الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩٩٤
الحديث رقم ١٩٩٤ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الصوم يوم النحر.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١٩٩٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى : حَدَّثَنَا مُعَاذٌ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(قَالَ: يُنْهَى) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (عَنْ صِيَامَيْنِ وَ) عن (بَيْعَتَيْنِ: الفِطْرِ وَالنَّحْرِ، وَالمُلَامَسَةِ وَالمُنَابَذَةِ) بالجرِّ في الأربعة: بدلًا من السَّابق، وفيه لفٌّ ونشرٌ مُرتَّبٌ، فـ «الفطر» و «النَّحر» يرجعان إلى «صيامين»، والآخران إلى «بيعتين»، و «المُلامسة»: بضمِّ الميم الأولى، «مفاعلةٌ» من اللَّمس؛ وهي أن يلمس ثوبًا مطويًّا أو في ظلمةٍ ثمَّ يشتريه على أنَّه لا خيار له إذا رآه اكتفاءً بلمسه عن رؤيته، أو يقول: إذا لمسته؛ فقد بعتك اكتفاءً بلمسه عن الصِّيغة، أو يبيعه شيئًا على أنَّه متى لمسه؛ لزم البيع وانقطع الخيار اكتفاءً بلمسه عن الإلزام بتفرُّقٍ أو تخايرٍ.
و «المُنابذة»: بضمِّ الميم وبالذَّال المعجمة: بأن ينبذ كلٌّ منهما ثوبه على أنَّ كلًّا منهما مقابلٌ بالآخر، ولا خيار لهما إذا عرفا الطول والعرض، وكذا لو نبذه إليه بثمنٍ (١) معلومٍ اكتفاءً بذلك عن الصِّيغة، وتأتي مباحث ذلك في «البيع» -إن شاء الله تعالى- والنَّهي هنا للتَّحريم، فلا يصحُّ الصَّوم ولا البيع، والبطلان في الأخيرين من حيث المعنى لعدم الرُّؤية، أو عدم الصِّيغة، أو للشَّرط الفاسد، وفي الأوَّلين: أنَّ الله تعالى أكرم عباده فيهما بضيافته، فمن صامهما فكأنَّه ردَّ هذه الكرامة، وهذا المعنى وإن كان لمن يصوم رمضان ومن ينسك لكنَّه عامٌّ لعموم الكرم.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «البيوع».
١٩٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزِيُّ البصريُّ الزَّمِن قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذٌ) هو ابن معاذٍ العنبريُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ) هو عبد الله بن عون بن أَرْطَبَان البصريُّ (عَنْ زِيَادِ بْنِ
جُبَيْرٍ) بضمِّ الجيم وفتح المُوحَّدة ابن حَيَّة -بفتح المهملة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة- الثَّقفيِّ، أنَّه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) لم يُسَمَّ (إِلَى ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (﵄) ولابن عساكر: «جاء رجلٌ ابنَ عمر» بإسقاط «إلى»، ونصب: «ابنَ» (فَقَالَ) أي: الجائي لابن عمر: (رَجُلٌ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا، قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: الإِثْنَيْن) أي: قال الجائي: أظنُّ الرَّجل الذي نذر (١) قال: إنَّه نذر صوم يوم الإثنين (فَوَافَقَ) يوم الإثنين المنذور (يَوْمَ عِيدٍ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «فوافق ذلك يوم عيدٍ» وفي رواية يزيد بن زُرَيعٍ عن يونس بن عبيد الله عند المصنِّف في «النَّذر» [خ¦٦٧٠٦] «فوافق يوم النَّحر» (فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَمَرَ اللهُ بِوَفَاءِ النَّذْرِ) أي: في قوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] (وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ صَوْمِ هَذَا اليَوْمِ) إنَّما توقَّف ابن عمر عن الجزم بالفتيا لتعارض الأدلَّة عنده، وهذا قاله الزَّركشيُّ في آخرين، وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ فقال: ليس كما ظنَّه، بل نبَّه ابن عمر على أنَّ أحدهما -وهو الوفاء بالنَّذر- عامٌّ، والآخر -وهو المنع من صوم العيد- خاصٌّ، فكأنَّه أَفْهَمَه أنَّه يقضي بالخاصِّ على العامِّ. انتهى. وهذا الذي ذكره هو قول ابن المُنيِّر في «الحاشية»، وقد تعقَّبه أخوه بأنَّ النَّهي عن صوم العيد فيه أيضًا عمومٌ للمخاطبين ولكلِّ عيدٍ، فلا يكون من حمل الخاصِّ على العامِّ. انتهى. وقيل: يحتمل أنَّه عرض للسَّائل بأن الاحتياطَ لك القضاءُ، فتجمع بين أمر الله وأمر رسوله ﷺ، وقيل: إذا التقى الأمر والنَّهي في موضعٍ قُدِّم النَّهي، وعند الشَّافعيَّة: إذا نذر صوم اليوم الذي يقدم فيه فلانٌ صحَّ نذره في الأظهر لإمكان العلم بقدومه قبل يومه، فيبيِّت النيَّة، والثَّاني قال: لا يمكن الوفاء به لانتفاء تبييت النِّيَّة؛ لانتفاء العلم بقدومه، فإن قدم ليلًا أو يوم عيدٍ أو نحوه أو في رمضان انحلَّ النَّذر ولا شيء عليه لعدم قبول ما عدا الأخير للصَّوم، والأخير لصوم غيره.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
١٩٩١ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا وُهَيْبٌ قَالَ حدَّثنا عَمْرُو بنُ يَحْيَى عنْ أبِيهِ عنْ أبِي سَعِيدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ نَهَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنْ صَوْمِ يَوْمِ الفِطْرِ والنَّحْرِ وعنِ الصَّمَّاءِ وأنْ يحْتَبِيَ الرَّجُلَ فِي ثَوْبٍ واحِدٍ. وعَنْ صَلاةٍ بَعْدَ الصُّبْحِ والْعَصْرِ. .
هَذَا الحَدِيث قد مر فِي أَوَائِل كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب مَا يستر من الْعَوْرَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن اللَّيْث بن سعد عَن ابْن شهَاب عَن عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، وَلَيْسَ فِيهِ صَوْم يَوْم الْفطر، والنحر، وَلَا ذكر الصَّلَاة بعد الصُّبْح وَالْعصر، وَذكر فِي: بَاب لَا يتحَرَّى الصَّلَاة قبل غرُوب الشَّمْس، عَن أبي سعيد حكم الصَّلَاتَيْنِ وَذكر عَن غَيره أيضافي أَبْوَاب مُتَفَرِّقَة هُنَاكَ، وَقد بسطنا الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى، ووهيب تَصْغِير وهب بن خَالِد الْبَصْرِيّ، وَعَمْرو بن يحيى ابْن عمَارَة الْأنْصَارِيّ، مر فِي: بَاب مَا يستر عَوْرَته، وَأَبوهُ يحيى بن عمَارَة بن أبي حسن الْمَازِني الْأنْصَارِيّ.
٧٦ - (بابُ الصَّوْمِ يَوْمَ النَّحْرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم صَوْم يَوْم النَّحْر، وَالْكَلَام فِي إبهامه الحكم كَالْكَلَامِ فِي الَّذِي قبله.
قَوْله: (بَاب الصَّوْم) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: (بَاب صَوْم يَوْم النَّحْر) .
٣٩٩١ - حدَّثنا إبْراهِيمُ بنُ مُوسَى قَالَ أخبرَنا هِشامٌ عنِ ابنِ جُرِيجٍ قَالَ أخبرَني عَمْرُو بنُ دِينارٍ عنْ عَطاءِ بنِ مِينَاء قَالَ سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ يُنْهَى عنْ صِيَامَيْنِ وبَيْعَتَيْنِ الْفِطْرِ والنَّحْرِ والْمُلَامَسَةِ والْمُنَابِذَةِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (والنحر) ، فَإِن صَوْمه أحد الصيامين المنهيين، وَإِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد الْفراء أَبُو إِسْحَاق الرَّازِيّ، يعرف بالصغير، وَهِشَام بن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ وَفِي بعض النّسخ هُوَ مَذْكُور بنسبته إِلَى أَبِيه، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَعَطَاء بن ميناء، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون، الْمَشْهُور أَنه مَقْصُور: مولى أبي ذُبَاب الْحَيَوَان الْمَعْرُوف الْمدنِي.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق.
قَوْله: (ينْهَى) كَذَا هُنَا بِضَم أَوله على الْبناء للْمَجْهُول، وَفِي مُسلم بِلَفْظ: (نهى أَو نهي عَن بيعَتَيْنِ: الْمُلَامسَة والمنابذة) . وَلم يذكر صوما. قَوْله: (عَن صيامين) وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (عَن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ: نهى يَعْنِي: النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن صِيَام يَوْمَيْنِ وَعَن لبستين وَعَن بيعَتَيْنِ، فَأَما صِيَام يَوْمَيْنِ: فالفطر والأضحى، وَأما البيعتان: فالملامسة) وَلم يذكر الْمُنَابذَة. وَعند الْبَيْهَقِيّ: (نهى عَن صِيَام يَوْم الْأَضْحَى وَيَوْم الْفطر) ، وَعند ابْن مَاجَه: (أَيَّام منى أَيَّام أكل وَشرب) . قَوْله: (الْفطر والنحر) ، فِيهِ لف وَنشر يرجع إِلَى صيامين، وَقَوله: (الْمُلَامسَة والمنابذة) يرجع إِلَى البيعتين، وَقد روى عَن أبي هُرَيْرَة فِي: بَاب مَا يستر من الْعَوْرَة. وَقَالَ: (نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن بيعَتَيْنِ، عَن الملاس والنباذ) . الحَدِيث، وَقد مر بَيَانه هُنَاكَ.
٤٩٩١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قَالَ حدَّثنا مُعاذٌ قَالَ أخبرنَا ابنُ عَوْنٍ عنْ زِيادِ بنِ جُبَيْرٍ قَالَ جاءَ رجُلٌ إِلَى ابنِ عُمعرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فَقَالَ رجُلٌ نذَرَ أنْ يصُومَ يَوْمًا قَالَ أظُنُّهُ قَالَ الاثْنَيْن فَوافقَ يَوْمَ عِيدٍ فَقَالَ ابنُ عُمرَ أمَرَ الله بِوَفاءِ النَّذْرِ ونَهَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَنْ صَوْمِ هَذا اليَوْمِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَنهى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن صَوْم هَذَا الْيَوْم) وَهُوَ يُوضح الْإِبْهَام الَّذِي فِي التَّرْجَمَة. فَإِن قلت: لم يُفَسر الْعِيد فِي الْأَثر فَكيف يكون التطابق؟ قلت: المسؤول عَنهُ يَوْم النَّحْر لِأَنَّهُ مُصَرح بِهِ فِي رِوَايَة يزِيد بن زُرَيْع عَن يُونُس (عَن زِيَاد بن جُبَير، قَالَ: كنت مَعَ ابْن عمر فَسَأَلَهُ رجل، فَقَالَ: نذرت أَن أَصوم كل يَوْم ثَلَاثًا، أَو أَرْبعا، مَا عِشْت، فَوَافَقت
هَذَا الْيَوْم يَوْم النَّحْر، فَقَالَ: أَمر الله تَعَالَى بوفاء النّذر، ونهينا أَن نَصُوم يَوْم النَّحْر، فَأَعَادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ مثله لَا يزِيد عَلَيْهِ) . رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي كتاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور فِي: بَاب من نذر أَن يَصُوم أَيَّامًا فَوَافَقَ يَوْم النَّحْر، على مَا يَجِيء إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَأخرجه مُسلم: (عَن زِيَاد بن جُبَير، قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى ابْن عمر، فَقَالَ: إِنِّي نذرت أَن أَصوم يَوْمًا، فَوَافَقَ يَوْم أضحى أَو فطر. .) الحَدِيث، وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَة أَحْمد عَن إِسْمَاعِيل بن علية عَن يُونُس، وَفِي رِوَايَة وَكِيع: فَوَافَقَ يَوْم أضحى أَو فطر.
ذكر رِجَاله وهم أَرْبَعَة: الأول: مُحَمَّد بن الْمثنى، وَقد مر غير مرّة. الثَّانِي: معَاذ بن معَاذ الْعَنْبَري. الثَّالِث: ابْن عون هُوَ عبيد الله بن عون بن أرطبان الْبَصْرِيّ. الرَّابِع: زِيَاد بن جُبَير، بِضَم الحيم وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن حَيَّة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: الثَّقَفِيّ، وَقد مر فِي: بَاب نحر الْإِبِل الْمقيدَة بِالْحَجِّ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (جَاءَ رجل) لم يدر اسْمه، وَفِي رِوَايَة أَحْمد: عَن هشيم عَن يُونُس بن عبيد عَن زِيَاد بن جُبَير: (رَأَيْت رجلا جَاءَ إِلَى ابْن عمر) ، فَذكره، وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن إِسْمَاعِيل عَن يُونُس بِسَنَدِهِ: (سَأَلَ رجل ابْن عمر، وَهُوَ يمشي بمنى) . قَوْله: (قَالَ: أَظُنهُ) أَي: قَالَ الرجل الجائي: أَظُنهُ قَالَ يَوْم الْإِثْنَيْنِ، فَهَذَا يدل على أَن الْقَضِيَّة لَيست للرجل الجائي، لِأَنَّهُ قَالَ: (فَقَالَ رجل: نذرت) ، وَرِوَايَة مُسلم الَّتِي ذَكرنَاهَا الْآن تدل على أَن الْقَضِيَّة للرجل الجائي حَيْثُ قَالَ زِيَاد بن جُبَير: (كنت مَعَ ابْن عمر فَسَأَلَهُ رجل، فَقَالَ: نذرت أَن أَصوم) الحَدِيث، وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَة البُخَارِيّ عَن يزِيد بن زُرَيْع، وَقد مضى الْآن. قَوْله: (فَوَافَقَ ذَلِك) أَي: وَافق نَذره بِصَوْم يَوْم عيد. قَوْله: (فَقَالَ ابْن عمر) إِلَى آخِره: حَاصله أَن ابْن عمر توقف عَن الْجَزْم بجوابه، لتعارض الْأَدِلَّة عِنْده، وَيحْتَمل أَنه عرض للسَّائِل: بِأَن الِاحْتِيَاط لَك الْقَضَاء، فتجمع بَين أَمر الله وَهُوَ قَوْله: {فليوفوا نذورهم} (الْحَج: ٩٢) . وَبَين أَمر رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ أمره بترك صَوْم يومي الْعِيد، وَقَالَ الْخطابِيّ: قد تورع ابْن عمر عَن قطع الْفتيا فِيهِ. انْتهى. وَقيل: إِذا تلاقى الْأَمر وَالنَّهْي فِي مَحل قدم النَّهْي. وَقيل: يحْتَمل أَن يكون ابْن عمر أَرَادَ أَن كلاًّ من الدَّلِيلَيْنِ يعْمل بِهِ، فيصوم يَوْمًا مَكَان يَوْم النّذر، وَيتْرك صَوْم يَوْم الْعِيد. وَقيل: إِن ابْن عمر نبه على أَن الْوَفَاء بِالنذرِ عَام، وَالْمَنْع من صَوْم يَوْم الْعِيد خَاص، فَكَأَنَّهُ أفهمهُ أَنه يقْضِي بالخاص على الْعَام، ورد عَلَيْهِ بِأَن النَّهْي عَن صَوْم يَوْم الْعِيد فِيهِ أَيْضا عُمُوم للمخاطبين، وَلكُل عيد، فَلَا يكون من حمل الْخَاص على الْعَام.
٥٩٩١ - حدَّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهَالٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ المَلِكِ بنُ عُمَيْرٍ قَالَ سَمِعْتُ قَزَعَةَ قَالَ سَمِعْتُ أبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ وكانَ غَزَا مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً قَالَ سَمِعْتُ أرْبَعا مِنَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأعْجَبْنَنِي قَالَ لَا تُسَافِرِ المَرأةُ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ إلَاّ ومَعَهَا زَوْجُهَا أوْ ذُو مَحْرَمٍ ولَا صَوْمَ فِي يَوْمَيْنِ الْفِطْرِ والأضْحَى ولَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ولَا بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ ولَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَاّ إلَى ثَلَاثَةِ مَساجِدَ مَسْجِدِ الحَرَامِ ومَسْجِدِ الأقْصَى ومَسْجِدي هَذا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا صَوْم فِي يَوْمَيْنِ الْفطر والأضحى) وَهَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه قد مضى فِي أَوَاخِر الصَّلَاة فِي: بَاب مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْوَلِيد عَن شعبه عَن عبد الْملك عَن قزعة مولى زِيَاد، قَالَ: سَمِعت أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ ... إِلَى آخِره. وَقَوله: (وَكَانَ غزا مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثِنْتَيْ عشرَة غَزْوَة) ، لَيْسَ هُنَاكَ. وَبعد قَوْله: (فأعجبنني وآنقني) هُنَاكَ، وَالْبَاقِي سَوَاء، وَقد بسطنا الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصىً.
وقزعة، بِفَتْح الْقَاف وَالزَّاي وَالْعين الْمُهْملَة: هُوَ ابْن يحيى، وَهَذَا الحَدِيث مُشْتَمل على أَحْكَام، وَالْغَرَض من إِيرَاده هُنَا حكم الصَّوْم. وَقَالَ بَعضهم: وَاسْتدلَّ بِهِ على جَوَاز صِيَام أَيَّام التَّشْرِيق للإقتصار فِيهِ على ذكر يومي الْفطر والنحر خَاصَّة! قلت: لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا الِاسْتِدْلَال، لِأَن الأَصْل جَوَاز الصَّوْم فِي الْأَيَّام كلهَا، وَلَكِن جَاءَ النَّهْي عَن صَوْم يومي الْفطر والأضحى وَصَوْم أَيَّام التَّشْرِيق أَيْضا على مَا يَجِيء بَيَانه مَعَ الْخلاف فِيهِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(قَالَ: يُنْهَى) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (عَنْ صِيَامَيْنِ وَ) عن (بَيْعَتَيْنِ: الفِطْرِ وَالنَّحْرِ، وَالمُلَامَسَةِ وَالمُنَابَذَةِ) بالجرِّ في الأربعة: بدلًا من السَّابق، وفيه لفٌّ ونشرٌ مُرتَّبٌ، فـ «الفطر» و «النَّحر» يرجعان إلى «صيامين»، والآخران إلى «بيعتين»، و «المُلامسة»: بضمِّ الميم الأولى، «مفاعلةٌ» من اللَّمس؛ وهي أن يلمس ثوبًا مطويًّا أو في ظلمةٍ ثمَّ يشتريه على أنَّه لا خيار له إذا رآه اكتفاءً بلمسه عن رؤيته، أو يقول: إذا لمسته؛ فقد بعتك اكتفاءً بلمسه عن الصِّيغة، أو يبيعه شيئًا على أنَّه متى لمسه؛ لزم البيع وانقطع الخيار اكتفاءً بلمسه عن الإلزام بتفرُّقٍ أو تخايرٍ.
و «المُنابذة»: بضمِّ الميم وبالذَّال المعجمة: بأن ينبذ كلٌّ منهما ثوبه على أنَّ كلًّا منهما مقابلٌ بالآخر، ولا خيار لهما إذا عرفا الطول والعرض، وكذا لو نبذه إليه بثمنٍ (١) معلومٍ اكتفاءً بذلك عن الصِّيغة، وتأتي مباحث ذلك في «البيع» -إن شاء الله تعالى- والنَّهي هنا للتَّحريم، فلا يصحُّ الصَّوم ولا البيع، والبطلان في الأخيرين من حيث المعنى لعدم الرُّؤية، أو عدم الصِّيغة، أو للشَّرط الفاسد، وفي الأوَّلين: أنَّ الله تعالى أكرم عباده فيهما بضيافته، فمن صامهما فكأنَّه ردَّ هذه الكرامة، وهذا المعنى وإن كان لمن يصوم رمضان ومن ينسك لكنَّه عامٌّ لعموم الكرم.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «البيوع».
١٩٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزِيُّ البصريُّ الزَّمِن قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذٌ) هو ابن معاذٍ العنبريُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ) هو عبد الله بن عون بن أَرْطَبَان البصريُّ (عَنْ زِيَادِ بْنِ
جُبَيْرٍ) بضمِّ الجيم وفتح المُوحَّدة ابن حَيَّة -بفتح المهملة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة- الثَّقفيِّ، أنَّه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) لم يُسَمَّ (إِلَى ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (﵄) ولابن عساكر: «جاء رجلٌ ابنَ عمر» بإسقاط «إلى»، ونصب: «ابنَ» (فَقَالَ) أي: الجائي لابن عمر: (رَجُلٌ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا، قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: الإِثْنَيْن) أي: قال الجائي: أظنُّ الرَّجل الذي نذر (١) قال: إنَّه نذر صوم يوم الإثنين (فَوَافَقَ) يوم الإثنين المنذور (يَوْمَ عِيدٍ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «فوافق ذلك يوم عيدٍ» وفي رواية يزيد بن زُرَيعٍ عن يونس بن عبيد الله عند المصنِّف في «النَّذر» [خ¦٦٧٠٦] «فوافق يوم النَّحر» (فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَمَرَ اللهُ بِوَفَاءِ النَّذْرِ) أي: في قوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] (وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ صَوْمِ هَذَا اليَوْمِ) إنَّما توقَّف ابن عمر عن الجزم بالفتيا لتعارض الأدلَّة عنده، وهذا قاله الزَّركشيُّ في آخرين، وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ فقال: ليس كما ظنَّه، بل نبَّه ابن عمر على أنَّ أحدهما -وهو الوفاء بالنَّذر- عامٌّ، والآخر -وهو المنع من صوم العيد- خاصٌّ، فكأنَّه أَفْهَمَه أنَّه يقضي بالخاصِّ على العامِّ. انتهى. وهذا الذي ذكره هو قول ابن المُنيِّر في «الحاشية»، وقد تعقَّبه أخوه بأنَّ النَّهي عن صوم العيد فيه أيضًا عمومٌ للمخاطبين ولكلِّ عيدٍ، فلا يكون من حمل الخاصِّ على العامِّ. انتهى. وقيل: يحتمل أنَّه عرض للسَّائل بأن الاحتياطَ لك القضاءُ، فتجمع بين أمر الله وأمر رسوله ﷺ، وقيل: إذا التقى الأمر والنَّهي في موضعٍ قُدِّم النَّهي، وعند الشَّافعيَّة: إذا نذر صوم اليوم الذي يقدم فيه فلانٌ صحَّ نذره في الأظهر لإمكان العلم بقدومه قبل يومه، فيبيِّت النيَّة، والثَّاني قال: لا يمكن الوفاء به لانتفاء تبييت النِّيَّة؛ لانتفاء العلم بقدومه، فإن قدم ليلًا أو يوم عيدٍ أو نحوه أو في رمضان انحلَّ النَّذر ولا شيء عليه لعدم قبول ما عدا الأخير للصَّوم، والأخير لصوم غيره.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
١٩٩١ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا وُهَيْبٌ قَالَ حدَّثنا عَمْرُو بنُ يَحْيَى عنْ أبِيهِ عنْ أبِي سَعِيدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ نَهَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنْ صَوْمِ يَوْمِ الفِطْرِ والنَّحْرِ وعنِ الصَّمَّاءِ وأنْ يحْتَبِيَ الرَّجُلَ فِي ثَوْبٍ واحِدٍ. وعَنْ صَلاةٍ بَعْدَ الصُّبْحِ والْعَصْرِ. .
هَذَا الحَدِيث قد مر فِي أَوَائِل كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب مَا يستر من الْعَوْرَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن اللَّيْث بن سعد عَن ابْن شهَاب عَن عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، وَلَيْسَ فِيهِ صَوْم يَوْم الْفطر، والنحر، وَلَا ذكر الصَّلَاة بعد الصُّبْح وَالْعصر، وَذكر فِي: بَاب لَا يتحَرَّى الصَّلَاة قبل غرُوب الشَّمْس، عَن أبي سعيد حكم الصَّلَاتَيْنِ وَذكر عَن غَيره أيضافي أَبْوَاب مُتَفَرِّقَة هُنَاكَ، وَقد بسطنا الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى، ووهيب تَصْغِير وهب بن خَالِد الْبَصْرِيّ، وَعَمْرو بن يحيى ابْن عمَارَة الْأنْصَارِيّ، مر فِي: بَاب مَا يستر عَوْرَته، وَأَبوهُ يحيى بن عمَارَة بن أبي حسن الْمَازِني الْأنْصَارِيّ.
٧٦ - (بابُ الصَّوْمِ يَوْمَ النَّحْرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم صَوْم يَوْم النَّحْر، وَالْكَلَام فِي إبهامه الحكم كَالْكَلَامِ فِي الَّذِي قبله.
قَوْله: (بَاب الصَّوْم) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: (بَاب صَوْم يَوْم النَّحْر) .
٣٩٩١ - حدَّثنا إبْراهِيمُ بنُ مُوسَى قَالَ أخبرَنا هِشامٌ عنِ ابنِ جُرِيجٍ قَالَ أخبرَني عَمْرُو بنُ دِينارٍ عنْ عَطاءِ بنِ مِينَاء قَالَ سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ يُنْهَى عنْ صِيَامَيْنِ وبَيْعَتَيْنِ الْفِطْرِ والنَّحْرِ والْمُلَامَسَةِ والْمُنَابِذَةِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (والنحر) ، فَإِن صَوْمه أحد الصيامين المنهيين، وَإِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد الْفراء أَبُو إِسْحَاق الرَّازِيّ، يعرف بالصغير، وَهِشَام بن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ وَفِي بعض النّسخ هُوَ مَذْكُور بنسبته إِلَى أَبِيه، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَعَطَاء بن ميناء، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون، الْمَشْهُور أَنه مَقْصُور: مولى أبي ذُبَاب الْحَيَوَان الْمَعْرُوف الْمدنِي.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق.
قَوْله: (ينْهَى) كَذَا هُنَا بِضَم أَوله على الْبناء للْمَجْهُول، وَفِي مُسلم بِلَفْظ: (نهى أَو نهي عَن بيعَتَيْنِ: الْمُلَامسَة والمنابذة) . وَلم يذكر صوما. قَوْله: (عَن صيامين) وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (عَن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ: نهى يَعْنِي: النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن صِيَام يَوْمَيْنِ وَعَن لبستين وَعَن بيعَتَيْنِ، فَأَما صِيَام يَوْمَيْنِ: فالفطر والأضحى، وَأما البيعتان: فالملامسة) وَلم يذكر الْمُنَابذَة. وَعند الْبَيْهَقِيّ: (نهى عَن صِيَام يَوْم الْأَضْحَى وَيَوْم الْفطر) ، وَعند ابْن مَاجَه: (أَيَّام منى أَيَّام أكل وَشرب) . قَوْله: (الْفطر والنحر) ، فِيهِ لف وَنشر يرجع إِلَى صيامين، وَقَوله: (الْمُلَامسَة والمنابذة) يرجع إِلَى البيعتين، وَقد روى عَن أبي هُرَيْرَة فِي: بَاب مَا يستر من الْعَوْرَة. وَقَالَ: (نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن بيعَتَيْنِ، عَن الملاس والنباذ) . الحَدِيث، وَقد مر بَيَانه هُنَاكَ.
٤٩٩١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قَالَ حدَّثنا مُعاذٌ قَالَ أخبرنَا ابنُ عَوْنٍ عنْ زِيادِ بنِ جُبَيْرٍ قَالَ جاءَ رجُلٌ إِلَى ابنِ عُمعرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فَقَالَ رجُلٌ نذَرَ أنْ يصُومَ يَوْمًا قَالَ أظُنُّهُ قَالَ الاثْنَيْن فَوافقَ يَوْمَ عِيدٍ فَقَالَ ابنُ عُمرَ أمَرَ الله بِوَفاءِ النَّذْرِ ونَهَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَنْ صَوْمِ هَذا اليَوْمِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَنهى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن صَوْم هَذَا الْيَوْم) وَهُوَ يُوضح الْإِبْهَام الَّذِي فِي التَّرْجَمَة. فَإِن قلت: لم يُفَسر الْعِيد فِي الْأَثر فَكيف يكون التطابق؟ قلت: المسؤول عَنهُ يَوْم النَّحْر لِأَنَّهُ مُصَرح بِهِ فِي رِوَايَة يزِيد بن زُرَيْع عَن يُونُس (عَن زِيَاد بن جُبَير، قَالَ: كنت مَعَ ابْن عمر فَسَأَلَهُ رجل، فَقَالَ: نذرت أَن أَصوم كل يَوْم ثَلَاثًا، أَو أَرْبعا، مَا عِشْت، فَوَافَقت
هَذَا الْيَوْم يَوْم النَّحْر، فَقَالَ: أَمر الله تَعَالَى بوفاء النّذر، ونهينا أَن نَصُوم يَوْم النَّحْر، فَأَعَادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ مثله لَا يزِيد عَلَيْهِ) . رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي كتاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور فِي: بَاب من نذر أَن يَصُوم أَيَّامًا فَوَافَقَ يَوْم النَّحْر، على مَا يَجِيء إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَأخرجه مُسلم: (عَن زِيَاد بن جُبَير، قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى ابْن عمر، فَقَالَ: إِنِّي نذرت أَن أَصوم يَوْمًا، فَوَافَقَ يَوْم أضحى أَو فطر. .) الحَدِيث، وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَة أَحْمد عَن إِسْمَاعِيل بن علية عَن يُونُس، وَفِي رِوَايَة وَكِيع: فَوَافَقَ يَوْم أضحى أَو فطر.
ذكر رِجَاله وهم أَرْبَعَة: الأول: مُحَمَّد بن الْمثنى، وَقد مر غير مرّة. الثَّانِي: معَاذ بن معَاذ الْعَنْبَري. الثَّالِث: ابْن عون هُوَ عبيد الله بن عون بن أرطبان الْبَصْرِيّ. الرَّابِع: زِيَاد بن جُبَير، بِضَم الحيم وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن حَيَّة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: الثَّقَفِيّ، وَقد مر فِي: بَاب نحر الْإِبِل الْمقيدَة بِالْحَجِّ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (جَاءَ رجل) لم يدر اسْمه، وَفِي رِوَايَة أَحْمد: عَن هشيم عَن يُونُس بن عبيد عَن زِيَاد بن جُبَير: (رَأَيْت رجلا جَاءَ إِلَى ابْن عمر) ، فَذكره، وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن إِسْمَاعِيل عَن يُونُس بِسَنَدِهِ: (سَأَلَ رجل ابْن عمر، وَهُوَ يمشي بمنى) . قَوْله: (قَالَ: أَظُنهُ) أَي: قَالَ الرجل الجائي: أَظُنهُ قَالَ يَوْم الْإِثْنَيْنِ، فَهَذَا يدل على أَن الْقَضِيَّة لَيست للرجل الجائي، لِأَنَّهُ قَالَ: (فَقَالَ رجل: نذرت) ، وَرِوَايَة مُسلم الَّتِي ذَكرنَاهَا الْآن تدل على أَن الْقَضِيَّة للرجل الجائي حَيْثُ قَالَ زِيَاد بن جُبَير: (كنت مَعَ ابْن عمر فَسَأَلَهُ رجل، فَقَالَ: نذرت أَن أَصوم) الحَدِيث، وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَة البُخَارِيّ عَن يزِيد بن زُرَيْع، وَقد مضى الْآن. قَوْله: (فَوَافَقَ ذَلِك) أَي: وَافق نَذره بِصَوْم يَوْم عيد. قَوْله: (فَقَالَ ابْن عمر) إِلَى آخِره: حَاصله أَن ابْن عمر توقف عَن الْجَزْم بجوابه، لتعارض الْأَدِلَّة عِنْده، وَيحْتَمل أَنه عرض للسَّائِل: بِأَن الِاحْتِيَاط لَك الْقَضَاء، فتجمع بَين أَمر الله وَهُوَ قَوْله: {فليوفوا نذورهم} (الْحَج: ٩٢) . وَبَين أَمر رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ أمره بترك صَوْم يومي الْعِيد، وَقَالَ الْخطابِيّ: قد تورع ابْن عمر عَن قطع الْفتيا فِيهِ. انْتهى. وَقيل: إِذا تلاقى الْأَمر وَالنَّهْي فِي مَحل قدم النَّهْي. وَقيل: يحْتَمل أَن يكون ابْن عمر أَرَادَ أَن كلاًّ من الدَّلِيلَيْنِ يعْمل بِهِ، فيصوم يَوْمًا مَكَان يَوْم النّذر، وَيتْرك صَوْم يَوْم الْعِيد. وَقيل: إِن ابْن عمر نبه على أَن الْوَفَاء بِالنذرِ عَام، وَالْمَنْع من صَوْم يَوْم الْعِيد خَاص، فَكَأَنَّهُ أفهمهُ أَنه يقْضِي بالخاص على الْعَام، ورد عَلَيْهِ بِأَن النَّهْي عَن صَوْم يَوْم الْعِيد فِيهِ أَيْضا عُمُوم للمخاطبين، وَلكُل عيد، فَلَا يكون من حمل الْخَاص على الْعَام.
٥٩٩١ - حدَّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهَالٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ المَلِكِ بنُ عُمَيْرٍ قَالَ سَمِعْتُ قَزَعَةَ قَالَ سَمِعْتُ أبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ وكانَ غَزَا مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً قَالَ سَمِعْتُ أرْبَعا مِنَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأعْجَبْنَنِي قَالَ لَا تُسَافِرِ المَرأةُ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ إلَاّ ومَعَهَا زَوْجُهَا أوْ ذُو مَحْرَمٍ ولَا صَوْمَ فِي يَوْمَيْنِ الْفِطْرِ والأضْحَى ولَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ولَا بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ ولَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَاّ إلَى ثَلَاثَةِ مَساجِدَ مَسْجِدِ الحَرَامِ ومَسْجِدِ الأقْصَى ومَسْجِدي هَذا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا صَوْم فِي يَوْمَيْنِ الْفطر والأضحى) وَهَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه قد مضى فِي أَوَاخِر الصَّلَاة فِي: بَاب مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْوَلِيد عَن شعبه عَن عبد الْملك عَن قزعة مولى زِيَاد، قَالَ: سَمِعت أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ ... إِلَى آخِره. وَقَوله: (وَكَانَ غزا مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثِنْتَيْ عشرَة غَزْوَة) ، لَيْسَ هُنَاكَ. وَبعد قَوْله: (فأعجبنني وآنقني) هُنَاكَ، وَالْبَاقِي سَوَاء، وَقد بسطنا الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصىً.
وقزعة، بِفَتْح الْقَاف وَالزَّاي وَالْعين الْمُهْملَة: هُوَ ابْن يحيى، وَهَذَا الحَدِيث مُشْتَمل على أَحْكَام، وَالْغَرَض من إِيرَاده هُنَا حكم الصَّوْم. وَقَالَ بَعضهم: وَاسْتدلَّ بِهِ على جَوَاز صِيَام أَيَّام التَّشْرِيق للإقتصار فِيهِ على ذكر يومي الْفطر والنحر خَاصَّة! قلت: لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا الِاسْتِدْلَال، لِأَن الأَصْل جَوَاز الصَّوْم فِي الْأَيَّام كلهَا، وَلَكِن جَاءَ النَّهْي عَن صَوْم يومي الْفطر والأضحى وَصَوْم أَيَّام التَّشْرِيق أَيْضا على مَا يَجِيء بَيَانه مَعَ الْخلاف فِيهِ.