«أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٠٠

الحديث رقم ٢٠٠ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الوضوء من التور.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا…

«أَنَّ النَّبِيَّ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ، فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ فِيهِ، قَالَ أَنَسٌ: فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الْمَاءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، قَالَ أَنَسٌ: فَحَزَرْتُ مَنْ تَوَضَّأَ مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ إِلَى الثَّمَانِينَ».

إسناد حديث: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا…

٢٠٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ:

شرح حديث: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (كَانَ عَمِّي) هُوَ عَمْرُو بْنُ أَبِي حَسَنٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ عَمُّهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ.

قَوْلُهُ (ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ فَمَضْمَضَ) فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ، ثُمَّ أَخْرَجَهَا فَمَضْمَضَ. وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ مُسْلِمٌ.

قَوْلُهُ: (مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ) يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلُّ مَرَّةٍ مِنْ غَرْفَةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالْأَوَّلُ مُوَافِقٌ لِبَاقِي الرِّوَايَاتِ فَهُوَ أَوْلَى.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ)؛ أَيْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ (هَكَذَا) هَذِهِ الزِّيَادَةُ صَرِيحَةٌ فِي رَفْعِ الْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَ أَوَّلُ سِيَاقِ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَيْهِ.

٢٠٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قال: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ، فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ فِيهِ، قال أَنَسٌ: فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الْمَاءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ. قال أَنَسٌ: فَحَزَرْتُ مَنْ تَوَضَّأَ مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ إِلَى الثَّمَانِينَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هُوَ ابْنُ زَيْدٍ وَلَمْ يَسْمَعْ مُسَدَّدٌ مِنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ.

قَوْلُهُ: (رَحْرَاحٌ) بِمُهْمَلَاتٍ الْأُولَى مَفْتُوحَةٌ بَعْدَهَا سُكُونٌ؛ أَيْ: مُتَّسِعُ الْفَمِ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الرَّحْرَاحُ الْإِنَاءُ الْوَاسِعُ الصَّحْنُ الْقَرِيبُ الْقَعْرُ، وَمِثْلُهُ لَا يَسَعُ الْمَاءَ الْكَثِيرَ فَهُوَ أَدَلُّ عَلَى عِظَمِ الْمُعْجِزَةِ. قُلْتُ: وَهَذِهِ الصِّفَةُ شَبِيهَةٌ بِالطَّسْتِ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ هَذَا الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ.

وَرَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَةَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، فَقَالَ بَدَلَ رَحْرَاحٍ زُجَاجٍ بِزَايٍ مَضْمُومَةٍ وَجِيمَيْنِ، وَبَوَّبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءَ مِنْ آنِيَّةِ الزُّجَاجِ ضِدَّ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ مِنَ الْمُتَصَوِّفَةِ أَنَّ ذَلِكَ إِسْرَافٌ لِإِسْرَاعِ الْكَسْرِ إِلَيْهِ. قُلْتُ: وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ تَفَرَّدَ بِهَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، وَخَالَفَهُ أَصْحَابُ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ فَقَالُوا رَحْرَاحٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَاسِعُ الْفَمِ وَهِيَ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَاجِيَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى، وَإِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْرَائِيلَ، وَأَحْمَدَ بْنِ عَبْدَةَ كُلُّهُمْ عَنْ حَمَّادٍ، وَكَأَنَّهُ سَاقَهُ عَلَى لَفْظِ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى، وَصَرَّحَ جَمْعٌ مِنَ الْحُذَّاقِ بِأَنَّ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدَةَ صَحَّفَهَا، وَيُقَوِّي ذَلِكَ أَنَّهُ أَتَى فِي رِوَايَتِهِ بِقَوْلِهِ أَحْسَبُهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُتْقِنْهُ، فَإِنْ كَانَ ضَبَطَهُ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ رِوَايَتِهِ وَرِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونُوا وَصَفُوا هَيْئَتَهُ وَذَكَرَ هُوَ جِنْسَهُ.

وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمُقَوْقِسَ أَهْدَى لِلنَّبِيِّ قَدَحًا مِنْ زُجَاجٍ، لَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ.

قَوْلُهُ فَحَزَرْتُ بِتَقْدِيمِ الزَّايِ؛ أَيْ: قَدَّرْتُ، وَتَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ حُمَيْدٍ أَنَّهُمْ كَانُوا ثَمَانِينَ وَزِيَادَةً، وَهُنَا قال: مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ إِلَى الثَّمَانِينَ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ أَنَسًا لَمْ يَكُنْ يَضْبِطُ الْعِدَّةَ بَلْ كَانَ يَتَحَقَّقُ أَنَّهَا تُنِيفُ عَلَى السَّبْعِينَ، وَيَشُكُّ هَلْ بَلَغَتِ الْعَقْدَ الثَّامِنَ أَوْ تَجَاوَزَتْهُ، فَرُبَّمَا جَزَمَ بِالْمُجَاوَزَةِ حَيْثُ يَغْلِبُ ذَلِكَ عَلَى ظَنِّهِ.

وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى رَدِّ قَوْلِ مَنْ قال مِنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ: إِنَّ الْوُضُوءَ مُقَدَّرٌ بِقَدْرٍ مِنَ الْمَاءِ مُعَيَّنٍ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ الصَّحَابَةَ اغْتَرَفُوا مِنْ ذَلِكَ الْقَدَحِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ النَّابِعَ لَمْ يَكُنْ قَدْرُهُ مَعْلُومًا لَهُمْ فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ التَّقْدِيرِ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ تَعْقِيبِ الْمُصَنِّفِ هَذَا الْحَدِيثَ بِبَابِ الْوُضُوءِ بِالْمُدِّ، وَالْمُدُّ إِنَاءٌ يَسَعُ رِطْلًا وَثُلُثًا بِالْبَغْدَادِيِّ، قَالَهُ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَخَالَفَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ فَقَالُوا الْمُدُّ رِطْلَانِ.

٤٧ - بَاب الْوُضُوءِ بِالْمُدِّ

٢٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قال: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، قال: حَدَّثَنِي ابْنُ جَبْرٍ، قال: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ يَغْسِلُ - أَوْ كَانَ يَغْتَسِلُ - بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ وَيَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

شيءٌ (مِنْ مَاءٍ، فَكَفَأَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثَ مِرَارٍ (١)) وفي رواية أبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «مرَّاتٍ (٢)» (ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ) ثمَّ أخرجها (فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ) بعد الاستنشاق (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) حال كونه (مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «مرارٍ»، وهذه إحدى الكيفيَّات الخمس السَّابقة (ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ) بالإفراد (فَاغْتَرَفَ بِهَا) ثلاثًا، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «ثمَّ (٣) أدخل يديه فاغترف بهما» (فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) وللأَصيليِّ والحَمُّويي والمُستملي (٤): «مرارٍ» (ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ) بالإفراد، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «بيديه» (مَاءً فَمَسَحَ بِهِ رَأْسَهُ فَأَدْبَرَ) وللأَصيليِّ: «وأدبر به» أي: بالماء، وللأَصيليِّ وأبوَي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «بيديه» (٥) (وَأَقْبَلَ) وفي الرِّواية السَّابقة [خ¦١٨٥] بتقديم (٦) الإقبال، ففعل كلًّا من المختلفين لبيان الجواز والتَّيسير (ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ) مع كعبيه، وللأَصيليِّ: «رجله» (فَقَالَ) أي: عبد الله بن زيدٍ، وللأَصيليِّ: «وقال»: (هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ يَتَوَضَّأُ) وهذا الحديث من الخماسيَّات.

٢٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) أي: ابن زيدٍ، لا حمَّاد بن

سلمة لأنَّه لم يسمعه منه (١) مُسدَّدٌ (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ، بضمِّ المُوَحَّدة وبالنُّونين (عَنْ أَنَسٍ) هو (٢) ابن مالكٍ : (أَنَّ رَسُولَ اللهِ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُتِيَ) بضمِّ الهمزة (بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ) بمُهْمَلاتٍ الأولى مفتوحةٌ بعدها ساكنةٌ، أي: متَّسِع الفم، أو الواسع الصَّحن، القريب القعر (فِيهِ شَيْءٌ) قليلٌ (مِنْ مَاءٍ) وعند ابن خزيمة عن أحمد بن عبدة عن حمَّاد بن زيدٍ: «قدحٌ من (٣) زجاجٍ» بزايٍ مضمومةٍ وجيمين، بدل قوله: «رحراحٍ» المُتَّفَق عليها عند أصحاب حمَّاد بن زيدٍ ما عدا أحمد بن عبدة، فإن ثبتت روايته فيكون ذكر الجنس، والجماعةُ وصفوا الهيئة، ويؤيِّده ما في «مُسنَد أحمد» من حديث ابن عبَّاسٍ: «أنَّ المقوقس أهدى للنَّبيِّ قدحًا من زجاجٍ» لكن في إسناده مقالٌ كما نبَّه عليه في «الفتح». (فَوَضَعَ) النَّبيُّ (أَصَابِعَهُ فِيهِ) أي: في الماء (قَالَ أَنَسٌ) : (فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى المَاءِ يَنْبَُِعُ) بتثليث المُوَحَّدة، واقتصر في الفرع على الضَّمِّ (مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ) (قَالَ أَنَسٌ) : (فَحَزَرْتُ) بتقديم الزَّايِ على الرَّاء، مِنَ الحَزْر، أي: قدَّرت (مَنْ تَوَضَّأَ مِنْهُ مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ إِلَى الثَّمَانِينَ) وفي رواية حُمَيْدٍ السَّابقة [خ¦١٩٥]: أنَّهم كانوا ثمانين وزيادةً، وفي حديث جابرٍ:

كنَّا خمس عشرة مئةٍ، ولغيره: زُهاء ثلاثِ مئةٍ، فهي وقائعُ متعدِّدةٌ في أماكنَ مختلفةٍ وأحوالٍ مُتغايرَةٍ، وتأتي مباحث ذلك إن شاء الله تعالى في «باب علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٧٢].

ورواة هذا الحديث الأربعة كلُّهم أجلَّاء بصريُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ في «الفضائل النَّبويَّة»، ووجه مُطابقَته لِمَا ترجم له المؤلِّف من جهة إطلاق اسم التَّور (١) على القَدَح، فاعلمه.

(٤٧) (بابُ الوُضُوءِ بِالمُدِّ) بضمِّ الميم وتشديد الدَّال.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وُجُوبه على غَيره بِالطَّرِيقِ الاولى. الثَّانِي: فِيهِ لبَعض الضرات أَن تهب نوبتها للضرة الْأُخْرَى. الثَّالِث: فِيهِ اسْتِحْبَاب الْوَصِيَّة. الرَّابِع: فِيهِ جَوَاز الإجلاس فِي المخضب وَنَحْوه لأجل صب المَاء عَلَيْهِ، سَوَاء كَانَ من خشب أَو حجر أَو نُحَاس، وَقد رُوِيَ عَن ابْن عمر كَرَاهَة الْوضُوء فِي النّحاس، وَقد ذَكرْنَاهُ وَقد رُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ: أَنا أتوضأ بِالنُّحَاسِ وَمَا يكره مِنْهُ شَيْء إلَاّ رَائِحَته فَقَط. وَقيل: الْكَرَاهَة فِيهِ لِأَن المَاء يتَغَيَّر فِيهِ، وَرُوِيَ أَن الْمَلَائِكَة تكره ريح النّحاس. وَقيل: يحْتَمل أَن تكون الْكَرَاهَة فِيهِ لِأَنَّهُ مستخرج من معادن الأَرْض شَبيه بِالذَّهَب وَالْفِضَّة، وَالصَّوَاب: جَوَاز اسْتِعْمَاله بِمَا ذكرنَا من رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة، وَفِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الأسوة الْحَسَنَة وَالْحجّة الْبَالِغَة. الْخَامِس: فِيهِ إِرَاقَة المَاء على الْمَرِيض بنية التَّدَاوِي وَقصد الشِّفَاء. السَّادِس: فِيهِ دلَالَة على فضل عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، لتمريض النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي بَيتهَا. السَّابِع: فِيهِ إِشَارَة إِلَى جَوَاز الرقي والتداوي للعليل، وَيكرهُ ذَلِك لمن لَيْسَ بِهِ عِلّة. الثَّامِن: فِيهِ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يشْتَد بِهِ الْمَرَض ليعظم الله أجره بذلك، وَفِي الحَدِيث الآخر: (إِنِّي أوعك كَمَا يوعك رجلَانِ مِنْكُم) . التَّاسِع: فِيهِ جَوَاز الْأَخْذ بِالْإِشَارَةِ. الْعَاشِر: فِيهِ أَن الْمَرِيض تسكن نَفسه لبَعض أَهله دون بعض.

الأسئلة والاجوبة: الأول: مَا كَانَت الْحِكْمَة فِي طلب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم المَاء فِي مَرضه؟ أُجِيب: بِأَن الْمَرِيض إِذا صب عَلَيْهِ المَاء الْبَارِد ثَابت إِلَيْهِ قوته، لَكِن فِي مرض يَقْتَضِي ذَلِك، وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم علم ذَلِك فَلذَلِك طلب المَاء، وَلذَلِك بعد اسْتِعْمَال المَاء قَامَ وَخرج إِلَى النَّاس. الثَّانِي: مَا الْحِكْمَة فِي تعْيين الْعدَد بالسبعة فِي الْقرب؟ أُجِيب: بِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون ذَلِك من نَاحيَة التَّبَرُّك، وَفِي عدد السَّبع بركَة، لِأَن لَهُ دُخُولا كثيرا فِي كثير من أُمُور الشَّرِيعَة، وَلِأَن الله تَعَالَى خلق كثيرا من مخلوقاته سبعا. قلت: نِهَايَة الْعدَد عشرَة، وَالْمِائَة تتركب من العشرات، والالوف من المئات، والسبعة من وسط الْعشْرَة، وَخير الْأُمُور أوساطها، وَهِي وتر، وَالله تَعَالَى يحب الْوتر، بِخِلَاف السَّادِس وَالثَّامِن، وَأما التَّاسِع فَلَيْسَ من الْوسط وَإِن كَانَ وترا. الثَّالِث: مَا الْحِكْمَة فِي تعْيين الْقرب؟ أُجِيب: بِأَن المَاء يكون فِيهَا مَحْفُوظًا وَفِي مَعْنَاهَا مَا يشاكلها مِمَّا يحفظ فِيهِ المَاء، وَلِهَذَا جَاءَ فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ فِي هَذَا الحَدِيث من آبار شَتَّى. الرَّابِع: مَا الْحِكْمَة فِي شَرطه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي الْقرب عدم حل أوكيتهن؟ أُجِيب: بِأَن أولى المَاء أطهره وأصفاه، لِأَن الْأَيْدِي لم تخالطه وَلم تدنسه بعد، والقرب إِنَّمَا توكى وَتحل على ذكر الله تَعَالَى، فَاشْترط أَن يكون صب المَاء عَلَيْهِ من الأسقية الَّتِي لم تحلل ليَكُون قد جمع بركَة الذّكر فِي شدها وحلها مَعًا. الْخَامِس: مَا الْحِكْمَة فِي أَن عَائِشَة، رَضِي الله عَنْهَا، قَالَت: (وَرجل آخر) وَلم تعينه، مَعَ أَنه كَانَ هُوَ عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ؟ أُجِيب: بِأَنَّهُ كَانَ فِي قَلبهَا مِنْهُ مَا يحصل فِي قُلُوب الْبشر مِمَّا يكون سَببا فِي الْإِعْرَاض عَن ذكر اسْمه، وَجَاء فِي رِوَايَة: (بَين الْفضل ابْن عَبَّاس) ، وَفِي أُخْرَى: (بَين رجلَيْنِ أَحدهمَا أُسَامَة) ، وَطَرِيق الْجمع أَنهم كَانُوا يتناوبون الْأَخْذ بِيَدِهِ الْكَرِيمَة، تَارَة هَذَا وَتارَة هَذَا، وَكَانَ الْعَبَّاس أَكْثَرهم أخذا بِيَدِهِ الْكَرِيمَة، لِأَنَّهُ كَانَ أدومهم لَهَا إِكْرَاما لَهُ واختصاصاً بِهِ، وَعلي وَأُسَامَة وَالْفضل يتناوبون الْيَد الْأُخْرَى، فعلى هَذَا يُجَاب بِأَنَّهَا صرحت بِالْعَبَّاسِ وأبهمت الآخر لكَوْنهم ثَلَاثَة، وَهَذَا الْجَواب أحسن من الاول. السَّادِس: قَالَ الْكرْمَانِي: أَيْن ذكر الْخشب فِي هَذِه الاحاديث الَّتِي فِي هَذَا الْبَاب؟ ثمَّ أجَاب بقوله: لَعَلَّ الْقدح كَانَ من الْخشب.

٤٦ - (بابُ الوُضُوء مِنَ التَّوْرِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْوضُوء من التور، وَقد مر تَفْسِير التور مُسْتَوفى، وَوَقع فِي حَدِيث شريك عَن أنس فِي الْمِعْرَاج فَأتى بطشت من ذهب فِيهِ تور من ذهب، فَدلَّ هَذَا أَن التور غير الطشت، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن يكون التور إبريقاً وَنَحْوه، لِأَن الطشت لَا بُد لَهُ من ذَلِك. والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة.

١٩٩ - حدّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ قالَ حدّثنا سُلَيْمانُ قالَ حدّثنى عَمْرُو بنُ يَحْيَ عَنْ أبِيهِ قالَ كانَ عَمِّي يُكْثِرُ مِنَ الوُضُوءِ قَالَ لَعَبْدِ اللَّهِ بن زَيْدٍ أَخْبِرْنِي كَيْفَ رَأيْتَ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَتَوضَّأُ فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ ماءٍ فَكَفَأَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلاثَ مِرَارٍ ثُمَّ أدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ فَمضْمَضَ واسْتَنْثَرَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَرْفَةٍ واحِدَةٍ ثُمَّ أدْخَلَ يَدَهُ فاغْتَرَفَ بِها فَغَسَلَ وَجْهَهُ

ثَلاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ أخَذَ بِيَدِهِ مَاء فَمَسَحَ رَأْسَهُ فأدْبَرَ بِهِ وأقْبَلَ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ فقالَ هَكَذَا رَأيْتُ النَّبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَتَوَضَّأُ..

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: خَالِد بن مخلد، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح اللَّام: الْقَطوَانِي البَجلِيّ، مر فِي أول كتاب الْعلم. الثَّانِي: سُلَيْمَان بن بِلَال أَبُو مُحَمَّد، مر فِي أول كتاب الْإِيمَان. الثَّالِث: عَمْرو بن يحيى. الرَّابِع: يحيى بن عمَارَة. الْخَامِس: عَم يحيى هُوَ عَمْرو بن أبي حسن، كَمَا تقدم.

وَبَقِيَّة الْكَلَام فِيهِ وَفِيمَا يتَعَلَّق بِالْحَدِيثِ مر فِي بَاب مسح الرَّأْس كُله، ولنذكر هُنَا مَا لم نذكرهُ هُنَاكَ.

قَوْله: (ثَلَاث مَرَّات) وَفِي رِوَايَة: (ثَلَاث مَرَّات) ، فَإِن قلت: حكم الْعدَد فِي ثَلَاثَة إِلَى عشرَة أَن يُضَاف إِلَى جمع الْقلَّة، فَلم أضيف إِلَى جمع الْكَثْرَة مَعَ وجود الْقلَّة وَهُوَ: مَرَّات؟ قلت: هما يتعاوضان فيستعمل كل مِنْهُمَا مَكَان الآخر كَقَوْلِه تَعَالَى: {ثَلَاثَة قُرُوء} (الْبَقَرَة: ٢٢٨) . قَوْله: (ثمَّ ادخل يَده فِي التور فَمَضْمض) فِيهِ حذف تَقْدِيره: ثمَّ أخرجهَا فَمَضْمض، وَقد صرح بِهِ مُسلم فِي رِوَايَته. قَوْله: (واستنثر) قد مر تَفْسِير الاستنثار هُنَاكَ. فَإِن قلت: لِمَ لَمْ يذكر الِاسْتِنْشَاق؟ قلت: الاستنثار مُسْتَلْزم للاستنشاق لِأَنَّهُ إِخْرَاج المَاء من الْأنف، هَكَذَا قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: لَا يَتَأَتَّى هَذَا على قَول من يَقُول: الاستنثار وَالِاسْتِنْشَاق وَاحِد، فعلى قَول هَذَا يكون هَذَا من بَاب الِاكْتِفَاء أَو الِاعْتِمَاد على الرِّوَايَة الاخرى. قَوْله: (من غرفَة وَاحِدَة) حَال من الضَّمِير الَّذِي فِي: (مضمض) ، وَالْمعْنَى: مضمض ثَلَاث مَرَّات واستنثر ثَلَاث مَرَّات حَال كَونه مغترفاً بغرفة وَاحِدَة وَهُوَ أحد الْوُجُوه الْخَمْسَة للشَّافِعِيَّة. وَقَالَ بَعضهم قَوْله (من غرفَة وَاحِدَة) يتَعَلَّق بقوله: (فَمَضْمض واستنثر) ، وَالْمعْنَى جمع بَينهمَا بِثَلَاث مَرَّات من غرفَة وَاحِدَة كل مرّة بغرفة. قلت: يكون الْجَمِيع ثَلَاث غرفات، والتركيب لَا يدل على هَذَا، وَهُوَ يُصَرح بغرفة وَاحِدَة. نعم، جَاءَ فِي حَدِيث عبد الله بن زيد: بِثَلَاث غرفات، وَفِي رِوَايَة ابي دَاوُد وَمُسلم: (فَمَضْمض واستنشق من كف وَاحِدَة، يفعل ذَلِك ثَلَاثًا) . يَعْنِي: بِفعل الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق كل مرّة مِنْهُمَا بغرفة، فَتكون المضامض الثَّلَاث والاستنشاقات الثَّلَاث بِثَلَاث غرفات، وَهُوَ أحد الْوُجُوه للشَّافِعِيَّة وَهُوَ الْأَصَح عِنْدهم قَوْله: (فَغسل وَجهه ثَلَاث مَرَّات) لفظ: ثَلَاث مَرَّات، مُتَعَلق بالفعلين اي: اغترف ثَلَاثًا فَغسل ثَلَاثًا، وَهُوَ على سَبِيل تنَازع العاملين، وَذَلِكَ لِأَن الْغسْل ثَلَاثًا لَا يُمكن باغتراف وَاحِد. قَوْله: (فَأَدْبَرَ بيدَيْهِ وَأَقْبل) ، احْتج بِهِ الْحسن بن حَيّ على أَن الْبدَاءَة بمؤخر الرَّأْس، وَالْجَوَاب أَن: الْوَاو، لَا تدل على التَّرْتِيب، وَقد سبقت الرِّوَايَة بِتَقْدِيم الإقبال حَيْثُ قَالَ: (فَأقبل بِيَدِهِ وَأدبر بهَا) ، وَإِنَّمَا اخْتلف فعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي التَّأْخِير والتقديم ليري أمته السعَة فِي ذَلِك والتيسير لَهُم. قَوْله: (فَقَالَ) ، أَي: عبد الله بن زيد.

٢٠٠ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قالَ حدّثنا حَمَّادٌ عَنْ ثابِتٍ عَنْ أنَسٍ أنّ النَّبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دَعا بِاناءٍ مِنْ ماءٍ فُاتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ فِيهِ شَيءٌ مِنْ ماءٍ فَوَضَعَ أصَابِعَهُ فِيهِ قَالَ أنَسٌ فَجَعَلْتُ أنْظُرُ إلَى المَاءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أصَابِعِه قالَ أنَسٌ فَحَزَرْتُ مَنْ تَوضَّأَ مِنْهُ مَا بَيْنَ السَّبْعِين إِلَى الثَّمَانِينِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة غير ظَاهِرَة لِأَن التَّرْجَمَة بَاب الْوضُوء من التور، اللَّهُمَّ إلَاّ إِذا أطلق اسْم التور على الْقدح.

بَيَان رِجَاله وهم أَرْبَعَة. الأول: مُسَدّد بن مسهرد. الثَّانِي: حَمَّاد بن زيد، تقدم كِلَاهُمَا. فَإِن قلت: فَلِمَ لَا يجوز أَن يكون حَمَّاد هَذَا هُوَ حَمَّاد ابْن سَلمَة؟ قلت: لِأَن مُسَددًا لم يسمع من حَمَّاد بن سَلمَة. الثَّالِث: ثَابت الْبنانِيّ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وبالنونين، مر فِي بَاب الْقِرَاءَة الْعرض. الرَّابِع: أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَمِنْهَا: أَنهم كلهم أَئِمَّة أجلاء.

بَيَان من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي.

بَيَان الْمَعْنى قَوْله: (رحراح) ، بِفَتْح الرَّاء وبالحاءين الْمُهْمَلَتَيْنِ أَي: وَاسع، وَيُقَال: رحرح أَيْضا بِحَذْف الْألف. وَقَالَ الْخطابِيّ: الرحراح: الْإِنَاء الْوَاسِع الْفَم الْقَرِيب القعر، وَمثله لَا يسع المَاء الْكثير، فَهُوَ أدل على المعجزة. وروى ابْن خُزَيْمَة هَذَا الحَدِيث عَن أَحْمد بن عَبدة عَن حَمَّاد بن زيد، فَقَالَ بدل رحراح: زجاج، بزاي مَضْمُومَة وجيمين،

وَبَوَّبَ عَلَيْهِ الْوضُوء من آنِية الزّجاج، وَفِي مُسْنده عَن ابْن عَبَّاس أَن الْمُقَوْقس أهْدى للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قدحاً من زجاج، لَكِن فِي إِسْنَاده مقَال. قَوْله: (فِيهِ شَيْء من مَاء) أَي: قَلِيل من مَاء، لِأَن التَّنْوِين للتقليل، وَمن، للتَّبْعِيض. قَوْله: (يَنْبع) يجوز فِيهِ فتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَضمّهَا وَكسرهَا. قَوْله: (فحزرت) من الحزر، بِتَقْدِيم الزَّاي على الرَّاء، وَهُوَ: الْخرص. وَالتَّقْدِير قَوْله: (من) . فِي مَحل النصب على المفعولية قَوْله (مَا بَين السّبْعين إِلَى الثَّمَانِينَ) وَتقدم من رِوَايَة حميد أَنهم كَانُوا ثَمَانِينَ وَزِيَادَة، وَالْجمع بَينهمَا أَن أنسا لم يكن يضْبط الْعدة بل كَانَ يتَحَقَّق أَنَّهَا تنيف على السّبْعين، ويشك هَل بلغت العقد الثَّامِن أَو جاوزته، كَذَا قَالَ بَعضهم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: ورد أَيْضا عَن جَابر ثمَّة: (كُنَّا خَمْسَة عشر وَمِائَة) ، وَهَذِه قضايا مُتعَدِّدَة فِي مَوَاطِن مُخْتَلفَة وأحوال مُتَغَايِرَة، وَهَذَا أوجه من ذَاك، وَيُسْتَفَاد من هَذَا بلاغه معجزته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ أبلغ من تفجير المَاء من الْحجر لمُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لِأَن فِي طبع الْحِجَارَة أَن يخرج مِنْهَا المَاء الغدق الْكثير، وَلَيْسَ ذَلِك فِي طباع أَعْضَاء بني آدم.

٤٧ - (بابُ الوُضُوءِ بالمُدِّ)

أَي: هَذَا بَاب الْوضُوء بِالْمدِّ، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الدَّال: وَالْمدّ، اخْتلفُوا فِيهِ. فَقيل: الْمَدّ رَطْل وَثلث بالعراقي، وَبِه يَقُول الشَّافِعِي وفقهاء الْحجاز. وَقيل: هُوَ رطلان، وَبِه يَقُول أَبُو حنيفَة وفقهاء الْعرَاق. وَقَالَ بَعضهم: وَخَالف بعض الحنيفة، فَقَالَ: الْمَدّ رطلان. قلت: مَذْهَب أبي حنيفَة أَن الْمَدّ رطلان، وَهَذَا الْقَائِل لم يبين الْمُخَالف من هُوَ، وَمَا خَالف أَبُو حنيفَة أصلا لِأَنَّهُ يسْتَدلّ فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ جَابر، قَالَ: (كَانَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يتَوَضَّأ بِالْمدِّ رطلين ويغتسل بالصاع ثَمَانِيَة أَرْطَال) . أخرجه ابْن عدي، وَبِمَا رَوَاهُ عَن أنس، قَالَ: (كَانَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يتَوَضَّأ بِمد رطلين ويغتسل بالصاع ثَمَانِيَة أَرْطَال) ، أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ.

٢٠١ - حدّثنا أبُو نعَيْمٍ قالَ حدّثنا مِسْعَرٌ قالَ حدّثنى ابنُ جَبْرٍ قالَ سَمِعْتُ أنَساً يَقُولُ كَانَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَغْسِلُ أوْ كانَ يغْتسِلُ بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ أمْدَادٍ وَيَتَوَضَّأُ بالمُدِّ.

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

بَيَان رِجَاله وهم أَرْبَعَة الأول: أَبُو نعيم، بِضَم النُّون: هُوَ الْفضل بن دُكَيْن، تقدم فِي بَاب فضل من اسْتَبْرَأَ لدينِهِ فِي كتاب الْإِيمَان. الثَّالِث: مسعر، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة: ابْن كدام، بِكَسْر الْكَاف وبالدال الْمُهْملَة. وَقَالَ أَبُو نعيم: كَانَ مسعر شكاكاً فِي حَدِيثه. وَقَالَ شُعْبَة: كُنَّا نسمي مسعرَ المصحفَ لصدقه. وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن سعد: كَانَ شُعْبَة وسُفْيَان إِذا اخْتلفَا فِي شَيْء. قَالَ: اذْهَبْ بِنَا إِلَى الْمِيزَان: مسعر. مَاتَ سنة خمس وَخمسين وَمِائَة. الثَّالِث: ابْن جبر، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة، وَالْمرَاد بِهِ: سبط جبر لِأَنَّهُ عبد الله بن عبد الله جبر بن عتِيك، تقدم فِي بَاب عَلامَة الايمان حب الْأَنْصَار، وَمن قَالَ بِالتَّصْغِيرِ فقد صحف، لِأَن ابْن جُبَير، وَهُوَ ابْن سعيد لَا رِوَايَة لَهُ عَن أنس فِي هَذَا الْكتاب، وَقد روى هَذَا الحَدِيث الاسماعيلي من طَرِيق ابي نعيم، شيخ البُخَارِيّ، قَالَ: حَدثنَا مسعر، قَالَ: حَدثنِي شيخ من الْأَنْصَار يُقَال لَهُ: ابْن جبر، وَيُقَال لَهُ: جَابر ابْن عتِيك. الرَّابِع: أنس بن مَالك، رَضِي الله عَنهُ.

بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وَالسَّمَاع. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ كوفيان: أَبُو نعيم ومسعر، وبصريان: ابْن جبر وَأنس. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ من ينْسب إِلَى جده.

بَيَان اللُّغَات وَالْمعْنَى قَوْله: (أنسا) بِالتَّنْوِينِ، لِأَنَّهُ منصرف وقعع مَفْعُولا. قَالَ الْكرْمَانِي فِي بَعْضهَا: أنس، بِدُونِ الْألف، وَجوز حذف الْألف مِنْهُ فِي الْكِتَابَة للتَّخْفِيف. قلت: لَا بُد من التَّنْوِين وَإِن كَانَت الْألف لَا تكْتب. قَوْله: (يغسل) أَي: يغسل جسده. قَوْله: (أَو يغْتَسل) شكّ من الرَّاوِي. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الشَّك من ابْن جبر أَنه ذكر لفظ النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَو لم يذكر، وَفِي أَنه قَالَ: يغسل أَو يغْتَسل، من بَاب الافتعال، وَالْفرق بَين الْغسْل والاغتسال مثل الْفرق بَين الْكسْب والاكتساب. وَقَالَ غَيره: وَالشَّكّ فِيهِ من البُخَارِيّ، اَوْ من أبي نعيم لما حَدثهُ بِهِ، فقد رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ م طَرِيق ابي نعيم وَلم يشك، فَقَالَ: يغْتَسل. قلت: الظَّاهِر أَن هَذَا من النَّاسِخ لِأَن الْإِسْمَاعِيلِيّ لم يروه بِالشَّكِّ، فنسبته إِلَى البُخَارِيّ، أَو إِلَى شَيْخه أَو إِلَى ابْن جبر تَرْجِيح بِلَا مُرَجّح، فَلم لَا ينْسب إِلَى مسعر. قَوْله: (بالصاع) قَالَ الْجَوْهَرِي: الصَّاع هُوَ الَّذِي يُكَال بِهِ، وَهُوَ: أَرْبَعَة أَمْدَاد

إِلَى خَمْسَة أَمْدَاد. وَقَالَ ابْن سَيّده: الصَّاع مكيال لأهل الْمَدِينَة، يَأْخُذ أَرْبَعَة أَمْدَاد، يذكر وَيُؤَنث، وَجمعه: أصوع وأصواع وصيعان وصواع، كالصاع. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الصَّاع مكيال يسع أَرْبَعَة أَمْدَاد، وَالْمدّ مُخْتَلف فِيهِ، وَفِي (الْجَامِع) : تصغيره صويع، فِيمَن ذكَّر، وصويعة فِيمَن أنَّث، وَجمع التَّذْكِير أصواع وأصوع فِي التَّذْكِير، وأصوع فِي التَّأْنِيث. وَفِي (الجمهرة) : أصوع فِي أُذُنِي الْعدَد. وَقَالَ ابْن بري فِي (تَلْخِيص اغلاط الْفُقَهَاء) : الصَّوَاب فِي جمع صَاع أصوع. وَقَالَ ابْن قرقول: جَاءَ فِي أَكثر الرِّوَايَات: آصَع. قلت: أصل الصَّاع صوع، قلبت الْوَاو ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا، وَفِيه ثَلَاث لُغَات: صَاع، وصوع على الأَصْل، وصواع؛ وَالْجمع: أصوع، وَإِن شِئْت أبدلت من الْوَاو المضمومة همزَة. قَوْله: (وَيتَوَضَّأ بِالْمدِّ) ، وَهُوَ ربع الصَّاع، وَيجمع على أَمْدَاد ومدد ومداد، وَيَأْتِي الْخلاف فِيهِ الْآن، وَقد مر بعضه عَن قريب.

بَيَان استنباط الحكم يستنبط مِنْهُ حكمان.

الأول: أَنه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَانَ يغْتَسل بالصاع فَيقْتَصر عَلَيْهِ وَرُبمَا يزِيد عَلَيْهِ إِلَى خَمْسَة أَمْدَاد، فَدلَّ ذَلِك أَن مَاء الْغسْل غير مُقَدّر بل يَكْفِي فِيهِ الْقَلِيل وَالْكثير إِذا أَسْبغ وَعم، وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِي: وَقد يرفق الْفَقِيه بِالْقَلِيلِ فَيَكْفِي، ويخرق الأخرق فَلَا يَكْفِي، وَلَكِن الْمُسْتَحبّ أَن لَا ينقص فِي الْغسْل وَالْوُضُوء عَمَّا ذكر فِي الحَدِيث. وَقَالَ بَعضهم: فَكَأَن أنسا لم يطلع على أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يسْتَعْمل فِي الْغسْل أَكثر من ذَلِك، لِأَنَّهُ جعلهَا النِّهَايَة. وَسَيَأْتِي حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنَّهَا كَانَت تَغْتَسِل هِيَ وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من إِنَاء وَاحِد وَهُوَ: الْفرق، وروى مُسلم من حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَيْضا أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يغْتَسل من إِنَاء يسع ثَلَاثَة أَمْدَاد. قلت: أنس، رَضِي الله عَنهُ، لم يَجْعَل مَا ذكره نِهَايَة لَا يتَجَاوَز عَنْهَا، وَلَا ينقص عَنْهَا وَإِنَّمَا حكى مَا شَاهده، وَالْحَال تخْتَلف بِقدر اخْتِلَاف الْحَاجة، وَحَدِيث الْفرق لَا يدل على أَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَا يغتسلان بِجَمِيعِ مَا فِي الْفرق. وَغَايَة مَا فِي الْبَاب أَنه يدل أَنَّهُمَا يغتسلان من إِنَاء وَاحِد يُسمى: فرقا، وكونهما يغتسلان مِنْهُ لَا يسْتَلْزم اسْتِعْمَال جَمِيع مَا فِيهِ من المَاء، وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي: ثَلَاثَة أَمْدَاد. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَفِيه رد على من قدر الْوضُوء وَالْغسْل بِمَا ذكر فِي حَدِيث الْبَاب: كَابْن شعْبَان من الْمَالِكِيَّة، وَكَذَا من قَالَ بِهِ من الْحَنَفِيَّة مَعَ مخالفتهم لَهُ فِي مِقْدَار الْمَدّ والصاع. قلت: لَا رد فِيهِ على من قَالَ بِهِ من الْحَنَفِيَّة، لِأَنَّهُ لم يقل ذَلِك بطرِيق الْوُجُوب، كَمَا قَالَ ابْن شعْبَان بطرِيق الْوُجُوب، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يجزىء أقل من ذَلِك. وَأما من قَالَ بِهِ من الْحَنَفِيَّة فَهُوَ مُحَمَّد بن الْحسن، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ: إِن المغتسل لَا يُمكن أَن يعم جسده بِأَقَلّ من مدر، وَهَذَا يخْتَلف باخْتلَاف أجساد الْأَشْخَاص، وَلِهَذَا جعل الشَّيْخ عز الدّين بن عبد السَّلَام للمتوضىء والمغتسل ثَلَاث أَحْوَال. أَحدهَا: أَن يكون معتدل الْخلق كاعتدال خلقه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فيقتدي بِهِ فِي اجْتِنَاب النَّقْص عَن الْمَدّ والصاع. الثَّانِيَة: أَن يكون ضئيلاً ونحيف الْخلق بِحَيْثُ لَا يعادل جسده جسده، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَيُسْتَحَب لَهُ أَن يسْتَعْمل من المَاء مَا يكون نسبته إِلَى جسده كنسبة الْمَدّ والصاع إِلَى جسده، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. الثَّانِيَة: أَن يكون متفاحش الْخلق طولا وعرضاً وَعظم الْبَطن وثخانة الْأَعْضَاء، فَيُسْتَحَب أَن لَا ينقص عَن مِقْدَار يكون بِالنِّسْبَةِ إِلَى بدنه كنسبة الْمَدّ والصاع إِلَى بدن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

ثمَّ إعلم أَن الرِّوَايَات مُخْتَلفَة فِي هَذَا الْبَاب، فَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد من حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: (أَن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَانَ يغْتَسل بالصاع وَيتَوَضَّأ بِالْمدِّ) . وَمن حَدِيث جَابر كَذَلِك، وَمن حَدِيث أم عمَارَة: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَوَضَّأ فَأتى بِإِنَاء فِيهِ مَاء قدر ثُلثي الْمَدّ) . وَفِي رِوَايَته عَن أنس: (كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يتَوَضَّأ بِإِنَاء يسع رطلين ويغتسل الصَّاع) . وَفِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي (صَحِيحَيْهِمَا) ، وَالْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) من حَدِيث عبد الله بن زيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أُتِي بِثُلثي مد من مَاء فَتَوَضَّأ، فَجعل يدلك ذِرَاعَيْهِ) . وَقَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ، وَلم يخرجَاهُ. وَقَالَ الثَّوْريّ: حَدِيث أم عمَارَة حسن. وَفِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله عَنْهَا: (كَانَت تَغْتَسِل هِيَ وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي إِنَاء وَاحِد يسع ثَلَاثَة أَمْدَاد) . وَفِي رِوَايَة: (من إِنَاء وَاحِد تخْتَلف أَيْدِينَا فِيهِ) وَفِي رِوَايَة (فدعَتْ بأناء قدر الصَّاع فاغتسلت فِيهِ) وَفِي آخِره كَانَت تَغْتَسِل بِخَمْسَة مكاكيك وتتوضأ بمكوك وَفِي اخرى: (تغسله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالصاع وتوضئه بِالْمدِّ) . وَفِي أُخْرَى: (يتَوَضَّأ بِالْمدِّ ويغتسل بالصاع إِلَى خَمْسَة أَمْدَاد) ، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ: (بِنَحْوِ من صَاع) ، وَفِي لفظ: (من قدح يُقَال لَهُ: الْفرق) ، وَعند النَّسَائِيّ فِي كتاب (التَّمْيِيز) : نَحْو ثَمَانِيَة أَرْطَال) . وَفِي (مُسْند) أَحْمد بن منيع: (حزرته ثَمَانِيَة أَو تِسْعَة أَو عشرَة أَرْطَال) .

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (كَانَ عَمِّي) هُوَ عَمْرُو بْنُ أَبِي حَسَنٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ عَمُّهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ.

قَوْلُهُ (ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ فَمَضْمَضَ) فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ، ثُمَّ أَخْرَجَهَا فَمَضْمَضَ. وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ مُسْلِمٌ.

قَوْلُهُ: (مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ) يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلُّ مَرَّةٍ مِنْ غَرْفَةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالْأَوَّلُ مُوَافِقٌ لِبَاقِي الرِّوَايَاتِ فَهُوَ أَوْلَى.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ)؛ أَيْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ (هَكَذَا) هَذِهِ الزِّيَادَةُ صَرِيحَةٌ فِي رَفْعِ الْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَ أَوَّلُ سِيَاقِ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَيْهِ.

٢٠٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قال: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ، فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ فِيهِ، قال أَنَسٌ: فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الْمَاءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ. قال أَنَسٌ: فَحَزَرْتُ مَنْ تَوَضَّأَ مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ إِلَى الثَّمَانِينَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هُوَ ابْنُ زَيْدٍ وَلَمْ يَسْمَعْ مُسَدَّدٌ مِنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ.

قَوْلُهُ: (رَحْرَاحٌ) بِمُهْمَلَاتٍ الْأُولَى مَفْتُوحَةٌ بَعْدَهَا سُكُونٌ؛ أَيْ: مُتَّسِعُ الْفَمِ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الرَّحْرَاحُ الْإِنَاءُ الْوَاسِعُ الصَّحْنُ الْقَرِيبُ الْقَعْرُ، وَمِثْلُهُ لَا يَسَعُ الْمَاءَ الْكَثِيرَ فَهُوَ أَدَلُّ عَلَى عِظَمِ الْمُعْجِزَةِ. قُلْتُ: وَهَذِهِ الصِّفَةُ شَبِيهَةٌ بِالطَّسْتِ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ هَذَا الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ.

وَرَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَةَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، فَقَالَ بَدَلَ رَحْرَاحٍ زُجَاجٍ بِزَايٍ مَضْمُومَةٍ وَجِيمَيْنِ، وَبَوَّبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءَ مِنْ آنِيَّةِ الزُّجَاجِ ضِدَّ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ مِنَ الْمُتَصَوِّفَةِ أَنَّ ذَلِكَ إِسْرَافٌ لِإِسْرَاعِ الْكَسْرِ إِلَيْهِ. قُلْتُ: وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ تَفَرَّدَ بِهَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، وَخَالَفَهُ أَصْحَابُ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ فَقَالُوا رَحْرَاحٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَاسِعُ الْفَمِ وَهِيَ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَاجِيَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى، وَإِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْرَائِيلَ، وَأَحْمَدَ بْنِ عَبْدَةَ كُلُّهُمْ عَنْ حَمَّادٍ، وَكَأَنَّهُ سَاقَهُ عَلَى لَفْظِ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى، وَصَرَّحَ جَمْعٌ مِنَ الْحُذَّاقِ بِأَنَّ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدَةَ صَحَّفَهَا، وَيُقَوِّي ذَلِكَ أَنَّهُ أَتَى فِي رِوَايَتِهِ بِقَوْلِهِ أَحْسَبُهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُتْقِنْهُ، فَإِنْ كَانَ ضَبَطَهُ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ رِوَايَتِهِ وَرِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونُوا وَصَفُوا هَيْئَتَهُ وَذَكَرَ هُوَ جِنْسَهُ.

وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمُقَوْقِسَ أَهْدَى لِلنَّبِيِّ قَدَحًا مِنْ زُجَاجٍ، لَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ.

قَوْلُهُ فَحَزَرْتُ بِتَقْدِيمِ الزَّايِ؛ أَيْ: قَدَّرْتُ، وَتَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ حُمَيْدٍ أَنَّهُمْ كَانُوا ثَمَانِينَ وَزِيَادَةً، وَهُنَا قال: مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ إِلَى الثَّمَانِينَ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ أَنَسًا لَمْ يَكُنْ يَضْبِطُ الْعِدَّةَ بَلْ كَانَ يَتَحَقَّقُ أَنَّهَا تُنِيفُ عَلَى السَّبْعِينَ، وَيَشُكُّ هَلْ بَلَغَتِ الْعَقْدَ الثَّامِنَ أَوْ تَجَاوَزَتْهُ، فَرُبَّمَا جَزَمَ بِالْمُجَاوَزَةِ حَيْثُ يَغْلِبُ ذَلِكَ عَلَى ظَنِّهِ.

وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى رَدِّ قَوْلِ مَنْ قال مِنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ: إِنَّ الْوُضُوءَ مُقَدَّرٌ بِقَدْرٍ مِنَ الْمَاءِ مُعَيَّنٍ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ الصَّحَابَةَ اغْتَرَفُوا مِنْ ذَلِكَ الْقَدَحِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ النَّابِعَ لَمْ يَكُنْ قَدْرُهُ مَعْلُومًا لَهُمْ فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ التَّقْدِيرِ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ تَعْقِيبِ الْمُصَنِّفِ هَذَا الْحَدِيثَ بِبَابِ الْوُضُوءِ بِالْمُدِّ، وَالْمُدُّ إِنَاءٌ يَسَعُ رِطْلًا وَثُلُثًا بِالْبَغْدَادِيِّ، قَالَهُ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَخَالَفَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ فَقَالُوا الْمُدُّ رِطْلَانِ.

٤٧ - بَاب الْوُضُوءِ بِالْمُدِّ

٢٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قال: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، قال: حَدَّثَنِي ابْنُ جَبْرٍ، قال: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ يَغْسِلُ - أَوْ كَانَ يَغْتَسِلُ - بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ وَيَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

شيءٌ (مِنْ مَاءٍ، فَكَفَأَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثَ مِرَارٍ (١)) وفي رواية أبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «مرَّاتٍ (٢)» (ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ) ثمَّ أخرجها (فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ) بعد الاستنشاق (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) حال كونه (مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «مرارٍ»، وهذه إحدى الكيفيَّات الخمس السَّابقة (ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ) بالإفراد (فَاغْتَرَفَ بِهَا) ثلاثًا، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «ثمَّ (٣) أدخل يديه فاغترف بهما» (فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) وللأَصيليِّ والحَمُّويي والمُستملي (٤): «مرارٍ» (ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ) بالإفراد، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «بيديه» (مَاءً فَمَسَحَ بِهِ رَأْسَهُ فَأَدْبَرَ) وللأَصيليِّ: «وأدبر به» أي: بالماء، وللأَصيليِّ وأبوَي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «بيديه» (٥) (وَأَقْبَلَ) وفي الرِّواية السَّابقة [خ¦١٨٥] بتقديم (٦) الإقبال، ففعل كلًّا من المختلفين لبيان الجواز والتَّيسير (ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ) مع كعبيه، وللأَصيليِّ: «رجله» (فَقَالَ) أي: عبد الله بن زيدٍ، وللأَصيليِّ: «وقال»: (هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ يَتَوَضَّأُ) وهذا الحديث من الخماسيَّات.

٢٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) أي: ابن زيدٍ، لا حمَّاد بن

سلمة لأنَّه لم يسمعه منه (١) مُسدَّدٌ (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ، بضمِّ المُوَحَّدة وبالنُّونين (عَنْ أَنَسٍ) هو (٢) ابن مالكٍ : (أَنَّ رَسُولَ اللهِ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُتِيَ) بضمِّ الهمزة (بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ) بمُهْمَلاتٍ الأولى مفتوحةٌ بعدها ساكنةٌ، أي: متَّسِع الفم، أو الواسع الصَّحن، القريب القعر (فِيهِ شَيْءٌ) قليلٌ (مِنْ مَاءٍ) وعند ابن خزيمة عن أحمد بن عبدة عن حمَّاد بن زيدٍ: «قدحٌ من (٣) زجاجٍ» بزايٍ مضمومةٍ وجيمين، بدل قوله: «رحراحٍ» المُتَّفَق عليها عند أصحاب حمَّاد بن زيدٍ ما عدا أحمد بن عبدة، فإن ثبتت روايته فيكون ذكر الجنس، والجماعةُ وصفوا الهيئة، ويؤيِّده ما في «مُسنَد أحمد» من حديث ابن عبَّاسٍ: «أنَّ المقوقس أهدى للنَّبيِّ قدحًا من زجاجٍ» لكن في إسناده مقالٌ كما نبَّه عليه في «الفتح». (فَوَضَعَ) النَّبيُّ (أَصَابِعَهُ فِيهِ) أي: في الماء (قَالَ أَنَسٌ) : (فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى المَاءِ يَنْبَُِعُ) بتثليث المُوَحَّدة، واقتصر في الفرع على الضَّمِّ (مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ) (قَالَ أَنَسٌ) : (فَحَزَرْتُ) بتقديم الزَّايِ على الرَّاء، مِنَ الحَزْر، أي: قدَّرت (مَنْ تَوَضَّأَ مِنْهُ مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ إِلَى الثَّمَانِينَ) وفي رواية حُمَيْدٍ السَّابقة [خ¦١٩٥]: أنَّهم كانوا ثمانين وزيادةً، وفي حديث جابرٍ:

كنَّا خمس عشرة مئةٍ، ولغيره: زُهاء ثلاثِ مئةٍ، فهي وقائعُ متعدِّدةٌ في أماكنَ مختلفةٍ وأحوالٍ مُتغايرَةٍ، وتأتي مباحث ذلك إن شاء الله تعالى في «باب علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٧٢].

ورواة هذا الحديث الأربعة كلُّهم أجلَّاء بصريُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ في «الفضائل النَّبويَّة»، ووجه مُطابقَته لِمَا ترجم له المؤلِّف من جهة إطلاق اسم التَّور (١) على القَدَح، فاعلمه.

(٤٧) (بابُ الوُضُوءِ بِالمُدِّ) بضمِّ الميم وتشديد الدَّال.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وُجُوبه على غَيره بِالطَّرِيقِ الاولى. الثَّانِي: فِيهِ لبَعض الضرات أَن تهب نوبتها للضرة الْأُخْرَى. الثَّالِث: فِيهِ اسْتِحْبَاب الْوَصِيَّة. الرَّابِع: فِيهِ جَوَاز الإجلاس فِي المخضب وَنَحْوه لأجل صب المَاء عَلَيْهِ، سَوَاء كَانَ من خشب أَو حجر أَو نُحَاس، وَقد رُوِيَ عَن ابْن عمر كَرَاهَة الْوضُوء فِي النّحاس، وَقد ذَكرْنَاهُ وَقد رُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ: أَنا أتوضأ بِالنُّحَاسِ وَمَا يكره مِنْهُ شَيْء إلَاّ رَائِحَته فَقَط. وَقيل: الْكَرَاهَة فِيهِ لِأَن المَاء يتَغَيَّر فِيهِ، وَرُوِيَ أَن الْمَلَائِكَة تكره ريح النّحاس. وَقيل: يحْتَمل أَن تكون الْكَرَاهَة فِيهِ لِأَنَّهُ مستخرج من معادن الأَرْض شَبيه بِالذَّهَب وَالْفِضَّة، وَالصَّوَاب: جَوَاز اسْتِعْمَاله بِمَا ذكرنَا من رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة، وَفِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الأسوة الْحَسَنَة وَالْحجّة الْبَالِغَة. الْخَامِس: فِيهِ إِرَاقَة المَاء على الْمَرِيض بنية التَّدَاوِي وَقصد الشِّفَاء. السَّادِس: فِيهِ دلَالَة على فضل عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، لتمريض النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي بَيتهَا. السَّابِع: فِيهِ إِشَارَة إِلَى جَوَاز الرقي والتداوي للعليل، وَيكرهُ ذَلِك لمن لَيْسَ بِهِ عِلّة. الثَّامِن: فِيهِ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يشْتَد بِهِ الْمَرَض ليعظم الله أجره بذلك، وَفِي الحَدِيث الآخر: (إِنِّي أوعك كَمَا يوعك رجلَانِ مِنْكُم) . التَّاسِع: فِيهِ جَوَاز الْأَخْذ بِالْإِشَارَةِ. الْعَاشِر: فِيهِ أَن الْمَرِيض تسكن نَفسه لبَعض أَهله دون بعض.

الأسئلة والاجوبة: الأول: مَا كَانَت الْحِكْمَة فِي طلب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم المَاء فِي مَرضه؟ أُجِيب: بِأَن الْمَرِيض إِذا صب عَلَيْهِ المَاء الْبَارِد ثَابت إِلَيْهِ قوته، لَكِن فِي مرض يَقْتَضِي ذَلِك، وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم علم ذَلِك فَلذَلِك طلب المَاء، وَلذَلِك بعد اسْتِعْمَال المَاء قَامَ وَخرج إِلَى النَّاس. الثَّانِي: مَا الْحِكْمَة فِي تعْيين الْعدَد بالسبعة فِي الْقرب؟ أُجِيب: بِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون ذَلِك من نَاحيَة التَّبَرُّك، وَفِي عدد السَّبع بركَة، لِأَن لَهُ دُخُولا كثيرا فِي كثير من أُمُور الشَّرِيعَة، وَلِأَن الله تَعَالَى خلق كثيرا من مخلوقاته سبعا. قلت: نِهَايَة الْعدَد عشرَة، وَالْمِائَة تتركب من العشرات، والالوف من المئات، والسبعة من وسط الْعشْرَة، وَخير الْأُمُور أوساطها، وَهِي وتر، وَالله تَعَالَى يحب الْوتر، بِخِلَاف السَّادِس وَالثَّامِن، وَأما التَّاسِع فَلَيْسَ من الْوسط وَإِن كَانَ وترا. الثَّالِث: مَا الْحِكْمَة فِي تعْيين الْقرب؟ أُجِيب: بِأَن المَاء يكون فِيهَا مَحْفُوظًا وَفِي مَعْنَاهَا مَا يشاكلها مِمَّا يحفظ فِيهِ المَاء، وَلِهَذَا جَاءَ فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ فِي هَذَا الحَدِيث من آبار شَتَّى. الرَّابِع: مَا الْحِكْمَة فِي شَرطه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي الْقرب عدم حل أوكيتهن؟ أُجِيب: بِأَن أولى المَاء أطهره وأصفاه، لِأَن الْأَيْدِي لم تخالطه وَلم تدنسه بعد، والقرب إِنَّمَا توكى وَتحل على ذكر الله تَعَالَى، فَاشْترط أَن يكون صب المَاء عَلَيْهِ من الأسقية الَّتِي لم تحلل ليَكُون قد جمع بركَة الذّكر فِي شدها وحلها مَعًا. الْخَامِس: مَا الْحِكْمَة فِي أَن عَائِشَة، رَضِي الله عَنْهَا، قَالَت: (وَرجل آخر) وَلم تعينه، مَعَ أَنه كَانَ هُوَ عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ؟ أُجِيب: بِأَنَّهُ كَانَ فِي قَلبهَا مِنْهُ مَا يحصل فِي قُلُوب الْبشر مِمَّا يكون سَببا فِي الْإِعْرَاض عَن ذكر اسْمه، وَجَاء فِي رِوَايَة: (بَين الْفضل ابْن عَبَّاس) ، وَفِي أُخْرَى: (بَين رجلَيْنِ أَحدهمَا أُسَامَة) ، وَطَرِيق الْجمع أَنهم كَانُوا يتناوبون الْأَخْذ بِيَدِهِ الْكَرِيمَة، تَارَة هَذَا وَتارَة هَذَا، وَكَانَ الْعَبَّاس أَكْثَرهم أخذا بِيَدِهِ الْكَرِيمَة، لِأَنَّهُ كَانَ أدومهم لَهَا إِكْرَاما لَهُ واختصاصاً بِهِ، وَعلي وَأُسَامَة وَالْفضل يتناوبون الْيَد الْأُخْرَى، فعلى هَذَا يُجَاب بِأَنَّهَا صرحت بِالْعَبَّاسِ وأبهمت الآخر لكَوْنهم ثَلَاثَة، وَهَذَا الْجَواب أحسن من الاول. السَّادِس: قَالَ الْكرْمَانِي: أَيْن ذكر الْخشب فِي هَذِه الاحاديث الَّتِي فِي هَذَا الْبَاب؟ ثمَّ أجَاب بقوله: لَعَلَّ الْقدح كَانَ من الْخشب.

٤٦ - (بابُ الوُضُوء مِنَ التَّوْرِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْوضُوء من التور، وَقد مر تَفْسِير التور مُسْتَوفى، وَوَقع فِي حَدِيث شريك عَن أنس فِي الْمِعْرَاج فَأتى بطشت من ذهب فِيهِ تور من ذهب، فَدلَّ هَذَا أَن التور غير الطشت، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن يكون التور إبريقاً وَنَحْوه، لِأَن الطشت لَا بُد لَهُ من ذَلِك. والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة.

١٩٩ - حدّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ قالَ حدّثنا سُلَيْمانُ قالَ حدّثنى عَمْرُو بنُ يَحْيَ عَنْ أبِيهِ قالَ كانَ عَمِّي يُكْثِرُ مِنَ الوُضُوءِ قَالَ لَعَبْدِ اللَّهِ بن زَيْدٍ أَخْبِرْنِي كَيْفَ رَأيْتَ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَتَوضَّأُ فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ ماءٍ فَكَفَأَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلاثَ مِرَارٍ ثُمَّ أدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ فَمضْمَضَ واسْتَنْثَرَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَرْفَةٍ واحِدَةٍ ثُمَّ أدْخَلَ يَدَهُ فاغْتَرَفَ بِها فَغَسَلَ وَجْهَهُ

ثَلاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ أخَذَ بِيَدِهِ مَاء فَمَسَحَ رَأْسَهُ فأدْبَرَ بِهِ وأقْبَلَ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ فقالَ هَكَذَا رَأيْتُ النَّبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَتَوَضَّأُ..

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: خَالِد بن مخلد، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح اللَّام: الْقَطوَانِي البَجلِيّ، مر فِي أول كتاب الْعلم. الثَّانِي: سُلَيْمَان بن بِلَال أَبُو مُحَمَّد، مر فِي أول كتاب الْإِيمَان. الثَّالِث: عَمْرو بن يحيى. الرَّابِع: يحيى بن عمَارَة. الْخَامِس: عَم يحيى هُوَ عَمْرو بن أبي حسن، كَمَا تقدم.

وَبَقِيَّة الْكَلَام فِيهِ وَفِيمَا يتَعَلَّق بِالْحَدِيثِ مر فِي بَاب مسح الرَّأْس كُله، ولنذكر هُنَا مَا لم نذكرهُ هُنَاكَ.

قَوْله: (ثَلَاث مَرَّات) وَفِي رِوَايَة: (ثَلَاث مَرَّات) ، فَإِن قلت: حكم الْعدَد فِي ثَلَاثَة إِلَى عشرَة أَن يُضَاف إِلَى جمع الْقلَّة، فَلم أضيف إِلَى جمع الْكَثْرَة مَعَ وجود الْقلَّة وَهُوَ: مَرَّات؟ قلت: هما يتعاوضان فيستعمل كل مِنْهُمَا مَكَان الآخر كَقَوْلِه تَعَالَى: {ثَلَاثَة قُرُوء} (الْبَقَرَة: ٢٢٨) . قَوْله: (ثمَّ ادخل يَده فِي التور فَمَضْمض) فِيهِ حذف تَقْدِيره: ثمَّ أخرجهَا فَمَضْمض، وَقد صرح بِهِ مُسلم فِي رِوَايَته. قَوْله: (واستنثر) قد مر تَفْسِير الاستنثار هُنَاكَ. فَإِن قلت: لِمَ لَمْ يذكر الِاسْتِنْشَاق؟ قلت: الاستنثار مُسْتَلْزم للاستنشاق لِأَنَّهُ إِخْرَاج المَاء من الْأنف، هَكَذَا قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: لَا يَتَأَتَّى هَذَا على قَول من يَقُول: الاستنثار وَالِاسْتِنْشَاق وَاحِد، فعلى قَول هَذَا يكون هَذَا من بَاب الِاكْتِفَاء أَو الِاعْتِمَاد على الرِّوَايَة الاخرى. قَوْله: (من غرفَة وَاحِدَة) حَال من الضَّمِير الَّذِي فِي: (مضمض) ، وَالْمعْنَى: مضمض ثَلَاث مَرَّات واستنثر ثَلَاث مَرَّات حَال كَونه مغترفاً بغرفة وَاحِدَة وَهُوَ أحد الْوُجُوه الْخَمْسَة للشَّافِعِيَّة. وَقَالَ بَعضهم قَوْله (من غرفَة وَاحِدَة) يتَعَلَّق بقوله: (فَمَضْمض واستنثر) ، وَالْمعْنَى جمع بَينهمَا بِثَلَاث مَرَّات من غرفَة وَاحِدَة كل مرّة بغرفة. قلت: يكون الْجَمِيع ثَلَاث غرفات، والتركيب لَا يدل على هَذَا، وَهُوَ يُصَرح بغرفة وَاحِدَة. نعم، جَاءَ فِي حَدِيث عبد الله بن زيد: بِثَلَاث غرفات، وَفِي رِوَايَة ابي دَاوُد وَمُسلم: (فَمَضْمض واستنشق من كف وَاحِدَة، يفعل ذَلِك ثَلَاثًا) . يَعْنِي: بِفعل الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق كل مرّة مِنْهُمَا بغرفة، فَتكون المضامض الثَّلَاث والاستنشاقات الثَّلَاث بِثَلَاث غرفات، وَهُوَ أحد الْوُجُوه للشَّافِعِيَّة وَهُوَ الْأَصَح عِنْدهم قَوْله: (فَغسل وَجهه ثَلَاث مَرَّات) لفظ: ثَلَاث مَرَّات، مُتَعَلق بالفعلين اي: اغترف ثَلَاثًا فَغسل ثَلَاثًا، وَهُوَ على سَبِيل تنَازع العاملين، وَذَلِكَ لِأَن الْغسْل ثَلَاثًا لَا يُمكن باغتراف وَاحِد. قَوْله: (فَأَدْبَرَ بيدَيْهِ وَأَقْبل) ، احْتج بِهِ الْحسن بن حَيّ على أَن الْبدَاءَة بمؤخر الرَّأْس، وَالْجَوَاب أَن: الْوَاو، لَا تدل على التَّرْتِيب، وَقد سبقت الرِّوَايَة بِتَقْدِيم الإقبال حَيْثُ قَالَ: (فَأقبل بِيَدِهِ وَأدبر بهَا) ، وَإِنَّمَا اخْتلف فعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي التَّأْخِير والتقديم ليري أمته السعَة فِي ذَلِك والتيسير لَهُم. قَوْله: (فَقَالَ) ، أَي: عبد الله بن زيد.

٢٠٠ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قالَ حدّثنا حَمَّادٌ عَنْ ثابِتٍ عَنْ أنَسٍ أنّ النَّبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دَعا بِاناءٍ مِنْ ماءٍ فُاتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ فِيهِ شَيءٌ مِنْ ماءٍ فَوَضَعَ أصَابِعَهُ فِيهِ قَالَ أنَسٌ فَجَعَلْتُ أنْظُرُ إلَى المَاءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أصَابِعِه قالَ أنَسٌ فَحَزَرْتُ مَنْ تَوضَّأَ مِنْهُ مَا بَيْنَ السَّبْعِين إِلَى الثَّمَانِينِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة غير ظَاهِرَة لِأَن التَّرْجَمَة بَاب الْوضُوء من التور، اللَّهُمَّ إلَاّ إِذا أطلق اسْم التور على الْقدح.

بَيَان رِجَاله وهم أَرْبَعَة. الأول: مُسَدّد بن مسهرد. الثَّانِي: حَمَّاد بن زيد، تقدم كِلَاهُمَا. فَإِن قلت: فَلِمَ لَا يجوز أَن يكون حَمَّاد هَذَا هُوَ حَمَّاد ابْن سَلمَة؟ قلت: لِأَن مُسَددًا لم يسمع من حَمَّاد بن سَلمَة. الثَّالِث: ثَابت الْبنانِيّ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وبالنونين، مر فِي بَاب الْقِرَاءَة الْعرض. الرَّابِع: أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَمِنْهَا: أَنهم كلهم أَئِمَّة أجلاء.

بَيَان من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي.

بَيَان الْمَعْنى قَوْله: (رحراح) ، بِفَتْح الرَّاء وبالحاءين الْمُهْمَلَتَيْنِ أَي: وَاسع، وَيُقَال: رحرح أَيْضا بِحَذْف الْألف. وَقَالَ الْخطابِيّ: الرحراح: الْإِنَاء الْوَاسِع الْفَم الْقَرِيب القعر، وَمثله لَا يسع المَاء الْكثير، فَهُوَ أدل على المعجزة. وروى ابْن خُزَيْمَة هَذَا الحَدِيث عَن أَحْمد بن عَبدة عَن حَمَّاد بن زيد، فَقَالَ بدل رحراح: زجاج، بزاي مَضْمُومَة وجيمين،

وَبَوَّبَ عَلَيْهِ الْوضُوء من آنِية الزّجاج، وَفِي مُسْنده عَن ابْن عَبَّاس أَن الْمُقَوْقس أهْدى للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قدحاً من زجاج، لَكِن فِي إِسْنَاده مقَال. قَوْله: (فِيهِ شَيْء من مَاء) أَي: قَلِيل من مَاء، لِأَن التَّنْوِين للتقليل، وَمن، للتَّبْعِيض. قَوْله: (يَنْبع) يجوز فِيهِ فتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَضمّهَا وَكسرهَا. قَوْله: (فحزرت) من الحزر، بِتَقْدِيم الزَّاي على الرَّاء، وَهُوَ: الْخرص. وَالتَّقْدِير قَوْله: (من) . فِي مَحل النصب على المفعولية قَوْله (مَا بَين السّبْعين إِلَى الثَّمَانِينَ) وَتقدم من رِوَايَة حميد أَنهم كَانُوا ثَمَانِينَ وَزِيَادَة، وَالْجمع بَينهمَا أَن أنسا لم يكن يضْبط الْعدة بل كَانَ يتَحَقَّق أَنَّهَا تنيف على السّبْعين، ويشك هَل بلغت العقد الثَّامِن أَو جاوزته، كَذَا قَالَ بَعضهم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: ورد أَيْضا عَن جَابر ثمَّة: (كُنَّا خَمْسَة عشر وَمِائَة) ، وَهَذِه قضايا مُتعَدِّدَة فِي مَوَاطِن مُخْتَلفَة وأحوال مُتَغَايِرَة، وَهَذَا أوجه من ذَاك، وَيُسْتَفَاد من هَذَا بلاغه معجزته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ أبلغ من تفجير المَاء من الْحجر لمُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لِأَن فِي طبع الْحِجَارَة أَن يخرج مِنْهَا المَاء الغدق الْكثير، وَلَيْسَ ذَلِك فِي طباع أَعْضَاء بني آدم.

٤٧ - (بابُ الوُضُوءِ بالمُدِّ)

أَي: هَذَا بَاب الْوضُوء بِالْمدِّ، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الدَّال: وَالْمدّ، اخْتلفُوا فِيهِ. فَقيل: الْمَدّ رَطْل وَثلث بالعراقي، وَبِه يَقُول الشَّافِعِي وفقهاء الْحجاز. وَقيل: هُوَ رطلان، وَبِه يَقُول أَبُو حنيفَة وفقهاء الْعرَاق. وَقَالَ بَعضهم: وَخَالف بعض الحنيفة، فَقَالَ: الْمَدّ رطلان. قلت: مَذْهَب أبي حنيفَة أَن الْمَدّ رطلان، وَهَذَا الْقَائِل لم يبين الْمُخَالف من هُوَ، وَمَا خَالف أَبُو حنيفَة أصلا لِأَنَّهُ يسْتَدلّ فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ جَابر، قَالَ: (كَانَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يتَوَضَّأ بِالْمدِّ رطلين ويغتسل بالصاع ثَمَانِيَة أَرْطَال) . أخرجه ابْن عدي، وَبِمَا رَوَاهُ عَن أنس، قَالَ: (كَانَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يتَوَضَّأ بِمد رطلين ويغتسل بالصاع ثَمَانِيَة أَرْطَال) ، أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ.

٢٠١ - حدّثنا أبُو نعَيْمٍ قالَ حدّثنا مِسْعَرٌ قالَ حدّثنى ابنُ جَبْرٍ قالَ سَمِعْتُ أنَساً يَقُولُ كَانَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَغْسِلُ أوْ كانَ يغْتسِلُ بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ أمْدَادٍ وَيَتَوَضَّأُ بالمُدِّ.

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

بَيَان رِجَاله وهم أَرْبَعَة الأول: أَبُو نعيم، بِضَم النُّون: هُوَ الْفضل بن دُكَيْن، تقدم فِي بَاب فضل من اسْتَبْرَأَ لدينِهِ فِي كتاب الْإِيمَان. الثَّالِث: مسعر، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة: ابْن كدام، بِكَسْر الْكَاف وبالدال الْمُهْملَة. وَقَالَ أَبُو نعيم: كَانَ مسعر شكاكاً فِي حَدِيثه. وَقَالَ شُعْبَة: كُنَّا نسمي مسعرَ المصحفَ لصدقه. وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن سعد: كَانَ شُعْبَة وسُفْيَان إِذا اخْتلفَا فِي شَيْء. قَالَ: اذْهَبْ بِنَا إِلَى الْمِيزَان: مسعر. مَاتَ سنة خمس وَخمسين وَمِائَة. الثَّالِث: ابْن جبر، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة، وَالْمرَاد بِهِ: سبط جبر لِأَنَّهُ عبد الله بن عبد الله جبر بن عتِيك، تقدم فِي بَاب عَلامَة الايمان حب الْأَنْصَار، وَمن قَالَ بِالتَّصْغِيرِ فقد صحف، لِأَن ابْن جُبَير، وَهُوَ ابْن سعيد لَا رِوَايَة لَهُ عَن أنس فِي هَذَا الْكتاب، وَقد روى هَذَا الحَدِيث الاسماعيلي من طَرِيق ابي نعيم، شيخ البُخَارِيّ، قَالَ: حَدثنَا مسعر، قَالَ: حَدثنِي شيخ من الْأَنْصَار يُقَال لَهُ: ابْن جبر، وَيُقَال لَهُ: جَابر ابْن عتِيك. الرَّابِع: أنس بن مَالك، رَضِي الله عَنهُ.

بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وَالسَّمَاع. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ كوفيان: أَبُو نعيم ومسعر، وبصريان: ابْن جبر وَأنس. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ من ينْسب إِلَى جده.

بَيَان اللُّغَات وَالْمعْنَى قَوْله: (أنسا) بِالتَّنْوِينِ، لِأَنَّهُ منصرف وقعع مَفْعُولا. قَالَ الْكرْمَانِي فِي بَعْضهَا: أنس، بِدُونِ الْألف، وَجوز حذف الْألف مِنْهُ فِي الْكِتَابَة للتَّخْفِيف. قلت: لَا بُد من التَّنْوِين وَإِن كَانَت الْألف لَا تكْتب. قَوْله: (يغسل) أَي: يغسل جسده. قَوْله: (أَو يغْتَسل) شكّ من الرَّاوِي. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الشَّك من ابْن جبر أَنه ذكر لفظ النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَو لم يذكر، وَفِي أَنه قَالَ: يغسل أَو يغْتَسل، من بَاب الافتعال، وَالْفرق بَين الْغسْل والاغتسال مثل الْفرق بَين الْكسْب والاكتساب. وَقَالَ غَيره: وَالشَّكّ فِيهِ من البُخَارِيّ، اَوْ من أبي نعيم لما حَدثهُ بِهِ، فقد رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ م طَرِيق ابي نعيم وَلم يشك، فَقَالَ: يغْتَسل. قلت: الظَّاهِر أَن هَذَا من النَّاسِخ لِأَن الْإِسْمَاعِيلِيّ لم يروه بِالشَّكِّ، فنسبته إِلَى البُخَارِيّ، أَو إِلَى شَيْخه أَو إِلَى ابْن جبر تَرْجِيح بِلَا مُرَجّح، فَلم لَا ينْسب إِلَى مسعر. قَوْله: (بالصاع) قَالَ الْجَوْهَرِي: الصَّاع هُوَ الَّذِي يُكَال بِهِ، وَهُوَ: أَرْبَعَة أَمْدَاد

إِلَى خَمْسَة أَمْدَاد. وَقَالَ ابْن سَيّده: الصَّاع مكيال لأهل الْمَدِينَة، يَأْخُذ أَرْبَعَة أَمْدَاد، يذكر وَيُؤَنث، وَجمعه: أصوع وأصواع وصيعان وصواع، كالصاع. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الصَّاع مكيال يسع أَرْبَعَة أَمْدَاد، وَالْمدّ مُخْتَلف فِيهِ، وَفِي (الْجَامِع) : تصغيره صويع، فِيمَن ذكَّر، وصويعة فِيمَن أنَّث، وَجمع التَّذْكِير أصواع وأصوع فِي التَّذْكِير، وأصوع فِي التَّأْنِيث. وَفِي (الجمهرة) : أصوع فِي أُذُنِي الْعدَد. وَقَالَ ابْن بري فِي (تَلْخِيص اغلاط الْفُقَهَاء) : الصَّوَاب فِي جمع صَاع أصوع. وَقَالَ ابْن قرقول: جَاءَ فِي أَكثر الرِّوَايَات: آصَع. قلت: أصل الصَّاع صوع، قلبت الْوَاو ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا، وَفِيه ثَلَاث لُغَات: صَاع، وصوع على الأَصْل، وصواع؛ وَالْجمع: أصوع، وَإِن شِئْت أبدلت من الْوَاو المضمومة همزَة. قَوْله: (وَيتَوَضَّأ بِالْمدِّ) ، وَهُوَ ربع الصَّاع، وَيجمع على أَمْدَاد ومدد ومداد، وَيَأْتِي الْخلاف فِيهِ الْآن، وَقد مر بعضه عَن قريب.

بَيَان استنباط الحكم يستنبط مِنْهُ حكمان.

الأول: أَنه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَانَ يغْتَسل بالصاع فَيقْتَصر عَلَيْهِ وَرُبمَا يزِيد عَلَيْهِ إِلَى خَمْسَة أَمْدَاد، فَدلَّ ذَلِك أَن مَاء الْغسْل غير مُقَدّر بل يَكْفِي فِيهِ الْقَلِيل وَالْكثير إِذا أَسْبغ وَعم، وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِي: وَقد يرفق الْفَقِيه بِالْقَلِيلِ فَيَكْفِي، ويخرق الأخرق فَلَا يَكْفِي، وَلَكِن الْمُسْتَحبّ أَن لَا ينقص فِي الْغسْل وَالْوُضُوء عَمَّا ذكر فِي الحَدِيث. وَقَالَ بَعضهم: فَكَأَن أنسا لم يطلع على أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يسْتَعْمل فِي الْغسْل أَكثر من ذَلِك، لِأَنَّهُ جعلهَا النِّهَايَة. وَسَيَأْتِي حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنَّهَا كَانَت تَغْتَسِل هِيَ وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من إِنَاء وَاحِد وَهُوَ: الْفرق، وروى مُسلم من حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَيْضا أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يغْتَسل من إِنَاء يسع ثَلَاثَة أَمْدَاد. قلت: أنس، رَضِي الله عَنهُ، لم يَجْعَل مَا ذكره نِهَايَة لَا يتَجَاوَز عَنْهَا، وَلَا ينقص عَنْهَا وَإِنَّمَا حكى مَا شَاهده، وَالْحَال تخْتَلف بِقدر اخْتِلَاف الْحَاجة، وَحَدِيث الْفرق لَا يدل على أَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَا يغتسلان بِجَمِيعِ مَا فِي الْفرق. وَغَايَة مَا فِي الْبَاب أَنه يدل أَنَّهُمَا يغتسلان من إِنَاء وَاحِد يُسمى: فرقا، وكونهما يغتسلان مِنْهُ لَا يسْتَلْزم اسْتِعْمَال جَمِيع مَا فِيهِ من المَاء، وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي: ثَلَاثَة أَمْدَاد. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَفِيه رد على من قدر الْوضُوء وَالْغسْل بِمَا ذكر فِي حَدِيث الْبَاب: كَابْن شعْبَان من الْمَالِكِيَّة، وَكَذَا من قَالَ بِهِ من الْحَنَفِيَّة مَعَ مخالفتهم لَهُ فِي مِقْدَار الْمَدّ والصاع. قلت: لَا رد فِيهِ على من قَالَ بِهِ من الْحَنَفِيَّة، لِأَنَّهُ لم يقل ذَلِك بطرِيق الْوُجُوب، كَمَا قَالَ ابْن شعْبَان بطرِيق الْوُجُوب، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يجزىء أقل من ذَلِك. وَأما من قَالَ بِهِ من الْحَنَفِيَّة فَهُوَ مُحَمَّد بن الْحسن، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ: إِن المغتسل لَا يُمكن أَن يعم جسده بِأَقَلّ من مدر، وَهَذَا يخْتَلف باخْتلَاف أجساد الْأَشْخَاص، وَلِهَذَا جعل الشَّيْخ عز الدّين بن عبد السَّلَام للمتوضىء والمغتسل ثَلَاث أَحْوَال. أَحدهَا: أَن يكون معتدل الْخلق كاعتدال خلقه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فيقتدي بِهِ فِي اجْتِنَاب النَّقْص عَن الْمَدّ والصاع. الثَّانِيَة: أَن يكون ضئيلاً ونحيف الْخلق بِحَيْثُ لَا يعادل جسده جسده، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَيُسْتَحَب لَهُ أَن يسْتَعْمل من المَاء مَا يكون نسبته إِلَى جسده كنسبة الْمَدّ والصاع إِلَى جسده، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. الثَّانِيَة: أَن يكون متفاحش الْخلق طولا وعرضاً وَعظم الْبَطن وثخانة الْأَعْضَاء، فَيُسْتَحَب أَن لَا ينقص عَن مِقْدَار يكون بِالنِّسْبَةِ إِلَى بدنه كنسبة الْمَدّ والصاع إِلَى بدن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

ثمَّ إعلم أَن الرِّوَايَات مُخْتَلفَة فِي هَذَا الْبَاب، فَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد من حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: (أَن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَانَ يغْتَسل بالصاع وَيتَوَضَّأ بِالْمدِّ) . وَمن حَدِيث جَابر كَذَلِك، وَمن حَدِيث أم عمَارَة: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَوَضَّأ فَأتى بِإِنَاء فِيهِ مَاء قدر ثُلثي الْمَدّ) . وَفِي رِوَايَته عَن أنس: (كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يتَوَضَّأ بِإِنَاء يسع رطلين ويغتسل الصَّاع) . وَفِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي (صَحِيحَيْهِمَا) ، وَالْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) من حَدِيث عبد الله بن زيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أُتِي بِثُلثي مد من مَاء فَتَوَضَّأ، فَجعل يدلك ذِرَاعَيْهِ) . وَقَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ، وَلم يخرجَاهُ. وَقَالَ الثَّوْريّ: حَدِيث أم عمَارَة حسن. وَفِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله عَنْهَا: (كَانَت تَغْتَسِل هِيَ وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي إِنَاء وَاحِد يسع ثَلَاثَة أَمْدَاد) . وَفِي رِوَايَة: (من إِنَاء وَاحِد تخْتَلف أَيْدِينَا فِيهِ) وَفِي رِوَايَة (فدعَتْ بأناء قدر الصَّاع فاغتسلت فِيهِ) وَفِي آخِره كَانَت تَغْتَسِل بِخَمْسَة مكاكيك وتتوضأ بمكوك وَفِي اخرى: (تغسله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالصاع وتوضئه بِالْمدِّ) . وَفِي أُخْرَى: (يتَوَضَّأ بِالْمدِّ ويغتسل بالصاع إِلَى خَمْسَة أَمْدَاد) ، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ: (بِنَحْوِ من صَاع) ، وَفِي لفظ: (من قدح يُقَال لَهُ: الْفرق) ، وَعند النَّسَائِيّ فِي كتاب (التَّمْيِيز) : نَحْو ثَمَانِيَة أَرْطَال) . وَفِي (مُسْند) أَحْمد بن منيع: (حزرته ثَمَانِيَة أَو تِسْعَة أَو عشرَة أَرْطَال) .

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 4.1 / 29.5
الإضاءة 18%
البدر بعد 11 يوم
سبحان الله وبحمده