِ شَعْبَانَ) وليس هو برمضان كما ظنَّه أبو النُّعمان، ونقل الحميديُّ عن البخاريِّ أنَّه قال: شعبان أصحُّ، وقال الخطَّابيُّ: ذكرُ رمضان هنا وهمٌ لأنَّ رمضان يتعيَّن صوم جميعه.

ورواة الحديث الأوَّل بصريُّون، وأضاف رواية أبي النُّعمان إلى الصَّلت لما وقع فيها من

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٣٦ - (بابُ صَوْمِ يَوْمِ الجُمْعَةِ فإذَا أصْبَحَ صَائِما يَوْمَ الجُمْعَةِ فَعَلَيْهِ أنْ يُفْطِرَ يَعْنِي إذَا لَمْ يَصُمْ قَبْلَهُ وَلا يُرِيدُ أنْ يَصُومَ بَعْدَهُ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم صَوْم يَوْم الْجُمُعَة، وَحكمه أَنه إِذا أصبح صَائِما يَوْم الْجُمُعَة فَإِن كَانَ صَامَ قبله وَلَا يُرِيد أَن يَصُوم بعده فليصمه، وَإِن كَانَ لم يصم قبله وَلَا يُرِيد أَن يَصُوم بعده فليفطر، لوُرُود النَّهْي عَن صَوْم يَوْم الْجُمُعَة وَحده على مَا يَجِيء، عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَوَقع فِي كثير من الرِّوَايَات: بَاب صَوْم يَوْم الْجُمُعَة، وَإِذا أصبح صَائِما يَوْم الْجُمُعَة فَعَلَيهِ أَن يَصُوم، هَكَذَا وَقع لَا غير، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر وَأبي الْوَقْت زِيَادَة، وَهِي قَوْله: يَعْنِي إِذا لم يصم قبله وَلَا يُرِيد أَن يَصُوم بعده، وَقَالَ بَعضهم: وَهَذِه الزِّيَادَة تشبه أَن تكون من الْفربرِي أَو من دونه فَإِنَّهَا لم تقع فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ عَن البُخَارِيّ، وَيبعد أَن يعبر البُخَارِيّ عَمَّا يَقُوله بِلَفْظ: يَعْنِي، وَلَو كَانَ ذَلِك من كَلَامه لقَالَ: أَعنِي، بل كَانَ يَسْتَغْنِي عَنْهَا أصلا. قلت: عدم وُقُوع هَذِه الزِّيَادَة فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ عَن البُخَارِيّ لَا يسْتَلْزم عدم وُقُوعهَا من غَيره، سَوَاء كَانَ من الْفربرِي أَو من غَيره، وَالظَّاهِر أَنَّهَا من البُخَارِيّ. وَقَوله: يَعْنِي، فِي مَحَله وَلَيْسَ بِبَعِيد، لِأَنَّهُ يُوضح المُرَاد من قَوْله: (وَإِذا أصبح صَائِما يَوْم الْجُمُعَة فَعَلَيهِ أَن يفْطر) فأوضح بقوله: يَعْنِي، أَن هَذَا لَيْسَ على إِطْلَاقه، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْإِفْطَار إِذا لم يصم قبله وَلَا يُرِيد أَن يَصُوم بعده، فَقَوله: (وَإِذا أصبح ... .) إِلَى آخِره، إِذا كَانَ من كَلَام غَيره فَلفظ يَعْنِي فِي مَحَله، وَإِذا كَانَ من كَلَامه فَكَأَنَّهُ جعل هَذَا لغيره بطرِيق التَّجْرِيد، ثمَّ أوضحه بقوله: يَعْنِي، فَافْهَم، فَإِنَّهُ دَقِيق.

٤٨٩١ - حدَّثنا أبُو عاصِمٍ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ عنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنْ محَمَّدِ بنِ عَبَّادٍ قَالَ سألْتُ جابِرا رَضِي الله تَعَالَى عنهُ نَهَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنْ صَوْمِ يَوْمِ الجُمْعَةِ قَالَ نَعَمْ زَادَ غَيْرُ أبِي عاصِمٍ أنْ يَنْفَرِدَ بِصَوْمٍ.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن صَوْم يَوْم الْجُمُعَة مُنْفَردا مَكْرُوه، لِأَنَّهُ منهى عَنهُ، والترجمة تَتَضَمَّن معنى الحَدِيث.

ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو عَاصِم النَّبِيل الضَّحَّاك بن مخلد. الثَّانِي: عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج. الثَّالِث: عبد الحميد بن جُبَير مصغر: الْجَبْر ابْن شيبَة بن عُثْمَان بن أبي طَلْحَة عبد الله الحَجبي. الرَّابِع: مُحَمَّد بن عباد، بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: المَخْزُومِي. الْخَامِس: جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السُّؤَال. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن رَوَاهُ مَا خلا شَيْخه مكيون. وَفِيه: عبد الحميد وَهُوَ تَابِعِيّ صَغِير روى عَن عمته صَفِيَّة بنت شيبَة، قَالَ بَعضهم: وَهِي من صغَار الصَّحَابَة. قلت: قَالَ ابْن الْأَثِير: اخْتلف فِي صحبتهَا. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَا تصح لَهَا رُؤْيَة. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: أَن عبد الحميد لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ ثَلَاثَة أَحَادِيث، هَذَا، وَآخر فِي بَدْء الْخلق، وَآخر فِي الْأَدَب. وَفِيه: رِوَايَة ابْن جريج عَن عبد الحميد. وَفِي رِوَايَة: عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج أَخْبرنِي عبد الحميد، وَابْن جريج، رُبمَا رَوَاهُ عَن مُحَمَّد بن عباد عَن نَفسه، وَلم يذكر عبد الحميد. كَذَلِك أخرجه النَّسَائِيّ، قَالَ: أخبرنَا عَمْرو بن عَليّ، قَالَ: حَدثنَا يحيى، قَالَ: حَدثنَا ابْن جريج. قَالَ: (أَخْبرنِي مُحَمَّد بن عباد بن جَعْفَر، قَالَ: قلت لجَابِر: أسمعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ينْهَى أَن يفرد يَوْم الْجُمُعَة بِصَوْم؟ قَالَ: أَي وَرب الْكَعْبَة) . وروى النَّسَائِيّ أَيْضا عَن ابْن جريج عَن عبد الحميد بن جُبَير عَن مُحَمَّد بن عباد.

ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّوْم عَن عَمْرو النَّاقِد وَعَن مُحَمَّد بن رَافع، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَعَن يُوسُف بن سعيد وَعَن عَمْرو بن عَليّ وَعَن سُلَيْمَان بن سَالم وَعَن أَحْمد بن عُثْمَان. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن هِشَام بن عمار.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (سَأَلت جَابِرا) وَفِي رِوَايَة مُسلم: (سَأَلت جَابر بن عبد الله وَهُوَ يطوف بِالْبَيْتِ، أنَهَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن صِيَام يَوْم الْجُمُعَة؟ فَقَالَ: نعم وَرب الْكَعْبَة) . قَوْله: (زَاد غير أبي عَاصِم) أَي: قَالَ البُخَارِيّ: زَاد غَيره من الشُّيُوخ

لفظ: أَن ينْفَرد بصومه، أَي: يَصُوم يَوْم الْجُمُعَة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (أَن ينْفَرد بِصَوْم) ، وَغير أبي عَاصِم هُوَ يحيى بن سعيد الْقطَّان، وَقَالَ النَّسَائِيّ: حَدثنَا عَمْرو بن عَليّ (عَن يحيى عَن ابْن جريج: (أَخْبرنِي مُحَمَّد بن عباد بن جَعْفَر، قَالَ: قلت لجَابِر: أسمعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ينْهَى أَن يفرد يَوْم الْجُمُعَة بِصَوْم؟ قَالَ: أَي وَرب الْكَعْبَة) . وروى النَّسَائِيّ أَيْضا من طَرِيق النَّضر بن شُمَيْل، وَلَفظه: (أَن جَابر سُئِلَ عَن صَوْم يَوْم الْجُمُعَة؟ فَقَالَ: نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يفرد) . وروى أَيْضا من طَرِيق حَفْص بن غياث، وَلَفظه: (نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن صِيَام يَوْم الْجُمُعَة مُنْفَردا) ، وروى النَّسَائِيّ أَيْضا من حَدِيث سعيد بن الْمسيب (عَن عبد الله ابْن عَمْرو: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دخل على جوَيْرِية بنت الْحَارِث يَوْم الْجُمُعَة وَهِي صَائِمَة، فَقَالَ لَهَا: (أصمتِ أمس؟ قَالَت: لَا، قَالَ: أَتُرِيدِينَ أَن تصومي غَدا. قَالَت: لَا، قَالَ: فأفطري) .

وروى النَّسَائِيّ أَيْضا من حَدِيث مُحَمَّد بن سِيرِين (عَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: يَا أَبَا الدَّرْدَاء؟ لَا تخص يَوْم الْجُمُعَة بصيام دون الْأَيَّام، وَلَا تخص لَيْلَة الْجُمُعَة بِقِيَام دون اللَّيَالِي) ، وَابْن سِيرِين لم يسمع من أبي الدَّرْدَاء، وَقد اخْتلف فِيهِ على ابْن سِيرِين، فَقيل: هَكَذَا، وَقيل: عَن هِشَام عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة. وروى أَحْمد عَن ابْن عَبَّاس بِلَفْظ: (لَا تَصُومُوا يَوْم الْجُمُعَة) ، وَفِي إِسْنَاده: الْحُسَيْن بن عبد الله بن عبيد الله، وَثَّقَهُ ابْن معِين وَضَعفه الْجُمْهُور. وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من حَدِيث بشير بن الخصاصية بِلَفْظ (لَا تصم يَوْم الْجُمُعَة إلَاّ فِي أَيَّام هُوَ أَحدهَا) ، وَرِجَاله ثِقَات. وروى الطَّبَرَانِيّ أَيْضا من رِوَايَة صَالح بن جبلة (عَن أنس: أَنه سمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: من صَامَ الْأَرْبَعَاء وَالْخَمِيس وَالْجُمُعَة بنى الله لَهُ فِي الْجنَّة قصرا من لُؤْلُؤ وَيَاقُوت وَزَبَرْجَد، وَكتب لَهُ بَرَاءَة من النَّار) وَصَالح بن جبلة ضعفه الْأَزْدِيّ، فَفِي هَذَا صَوْم يَوْم الْجُمُعَة مَعَ يَوْم قبله، وروى الْبَزَّار من حَدِيث عَامر بن كَدين بِلَفْظ: إِن يَوْم الْجُمُعَة فَلَا تصوموه إلَاّ أَن تَصُومُوا يَوْمًا قبله أَو بعده) . وروى النَّسَائِيّ من رِوَايَة حُذَيْفَة الْبَارِقي (عَن جُنَادَة الْأَزْدِيّ: أَنهم دخلُوا على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثَمَانِيَة نفر، وَهُوَ ثامنهم، فَقرب إِلَيْهِم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم طَعَاما يَوْم جُمُعَة، قَالَ: كلوا. قَالُوا: صِيَام! قَالَ: أصمتم أمس؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فصائمون غَدا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فأفطروا) .

فَإِن قلت: يُعَارض هَذِه الْأَحَادِيث مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عَاصِم عَن زر (عَن عبد الله، قَالَ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَصُوم من كل غرَّة شهر ثَلَاثَة أَيَّام وَقل مَا كَانَ يفْطر يَوْم الْجُمُعَة) ؟ وَقَالَ: حَدِيث حسن غَرِيب، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا، وَمَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة حَدثنَا حَفْص حَدثنَا لَيْث عَن عُمَيْر بن أبي عُمَيْر (عَن ابْن عمر، قَالَ: مَا رَأَيْت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مُفطرا يَوْم جُمُعَة قطّ) . وَمَا أخرجه أَيْضا عَن حَفْص عَن لَيْث عَن طَاوس (عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: مَا رَأَيْته مُفطرا يَوْم جُمُعَة قطّ) . قلت: لَا نسلم هَذِه الْمُعَارضَة لِأَنَّهُ لَا دلَالَة فِيهَا على أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَامَ يَوْم الْجُمُعَة وَحده، فنهيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن صَوْم يَوْم الْجُمُعَة فِي هَذِه الْأَحَادِيث يدل على أَن صَوْمه يَوْم الْجُمُعَة لم يكن فِي يَوْم الْجُمُعَة وَحده، بل إِنَّمَا كَانَ بِيَوْم قبله أَو بِيَوْم بعده، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يحمل فعله على مُخَالفَة أمره إلَاّ بِنَصّ صَرِيح صَحِيح، فَحِينَئِذٍ يكون نسخا أَو تَخْصِيصًا، وكل وَاحِد مِنْهُمَا مُنْتَفٍ.

وَأما حكم الْمَسْأَلَة فَاخْتَلَفُوا فِي صَوْم يَوْم الْجُمُعَة على خَمْسَة أَقْوَال:

أَحدهَا: كَرَاهَته مُطلقًا، وَهُوَ قَول النَّخعِيّ وَالشعْبِيّ وَالزهْرِيّ وَمُجاهد، وَقد رُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد حكى أَبُو عمر عَن أَحْمد وَإِسْحَاق كَرَاهَته مُطلقًا، وَنقل ابْن الْمُنْذر وَابْن حزم منع صَوْمه عَن عَليّ وَأبي هُرَيْرَة وسلمان وَأبي ذَر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وشبهوه بِيَوْم الْعِيد، فَفِي الحَدِيث الصَّحِيح: أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (إِن هَذَا يَوْم جعله الله عيدا) وروى النَّسَائِيّ من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (لَا صِيَام يَوْم عيد) .

القَوْل الثَّانِي: إِبَاحَته مُطلقًا من غير كَرَاهَة، وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَمُحَمّد بن الْمُنْكَدر، وَهُوَ قَول مَالك وَأبي حنيفَة وَمُحَمّد بن الْحسن، وَقَالَ مَالك: لم أسمع أحدا من أهل الْعلم وَالْفِقْه وَمن يَقْتَدِي بِهِ ينْهَى عَن صِيَام يَوْم الْجُمُعَة، قَالَ: وصيامه حسن.

القَوْل الثَّالِث: أَنه يكره إِفْرَاده بِالصَّوْمِ، فَإِن صَامَ يَوْمًا قبله أَو بعده لم يكره، وَهُوَ قَول أبي هُرَيْرَة وَمُحَمّد بن سِيرِين وطاووس وَأبي يُوسُف، وَفِي (كتاب الطّراز) : وَاخْتَارَهُ ابْن الْمُنْذر، وَاخْتلف عَن الشَّافِعِي، فَحكى الْمُزنِيّ عَنهُ جَوَازه، وَحكى أَبُو حَامِد فِي تَعْلِيقه عَنهُ كَرَاهَته، وَكَذَا حَكَاهُ ابْن الصّباغ عَن تَعْلِيق أبي حَامِد، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح الَّذِي يدل عَلَيْهِ حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَبِه جزم الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ فِي (الرَّوْضَة) . وَقَالَ

فِي (شرح مُسلم) : إِنَّه قَالَ بِهِ جُمْهُور أَصْحَاب الشَّافِعِي، وَمِمَّنْ صَححهُ من الْمَالِكِيَّة، ابْن الْعَرَبِيّ، فَقَالَ: وبكراهته يَقُول الشَّافِعِي وَهُوَ الصَّحِيح.

القَوْل الرَّابِع: مَا حَكَاهُ القَاضِي عَن الدَّاودِيّ أَن النَّهْي إِنَّمَا هُوَ عَن تحريه واقتصاصه دون غَيره، فَإِنَّهُ مَتى صَامَ مَعَ صَوْمه يَوْمًا غَيره فقد خرج عَن النَّهْي، لِأَن ذَلِك الْيَوْم قبله أَو بعده إِذْ لم يقل الْيَوْم الَّذِي يَلِيهِ، قَالَ القَاضِي عِيَاض: وَقد يرجح مَا قَالَه قَوْله فِي الحَدِيث الآخر: (لَا تخصوا يَوْم الْجُمُعَة بصيام من بَين الْأَيَّام، وَلَا ليلته بِقِيَام من بَين اللَّيَالِي) . قلت: وَهَذَا ضَعِيف جدا، وَيَردهُ حَدِيث جوَيْرِية فِي صَحِيح البُخَارِيّ، وَقَوله لَهَا: (أصمت أمس؟ قَالَت: لَا. قَالَ: تصومين غَدا؟ قَالَت: لَا. قَالَ: فأفطري) ، فَهُوَ صَرِيح فِي أَن المُرَاد بِهِ قبله يَوْم الْخَمِيس وَمَا بعده يَوْم السبت.

القَوْل الْخَامِس: أَنه يحرم صَوْم يَوْم الْجُمُعَة إلَاّ لمن صَامَ يَوْمًا قبله أَو يَوْمًا بعده، أَو وَافق عَادَته بِأَن كَانَ يَصُوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا، فَوَافَقَ يَوْم الْجُمُعَة صِيَامه، وَهُوَ قَول ابْن حزم لظواهر الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي النَّهْي عَن تَخْصِيصه بِالصَّوْمِ، وَقَالَ بَعضهم: وَاسْتدلَّ الْحَنَفِيَّة بِحَدِيث ابْن مَسْعُود: كَانَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَصُوم من كل شهر ثَلَاثَة أَيَّام، وَقل مَا كَانَ يفْطر يَوْم الْجُمُعَة، قَالَ: وَلَيْسَ فِيهِ حجَّة، لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يُرِيد: كَانَ لَا يتَعَمَّد فطره إِذا وَقع فِي الْأَيَّام الَّتِي كَانَ يصومها. قلت: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: حَدِيث حسن، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا وَصَححهُ ابْن حبَان وَابْن عبد الْبر وَابْن حزم، وَالْعجب من هَذَا الْقَائِل يتْرك مَا يدل عَلَيْهِ ظَاهر الحَدِيث، وَيدْفَع حجيته بِالِاحْتِمَالِ الناشيء عَن غير دَلِيل الَّذِي لَا يعْتَبر، وَلَا يعْمل بِهِ، وَهَذَا كُله عسف ومكابرة.

ثمَّ إعلم أَنهم اخْتلفُوا أَيْضا فِي الْحِكْمَة فِي النَّهْي عَن صَوْم يَوْم الْجُمُعَة مُفردا على أَقْوَال:

الأول: مَا قَالَه النَّوَوِيّ عَن الْعلمَاء أَنه يَوْم دُعَاء وَذكر وَعبادَة من الْغسْل والتبكير إِلَى الصَّلَاة وانتظارها واستماع الْخطْبَة، وإكثار الذّكر بعْدهَا لقَوْله تَعَالَى: {فَإِذا قضيت الصَّلَاة فَانْتَشرُوا فِي الأَرْض وابتغوا من فضل الله واذْكُرُوا الله كثيرا لَعَلَّكُمْ تفلحون} (الْجُمُعَة: ٠١) . وَغير ذَلِك من الْعِبَادَات فِي يَوْمهَا، فاستحب الْفطر فِيهِ ليَكُون أعون لَهُ على هَذِه الْوَظَائِف وأدائها بنشاط وانشراح لَهَا، والتذاذ بهَا من غير ملل وَلَا سآمة. قَالَ: وَهُوَ نَظِير الْحَاج يَوْم عَرَفَة فَإِن السّنة لَهُ الْفطر، ثمَّ قَالَ النَّوَوِيّ: فَإِن قيل: لَو كَانَ كَذَلِك لم يزل النَّهْي وَالْكَرَاهَة بِصَوْم يَوْم قبله أَو بعده لبَقَاء الْمَعْنى؟ ثمَّ أجَاب عَن ذَلِك: بِأَنَّهُ يحصل لَهُ بفضيلة الصَّوْم الَّذِي قبله أَو بعده مَا يجْبر مَا قد يحصل من فتور أَو تَقْصِير فِي وظائف يَوْم الْجُمُعَة بِسَبَب صَوْمه. انْتهى قلت: فِيهِ نظر، إِذْ جبر مَا فَاتَهُ من أَعمال يَوْم الْجُمُعَة بِصَوْم يَوْم آخر لَا تخْتَص بِكَوْن الصَّوْم قبله بِيَوْم أَو بعده بِيَوْم، بل صَوْم يَوْم الْإِثْنَيْنِ أفضل من صَوْم يَوْم السبت.

الثَّانِي: هُوَ كَونه يَوْم عيد، والعيد لَا صِيَام فِيهِ، وَاعْترض على هَذَا بِالْإِذْنِ بصيامه مَعَ غَيره، ورد بِأَن شبهه بالعيد لَا يسْتَلْزم استواءه مَعَه من كل جِهَة، ألَا ترى أَنه لَا يجوز صَوْمه مَعَ يَوْم قبله وَيَوْم بعده؟ .

الثَّالِث: لأجل خوف الْمُبَالغَة فِي تَعْظِيمه، فيفتتن بِهِ كَمَا افْتتن الْيَهُود بالسبت، وَاعْترض عَلَيْهِ بِثُبُوت تَعْظِيمه بِغَيْر الصّيام، وَأَيْضًا فاليهود لَا يعظمون السبت بالصيام، فَلَو كَانَ الملحوظ موافقتهم لتحتم صَوْمه لأَنهم لَا يَصُومُونَ، وروى النَّسَائِيّ من حَدِيث أم سَلمَة: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يَصُوم يَوْم الْإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيس، وَكَانَ يَقُول: إنَّهُمَا يَوْمًا عيد للْمُشْرِكين، فَأحب أَن أخالفهم، وَأخرجه ابْن حبَان وَصَححهُ.

الرَّابِع: خوف اعْتِقَاد وُجُوبه، وَاعْترض عَلَيْهِ بِصَوْم الْإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيس.

الْخَامِس: خشيَة أَن يفْرض عَلَيْهِم كَمَا خشِي رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من قيام اللَّيْل. قيل: هُوَ منتقض بِإِجَازَة صَوْمه مَعَ غَيره، وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ ذَلِك لجَاز بعده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لارْتِفَاع السَّبَب.

السَّادِس: مُخَالفَة النَّصَارَى، لِأَنَّهُ لَا يجب عَلَيْهِم صَوْمه وَنحن مأمورون بمخالفتهم، نَقله الْقَمُولِيّ، قَالَ بَعضهم: وَهُوَ ضَعِيف، وَلم يبين وَجهه قيل أقوى الْأَقْوَال وأولاها بِالصَّوَابِ مَا ورد فِيهِ صَرِيحًا حديثان: أَحدهمَا مَا رَوَاهُ الْحَاكِم وَغَيره من طَرِيق عَامر بن لدين عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا، (يَوْم الْجُمُعَة يَوْم عيد فَلَا تجْعَلُوا يَوْم عيدكم يَوْم صِيَامكُمْ إلَاّ أَن تَصُومُوا قبله أَو بعده) . وَالثَّانِي: مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة بِإِسْنَاد حسن عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (من كَانَ مِنْكُم مُتَطَوعا من الشَّهْر فليصم يَوْم الْخَمِيس وَلَا يصم يَوْم الْجُمُعَة، فَإِنَّهُ يَوْم طَعَام وشراب وَذكر) .

٥٨٩١ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غِياثٍ قَالَ حدَّثنا أبِي قَالَ حَدثنَا الْأَعْمَش قَالَ حَدثنَا أبُو صالِحٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ سَمِعْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يقُولُ لَا يَصُومَنَّ أحَدُكُم يَوْمَ الجُمُعَةِ

إلَاّ يَوْما قَبْلَهُ أوْ بَعْدَهُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات السمان.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم وَابْن مَاجَه جَمِيعًا فِي الصَّوْم أَيْضا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.

قَوْله: (لَا يصومنَّ) بنُون التَّأْكِيد رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: (لَا يَصُوم) بِدُونِ النُّون، وَلَفظ النَّفْي، وَالْمرَاد بِهِ النَّهْي. قَوْله: (إلَاّ يَوْمًا قبله) ، تَقْدِيره: إلَاّ أَن يَصُوم يَوْمًا قبله، لِأَن يَوْمًا لَا يصلح أَن يكون اسْتثِْنَاء من يَوْم الْجُمُعَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ ظرف ليصوم الْمُقدر، أَو يَوْم مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض، وَهُوَ بَاء المصاحبة أَي: بِيَوْم، وَأخذ بَعضهم الْوَجْه الأول من كَلَام الْكرْمَانِي وَسكت عَنهُ، ثمَّ ذكر الْوَجْه الثَّانِي بقوله: وَقَالَ الْكرْمَانِي، وَفِي طَرِيق الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة مُحَمَّد بن أشكاب عَن عمر بن حَفْص، شيخ البُخَارِيّ، فِيهِ: (إِلَّا أَن تَصُومُوا يَوْمًا قبله أَو بعده) . وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق أبي مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش: لَا يصم أحدكُم يَوْم الْجُمُعَة إلَاّ أَن يَصُوم قبله أَو يَصُوم بعده) ، وَلمُسلم من طَرِيق هِشَام عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة: (لَا تخصوا لَيْلَة الْجُمُعَة بِقِيَام من اللَّيَالِي، وَلَا يَوْم الْجُمُعَة بِصَوْم من بَين الْأَيَّام، إلَاّ أَن يكون فِي صَوْم يَصُومهُ أحدكُم) . وَرَوَاهُ أَحْمد من طَرِيق عَوْف عَن ابْن سِيرِين بِلَفْظ: (نهى أَن يفرد يَوْم الْجُمُعَة بِصَوْم) ، وَمن طَرِيق أبي الأوبر زِيَاد الْحَارِثِيّ: (أَن رجلا قَالَ لأبي هُرَيْرَة: أَنْت الَّذِي تنْهى النَّاس عَن صَوْم يَوْم الْجُمُعَة؟ قَالَ: هَا، وَرب الْكَعْبَة ثَلَاثًا لقد سَمِعت مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: لَا يَصُوم أحدكُم يَوْم الْجُمُعَة وَحده إلَاّ فِي أَيَّام مَعَه) . وَله من طَرِيق ليلى، امْرَأَة بشير بن الخصاصية، أَنه (سَأَلَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: لَا تصم يَوْم الْجُمُعَة إلَاّ فِي أَيَّام هُوَ أَحدهَا) . وَهَذِه الْأَحَادِيث تقيد النَّهْي الْمُطلق فِي حَدِيث جَابر الْمَذْكُور، وَيُؤْخَذ من الِاسْتِثْنَاء جَوَازه لمن صَامَ قبله أَو بعده، أَو اتّفق وُقُوعه فِي أَيَّام لَهُ عَادَة يصومها، كمن يَصُوم أَيَّام الْبيض أَو من لَهُ عَادَة بِصَوْم يَوْم معِين، كَيَوْم عَرَفَة فَوَافَقَ يَوْم الْجُمُعَة.

٦٨٩١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدثنَا يَحْيَى عنْ شُعْبَةَ ح وحدَّثني محَمَّدٌ قَالَ حَدثنَا غُنْدَرٌ قَالَ حدَّثنا شعبَةُ عنْ قتَادَةَ عنْ أبِي أيُّوبَ عنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الحَارِثِ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ وهِيَ صَائِمَةٌ فَقَالَ أصُمْتِ أمْسِ قالَتْ لَا قَالَ تُرِيدينَ أنْ تَصُومِينَ غَدا قالَتْ لَا قَالَ فأفْطِرِي.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأخرجه من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان عَن شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن أبي أَيُّوب يحيى بن مَالك المراغي الْبَصْرِيّ، عَن جوَيْرِية تَصْغِير: الْجَارِيَة، بِالْجِيم الْخُزَاعِيَّة، كَانَ اسْمهَا برة وسماها النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك، وَكَانَت امْرَأَة حلوة مليحة لَا يكَاد يَرَاهَا أحد إلَاّ أخذت بِنَفسِهِ، وَهِي من سَبَايَا بني المصطلق، وَلما تزوج رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بهَا أرسل كل الصَّحَابَة مَا فِي أَيْديهم من سهم المصطلقين، فَلَا يعلم امْرَأَة كَانَت أعظم بركَة على قَومهَا مِنْهَا، مَاتَت سنة سِتّ وَخمسين. الطَّرِيق الثَّانِي: عَن مُحَمَّد، اخْتلف فِي مُحَمَّد هَذَا عَن غنْدر، فَذكر أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) والإسماعيلي: أَنه مُحَمَّد ابْن بشار الَّذِي يُقَال لَهُ بنْدَار، وَقَالَ الجياني: لَا ينْسبهُ أحد من شُيُوخنَا فِي شَيْء من الْمَوَاضِع، وَلَعَلَّه مُحَمَّد بن بشار، وَإِن كَانَ مُحَمَّد بن الْمثنى يروي أَيْضا عَن غنْدر، وغندر هُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر يرْوى عَن شُعْبَة عَن قَتَادَة ... إِلَى آخِره. والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي الصَّوْم عَن مُحَمَّد بن كثير وَحَفْص بن عمر كِلَاهُمَا عَن هِشَام عَن قَتَادَة بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد التَّيْمِيّ القَاضِي عَن يحيى الْقطَّان بِهِ، وَلَيْسَ لجويرية زوج النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي البُخَارِيّ من رِوَايَتهَا سوى هَذَا الحَدِيث.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَهِي صَائِمَة) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (أصمت؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (أَن تصومين) ، ويروى: (أَن تصومي) ، بِإِسْقَاط النُّون على الأَصْل. قَوْله: (فأفطري) ، زَاد أَبُو نعيم فِي رِوَايَته: (إِذا) .

وَقَالَ حمَّادُ بنُ الجَعْدِ سَمِعَ قَتَادَةَ قَالَ حدَّثني أبُو أيُّوبَ أنَّ جُوَيْرِيَّةَ حدَّثته فأمَرَهَا فأفطَرَتْ

هَذَا التَّعْلِيق وَصله أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ فِي (جمع حَدِيث هدبة بن خَالِد) قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن الْجَعْد سُئِلَ قَتَادَة عَن صِيَام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: حَدثنِي أَبُو أَيُّوب فَذكره، وَقَالَ فِي آخِره: (فَأمرهَا فأفطرت) ، وَحَمَّاد بن الْجَعْد، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة، وَيُقَال لَهُ:

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 80%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل